 أقلام فكرية

مفهوم المقدس عند روجيه كايوا

حيدر جواد السهلانيروجيه كايوا: سيرة وفكر

ولد روجيه كايوا(1913- 1978) في مدينة رايس الفرنسية، ونال شهادته في قواعد اللغة، وقد اشتهر كايوا كعالم اجتماع وشاعر وفيلسوف وأنثروبولوجي ومترجم وناقد، أسس عام 1938 بمعية كل من جورج باطاي (1897- 1962، فيلسوف فرنسي)، وميشال ليريس (1901- 1990، كاتب سريالي فرنسي) معهد علم الاجتماع، المخصص لدراسة مظاهر المقدس في الحياة الاجتماعية، في ظروف صعبة وإمكانيات لا تكاد تذكر، قبل الحرب العالمية الثانية، مما اضطره هو واصدقائه لمغادرة فرنسا والبقاء في أمريكا الجنوبية من عام1940 إلى عام 1945، وهناك تعرف على عادات مختلفة وطرائق عيش واساليب تفكير مباينة لما عهدوه، وعلى مسالك أخرى في التعاطي مع الحياة ومقاربتها، فشرعت نظرتهم المقبلة في التكون، وزادتهم إمعاناً في جدوى مقاربة العالم بلون منهجي وموضوع جديد، ثم عاد بعد  الحرب وأختص بترجمة الأدب اللاتيني، وترأس قسم الآداب عام 1948، ثم قسم التطوير الثقافي باليونسكو، حيث أصدر مجلة ديوجين ثم انتخب في الاكاديمية عام 1971، نال قبيل وفاته 1978، ثلاث جوائز هي على التوالي، جائزة الآداب الوطنية الكبرى، وجائزة مارسيل بروست، وجائزة الاوروبية للأبحاث. من مؤلفاته: الاسطورة والإنسان 1938، الإنسان والمقدس 1939، الألعاب والبشر 1957، الجماليات المعممة 1962.(1)

المقدمة:

المقدس هو المقولة التي يبنى عليها السلوك الديني، والمقدس ليس صفة تملكها الأشياء في حد ذاتها، بل هو عطية سرية فاضت على الأشياء أو الكائنات وأسبغت عليها تلك الصفة، ويعتقد البعض أن المقدس والدين في علاقة جدلية، فلا وجود لأحدهما من دون الآخر، ويحتل المقدس موقعاً جوهرياً بالنسبة إلى الدين، بل هو عماده الأساسية، ذلك أن المؤمن يوليه كل مظاهر المحبة والخوف والرهبة، ويعتقد البعض الآخر أن المقدس لم يعد محصوراً بجوهر الدين أو بالعلاقة مع الله(جل جلاله)، إذ اقتحمت مظاهر الدنيوي هذا العالم القدسي، واحتلت موقعاً أساسياً فيه فقد اتسعت دائرة المقدس بشكل كبير، وطالت مسائل وقضايا لا صلة لها بالدين ولا بالمقدس، ونعتقد أن المقدس هو صناعة دينية وقبلية وثقافية وحضارية وحتى أسرية، فقد تمثل المقدس على مر التاريخ بكثير من الشعائر والطقوس، وقد ارتبط المقدس ليس فقط في الديانات السماوية من خلال الأنبياء والرسل والأوصياء أو الديانات الوضعية من خلال الرجل الحكيم أو طوطم القبيلة، فقد ارتبط بقانون الدولة وشعارها أو علم الدولة، وبذلك أن نشوء فكرة المقدس في بادئ الأمر هي فكرة دينية خارقة للطبيعة، ثم اتخذت أشكالاً عدة إلى وقتنا الحاضر، ونعتقد أنه لا يمكن للمجتمعات أن تعيش بدون فكرة المقدس، حتى في المجتمعات الأشد ألحاداً، أذ يوجد لديهم بعض المقدسات هي من تجمع المجتمع.

مرسيا الياد  1907- 1986، فيلسوف وروائي روماني:

يعتقد مرسيا الياد أن المقدس يتجلى دوماً على أنه واقع من نظام آخر غير نظام الوقائع الطبيعية، فالمقدس يظهر دائماً كحقيقة من نظام آخر غير الحقائق الطبيعية، وتستطيع اللغة أن تعبر عن المقدس من ميدان طبيعي أو الحياة الروحية للإنسان، وأن إدراك الإنسان المقدس باعتباره واقعاً موضوعياً ومتعالياً من خلال تجربة عقلية أو انفعالية شعرية أو رمزية، ومن جهة أخرى يعبر الإنسان عن هذا الواقع ويجعله أمراً محايثاً للإنسان، وأن كل معرفة بالمقدس هي تجربة تتناول قدرة أعلى من نظام الأشياء الطبيعية، وهذه القدرة تحول كل ما تتجلى فيه الإنسان الحيوان الشيء وتحدد حيال ذاتها مواقف إنسانية خاصة من حب وخوف ورغبة وامتلاك، وأول وظيفة من وظائفه هي الشعائر، وهي من مبتكرات إنسانية، وهي تود استرضاء المقدس (هذا الكلام ينطبق على الديانات الوضعية، أما الديانات السماوية فقد ذكرت في الكتب السماوية بإداء الشعائر) ويرى مرسيا أن الأشياء المقدسة هي التي تحميها النواهي وتعزلها، والأشياء العادية هي التي تنطبق عليها هذه النواهي، والتي ينبغي عليها أن تبقى على مبعدة من الأولى، ولذا يعرف الدين بأنه جملة متكافلة من العقائد والشعائر المتصلة بالأمور المقدسة.(2)

رينيه جيرار 1923- 2015، فيلسوف فرنسي:

يذهب جيرار إلى أن المقدس يوحد في ذاته التناقضات كلها، لا لأنه يختلف عن العنف، بل لأن العنف يختلف عن ذاته فتارة يستعيد الإجماع حوله لينتقد البشر ويبني الحضارة وطوراً يندفع مدمراً كل ما سبق له تشييده، لذا كان البشر لا يعبدون العنف بحد ذاته، ولا يمارسون عبادة العنف بالمعنى السائد في الحضارة المعاصرة، بل يعبدون العنف بصفه يسبغ عليهم السلام الوحيد الذي كانوا وما زالوا ينعمون به، وعليه أن ما يرمي إليه العابدون من خلال العنف المروع هو اللاعنف الذي يبدو وكأنه هبة العنف المجانية، وجل ما يمكنهم فعله في مجال اللاعنف هو الإجماع ناقصاً واحداً اسمه الضحية الفدائية، وبذلك يعتقد جيرار أن المقدس نشئ من داخل سيرورة العنف، لكن لأجل إيقافه، لا بد من البحث عن كبش فداء وتعلق عليه كل النتائج، وكبش الفداء هو الضحية التي ستحمل لعنة إبقاء فتيل العنف، وهو ما سيبجل ويقدس بحكم كونه من له إمكانية إيقاف مسلسل العنف المدمر، فالتضحية حسب جيرار ليست فعلاً دينياً يستهدف إرضاء الآلهة، بل أنه فعل إنساني، وهو من أوائل الطقوس التي تبعها الإنسان، وأن الذبيحة لا تكون مقدسة مالم تقتل، وهي تمثل أوائل اللجوء إلى المقدس.(3)

فهمي جدعان 1940- ؟، مفكر أردني:

يرى فهمي جدعان أن المقدس هو ما يحيل إلى الموجود المفارق المتعالي أو العلي السامي الطاهر، المبارك الذي يحظى بالاحترام والتبجيل بالإطلاق ولا يجوز تدنيسه وهتكه والاعتداء عليه وخرق حدوده وأحكامه، والمقدس وجه جوهري للدين وعماد أساس من أعمدته، والمؤمن يتمثل هذا المعنى تمثلاً دقيقاً شاملاً، ويخضع على وجه التبجيل والاحترام والمحبة والخوف والرهبة والطاعة والتسليم، وأن أحكام المقدس ومنطقه أنه يتعين احترامه بإطلاق والانحصار عن مساءلته أو مناقشته أو الدخول معه في سجال، والمقدس ما زال ماثلاً في الوجود الإنساني، ومن شأن كل مجتمع إنساني أن ينصب بحركتيه ذاتها مقدساً جديداً يدعم اعماله ويبررها تماماً بقدر ما يمثل هذا المقدس الجديد عالم الإنسان ذاته.(4)

علي مبروك 1958- 2016، مفكر مصري:

يعتقد علي مبروك أنه رغم أن مفهوم المقدس ينصرف إلى الموجود بعينه متعال ومفارق وتكون قداسته من نفسه، ثم تتنزل إلى ما يصدر عنه ويرتبط به، من كتب ووصايا ووعود وهياكل وأماكن وبيوت، بل وحتى أزمان وأيام، فإنه يلاحظ أن الثقافات لم تتوقف، على مدى تاريخ طويل عن ممارسة التقديس وإنتاج ضروب من المقدس تخضع لها وبها البشر وتلزمهم بعدم انتهاكها أو حتى مجرد التفكير فيه، وذلك عبر التعالي بضروب من الأفكار والنصوص، بل حتى الأشياء والأشخاص، ليقدسها البشر ويضعونها خارج حدود القابل للتفكير والفهم ناهيك عن المساءلة والنقد، ويتميز المقدس بسمتين متعارضتين، إنه مخيف ولذلك يستدعي الحذر، وهو مرغوب فيه وبسبب ذلك يستدعي الجسارة، أما الطقوس فهي تكشف الكيفية التي يشرف بها نظام العالم على توزيع وإدارة المقدس، تلك الكيفية التي تظهر غموض وإبهامية المقدس من جهة وانحصاره إلى مقدس احترام، ومقدس انتهاك، ومقدس الاحترام مرتبط بالوضوح الاجتماعي، وبفضل المحرمات تضمن وتصان كل القواعد والترابطات والممنوعات، بينما مقدس الانتهاك فإنه مقدس لا يراعي ذلك. ويتشكل المقدس كما يرى علي مبروك، بفضل عمليات التخيل الرمزي، تلك العمليات التي تمثل مقدرة الكائن الإنساني على تفكير وتمثيل الأشياء المحيطة به، ليس فقط عبر اللغة الطبيعية المهتمة بالأشياء كما هي، بل أيضاً عبر تحويل الواقع المادي إلى رمز، وأن عملية التحويل هذه يكشفها الرمز بما هي مقدرة على منح الشكل لما لا شكل له، وقدرة على استحضار الغائب والغريب والعجيب في واضحة النهار، لهذا السبب يعتبر باحثون كثر الرمز لغة المقدس المفضلة وبامتياز، وهي لغته القادرة على تجسيد غموضه وابهامه، وكذا تحويل تعبيراته وتجلياته إلى تعبيرات وتجليات كونية، وتعتمد لغة المقدس الرمزية في إنشاء عوالمها المتخيلة والرمزية على مبدأين، وهما مبدأ المطابقة والمشابهة التكرارية، ومبدأ المشاركة، فبفضل مبدأ المشابهة والتكرارية تتشكل الطقوس والشعائر والأشكال المقدسة بوصفها أشكالاً ومشاهد تكرارية، أما مبدأ المشاركة فيجعل من لغة المقدس الرمزية فضاء لتحويل الكائن إلى فاعل مشارك ومؤثر وضاغط في الفعل الخارق، في هذا السياق تشكل الطقوس الفضاء الأمثل لتجسيد هذا المبدأ، أي مبدأ الانتقال والعبور من الدنيوي إلى القدسي، ومن ثم ممارسة الفعل المؤثر الناتج عن مبدأ الانخراط والمشاركة. ويظهر المقدس في الثقافة العربية الإسلامية في شكلين متعارضين هما الطاهر(الطيب) والدنس(الخبيث)، ويكون المقدس أشمل من الحرام، بما تحمله اللفظة من ازدواج وغموض داخل الثقافة العربية الإسلامية، بمعنى آخر أن انتهاك المقدس يكون جريمة كبرى قياساً بفعل المحرمات، والمحرومات معروفة وكثيرة، وأن مفهوم المقدس في الثقافة العربية الإسلامية ليس مفارقاً، بل هو متراتب وحاضر في الزمان والمكان والذوات، وتراتبيته العمودية لا تجعله متعارضاً مع أو متناقضاً للدنيوي، بل أن الدنيوي يشغل موقعاً داخل الفضاء المتراتب للمقدس، وأن المقدس الإسلامي ليس متوازياً أو مضاداً للدنيوي، بل هناك حركة بينهما تجعل في كثير من الأحيان والحالات عملية رسم الحدود بينهما مستحيلة، هذه الحركة انتجت ما نعتناه بالدنيوي المقدس بوصفه أحدى سمات التصور الثقافي الإسلامي للعلاقات الشائكة والمعقدة والمتداخلة بين المقدس بجميع تجلياته ومستوياته والدنيوية بجميع مراتبه ومقاماته، ولهذا يرى بعض الباحثين أنه بدلاً من الكلام على المقدس وحدوده قد يكون من الأفضل الحديث عن طريق المقدس.(5)

رفيق حبيب 1959- ؟، مفكر مصري:

يعتقد رفيق حبيب أن المقدسات تولد من رحم الأمة وتعيش فيها وبها، وتنتقل من جيل إلى جيل، دون أن تكون محل تساؤل وبحث، لأنها وليدة الفعل الإيماني التلقائي للأمة، ولكن دخول روح العصر عن طريق وكلاء الغرب المحليين، وأيضاً بسبب انبهارنا بما حققه الغرب، أدت إلى التباس، فكل رؤية حضارية تبدأ ببديهيات لا تقبل الجدل، ومسلمات يفترض صحتها، ولا يتم التشكيك فيها، هذه النقاط المرجعية هي المقدس، حتى وأن كانت أفكار مادية وغير إنسانية، وبالتالي تتصور أن المقدس ضرورة، لأنه الغاية النهائية الكامنة في أي رؤية والتي تحدد تماسك الرؤية واستمرارها وقدرتها على إعادة انتاج أفعالها، والمقدس بهذا المعنى ليس فكرة يتم اختبارها علمياً، أو يمكن ترجيح مقدس على آخر علمياً، ولكنها اختيار إيماني، يسود بين شعب من الشعوب، ويتولد تلقائياً داخل كل افعاله، وبالتالي فإذا كان المقدس معلناً أو ضمنياً، فهو موجود، بمعنى أن هناك مسلمات وبديهيات يقبلها الجميع، من هنا يؤكد رفيق حبيب ضرورة أن  يكون المقدس هو الضمير، أو يكون العقل الحر النفعي، فالتصور العلماني يفرض علناً مقدساته، تحت شعار تحرير العقل من قيود المقدسات، وبالتالي فما نواجه الآن هو صراع بين مقدس وآخر أي بين قبول الرؤية المادية كمقدس، أو إعادة افعال مقدساتنا والتي تنتمي للضمير والدين والأخلاق، ويرى رفيق حبيب أن المقدس لدينا يعادي الاستهلاكية والنفعية والاستغلالية، كما يعادي أن تكون الحياة المتجهة نحو إشباع غريزة اللذة، وبالتالي يصبح العقل والعلم وتطبيقاته، وظيفة اخرى تحقق ضرورات الحياة وترتيباتها وتلبي الاحتياجات المتغيرة والمتطورة، وتصبح منظومة العمل، بشقيه العقلي والتطبيقي، موجهة نحو تحقيق المعنى من خلال أدوات العقل والفعل، والمعنى هنا لا يعادي التفكير أو البحث العلمي أو التطبيقي الفني، ولكنها يجعل منها جميعاً طرائق لغايات مختلفة، فقداسة المادة تجعل الاستهلاك هو الوظيفة النهائية، أما قداسة المعنى فتجعل العمران هو الوظيفة النهائية، حيث أن العمران، هو إعمار الأرض وما فيها وإثراؤها بما يضيف لها، ولا ينتقص منها، وبالتالي أن المقدس ضروري لحياتنا، وأن المعنى لدينا مقدس، والقداسة ضمير ودين وهو غير معطل لعمل العقل ولا لفعل العلم وتطبيقاته، بل مغيرة لوظيفة تلك الاعمال ومقدسة لها قدر تحقيقها للمعنى.(6)

المقدس عند كايوا:

يرى كايوا بضرورة أن يكون المقدس في المجتمع فاعلاً وله تفسير علمي، ويسميه هنا المقدس الفاعل، ويساهم هنا في ربط المجتمع، فالمقدس يتمتع بضرورة جذب سحرية وقمة بالأغراء وبنفس الوقت هو مرهوب ويهيب بمن يحاذيه إلى الروية والحذر، ويستفاد مما تقدم أن المقدس يشكل طاقة خطرة خفيه على الفهم عصية على الترويض وشديدة الفاعلية، لذا كانت المشكلة التي تواجه من قرر اللجوء إليه تكمن في استمالة هذه الطاقة واستخدامها لمصلحته مع اتقاء الأخطار الملازمة باستعمال قوة يصعب إحكام السيطرة عليها إلى هذا الحد علماً أنه بقدر ما يكون الهدف لذى يسعى إليه الطالب تتضاعف ضرورة تدخلها ويصبح استخدامها محفوفاً بالمخاطر، إنها قوة لا تقبل التدجين ولا التحلل ولا التجزئة، قوة لا تجوز فيها القسمة حيثما وجدت. والمقدس يظهر في الحياة العادية من خلال المحظورات بصورة شبه حصرية، حتى ليمكن تحديده بأنه ال مخصص وال مفصول، بمعنى أنه موضوع خارج الاستعمال المشترك، تحيط به المحرمات، لذى يبدو في جوهره سلبياً، تلك هي في الواقع إحدى الميزات الجوهرية التي غالباً ما يوصف بها التحريم الطقسي. ويعتقد كايوا أن المقدس هو ما يعلق عليه الإنسان سلوكه بالكامل سواء كان شيئاً أم فكرة، أنه كل ما لا يقبل الإنسان أن يطرحه على بساطة البحث، وما يرفض رؤيته وما لا ينكره ولا يخونه مهما كان الثمن، إنه بالنسبة إلى العاشق، المرأة التي يحب، وإلى الفنان والعالم، العمل الذي يزاولانه، وهو الثورة بالنسبة إلى الثائر.(7)

المقدس والدنيوي:

يعتقد كايوا أن الصفة الوحيدة التي يصح إثباتها للمقدس بشكل عام، إلا وهي تعارضه مع الدنيوي، وأن أي تصور للعالم يفترض التمييز بين المقدس، والدنيوي على قاعدة التعارض القائم بين عالم يتفرغ فيه المؤمن لأعماله بحريه ويمارس نشاطاً لا تأثير ، فالإنسان المتدين هو من يعتقد قبل كل شيء بوجود وسطين متكاملين، واحد يستطيع الإنسان أن يتحرك فيه بعيداً عن كل قلق، وآخر يضبط فيه كل ميل من ميوله ويحتويه ويوجهه بالتبعية. وبذلك يرى كايوا ضرورة حماية المقدس من كل اعتداء دنيوي، إذ من شأن هذا الاعتداء أن يفسد كينونة المقدس ويفقد ميزته النوعية ويجرده دفعة واحدة من قدرته العاتية والخاطفة، وبذلك ضرورة ابعاد كل دنيوي عن المكان المقدس، ويعطي مثال في الأماكن المقدسة لا يجوز الدخول إلى المكان المقدس غير الكاهن، ولابد من وجود حواجز بين المقدس والدنيوي، لأن أي اتصال بينهما يعود على كليهما بالشؤم، وقد كتب دوركهايم في هذا الصدد وهو يستحيل على هذين النوعين أن يتقاربا ويحتفظ كل منهما بطبيعته الخاص، وأن يكن كلاهما ضرورياً لتطور الحياة، فأحدهما بصفته الوسط الذي تنمو فيه الحياة وآخر بصفته الينبوع أو المصدر الذي يصونها ويجددها باستمرار، وعلى ذلك يؤكد كايوا على ضرورة أن تنظم العلاقة بين الدنيوي والمقدس، ويكون التنظيم بمنتهى الدقة والصرامة، تلك هي وظيفة الطقوس التي يميز فيها كايوا بين نوعين، أحدهما إيجابي يتولى مهمة تحويل طبيعة كل من الدنيوي والمقدس، بحسب حاجات كل مجتمع، والثاني، سلبي يهدف إلى إبقاء كل منهما ضمن نطاق كينونته الخاصة مخافة أن ينشأ بينهما احتكاك غير مناسب يؤول بهما إلى التلاشي، ويقارن كايوا بين المقدس والدنيوي ويعتقد أن مجال الدنيوي هو مجال الشائع والمألوف مجال التصرفات التي لا نوجب أي احتياط، بل تبقى ضمن الهامش المتروك للإنسان كي يمارس فيه نشاطه بحرية، أما عالم المقدس هو عالم الخطر أو الممنوع إذ ليس يسع الفرد الاقتراب منه دون أن يستنفر قوى لا سلطان له عليها، قوى يشعر أنه عاجز عن مقاومتها، لأنها مصدر كل جبروت وكل نجاح وحظوة. وبذلك يفترض كايوا أن يصان المقدس من مطامع الدنيوي الذي يهدد بإفساده وتقويضه نظيراً ما تفسده الحشرة الثمرة. ومن صفات المقدس الازدواج الذي يشهد عليه ارتماسه في الوجدان من خلال مقولتي الطاهر والنجس، هاتان المقولتان لا تدلان على تضاد خلقي بل على قطبية دينية، وهما بمثابة الخير والشر في العالم الدنيوي.(8)

العيد:

يعتقد كايوا أن مفهوم العيد يتم فيه اللجوء إلى المقدس فالذبائح والتبذير كلها عبارة عن اللجوء للمقدس، ويشكل العيد أوج الحياة وينسلخ كلياً عن انشغالات الحياة اليومية، فالاحتفالات الدينية التي تقام بمناسبة الأعياد تثير البلبلة في نفوس المؤمنين، وأيضاً يشكل العيد زمن للفرح والقلق والالتزام بالصوم والعبادة وأداء المناسك الخاصة بهذا اليوم وهي كلها عبارة عن تقديس للمقدس، لذلك يجعل من هذا اليوم هو يوم استثنائياً، فيوم العيد هو يوم يفرض فيه الامتناع عن العمل والانصراف إلى الراحة والمتعة، أما المجتمعات التي لا تتوزع فيها الأعياد غلى مدار الأيام يتم جمعها في موسم أعياد حقيقي، ويمكننا أن نرى بوضوح إلى أي مدى يشكل العيد حقاً فترة تألق المقدس. ويعتقد كايوا أن الأعياد فقدت بريقها منذ خطوات الحضارة ومع بداية تقسيم العمل وتوزيعه ونشوء الدولة الحديثة، حيث بدأت الأعياد تأخذ بالتدرج بالضمور، مظهره طابعاً أقل اتساعاً من الذي كان عليه في السابق.(9)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

الهوامش:

1- ينظر روجيه كايوا: الإنسان والمقدس، ترجمة سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ص21.

2- ينظر مرسيا الياد: المقدس والعادي، ترجمة عادل العوا، دار التنوير، بيروت، ص21- 37- 38- 39- 50.

3- ينظر رينيه جيرار: العنف والمقدس، ترجمة سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ص73- 156- 435.

4- ينظر فهمي جدعان: المقدس والحرية(وابحاث ومقالات أخرى من أطياف الحداثة ومقاصد التحديث)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص22- 23.

5- ينظر علي مبروك: السلطة والمقدس(جدل السياسي والثقافي في الإسلام)، مركز الأنماء الحضاري، ص13- 44- 45- 49- 51- 52- 58- 76- 77.

6- ينظر رفيق حبيب: المقدس والحرية، دار الشروق، القاهرة، ص11- 12- 13-

7- ينظر روجيه كايوا: الإنسان والمقدس، ص28- 39- 40- 145- 188- 189- 192- 193.

8- ينظر المصدر نفسه، ص10- 11- 12- 35- 38- 39- 41- 43.

9- ينظر المصدر نفسه، 142- 144- 188.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5092 المصادف: 2020-08-14 03:34:12