 أقلام فكرية

مفهوم الديمقراطية عند مارسيل غوشيه

حيدر جواد السهلاني"الدولة هي أبرد وحش من بين جميع الوحوش الباردة، نيتشه،هكذا تكلم زرادشت"

إن الديمقراطية هي التعبير الرسمي الذي أطلق على الحالة السياسية التي سادت أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وكلمة ديمقراطية تدل مبدئياً على حكومة الشعب، والديمقراطية لفظ مؤلف من لفظين يونانيين أحدهما(ديموس) ومعناه الشعب، والآخر(كراتوس) ومعناه السيادة، فمعنى الديمقراطية هي سيادة الشعب، وهي نظام سياسي تكون فيه السيادة لجميع المواطنين لا لفرد أو لطبقة واحدة منهم، ولهذا النظام ثلاثة أركان، الأول سيادة الشعب، والثاني المساواة والعدل، والثالث الحرية الفردية والكرامة الإنسانية. وقد اكتسبت معاني مختلفة نوعاً ما، لتتحول في نهاية المطاف إلى غاية سياسية، وهي العمل على أن يستعيد المجتمع البشري التمتع بالخيار الذاتي على المستوى الجماعي، وذلك بأن تكون السياسة مشروعاً للاستقلالية أي التحرر من أثر العامل الديني. ومع ذلك ترفع الديمقراطية من شأن الديانات وتميزها عن باقي السلطات الأخلاقية والروحية، فهي تشدد على الوظيفة المطلوبة من الديانات تأديتها وتنقذها من خطر اختزالها إلى مجرد ثقافات ويتم ذلك عبر إيضاح ماهو أبعد من التراث والعادات والتقاليد، إنها تحيي فيها الجوهر عبر الدعوة العلمية إلى الإصغاء إليها في غزارتها وعمقها الروحي، والعودة بها إلى أفاق دنيوية، مع الأستجابة التامة لأبعادها الدينية، ومن الواضح أن الديمقراطية تدار بقواعد اخلاقية متجذرة في المعتقدات الدينية، ومنظومات القيم المؤسسة على الدين أدى إلى إنصهار الدين في الديمقراطية بعد أن حصل تحول ضمني في محتوى العقيدة، ودفع بعدد كبير من المتدينين الذين يطمحون إلى أن يكونوا مواطنين صالحين مع بقائهم مؤمنين مخلصين، إلى الالتحاق بالركب الديمقراطي. والديمقراطية لم تجد سبيلاً إلى الاستقرار إلا بدءاً من اليوم الذي اكتشفت فيه أنه من الضروري القبول بالفارق من أجل تقدير الوفاق، بدلاً من البحث بلا جدوى عن التطابق، فالأرتباط الميتافيزيقي بين السلطة والمجتمع أبعد من أن يقرب بينهما بل هو عملياً يفصل بينهما، وكلما توفرت المطابقة بينهما في الجوهر كلما أزداد الفارق الوظيفي بينهما. وأن مادفع بالديمقراطية إلى أن تكتشف نفسها، وأن تؤكد نفسها ضمن إطار المجتمعات المفعمة بالإيمان، ويتسائل غوشيه كيف تصنع ديمقراطية من رجال دين؟ أن حل هذه المسألة أدى بطريقة محتومة إلى قيام صيغة خاصة، لإدراك سياسة الاستقلالية، وهكذا فإن أي فكرة عن الديمقراطية، لا يمكن أن تفهم إلا إزاء نقيضها وتبعاً للدور الذي نعطيه للدين. وهدف الديمقراطية هو أن يسترجع المجتمع البشري حقه في إدارة أسباب وجوده وغاياته. وتحت راية الديمقراطية بدأت التحولات في المجتمع المدني، تحولات على صعيد المعتقد الديني، وتحول المعتقد إلى هويات، وتحول الانتماءات والارتباطات إلى مكونات الهوية الفردية، وبعيداً عن الانتماءات الطائفية الماضية والخضوع للتقاليد، ولقد جرى إعادة تحرير اجتماعي للفرد، تبعاً لحقوقه أو مصالحه، أذ قامت الهويات على الطريقة الجديدة من خلال توصل الفرد إلى التحرر من خصائصه الفردية، وتعوده اعتناق المفاهيم السائدة لدى الجماعة التي ينتمي إليها، وهذا يعود إلى مقتضيات العلاقة مع الآخر، وضرورة الانضواء في مجال مشترك يعاد صياغته من جديد، وعلى ذلك فإن الفضاء الاجتماعي الجديد لهذه الهويات ينتظم عن طريق الاختلاف وفي الوقت نفسه يكمن جوهر هذه الهويات في الانطواء داخل مجال تعددي، وأن تحول الديانات إلى هويات نتاج التعددية الديمقراطية المدفوعة حتى النهاية إلى نقطة تفقد عندها كل نزعة شمولية معناها. وأن مشروع الديمقراطية هو مشروع الاستقلال والتحرر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، لذا يصطدم بشكل مباشر أو غير مباشر بالثقافات العتيقة والأديان والهويات المتشظية للجماعات والايديولوجيات السياسية، التي تعبر عن نفسها دائماً بالعنف والعنف الرمزي، وتشكل مأزقاً كبيراً للتجارب الديمقراطية في المجتمعات. ويرى غوشيه أن مفهوم الخروج من الدين، هو الدخول في الديمقراطية، واندماج الأديان في الحداثة وتكيف العقائد الدينية مع المعطيات الشرعية للعالم الديمقراطي، فالخروج من الدين لا يعني التخلي عن المعتقدات الدينية، وإنما الخروج من عالم اجتماعي يكون فيه الدين بحد ذاته منظما بنيوياً، يوجه الشكل السياسي للمجتمعات، فالديمقراطية تقوم أساساً على استقلال المجال السياسي عن المجال الديني، وتتضمن استخدام قوانين وضعية لإدارة شؤون الدولة والأفراد.(1) وأن ما يسمح لقياس الظاهرة الديمقراطية في أبعادها كافة هو فقط اعتماد إعادة صياغة عامة لمفاصل الحقل العام، التي من خلالها ننتهي من الخضوع وطاعة الآلهة، هذا هو الشرط للنظر بتماسكها الكلي، وبعمقها التنظيمي وديناميكتها الداخلية. ويرى غوشيه أن الديمقراطية الحالية كانت نتيجة عدة عوامل أسهمت في الوصول إلى هذا الحد، ومنها مشروع ما بعد الحداثة، الذي كان من دون أدنى شك، ومهما كانت العبارة قابلة للجدل، قلب ما كنا نعتقد أننا نعرفه عن الحداثة رأساً على عقب.و الديمقراطية في وقتنا الحاضر لم يعد لها أعداء، فالكل تنادي بالديمقراطية (نتفق مع غوشيه بهذا الصدد، فأكثر الدول تدعي أنها بلاد الديمقراطية، وأكثر الدول لاتوجد فيها ديمقراطية حقيقية كما يريدها الشعب) والديمقراطية وأن لم يكن لها أعداء من الخارج، فلقد انبثق لها اعداء لم نكن نتوقعها من الداخل، أذ تسكن في آلية هذا النظام نفسه، الذي أصبح مسلماً به، تغيرت الديمقراطية بقدر ماربحت، أذ من خلال تأسيسها كرست لنفسها تناقض غير ملموس بأكلها من الداخل، ويرى من أسباب تدهورها هو تكريس حقوق كل فرد يؤدي إلى نزع الملكية من الجميع، وأن كونية الحقوق لا تتلاءم مع خاصية الأطر السياسية حيث تنطبق، وحيث تساق لتدمير شروط تجسيدها الخاص، أي مغالاة هذه الديمقراطية التي تدفع لقطع يديها قبل أن تبتر ساقيها لكي تكتمل بشكل أفضل. والديمقراطية تعرضت لأزمة بسبب تقدمها، ولكن مع ذلك بعد الأزمة ستنمو من جديد، والديمقراطية هي من أنتجت الهويات، وأحدثت تغيرات عميقة بين الدولة والمجتمع، وأن العجز الذي يقضم الديمقراطية، هي بسبب عوائق بنيتها التحتية التي لا تفهمها، وهي دائماً تجد نفسها منهكة بمستقبل لا تريد أن تعرفه، إنها فريسة مشكل التشكيل. وأن الأزمة التي تمر بها الديمقراطية لا تنزع المصداقية عن شكلها، بل إنها تفرغها من المعنى، فالديمقراطية أضحت في مجتمعاتنا الغربية مجرد كلمة تخفي ورائها الخطاطة الفردية والسلطة الاقتصادية، مؤكداً بأن الحل يكمن في استعادة السياسة بدورها، ومؤكداً على ضرورة القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية. ويرى غوشيه أن الديمقراطية عندما تمنح الحرية لأفرادها تنتج فوضى اجتماعية تستحيل أدارتها، وكيف يمكن تغليب الإرادة العامة في مجتمع تتصادم فيه المصالح الشخصية في كل الاتجاهات ويصبح فيه الصراع الطبقي محور الحياة العامة، فالديمقراطية هي الاستيلاء على الحكم، من خلال الإرادة العامة ويكون فيها فريقان، فريق كسب الحكم وفريق لم يكسبه وهو الفريق المعترض، ويكون هذا الفريق بعد خسارته يكون شعاره الأمة، ويتخلى عن أحلام إصلاح المقدس لاعتناق المبدأ الحديث. (نتفق مع غوشيه بهذا الرأي فعلى سبيل المثال لا الحصر في العراق كثير من الأحزاب تخلت عن فكرة الدين والمقدس التي قامت بالإساس عليها واعتنقت أو اندمجت مع الاحزاب المدنية، وذلك لحصولهم على الحكم) ولكن مع الأسف هذا الأنظمة الرديئة المنهمكة، هي التي ستنجح في تلبية حاجة السيطرة التي أوجدتها هي ستنجح في إعادة تشكيل نفسها، والارتقاء بتأن وألم إلى مستوى المهمة التي أنيطت بها.(2) وأن مهمة الديمقراطية هي أن تحول المجتمع إلى مجتمع سيد يتحرر الاقتصاد والفرد ومجمل العملية القائمة على ثقة متجددة في آلية الإصلاحات الاجتماعية، وأن تقدم الديمقراطية لا يردع، فهو يجرد الطوائف السياسية وينزع القدسية عن السلطات ويحولها بعزم إلى أعضاء من الشعب.(3) وأخيراً يرى غوشيه أن الديمقراطية مشروع لم يكتمل بعد.

 

حيدر جواد السهلاني

............................

الهوامش:

1- ينظر مارسيل غوشيه: الدين في الديمقراطية(مسار العلمنة)، ترجمة شفيق محسن، المنظمة العربية للترجمة، ص7- 13- 14- 16- 30- 41- 84- 85.

2- ينظر مارسيل غوشيه: نشأة الديمقراطية(ج1، الثورة الحديثة)، ترجمة جهيدة لاوند، دراسات عراقية، ص6- 10- 14- 15- 17- 18- 22- 24.

3- ينظر مارسيل غوشيه: نشأة الديمقراطية(ج2، أزمة الليبرالية)، ترجمة جهيدة لاوند، دراسات عراقية، ص15- 16- 28.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4970 المصادف: 2020-04-14 04:40:24