 أقلام فكرية

اللغة.. كيف نفكر؟! (1)

سامي عبد العالفي أفعال الكلام والخطاب، تبدو اللغةُ دوماً كفرشاةٍ ترسمُ لوحةَ الفكرِ وتعيد تأسيسه بعدما كان دون معالم، هي تقف عند الجذور منه لا مجرد وعاء فارغ له. المُباعدة أو المُبارحة بين اللغة والفكر أمران غير واردين بالمرة، لدرجة أنَّه إذ نعبرُ تعبيراً ما في سياقٍ معين، نستغرق بالفكر فيما نقول. وما قد نراه أمراً هامشياً بالنسبة لأقوال أو غيرها إنما يمثلُّ حدودَ التشكيل الجوهري لوجودنا (الزمني والثقافي). وإذا كان ذلك كذلك على نحوٍ عامٍ، فالقيود التي تفرضها اللغة تكشف بالتوازي طبيعة الأفكار وآليات تكوينها. لأنَّ اللغة حين تصمت أو تحذف أو تهمل أو تهمش أو تواري المعاني، فهي تمارس ما يردده الفكرُ بالنسبة إلى ذاته.

لكن الحاصل أنه بصدد التفكير الغالب وانماطه المُؤثرةِ في المجتمعات الإنسانية، قد لا يُبارح الفردُ أُطر الثقافة السائدةِ، فالفكر أسير ما يجري باعتباره نتاجاً للأنظمة المعرفية والعقلية التي يعتمل فيها. وإذا أخرجَ الفردُ لفظاً (جديداً أو حتى شاذاً)، يُنظر إليه شذراً على أنَّ هناك شيئاً غير مألوفٍ قد حدَثَ. وتاريخياً ليس ثمة رصيد للأفكار غير اللغة التي تعطينا أفاقاً لدلالة الوجود والعالم والأشياء.

وهي آفاق تُضْفي معاني على ما يقوم به الإنسان وتجعله معبراً عما يُريد، بينما هو يعلم أنَّ التعبيرات ستكون حاملةً لزخم الفعل، أي أنَّه بالوقت الذي يعبر الإنسان خلاله عما يُفكر هو يمارس عملاً تمَّ (هكذا بصيغة الماضي) انجازُه بدرجةٍ ما. فالتعبيرات لون من ألوان الفعل سواء أكانت في طي الامكان أم التحقُق، لأنَّ اللغة كممارسة رمزية هي الحبر السري secret ink الذي يكتب به العقل جميع مفاهيمه وعلاقاته بالأشياء.

اللغة ليست اختراعاً فردياً ولن تكون، هي تأخذُ شكل الحقائق الجمعية collective، حتى عندما يصُوغ الفردُ عبارات خاصة معتقداً أنْ لا أحدَ يراقبه، فهو لن يتمكن من دفع معناها إلاَّ بأساليب يفهمها الآخر. والفكر المنطوق المتخفي فيها أسبق من الاثنين (المتكلم والمتلقي)، إنه بمثابة المساحة المتاحة من الامكانيات المفترضة لصياغة صور الواقع. ومع الممارسات اللغوية، توجهنا اللغة إلى ما ترى بذاتها عندما نصُوغ نحن ما نرى بذواتنا. ولعل تداخل الجانبين (الفكر+ التعبير) هو قدرة اللغة الفذة على أنْ تحذف أية مسافات بيننا نحن البشر، القدرة التي قد تتشكل في مستوى عيني من الأفعال والأحداث والأشكال والرموز التي نطلق عليها الثقافة.

سلطة الثقافة هاهنا تراكُّم صامت لا واعي لما لا نريده طوال الوقت، نتيجة معاييرها وآلياتها الصارمة بحكم التاريخ. وفوق هذا وذاك ترتبط بقدرتها على ملء أيِّ فراغ راهن لدينا. إنَّ حركة الثقافة في مجتمعاتنا العربية (وفي المجتمعات الإنسانية طُراً) تُلون عمل اللغة المتداولة وفقاً لسلطتها وبحسب المرجعية التي تنطلق منها. لدرجة أنَّ كل فكرة جديدةٍ هي انتزاع حقٍ إنساني ما كان ليُطرح بدون "عنف فوق عنف".

ذلك أنَّ التفكير بشكل مختلف نوع من العنف يمارسه الأفراد كمحاولة للتملص من محددات الثقافة وهيمنتها. لكنه عنف مقبول وناعم ويبدو سهلاً نظراً لقيامه على الحوار وإعادة النظر وطرح القضايا. وفي مواقف أخري تصبح  عملية التفكير بشكل مغاير وضعاً مرفوضاً،  ولذلك سيكون التفكير بمطرقةٍ –على غرار فلسفة نيتشه - لهو أنجع الحلول لتفتيت الطباق المتكلِّسة حول العقل، لأنَّ العقل لن يستفيق من الأغطية التي توضع فوقه باستمرار.

السؤال المنطقي في الحالين حينئذ: كيف نفكر من حيث نكون غير واعين بتلك المحددات الخفية؟! ورغم صعوبة الإجابة بل استحالتها عادة، لكننا مازلنا نعيش (على الأقل في مجتمعاتنا العربية) داخل القوالب الأبويةPatriarchal templates - بمعناها العام- عقلاً ونصاً وممارسة وتنظيماً. أي أننا نطمئن غالباً إلى مرجعياتٍ ثابتة لا تفكير بعدها ولا تأمل في الظروف التي أنتجتها. إنَّ الموروثات الجاهزة تخلق "نماذج اليقين" الفوري لدى الوعي الجمعي، حيث لا تتمزق القوالب الثقافية بسهولة. إنَّها تنحت الذهنيات والاجساد على مقاييس مقننة بفضل التكوين التاريخي طويل المدى، بحيث لا يستطيع الإنسانُ خروجاً عنها. من هنا كان الجذر المعجمي لكلمة الثقافة في العربية (ثَقِفَ) هو الصقل والحذق والشحذ والتهيئة والتبرية والبذر. وفي المعجم الغربي تأتي culture أيضاً بمعاني الطقوس والشعائر في وضع ما cults. أي أنَّ السلطة سواء أكانت فاعلاً (كما هي بالفكر العربي) أم مركزاً  وتكوين (في الفكر الغربي) تتدخل في تشكيل أبنية الثقافة.

وهذه العمليات الفكرية والحياتية على الجانبين مسكونة بالفاعل غير المحدد ولا شأن للمفعول به (الأفراد والجماعات)، فلا يتساءل حول وجوده ولا حولها. وعليه أنْ يخضع لهذه المستويات من التأثير بلا نقاش. وبالتالي سيفترض الفاعل على الدوام أن هناك موضوعاً إنسانياً قيد العمل بحسب إرادته الجمعية. ولكن لا يتم ذلك في فراغ، إنما من خلال انماط حاكمة فكرياً ونفسياً في كافة المجالات. هذا ما يسميه توماس كون برادايم paradigms في مجال المعرفة العلمية مع الفارق بالطبع لو قارناها بالثقافة. إنها النماذج الإرشادية (المعيارية) التي تحدد كيفية تفسير الظواهر، وتعطي العلماء منظورات حول تحولات المعرفة من عصر إلى آخر.

ثقافياً الأنماط الفكرية هي أساليب ومفاهيم اكتملت حتى النهاية ونالت قدرة على الضبط والتحقق. والنهاية المشار إليها ليست إلى حد أقصى بعينه إلاَّ وهماً فقط. فهي تظل فاعلة تبريرياً في ايجاد صيغ التوافق مع الحياة والعالم والمجتمع وتكفل استمرارية الأوضاع على ما هي عليه ومهما تكن حالة الثقافة غير أنَّها بمثابة "إله خفي" hidden god بتعبير لوسيان جولدمان يعقدُ قرانا نفسياً وتاريخياً بين البشر المنتمين إلي العيش المشترك في ظلها. حتى أنَّهم يشعرون بالإمكانية الضمنية على خلق المعاني والتصورات بالطريقة نفسها حيث يفكرون ويتفاعلون ويتواصلون. وهذا ما جعل عمل الثقافة يرتبط بعمل اللغة ابتداءً، حتى أنَّ أدق وحدة ثقافية كالشعارات التي نستعملها – للفت الانتباه مثلاً- تحمل بنية الفكر من واقع عملها بطريقة اللغة إجمالاً.

لهذا تظهر مسألة أخرى: ماذا يعني التفكير المغاير حتى ندرك ما يمثله داخل اللغة؟ في الغالب تثري اللغة الإنسان بعلامات ورموز وشفرات للتعبير عن وجوده وأهدافه، إذ تتركز على نطاق ثقافي عام في الأدبيات والأشعار والحكايات والأساطير. اللغة بهذا كونٌ دلالي يقبع بأعماقنا حين نقول خطابنا معاً. هي تحفظ قوانين الوجود الإنساني من الاندثار، إنها النظام الرمزي symbolic system الذي يحدد ما ينغي فعله أو تركه، وتحدد هذا تلقائيا عبر فاعلية الكلمات والجمل التي نتواصل بها. وبالتالي فأي نقد للتقاليد وتذويب جمودها في مجالات المعرفة والفكر، إنْ لم يلامس جوهر اللغة ومفاهيمها الجارية، لن يكون تغييراً ذا قيمة.

ذلك أنَّ هي المدخل والوسيط الفعلي إليها، بدرجة مساوية لكونها "صورة الحياة"form of life  بعبارة فتجنشتين، كما أنَّها "خطاب اللاوعي"discourse of unconsciousness بحسب رأي لاكان. مثلما هي بناء على غرار الحياة من وجهة نظر رولان بارت. وأخيراً لا شيء خارج النص there is nothing outside the text على ما يقول جاك دريدا. اذاً لا يمكن أنْ يكتسب الفكر دلالته إلاَّ كلغةٍ تفترض حواراً، تواصلاً مع آخر. وبالتالي تظهر أهميته عبر التاريخ، فاللغة أيضاً جوهر "التاريخية "، أي تاريخية الانسان.

ولعلَّ ذلك يطرح قضايا جوهرية: ما علاقة اللغة بالأشياء إذا كانت الأولى (اللغة) هي إمكانية الأخيرة (دلالة الأشياء)؟ هل يوجد معنى واحد أم معانٍ متعددة؟ أيوجد هناك ما يسمى حقائق لغوية أم لا؟ هل العقل نظام لغوي يلقى قبولاً أم بالأخرى إجماعاً فكرياً في مجتمع عن غيره؟ هل توجد أجناس للغة بتعدد الابداع الإنساني أم أنها لغة عامة؟ ما هو منطق اللغة وتحت أية شروط نصل إلى نظامه وكشف تناقضاته؟

)Jerrold J. Katz, The philosophical Relevance of Linguistic theory, in: Philosophy of Language, Edited by J.R. Searle, Oxford University Press, 1971, PP 112 – 114.)

هذه التساؤلات لها درجة أكبر من العمومية، فهي تعود إلى الطابع الفلسفي حول اللغة إجمالاً. فكل نسق فلسفي يجيب عنها سواءً أكان معنيَّاً بالحديث حولها أم لا، فهي اجابات داخل صميم المصطلحات والمفاهيم والجُمل التعبيرية. والفلسفة باعتبارها دروباً تأسيسية حول الفكر ترتبط باللغة إيما ارتباط، لأنَّها تشتغل في قاع الخطابات المتداولة. حيث تُثوِّر (تطرح بشكل مختلف) أسس العبارة ومفاهيم الإنسان والحقيقة والمعنى، بالتالي ينتظر أنْ تُسهِم في تفكيك هذه الأنماط الغالبة ثقافياً والتي تحكم طرائق الفهم والتأويل. والفلسفة رؤى عقلية استثنائية (أنطولوجيَّاً – ابستمولوجيَّاً – اكسيولوجيَّاً)، وفي مداها البعيد تمثل انفجاراً ماهوياً يؤكد دلالات التحول الجذري للفكر.

خطورة الفلسفة في كونها تؤسس وعياً نقيضاً للشائع القائم على قواعد غير خاضعة للمساءلة. فهي تحرك ماهيات الأشياء وأبعادها كاشفةً أية تناقضات تعتمل فيها. كما أن الفلسفة تعتبر وجودَ الماهيات المطلقة ولا سيما في الفكر وجوداً عنيفاً. فأية ماهية من هذا الصنف تلغي غيرها ميتافيزيقياً بحكم أنها لا تقبل إلاَّ تفردها على مستوى الوعي. والماهية بذلك تسير باحتمال الخُلُوص الذاتي دونما نقد ولا مراجعة. من ثم تستطيع الفلسفة كسؤالٍّ جذريٍّ أنْ تنقض أيَّ لاهوت أيديولوجي للعقل البشري. فالأيديولوجيات بأصنافها تعدُّ من هذا القبيل الدجمائي حيثما لا تسمح بأية مراجعةٍ ولا نقد. ذلك حين تستولي على طاقات العقل الصورية ونتاجات المتعلقة بالخيال.

لكن مهام التفلسف بحسب الاختلاف الاستفهامي لكل فيلسوف ترسم عالمها الخاص، والذي لا يبتعد كثيراً عن عالم الفكر والثقافة بل هو في القلب منهما.  الأمر الأهم عندئذ هو محاولة تحديد: بأي وضع تأخذ الفلسفة تلك المكانة؟ وأية مفردات لهذا النظام الفكري الاختلافي المعبر عنها؟ إنَّ الفلسفة بمعناها المطروح لغة مبتكرة أو هكذا يجب أن تكون، وتؤكد صيغاً مبدعة نسقياً لرؤى الحياة والتاريخ مثلما يذهب فيلهلم دلتاي. هي خريطة اللايقين اللغوي لا المعتقدات الشائعة وحسب، إذ تكشف الفلسفةُ المعاني المدهشة داخل منظومات الأفكار التقليدية وتعيد النظر في وجودها، فهي تعرفنا كيف نحدد صور الأشياء والمفاهيم فعلياً. والواقع أنَّ الفلسفة حينما تعري التقاليد المهيمنة إنما تمارس أعلى درجات الحفر فيما هو سائد. وليس إمامها إلاَّ تكسير اللغة المستعملة (بشكل منتج) كأحداث خطابية كما يشير تزفيتان تودوروف.

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4995 المصادف: 2020-05-09 02:29:08