 أقلام فكرية

مكانة الدين في الجمهورية (4): تجديد وتنوع الفكر الجمهوري

علي رسول الربيعيخضع الاهتمام بالجمهورية كفلسفة سياسية إلى إحياء كبير ابتداء من الستينيات. لقد كان للخطاب الجمهوري حضورا مستمرا ومثريا على مستوى النظرية، وإلى حدود معينة في المناقشات السياسية. كان التجديد في الفكر السياسي الجمهوري بداية في الستينيات مرتبطًا إلى حد كبير بالبحث الأمريكي عن الهوية، فضلاً عن انتقاد العواقب السلبية التي تنتجها الحركة الليبرالية الفردية.[1] ثم جاء الدافع الحاسم لإحياء الفكر الجمهوري من مجال البحث التاريخي.[2] رسم المؤرخون مشهدًا متنوعًا للتقاليد الجمهورية (الإيطالية والهولندية والتركية والمكسيكية وما إلى ذلك) وادعوا أنهم اكتشفوا الكنوز المنسية لتقليد "الحرية قبل الليبرالية"[3] أي المفهوم الروماني الجديد عن الليبرالية على أنه عدم هيمنة  ويُنظر إليه على أنه مفيد في معالجة الخلل الديمقراطي الحالي. يجب فهم قوة وأهمية العلاقة الجمهورية على خلفية أزمة أكثر عمومية وبنيوية من سخط المواطنين في الديمقراطية الحالية.[4] جادل الجمهوريون بأن المفهوم الليبرالي - الذي يركز على الحقوق الفردية والأسواق والحرية باعتبارها عدم التدخل - ساهم في الأزمة الديمقراطية.[5] لأن الليبرالية تفصل الفرد عن الممارسة الفعلية للحكم الذاتي الجماعي وتتغاضى عن البعد المجتمعي للحرية، وتعتبر غير ملائمة لتقديم حل مناسب لظاهرة عدم الولاء  للدولة وحل مشكلة مركزية السلطة الاقتصادية والسياسية. يؤكد الجمهوريون على سياسة تتلاءم مع غرس  روح  الأهتمام بالشأن العام أو ما يمكن أن نطلق عليه : الروح العامة، وتعليم المواطنين دافع المشاركة في الحكم الذاتي الجماعي، والسعي وراء الصالح العام، ومواجهة الهيمنة.[6] وهكذا سعى الجمهوريون للتأثير على النقاش العام من خلال تصميم سياسات تحبط الهيمنة وتعزز الروح العامة والمشاركة في الأمور ذات الاهتمام المشترك.[7]

لقد تعامل الجمهوريون مع مسألة الدين من منظور همومهم الأساسية: ما هو دور الدين في السعي لتحقيق الصالح العام (respublica)؟ ما هي العلاقة بين الدين في تعزيز عدم الهيمنة والحرية كممارسة جماعية؟

اعتبر الجمهوريون الرومانيون، في تاريخ الفكر السياسي الغربي، أن الدين يمثل عنصرًا أساسيًا للجمهورية الصالحة. كان هذا الاعتقاد الشائع مرتبطًا بحقيقة أن الدين الروماني، مثل الديانة اليونانية، كان مدنيًا إلى حد كبير (سوف نتناول هذا تفصيلا في سلسلة نقاشنا  لمكانة الدين في الجمهورية لاحقا). ومع ذلك، على النقيض من الدين المدني في العصور القديمة، أدخلت المسيحية انقسامًا بين الأمور الأرضية والخلاص، والحكم الذاتي الجماعي والسيادة الإلهية: ولدت المسيحية، من خلال إعطاء الأولوية للخلاص على الأمور الدنيوية، ردود فعل متناقضة داخل التقاليد الجمهورية استمرت حتى اليوم. اعتمادًا على كيفية تداخل التقاليد المختلفة بين الدين والسياسة، ظهرت انقسامات كبيرة بين التقاليد الجمهورية الفرنسية والأمريكية والهولندية والتركية وغيرها.[8] في أحد طرفي الطيف، في الرؤية الفيدرالية واللامركزية للجمهورية الأمريكية، ذهب العقل والإيمان معًا وفي آن وأتجاه  واحد.[9] أدرج الآباء المؤسسون عناصر من كل من التقليد الليبرالي والجمهوري، وتطلعوا إلى تحقيق توليف بين الحقوق الطبيعية والله والتنوير والبروتستانتية. في الطرف المقابل من الطيف، اشتبكت الجمهورية الجديدة في فرنسا التي نشأت خلال ثورة 1789 مع هيمنة الكنيسة الكاثوليكية. هذه المواجهة هي التي أدت إلى وجود علاقة متضاربة بين الدولة الجمهورية الجديدة والديانة المنظمة التي لا تزال تتردد حتى اليوم، خاصة في التعامل مع الإسلام.[10]

لقد تجاهلت الشخصيات البارزة في النهضة الجمهورية المعاصرة الدين إلى حد كبير وحتى وقت قريب؛[11] لكن، تحول المفكرون الجمهوريون في السياق الحالي بشكل متزايد إلى مكانة للدين في ديمقراطية تشكلها المبادئ الجمهورية. أصبح الدين من أكثر القضايا إثارة للانقسام في الفلسفة الجمهورية المعاصرة. تتعلق جذور هذا الأنقسام داخل الجمهورية بشأن الدين، إلى حد كبير، بأساسيات المشروع الجمهوري نفسه. من جهة، تمجد صيغة ذات تاثير الجمهورية اللائكية العلمانية العلمانية تمجيد لا الجمهورية، كما جردت الفضيلة من خصوصياتها الثقافية الدينية.  وفي صيغة أو شكل أكثر اعتدالًا، تميل جمهورية عدم الهيمنة إلى قبول المظاهر الدينية في المجال العام ومنح الاعتراف بها، ولكنها تبقى  متشككة وتنتقد الدين باعتباره يعزز علاقات الهيمنة.[12]  من جهة أخرى، تميل الجمهورية "الجماعاتية" إلى منح الدين دور أكثر إيجابية، لأنها تمنح أهمية أكبر للمجتمع ومسألة  الخير العمومي أوالصالح العام؛[13] وهناك جمهوريون مثل ماوريتسيو فيرولي  يذهبون الى أن الجمهورية الحرة غير ممكنة "بدون إله"؛ أنهم يدافعون عن فكرة "الدين المدني" كما افترضه مكيافيلي.[14]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Haakonssen, K. (2007) "Republicanism", in Goodin, R., Pettit, P., and Pogge, T.W.L . (eds) A

Companion to Contemporary Political Philosophy, 2nd edn, Oxford: Blackwell: 729-734.

[2] Pocock, JG.A. (2009), The Machiavellian Moment. Florentine Political Thought and the Atlantic Republican Tradition. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Skinner, Q. (1983) "Machiavelli on the Maintenance of Liberty" , Politics 18(2): 3-15.

Skinner, Q. (1984) "The Idea of Negative Liberty: Philosophical and Historical Perspectives", in

Rorty, R ., Schneewind, J.B. , and Skinner, Q. (eds) Philosophy in History: Essays in the Histori­ography of Philosophy. Cambridge, UK: Cambridge University Press: 193-221.

Van Gelderen, M. and Skinner, Q. (eds) (2002) Republicanism: A Shared European Heritage, Volume 1: Republicanism and Constitutionalism in Early Modem Europe; Volume 2: The Value ef Republicanism in Early Modern Europe. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[3] Skinner, Q. (2012a), Liberty before Liberalism, Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[4] Crouch, C. (2004) Post-Democracy. New York: John Wiley & Sons.

[5] Arendt, H . (2006) Between Past and future. New York: Penguin Classics.

Skinner, Q. (2012a), Liberty before Liberalism.

[6] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.

Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government. Oxford: Clarendon Press.

[7] Braithwaite, J. and Pettit, P. (1990) Not Just Deserts: A Republican Theory of Criminal justice.

Oxford: Clarendon Press.

Marti, J.L. and Pettit, P. (2010) A Political Philosophy in Public Life: Civic Republicanism in Zapatero's Spain. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[8] Pettit, P. (2005) "The Tree of Liberty: Republicanism: American, French, and Irish", Field Day Review 1: 29--42.

[9] Beiner, R. (2011) Civil Religion. A Dialogue in the History of Political Philosophy. Cambridge, UK:

Cambridge University Press.

Smith, D. (2014) "The Buddha and Blasphemy". Available online at http:/ / secularbuddhism. org/ 2015/ 01 /27 /the-buddha-and-blasphemy.

[10] Asad, T. (2003) Formations if the Secular Christianity, Islam, Modernity. Stanford, CA: Stanford University Press.

Gauchet, M. (1999) The Disenchantment of the World. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[11] Pocock, JG.A. (2009), The Machiavellian Moment. Florentine Political Tho11ght and the Atlantic Republican Tradition. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Skinner, Q. (1984) "The Idea of Negative Liberty: Philosophical and Historical Perspectives", in Rorty, R ., Schneewind, J.B. , and Skinner, Q. (eds) Philosophy in History: Essays in the Histori­ ography of Philosophy. Cambridge, UK: Cambridge University Press: 193-221.

Pettit, P. (1993) "Liberalism and republicanism", Australian Journal of Political Science 28(4): 162- 189.

Viroli, M. (2001) Republicanism. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[12] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory cif Freedom and Gove rnment. Oxford: Clarendon Press.

Lovett, F. (2010a) A General Theory if Domination and Justice. Oxford: Oxford University Press. Lovett, F. (2010b)  "Cultural Accommodation and Domination",  Political Tiieory  38(2) : 243-267.

[13] Sandel, M . (1996) Democracy's D iscontent. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.

[14]Viroli, M. (2010) Machiavelli's God. Princeton, NJ: Princeton University Press: 237.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5051 المصادف: 2020-07-04 02:13:49