 أقلام فكرية

الزمان صيرورة وماهية.. إضاءة فلسفية

علي اسعد وطفةحطِّمنا ريب الزمان كأننـــــا -- زجاج ولكن لا يُعاد لنا سَبْك

وما الإنسان في التطواف إلا -- أسيرٌ للزمان فمــــــا يفـــك

أبو العلاء المعري

يحتل مفهوم الزمان  صدارة المفاهيم الإشكالية في ميتافيزياء الفلسفة منذ القدم، وما زال الفلاسفة حتى اليوم يقفون في محراب هذا المفهوم بحثا عن أعمق أسرار الكون واكثرها التصاقا بوجود الإنسان وحياته على وجه الاطلاق. ومع أهمية الجهود الفلسفية التي بذلت في مقاربة مفهوم الزمن على مدى التاريخ ما زال مفهوم الزمن يشكل اللغز الأعظم الذي يتحدى عقل الإنسانية وفاهمة الإنسان. وفي هذا السياق يقول هنري برغسون "إن الزمن هو المعضلة الأساسية في الميتافيزيقا وعندما تستطيع الإنسانية أن تقدم إجابة واضحة عن سؤال الزمن فإنها تستطيع تجاوز كل الإشكاليات والمعضلات الوجودية التي تواجه حياة الإنسان والبشرية جمعاء. ويقول ريتشارد ب فينمان الحائز على جائزة نوبل في هذا الصدد: "نتعامل نحن علماء الفيزياء مع الزمن يومياً، ولكن لا تسألني عن ماهيته، إنه أصعب مما نستطيع إدراكه".

وقد أدرك كثير من العلماء المسلمين وفلاسفتهم صعوبة البحث في قضية الزمن ورأوا فيه مسلكا شائكا صعب المنال، فهذا فخر الدين الرازي في "المباحث المشرقية" يقرّ بهذه الصعوبة وتلك المشقة حيث يقول: "إعلم أني إلى الآن ما وصلت إلى حقيقة الحق في الزمن". وذاك أبو الحيان التوحيدي يعلن في كتابه "الهوامل والشوامل" صعوبة الخوض في أمر الزمن فيقول " إنه فن ينشف الريق ويضرع الخد ويجيش النفس، ويقيء المبطان، ويفضح المدعي، ويبعث على الإعتراف بالتقصير والعجز"، ويبين "أن العلم بحر، وفائت الناس منه أكثر من مدركه، ومجهوله أضعاف معلومه، وضنه أكثر من يقينه، والخافي منه أكثر من البادي وما يتوهمه فوق ما يتحققه".

لقد تساءل الفلاسفة منذ القدم عن ماهية الزمن ودورته وأبعاده وتشكلاته: هل الزمن مفهوم مجرد أم واقع محسوس أم كلاهما معا؟ هل الزمن دائري منغلق أم خطي مستقيم؟ هل هو متغير أم دائم سرمدي؟ ما الحدود الفاصلة بين الأزل والأبد والزمن؟ هل هو نسبي أم مطلق؟ هل يخضع للقياس والحساب؟ وكيف يمكن قياسه؟ ما هي العلاقة الأبدية بين الزمان والديمومة والمكان؟ هل الزمن جوهر منفصل بذاته أم متصل بغيره؟ ما العلاقة بين الله والقدر والزمن؟ هل يمكن اختراق الزمن وحصاره؟ هل يمكن ابتلاع الزمن ومصادرته؟ ما العلاقة بين الزمن والضوء والمكان؟ تلك هي بعض الأسئلة التي طرحتها الفلسفة عبر تاريخها المديد عبر العصور والقرون.

والإنسانية لم تتقدم كثيرا في حل هذه المعضلة الوجودية الميتافيزيائية منذ بداية التاريخ، فما زال العلماء حتى اليوم على الرغم من التقدم الهائل في الفيزياء يشعرون بالحيرة والدهشة إزاء هذا المفهوم الذي يسحر الإنسان ويسخر منه في الوقت نفسه، ومن منا لا يشعر بهذه الحيرة القديمة وهذا السحر الهادئ عندما يردد مقولة هيرقليطس "لا يستطيع المرء أن يستحم في ماء النهر الواحد مرتين لأن مياها جديدة تجري من حوله ابدا ". ففي الومن تكمن معضلة البدء والولادة والحياة ثم الموت والفناء.

فالزمان يستثير سؤالين كبيرين الزمان، يتمثل الأول في ماهية الزمان في حين يتمثل الثاني في كيفية قياسه، والسؤال الأول يخص الفلاسفة أما الثاني فيخص الفيزيائيين والعلماء. ويعتقد الكثيرون أن السؤال الأول بقي من غير جواب نهائي وقد يبقى إلى الأبد.

ومهما تكن الصعوبة التي تكمن في جوهر هذه الأسئلة، ومهما تكن التحديات التي يواجهها الإنسان في في في مقاربة هذه الأسئلة الميتافيزيائية بامتياز فإن البحث والتأمل في مسألة الزمان يقع في دائرة التأمل الفلسفي الذي يتسم بالروعة والجمال حيث تكون الرحلة من الزمان رحلة في ميتافيزياء العقل التي تتميز بسحر لا يفوقه سحر وجمال لا يعلو عليه أي جمال لأنها ترحال في مسألة الكينونة وبحث في ماهيات الوجود وأبعاد الحياة.

في ماهية الزمن:

الزمان مفهوم فلسفي بالغ التعقيد وتعريفه غالبا محفوف بالخطر. وفي هذا يقول القديس أغسطين: إنني لا أعرف الزمن حينما أسأل عنه وعندما يتعلق الأمر بتفسيره فإنني لا أعرفه أبدا". وليس من السهل أبدا تعريف هذا المفهوم الميتافيزيائي الذي يتدفق بكل أشكال التعقيد، فالزمان كما يقول أوغسطين نفسه موجود بوجود الكون، وهو توأم الوجود، وأن الله لم يخلق الكون في الزمان بل خلق الزمان مع الكون.

لقد عرف أفلاطون الزمن بأنه الصورة المتحركة لما هو أزلي في اتجاه الأبدية، حيث يكون الزمن حركة متواصلة تبدأ من الأزل لتصب في نهايات الأبد الذي لا نهاية بعده. ونجد صدى هذا التعريف في قاموس أكسفورد الذي عرف الزمن بأنه "الفراغ المُكوّن من الوجود المستمر". ولا يختلف تعريف اكسفورد عن القاموس الانجليزي المتقدم Advanced English Dictionary إذ يعرفه بأنه "المسار المستمر من التجارب التي تمر فيها الأحداث من المستقبل إلى الحاضر إلى الماضي. وتعرفه موسوعة كولومبيا الأمريكية " بأنه "ترتيب متعاقب لكل الأحداث أو الفاصل بين حدثين في هذه السلسلة المتعاقبة". ويتضمن مفهوم الزمن إلى جانب ترتيب تعاقب الأحداث تزامنها، أي حدوثها في زمن واحد، ومدتها، كما يتضمن هذا المفهوم الحاضر وهو ما يحدث الآن والماضي وهو ما حدث وانتهى، والمستقبل وهو ما سيحدث لاحقا. وتستعمل اللغات كلها أفعالا تدل على هذه الحالات الثلاث غير أن الحاضر سرعان ما يصبح ماضيا، والمستقبل حاضرا، فالزمن يدور دورته وينقش آثاره فينا، وما المراحل التي يمر بها الإنسان من الطفولة إلى المراهقة فالشباب فالكهولة فالشيخوخة إلا دليل على تأثير الزمن فينا، وأمارات بصماته علينا.

ومن أجمل التعاريف لمفهوم الزمن وأعقدها وأكثرها براعة وعبقرية نجده عند أبو العلاء المعري في كتابه رسالة الغفران حيث يقول " المكان هو شيء أقل جزء فيه لا يحتوي على شيء، والزمان هو شيء أقل جزء فيه يحتوي على كل المدركات، والكون هو ما قل وما كثر". ويعرف أبي البركات البغدادي في كتابه "المعتبر في الحكمة" أن وجود الأشياء مقيد بمقدار وجودها بحيث لا يمكن تصور موجود ما من غير تصور مقدار مدته حيث يكونالزمن "مقدار الوجود".

لقد توقف كيركغور عند معنى اللحظة التي يراها حالة مطلقة في الزمن حيث تذوب فيها كل الأزمان. فاللحظة هي الأهم عند كيركغور لأنها كل لحظة هي بداية لحركة الزمن القادمة من المستقبل أو النازعة إلى الماضي. ونستطيع أن نقارن آراء كيركغور وآراء هيدغِّر ونعارض فيما بينها: فبينما يرى الأول في الماضي نمطًا من أنماط التفكير أو التجلِّي، يَسِمُ الثاني الماضي بسمة التكرار؛ وفي حين يختزل كيركغور الحاضر بكونه اللحظة أو التحول، يربط هيدغِّر الحاضر بفعل الكشف. أما المستقبل فهو انعتاق لدى كيركغور وحدس لدى هيدغِّر. وباختصار نقول: الزمن هو شيء لا يمكننا أن نلمسه أو نراه ولكننا نرى آثاره التي ترتسم على أجسامنا التي تكبر ثم تهرم ثم تموت كما هو الحال في بقية الأشياء في الكون، ولأننا لا نراه يأخذ الزمن صورة هو البعد الرابع للكون كما يتصوره اينشتاين.

الزمان بين الكينونة والتجريد:

تساءل الفلاسفة واستغرقوا في التساؤل: هل للزمان وجود حقيقي أم أنه تجريد في العقل والخيال؟ يتصدى الفيلسوف الألماني النقدي الكبير عمانويل كانط في كتابه "نقد العقل الخالص " لهذا السؤال معلنا أن الزمان مفهوم ذهني تجريدي يقوم في العقل، وتتمثل وظيفته في استيعاب الخبرات والأحداث التي يتوالى حدوثها في الكون، وعلى ها الأساس يرفض أن يكون للزمان وجودا حقيقيا، ويسحب تصوره هذا على المكان فالمكان كما هو الزمان مفهوم تجريدي، حيث اعتاد الإنسان أن يرى الأشياء في سياق تموضعها وتراتتبها على اختلاف المسافات بينها وأملى عليه هذا الاعتياد شعوراً تجريديا بوجود المكان.

اعتبر كانط ان الزمن ليس سوى صورة الحس الداخلي أو صورة الحدس المحض لدينا تجاه انفسنا وحالتنا الداخلية، والزمن وفق كانط لا يمكن ان يكون تعيّناً للظاهرات الخارجية، فهو لا ينتمي الى هيئة ولا الى موضع، على العكس من ذلك انه يحدد علاقة التصورات بحالتنا الداخلية، وهذا يعني أن الزمن ليس سوى الصورة التي تحدس بها الروح نفسها كمقدرة حسية.

ويعتقد كثير من العلماء المعاصرين أن الزمان مفهوم تجريدي وليس مفهوما يتعين وجوده واقعيا، وفي هذا يقول نيوتن في كتابه "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" "الزمان الحقيقي الموضوعي الرياضي ينساب دون أن يتأثر بأي شكل خارجي، فالزمان هو ما ينشأ في ذهن الإنسان من ملاحظة التتابع (تتابع الأحداث)، بمعنى أنه لو وقفت الحركة وليست حركة الأرض والشمس، وإنما الحركة بمفهومها الكامل، الذرات والجزيئات والجسيمات الدقيقة، سيختفي الزمان، وينبني على ذلك أن الزمان هو المعادل التجريدي لحركات الموجودات في الكون.

وفي هذا السياق، يرى كاريل بأن الزمن ياخذ صورة الحركة الذاتية في الأشياء، "فكل كائن جامد أو حي يشتمل على حركة داخلية وحالات متعاقبة، ونسق خاص به، ومثل هذه الحركة هي الزمن الفطري ويمكن قياسها بالرجوع إلى حركة كائن آخر، وعلى هذا الأساس يمكن قياس عمر الإنسان بالزمن الشمسي لأنه يسكن الأرض وليس في كوكب أو مكان آخر".

وقد أشار جان بياجيه إلى الزمان بوصفه تتابع الأحداث في المكان والشعور بذلك سيكولوجيا، وهذا يعني أن تتابع الأحداث يؤدي إلى تكوين فكرة الزمان ومفهومه. وهذا يعني وفقا لهذا الاتجاه أن الزمان افتراض ذهني وليس وجودا موضوعيا جامدا في الوجود، فالزمان يمتلك طابعا سيكولوجيا يستند إلى الخبرة المباشرة للإنسان التي تبدأ وتتواصل منذ مرحلة الطفولة.

ما بين الزمان والمكان:

يشكل كل من الزمان والمكان احداثيي الوجود إذ يستحيل فهم الزمان وإدراكه إلا من خلال صلته بالمكان والحركة. وقد اقترن مفهوم المكان في النظرية النسبية بمفهوم الزمان وتجلى هذا الاقتران في معادلات رياضية مجردة ومعقدة. لقد أسس نيوتن الميكانيك الكلاسيكية على ثلاث مطلقات: المكان المطلق والزمان المطلق والحركة المطلقة. وذلك مقابل المكان النسبي والزمان النسبي والحركة النسبية عند انشتاين. لقد افترض نيوتن إطلاقية الزمان والمكان بديهيا دون أن يبرهن على ذلك رياضيا. وافترض أن الزمان المطلق يتجلى على صورة واحدة بالنسبة لجميع الملاحظين للحدث رغم تباعدهم مكانيا. ونظرية نيوتن هذه تجد صداها في النظرية القائلة بجوهرية الزمان، حيث يكون الزمان جوهرا أزليا لا يرتبط بالحركة والكتلة والسرعة.

ولكن النظرية النسبية جاءت برأي مختلف فيه رفض واضح لمفهوم الزمان المطلق والنظر إليه على أنه بعد من ابعاد الوجود في ثلاثية المكان وأحادية الزمان. وقد أدرك ابن سينا طبيعة هذه العلاقة بين الزمان والمكان فوصف الزمان بأنه مقدار للحركة المستديرة من جهة المتقدم والمتأخر لامن جهة المسافة، وبما أن الحركة متصلة فالزمان متصل، وهذا يعني أن الزمان لا يمكنه أن يكون بدون حركة (تغير)، وليست هناك حركة بدون مادة تتألف من أجزاء متنقلة من حال إلى حال ومن موضع إلى آخر. ومن هنا نرى تحديده لمفهوم مادية الزمان.

فالمكان ذو أبعاد ثلاثة، أما الزمان فيعرف ببعده الواحد، ويعبر المكان عن توزيع الأشياء الموجودة وجودا تلقائيا، على حين أن الزمان يعبر عن تتابع وجود الظواهر حيث تحل الواحدة محل الأخرى. والزمان لا يرتد، بمعنى أن كل عملية مادية لا تتطور إلا في اتجاه واحد – من الماضي إلى المستقبل أو من المستقبل إلى الماضي. وقد نسف تطور العلم الفكرة الميتافيزيقية القائلة بأن الزمان والمكان يوجدان بشكل مستقل عن العمليات المادية وبانفصال كل واحد عن الآخر. ولا تنطلق المادية الجدلية من الارتباط البسيط بين الزمان والمكان مع المادة في الحركة، بل من واقعة أن الحركة هي ماهية الزمان والمكان، وأن المادة والحركة والزمان والمكان بالتالي لا تنفصل. وقد تأكدت هذه الفكرة في الفيزياء الحديثة. وقد أدرك علماء الطبيعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الطبيعة الموضوعية للزمان والمكان، ولكنهم أن الزمان ينفصل عن المكان وأن كل منهما مستقل بذاته عن المادة والحركة.

ويمكن القول في النهاية إن المكان هو علة وجود الزمان، ولا يمكننا معرفة قيمة الزمن إلا بإدراكنا علاقته بالمكان أي من خلال كون مادي يظهر أثر الزمان عليه أو يؤطّر شكله. طبعا هذا الربط هو وجهة نظر تحيلنا إلى معرفة الزمن وإلى نسبيته بالنسبة إلى المكان، وبالتالي إلى الزمان المطلق الذي يسكن في المكان المطلق أيضا، أي كلما تأطّر المكان كلما ضاق الزمان وكلما اتسع المكان كلما أطلق الزمان، ولعل قيام الإنسان بتأطير الزمان بالمكان سعيا للسيطرة عليه والتحكم به، وربما لإلغائه.

نسبية الزمان:

احتار الفلاسفة في تحديد طبيعة الزمان من حيث هو مطلق أم نسبي، وكان ألبرت أينشتين عندما يجد صعوبة في شرح نظريته للعامة حول نسبية الزمان يسوق هذا المثال المتشبع بالطرافة والظرافة: "إذا جلست مع حسناء فاتنة ساعتين فإنهما تمران كدقيقتين، وإذا جلست دقيقتين على موقد (فرن) فإنهما تمران كساعتين"، فاللحظات السعيدة تنقضي بسرعة هائلة واللحظات البائسة ثقيلة كالسنين الطويلة.

وليس خفيا هنا أن أنشتاين يتحدث عن الزمان السيكولوجي للفرد وهو الزمان نفسه الذي يذكره الشاعر بن تريس في قوله " عندما كنت في المهاد أنام وأبكي كأن الزمان يزحف، وحين صرت صبياً أضحك وألهو وألعب كان الزمان يخطو، وحين رأتني السنون رجلاً قوياً أيِّداً كان الزمان يجري، والآن وأنا في خريف العمر فإن الزمان يطير.

وعلى خلاف الزمن السيكولوجي فإن نسبية الزمان ترتبط غالبا بالسرعة والكتلة والجاذبية كما يشرح لنا انشتاين في نظريته النسبية. يشرح لنا آنشتاين في نظريته النسبية أن الزمان والمكان هما وجهان لحقيقة. وقد بين انشتاين أن الزمن يزداد تباطؤاً كلما ازدادت سرعة الجسم المتحرك، وبالتالي فإن زيادة سرعة جسم معين تدفع الزمن إلى التباطؤ، وعندما تصل سرعة الجسم إلى سرعة الضوء فإن الزمن يتوقف، ويرى بعض العلماء أن تجاوز سرعة الضوء يدفع الزمن إلى الحركة بشكل عكسي حيث يبدأ الجسم بالعودة إلى الوراء في الزمن.

لقد أورد انشتاين أمثلة عديدة على نسبية الزمن منها التوأم الذي ينطلق أحدهما إلى الفضاء بسرعة الضوء لعام في الفضاء ويبقى الآخر على الأرض وبعد سنة ضوئية يعود التوأم ليجد أخاه قد أصبح في العدم. ودعانا إلى نتخيَّل امرأة حامِل (في الشهر الثالث من حَمْلِها مثلاً) انطلقت من الأرض بمركبة فضائية، تسارَعت حتى قاربت سرعتها سرعة الضوء، ثمَّ عادت إلى الأرض، وقد استغرقت رحلتها الفضائية، ذهاباً وإياباً، ستَّة أشهر، بحسب ساعتها هي. لقد وَضَعَت مولودها ما أن وصلت إلى الأرض. إنَّ عُمْر هذه المرأة قد زاد ستَّة أشهر فحسب. إذا سأَلَتْ هذه المرأة، عند عودتها، عن زوجها، فسوف يُخْبِرونها، عندئذٍ، أنَّ زوجها قد مات منذ مئات، أو آلاف، أو ملايين، السنين!

وكل هذه الأمثلة تعني أن الومن نسبي ولكل زمنه وإن قياس الومن مرهون بالسرعة والكتلة والانحناء والجاذبية وشكل الأجرام الفضائية والكونية .

اتجاه الزمان:

هل يأخذ الزمان خطا مستقيما يبدأ من الماضي ليصب في المستقبل؟ أم أنه ينطلق من المستقبل ليصب في الماضي؟ أم أنه زمن دائري مغلق لا بداية له ولا نهاية أبدا. هل حقًّا أن الوجود ينطوي على "عَوْدٍ أبدي"؟ أم أن التيار الزمني سهم وحيد الاتجاه، يمتد من الأزل إلى الأبد أو من الأبد إلى الأزل؟ إن كان ثمة عَوْدٌ أبدي، فما من شكٍّ في أن الزمن سيكون دائريًّا.

من أكثر الطروحات سحراً التي استلهمت الحضارة اليونانية قديما كان اقتراح نيتشه في القرن التاسع عشر في نظرية العود الأبدي التي هي فكرة ميتولوجية بامتياز. وفقاً لهذا الاقتراح فالزمن هو دائرة تعيد نفسها بلا توقف وكل لحظة هي أبدية تتكرر الى ما لا نهاية، كل ما يحصل وكل الحصيلة التاريخية التي يتضمنها الماضي والحاضر والمستقبل حصلت مرات لامتناهية في الماضي وستتكرر هي ذاتها مرات لامتناهية في المستقبل. وعلى هذا المنوال يعيد «الوجود» نفسه الى ما لانهاية (يدخلنا دولوز لاحقاً من خلال قراءته لنيتشه في متاهة عودة انتقائية وهذا شأن آخر).

لقد انطلق نيتشه من الزمن المستقيم ليبلغ الزمن الدائري؛ ومثله فعل الهنود، لكنْ لعلل مختلفة. أما العالم بولتزمَن فقد أتتْ محاولاتُه على العكس من ذلك تمامًا: ذلك أنه سعى إلى استنتاج الزمن المستقيم الوحيد الاتجاه من الزمن الدائري، مستخدمًا تقنيات فيزيائية صرفة، لكنه فشل في نهاية المطاف.

إننا، وفق هيغل، لا ندرك لحظات وأمكنة، لكننا ندرك هنات وآنات (جمع آن). إن هيغل هو مؤسِّس الفكرة العلمية المعاصرة المتعلقة بالمتصل الزماني–المكاني أي الزمكان أو الآن–هنا. والزمن لدى هيغل هو الحالة المجردة للإحساس والإدراك، وهو العامل غير المحسوس فيما هو محسوس. إن الزمان والمكان هما مجرَّدان من مجرَّدات للكون الخارجي (في المقارنة مع الكون الداخلي). والزمن هو الحادث نفسه، البارز ثم المندثر، وهو تجريد للنفي وللتدمير. وهكذا يشكِّل سياقُ الأشياء الواقعية الزمنَ؛ لكن فكرة الزمن تبقى فكرة خالدة، أي أنها فكرة لازمنية.

يبين أنشتاين وجود علاقة بين الجاذبية وبين انحناء الفراغ ذي البعد الزمني الرابع (بإضافة الزمن إلى الأبعاد الثلاثة المعتادة: الطول والعرض والارتفاع)، مما يجعل للكون (المادي) أربعة أبعاد، ثلاثة إحداثيات منها مكانية وإحداث رابع زمني، ولا يمكن فصل هذه الإحداثيات عن بعضها البعض، إذ هي متصلة ببعضها بما يسمى الزمكان Space-time، وقد انتمت هذه النظرية إلى تصور آخر للزمان يأخذ فيه هيئة منحنى، يتصل أوله بآخره، حيث يكون فيه الأبد أزلا، كما يكون الأزل أبدا[1]. وهذا التصور يغير الفهم التقليدي للزمن من أنه شريط ممتد، سقط من الأزل إلى ساحة الواقع والتاريخ فتحلل إلى ماض وحاضر ومستقبل، وأنه فيما بعد سوف يرفع إلى مستوى الأبد، حيث يزول الواقع وينتهي التاريخ، وتستمر الأبدية إلى ما لانهاية، فبمقتضى النظرية الجديدة يكون الزمان دائرة كل جزء فيها، أو كل آن، هو الأبد وهو الأزل، وهو الماضي والحاضر والمستقبل، وبمعنى آخر فإن النظرية تطرح مفهوما جديدا يعني أن الزمان هو كل جزء فيه وكل آن منه، وأنه هو الأزل وهو الأبد.

الزمن والتغيير

الزمن صنو التغيير والتغير وكل تغيير يعتري الشيء يجب أن يَسْتَغْرِق زمناً، وبعبارة أخرى الزمن إنَّما هو "التغيُّر"، فإذا "أسْرَع" الزمن، أسْرَع التغيُّر، وإذا "أبطأ" الزمن أبطأ التغيُّر. والتغيير الذي يعتري الشيء، حتماً، إنَّما هو الذي فيه، وبه، يستوفي الشيء شروط زواله، فالشيء إنَّما يختلف ويتغيَّر بما يؤدِّي، حتماً، إلى زواله. وليس "النمو"، أو "التطوُّر"، الذي يَعْرِفه الشيء سوى الوجه الآخر لعملية الإعداد والتهيئة لأسباب وعوامل زواله. والفرق في الزمان" هو الوجه الآخر لـ "الفَرْق في المكان"، فليس من "فَرْق في الزمان" لا يَقْتَرِن بفَرْق في "الطول"، أو "العرض"، أو "الارتفاع"، أو الحجم، أو "المسافة"، أي بـ "فَرْق في المكان". وليس من فَرْق في المكان والزمان لا يُنْتِجه "تغيير آخر" يعتري الشيء.

فالأشياء والظواهر تنشأ في الزمان، وتزول في الزمان، فكل شيء له "لحظة نشوء"، و"لحظة زوال والشيء لا يُمْكنه أبداً أن يكون خالداً، أو أزلياً ـ أبدياً، أو سرمدياً. إنَّه ينشأ ليزول حتماً. وهذا الشيء بين نشوئه وزواله "يتغيَّر" وينبغي له أن يتغيَّر، فليس من شيء نشأ، فزال؛ من غير أن يعتريه التغير بين نشوئه وزواله.

وباختصار يمكن القول بأن "الزمن" إنَّما هو "التغيُّر"، فإذا "أسْرَع" الزمن، أسْرَع التغيُّر، وإذا "أبطأ" الزمن أبطأ التغيُّر. والتغيير الذي يعتري الشيء، حتماً، إنَّما هو الذي فيه، وبه، يستوفي الشيء شروط زواله، فالشيء إنَّما يختلف ويتغيَّر بما يؤدِّي، حتماً، إلى زواله. وليس "النمو"، أو "التطوُّر"، الذي يَعْرِفه الشيء سوى الوجه الآخر لعملية الإعداد والتهيئة لأسباب وعوامل زواله.

وفي الطبيعة أنماط كثيرة من الساعات، فكل شيء يَعْرِف "تغييراً منتظَماً" يُمْكِن اتِّخاذه ساعةً نقيس بها الزمن الذي يستغرقه التغيير في سائر الأشياء. و"مقياس الزمن" إنَّما هو أن يُقاس معدَّل التغيُّر في جسم ما (كمعدَّل نبضات قلب إنسان حي) نِسْبَةً إلى "تغيُّر منتظَم" في جسم آخر (دقَّات الساعة مثلاً). ولو أنَّ نَبْض قلبي يتسارَع تارةً، ويتباطأ طوراً، لَمَا اسْتَطَعْتُ أن اتَّخِذ منه ساعة، فـ "الساعة" يجب أن تكون "تغييراً منتظَماً".

خلاصة:

يرى هيغل ان مفهوم الزمن المجرد احد اكثر البداهات خواء وهو من البداهات التي تنتمي الى مرحلة بدائية من تطور العقل. ولا يمكن ان يكون معياراً لزمنية الوعي أو الروح. كل آن تنفي الآن التي تسبقها بينما مفهوم الآن المجرد ليس سوى النفي نفسه مأخوذاً بشكل مستقل عن كل آن متحققة. لاحقاً في «المنطق الكبير» يعرّف هيغل الزمن بأنه الخارج اللامتعين (لكل آن متعينة) مأخوذ بذاته في شكل مستقل عن كل آن محددة.

أما هيدجر الذي يتناول الزمن في كتابه «الكون والزمان» أن معنى الكون لا يمكن ان يفهم إلا في أفق الزمنية ومعنى الاثنين ووحدتهما الماهوية لا يمكن ان يفهم إلا من خلال تلقفهما كحضور، ويرى أن الوقت بلا نهاية في ذهن كل انسان لأنه النهاية نفسها بالمعنى الأكثر راديكالية للكلمة.

وقد فهم ماركس بفلسفته المادية ومنهجه الجدلي على أن الزمن" توأم "الحركة"، وهو جزء لا يتجزأ من وجود المادة، التي تتحرَّك دائماً في "المكان" و"الزمان". وقد اشتملت تلك الفلسفة على أفكارٍ تسمح لها، بأن تكون على وفاق أساسي وجوهري مع مفهوم الزمن كما أنشأه وطوَّره آينشتاين.

أما آينشتاين، في سعيه إلى حلِّ لُغْز "الزمن"، توصَّل، أوَّلاً، إلى أنَّ "الزمن" هو "البُعْد الرابع"، الذي يتِّحد اتِّحاداً لا انفصام فيه مع أبعاد المكان الثلاثة (الطول، والعرض، والارتفاع). وعليه، ما عاد ممكناً أن نتصوَّر "المكان" و"الزمان" على أنَّهما شيئان منفصلان، فاتحادهما الذي لا انفصام فيه عُبِّر عنه لغوياً بمصطلح "الزمان ـ المكان (= "الزمكان")" Space – Time.

فالزمن هو الإطار العام للوجود والخلود والصيرورة ويبقى اللغز الذي لا يضاهيه لغز في سابق الأيام وسرمدها حيث سيقف كل جيل في محراب هذا الزمن متسائلا وربما مرددا معنا قول أبو العلاء المعري:

والدهرُ إعدامٌ ويُسرٌ وإبرامٌ ونقضٌ ونهارٌ وليلْ

يُفنِي ولا يَفنى ويُبْلِي ولا يَبلى ويأتي برخاءٍ ووَيلْ

وما أجمل أن نختم هذه المقالة بالمعاني الحالدة في قول أبو العلاء المعري شاعر الفلاسفة وأديب الشعراء

حطِّمنا ريب الزمان كأننــــــا -- زجاج ولكن لا يُعاد لنا سَبْك

وما الإنسان في التطواف إلا -- أسيرٌ للزمان فمـــــــــــا يفك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

علي أسعد وطفة

.................

[1] الأزل: استمرار الوجود في الماضي إلى غير نهاية فهو ما لا يكون مسبوقا بالعدم، أما الأبد فهو (استمرار الوجود في المستقبل).

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

رغم تعدد مفهوم الزمن في المجالات العلمية و الأدبية واختلاف العلماء عليها
إلا أنني أرى االمقولات الادبية أضافت اليها نوعا من الجماليات
هنالك مقولة لـ شكسبير رائعة وودت أن أشارك بها : " الزمن بطيء لمن ينتظر وطويل لمن يتألم و سريع لمن يخشى ".
دمت بخير دكتور علي .

ساره مبارك الخالدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4936 المصادف: 2020-03-11 02:36:37