 أقلام فكرية

القانون متعفن بالعنف (4)

علي رسول الربيعيالفرق الذي يصنعه العنف

يعتقد كوفر أنّه من الممكن الحدّ من سلطة تفضيل معنى ينزع إلى القتل في تفسير القانون على حساب معاني أخرى وصناعة السّلام وفقا لنظام قانونيّ، فعلى القانون أن يفلت من الالتزام بضرورة العنف؛[1] قد يتصوّر كوفر أنّ القضاة يتحكّمون بوسائل فرض الألم وتنفيذ حكم الموت في لحظة واحدة، ومن ثمّة فهم يتسامحون بحكمة مع الرّؤى المعياريّة المتنوّعة المحرّضة أو الاستفزازيّة. لكن لا يمكن التّوفيق بين العنف والقانون أبدًا بشكل كافٍ ومُرضٍ لأنّهما من الحقائق الاجتماعية المتصارعة التي لا يمكن لأيّ قدر من البراعة النّظريّة أن يجعلهما منسجمين.[2]

نسلّم جدلًا بكون الرّسائل المركزيّة المبثوثة من خلال مقالتي "النّاموس والسّرد" و“العنف والكلام” ليست متوافقة أساساً وبشكل منطقيًّ، فهما على مستوى النّشاط العمليّ مخاصمين لبعضها البعض. إذ تمارس إكراهات العمل الموصوفة في “العنف والكلام” قيودا ذاتيّة على قضاة الدّولة في سلطة اتّخاذ القرار، وفي تفسير النّصّ القانونيّ واختيار وفرض معنى وحيد من بين معاني متعدّدة (Jurispathic). وأوّل تلك الإكراهات هي التّخلّص من الدّوافع الأوّليّة باعتبارها مطلبا من المطالب العقلانيّة لعموميّة وموضوعيّة الأحكام والقرارات،[3] وهناك من الإكراهات الأخرى ما قد يستمدّ وجوده من ذلك التّفاعل الهشّ والمطلوب بين "تنظيم النّاس" وبين الرّغبة في أن يكون عنف القانون قابلا للتّنفيذ والتّدجين على حدّ سواء.

فمن أين لتلك المسافة بين الفكر والعمل، بين الأحكام والقرارات أن تُعدّ في حالة القانون نعمة وصعوبة  في آن واحد؟ قد تكون نعمة إذا لم يكن هناك أيّ مسافة فعليّة بين قرار قضائيّ وبين تطبيقه على الآخرين، وهذا يعني أنّه إذا طُلب من القضاة أن يقوموا بأنفسهم بفرض عقوبة الألم والموت الذي تقتضيه أحكامهم فسيحصل عنف قليل، لكن والحال أنّ هذه المسافة تُشكّل صعوبة لأنها تقتضي إيجاد طريقة لاجتياز الفجوة بين تفسير القاضي للنّصّ القانونيّ وبين التّنفيذ الفعليّ والمادّيّ للقرار القضائيّ ومثاله حالة الجلاد. هل في هذه الحالة ما يربط الانتقال من الكلمة القانونيّة الى الفعل؟ فالانتقال يقوم هنا بأمرين: أولًا، يُبقي على القاضي منفصلا عن الفعل نفسه وبمنأى عنه وإن ظلّ مرتبطًا به، لكن تنفيذ هذه القرارات القضائيّة يجعل القضاة متورّطين أخلاقيّا إلى حدّ ما. ثانيًا، يربط الفعل بالأمر أي يربط بين الجلاّد و القاضي عبر القرار القضائيّ، وبطريقة تتغلّب على الموانع الثّقافيّة والأخلاقيّة المتعلّقة بإنزال الألم والموت. يبدو أنّ هذا هو المسار الاساس الذي يجعل متطلبات "تنظيم النّاس" ممكنًة بالنسبة للقانون كنشاط عمليّ وكفكر يُعمل به ليؤدّي وظيفته في الجوانب العمليّة من حياة المجتمع.

هناك قصّة أخرى يمكن سردها لا تتعلّق بالأسباب لكن بلغة التّبرير، والأخلاق ونواحي أخرى، إنّها قصّة يرويها الضّبّاط والقائمون على تنفيذ القانون الواحد منهم للآخر: إنّهم يعتقدون أنّ ما يقومون به مبرّرا، وهذه القناعة هي ما يفسّر قدرتهم على نقض الموانع العرفيّة مقابل القيام بالعنف. فهم يعتقدون أنّ الأعمال التي يؤدّونها هي أعمال ضروريّة بالفعل، وأنّهم المخوّلون حصراً لتنفيذها.

وبما أنّهم يميلون للتّصرف مباشرة عند تنفيذ المرسوم القضائيّ دون مبالاة بأيّ قيد، فإنّ هذا الأمر يبقى إشكاليّا ومحيّراً.[4]هناك شيء واحد يدفع للاعتقاد بأنّ هذه الأفعال ضروريّة ولها ما يبرّرها أنه افتراض نظام موحّد ومبرّر من القواعد والعقوبات يجعل ممارسة الإكراه مبرّرة أيضا. ولسدّ هذه الفجوة تكون الحاجة ملحّة إمّا إلى تأكيد معقول لصحّة قرارات التّدخّل بالقوّة للفصل في النّزاعات، أو إلى توسّط فاعلين ومسؤولين آخرين، أو إلى كليهما.

وحيث إنّ القانون من وجهة نظر كوفر ليس نظامًا شكليًّا ولكنّه مؤسّسة تفسيريّة،[5]فمن الواضح أنّ من ميزة وخصوصيّة أيّ قرار عدم انفصاله تمامًا عن الفاعل الذي يقوم به.[6] وهذا لا يستتلزم البحث فيما إذا كانت هذه الأحكام والقرارات صحيحة أو غير صحيحة، ولكنّه يعني أنّ ضمان هذه الأحكام لا يتحدّد تمامًا بالرّجوع فقطّ إلى قواعد النّظام وحده،[7] إذ يملك ممارسو هذه القواعد الخيار لفهمها من جديد دائمًا، ولرؤيتها على ضوء جديد وتفسيرها بطرق جديدة لكي تكون مقنعة.[8] يجب على المسؤولين القانونيّين والقضاة خاصّة أن يفسّروا ويقيسوا ويوازنوا، بطرق ليست ثابتة ولكن مرنة، فليس لديهم أيّ مبرّر للتّصرّف بلامبالات تُجاه النّصوص. لأنّه لا ينبغي لأحكامهم أن تكون ذات طابع شخصيّ أو نتاجا لنزوة أو تحيّزا أو تفضيلا غير معتمد، أنها ينبغي أن تكون غير قابلة للتّصرّف الشّخصيّ.[9] يعني ذلك أنّ هذه الأحكام تحمل أثر أصحابها، وتدلّ على منظورهم، وعلى مجموع افتراضاتهم ووجهات نظرهم كأصحاب قرار، لا أن تكون  ذات تأثير على مضمون الأحكام الصّادرة.

إنّ تنفيذ حكم بحقّ مدعًى عليه عن جريمة تحت سقف القانون هو نتيجة حكم القاضي بذلك، وهو حكم كان يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا لولا ميول وتصوّرات وفهم وتفسير ذلك القاضي للنّصوص القانونيّة.[10] هذا لا يستلزم بالطّبع وجوب أن يتحمّل القضاة المسؤوليّة الكاملة عن القرارات التي يتّخذونها حيث إنّ ما يقرّرون يتشكّل بقوّة لاعتبارات ليست لديهم أيّ سلطة عليها كالقوانين ذات الصّلة، والقرارات السّابقة، وإجراءات الرّقابة.[11] ينخرط القضاة في القرارات التي يتخذون وفي تفسير القانون بصفة خاصّة، ويُتوقّع أن تعتمد أهليّة هذه الأحكام وقدرتها على الاستمرار على الجانب العمليّ، وعلى التّحليلات والحجج، وعلى تهيئتها لأن تسعف الشّرطة القضائيّة في القيام بالتّنفيذ.

من المفترض أن يتحمّل القضاة المسؤوليّة بوصفهم مفسّرين للقانون فيما يتخذون من قرارات ويصدر عنهم من أحكام تُشكّل جزءًا ممّا يأخذ كوفر بعين الاعتبار عندما يتصوّر إمكانيّة تدجين عنف القانون. فهؤلاء القضاة هم وسيلة "نقل" نظام القواعد القائمة وتنزيلها على أجساد البشر وأرواحهم ألما وموتا. ليست مسؤوليّة القضاة كبيرة لأنّهم قد يكونوا غير قادرين على فعل ما يجب القيام به، ولكنّها كبيرة عندما ينخرطون كفاعلين أخلاقيّين ما يعطيهم متّسعا أوسببًا كافيًا للتّصرّف بتفكير أكثر عمقًا[12] وبالتّأكيد، هذا يكفي لاختبار "إيمانهم والتزامهم".[13]

وبناءً عليه، فإنّ على القضاة المنخرطين في "تنظيم النّاس" ويمارسون عنف القانون أن يستوفوا الشّروط المنصوص عليها والمحدّدة مسبقا للإذن أو السّماح بهذا السّلوك أو ذاك، وأن يقدّموا باعتبار ما يتّخذون من قرارات هم مسؤلون عنها الضّمانات اللاّزمة سواء منها المتعلّقة بصحّة تلك القرارات أو المتعلّقة بسلامة التّنفيذ من عيوب الشّطط بمراقبة تدخّلات الفاعلين والمسؤولين والإشراف عليها. فانخراطهم في ذلك العنف بإصدار أحكام يرون أنّ لها أسبابًا مقنعة وقرارات يعتقدون أنّ إصدارها تمّ بطريقة صحيحة ومنصفة، وبالنّظر إلى الطّابع الخاصّ لهذه المشاركة فإنّهم يساهمون في تبرير يسمح للآخرين بالتّصرّف بالوكالة.

لقد أشار كوفر إلى عائق مزعج يواجه مشروعه التّرميميّ، إنّه المشكلة النّاتجة عن الصّعوبات التي تواجه القضاة والمسؤولين القانونيّين الآخرين في إيجاد القناعة اللاّزمة لعنف القانون ولتنظيم استخدامه عند الضّرورة. يقول كوفر: "إنّه لمواجهة هذه الصّعوبة من داخل المجتمعات التّفسيريّة الخاصّة التي تسمح بالعنف وتبرّره، لا بدّ من توفير المبرّرات القويّة والأسباب المقنعة"،[14] فبدون هذه الأسباب والمبررات لا يمكن ولن يكون عنف القانون منظّمًا ومنتشرًا على نحو فعّال.

يقدّم العنف مبرّرا قويّا للأعمال القانونيّة،[15] ونتيجة هذه الحقيقة هي تعزيز العلاقة بين نظام قانونيّ إمبرياليّ هو بحاجة مستمرّة إلى إيجاد أو توليد مبرّرات قويّة وبين المجتمعات ذات المعايير المشتركة التي تكون تصوّراتها عن الحقّ والخير في نزاع أو خلاف مع ما يتطلّب القانون. وبسبب تلك المبرّرات التي استحدثتْ لأجل استدامة العنف يصبح النّظام القانونيّ عدوانيّا بالإصرار على فرض تصوّره ووجهة نظره كنسخة وحيدة للحقّ، وفي ذلك يقول هادلي أركز:

"عندما نستدعي لغة الأخلاق، فإنّنا نمدح ونلوم، نُثني ونُدين، نُحَيّي ونَسْخَر، نوافق ونعترض. بالتالي، قد لا يكون هناك معنًى لإلقاء هذه الأحكام على الآخرين ما لم يكن مفترضًا أنّ هناك معايير للحكم في متناولنا ومتناولهم تسمح لهم بأن يعرفوا أنّ ما يقومون به هو الصّواب أو الخطأ. فعندما نستدعي لغة الأخلاق فإنّنا نتحرّك بعيدًا عن بيانات الذّوق الشّخصيّ والمعتقد الخاصّ؛ إنّنا نقدّم الحكم على الأشياء الصّحيحة أو الخاطئة، عادلة أو غير عادلة عمومًا".[16]

لذلك يكون التّفسير القانونيّ الذي يهتمّ بالعنف مطلوبا، ليروي سردا يجعل المطالب التي يفرض تنفذيها مطالب موضوعيّة،[17] من حيث إنّ التّفسير القانونيّ يسعى ليس فقطّ لإظهار أنّ قراراته قويّة يمكن الدّفاع عنها من النّاحية الفنّيّة، ولكن لأنّها جديرة بأن تُفرَض ضدّا على إرادة الذين يقاومونها لأنّهم يستحقّون أن يذوقوا الألم الذي يتمّ باسمها".[18] وهو ما أدّى بحسب كوفر إلى "صعود أسهم المؤسّسة التّفسيريّة"،[19] وشجّع القضاة على خلق قصّة مُدعّمة معياريًّا تكفي للتّغلّب على التّحفّظ، ولإقناع المسؤولين الآخرين بعدم التّدخّل. وهو أيضا ما يجعل تقييد هذه القصّة والحدّ من ميلها إلى اكتساح مجالات وساحات جديدة أكثر صعوبة، الشيء الذي يستدعي تعزيز التّسامح في مواجهة هذا التّحدّي الخطير.[20]

إنه لمن الصّعب حقّا التّفكير في مثل هذه القصص من غير تذكّر مناقشات كوفر ودعوته إلى خلق المعنى القانونيّ حيث يشير إلى أنّ هذه العمليّة تنطوي على الالتزام والتّطابق، وعلى الموضوعيّة فيقول: إنّ "خلق المعنى القانونيّ يتطلّب التّفاني والالتزام، ويتطلّب الموضوعيّة".[21]ويأخذ كوفر هنا بعين الاعتبار مواقف وسلوك مختلف أفراد المجتمعات المعزولة الذين يُستغرَب أن يكون هناك أيّ انفصال جذريّ بينهم وبين مجتمع قضاة الدّولة، وتوقّع من هؤلاء أن يعترفوا بعرضيّة واحتماليّة المعاني والمبرّرات التي ولدت في هذا المجتمع. فلا يمكن أن يحصل العنف دون الشّعور بأنّ هناك ما يبرّره، وإذا حصل ذلك، فمن غير المرجّح أن تكون هناك قيود ذاتية على التّبرير.

لذلك فإنّ الأمور هي أكثر تعقيدًا كما يذكّرنا كوفر بشكل قاطع، يُساهم القاضي كما رأينا في تشكيل جهاز موظّفي الشّرطة وقوى الأمن الذين يشعرون أخلاقيًّا بأنّهم "أحرار" ليقوموا بالعنف القانونيّ فيؤثّرون بدورهم على القانون الذي ينفّذون أو يفرضون بالإكراه. ومع أنّ هؤلاء لا يقومون بمراجعة الاستحقاقات الموضوعيّة لأمر القاضي فهناك حدود أو قيود على ما تمّ توكيلهم للقيام به، وعلى الظّروف التي بموجبها سينجزون ذلك. فالقاضي الذي يُصدر الأوامر والقرارات يأمل منهم القيام بمهامّهم مع الحرص على أن يكون الإنجاز مطابقا للمراسيم ملتزما بالقيود.

إنّ التّفسير القانونيّ ليس حرًّا أبدًا، فهو يرتبط ارتباطا متبادلاً بالأدوار التي يصدر عنها أو يوجّه إليها، ويترتب على ذلك توتّر دائم بين إنتاج معنًى قانونيّ أكثر تماسكًا بطريقة يستحسنها دوركين، وبين "توليد إجراءات فعّالة في سياق عنيف".[22] لكن قد يكون لهذا القيد المفروض على التّفسير القانونيّ فضيلة تدجين وتلطيف عنف القانون على وجه التّحديد، غير أنّه يطرح مسألة الإكراهات المنطقيّة والبراغماتيّة، الاجتماعية والأخلاقيّة التي تتخلّص من قانون الدّولة لكي تصبح لها سلطة اتّخاذ القرار بتفضيل معنى من بين المعاني المتعدّدة ((Jurispathic لأجل إلغاء الأوامر المعياريّة الأخرى خلافًا لدعوة كوفر في نهاية مقالة "الناموس والسّرد".

وعودا على بدء، وكما تمّت الإشارة إليه في مقالة “العنف والكلام” فإنّ "تنظيم الناس" نعمة ونقمة في نفس الآن من حيث هو أمر ضروريّ لقانون يعني التّعامل مع الألم والموت. قانون يوفّر أجهزة تسعف على نحوٍ فعّال في تحوِيل الفكر إلى عمل يمكن أن ينتج عنف القانون بطريقة معتدلة خاضعة للسّيطرة عمومًا. فتكون تفاعلات النّظام القانونيّ الدّولتيّ مع الرّؤى المعياريّة المتنافسة محدّدة بتلك الأوضاع والظّروف، وفي هذه الأوضاع لا يكون القضاة أحراراً في القيام بتفسير قانونيّ دون عوائق، ولكن يجب أن تلبّي قراراتهم شروط ممارسة العنف. لذلك وعن سبيل المثال، فإنّ القاضي الذي يعيش في عالم يتضمّن نظاما ضدّ تعدّد الزّوجات، قد يجد أسبابًا قانونيّة مقنعة ليجد استثناءً لمجتمع انعزاليّ معيّن يؤمن بمبدأ تعدّد الزّوجات. أمّا إن كان القرار "الصّحيح" و"الأفضل" هو الاستجابة بشكل مناسب للتّنظيم الاجتماعيّ للعنف، فمن غير المرجّح أن يُراعَى هذا الاستثناء. إنّ الدّرس المستفاد من مقالة “العنف والكلام” هو أنّ الفكر لا ينتج عملا لا يتأثّر به، وأن تفسيره يتحوّل بحكم الضّرورة استجابة لسياقه العنيف.

يُغيًر العنف الأشياء والأشخاص ويغيًر القانون الأشياء والأشخاص أيضا، والقضيّة هي أنّ قدرة الذين يفرضون إرادتهم على الآخرين، أي أولئك الذين يستعملون الإكراه ليكفلوا الانسجام فيما بينهم سيرتّبون الأسباب والذّرائع لتبرير عدم احترامهم لما في محيطهم من تعدّد واختلاف. قد تضعف الفروقات الجديدة إذا كانت لا تدحض التّبريرات القديمة، وهذا يجعل كوفر مُحقًّا عندما اعتبر أنّ فائض الإفتاء بقضايا الضّمير يتعارض مع مطالب التّضامن بالتّأكيد. فإذا كان هذا صحيحا فهو شرط لا غنًى عنه لعنف قانون فعّال.

ما يسعى كوفر إلى الإقناع به، هو أنّ الشّعراء والفلاسفة غير المثقلين بالحاجة إلى الجانب العمليّ والتّطبيقيّ لأفكارهم هم أحرار في زيادة التّمايزات والاختلافات، يتصرّفون بحرّيّة في اختبار وجهات نظر متعارضة. وكما سبق الإشارة إليه، فإنّ الحاجة إلى القيام بالعنف تُحدث الاختلاف والفرق بحدوث الألم والموت، فعندما يتعلق الأمر بذلك مواقف لا يمكن التّراجع عنها، لأن ما يحدث يكون القضاة هم المسؤولون بشكل مباشر عنه. في العالم التّفسيريّ للقانون لا تُملي النّصوص أو يحدّد العقل وحده النّتيجة، بل على العكس من ذلك، ففي عالم يتطلّب العنف الشّرعيّ تتشكّل "النّتيجة الصّحيحة" في جزء منها من خلال الالتزامات المشتركة والمعاني العامّة التي تجعل مشروع التّعاون بشأن القانون ممكناً.

حتى ولو لم تكن هذه الالتزامات والمعاني مقنعة كلّيًّا ولا مشتركة أو عامّة، فإنّه يجب احترامها إذا ما أُريـدَ الحفاظ على قدرة القانون الهشّة على ممارسة العنف. لأنّ ثمن هذه القدرة، هو تصرّف يعادي رؤى وأوامر أنظمة معياريّة أخرى، خلافًا لما ورد في نهاية مقالة "النّاموس والسّرد" من دعوة إلى "وقف تقييد النّاموس" و "إلى عوالم جديدة". يربط العنف الفكر بالعمل، ونتيجة لذلك يجعل القانون أقلّ تسامحًا فيما يتعلّق بالتّعدّد والاختلاف، فقدرة القانون على أن يكون جرميًّا أو قاتلاً تميل إلى جعله سلطة لاتّخاذ القرار بين المعاني المتعدّدة (Jurispathic)، وهذا ضدّ أمل كوفر الحماسيّ.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

[1] حول إمكانية مثل ذلك الهروب، انظر:

Dumm,T. “The Fear of Law,” Studies in Law, Politics and Society 10 (1990): p.29.

Drucilla Cornell, “The Violence of the Masquerade: Law Dressed Up as Justice, “Cardozo Law Review 11 (1990), p. 1047

[2] انظر: Taylor, “Desire of Law/Law of Desire

[3] انظر:

Thomas, N., The View from Nowhere (New York: Oxford University Press, 1986); and Richard Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature (Princeton: Princeton University Press, 1979)

[4] لكن انظر: Kelman and Hamilton, Crimes of Obedience

[5] انظر:

Stanley, F., “The Law Wishes to Have a Formal Existence,” in The Fate of Law, ed. Austin, S., and Thomas R. K, T., Ann Arbor: University of Michigan Press, 1991.

Dworkin, R., “Law as Interpretation,” Texas Law Review 60 (1982), p.527

[6] على حد تعبير Stanley فإنّ عبارة "التّفسير" ليست فن التّشكيل ولكن هي فن البناء. إنّ المفسرين لا يفكون رموز القصائد؛ بل يصنعونها".

(Is There a Text in This Class?) Cambridge: Harvard University Press, 1980),p. 327)

وأيضا:

Levinson,S., “Law as Literature,” p.373

[7] للإطّلاع  على مناقشة مفيدة حول هذه النقطة انظر:

Hart, H, L, A., on formalism and rule skepticism in The Concept of Law (Oxford: Clarendon Press, 1961), chapter 7

[8] انظر: Fish, Is There a Text in This Class?

[9] حول التّمييز الشّخصيّ والذّاتيّ انظر: Nigel, The View From Nowhere, pp.152-53

[10] لمعالجة عامّة لهذا الموضوع انظر:

Noonan, J., Persons and Masks of The Law: Cardozo, Holmes, Jefferson, and Wythe as Makers of Masks (New York: Farrar, Strauss & Giroux, 1976)

[11] المسألة هنا هي عن القيد الذي تفرضه الحقائق القانونيّة والسّياسيّة، وهي تقع في صميم المناقشات النّظريّة التّفسيريّة نظر:

Levinson, “Law as Literature” and Gerald Graff,” Keep off the Grass, ‘Drop Dead’ and Other Indeterminacies, “Texas Law Review 60 (1982),p. 405

[12] عن ضرورة التّشاور في صنع القرار الأخلاقيّ، انظر:

Maguire, D., The Moral Choice (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1978).

Charles Larmore, Patterns of Moral Complexity (Cambridge: Cambridge University Press, 1987)

[13] يقول كوفر: "لا يمكن أن يكون تفسير القانون صالحًا إذا لم يكن هناك من هو على استعداد ليعيشه"

(Nomos and Narrative,” p.44)

[14] Cover, “Violence and the Word” 1627

[15] يقصد بالتّبرير القويّ ذلك التّبرير الكافي لشرح عمل يكون له أصل أو مصدر آخر غير كونه عمل إرادة أو قوّة صرفة. انظر:

Hadley A., First Things (Princeton: Princeton University Press, 1986), p.20

[16] المرجع نفصه، 22-24.pp

[17] "تستددعي نصوص القانون القيام بعمليّة تفسير لأجل التّنزيل على الوقائع موضوع النّوازل المعروضة على القضاء، وتنشد عملية التّفسير هذه تحقيق الخير الذي هو في حدّ ذاته تفسيرا وليس أمرا نهائيّا لما يمكن أن يكون، فهي من هذه النّاحية وعد بالتّوفيق الكامل... ولكن حتى مع ذلك، فإن قانون القانون هو ما نبرر به تفسيرنا من خلال مناشدتنا الخير. عندما يتمّ الدّفاع عن التّفسير القانونيّ باعتبار أنّ ما يشرعه هو الخير، فإنّه يُفرض على الآخر كما لو أنّه قد تمّ إنجاز الخير او تحقيقه" (Cornell, From the Lighthouse,” p.1712)

[18] انظر:

Minow, M., Making All the Difference: Inclusion, Exclusion, and American Law (Ithaca: Cornell University Press, 1990) pp. 60-65

[19] Cover, “Nomos and Narrative” p.51

[20] على حدّ تعبير Minow (Making All the Difference, pp. 64-65) "تسعى اللّغة القانونيّة لأن تطبق عالميًّا، بغضّ النّظر عن الصّفات الخاصّة للفرد، إلاّ أنّ الكونيّة المجرّدة في كثير من الأحيان، "تأخذ الجزء بالكلّ، تأخذ الخاصّ بالكونيّ والجوهريّ، والحاضر بالأبديّ ... "في ذلك اليوم، ستفشل العدالة بإقرار منظورها الخاصّ ونفوذها في تعيين الفرق فيما يتعلّق ببعض القواعد غير المعلنة".

[21] .Cover, “Nomos and Narrative,” p.45

[22] Cover, “Violence and the Word” p.1629

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5024 المصادف: 2020-06-07 03:45:17