 أقلام فكرية

اللغة الصمت وأفصاح الفكر

علي محمد اليوسفالتفكير وتعبير اللغة

يعتبر فينجشتين الكلام والفكر هما شيء واحد، والشيء الواحد عنده اصبح واضحا له اليوم على حد تعبيره، بأن الفكر هو نوع من اللغة. لا نعتقد هذه الحقيقة العلمية في علم اللسانيات وفلسفة اللغة تحتاج اكتشاف التنويه لها كمعلومة لم تكن معروفة قبل استنتاج فينجشتين لها، فالفكر تعبير أفصاحي عن لغة العقل...واللغة وعاء الفكر عند دي سوسير مسألة مفروغ منها.

هذه الحقيقة الفلسفية الفكر هو لغة تستند الى أن التعبير عن الموجودات الخارجية يسمى (لغة) بالمعنى التواصلي مع الآخروفي فهم المحيط والموجودات، والفكر لغة ايضا في تفكير العقل صمتا داخليا، والفكر ليس ملكة فطرية عقلية خالصة أهميتها معرفة موجودات المحيط الخارجي بوعي منفرد لا علاقة له بالمجتمع، ولا في التعبير عنه لغويا..

الشيء الاهم أن كل فعاليات الانسان الفكرية اللغوية هي نتاج تخليقي توليدي للعقل الانفرادي مع تعالقه بالتوليد الجمعي اللغوي الذي يتفاعل معه بأكتساب الفرد والمجتمع لغة مشتركة لم يستطع الفرد تخليقها توليديا انفراديا، فاللغة ظاهرة أجتماعية رغم امتلاكها خاصية الانفرادية الانسانوية كاستعداد فطري ومنطوق لغوي لتصبح مكتسبا لغويا مجتمعيا في كلام منطوق أو لغة مكتوبة.

ولا يمكن حصول تطور في اللغة الانفرادية الخاصة بالشخص الا في محيط أجتماعي يحتويها ويتعامل معها بفهم جمعي مشترك. اللغة فهم سيسيولوجي مشترك بقدرات واسهامات فردية متنوعة ومختلفة تساهم بخلقها وتطويرها.

والشيء البديهي الذي لا يحتاج تأكيد فلسفي أيضا أن العقل ومنذ افلاطون ومن بعده ديكارت أعتبروا العقل جوهرا غير فيزيائي ماهيته الفكر في توليده (اللغة)، من حيث اللغة لا تصدر عن غير مصدرالعقل الذي ماهيته التفكير بوسيلة اللغة، والا كان تفكير العقل خارج خاصّية انتاجية اللغة كنظام للمدركات والاشياء في الحياة يصبح هذاءا صوتيا يطلقه الفرد من غيرنسق لغوي منّظم ذي مضمون فكري واضح متجانس تعبيريا عن الاشياء، بل اللغة غير المنتظمة التي لا يكون مصدرها العقل الانساني السوي هي أصوات لامعنى لها وليست لغة تحتوي فكرا،. اللغة هي نظام الاشياء وليس التعبير عنها كموجودات بعشوائية غير منتظمة كما في هذاءات الانفصامي المريض الذي لا يرى النظام في موجودات المحيط من حوله.

تعبير اللغة تمنح الوعي العقلي نظامه النسقي المقبول مجتمعيا في تبادل واكتساب المعرفة. وبغير تفكير العقل في انتاجيته اللغة كمنظومة سيسيولوجية يصبح عقلا مشابها لعقل الحيوان تماما. وأختلاف لغة الانسان عن لغة الحيوان تتعدى الذكاء اللامحدود عند الانسان الذي يفقده الحيوان ويتعدى قابلية النطق الصوتية المرتبطة بتطور حنجرة الانسان عن الحيوان ايضا ، وأنما الاختلاف في خصائص أخرى أن لغة الانسان التعبيرية عن الاشياء لغة نظام وتنظيم المدركات العقلية في العالم الخارجي، فاللغة عند الانسان هي القوانين الوضعية التي تحكم الموجودات والاشياء في الطبيعة. بأختلاف لغة الحيوان التي تكون دوما عشوائية لا تستطيع جعل اللغة نظاما لحياتها في ادراكها المحدود لمحيطها. عشوائية الصمت اللغوي الحيواني نابع وصادر من عدم أحساس الحيوان بزمانية التفكير المعدومة عنده. فنسق اللغة التنظيمي لمدركات العقل الانساني مصدره الاحساس بالزمن.

نعم يمتلك الحيوان لغة صوتية من نوع خاص ووعيا لغويا صامتا مختلفان عما يمتلكهما الانسان، لكن هذا النوع من اللغة الصوتية المسموعة والصامتة عند الحيوان ليست كما هي عند الانسان معقدة ومتطورة نوعيا، فاللغة لدى الحيوان هي في التعبير عن احساسه المباشر بالخطر أو رغبة الجماع الجنسي وبعض العواطف البسيطة كالحزن والفرح والنزعة الوحشية في الدفاع عن النفس وغيرها من تجليّات الوعي عنده لكنها جميعها يبقى الافصاح عنها لغة حيوانية محدودة بعدم امتلاكها ذكاءا تنظيميا متجانسا مع المحيط من حيث الاحساس بالزمن وتنظيم مدركاته من الاشياء..فقدان الزمن بلغة الحيوان هو الذي يصيبها بالاعتباطية والعشوائية في عدم امتلاك قابلية التنظيم التعبيري المتجانس..

لا جديد في القول أن الفكر الداخلي الاستبطاني الصامت للعقل هو نوع من تعبيراللغة غير المفصح عنه صوتا فكريا ولا لغويا. وقد تطرقت لشرح هذه المسألة تكرارا في كتاباتي السابقة المنشورة قبل أطلاعي على مقولة فينجشتين بهذا المعنى. وما هو مفروغ التسليم به أن تفكير العقل سواء كان داخليا صمتا أو خارجيا كلاما مسموعا ولغة مكتوبة لا يتم بغير توسيلية تمثّلات اللغة الصورية لمدركات العقل، ونستطيع الجزم أن العقل لا يفكر جوّانيا استبطانيا بغير صورية العلامات اللغوية التي يتعامل التعبير بها نفسها عن الاشياء والموجودات الخارجية على السواء بنفس صورية اللغة المكتسبة عن المحيط عنده في تعبيره عن مدركاته الخارجية. بمعنى تفكير العقل صمتا وتفكيره تعبيريا عن الاشياء الخارجية تكون في كلتا الحالتين هي لغة صورية تمّثلية تجريدية لمدركات العقل الاشياء.

ويستثنى من ذلك تفكير الخيال العقلي في أستحداثه لغة غير مألوفة منطقيا في تصوير خيال الاديب أو الفنان عوالم لا يعبّر عنها بلغة تواصلية مباشرة تقوم على أبجدية الحرف والكلمة ودلالتهما الصوتية وموقعهما في العبارة أو الجملة في تداولية تبادل الحوار اليومي المستمدة من الواقع.

فالانسان العاقل لا يستطيع التفكير صمتا استبطانيا داخليا بغير تصور لغوي هي نفسها لغة تعبيره عن الموجودات في عالمه الخارجي الذي يعيشه.لذا يكون تفكير العقل صمتا وتفكيره خارجيا هي نفس اللغة المعبّرة عن مدركات العقل للاشياء.

ولو كان الانسان العاقل يعيش منفردا في غابة مع قبيلته ولم يسبق له العيش بحياة المدينة لما كنا وجدناه يتكلم عن لغة تخص حياة المدينة ويعرف معنى الطائرة والحاسوب والسيارة واستعمالات التكنولوجيا في حياة الانسان، ولا يفهم ويعي صخب المدينة التي تسودها الحركة الدائبة والضوضاء و تعامل الافراد بمفردات استهلاك ما لا حصر له من التكنولوجيا في حياة المدينة؟ وبالتاكيد سيكون تفكيره اللغوي لا يتعدى واقعه الذي يعيشه في مجتمع الغابة فقط الذي يجهل معنى المدينة.

من الواضح أن تفكير العقل الانساني يكون بواسطة تعبير لغوي تجريدي في حالتي التفكير الاستبطاني الصامت أوحالة التعبير الخارجي المعبر عن الاشياء والموجودات كلاما منطوقا أومكتوبا، وكلا التعبيرين هما  نتاج تفكير عقلي واحد ومتشابه يدعى لغة العقل. ولغة العقل هذه مستمدة من تواضع مجتمعي عليها، أي لا يخترعها العقل الانفرادي دونما مرجعية الحياة الاجتماعية لناس يسكنون مدينة او دولة نظامها اللغوي متميز معروف لديها في تفاهمهم اليومي وقد لا يفهمه من لا يعرف لغة تلك الاقوام المختلفة اللغات واللهجات.

السؤال هل لغة العقل التفكيرية الاستبطانية هي غيرها لغة التعبير عن موجودات محيط خارجي معين لقوم بعينه دون غيره؟ الجواب كما قلناه سابقا هو نفس اللغة الابجدية الصوتية التجريدية المنطوقة والصامتة في الحالتين. فالتفكير التجريدي الذهني هو انعكاس الواقع المعيش والمتخيّل.

والا كان يصح في حال افتراضنا أختلاف تفكير العقل الصامت بلغة خاصة عنها في تفكيره الخارجي بلغة عاقلة مغايرة لتفكير لغة الصمت لكان لو حدث مثل هذا الاختلاف فهو يمّثل نوعا من الانفصام المرضي الذي يعتبر واقع الخيال الذي يفكر به هو الواقع ولاعلاقة تربطه مع واقع مدركاته الخارجية في محيطه ليس من حيث أختلاف الفكر وحسب بل في اختلاف لغة التعبير عن المجالين وهو ما نجده جليّا في هذاءات المريض الانفصامي البعيد عن الواقع الحقيقي.. في وقت نجد أن حقيقة تفكير العقل السوي هو في المزج المتخارج بين عالم الخيال الداخلي مع عالم المدركات الخارجية المادية في سيطرة الشعوراليقظ.

التفكير السوي هو لغة العقل في ادراك وتفسير مفاهيم الواقع وقوانينه المتواضع مجتمعيا عليها، والتفكير العقلي الخيالي لا يفارق الميزة الواقعية في التعبير عن الواقع بطرق واساليب ربما تكون أحيانا لا واقعية مألوفة كما نجده في ادب الرواية مثلا والشعر احيانا في خلق عوالم من الفنتازيا أو الخيال العلمي لا يتعامل بها الانسان ولم يعتدها بعالمه اليومي..

اللغة الفطرية واللغة المكتسبة

من المعلوم أن أبرز عالم لغات وفيلسوف لغة معاصر نعوم جومسكي ذهب في نظريته التوليدية الى فطرية اللغة كأستعداد وراثي خاص بالنوع الانساني بما عرف بالنظريته التوليدية اللغوية ، وأبرز المناوئين لها هم فلاسفة السلوكية اللغوية السيسيولوجية من الامريكان وغير الاميركان رايل، رورتي، سيرل، سيلارز وغيرهم الذين قالوا بنظرية اللغة سلوك مجتمعي نفسي.

ونناقش هنا في المقال الاختلاف بين الفطري والمكتسب في اللغة ليس بالانحياز لأحد الطرفين وأنما من وجهة نظر خاصة نطرحها تمزج بين المنحيين أستجابة لما يقوله العلم الطبيعي غير الفلسفي أن حقيقة اللغة هي استعداد فطري ذاتي وممارسة مجتمعية مكتسبة معا. اللغة تولد استعدادا فطريا وتنضج سلوكا مجتمعيا. وتعّلم اللغة وتعليمها لا تورث بالفطرة بل تكتسب بالتجربة الحياتية.

أكتشف العلماء وجود مناطق في القشرة الدماغية للانسان يطلق عليها (اللمبي) هي المسؤولة عن تزويد الوليد الطفل باستعداد فطري موروث في تعلمه اللغة وتجاوبه في الانتاجية المشتركة لها مع غيره من أفراد أسرته في أكتسابه اللغة التواصلية.

هذه المنطقة الفطرية في التكوين البايولوجي لوظائف الدماغ المكتشفة لا يمكن تفعيلها بمرور العمر كملكة لغوية وكلام حواري يحوزهما الانسان بفطرة توليدية ومجتمعية مشتركة وليست ملكة فطرية خالصة تتطور انفراديا، بغير تعلم الانسان تبادل لغة مكتسبة من المجتمع والمحيط تصقل وتطور ملكة الاستعداد الفطري لديه، وتأكيد هذا المعنى أن الاستعداد الفطري اللغوي يتطور مجتمعيا نجده في مثال أن احد علماء اللغة والانثروبولوجيا الفرنسيين يدعى (ايتار) وجد في أحدى الغابات الفرنسية في منطقة الافيرون طفلا متوحشا منتصب القامة مكتمل الجمجمة منفردا لا يعرف اللغة وكان عمره وقت العثور عليه لم يصل سن البلوغ، وجرت محاولات طويلة عريضة صعبة معه لتعليمه اللغة فلم يفلحوا بمهمتهم، والسبب أرجعه العلماء الى أن منطقة الاستعداد الفطري اللغوي الموجودة في قشرة دماغ كل انسان (اللمبي) قد ماتت عنده لتقدمه بالعمر وفقد بذلك الاستعداد الفطري في تعلمه اكتساب اللغة طفلا وليدا بالممارسة الحياتية، ولم يبق لتلك المنطقة الدماغية دور عنده في تعلم اللغة واكتسابها نتيجة انقطاعه عن تبادل هذا الاستعداد الفطري الانفرادي مع أمثاله من جنسه كبشر بما يحفزها على تعلم وأكتساب اللغة بمرور سني العمر باندماجه في بيئة اجتماعية.** (يلاحظ التعليق عن هذه المعلومة نهاية المقال).

هذا المثال يؤكد أن فطرة اللغة التوليدية الانفرادية لا تتطور ذاتيا الا بتخارجها مع محيط أجتماعي متجانس ومتواضع على نوع من الاصوات الرمزية والكلمات ذات الدلالة المشتركة جماعيا بما يبعث ويحفز النزعة الفطرية التوليدية الموروثة جينيا عند الفرد لتعلمه اللغة في تبادل مكتسب لغوي من المحيط رغم ما يمتلكه من نزعة فطرية وأستعداد وراثي في قابليته تعلم اللغة وأكتسابها لكن هذه الخاصية النوعية الانفرادية ليست كافية للنمو وحدها في وسط لا يتوفر فيه أختلاط بشري من نفس النوع.علما أن هناك حقيقة علمية تذهب الى أن كل طفل يملك أمكانية اكتساب تعلم أية لغة كانت.

اللغة في الصمت والكلام

أن الانسان العاقل يفكر ذهنيا وهو صامت، ويفكر صامتا وهو نائم، ويفكرصامتا وهو حالم، والصمت لغة حوار العقل مع ذاته داخليا في موضوع أو اكثر، فالعقل لا يفكر في فراغ – سنوضح هذا لاحقا – ويكون تفكير الصمت بالفكر المجرد بلا لغة كتعبير تواصلي أفصاحي أيحائي لا يشترط توسله اللغة غير ممكنا وجودا، فالصمت هو تفكير في موجودات مادية واقعية تكون صيغة التفكير الصامت صورية تجريدية هي ذاتها اللغة المعبّر بها عن الاشياء الخارجية، بمعنى تفكير العقل لغويا هو صيغة من تعبير اللغة واحدة في الصمت وفي الافصاح ولا فرق بين لغة الصمت في التفكير بموضوع عنها في لغة الافصاح التعبيري عن نفس الموضوع كلاما منطوقا أو لغة مكتوبة.

أو أذا كانت مواضيع التفكير الصامت خيالية لا وجود لها ماديا متعينا في الواقع، ويتناولها العقل بالتفكيرالذهني المجرد فيكون هذا النوع من التفكير اللغوي أما ابداعيا ادبيا او تشكيليا فنيا، وأما يكون تفكيرا انفصاميا مرضيا، والصمت السليم الذي يفكر بموضوعه لا يلغي دور العقل أو لايستطيع الاستغناء عن الوظيفة العقلية في الوعي والتفكير بالاشياء.فالصمت في اللوحة التشكيلية هي لغة صورية تخاطبية أيحائية، ورقص الباليه، والمسرح الصامت، واليوغا، وغيرها هي تعبيرات لغوية لا تتوسل لغة التواصل المباشرة المعروفة كأبجدية صوتية. لكن تبقى اللغة في هذه التعبيرات فكرا لغويا غير منطوق يأخذ اللغة تعبيرا شكليا صوريا غير مقيّد باللغة أبجدية اصوات وتعبيرات كلمات وعبارات.

أن وظيفة العقل في التفكير الخيالي بالمجردات الذهنية أرقى درجة وأهمية منها التفكير في الموضوعات المادية التي يعقلها العقل كواقعات مادية ويدركها ظاهراتيا أو ماهويا بمباشرة لغوية تواصلية...فالعقل في ملازمته الخيال ورقابته على اللاشعور وتداعيات التصورات الذهنية تكون مهمته أصعب من مهمة العقل في تناوله الماديات والموجودات والاشياء في الطبيعة بمباشرة ادراكية حسيّة ميسرّة، لكي لا ينتج عن التفكير الخيالي الذهني المجرد أصوات وهذاءات تعبيرية لا تعطي المفكّر به من موضوعات مادية  أو مجردة أستحقاقها الوعوي الادراكي كما لاتعطي الهذاءات غير العقلية وعي الذات مصداقيتها الذكيّة في نظام الاشياء المطلوب في التفكير غير المرضي الطبيعي السوّي.

الصمت لغة تواصلية

الانسان في جنبة محورية جوهرية من كينونته الطبيعية هو أنه وجود عقلي لغوي ناطق. فالانسان يفكر وهو يتكلم ويفّكر وهوصامت ويفّكر لا شعوريا وهو نائم، ويفكر وهو في حلم اليقظة، ويفكر وهو ماشيا لوحده أو مع مجموع. وفي كل حالات الصمت يحتاج الانسان التعبير اللغوي أو الكلامي عن بعض الاشياء والموضوعات، ويكتم أو يستعصي عليه التعبير عن بعضها، أو يتعذّر عليه الافصاح التواصلي في بعضها الاخر. أذن الانسان وجود مفكر في صمته وفي الافصاح عن بعض تفكيره الصامت في الكلام أو اللغة أو الكتابة.والانسان كينونة عقلية أدراكية تفكيرية، ولغوية ناطقة،وخيالية تجريدية، تحتويها كل خصائص الانسان المادية وجودا.

يقول ميرلوبونتي (أذا كانت اللغة كيان باطن، فأن هذا الباطن ليس فكرا مغلقا على ذاته وواعيا بها).(4) أنه لمن المهم أدراكنا أن اللغة في التفكير الباطني العقلي أي الصامت، هي وسيلة العقل أن يعقل نفسه ووسيلة العقل في وعي الاشياء المادية وغير المادية ذهنيا...كما أن العقل هو الوسيلة الوحيدة في أدراك وفهم الوجود الخارجي والاحساس الاستبطاني ولا بديل عنه.

أما اذا بقي هذا الادراك العقلي منغلقا على العالم الخارجي، في عدم ادراك تواصله الجدلي مع الاشياء والموضوعات،فهنا يصبح الانسان كيان لغوي حواري داخلي صامت فقط مفارقا لجوهر انسانيته في انتفاء طبيعته السيسيولوجية، وهو محال أن يكون وضعه هذا دائميا بالنسبة لانسان سوي مجتمعيا عاقل وناطق ايضا سواء يعيش منعزلا أو يحتويه مجتمع...ومحال ايضا أن يكون الانسان خارج طبيعته بخصائصها الانسانية،أن لا يوجد ويكون جزءا من الطبيعة متفاعلا مع مظاهرها، لا أن يكون كيانا مفكرا بذاته فقط ولذاته ايضا ، منعزلا عن واقعه ومحيطه الاجتماعي. ولا في تعطيله لغة الحوار التواصلي مع الاخر.

الصمت الانساني هو حوار لغوي داخلي يعمل في الذهن البشري المفّكر بمسؤولية، بينما يكون صمت الحيوان (لامعنى) له غير متعين لا عقليا ولا ذهنيا لا تفكيرا منطقيا ولا تعبيرا لغويا. فهو صمت يغيب عنه الوعي العقلي بخلاف الانسان.

في عجزالحيوان الصامت أن يكون صمته تفكيرا خياليا محكوما بوعي زماني ومكاني، كما عند الانسان حيث يقوم العقل ومن ثم اللغة على تنظيم ذلك التفكير الخيالي في وعيهما الزمن...في هذا تكون علاقة الانسان بالطبيعة أثراءا لوجوده، وبقيت علاقة الحيوان بالطبيعة أفقارا لوجوده لولا تدخل ما يسمى محميات الحفاظ على التنوع البيئي والحيواني والنباتي من الافقار التدريجي الذي يقود الى أختلال بيولوجي مفزع في الطبيعة يقود الى أنقراض العديد من الكائنات الحيوانية والنباتية، ومن هنا كان الانسان كائنا وجوديا مستقبليا، أي يفكر بالمستقبل زمانيا بما لايتوفر للحيوان ذلك الا مع تدّخل الانسان بالطبيعة في جعل الذئب يرعى مع الغنم عندما تنتفي الحاجة الى القتل والافتراس الحيواني لاسكات الجوع في محميات الحفاظ على التنوع البيئي الطبيعي.كما تنتفي مقولة هوبز الانسان وجود يلازمه القضاء على أخيه الانسان من نوعه منذ بدء الخليقة والى يومنا هذا.

الزمن واللغة

اشرنا سابقا لغة التعبير الفني مثلا في النحت والرسم وفي جميع جماليات الفنون التشكيلية، هي ايضا لغة حوار داخلي صامت معبّرا عنه بوسائط توصيل هي غير لغة الكلام أو الكتابة المقترنة بزمن.وتكون لغة الحوار التواصلي في حالة كمون يستنطقها الانسان المتلقي للفن والجمال ويفهمها حسب ثقافته وتكوينه النفسي والجمالي في ضروب الفنون التشكيلية.

واللغة الصامتة بالفن منتج عقلي للفكر وتداعيات اللاشعور...أما لغة التعبير الانساني الكلام أو اللغة المكتوبة فهي منتج مصنع الحيوية العقلية الانسانية المتفردة خياليا أو فكريا تواصليا، وبذلك يصبح الانسان كائنا لغويا يفكر وهوصامت وفي مخياله حضور ووعي الزمن الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا النوع من الادراك بالزمن والمستقبل لا يتوفر عليه الحيوان...فالحيوان لايعي الزمن مثل الانسان، حتى وأن كان هذا الوعي الزمني(أفتراضيا) كما يمارسه الانسان أفتراضا وجوديا لا غنى عنه عندما يتعامل مع الزمن ادراكيا ويجهل ماهيته معرفيا .

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- ميرلوبونتي،نقلا عن عبد الوهاب جعفر، الفلسفة واللغة ، ص 58

2- نفس المصدر السابق ص 106

*** نفس هذه الرواية الفرنسية في حال حدوثها حقيقة تنطبق على حي بن يقظان في مؤلف ابن الطفيل الفلسفي، ولا تنطبق على شخصية بطل رواية روبنسون كروزو...لماذا؟ حي بن يقظان حسب المدونة نشأ رضيعا بين الحيوانات في غابة، وكان لديه استعدادا فطريا طفوليا في تعلمه اللغة ولم يجد مجتمعا بشريا يشاركه تعلمها فبقي يقلد اصوات الحيوانات، وحسب رواية ابن طفيل فهذا الصبي تعلم اللغة لاحقا وهو شاب ناضج على يد شخص آخر يدعى أبسال قدم من مدينة بالقرب من الجزيرة النائية التي جمعته الصدفة الترحالية بحي بن يقظان في الجزيرة وحديهما. وعلم ابسال اللغة لحي بن يقظان بخلاف رواية روبنسون كروزو الذي كان بطلها يافعا يعرف الانكليزية التي حاول تعليمها لفرايدي خادمه الاسود الذي كان لا يتكلم الانكليزية وتعلمها بالاكتساب وهو بعمر الشباب؟ فأي من الروايتين صحيحا، بالقياس الى رواية علماء اللغة الفرنسيين بين مفترق طريقين هل اللغة استعداد فطري ينتهي بنهاية فترة عمر المراهقة؟ كما ذهب له علماء الانثروبولوجيا الفرنسيين؟ أم اللغة يمكن أكتسابها في جميع المراحل العمرية كما هو شان أتقان الشخص المتعلم البالغ اليوم لاكثر من أربع الى عشر لغات أو أكثر وهو في سن الستين.. وهو ما يؤكد غلبة سيسيولوجيا اللغة على انفراديتها التوليدية التطورية.

أبن طفيل في مدونته الرائعة حي بن يقظان كان يبحث امكانية الاستدلال العقلي لوجود الخالق بدلا من الايمان القلبي به فقط، والبرهنة على امكانية الجمع بين الاستدلالين القلبي الفطري الايماني والاستدلال العقلي البرهاني منطقيا في الوصول لغاية واحدة معا هو وجود الخالق. ولم تكن المدونة تعالج ثيمة تعلم اللغة واكتسابها كون علوم اللسانيات وفلسفة اللغة انبثقت بداياتها مطلع القرن العشرين. (الكاتب)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5060 المصادف: 2020-07-13 02:48:55