 أقلام فكرية

هانز رايشنباخ ومساهمته في فلسفة العلوم

ينسب الكثير من مؤرخي الفلسفة إلى هانز رايشنباخ صفة الوضعي المنطقي، وأنه واحد من أعضاء حلقة فيينا. لا أحد ينكر مساهمة رايشنباخ – بما قدمه من أعمال- في تطور الوضعية المنطقية وبلوغها مرحلة العالمية، وخير دليل على ذلك مساهمته مع كارناب في تحرير مجلة المعرفة. لكن هل هذا دليل كاف على أن ريشنباخ كان وضعيا منطقيا بأتم ما تحمله هذه العبارة من معنى؟ وما هي مساهمته  في مجال فلسفة العلوم؟

هانز رايشنباخ** ومساهمته في فلسفة العلوم

رايشنباخ التجريبي المنطقي

يقول ويسلي سالمون  WESLEY C. SALMON(1925-2001)  لعلنا لا نجانب الصواب إن قلنا أن من بين أعظم فلاسفة العلم في كل العصور، نذكر بالتأكيد أرسطو، وديكارت، وليبنتز، وهيوم، وكانط. (وأضيف أنا ابن رشد) وبمعنى أكثر أهمية، يمثل كانط قمة هذا التقليد بسبب جهوده الدؤوبة لتقديم تحليل معرفي وميتافيزيقي مناسب للعلم النيوتوني في قمة نضجه. كانت هناك بالطبع تطورات مهمة في الفيزياء الكلاسيكية بعد وفاة كانط- على سبيل المثال. نظرية ماكسويل الكهرومغناطيسية - ولكنها كانت أشبه ما تكون مكملة للنظام النيوتوني، أكثر منها إنجازات ثورية التي تتطلب تغييرات مفاهيمية وفلسفية عميقة. لم تظهر العلامات الأولى للانهيار الأساسي للفيزياء الكلاسيكية إلا عام 1905؛ على الرغم من أن نظرية "بلانك" الكوانتية وتجربة "ميكلسون-مورلي" تمت في وقت سابق، فإن أهميتها الحاسمة لم يتم التعرف عليها إلا لاحقًا. ومن الملائم بشكل خاص أن هانز رايشنباخ Hans Reichenbach(1891 -1953)، أحد أهم الفلاسفة في القرن العشرين، قد تأثر بالتقاليد الفلسفية الكانطية وبالتطور الذي حصل في مجالي الفيزياء والرياضيات في القرن العشرين. كان هذا الإعداد شرطا لا غنى عنه لأي شخص، مثل رايشنباخ، لتقديم مساهمة كبيرة في فلسفة العلم في القرن العشرين(1). وكثيرا ما كان يطلق على رايشنباخ لقب "الوضعي المنطقي"، يقول فؤاد زكريا في مقدمة ترجمته لكتاب نشأة الفلسفة العلمية:"يعد رايشنباخ من المؤسسين الأوائل لحلقة أو جماعة فيينا"(2). ولكن كحقيقة تاريخية، لم يكن رايشنباخ أبدا عضوا في حلقة فيينا.  لقد كان، بدلاً من ذلك، رئيس جمعية برلين التي فضلت تسميات أخرى مثل الواقعية الجديدة، والفلسفة الطبيعية للعلم(3)، والتجريبية المنطقية- وأصبح المصطلح المفضل لديها هو "التجريبية المنطقية"((4)Logical empiricism.

هانز رايشنباخ وحلقة فيينا

كانت جماعة من الفلاسفة والعلماء تعرف باسم جماعة برلين Berlin Circle قد أسست جمعية للفلسفة التجريبية سنة 1928 بزعامة ريشنباخ. تضم رايشنباخ، هيرتز برغ ودوبسلاف غايتها تطوير فلسفة علمية عن طريق إيجاد طريقة فلسفية لتحليل ونقد نتائج العلوم وبحث المفاهيم الأساسية والنظريات والطرق الخاصة بكل علم. حيث ترى أن الفلسفة العلمية هي طريقة فلسفية تقوم بتطوير نتائج العلوم المختلفة بالتحليل والنقد وحل المشكلات الفلسفية المتعلقة بها، وكانت جماعة برلين على اتصال بجماعة حلقة فيينا.

لكن ينبغي أن نشير هنا إلى أن التعاون بين جماعة برلين وجماعة حلقة فيينا والذي يظهر جليا في اشتراك كل من رودولف كارناب ورايشنباخ في تحرير مجلة المعرفة. إن هذا التعاون لا ينفي وجود اختلافات كثيرة بين المؤسستين. وكان من حصيلة الاتصالات بين حلقة فيينا وجماعة برلين العمل المشترك بين الجماعتين في مؤتمر فلسفي خصص للبحث في نظرية المعرفة في مجال العلوم الدقيقة وذلك في سنة 1929*"(5). وذُكر في التصور العلمي للعالم  يومي 15و 16 سبتمبر 1929(6).

 لقد لعب رايشنباخ دورا مؤثرا في حياة كارناب ومستقبله كفيلسوف للعلم وعالم رائد في المنطق الرمزي . فقد كان لـ ريشنباخ الفضل في تعريف كارناب على مؤسس حلقة فيّينا، والأب الروحي للوضعية المنطقية موريس شيلك Moritz Schlick (1936 – 1882).

يبدو أن هناك إدراكًا واضحًا من جانب كلتا المجموعتين(جماعة حلقة فيينا وجماعة برلين) بأن اختلافاتهم الفلسفية -رغم أنها ذات أهمية كبيرة- كانت ضئيلة بالمقارنة مع الخلافات الأساسية التي تفصلهما عن  الحركات الفلسفية الأخرى التي عارضوها. كان إعجاب الجماعتين عميقا بالعمل المثال من طرف كل من وايتهد وبرتراند راسل في مبادئ الرياضيات Mathematica Principia. ومثّل نظر كل منها للتطور السريع الذي حدث في مجال العلم التجريبي وخاصة الفيزياء، إلهاما فلسفيا معتبرا. ونذكر على سبيل المثال نسبية انشتاين وفيزياء الكوانتم مع ماكس بلانك. (فضلا عن المادة الخام للتحليل المنطقي). لكن إذا كان رايشنباخ لا يعتبر وضعيا منطقيا، فذلك، لأن ريشنباخ نفسه أكد أن هناك مسائل فلسفية أساسية يختلف فيها مع الوضعية المنطقية. وهذا ما نلاحظه في مقدمة كتابه التجربة والتنبؤ حيث يقول:  يبدو أن نمو هذه الحركة متقدمًا بشكل كافٍ للدخول على مستوى أعلى من التقريب؛ وما أقترحه هو أن شكل هذه المرحلة الجديدة يجب أن يكون تجريبيا احتماليا. إذا كان الاستمرار المقترح يقابل تناقض بعض الأفكار التي اعتبرت حتى الآن راسخة، ولا سيما من قبل الكتاب الوضعيين، فإن القارئ سيأخذ في الاعتبار أن هذا النقد لا يعرض بنية تقويض المزايا التاريخية لهؤلاء الفلاسفة(يقصد الوضعيين المنطقيين). على العكس من ذلك، يسرني أن أحظى بفرصة للتعبير عن أنني أدين للعديد من المؤلفين الذين لا أستطيع أن أشاطر آراءهم بالكامل. ومع ذلك، أعتقد أن توضيح أسس مفاهيمنا المشتركة هو المهمة الأكثر إلحاحًا داخل حركتنا الفلسفية. وأنه يجب علينا ألا نتقاعس عن الاعتراف صراحة بأوجه القصور في النتائج السابقة حتى ولو أنها لا تزال تجد مدافعين عنها في صفوفنا(7).

وجاء في التصور العلمي للعالم: "وحلقة فيينا تسعى إلى إقامة علاقات مع الجماعات ذات التوجه المماثل، والتأثير في المجموعات المنغلقة على نفسها والتي تقف بعيدا عن المشهد. كما يعد التعاون في جمعية ارنست ماخ تعبيرا عن هذا المسعى. كان شليك يرأس هذه الجمعية.. وتم ذكر جمعية الفلسفة التجريبية برلين"(8).

وجاء أيضا،اسم هانز رايشنباخ في آخر البيان -عند ذكر أعضاء حلقة فيينا والمتضامنون مع الحلقة- في قائمة الأعضاء المتضامنين مع الحلقة وليس في قائمة أعضاء الحلقة(9). وجاء كذلك في بيان التصور العلمي للعالم: لم يتميز التصور العلمي عن العالم كثيرا بالأطروحات التي صدرت عنه، بقدر ما تميز بموقفه الأساسي، وآرائه واتجاهات أبحاثه؛ فالهدف الأول هو تأسيس العلم الموحد. إلى جانب أنه يسعى إلى ربط إنجازات الباحثين وتنسيقيها بمختلف مجالاتهم العلمية.."(10) هذه العبارات توحي بأن جماعة حلقة فيينا لم يكن لديهم مذهبا واحدا بل كان لديهم تصور عام أو مشروع عام لا يمكن إنجازه انطلاقا من اتجاه واحد أو مذهب واحد بل كان مشروعا مطروحا للإثراء والمناقشة وهذا ما يفسر الاختلافات الكثيرة التي كانت بين أعضاء الحلقة رغم ما يظهر من اتفاق بينهم. فلاتفاق كان حول المنطلق أو المبدأ لكن الاختلاف حصل في كيفية تجسيد هذا المنطلق أو المبدأ. ومن هنا نتساءل هل اشتراك هانز رايشنباخ مع أعضاء حلقة فيينا في إنجاز الكثير من الأعمال التي تخدم مشروع الوضعية المنطقية بصفة عامة وتصور حلقة فيينا للعالم بصفة خاصة، هل يعني أن رايشنباخ كان بالضرورة يتبنى كل آراء الوضعية المنطقية أو حلقة فيينا على الخصوص؟  أراء رايشنباخ في كثير من المشكلات التي تناولها تبيّن أنه كان يختلف مع حلقة فيينا على الخصوص ومع الوضعية المنطقية على العموم. فلم يكن وضعيا منطقيا بالمعنى الذي قصدته حلقة فيينا.

كان رايشنباخ، جنبا إلى جنب مع الوضعيين المنطقيين، مؤيدًا قويًا لـ "نظرية التحقق من المعنى".كانت هذه القضية حجر الزاوية في تجريبيته. انظر "نظرية التحقق من المعنى" 1951. تبدأ هذه المقالة ببعض الملاحظات التاريخية الواضحة على علاقات رايتشنباخ مع أعضاء حلقة فيينا من الوضعيين المنطقيين. وهو يشكل معالجته النهائية المفصلة لهذا الموضوع (مبدأ التحقق).

 لقد أدرك رايشنباخ في وقت مبكر جداً -وهو درس سيتعلمه معظم الوضعيين المنطقيين إن عاجلاً أم آجلاً - أن معيار المعنى المعرفي لا يمكن تحديده من حيث قابلية التحقق الاستنباطية الصارمة، ولكن يجب استحضار بدلاً من ذلك نوعاً من إمكانية التحقق الاحتمالي (أو التثبت) إلى حد ما. بالنسبة لرايشنباخ تأخذ القضية معناها المعرفي فقط إذا كان ممكنا مبدئيا أن تحصل على أدلة من شأنها أن تعطي لها درجة من الاحتمال أو الوزن. من الواضح أن مثل هذا التحقق الاحتمالي قد يكون مؤيدا أو مقوّضًا، لأن الوزن الناتج قد يكون مرتفعًا أو متوسطًا أو منخفضًا. may be high, middling, or low. وبالتالي، تصبح قابلية التحقق الاحتمالي أو قابلية الرفض من حيث المبدأ معيار المعنى المعرفي أو الواقعي.

بالإضافة إلى ذلك، فقد صرح رايشنباخ أيضًا، بمعيار التماثل في المعنى المعرفي: يكون لعبارتين المعنى المعرفي نفسه، إذا كان وفقط إذا كان كل عنصر تجريبي سيعطي بالضبط الاحتمال أو الوزن نفسه  للأولى كما للأخرى. ويشكل هذا المعيار من تماثل المعنى المعرفي أساس "نظرية الأوصاف المتكافئة" التي وضعها رايشنباخ والتي لعبت دورًا مركزيًا في فلسفته للمكان والزمان، وتحليله لميكانيكا الكم، وفي الحقيقة، في نظريته في المعرفة بصفة عامة. يجب أن نشير أن رايشنباخ لم يؤكد أبداً أنه لا يوجد أي معنى آخر غير المعنى المعرفي. كان يعي تمامًا أن هناك  أنواعًا أخرى مثل، المعنى العاطفي والاستعاري. إنه لخطأ محض أن نفترض أنه كان على الإطلاق يرى أن كل ما لا يمكن التحقق منه تجريبياً فهو من القضايا التي لا معنى لها كما هو الأمر عند الوضعيين المنطقيين في حلقة فيينا(11). وهذه الفكرة بالذات هي التي أثارها كارل بوبر Karl Popper (1902- 1994)عندما رفض التمييز بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية التي قال بها كارناب وإن كان ذلك بطريقة مختلفة(12). وهنا يمكن أن نستنتج تأثر كارل بوبر بـ رايشنباخ في هذه المسألة وإن كان لم يصرح بذلك.

أهم إنجازات رايشنباخ

إن تحديد مكانة مفكر أو عالم في مجال ما يقتضي الإشارة إلى الأعمال والإبداعات التي قدمها في ذلك المجال، فماذا قدم راشينباخ في مجال فلسفة العلوم؟

ولعل من أهم انجازات جمعية برلين بزعامة رايشنباخ هو"استخلاص نظرية المعرفة المرتبطة بالتحولات العلمية الجديدة والاستفادة منها في فهم المشكلات الفلسفية وحلها. ومن الأمثلة على ذلك ما أثارته النظرية النسبية والكوانتية وما فتحت من آفاق في المعرفة. ... "(13). 

لقد كان ريشنباخ رائدا في فتح  طرق جديدة لحل المشاكل القديمة في العديد من المجالات: الفضاء، والوقت، والسببية، والاحتمال(الترجيح) -التحليل الفلسفي وتفسير الفيزياء الكلاسيكية، والنسبية، والفيزياء الكمية- المنطق، واللغة، والأخلاق، والتفسير العلمي، والمنهجية، والتقييم النقدي، وإعادة مراجعة المفكرين الميتافيزيقيين السابقين، والعلماء من أفلاطون إلى ليبنتز وكانط(14).

رفض رايشنباخ للقبلي التركيبي

لا يمكننا تناول كل انجازات رايشنباخ وهي كثيرة لا يتسع بحث كهذا لذكرها جميعا وبالتفصيل. فنبدأ بنقد رايشنباخ لكانط والقطيعة معه وهو ما يؤسس فيما بعد لفلسفة جديد في العلوم ترفض المعرفة التركبية القبلية. في البداية لابد من التذكير بأن استحضار كانط للتركيبية القبلية كان هدفه هو برهنة إمكانية العلم من الناحية المنطقية وتجاوز تجريبية هيوم المتطرفة. إن افتراض التركيبي القبلي يتلاءم تماما مع التحليل الفلسفي لمبادئ فيزياء نيوتن. في الواقع، بدأت رحلة هانز رايشنباخ الفلسفية الخاصة به من خلال انتقاله من الإيمان بفكر كانط إلى القطيعة معه. القضية، وباختصار، هي هل هناك قضايا تركيبية قبلية؟. إن الدافع الأساسي في مسيرة رايشينباخ الفلسفية، هو، من البداية إلى النهاية، ينصب حول محاولة حل هذا المشكلة بالذات. لقد كرس راشنباخ معظم أعماله في إعادة بناء المعرفة بصفة عامة والمعرفة العلمية بصفة خاصة دون اللجوء إلى القبلي التركيبي بأي شكل من الأشكال. إن هذا البرنامج يبدو سهلا من حيث القول، ولكن يصعب انجازه فعليا.

نظرية احتمال المعنى عند رايشنباخ

كان رايشنباخ، جنبا إلى جنب مع الوضعيين المنطقيين، مؤيدًا قويًا لـ "نظرية التحقق من المعنى".كانت هذه القضية حجر الزاوية في تجريبيته. انظر "نظرية التحقق من المعنى" 1951. تبدأ هذه المقالة ببعض الملاحظات التاريخية الواضحة على علاقات رايتشنباخ مع أعضاء حلقة فيينا من الوضعيين المنطقيين. وهو يشكل معالجته النهائية المفصلة لهذا الموضوع.

 لقد أدرك رايشنباخ في وقت مبكر جداً -وهو درس سيتعلمه معظم الوضعيين المنطقيين إن عاجلاً أم آجلاً - أن معيار المعنى المعرفي لا يمكن تحديده من حيث قابلية التحقق الاستنباطية الصارمة، ولكن يجب استحضار بدلاً من ذلك نوعاً من إمكانية التحقق الاحتمالي (أو التثبت) إلى حد ما. بالنسبة لرايشنباخ تأخذ القضية معناها المعرفي فقط إذا كان ممكنا مبدئيا أن تحصل على أدلة من شأنها أن تعطي لها درجة من الاحتمال أو الوزن. من الواضح أن مثل هذا التحقق الاحتمالي قد يكون مؤيدا أو مقوّضًا، لأن الوزن الناتج قد يكون مرتفعًا أو متوسطًا أو منخفضًا. may be high, middling, or low. وبالتالي، تصبح قابلية التحقق الاحتمالي أو قابلية الرفض من حيث المبدأ معيار المعنى المعرفي أو الواقعي.

بالإضافة إلى ذلك، فقد صرح رايشنباخ أيضًا، إلى معيار التماثل في المعنى المعرفي: يكون لعبارتين المعنى المعرفي نفسه، إذا كان وفقط إذا كان كل عنصر تجريبي سيعطي بالضبط الاحتمال أو الوزن نفسه  للأولى كما للأخرى. ويشكل هذا المعيار من تماثل المعنى المعرفي أساس "نظرية الأوصاف المتكافئة" التي وضعها رايشنباخ والتي لعبت دورًا مركزيًا في فلسفته للمكان والزمان، وتحليله لميكانيكا الكم، وفي الحقيقة، لنظريته في المعرفة بصفة عامة.

 يجب أن نشير أن رايشنباخ لم يؤكد أبداً أنه لا يوجد أي معنى آخر غير المعنى المعرفي. كان يعي تمامًا أن هناك  أنواعًا أخرى مثل، المعنى العاطفي والاستعاري. وهنا يختلف رايشنباخ مع جماعة حلقة فيينا. إنه لخطأ محض أن نفترض أنه كان على الإطلاق يرى أن كل ما لا يمكن التحقق منه تجريبياً من القضايا التي لا معنى لها كما هو الأمر عند التجريبيين المنطقيين في حلقة فيينا(15). وهذه الفكرة بالذات هي التي أثارها كارل بوبر Karl Popper عندما رفض التمييز بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية التي قال بها كارناب وإن كان ذلك بطريقة مختلفة، لكن بوبر لم يشر إلى رايشنباخ على الإطلاق

الاحتمال

إن المشكلة التي أثارها دفيد هيوم فيما يخص المعرفة الاستقرائية كانت موضوع بحث بالنسبة لريشنباخ ووصل فيها إلى نتيجة مهمة تتمثل كما يقول علي عبد المعطي محمد: في اعتماد المنطق الاحتمالي كمفتاح لحل مشكلة الاستقراء والتنبؤ، فالحكم المتعلق بالمستقبل لا يمكن الجزم بصحته، لأننا نتصور دائما أن العكس هو الذي سيحدث، وليس هناك ما يضمن لنا أن التجربة لن تحقق ما هو اليوم مجرد خيال. فالتنبؤ بالتجارب المقبلة لا يمكن التعبير عنه إلا بمعنى احتمالي أي ينبغي أن نعمل حسابا لاحتمال كذبه، فإذا اتضح خطأ التنبؤ كان علينا الاستعداد لمحاولة أخرى. فالحكم التنبؤي احتمالين فبدلا من أن نعرف حقيقته، نعرف نسبة احتماله فقط وبهذا نفهم المعرفة التجريبية وحل مشكلة الاستقراء(16). رغم ما واجهه هذا الحل من اعتراضات وانتقادات إلا أن قيمته تحكم في محاولة رايشنباخ الرائدة والتي لم يسبقه لها أحد في محاولة تقديم حل جديد لقضية قديمة كادت أن تقوض أسس المعرفة العلمية.

تأثير رايشنباخ في حلقة فيينا

إن التجريبية المنطقية -التي لا ينبغي الخلط بينها وبين الوضعية المنطقية- هي حركة تركت أثرا لا يمحى على فلسفة القرن العشرين. كان هانز رايشنباخ (1891-1953) أحد مؤسسيها وأحد أكثر مناصريها من حيث ما أنتجه. لقد أوقف موته المفاجئ والمبكر في عام 1953 عمله عندما كان في أوج عطائه الفكري. ومع ذلك، ترك لنا إنتاجا فكريا هائلا.

لا توجد جائزة نوبل في الفلسفة - أقرب نظير لها هو مجلد في مكتبة الفلاسفة الأحياء، وهو شرف، مثل جائزة نوبل، لا يمكن منحه بعد الوفاة. ومن بين "الفلاسفة العلميين"، الذين تم تكريمهم نجد رودولف كارناب وألبرت أينشتاين وكارل بوبر وبرتراند رسل. لو عاش رايشنباخ فترة أطول، لكان قد شارك هذا الشرف مع كارناب، لأنه كان هناك مجلد حول التجريبية المنطقية، يعالج أعمال كارناب ورايشنباخ، لا يزال في بدايته، عند وفاة رايشنباخ.

وظهر هذا المجلد بعد موت راشينباخ، كتب فيه كارناب قائلا: "في عام 1953، عندما انقطع النشاط الإبداعي لـ ـرايشنباخ بسبب وفاته المفاجئة، خسرت حركتنا أحد أكثر قادتها نشاطًا، لكن عمله المنشور وثمرة تأثيره  مستمر معنا(17)". وهذا ما يبين بوضوح تأثر أعضاء حلقة فيينا بفكر رايشنباخ وخاصة رفضه للمعرفة التركيبية القبلية والتصحيح الذي ادخله على مبدأ التحقق عند الوضعية المنطقية حيث قيم هذا المبدأ إلى ثلاث مستويات التحقق القوي والمتوسط  والضعيف. وهو ما يذكره في كتابه التجربة والتنبؤ سنة 1938. ومن الحقائق التاريخية المدهشة-كما يذكر صاحب كتاب هانز رايشنباخ التجريبي المنطقي  LOGICAL EMPIRICIST ويسلي سلمون WESLEY C. SALMON أن هذا العمل، الذي كان بكل وضوح أطروحة ابستمولوجية أساسية لرايشنباخ، لم يترجم إلى أية لغة أخرى غير الإنجليزية الأصلية التي كُتبت بها.(18)

ومن خلال هذه الأمثلة المختصرة يظهر تجديد رايشنباخ في مجال الفكر الفلسفي عامة وفي فلسفة العلوم خاصة ولعلنا لا نغالي إذا قلنا أن تأثير رايشنباخ في تطور فلسفة العلوم يبرز خاصة في حل مشكلة المعرفة التركيبية القبلية التي قال بها كانط، وتجاوزها وما نتج عن ذلك من تصورات علمية جديدة منها منطق ثلاثي القيمة ونظرية الاحتمال في المعنى، ومبدأ التحقق الاحتمالي، ومفهومي المكان والزمان وقضايا عديدة أخرى أثيرت مع رايشنباخ وتواصل البحث فيها بعده وكان لها الأثر القوي في إشعال الفلسفة في القرن العشرين وهو ما يبرز مكانة رايشنباخ  في فلسفة العلوم في هذا القرن.

 

مسعود بن سلمي

دراسات ما بعد التدرج سنة ثالثة دكتوراه جامعة الحاج لخضر. باتنة الجزائر.

..........................

الهوامش

(1)- WESLEY C. SALMON, Hans Reichenbach, logical empiricist, 1st edition, springer netherlands.. 1979, p,1.

(2) - هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، تر، فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر، 2004. ص، 12.

(3) - باسم راجح الألوسي، مشكلات في فلسفة العلم من وجهة نظر هانز رايشنباخ، ط1،  الجزائر،2015، ص 89.

(4) - WESLEY C. SALMON.  ibid, p, 40.

5- ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، ط2، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 2012 ، ص، 220.

يذكر ياسين خليل في المرجع نفسه والصفحة أن انعقاد المؤتمر كان سنة 1930. وهو يخالف التاريخ المذكور في التصور العلمي للعالم.

(6)- ماهر عبد القادر محمد علي،  حلقة فيينا تصورها العلمي للعالم فجر فلسفة العلوم المعاصر، ، دار المعرفة الجامعية، ط1 2017.ص، 203.

(7) - Hans Reichenbach, EXPERIENCE and PREDICTION, Phoenix Books The University of Chicago Press, 1961. P, preface.

(8) - ماهر عبد القادر محمد علي، المرجع السابق، ص، 103.

(9) - المرجع نفسه، ص 126.

(10) - المرجع نفسه، ص 111.

(11)- WESLEY C. SALMON, ibid, p, 41.

(12) -ويلارد كواين، من وجهة نظر منطقية، تر، حيدر حاج اسماعيل، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص 79.

(13) - ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، مرجع سابق، ص 22.

(14) - MARIA REICHENBACH and ROBERT S. COHEN : Hans Reichenbach, Selected Writings1909-1953, V1,  Principal Translations by Elizabeth Hughes Schneewind.D. Eridel PUBLISHING COMPANY  DORDRECHT : HOLLAND I BOSTON: U.S.A. LONDON: ENGLAND, 1978. p

(15)- WESLEY C. SALMON, ibid, p, 41

(16) - علي عبد المعطي محمد، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، مصر،1988، ص، 528.

(17) - WESLEY C. SALMON,  Ibid,. Preface.

(18) - ibid, p, 75.

** ولد هانز رايشنباخ في 26 سبتمبر 1891 في هامبورغ  وزاول تعليمه هناك حتى بلغ السابعة عشرة من عمره. أُعجب بنظرية النسبية بشكل كبير وقادته إلى صراع مع فلسفة كانط. مكث في شتوتغارت من 1920 حتى 1926. في عام 1926، التحق بجامعة برلين حيث تم تعيينه، بفضل جهود بلانك، في منصب تعليمي في الفلسفة الطبيعية. وبقي متمسكا بهذا المنصب حيث، رفض دعوة إلى كرسي الفلسفة الطبيعية في الجامعة الألمانية في براغ في عام 1930. انتقل إلى جامعة اسطنبول بـ تركيا عام 1933. عام 1938 رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث شغل منصب الفلسفة بجامعة كاليفورينيا بـ لوس أنجلس. توفي في 9 أفريل 1953 بـ لوس أنجلس. أهم مؤلفاته نسق البديهيات في النظرية النسبية الزمكان، نظرية الاحتمالاات، التجربة والتنبؤ، من كوبرنيكوس إلى انشتاين، الأسس الفلسفية لميكانيكيا الكونتم، نشأة الفلسفة العلمية، وأخيرا كتاب نشر بعد وفاته من أوراقه المخلفة الفلسفة العلمية الحديثة. أنظر-MARIA REICHENBACH and ROBERT S. COHEN : HANS REICHENBACH, SELECTED WRITINGS 1909-1953, V, ONE, من ص 1-8 -وفؤاد زكريا مقدمة نشأة الفلسفة العلمية ص 13.

المصادر باللغة الانجليزية

Hans Reichenbach, EXPERIENCE and PREDICTION, Phoenix Books The University of Chicago Press, 1961.

Hans Reichenbach – The Verifiability Theory of Meaning, In:Modern Philosophy of Science, pp.135-50 First Published:The Philosophical Review, vol. LVII, No.4, July 1948.

المراجع باللغة الانجليزية

MARIA REICHENBACH and ROBERT S. COHEN : Hans Reichenbach, Selected Writings1909-1953, V1,Principal Translations by Elizabeth Hughes Schneewind.D. Eridel PUBLISHING COMPANY  DORDRECHT : HOLLAND I BOSTON: U.S.A. LONDON: ENGLAND, 1978.

WESLEY C. SALMON, Hans Reichenbach, logical empiricist, 1st edition, springer netherlands. 1979.

المصادر باللغة العربية

- هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، تر، فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر، 2004.

المراجع بالعربية

- باسم راجح الألوسي، مشكلات في فلسفة العلم من وجهة نظر هانز رايشنباخ، ط1، الجزائر،2015.

- علي عبد المعطي محمد، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، مصر،1988.

- ماهر عبد القادر محمد علي، حلقة فيينا تصورها العلمي للعالم فجر فلسفة العلوم المعاصر،  دار المعرفة الجامعية، ط1 2017.

- ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، ط2، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 2012.

- ويلارد كواين، من وجهة نظر منطقية، تر، حيدر حاج إسماعيل، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4884 المصادف: 2020-01-19 01:29:31