 أقلام فكرية

القانون متعفن بالعنف (3)

علي رسول الربيعيالتّنظيم الاجتماعيّ للقانون: في إنجازات العنف المنظّم

واصل كوفر الذي حوّل العنف إلى سلام بطريقة مبدعة تخيّله عن صنع السّلام بين عنف القانون وضبط النّفس والتّسامح لاعتقاده أنّ ذلك ضروريّ جدًّا للقانون. لم يكن ممتنعا بالنّسبة له أن يحدّد الظّروف التي تجعل عنف القانون مؤثّرا بشكل فعليّ في العالم لاسيما وقد تناول باهتمام بالغ في مقالتين بعنوان: "العنف والكلمة" و"قيود التّفسير الدّستوريّ" الدّور المهمّ الذي يضطلع به القضاة في التّنظيم الاجتماعيّ للقانون، حيث رأى أنّهم  يرأسون قمّة "هرم العنف".[1]

وبشكل مجازيّ فإنّ الهرم يكوّن مفهوم التّنظيم الاجتماعيّ في مقالة "العنف والكلمة"، وهو يعني تسلسلا صارما واضح المعالم لعنف الدّولة يطابق التّسلسل الهرميّ للمؤسّسات القانونيّة نفسها".[2]ونظرًا للصّورة المُقدّمة للقضاة الذين يرأسون قمّة هذا التّسلسل يصبح من الطّبيعيّ طرح التّساؤل ليس عن كيفيّة تفسيراتهم للنّصّ القانونيّ وعمّا إن كانت تقيّد العوالم أو تخلق عوالم جديدة، ولكن وبالأحرى عمّا يحدث لتلك التّفسيرات عند اكتمال العمل التّفسيريّ إن كان سمع بها أحد أو اهتمّ لها أيّ شخص.

فإذا كانت الإجابة بالنّفي، فسنواجه وضعا القانون لا يستطيع معه القانون نشر إكراهه القسري، وهو وضع قد يكون مرحّبا به من قبل النّاموس ولكن لا يكون مرحّبا به بمجرد الإقرار بأن العنف هو بالفعل داخل مجتمعنا ونظام حكمنا. وعن هذا يقول كوفر: "لوقف المعاناة قليلا أي لوقف فرض العنف يتعيّن إعطاء القانون لأولئك الذين هم على استعداد للقيام بذلك". [3] وإذا لم يكن هكذا فقد يتجرّأ الآخرون من هم في أسفل سلّم القيادة على استعمال الإكراه والقسر بشكل فرديّ مستقلّ فوضويّ وغير منضبط وهو بالتّأكيد ضدّ كلّ من الاحتمالين: سواء بالنّسبة لاحتمال السّيطرة على العنف بشكل عامّ في المجتمع، أو بالنّسبة لاحتمال الدّولة الخارجة عن القانون لأنّ الرّؤية اللّيبراليّة في القانون تنظّم نفسها بنفسها.[4]

يبدو كوفر في مقالته عن "النّاموس والسّرد" وكأنّه يقف مع المعنى ضدّ السّلطة،  لكنّه في مقالتيه عن "العنف والكلمة" وعن "قيود التّفسير الدّستوريّ" يبدو كأنّ تحالفه مع المعنى قد تزعزع، ويتّضح ذلك  حين يقول:

"إذا كانت فكرة الموت والألم تُعدّ في جوهر التّفسير القانونيّ من الأفكار السّيّئة فلا ضير من ذلك، لإنّه لن يكون هناك أفضل من مجتمع الحجّة ومن قرّاء وكُتّاب النّصوص والمفسّرين، طالما أنّ الموت والألم يُشكّلان جزءا من عالمنا السّياسيّ فمن الضّروريّ أن يكونا في جوهر القانون. لن يكون البديل عنهما مقبولًا لأنّهما موجودان حقيقة داخل سياساتنا، ولكنّه سيكون خارج الانضباط لقواعد اتّخاذ القرارات الجماعيّة في معزل عن الجهود الفرديّة الرّامية إلى تحقيق نتائج من خلال تلك القواعد".[5]

لا نرى في هذه الجمل حضورا للنّاموس، كما لا نرى تأكيدا واضحا على قدرات وفضائل المجتمع التّعدّديّ، ولكنّنا نجد ما يحيل إلى خطر الصّراع وإلى التّفاعلات التي قد تجري عند الحدود الفاصلة معياريّاً بين المجتمعات المُوحّدة أو المندمجة. لذلك نجد أنّ عمل كوفر هو استحضار لكابوس هوبز (Hobbes) عن الموت والألم غير المنضبطين داخل جسم النّظام السّياسيّ ولكن خارج نطاق القواعد.[6] ففي نظره يتحقّق النّظام والسّلام فقطّ عندما يتجسّد التّفسير القانونيّ وتتحقّق ظروف وشروط "هيمنة فعالة ومؤثّرة".[7] لأنّه في حال عدم حصول ذلك تصبح "حالات الأخذ بالثّأر والمقاومة والانتقام"[8] واردة في المجتمع.

ولعلّ في إشادة كوفر "بقواعد القرار الجماعيّ" وبالأشخاص الذين يسعون إلى تحقيق النّتائج من خلال الالتزام بها يعبر عن انتقال من هوبز إلى لوك، أي انتقال من حركة السّلطة ضدّ الحرّيّة إلى القواعد ضدّ الفوضى. والملاحظ هنا كذلك، تخيل عالم خارج القانون لاستحضار وتبرير الانضباط "للقواعد".[9] فانطلاقًا من كابوس هوبز كفرضيّة مؤسّسة خطا كوفر لتبرير عنف القانون باعتبار ما يفرض من انضباط قسريّ، والتّساؤل هنا هو عن مدى كفاية مفهوم لوك عن "انضباط قواعد القرار الجماعيّ"، بالإضافة إلى إحياء الانضباط حيثما وُجِدَ.

إنّ هذا الانضباط الذي تتمّ به السّيطرة على انتشار الإكراه، وهذا التّنظيم الذي يقوم به القضاة من خلال تفسيراتهم للنّصوص القانونيّة يقفان في تناقض صارخ مع حالات انعدام القانون وحالات العنف غير المنضبط الذي أشار إليه كوفر بمثال الإعدام من دون محاكمة[10]حيث "يختفي النّاس ويموتون فجأة بدون أيّة مراسم للعزاء داخل السّجن دون أيّ مبرّر، ودون أيّ تفويض لدفنهم".[11] فالنّظر من الدّاخل ضدّ شبح العنف غير المنضبط يجعل انضباط قواعد القرار الجماعيّ في اعتقاده إنجازا يستحق التّقدير. يقول: "علينا أن نتوقّع من عنف القرارات التّفسيريّة للقضاة تنظيما كاملا تقريبا، ويعتبر مثل هذا التّنظيم الجيّد للعنف إنجازاً".[12]

لقد اهتمّ كوفر بهذا "الإنجاز" من خلال فهم كيف تُتَرجِم التّفسيرات القضائيّة النّصوص القانونيّة إلى أفعال، وكيف تصبح العبارات القضائيّة أعمال عنف. يعني ذلك أنّه عندما يواجه القضاة مشكلة تفسيريّة فإنّهم يواجهون مشكلتين وليس واحدة: الأولى، هي مشكلة المعنى في حدّ ذاته، أي كيفيّة تحديد وتبرير تأويل مُرضٍ للنّصّ إن لم يكن متفوّقًا على ايّ تـأويل أخر.[13] أمّا الثانية، فهي مشكلة التّنفيذ، أي كيفية ضمان أن يعمل الآخرون بناءً على الأسس والطّرق التي يحدّدها القرار النّاتج عن ذلك التّفسير.

ففيما يتعلّق بالأولى أي بمشكلة المعنى، أخذ كوفر بعين الاعتبار مرّة أخرى التّنظيم الاجتماعيّ للقانون، لكن من خلال تنظيم التّفسير والتّبرير الاجتماعيّ، كتب يقول: "لا يعمل أيّ قاضٍ منفردًا لأنّ تطبيق فهم القانون في مجال الألم والموت يتطلّب الموافقة الإيجابيّة أو السّلبية للعقول القانونيّة الأخرى".[14] فقبل أن تُترجم العبارات القانونيّة إلى أفعال يجب على القضاة الآخرين سواء كانوا قضاة استئناف ينظرون في قرار ابتدائيّ، أو كانوا من أعضاء المحكمة الابتدائيّة أن يقتنعوا بعبارت القرار المتّخذ، وبأنّ تفسير النّصّ القانونيّ منطقيّ ومعقول. وبعبارة أوضح، يجب أن يقتنعوا بأنّ تفويض العمل له ما يبرّره، وأنّ العبارات توفّر تبريرًا كافيًا للعنف المقضي به. لذلك، يُعدّ مجتمع القضاة دائمًا مجتمع تفسير وتبرير، لأنّ "التّبرير بالنّسبة لأولئك الذين يفرضون العنف مهمّ للغاية".[15]

بما أنّ القضاة لا يقومون بأنفسهم بالأفعال التي تُجيزها قراراتهم، فإنّهم يعتمدون على الآخرين في الأدوار أو الوظائف المؤسّسيّة الموجودة لتنفيذ الأوامر، وجعل تلك القرارات نافذة المفعول في الواقع. لقد وضّح كوفر هذه الحقيقة الواقعيّة المألوفة من خلال النّظر في قرارات الأحكام الجنائيّة التي يقوم بها القضاة في ميدانهم"،[16] والتي تعتمد على "هيكلة التّعاون" بين الشّرطة والسّجّانين وباقي المنفّذين "بناء على أوامر القاضي لضمان عدم هروب السّجين، وحماية القضاة والمدّعين العامّين والشّهود والسّجانين من الانتقام".[17] وتعمل هيكلة هذا التّعاون على التّغلّب على الموانع الثّقافيّة والأخلاقيّة التي تكبح "إلحاق الألم بالآخرين"،[18] فبالنّسبة له الحقيقةً الأساس هي أنّه يمكن التّغلّب على تلك الموانع "بناء على أمر من القاضي".

يقوم القضاة من خلال هيكلة التّعاون بالعمل التّفسيريّ الذي يجعل من أفعال عنف القانون "أفعالًا مفهومة"[19] بالنّظر إلى "الاهتمام التّلقائيّ النّسبيّ بأوامر القضاء"،[20] "لذلك فإنّ أولئك الذين ينفّذون هذه الأوامر قادرون على أن يحيلوا إلى القاضي المسؤوليّة الأخلاقيّة الأساس لأعمال العنف التي قاموا بها".[21] فالسّياق المؤسّسيّ للتّفسير القانونيّ يتيح ما يمكن التّنبّؤ به من مجموعة الرّدود على القرارات القضائيّة، "رغم أنّ هذا غير ضروريّ من النّاحية المنطقيّة"،[22] غير أنّ في هذه الفجوة ما بين الضّرورة وما يمكن التّنبّؤ به يحاول كوفر معرفة الطّريقة التي يضبط بها التّفسير نفسه من خلال الحاجة إلى عمل أولئك الذين يقومون بعنف القانون فعلًا لتنظيمه والسّيطرة عليه في الوقت نفسه.[23]

يتطلّب الانتقال من التّفكير في التّفسير إلى التّفكير في التّنفيذ النّظر في احتمالين بداية، فقد تُحلّ مشكلة تنفيذ العمل التّفسيريّ وما يدلي به من مبرّرات، وقد تمتلك قراءات النّصوص حجّيّة موثوقة ومقنعة تقدّم تحليلات لا يمكن لأيّ عاقل أن يختلف عليها. كما قد يتمّ التّنفيذ على شكل سلسلة من القرّاء المتعاقبين: يقرأ القاضي النّصّ، ثمّ مدير الشّرطة، ثمّ السّجّان، فيقرأ الجميع، ولو بشكل مستقل، النص بالطريقة نفسها، ويتبنى جميعهم التبريرات نفسها ، ونتيجة لذلك، يتبنى جميعهم الالتزامات نفسها. ولكن  كوفر من خلال مُعطى نظريّته الخاصّة في التّفسير حيث يكون عالم المعنى هو عالم الحرّيّة وليس عالم السّلطة والحكومة[24] أستكشف احتمالا ثانيًا لفهم كيف يمكن أن تُترجم القراءات القانونيّة إلى أفعال.

فقد وجد من ناحية أولى، أنّه يمكن العثور على الجواب اذا ما غيّر القضاة طريقة قراءتهم وأخذوا بالاعتبار ردود فعل الآخرين في سلسلة الأوامر. ومن ناحية ثانية في هيكليّة الحكومة البيروقراطيّة والأدوار التي تضمن الامتثال التّلقائيّ نسبيًّا لأيّة قراءة تصدر من شخص يمارس السّلطة القضائيّة.[25] ففيما يتعلّق بالنّاحية الأولى، قد يكون انتباه القضاة إلى فهم المعنى بريئًا كما لو كانوا شعراء أو كتّابا أدبيّين، وسيكونون أحرارا في العمل كما هو هرقل عند رونالد دوركين طبقا لإحساسهم بأنّ هذه هي أفضل نظريّة للمعنى وللأخلاق السّياسيّة،[26] وأنً قيامهم بذلك سيُنقذ المعنى من خطر تخليّه عن السّيطرة على أجهزة عنف الدّولة.

على كلّ حال، يسعى القضاة كعادتهم في أداء واجبهم العادي لضمان استجابة هذه الأجهزة، ووفقًا لوجهة نظره لا تعني الأعمال التّفسيريّة من النّاحية القانونيّة شيئًا إذا لم يتبنّاها أحد. وبالتّالي فإنّ القضاة ليسوا أحرارًا،[27] ولا يمكنهم في غفلة شعريّة تضمين أشياء من خارج النّصّ. إنّ التّفسيرات والمبرّرات القانونيّة التي يقدّمها القضاة هي دائمًا، ويجب أن تكون دائمًا واعية بالسّياق المؤسّساتيّ والتّنظيميّ الذي يتمّ به تلقّيها وترجمتها إلى أفعال. يقول كوفر: "تتطلّب ممارسة التّفسير فهم ما سيفعل الآخرون وما تتحدّث به المحكمة، في كثير من الحالات، قد يكون تعديل هذا الفهم، بغض النظر عن مدى ضلالته، هو الرد المؤسّسيّ المحتمل. وفي حال تعذر ذلك، يضحي المُفسّر في الرّبط بين فهم ما يجب فعله وبين الفعل في حدّ ذاته".[28]

"فبصرف النّظر كيف سيكون سوء التّوجيه أو التّضليل" كان تفكير كوفر واضحاً حول أولئك المسؤولين عن الفعل بدلًا من الكلام. ولهذا السّبب يجب أن يكون تأثّر الجمهور ضئيلاَ هنا. لذلك فهو يرى أنّ على القاضي أن يتذكّر أنّه قاضٍ وليس شاعرًا، ويأخذ بعين الاعتبار دائمًا الاستجابات المؤسّسيّة المحتملة لضمان أن تكون قراءاته مقنعة إن لم تكن صافية وفعّالة وممتازة. وعلى هذا الأساس، يتشكّل التّفسير القانونيّ بعمق من خلال إدراك الطّابع المشروط للتّنفيذ، فيتبدّل المعنى ويتحوّل ليكون ضامنًا لاتّباع حكم القاضي. لا تعني القراءة الممتازة لنصّ قانونيّ أن تحظى بثناء النّقّاد، لكنّها تنبّه وتثير الاستجابات اللاّزمة لدى المسؤولين الذين يقومون بأعمال العنف التي تسمح بها تلك القراءة.

عندما أخذ كوفر التّنظيم الرّأسيّ للقانون بعين الاعتبار بدت نظرته الفوضويّة للدّرجات السّفلى من هرم يقف القضاة على رأسه مثيرًا للرّيبة "فعندما يُفسّر القضاة القانون في سياق رسميّ يُتوقّع كشف العلاقة الوثيقة بين الأوامر والأفعال التي ينتدبون لها أو يكلفون بها، كما يُتوقّع أن تؤدي أوامرهم دور المحفّزات الفعليّة للعمل. فعن سبيل المثال، لا يُتوقّع أن تتصادم مداولات السّجّانين والحرّاس مع الإجراءات المقرّرة بأوامر قضائيّة".[29]

إنّ اللّغة التي وصف بها كوفر ترجمة الأوامر القضائيّة إلى إجراءات قانونيّة غامضة وغير مألوفة، فهو لم يحدّد ما إن كانت العلاقة بين أوامر القضاة وبين الأفعال التي يقوم بهاالآخرون مبنيّة على التّجربة والاختبار وتشير إلى "ما نتوقّع"، أم أنّ لها بدلًا من ذلك بُعُدا معياريّا يُشير إلى "ما ينبغي أن نتوقع". يبدو مع كوفر إذن أنّ البديل المُتَخَيّل الذي يُولّد "الأفضليّات والتّوقّعات" هو جهاز عنف الدّولة غير المستجيب للالتزام والانضباط.

"عندما يُفسّر القضاة نصّا قانونيّا فإنّهم يحفّزون عامل السّلوك داخل المؤسّسات والمنظّمات الاجتماعيّة، فيظهرون على مستوًى معيّن من الفهم، أو يقدّمون في الواقع لجمهورهم المقصود فهمهم للعالم المعياريّ. إلاّ أنّه وعلى مستوًى آخر ينخرطون في آليّة عنيفة حيث يفقد الجزء الأكبر من جمهورهم القدرة على التّفكير والعمل بشكل مستقلّ".[30] قد يتوقّع المرء عند هذه النّقطة أنّ كوفر قد ثار ضدّ أفكاره الخاصّة في مواجهة مثل هذا السّلوك البيروقراطيّ الجامد وغير المعقول، وتمرّد ضدّ استغلال السّلطة التّفسيريّة لتعليق "القدرة على التّفكير والتّصرّف بشكل مستقلّ" لأنّ ذلك متوقّع من كوفر الفوضويّ، أو كوفر التّعدّديّ المعياريّ الذي يحتضن ويثني على نظريّة تنظيم اجتماعيّ تسمح بتعدّد مواقع التّفسير، وبالمواقع التي تسود فيها القراءات البديلة لأنّ تفكيك مركزة سلطة التّفسير تدخل المراكز المعنيّة في تنافس حول تفسير القانون، وهو ما يساعد على الحدّ من عنفه، وعلى تسوية المشاكل المتعلّقّة بتعقيدات تسلسل إصدار الأوامر.

لكنّه تخلّى عن المعنى (الحرّيّة) آخذا بمتطلّبات النّظام في عالم التّفسير بنظر الاعتبار لأجل أن يكون العنف منظّما. وضبط المعنى بواسطة متطلّبات الانضباط نفسها، فناهض إمكانيّات الإكراه غير المنضبط، ونظر إلى التّفسير القانونيّ والتّنظيم الاجتماعيّ للقانون من داخل القانون نفسه كمجال لتحقيق "أيّ إنجاز ممكن لتدجين العنف"[31] وتحويل الإكراه إلى إقناع، وتحويل الحرب إلى سلام.

ليس من المستغرب أن يكون هذا التّفاؤل من وراء قبوله بعنف القانون، فقد كتب كما لو أنّ هذا العنف لن يكون له ثمن يدفعه القانون نفسه،[32] لذلك يمكن جمع تعليمات وتوصيّات قانون الدّولة التي أعرب عنها في "النّاموس  والسّرد" و “العنف والكلمة” كالتّالي:

الامتناع عن العنف حيثما كان ذلك ممكنًا، السّماح بأن تزدهر عوالم جديدة، ولكن من أجل الحياة يجب أن لا ننسى أنّ عنف القانون ضروريّ في بعض الأحيان. ومع ذلك يجب ألاّ يكون متاحا بشكل تلقائيّ وإنّما بحسب الحاجة إليه. في النّهاية، فإنّه بقدر ما يعتبر العنف المعتدل والمراقب إنجازا مطلوبا لتنظيم النّاس، بقدر ما هو معقّد وهشّ.

يتضح من هذا الكلام إصرار كوفر على أن يكون عنف القانون مقنّنا محدود الاستعمال وذلك لاقتناعه بأنّ المجتمع يعيش عوالم معياريّة في ظلّ النّاموس، من غير أن يلتفت إلى أنّ العنف قد يدمر بسهولة هذا النّاموس على الرّغم من الحاجة إلى معاييره للدّفاع عن المعياريّة والحفاظ عليها. تُشير الدّعوة إلى الضّبط والتّقييد المذكورة في نهاية مقالة "النّاموس والسّرد" أساسًا إلى أنواع من المحاكمات حيث يكون استخدام الإكراه مناسبًا وله ما يبرّره؛ مع أنّ الإصرار على هذه المحاكمات النّاذرة نسبيًّا، وعلى استعمال الإكراه القانونيّ بشكل منضبط ومحدود ينسجم مع القناعة بأنّ بعض هذا الإكراه ضروريّ ينبغي تطبيقه بشكل فعّال في تلك المناسبات. إذن، لكي يقوم القانون بالدّور المنوط به يجب أن يكون عنيفًا لكن بأدنى حدّ ممكن. إنّ التفات كوفر لعنف القانون في مقالة "العنف والكلمة" تشير إلى أنه بالرّغم من أسبقيّة المعياريّة على القانون تبقى هناك ضرورة لعنف القانون، كما تبقى الحاجة إلى تأمين ظروف استخدامه على نحو فعّال وكفوء أيضًا.

يأتي السّؤال عن إمكانيّة الحصول على ذلك بكلتي الوسيلتين، وعمّا إن كان بالوسع توفير شروط الاستخدام الفعّال للإكراه التي حدّدها ببصيرة نافذة، وطوّر من خلالها في الوقت نفسه نظاما قانونيّا منضبطا، متسامحا ومشجعا في الموقف من الرّؤى المعياريّة البديلة. كما يأتي السّؤال عن إمكانية أن يكون القانون قاتلا بتبنّي معنًى وحيدا من بين معاني متعدّدة وبدون أن تكون له سلطة اتّخاذ القرار بحسب مصطلح (Jurispathic) الذي أشار به إلى سلطة الحكومة وممارستها للحكم عبر قمع أو إبادة القيم التي تتعارض مع قيمها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] Cover, “Violence and the Word” 1609

[2] Douglas, H., “Time, Inequality, and Law’s Violence” in Austin Sarat and Thomas R. Kearns” Law’s Violence [Ann Arbor: University of Michigan Press, 1992], pp.3-4

[3] Cover, “The Bonds of Constitutional Interpretation “p. 833

[4]Sarat and Kearns, “A Journey Through Forgettingأنظر:

[5]  .Cover, “Violence and the Word,” p.1628

[6] للحصول على تحليل مماثل ولكن في سياق مختلف، انظر:

Gary, P., “Reason and the Mob” Tikkun 2 (1987), p.28

[7] Cover, “Violence and the Word,” p. 1616

[8]  المرجع نفسه، 1616. انظر أيضًا:

Susan, J., Wild Justice: The Evolution of Revenge (New York: Harper & Row, 1983)

[9] انظر  Sarat and Kearns, “A Journey Through Forgetting”

[10]Cover, “Violence and the Word,” 1624.

[11] المرجع نفسه.، 1624 في مكان واحد، يبدو كوفر انه يفكر بأفتراض وقضية مختلفة تمامًا، يقول: " أنه يجب أن يُنظر إلى العنفو كإشكالية بنفس الطريقة فيما إذا كان سيتم تنفيذه بامر من قاضي المحكمة ، او من قبل رجل مافيا." لكنه عاد فأنسحب بسرعة  قائلاً ، " أرجو أن تلاحظوا هنا جيدًا، أنني لا اقول أن هنام مساواة في كل عنف المبرر منه وغير المبرر. وأدعي بأنه إشكالي بنفس الطريقة. وأعني بذلك، شكل التحليل الذي نقدمه لتحديد  فيما إذا كان للعنف ما يبرره أو لا هو يتم بالطريقة نفسها. الطريقة نفسها إذا كان هناك أيً خير  عام وعلى الأطلاق لن تعطي الجواب نفسه فيما يتعلق بالحالات المتباينة." (إنظر، Folktales of Justice,” p.182 and note 15) .

[12]Cover, “Violence and the Word,” 1624.

[13]  بطبيعة الحال، هناك كثير من النّقاش في النّظريّة القانونيّة والدّستوريّة. انظر عن سبيل المثال:

Snford Levinson, “Law as Literature,” Texas Law Review 60 (1982), p.373; and Ernest, W,, “Legal Formalism: On the Immanent Rationality of Law, “Yale Law Journal 97, 1988,P.949

[14] Cover, “Violence and the Word” 1627

[15] المصدر نفسه، 1629. يكون التّركيز على تبرير الحكم كبيراً بشكل خاصّ لاسيما في الحالات التي يكون فيها العنف المسموح به أشد حدّةً. يتمثل هذا في حكم الإعدام بوصف هذا الحكم بالغ الصّرامة ونهائيّا لا يمكن إلغاؤه، فيكون الإلحاح والتّركيز على الكلمة – التّفسير الذي يشرّع ويؤسّس للتّبرير القانونيّ لهذا الحكم. فيشكّل حكم الإعدام المظهر الأكثر وضوحا للعنف في التّفسير القانونيّ، حيث يكون فرض هذا الحكم اختبارا قويّا للإيمان والالتزام بحكم المفسّر (المصدر نفسه ص 1622)، يصبح الإيمان والالتزام الاختبار النّهائيّ للتّفسير، والمعيار النّهائيّ الذي سيتمّ على أساسه قياس قوّة الإقناع في التّبرير.

[16] المرجع نفسه، 1618.

[17] المرجع نفسه، 1619.

[18] المرجع نفسه، 1613. على حدّ تعبير كوفر، "عندما يكون كبح العنف كاملًا، لن يكون للقانون ضرورة؛ إذ لو لم يكن القانون قادرا على التّغلّب على العنف من خلال إشارات اجتماعيّة فإنّه لن يكون ممكناً أو جائز الحدوث. (المرجع نفسه). للإطّلاع على مناقشة مفيدة حول مخاطر تجاوز ذلك الكبح، انظر:

Herbert, K., and Hamilton, V, Lee., Crimes of Obedience: Toward a Social Psychology of Authority and Responsibility, New Haven: Yale University Press, 1989)

[19] Cover, “Violence and the Word” p.1617

[20] المرجع نفسه، 1626.p

[21] المرجع نفسه، 1626-27.pp.

[22] المرجع نفسه، 1611.p

[23] لأنّه يمكن التّنبّؤ بالأجوبة، فإنّه يمكن للقضاة درس أو مراجعة أعمالهم التّفسيريّة الخاصّة باعتبار أنّ لديهم تأثيرا على العالم؛ ولأنّ الأجوبة ليست ضروريّة منطقيًّا، يجب على القضاة أن يكونوا متيقّظين للظّروف التي تحافظ على جودة التّنبّؤ في الإدارة والتّنفيذ.

[24] انظر، Cover “Nomos and Narrative”, p. 18.

[25] على حدّ تعبير  Cover: "لا ينتظر السّجّان والحارس والمنفّذ مكالمة هاتفيّة من عالم أو فقيه أو أي ناقد قبل تنفيذ حكم الإعدام بالسّجناء مهما قد تكون تفسيرات أولئك مقنعة. إنّهم ينتظرون أمر القاضي فقطّ، وبقدر ما يحمل ذلك الأمر في طيّاته من دلائل رسميّة يكون النُّطق بالصّفة القضائيّة." (“Violence and the Word” p.1625)

[26] انظر، Ronald Dworkin, “Hard Cases” Harvard Law Review 89 (1975):p. 1057

[27] Cover, “Violence and the Word,” p.1617

[28] المرجع نفسه، 1612.p

[29] المرجع نفسه، 1613-14.pp

[30] المرجع نفسه، 1615.p

[31] المرجع نفسه، 1628.p

[32] من الواضح أنّ كوفر لم يكن فوضويًّا كثيرًا بقدر ما كان غير مبالٍ بتمايز الإعدام خارج نطاق القانون (أو آلية تشغيل الشّرطة بعيداً)، عن الإعدام بعد المحاكمة ومراجعة الاستئناف. لم يكن لدى كوفر هذا النّفور الرّومانسي من العنف ولا مثل هذا التّعاطف غير المشروط مع الحرّيّة على حساب النظام، لكنّه رفض العنف تمامًا.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي وتقديري د. على الربيعي

موضوعاتكم كهذا الموضوع( العنف والقانون) مهمة جديدا، بل في غاية الضرورة لمجتمعاتنا العربية والراهنة إجمالاً
وانتم كما يبدو تستبقبون إلى أفكار المستقبل، كما أنكم تبذلون جهداً في تدقيق المعرفة من مصادرها الأصلية.
- القوانين حيلة العجز السياسي للخروج من أزمات الدول بينما هي ( أي القوانين) تقنن العنف.
- لن يكن هناك قانون بلا حرية انسانية تبطل القمع الكامن فيه.
- القانون حاليا وبخاصة صيغه الماكرة هو أكبر أداة هيمنة سياسية.
- القانون والسرد قضية خطيرة، لأنها جزء من تكوين الخيال والحكي الجمعيين لتمرير السياسات.
- يمس عنف القانون كل مفرادت الحياة من اللغة وانتهاء باتلمؤسسات ونمط العيش.
إذن هل المشكلة في وجود القوانين وصياغتها أم في بنية المجتمعات؟

لأن كل نظام حاكم يتلاعب ويتفنن - وبخاصة في عالمنا العربي- لتمرير القوانين بأشكال مراوغة.
والمواطن يردد كالساذج: نريد دولة القانون!!! وهو لا يعرف أنها قائمة على الفرز وتغليب المصالح واستعمال الناس لخدمة الحكام.
شكرا لمجهوداتكم العظيمة ودمتم بخير وسعادة

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذ سامي عبد العال المكرم ، ممنون فعلا لمداخلتكم العلمية القيمة هذا التي تدل على اهتمامك الفكري عموما وعمق رايكم في ما يتعلق بعلاقة القانون بالعنف. قرأت تعليقكم فوجدته تقريض مهم لدراستي . تمنياتي لكم دائما بمزيد من الطرح العلمي والانجاز المعرفي.

د. علي رسول الربيعي
This comment was minimized by the moderator on the site

والقوانين تتبدل بحسب درجة تطور المجتمعات وتلف# بعض الاجراآت العنيفة في تنفيذ القوانين مع زيادة التطور الحضاري والقيم للأفراد
وتتقلص نسبة العقوبات الجسدية بالنسبة للعقوبات المعنوية وتتحول السجون لاصلاحيات

تحمز بونسو
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذ تحمز بونسو اثني على ماذهبتم اليه في مداخلتكم القيمة التي تدل على قراءة قيمة لمسألة القانون وصلته بالعنف.

د. علي رسول الربيعي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5023 المصادف: 2020-06-06 03:46:43