 أقلام فكرية

من زمن الإنسانية المفرطة الى زمن الإنسانية الفارطة

خديجة ناصريمع مطلع القرن العشرين انبثقت قاعدة ابستيمولوجية جديدة هيمن على إثرها الإنسان كموضوع معرفي جديد على حساب الخطاب الذي كان يمثل موضوع علوم العصر الكلاسيكي، فالإنسان الذي كان العلم السابق يجهله ككيان ناشط ومنتج وذات واعية مستقلة في وجودها، أصبح يتصدر مواضيع المعرفة الجديدة. وهذا ما أكد عليه "ميشال فوكو" في قوله، "الإنسان اختراع حديث العهد، صورة لا يتجاوز عمرها مئتي سنة". وكل محاولة لفتح ملف الإنسان يجر بنا للتركيز على سؤال شكل إحدى المداخل الإشكالية الأساسية في الفكر الفلسفي الغربي المعاصر يتلخص في التساؤل عما إذا كان الإنسان في جوهره شرير وفاسد، أم أنّه خير وصالح؟ والمتأمل في السياق الفلسفي العام الذي تبلور على اثره عديد الآراء يمثل امامه زخم من الافكار التي هوجم من خلالها الإنسان بالتشكيك في جل القيم التي بثها فينا فلاسفة الانوار، فبعد أن صور لنا الفكر الحداثي التنويري الإنسان على أنّه ذات واعية وفاعلة وإرادة حرة وعاقلة، له القدرة على الإبداع والخلق، وما صاحب ذلك من شعارات التسامح والإخاء ونشر السلام والاتحاد بين أبناء المعمورة ظهر ما عرف بالنزعة الإنسانية المعادية التي حاولت إبراز الخيوط والوشائج الخفية التي تغلف هذه الصورة اللامعة للإنسان بوصفه سيد الطبيعة وأشرف المخلوقات رفعة وسموا، فمع الإفلاس الأخلاقي الذي آل إليه إنسان هذا العصر ظهرت دعوات تنتقد وتنتقص من قيمة كل ما يتأسس على الذات الإنسانية، وأخذت معالم صورة الانسان تتلاشى وهويته تتشظى وسط ما يشهده العالم من دمار وخراب، مما أدى إلى إذابة مفهوم الإنسان بعد أن اخترقته سهام النقد، ونجد في هذا السياق الفيلسوف "إريك فروم" الذي خص الإنسان بالدراسة والتحليل يقول: "نحن نرى انعدام إنسانية الإنسان اتجاه إخوته في كل مكان: في الحرب والوحشية، في القتل والاغتصاب، في الاستغلال الوحشي للضعيف من قبل القوي، وفي حقيقة أنّ أنّات المعذبين وآهاتهم لم تعد تلقى إلاّ أذانا صماء و قلوب قاسية". فما هو ماثل على الساحة العالمية من جرائم و كوارث يفقد الإنسان صفة الإنسانية من حيث كونه يزرع مشاعر الظلم والقسوة والتجبر ويركض خلف شهواته وغرائزه فروحه تشيطنت ونفسه اعتلها الكبر والغرور انغماسه في مظاهر الحياة المترفة جعله عبدا لرغباته فاستحال عضوية فاقدة للقيم سلطانها المادة قانونها العنف شعارها اللذة والمنفعة وهذا ما اوضحه "إريك فروم" بالقول: "إذا مات الإنسان نفسيا على الرغم من أنّه يحيا جسديا، فإنّه يقاد إلى السقوط ويصبح خطيرا على نفسه وعلى الآخرين"، ومن هنا ظهرت مقولة موت الإنسان التي تحيل إلى معاني كثيرة غير المعنى الظاهر، وقد وجدت منبعها الأول عند "نيتشه" الذي أعلن أنّ موت الإله لا يعني بزوغ عصر الإنسان بل أفوله، كما ظهرت مع "هيدغر" ومن بعده "لفي ستروس" ثم تلقف هذه الدعوى "مشال فوكو" الذي اقتفى أثر نيتشه وهيدغر في سبيل التقويض الجذري لأسس النزعة الإنسانية، فالإنسان عند "فوكو" ليس أكثر من حدث معرفي مؤقت، عملت على ظهوره مجموعة من الشروط والأولويات التي صنعت ثقافة القرن التاسع عشر. ومحكوم عليه بالاندثار عندما تبدأ أسس تلك الثقافة في التصدع، وهو ليس أكثر من ومضة عابرة على سطح المعرفة.

 ولم يكن المفكر العربي في منأى عن هذا السجال الدائر على الساحة الفلسفية بخصوص وضعية الإنسان في الفكر المعاصر فنجد "زكريا إبراهيم" في كتابه "مشكلة الإنسان"، يرى أنّ الإقدام على تقديم تعريف للإنسان ليس بالشيء المتيسر والمتاح ذلك لأنّ الإنسان موجود زئبقي نعت بالعديد من الأوصاف التي جعلت منه أحيانا سيداً للطبيعة وأشرف مخلوقات الله، وأحيانا أخرى فهو أرذل الخلق وأكثرهم قبحاً وحقداً وأقدرهم على ارتكاب الشرور والمفاسد وكل ما يطالعنا به الواقع من جرائم وحشية لخير دليل على مرض الذات الإنسانية بداء الكراهية والحقد والضغينة.

 وقد كان "علي حرب" منضوي تحت هذا التيار الذي شن هجوما عنيفا على الإنسان وهو ينظر إليه على أنّه كائن تسكنه الرغبة في السيطرة والتجبر بحيث لم يعد له المقدرة لحل المشكلات بقدر ما أصبح مفتعل للخلافات والأزمات والنزاعات، ويرى "أنّ تنقيب الإنسان عن نفسه قد أدى إلى أن يجد فيه كل ما ليس بإنساني، أو ما ظن أنّه كذلك، أي أن يجد المرضي واللاسوي والطبيعي والحيواني والطفلي والبدائي، وإذن كل الأوجه التي كان يستبعدها من ذاته". فالإنسان الذي نصب نفسه سيدا للطبيعة لا يعدو سوى رتبة بين الموجودات، وفرع من شجرة الحياة الكبرى، يسقط ويتحرك كجسم، وينمو ويتحلل كنبتة، ويتصرف ويتناسل كحيوان. ف"علي حرب" يرى أنّ الإنسان أضحى يتساوى مرتبة مع البهائم إن لم يكن أقل مستوى من ذلك لأنّ ذوات البشر اعتلت بالضغينة والكراهية، يقول في ذلك: «نحن لسنا أخيارا وبررة بالقدر الذي نظن، فالميول الهدامة تعشش في صدورنا، ورؤوسنا مفخخة بالنوايا الشريرة، والعدوان في طباعنا، والظلم شيمنا، والفحشاء ما تحث به نفوسنا". وبهذا تشوهت صورة الإنسان وتم الاستخفاف به والعمل على إقصائه وخلع الأقنعة التي كان يتستر خلفها فهو لم يعد ذلك الكائن الواعي المسؤول، والمالك لزمام أمره والفاعل في تاريخه والخالق لمصيره، فعلى الرغم مما أنجز من تقدم علمي هائل وما تحقق من معجزات تقنية فانّ البشرية لا تحصد سوى عنفا متزايد كماً ونوعاً، مما يعني تبخر الآمال والوعود ببناء عالم مستقر تسوده قيم السلام والتضامن والعدالة، أو على الأقل بالعيش في معمورة تكون أقل اضطرابا وعنفا وتمزقا.

 

  ناصري خديجة – الجزائر

............................

المصادر والمراجع

1- ميشال فوكو، الكلمات و الأشياء، ترجمة مطاع صفدي و آخرون، مركز الإنماء القومي، لبنان 1990م، ص319.

2- إريك فروم، جوهر الإنسان، ترجمة سلام خير بيك، دار الحوار للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى، سوريا 2011م، ص14

3- إريك فروم، الإنسان المستلب و آفاق تحرره، ترجمة حميد لشهب، الرباط شركة نداكوم للطباعة و النشر، الرباط 2003م، ص47.

4- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، دار مصر للطباعة

5 –علي حرب، التأويل و الحقيقة: قراءات تأويلية في الثقافة العربية، دار التنوير للطباعة و النشر و التوزيع، الطبعة الثانية، بيروت 2007م،ص 63.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5085 المصادف: 2020-08-07 02:03:19