 أقلام فكرية

ادراك العقل بالفكر واللغة

علي محمد اليوسفاللغة والفكر لا يحضران سوّية ألا في محاولة تنفيذ أيعازات مصنع الحيوية البشرية في الاخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا وأكتملت مهمة أعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكرجديد بلغة جديدة وليس كوجود سابق مستقل في عالم الاشياء.بمعنى أن ادراك العقل للاشياء ليس لمجرد معرفتها ولكن لتخليقها من جديد حسب مقولات العقل التجديدية له كما يذهب له كانط..

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز أدراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة أذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من أدراك وتأويل واحد؟ وهل التفريق بين الفكر واللغة هو لغرض مصطلحي مجازي غير حقيقي ولا واقعي في التطبيق؟؟.

هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر أي بمعزل اللغة عن الفكر، أو الفكر عن اللغة لأن في ذلك أستحالة أدراكية تعجيزية للعقل في أمتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا بوسيلة اللغة التي هي وسيلة نقل تفكير العقل بالاشياء والمواضيع التي يدركها..

أن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة أن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكرحسب دي سوسير، أو أن اللغة هي بيت الوجود كما عند هيدجر...وأن اللغة مبتدأ ومنتهى أدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي...جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على أنها فعالية أدراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم أدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه في الاحتكام للعقل وأدراكه الوجود.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل العقل في تمثلاته مواضيع الادراك المستمدة من الذاكرة والخيال وتكون اللغة متموضعة خارج العقل حين يكون الموضوع المعبر عنه ماديا في وجوده المستقل في عالم الموجودات والاشياء خارج العقل، عندها في كلتا الحالتين يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما (الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا و متعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه بمقولات العقل الاثنتي عشرة مقولة حسب كانط ببعضها وليس بمجملها حسب نوعية الموضوع المدرك عقليا ونوعية تخليقه ثانية بالفكر اللغوي بعد تمثله ادراكيا، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا أو بالاحرى من أجل فهم الوجود الخارجي في مكوناته المستقلة ليس من اجل معرفتها فقط كما ذكرنا سابقا.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت بالذهن خياليا، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل واقعيا ماديا وموجودا...وفي الواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا بصور لغوية وخارجيا بوسيلة اللغة ايضا، أنما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي أو متخيّل مصدره الذاكرة ...أي أن العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع ) المدرك لشيء في زمن واحد...وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من العالم الخارجي المادي أو خيالي مصدره الذاكرة.

نذّكر أن علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة...بأعتبار اللغة هي فعالية العقل في تعيين أدركاته للموجودات والاشياء الخارجية.

نأتي الآن الى معالجة أصل أمكانية فصل الفكر عن اللغة، على أنها أستحالة أدراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في أستقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك وأعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها عقليا، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي أيضا تستطيع الحواس و اللغة التعبير عنها وهذا لا يتم من غير الوعي العقلي الادراكي لموضوعه وبغير ذلك لا تمتلك اللغة فاعلية التعبير عن الموضوع وكذا الحال مع الحواس في أدراكها الموجودات فلا قيمة لها من غير مرجعية أسنادهما بمدركات العقل فالحواس تدرك المحسوسات على وفق منظومة الجهاز العصبي التي ترتبط بالدماغ الذي هو جزء العقل الفاعل بالادراك.كما ان الحواس لا تستطيع التعبير عن واقع الاشياء دونما وصاية العقل عليها وتوجيهها..

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، أي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فأن العقل وسيلة تفكيره هو الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة تعبيرا خارجيا عن موضوع تفكيره الا على أنها جزء من الفكر كتصور لغوي فالوعي الادراكي يتمثل الموجودات بصور وعلامات ومرموزات اللغة التي هي جميعها تجريد ذهني يعبّر عن موجودات العالم الخارجي..

وملازمة الفكر الذي هو وسيلة العقل في الادراك غير المنفصل عن تعبير اللغة فاللغة والفكر وجهان لعملة واحدة في ادراك العقل للاشياء والموجودات في العالم الخارجي.. خارج الدماغ أو العقل في وجود الاشياء مستقلة كموجودات، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه ثانية، فلا يدرك الموضوع او الشيء خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل (الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.وبنفس الآلية يكون تفكير العقل بمواضيع الخيال في تمثُلها صوريا لغويا..

وعندما يتجسد ويتّعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا أو بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية أو المكتوبة بخلاف مواضيع (الخيال والذاكرة) في الذهن، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات أهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في أثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها باولويتها في التعبير عن الموجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة أدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات في العالم الخارجي.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون أدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرة عنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن العقل، وأيضا من الفكر واللغة. وجميعها تشكل منظومة العقل الادراكية للاشياء المادية والمواضيع المتخيّلة عل السواء.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا... فالموضوع المفكّر به صمتا من غير تعبير لغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل أهمية أنشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

أن اللغة أثناء زمانية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل... فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور الفكر وحده، ولكن التفكير داخل العقل الصامت لا يستطيع التفكير من غير صور لغوية وهذه أشكالية تؤكد أستحالة فصل الفكر عن اللغة بالمطلق والاستحالة القطعية لا في تعبير العقل عن موضوعات أدراكه الخارجية ولا في تعبيره عنها بالفكر داخله...

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4921 المصادف: 2020-02-25 02:16:16