 أقلام فكرية

مهيمنات الصورة والتأثير الثقافي

محمد كريم الساعدييمارس الفكر الذي يشكل صورة الخطاب في تحمل معطيات الهيمنة في ثناياها صوب المستقبل لبناء منظومة خاصة تنطلق في تعبئة الجمهور نحو هدف معين، إذ تأتي الهيمنة في إطار ممارسة منهجية لأفعال البناء المعرفي من اجل السيطرة والتوجيه، لذلك فأن الهيمنة ليست شيء يأتي من الخارج فجأة، بل هو ممارسة لأفعال الإقناع بأساليب مختلفة، بطرائق مباشرة أو غير مباشرة، أو بطرائق ترغيبية وأخرى تخويفية وترهيبية من خطر قادم، مرة بحجة ممارسة الثقافة والتمييز نحو الأفضل الظاهري، والمغلف بطبقات من التوجيه المخفي الذي يحمل في ثناياه هدف معين، ومرة أخرى إبعاد الذي يقع عليه فعل ممارسة الهيمنة من الوصول الى الوعي الحقيقي والواقعي بحادثة، أو معلومة، أو أمر يغير المفاهيم الرئيسية التي بنت عليها المؤسسة المعنية أهدافها، لذلك فأن الخطاب وطبيعة الهيمنة فيه يعود الى بناء صورة قائمة على مرجعيات يعتقد أنها صحيحة إذا طبقت بشكل معين في ظروف محددة، تحاول المؤسسات القائمة عليها على هندسة البناء الفكري لصالحها، حتى وان كانت تعمل على تزييف الحقائق والوقائع على الأرض، بأخرى مفبركة،أو مغايرة للحقائق المخفية.

إن ممارسة الهيمنة تعود الى المنظومة الكامنة وراء الممارسة ذاته، لذلك فأن مفهوم الهيمنة يأتي من خلال التأثير والإخضاع الواعي من قبل المؤسسة ذاتها، وفي المقابل الاستقبال المموه الذي جعلته المؤسسات منهجاً، فالتمويه والتأثير والأساليب المصاحبة لهما من امتناع بأفعال الشر المقابلة،أو الأفعال غير المتحضرة التي يقوم بها الآخر الموصوف في السير التاريخية، أنتج ردود لدى المتلقي الجمعي قائمة على التخويف والترهيب، بأن الأمر المغاير لا ينتهي لهذه الصور الحضارية والقيم العليا التي تدعيها الحضارة صاحبة التفوق، لذلك فهي كمؤسسة ضخمة تمارس التخويف والترهيب من الآخر تجاه جمهورها، الذي هو جزء من منظومتها والمقتنع بأساليبها والمحقق لأهدافها في مختلف المجالات لذلك فأن الايطالي انطونيو غرامشي(1891-1937)، يرى بأن الهيمنة هي ممارسة وتكريس لأفعال المؤسسات السلطوية وطبقاتها المسيطرة على المجتمع، أي ان الهيمنة تمارس تأثيرها على الجماهير عبر الاستعمال الرهيف واللاواعي، ايضاً، لعملية الإقناع . ويلعب فرض نمط من اللغة، وانجاز الكتابة الأدبية والتاريخية عبرها، دوراً هاماً في إنشاء أنظمة ومؤسسات تكرسُ أيديولوجيا الطبقة المسيطرة وترسيخها. يضطلع الأدب والتاريخ البريطانيان، مثلا، وبالقدر ذاته اللغة الانجليزية، كحامل للثقافة الانجليزية، بمهمة الأفكار التي تساهم في سيطرة طبقة على أخرى عبر وسائط الهيمنة. ومن هذا المثال السابق نرى مدى بريطانيا العظمى ساهمت بالسيطرة الثقافية على العالم لقرون عديدة خلال حكمها الإمبراطوري القائم على أفعال الاستعمار المختلفة، وما مسرحيات (شكسبير) الا دليل واعي على هذه الأفعال،ذات السيطرة الثقافية في هذا الشأن، التي الى الآن هي المثال الحي على عالمية ومرجعية اللغة الانكليزية وثقافتها الغربية صاحبة الهيمنة المعرفية، وفي هذا المجال يسوق لنا بعض من الذين وقعوا تحت القهر الثقافي الغربي، ومارسوا عليه تطبيق مفهوم المرجعيات العالمية للثقافة التي مارست أفعال الهيمنة على كلا الطرفين من يقبع تحت هيمنتها في إغراءه بأنه صاحب الكعب الاعلى،والأخر الذي مُورست عليه الهيمنة الثقافية، فالأول وقع تحت تضخيم الأنا الراغبة في السيطرة كونها تضخمت بفعل بث صور متعددة فيها لتشكيل الاشتغال الأكبر الذي ينحو نحو التأكيد لأفعال السلطة ومؤسساتها، وهذه الصور من التخويف والترهيب والتشويه للأخر وبناء منظومة قيمية متفوقة عليه جعلت اللاوعي عن الجمهور العام الغربي يعتقد بضرورة التفوق لأجل الحماية اولاً،وتسويق فكرة دمج الآخر بالحضارة ذات القطب الواحد ثانياً، لذلك فقد قبعت أمم وحضارات تحت هذا الاضطهاد الثقافي والهيمنة الثقافية عليه بحجة التطوير والدمج والتغيير،  ومن هذه الصور ما كان مقرراً ان يُدرس في المدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية، التي تقع خارج أسوار الحضارة الغربية فيسوق لنا (نغوجي واثيونغو) حول متطلبات الدراسة في المؤسسات التعليمية بأفريقيا، وخصوصاً القائمة على تبني الفكر الغربي ولغته الرسمية وهي الانجليزية، إذ أصبح من يتقنها في هذه المؤسسات يرتدي (عباءة حمراء) لتمييزه عن باقي الأفراد الدارسين فيها كعلامة تفوق وبالتالي فأن هذه اللغة، أي الانجليزية صارت اللغة المسيطرة تقرر الدراسة الأدبية، وتعزز السيطرة، توقفت دراسة أدب اللغات الكينية الشفاهي . وأنا اقرأ، الآن، في المدرسة الابتدائية النصوص المبسطة لديكنز، وستيفن، الى جانب رايدر هاجارد، وصار جيم هوكنز،واوليفر تويست، وتوم براون – لا الأرنب والنمر والأسد – رفاق يومي في عالم الخيال . وفي المدرسة الثانوية، سكوت وبرنار شو، مع الكثير من رايدر هاجارد وجون بكان، والآن باتون، وكابتن و.ي.جونز. في ماكيريري درست الانكليزية : من تشوسر الى ت.س.اليوت مع شيء من جراهام غرين . من هنا كانت اللغة والأدب يأخذاننا ابعد فأبعد عن أنفسنا نحو نفوس أخرى، من عالمنا الى عوالم أخرى، كذلك الأمم الأخرى ومنها العربية التي وقعت تحت هيمنة الخطاب الغربي،وأصبحت العالمية كمفهوم ومرجع للثقافة هي الأساس في رسم الصور القادرة بالتحكم بأي منتج أدبي وفني وحتى في العلوم المجردة، إذا لم يأتي التأكيد من المرجع الثقافي الغربي، بأن هذا الأديب،أو الفنان،أو المهندس،أو الطبيب هو منتمي فكرياً وثقافياً الى المؤسسات الغربية، حتى وان كان في داخل بلده ويزكى على نتاجه الثقافي من احد المؤسسات العربية لا يكون متفوقاً وناجحاً ويُهتم به عالميا من دون الإمضاء الغربي، لذلك فأن ما قدم ثقافياً عن الآخر العربي المسلم خاصة والشرقي ومن يقع خارج الحضارة الغربية عامة، دّون على وفق رغبة المؤسسات الغربية وليس من صنع الذات المحلية، لذلك فأن نغمة الانتقاص مستمرة في أكثر الأحيان حول الآخر، بحجة انه يقع خارج خارطة الفكر الغربي، وهذه الصورة كخطاب مهيمن يعبر عنها (جابر عصفور) في كتاب (الهوية الثقافية) في أنها واقع تمثل العالم (كما يمثله الغربي) هو المبدأ الذي يفتح أبواب الوقوع في اسر نزعة المركزية الأوربية الأمريكية، اولاً :لأنه مبدأ يعني تحيزاً جغرافياً سياسياً، ضمناً،أو صراحة، ويختزل صفات الإنسانية في دائرة بعينها لا تجاوز غرب أوربا في كتاب (العقاد) و(طه حسين) الباكرة على الأقل . وثانياً: لأنه مبدأ يتحرك على أساس تسليم مضمر مُؤداه ان تمثل العالم (كما يمثله الغربي) هو أسرع سبيل واضمنه الى التقدم الواعد . وثالثاً: لأنه ينطوي على تسليم مواز بثنائية الاعلى والأدنى، ويرد صفه الاعلى الى مصاف (غربي) الذي لابد ان يصعد اليه كل من يريد مجاوزة وهاد (الشرقي) المتخلف الذي يستبدل به الصعود مقابلة أو نقيضه (الغربي).

إن هذه الحقيقة جعلت من الهيمنة كمفهوم ثقافي يأخذ عمقاً ابعد من نقط إلغاء ثقافة الآخر أو دمجها في ثقافة المرجع الثقافي العالمي (الغربي)، بل ان العملية تأخذ طابع ابعد مكمل لإلغاء الهوية الثقافية المحلية، وهو ان عملية صياغة شكل وطبيعة ثقافة الآخر الجديدة قائمة أساساً على نسف كل نتاجه الثقافي والفكري الذي لا يتطابق حسب فهمهم مع المرجع الثقافي الغربي، لذلك نرى بأن صورة العربي المسلم تأخذ ملامح أخرى في هذه الثقافة العالمية، وعندما يذكر المسلم ذات الملامح العربية والشرقية، تأتي منهم جاهزة ومعدة سلفاً تتطابق مع هويته كونه متخلف وبعيد عن الثقافة كون ثقافته المحلية قائمة على القتل والإرهاب وكون هذه الثقافة هي متجذرة وتعود الى طبيعته وقيمة أخلاقه ومنظومته الفكرية، وبالتالي أصبح هذا الخطاب وصورته العالقة في ذهن الجمهور الغربي، الذي هو صناعة المؤسسات المهيمنة بامتياز، ملئ بهذه الأوصاف الدونية مقابل الصفات العليا صاحبة الحضارة للمواطن الغربي، ومن هنا يجب على المواطن الغربي التسليم لهذه الأوصاف واعتناقها والاعتقاد بها، وهي لم تأتي مباشرة، أو تصنع في القرن الحالي، بل هي نتيجة لما حفل به العقل الغربي  وفكره المتعالي ضد الآخر العربي الشرقي المسلم . ومن هنا إذا أردنا ان نتأكد نحن العرب كمسلمين وشرقيين , نقرأ ما كتب عنا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإذا أردنا ان نعرف مدى تطبيق الثقافة الغربية علينا كمرجع لتقليدها فلندقق في عدة جوانب، منها : ان ما يُدرس في مدارسنا من لغات أوربية وغربية ليست فيها قصصنا وتراثنا وأخلاقنا وقيمنا، بل ما يوجد هو القيم الغربية والأخلاق الغربية والعادات والتقاليد الغربية، حتى ان الدارس العربي للغات الأوربية والأمريكية، يلاحظ ان التغيير يشمل ملبسه ومأكله، وكلما نذكر أمامه الثقافة العربية يستهجنها ويستشهد دائماً بالثقافة الغربية . ومن جانب أخر إذا أردنا ان نختبر صورة العربي في الثقافة الغربية ما علينا الا ان نقرأ مسرحية (عطيل) لشكسبير ونشاهد التمييز الذي يقع بحق (عطيل) الشرقي صاحب البشرة السمراء عن ثقافة المحيط الأوربي، وكيف ان غيرته، التي تُعد عيباً في الغرب قد قضت عليه، وكيف ان عقله مغيب وهو قاتل البراءة الغربية المتمثلة بـ(دزدمونة) . كذلك إذا أردنا ان نرى ونتصور شكل البطل الغربي السوبرمان والمخلص نقرأ مسرحية (العاصفة) لشكسبير ايضاً، أو رواية (روبنسون كروزو) للكاتب (دانيال ديفو) وهذه الإعمال وخصوصاً لشكسبير أصبحت من أوليات الدرس في مدارسنا وجامعاتنا وذلك لتأكيد مفهوم التفوق الغربي حتى في داخل المناهج الدراسية وتثبت صورة التفوق في عقول وأذهان أبناءنا والأجيال القادمة كما رُسخت هذه المعلومات فينا وفي من كانوا قبلنا، لماذا لم تتناول المدارس وغيرها قصص من تاريخنا العربي في دراسة الأدب الانجليزي؟ ولماذا لم تدرس القيم السليمة التي يحملها المسلم العربي في المناهج الدراسية الغربية ؟ أم نحن يجب ان ننفذ ما يُطلب منا ويساق لنا ثقافياً وحضارياً دون ان نبحث عما في داخله، وما ورائه من مقاصد، فهل أدبنا قاصر ؟ أم غير جيد؟.

أن هذه التساؤلات وغيرها من حقنا ان نوجهها للأخر الغربي ونطلب منه تغيير الصورة السلبية عنا وعن رموزنا ومنهم (الرسول محمد ص)، الذي أصبح مثار سخرية في الصحف الغربية ذات الحرية في التعبير، حتى على مقدسات الآخرين علماً إنهم علمونا ان الحرية في التعبير تنتهي عند حرية الآخرين وحدودهم الفكرية والدينية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها، فلو كان الغربي جاد في بناء صورة جديدة عن الإسلام ورسوله وعن العربي الشرق أوسطي، دون ان يكون هنا مقاصد خفية وراء استبعاد التغيير في المناهج الغربية، واقصد المناهج التي تعدل من الصورة السلبية عن الشرق وحضارته وديانته ورموزه وأولهم الرسول محمد (ص) لكانت صور التعايش أفضل مما نشهده اليوم، لكن من المستحيل ان تتغير صور الإساءة والتشويه التي جُبُل عليها الذهن الغربي ومؤسساته وسلطانه في كونها قائمة على نظام الهيمنة في رسم سياسات العالم نحو هدف محدد، مفاده ان تبقى صور التعالي والتفوق باقية وفي مقابلها الانتقاص والإساءة والتشويه باقية ضد الآخر، وما هيمنة الخطاب الغربي ثقافياً ومعرفياً، هو صوره من صور الاستمرار بهذه الهيمنة، وبالتالي إيجاد صورة سلبية أو ما يسمى بحسب المفهوم الغرامشي بـ(الحس العام) وهو مصطلح مطلق السلبية على وفق مفهوم (غرامشي) للهيمنة والذي جعل من المؤسسة الغربية قادرة على خلق أساطير للسيطرة على الآخر وتمكين سلطتها من بسط نفوذها وإرساء هيمنتها وحكمها بكافة المجالات ومنها الثقافية، وبذلك استطاعت من خلق (حس عام) لدى مواطنيها عملت على تأكيده في رسم صورة الآخر، بأنه مناقض وغير قادر على بناء نفسه فكرياً وثقافياً، وهذه الصورة عملت على تأكيدها ايضاً في ثقافة الآخر نفسه وجعله يعتقدها فعلاً، لذلك فأن مثال الحالة الثانية، جاء على وفق ردود الأفعال التي لم تكن بالمستوى الحقيقي لازمة الرسوم المسيئة واكتفت الجماهير الشرقية والعربية المسلمة، بالشجب والاستنكار، دون الرد على هذا التشويه بأفعال حقيقية منها المقاطعة الاقتصادية والثقافية التي تجعل من المؤسسة الغربية تحاسب من قام بهذه الأفعال بشكل جدي، لكن ردود الأفعال جاءت حتى على المستوى السياسي غير لائقة بهذه المصيبة الأخلاقية والإنسانية  التي تعرض لها رسول الإسلام (محمد ص)، وهي ليست الأولى على مر التاريخ ولا اعتقد بأنها الأخيرة ايضاً، مادامت الهيمنة الثقافية مسيطرة علينا، وكذلك مترسخة في ثقافتنا، وغير قابلة للتغيير في الذات الغربية ومؤسساتها التي مازالت تسوق الصور المسيئة والمشوهة عن الإنسان الشرقي وأخلاقه وقيمه مستهدفة بذلك ديانته الإسلامية وخصوصاً عن العرب، الذين اكتفوا بالشجب والاستنكار دون ان يطوروا وسائل الرد المناسب على هذه الإساءات، بل حتى دون ان يفّعلوا قوانين ازدراء الديانات، كما هو حاصل مع من يعتدي على (السامية/اليهود) عالمياً.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ د محمد كريم الساعدي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
شكر الله لك غيرتك على دينك ونبيك (ص) يقول الشاعر /
الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
فلا غرابة ان يسع العالم الغربي لفرض ثقافته على الشعوب التي يريد فرض هيمنته عليها تارة بالقوة وأخرى بتغليفهابشعارات براقة فهذا شأن المستعمرين و الطواغيت على مر العصور(ما اريكم الا ما ارى) خاصة مع ما تملكه المؤسسات البحثية الغربية من معرفة وخبرة في مجال الحرب الناعمة والتي اثبت الواقع المعاش انها لاتقل خطورة عن الترسانة العسكرية الهائلة التي يمتلكها فاذا كانت القنبلة النووية قادرة على محو مدينة كاملة فالحرب الناعمة قد تمحو امة بأكملها عن طريق مسخها ونخرها من الداخل لكن السؤال عزيزي الدكتور محمد من المسؤول ياترى عن حفظ وعي الامة لاسيما شبابها الذين يسهل خداعهم بالكلمات المنمقة لقلة تجربتهموخبرتهم فهم كالارض الخالية ما القي فيها قبلته؟
طبعا كلنا مسؤولون ولكن لا اظن ان احدا يستطيع انكار ما للمؤسسات الدينية من تأثير في وعي الامة وصناعة قناعاتها وتوجهاتها الفكرية والثقافية وبالتالي فإن هذا سلاح ذو حدين يمكن استخدامه للإصلاح او للهدم عن قصد او عن غير قصد ، وهنا اعني بعض خطباء المنبر الذين يبدو من خلال محاضراتهم انهم اما متاثرون بالفكر الغربي او انهم يحاولون مجاراة الموجة والتماشي معها فحسب دون ان يكونوا مقتنعين بما يطرحونه وذلك ربما لانهم مهزوزون من الداخل لا يريدون التصادم مع الثقافة الأخرى التي تجتاح العالم بتأثير من العولمة وبذلك يلتبس الامر على البسطاء الذين يأخذون كل مايطرح على المنبر ماخذ المسلمات التي لاتقبل النقاش .مما لفت انتباهي في مقالتك عزيزي د محمد ذكرك لشخصية عطيل وغيرته التي تعتبر عيبا في الغرب وربما بدات تعتبر عيبا أيضا عند البعض من دعاة الحداثة في هذه الامة (طبعا اعني الغيرة بحدودها الشرعية وليس دفاعا عن قتل عطيل لزوجته) .ان من اهم المواضيع التي يحاول الغرب فرض رؤيته فيها على العالم الإسلامي بل على العالم بأسره كثقافة موحدة لكل الشعوب هو موضوع حقوق المرأة وهذا واضح من شدة تركيز الإعلام عليه ،هذا الموضوع الذي اصبح تجارة رائجة في سوق السياسة في مجتمعاتنا الإسلامية بعد ان اصبحت المرأة ينظر إليها كصوت انتخابي يعول عليه. فلا تكاد ترى فضائية الا ولها برنامج اسبوعي لايفتا يذكر المرأة بمظلوميتها في المجتمع(الذكوري) شاحذا همتها للمطالبة بثاراتها التاريخية من الرجل وكأن الإنسانية لايكفيها ما تعيشه من انقسامات سياسية ودينية واثنية ووو ..الخ حتى راحت هذه البرامج تدق اسفينا بين من جعل الله بينهم مودة ورحمة مرسخة مايحاول الإعلام الغربي ترسيخه من صورة نمطية عن الرجل فهو الوحش المستبد الاكل للحوم البشر الذي يجب تقييده بالقوانين التي تحمي عائلته منه( كقانون العنف الاسري) الذي طالما تمنت المؤسسات الغربية فرضه في البلدان الاسلامية والذي نلاحظ في الفترة الأخيرة اصرارا وتركيزا شديدا للاسراع باقراره. هذا القانون(حسب بعض النواب من الدورة البرلمانية السابقة ) يجرد رب الاسرة من حقه في تقويم سلوك افرادها مهما صدر منهم من افعال وسلوكيات وكأنه متفرج .وهنا دعنا نعود للخطباء ولا اعني الجميع وانما اولئك الذين لا يوازنون في طرحهم بين حقوق الرجل والمرأة وانما يسايرون ماهو سائد في الاعلام العالمي من الحديث عن ظالمية الرجل ومظلومية المرأة وربما يظنون انهم بذلك يجذبون المرأة ويحببون الاسلام الى قلبها ولكن ألا يظن اولئك انهم يساهمون من حيث لا يشعرون في تضخيم عقدة المظلومية لدى النساء وبالتالي لا تستطيع المرأة تقبل الاعتراف بحقوق الزوج الذي هو اعظم الناس حقا عليها كما روي عنه صلى الله عليه و آله لا نها تشعر دائما انه غريمها الاكل حقها الظالم لها .من جانب آخر نلاحظ ان بعض الخطباء يبالغ في مدح النساء لدرجة تدعو للتعجب ففي احد المساجد سمعت خطيبا يقول على المنبر (المرأة مقدسة) بالله عليكم الا ينطبق على هذا وأمثاله وصف المداحين يروى عنه (ص) (احثوا في وجوه المداحين التراب) الا يستحق هذا الخطيب ان نرمي قبضة من التراب في وجهه ؟ ألا يؤدي قوله هذا الى فتنة النساء ؟ كما يروى عن أمير المؤمنين (ع) (رب مفتون بحسن القول فيه) الا يعد هذا من المتملقين؟ يروى عنه (ع) (الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق) فهل كل امرأة مقدسة ؟ امرأة نوح و امرأة لوط وهند ومرجانة وجعدة وام الفضل ووو...الخ هل كلهن مقدسات؟ كما ان الرجال منهم الصالحون ومنهم الطالحون كذلك النساء...انا اعلم ان من الرجال قبل النساء من لايستسيغ هذا الكلام ويعتبره ضد المرأة بحكم الثقافة الرائجة والتي تهول أخطاء الرجال وتهون حقوقهم وبالمقابل تعظم حقوق المرأة وتهون أخطائها حتى لو كانت اخطاءا تقتل الفضيلة في المجتمع.....حري بالذي يعتقد بكمال عقل المرأة ان يعاملها معاملة العقلاء لا ان يصفق لها كالطفل المدلل حتى لو كانت مخطئة فالعقل مناط التكليف . في احد الايام كانت إحدى الإذاعات الإسلامية تبث برنامجا وكان الحديث حول حقوق المرأة فاتصل احد الرجال وقال ما مضمونه (صحيح احنة النا حق على النساء لكن حقوقنة محدودة اما هنة فحقوقهن الى ابعد الحدود) وهنا اود ان أسأل الخطباء كيف تكون هذا الاعتقاد لدى هذا الرجل البسيط؟ هذا الاعتقاد الذي يخالف الرواية المعروفة عن النبي صلى الله اعظم و آله (اعظم الناس حقا على المرأة زوجها وأعظم الناس حقا على الرجل أمه) الا يحتمل ان يكون من بين اهم اسباب تشكل هذا التصور الخاطئ هو كثرة الحديث عن حقوق المرأة في الإسلام على المنابر مما يعطي انطباعا بان حقها على زوجها أعظم من حقه عليها ؟ ثم هناك أيضا من يخلط الافكار في ذهن المستمع -ربما من دون ان يلتفت لان الامر مختلط عليه هو نفسه- فاذا كان يتحدث عن موضوع حقوق المرأة ذكر الام واذا تحد.ث عن الأم ذكر المرأة فيسقط مكانة الأمهات على النساء وكأن جميع النساء في المجتمع امهات لجميع رجاله !! وبما ان الإسلام قد أعطى الأم تلك المنزلة الرفيعة فعلى جميع الرجال ان يعظموا جميع النساء تعظيمهم امهاتهم ! كأنهم غير ملتفتين الى ان علاقةالام بولدها الرجل انما هي علاقة شخصية بين الطرفين فهل يعقل مثلا ان يطالب رجل ما امرأة لا تربطه بها علاقة الزوجية بحقوق الزوجية ؟!!!
والى اولئك الذين يكررون القول بان المرأة هي أكثر من نصف المجتمع لانها الام والاخت والزوجة والبنت للنصف الاخر هل تسخرون من عقول النساء الى هذه الدرجة؟ بتصويركم هذا الامر على انه مزية للمرأة على الرجل؟ اليس الرجل هو ايضا الأب و الأخ والزوج و الأبن للنصف الآخر؟فمثلكم كمثل من يمدح المرأة بان في كفها خمس اصابع وهل للرجل اربع اصابع فقط؟
والى اولئك الذين يصرون على ترديد مقولة ان المرأة كانت تباع وتشترى كجارية،الم يكن الرجال أيضا يباعون ويشترون كعبيد ،اليسوا هم من كانوا ولا زالو في كثير من الاصقاع يجبرون على الخدمة العسكرية الإلزامية ليساقوا الى حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل فيكون مصير الكثير منهم القتل والاسر والاعاقة ووو...
نعم هنالك نساء مظلومات في المجتمع وما اكثرهن على مر التاريخ ولكن هل كانت مظلومية الرجل -ولا زالت- تقل عن مظلوميتهن؟ ألا يعلم هؤلاء كم من اب فرق القانون الوضعي المخالف لشرع الله بينه وبين اطفاله حتى إن بعضهم لا يستطيع ان يراهم بل هو فقط ملزم بالنفقة على من يسمون أبناءه ولا يمكنه رؤيتهم فضلا عن تربيتهم وتوجيههم.
ارجو المعذرة يادكتور عن الاطالة ولكن احببت الإشارة إلى شئ من اثار فرض الهيمنة وارجو من الله القدير الكريم ألا يكون القادم اعظم.

عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5049 المصادف: 2020-07-02 06:34:59