 أقلام فكرية

فلسفة ساندل الجمهورية.. نظرة نقدية

علي رسول الربيعيإن مساهمة مايكل ساندل الرئيسة الأولى في النظرية السياسية، "الليبرالية وحدود العدالة"[1]هي نقد نظرية العدالة الليبرالية  كما طرحها الفيلسوف الأمريكي  جون راولز. فالتشخيص النقدي لليبرالية، بالنسبة لساندل، ليس مسألة مجردة بل هو أمر ذو أهمية حيوية للديمقراطية الحالية:  تناول ساندل في عمله اللاحق، أزمة الديمقراطية الناتجة إلى حد كبير عن تآكل الشعور بالانتماء المشترك بين المواطنين وقدرة الحكم الذاتي الجماعي، واخذ  الولايات المتحدة مثالاً لذلك.[2].يرجع الخلل الديمقراطي الحالي، بالنسبة إلى ساندل، إلى التحول الليبرالي ومثال ذلك ما شهدته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. ينطوي هذا التحول على تغيير من التقليد الجمهوري للآباء المؤسسين إلى رؤية مشوهة للجمهورية إلإجرائية التي يدعو اليها مفكرون مثل راولز. لقد أختزلت الفلسفة الليبرالية المهيمنة، في ما يتعلق بالشأن العام والخير العام، السياسة إلى إجراءات وقطعتها عن المشاركة في القضايا الجوهرية للخير والصالح العام. وبذلك، تقوض الليبرالية ما يُقصد به من بناء وحماية لمجتمع المواطنين الأحرار. علاوة على ذلك، كان للمنطق الرأسمالي الليبرالي الذي يسعى وراء الربح تأثير مشوه على ممارسة المواطنة.[3] إن "دواء" هذه العلل هو الديمقراطية الجمهورية كفلسفة عامة.  تهدف"الجمهورية" التي هي " نشاط  يغذي الروح ويشكل جوهر الفرد" إلى توليد ممارسة سياسية مجتمعية كسعي وراء الصالح العام من قبل المواطنين المشاركين والمتفاعلين فيه. يلعب الدين في مفهوم ساندل الغائي للسياسة دورًا حيويًا: فالدين يوفر المصادر لتوضيح الخيرات والغايات في المجال العام. فيتطلب ،وهوعلى هذا النحو، حماية وتكييف خاص.

ساندل والفلسفة الليبرالية العامة

تجمع حجة ساندل النقدية بين الاعتراضات الوجودية والمعياريًة للاتجاه الليبرالي الذي يمثله أو يتميز به راولز. هناك ثلاثة عناصر متشابكة ذات صلة بتفسير ساندل للفلسفة الليبرالية: أنطولوجيا  الذات الحرة غير المثقلة بالأرتباطات الجماعية؛ موقف محايد يفصل السياسة عن الدين؛ التقليل من الواجبات الدينية تجاه الاختيارات وكذلك الحرية الدينية في حرية الاختيار.

أولاً، إن وجهة النظر الليبرالية، بالنسبة لساندل، متجذرة في أنطولوجيا الذات الحرة المستمدة من الديأنطولوجيا الكانطية (أخلاق الواجب والألتزام عند كانط) والذات الترستندالية (ما يفترض سابق وضروري للتجربة في فلسفة كانط). بُنيت فلسفة كانط على نظرة ثنائية تفترض العالم في ذاته ( noumenal world )- حيث تتجذر الحرية والعقلانية والأخلاق - ضد العالم التجريبي، الذي يتميز بالسببية والحتمية.[4] ينتمي البشر إلى هذين العالمين: الحرية، بوصفهم كائنات أخلاقية. والسببية التجريبية، ككائنات طبيعية. تنجم الكرامة والأخلاق، وفقًا لـكانط، عن ممارسة العقل العمومي والإرادة الحرة مستقلة عن أي رابط جماعي محدد، أو أو هدف نهائي، أو مقاربة محددة للخير.[5]

ورثت الليبرالية (بما في ذلك صيغة راولز منها)، بالنسبة لساندل، وجهة النظر هذه عن الذات بوصفها تمارس إرادتها وعقلانيتها بشكل مستقل عن خيرات محددة للمجتمع. يفسر ساندل الليبرالية بأنها ترى "ما هو أكثر أهمية بالنسبة لشخصيتنا ليس الغايات التي نختارها ولكن قدرتنا على اختيارها."[6] تكون الذات الليبرالية حرة طبقًا لمصطلحات ساندل، أيً الـ"أنا" ذات سيادة قادرة على اختيار حقوقها وواجباتها دون اعتبار للولاءات الجماعية وأنتماءاتها الخاصة. فتعني الحرية في هذه الانطولوجيا، أولاً وقبل كل شيء، اتخاذ خيارات حرة يُنظر إليها على أنها ذات قيمة لأنها ناتجة عن ممارسة الإرادة وليس من قيود غير متجانسة (التقليد، العادات، الله).

الافتراض الثاني لليبرالية، عند ساندل، هو إعادة بناء نموذج فيما يتعلق بحياد السياسة والقانون والدين (وبشكل أعم، مفاهيم الخير).[7] يرى ساندل أنطلاقاً من فرضية الذات الحرة غير المثقلة بالأرتباطات الجماعية، أن النشاط القانوني السياسي لليبراليين  يتركز على إطار محايد للحقوق والإجراءات. لا يقف هذا الإطار ضد أي من الخيرات والغايات المتنافسة في المجتمع. تضمن السياسة والقانون لكل فرد الحرية نفسها في متابعة تلك الغايات التي يختارها بشكل مستقل عن الواجبات والالتزامات الدينية وغير الدينية. يكون في هذه الرؤية لـ "جمهورية إجرائية" كما يطرحها ساندل، للحق الأسبقية على الخير: فمجال السياسة هو مجال الحقوق والإجراءات، وهو منفصل عن السعي وراء خيرات وغايات محددة .

يصبح الدين، من وجهة النظر المحايدة هذه، الحالة النموذجية لأستبعاد الليبراليين المفاهيم المثيرة للجدل عن الخير العام من المجال العام.[8] فيؤدي لجوء الليبرالية إلى الحياد إلى تجاهل المشاركة الجوهرية في القضايا الأخلاقية والدينية في المجال العام. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي الفكرة الليبرالية للحرية بوصفها خيارات غير مقيدة إلى رؤية الحرية الدينية كمثال خاص لمبدأ حرية الاختيار. يتم تقليص السعي الديني، في الجمهورية الإجرائية، من أجل الخير إلى إظهار خيار فردي دون أي تأثير على النشاط السياسي. ويجب أن تكون الحكومة محايدة في المسائل الأخلاقية والدينية" للسماح لكل فرد بحرية اختيار "مفهومه الخاص عن الحياة الخيرة".[9]

(ب) نقد ساندل والبديل الجمهوري

يثير ساندل اعتراضات أنطولوجية وعمليًة ومعياريًة على الفلسفة الليبرالية. فيرى أن اساسها الأنطولوجي مضلل لأنه يتصور الذات منفصلة ومعزولة عن المجتمع، بينما الحياة الأجتماعية هي التي تعطي الذات شكلها وجوهرها. لا تختار الذات هويتها بشكل مستقل عن سياق اندماجها في المجتمع: فليس الغايات والخيرات مسألة اختيار، أنها مُنشأة مسبقًا ومكونة للذات. وبعبارة أخرى، النفس مرهونة دائمًا بحياة المجتمع: يتم تعريف وجودها من خلال الارتباطات والواجبات والغايات والأهداف التي تقدمها للأسرة والجماعات الدينية والوحدات المحلية والإقليمية والوطنية. يفتقد المفهوم الليبرالي، إذن، أن هناك مجموعة واسعة من الواجبات التي لا تنشأ عن الاختيار ولكن خارج الارتباطات المجتمعية والمسارات التاريخية الخاصة (خذ في الاعتبار، مثلاً، الواجبات الخاصة تجاه الآباء أو الأطفال أو المواطنين). وينطبق هذا على الواجبات الدينية بشكل خاص. تصبح الليبرالية، من خلال اختزال الحرية الدينية إلى حرية الاختيار، غير قادرة على إعطاء تفسير مناسب للتجارب والممارسات الدينية. إن تصوير الدين كمسألة تفضيل أو اختيار أسلوب حياة تختاره الذات سيتجاهل الدور الذي يلعبه الدين في حياة أولئك الذين لا غنى عن واجباتهم الدينية لهويتهم وضميرهم.

لا تنكر هذه الحجة الساندالية أنه يمكن للشخص أن يختار كيفية التعامل مع واجباته الدينية. ولكن حتى التحليل السريع للممارسة الدينية يشير إلى أنه في كثير من الأحيان لا تنشأ الواجبات الدينية من قرارات الذات السيدة. لا تحترم معاملة الأشخاص "كمصادر قائمة بذاتها للمطالبات الصحيحة" أولئك الملتزمين بواجبات مستمدة من مصادر أخرى غير أنفسهم.[10] يتم النظر إلى الواجبات الدينية بشكل أكثر دقة على أنها مسائل تتعلق بالضمير وليس بالاختيار. يرى ساندل: "هذا بالتحديد لأن الإيمان لا تحكمه الإرادة القائلة بأن حرية الضمير غير قابلة للتصرف... حرية الضمير وحرية الاختيار ليست هي نفسها؛ حيث يملي الضمير، يقرر الاختيار".[11] عندما تكون حرية الضمير على المحك، فإن العامل الأخلاقي الذي يستحق الحماية هو الشخص الذي يؤدي واجبًا، وليس اختياره الطوعًي.

بالنسبة لساندل، لهذا الخط من النقد عواقب مهمة على الموقف المحايد تجاه الدين. كما أن الذات ليست قابلة للانفصال عن غاياتها والتزاماتها، لا يمكن فصل السياسة والقانون عن مفاهيم الخير. ليست الحقوق قبل الخير: يحتاج المواطنون، من أجل تحديد وإعطاء محتوى لحقوقهم وواجباتهم، إلى الإجابة على أسئلة جوهرية، بما في ذلك الأسئلة الدينية. بالإضافة إلى ذلك، تُوًلد الفلسفة الليبرالية، من خلال محاولة إبعاد السياسة الديمقراطية عن المجتمع والدين، الاغتراب ونقص الدافع للمشاركة في الشؤون العامة. تفتقد وجهة النظر الحيادية حقيقة أن "الإنصاف ليس كل شيء"؛ إنها لا تجيب على التوق الأساس، أي الحافز لحياة عامة ذات معنى أكبر. وهكذا فشلت الفلسفة الليبرالية في ربط "مشروع الحكم الذاتي برغبة الناس في المشاركة في مصلحة مشتركة أعظم من أنفسهم".[12] يكون الحُلم الديمقراطي نتيجة هذا الفشل عرضة للأصولية الدينية. يندفع الأصوليون إلى حيث يخشى الليبراليون من السير فيه، أي في عالم الخير. عندما يفتقر الخطاب السياسي- كما هو الحال في الولايات المتحدة كما يرى ساندل- إلى صدى أخلاقي وروحي - ديني، يتطلب التوق إلى حياة عامة ذات معنى أكبر تعابير إشكالية تقوض مشروع مجتمع حر.

قد يوقف إحياء القيًم الجمهورية " تيار" الأصولية[13]عن طريق إعادة ربط السياسة بمصادرها الأخلاقية والروحية والدينية. يدعم هذا التحول في الفلسفة من الليبرالية إلى الجمهورية المشاركة في الأمور الأخلاقية الدينية الدينية في المجال العام بالإضافة إلى الحماية الخاصة للدين.

يتخذ دفاع ساندل عن دور الدين في بناء مجتمع من المواطنين شكلاً غائيًا. يبرر تعزيز المظاهر الدينية في المجال العام وتوفير حماية خاصة للحرية الدينية من حقيقة أن الدين يخدم غايات قيمة في حد ذاته أو مفيد للمشروع الجمهوري. يستمد الوضع الخاص للدين من الافتراض الغائي الذي يقول أن المعتقدات الدينية، كما تمارس في مجتمع معين، تنتج طرقًا للوجود والفعل تستحق التقدير- إما لأنها مثيرة للإعجاب في حد ذاتها أو لأنها تعزز صفات الشخصية التي تجعل المواطنين صالحين.[14]

قد يتناغم  المفهوم الغائي الذي ينتقد الحياد الليبرالي، بالنسبة لساندل، مع الوضع الخاص للدين (  ويضرب مثالا عن ذلك دستور الولايات المتحدة كما صممه الآباء المؤسسون). يتعارض الحياد الليبرالي مع الآباء المؤسسين من الجمهوريين، ويجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل، على القضاة التمييز بين التفضيلات العلمانية العادية والواجبات الدينية للضمير التي تستحق حماية خاصة. لاتقدر الليبرالية على معالجة مشكلة الصراع بين الواجبات الدينية والالتزامات المدنية الحرة غير المثقلة بواجبات الأنتماء وارتباطاته: عندما يُنظر إلى المعتقد الديني على أنه خيار، تظهر الحرية الدينية بوصفها "حق خاص في تجاهل القوانين المعمول بها بشكل عام" التي تسمح لكل شخص "بأن يشرع قانونًا لنفسه"؛ فيؤدي هذا النهج الى الفوضى.[15]

وعلى النقيض من ذلك، فإن النظرة الجمهورية لحرية الدين بوصفه حرية الضمير التي يدعمها الآباء المؤسسون "عالجت مشكلة النفوس المرهقة، التي تطالب بواجبات لا يمكنهم التخلي عنها، حتى في مواجهة الالتزامات المدنية التي قد تتعارض معها". [16] عندما تحدث مثل هذه التعارضات أوالتضاربات بين الضمير الديني والواجب المدني، يفترض أن تكون المحاكم ملزمة باستيعاب الدين من خلال منح إعفاءات فرعية أو توسيع القواعد القائمة.

طبقًا لمفهوم ساندل الغائي، يجب أن يتولى النشاط السياسي دوره كنشاط يشكل روح الفرد وجوهره مسترشداً بالفلسفة  الجمهورية.[17] يقدم ساندل رؤية تعددية ولا مركزية الجمهورية: والنشاط  الذي يشكل روح الفرد هو الفن السياسي لرعاية الفضائل المدنية و"عادات الذاكرة والعاطفة" التي يلعب الدين فيها دوراً هاماً. يفترض ساندل في جمهوريته المفعمة بالحيوية أن المواطنين مثقلون في ارتباطهم بشبكة من الواجبات والالتزامات المجتمعية. يخلق ذاك النشاط الروح السياسية للمواطنين الفاضلين الذين يشاركون في صنع السياسة والقانون، ويوحدون قواهم في المجال العام، ويتبادلون الآراء حول الحياة الخيرة.

(ج) الروح المشكلة  للجمهورية؟

تؤكد جمهورية ساندل على أهمية المشاركة العامة للمواطنين في زمن الديمقراطية. يتغاض الصعود العالمي للنيوليبرالية الفردية، وقوى السوق، عن الدور الحاسم للمشاركة النشطة في المجال العام للحفاظ على الحرية الفردية والجماعية. وكما يؤكد الجمهوريون مثل ساندل، فإن ممارسة الحرية لها بعد جماعي يتناسب بشكل سيئ مع رؤية فردية واقتصادية صارمة للحرية. الجمهوريون مقنعون أيضًا في انتقاد صيغة متطرفة من مبدأ الحياد. إن عداء الحياد الأقصى تجاه التعامل مع القضايا الجوهرية في المجال العام غير قابل للاستمرار عمليًا وغير مرغوب فيه بشكل معياري. إن لممارسة الحرية الدينية بُعد عام حيث يمكن أن تساهم المظاهر الدينية بشكل إيجابي في المجال العام النابض بالحياة في الديمقراطية المعاصرة.[18]

لكن تواجه صيغة ساندل عن الجمهورياتية صعوبات تتعلق بـ: أنطولوجيا الذات المثقلة بالارتباطات الاجتماعية، والنهج الغائي للجمهورية كفلسفة عمومية، والدعوة المرتبطة بالحماية الخاصة للدين ورفض الحياد. بادئ ذي بدء ، يفترض الانقسام  الذي يقول  به ساندل بين الليبرالية والجمهوريّة تمييزًا اصطناعيًا بين الذات الحرة والذات غير المثقلة بارتباطاتها، لكن الليبرالية في حد ذاتها ليست ملتزمة بالضرورة ولا تعتمد على أنطولوجيا الذات غير المثقلة. فعلى سبيل المثال، لا يدعم راولز  مثل هذه النظرة المتطرفة للذات غير المثقلة بارتباطاتها كما يفترض ساندل.[19] والأهم من ذلك، أن الذات الحديثة تُعطى وتُنتقى في وقت واحد، ومُثقلة وغير مُثقلة، ويتم اكتشاف الذات، والتأمل فيها، وانتخابها بدرجات مختلفة. ويلاحظ  كاميلكا أننا نفهم أنفسنا قبل أهدافنا، بمعنى أنه لا توجد غاية أو هدف مستثنى من إعادة الفحص المحتملة؛ وبهذا المعنى نفسي، قبل أهدافها، أي يمكنني دائمًا تصور نفسي دون أهدافها الحالية. لكن لا يتطلب هذا أن أستطيع أن أتصور ذاتاً غير مرتبط تمامًا بأي غرض.[20]

بينما لاتشكك الذات في  كل غاياتها دفعة واحدة، (بما في ذلك تلك المتعلقة بواجبات الضمير) إلاً أن أيًا منهم  لايُعفى من المداولة والنقد بمجرد أن نكون في المجال العام الديمقراطي. لا تتوافق الأنطولوجيا السانديلية للذات المثقلة بأرتباطاتها وغاياتها مع التعددية والنقاش حول التقاليد الدينية في الديمقراطية المعاصرة.[21]

نظرة ساندل إلى الذات كما تشكلها أهدافها هي لبنة بناء مفهوم غائي إشكالي للقانون والسياسة. يجادل ساندل على النقيض من ليبرالية راولز، بأن " مبادئ العدالة تعتمد في تبريرها على القيمة الأخلاقية أو الخير الجوهري للغايات التي تخدمها".[22]  بينما يكون الحق قبل الخير في راي راولز من ناحيتين: (i) الحق قبل الخير، بمعنى أن مجموعة من الحقوق الفردية "مفضلة" أو تفوق الاعتبارات المتعلقة بالصالح العام؛ (ii)  أن الحق يسبق الخير من حيث أن مبادئ العدالة التي تحدد حقوقنا لا تعتمد على أي مفهوم معين للحياة الخيرة لتبريرها. يتبنى راولز (i) و (ii)، لكن لا يتبنى كل الليبراليين ذلك: فيتبنى جون ستيوارت ميل، على سبيل المثال، استراتيجية غائية نفعي: الحقوق هي طرق لمتابعة مبدأ المنفعة (تعظيم السعادة). ترفض بدورها استراتيجية ساندل الغائية (i) و (ii) ، وتفترض أن "الخيرات الجمهورية" الأهداف النهائية أو الغايات القصوى للمشاريع السياسية مثل: الروابط العائلية، والتضامن المجتمعي، والوطنية، والبحث عن معنى أعلى في حياتنا، وما إلى ذلك. ومع ذلك، فإن صعوبة وجهة النظر الغائية هذه هي خضوع الحقوق الفردية، من حيث المبدأ، للصالح الجماعي. ولكن إذا لم تكن هناك حقوق لا يمكن اشتقاقها مباشرة من مفهوم محدد للصالح ( كما مثلأ في المسيحية، الإسلام، النفعية)، فلا توجد مكابح لاستخدام سلطة الدولة لمتابعة الخير كما تتصوره الأغلبية. تقوض استراتيجية سانديل الغائية الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الحرية الدينية الحريص على الدفاع عنها للغاية. لا نحتاج، لتوضيح هذه النقطة، إلى التفكير في الحالات القصوى ( وجهة نظر طالبان للخير)، لكن التفكير في وجهات نظر زملاء ساندل الجمهوريين. لنأخذ الجمهورية اللائكية الفرنسية؛ استناداً إلى المفهوم العلماني للخير، فإنه يقيد الحرية الدينية ويفتقر إلى الاعتراف الكافي بالأقليات الدينية.[23]

إن ساندل محق في انتقاد وجهة نظرة الواجبات الدينية كخيارات والدين بوصفه مجرد أسلوب حياة. لكن لا تعتمد الليبرالية في حد ذاتها على وجهة النظر الاختزالية: يفسر مجموعة متنوعة من المفكرين الليبراليين حرية الدين من ناحية حرية الضمير.[24] والأهم من ذلك، يمثل اقتراح ساندل أن الدين يجب أن يتمتع بحماية خاصة إشكالية. من المهم الفصل بين حجتين مختلفتين قدمهما ساندل لصالح أطروحة الحماية الخاصة، حيث يمكن أن تؤدي إلى آثار معاكسة: (i) حجة حرية الضمير، و (ii) حجة فوائد الدين لبناء مجتمع جمهوري.

أولاً، بالتأكيد هناك فرق بين مجرد التفضيلات الشخصية وواجبات الضمير. لكن كذلك أن شرط منح حماية خاصة على أسس دينية لا ينتج عن فكرة حرية الدين كحرية الضمير: يمكن أن يكون للمؤمنين والملحدين واجبات وقناعات لا بد منها على حد سواء. لا يأخذ ساندل في الاعتبار حقيقة أن ادعاءات الضمير يمكن أن تكون علمانية أو دينية؛ والأكثر من ذلك، أنه يتجاهل إمكانية أن تكون الخيارات نفسها مهمة للغاية لدرجة أنها قد تستحق الحماية. باختصار، فشل ساندل في اشتقاق الحماية الخاصة للدين من حرية الضمير. وحتى إذا كان الدين لا يزال يلعب دورًا خاصًا في التشريع القانوي ( كما في الفقه الأمريكي)، فقد أدرك البعض يمكن أن تكون المطالبات العلمانية للضمير مقنعة مثل تلك المتعصبين.[25]

وثانيًا، ربما لا يزال يرغب ساندل في الدفاع عن أطروحة الوضع الخاص للدين من خلال دفاعه عن الحجة القائلة بأن الدين مفيد لبناء مجتمع من المواطنين يبحثون عن الصالح العام. يبدو أن هذا يؤكد أطروحة توكفيل القديمة حول الارتباطات الإيجابية بين المشاركة الدينية والمشاركة السياسية والمعتقد الديني والمواطنة النشطة. ومع ذلك، نرى: يحتاج التحليل الواقعي الدقيق إلى أن يوضع في سياق وأن يقترن بأسئلة حول طبيعة وعواقب تعبئة المؤمنين. الدين كقوة اجتماعية ليس بالضرورة دعماً لبناء روح المساواة الديمقراطية، ويمكن أن يتحول بسرعة إلى أداة للتلاعب السياسي. وعلى عكس الأشكال الأخرى من الجمهورية، فإن ساندل غير معني إلى حد كبير بإمكانية أن يكون الدين أداة هيمنة على الأقليات أو النساء. في الواقع ، يتجاهل ساندل الدور الذي قد يلعبه الدين في تعزيز علاقات الهيمنة في المجالين الخاص والعام. وهو يحدد صعوبة العلاقة المتناقضة بين الدين والحرية عن طريق التمييز بين الأصولية والدين السائد.[26] لكن ليس دور الأديان في التاريخ إيجابياً وغير إشكالي كما يوحي ساندل. إن الافتراض الذي يقول بأن إعطاء صوت أكبر للدين في المجال العام السياسي يمكن للمرء أن يساهم في الحرية الجماعية ومحاربة الأصولية، لا يمكن تبنيه دون مزيد من التفكير والنقاش. يشير التاريخ الحديث في عديد بلدان العالم  إلى أن تسييس الدين يمكن أن يؤدي إلى أنقسام عميق بين المواطنين واستبعادهم واستقطابهم بدلاً من تعزيز السعي وراء خير مشترك من خلال الحوار والتوفيق أو التسويات. وبالنظر إلى العلاقة المتناقضة والمثيرة للجدل بين الدين والمواطنين الفاضلين، فمن الصعب تبرير الحماية الخاصة للدين كمسألة مبدأ. علاوة على ذلك، حتى لو كان للدين دور مهم في توليد المشاركة الديمقراطية، فإن منح المزيد من الحماية للمعتقدات الدينية على المعتقدات العلمانية المماثلة قد يكون موضع تساؤل: الحماية الخاصة للدين قد تقوض التعددية وتولد التمييز.

من الجدير بالذكر أن هناك توترًا لا جدال فيه بين الطريقتين التي يدافع فيها ساندل عن حجة الوضع الخاص للدين: حماية الضمير الديني يمكن أن تقوض هدف بناء دنيا عامة نابضة بالحياة.

وأخيرًا، إن وجهة نظر ساندل في التعامل مع الأمور الجوهرية في المجال العام غير واضحة بشأن الفرق بين النقاش والقرار. تكمن قوة صيغة ساندل من الجمهوريات في المشاكل التي تطرحها (المشاركة؛ الحماسة العامة؛ الدور الإيجابي للدين؛ الخير، أكثر من الحلول التي تقدمها.[27] لا تمثل استراتيجية ساندل الغائية أساسًا قويًا للتفكير في حرية الضمير والدين. وتتعارض صورة النشاط السياسي كنشاط يغذي روح الفرد  مسترشد بفلسفة عامة واحدة - الفكر الجمهوري "الصحيح" مع حقيقة التعددية في الديمقراطيات المعقدة. إذا كان هناك "شغف من أجل معنى أعلى"، فإن تحقيقه عن طريق دولة تشكلها "الفلسفة العامة" الصحيحة هو في أفضل الأحوال فكرة خيالية وفي أسوأ الأحوال وصفة للأبوية القوية. ساندل، كما أشرنا، صامت بشكل عام حول مسألة الهيمنة. وبالمثل، حتى لو تعاملت مع روسو وتوكفيل، فإن الدين المدني لا يظهر حتى في أهم أعمال سانديل في النظرية السياسية الجمهورية حتى الآن، استياء الديمقراطية.[28]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Sandel, M. (1982) Liberalism and the Limits of Justice. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[2] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.

Sandel, M. (2012) What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets. New York: Farrar, Straus and Giroux.

[3] م، ن

[4] إمانويل كانط، الدين في حدود مجرد العقل ، ترجمة ، فتحي المسكيني، جداول للنشر والتوزيع ن بيروت ، الفصل الأول.

[5] Kant, I. (1997) Practical Philosophy. The Cambridge Edition of the Works of Immanuel Kant, ed.Mary J. Gregor. Cambridge: Cambridge University Press.

[6] Sandel, M. (1982) Liberalism and the Limits of Justice.19.

[7] Sandel, M. (1996) Democracy's Discontent.290-291.

[8] م ، ن .

[9] م، ن

[10] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent. 67.

[11] م، ن، 66.

[12] Sandel, M. (2005) Public Philosophy: Essays on Morality in Politics. Cambridge, MA: Harvard University Press.

[13] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent.322.

[14] Sandel, M., (2009) Justice: What's the Right Thing to Do? New York: Farrar, Straus and Giroux.257.

[15] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent70 .

[16] م، ن .

[17] Allen, A.L. and Regan, Jr., M.C. (eds) (1998) Debating Democracy's Discontent: Essays on American Politics, Law, and Public Philosophy. Oxford: Oxford University Press.

[18]Weithman, P.J. (2002) Religion and the Obligations of Citizenship. Cambridge, UK: Cambridge University Press: Chapters 1- 3.

[19] Seleme, H.O. (2007) "The challenge of the liberal Catholic", DOXA Philosophy of Law Notebooks

30: 471-490.

[20] Kymlicka, W . (1989) Liberalism, Community and Clutter. Oxford: Clarendon Press. 52-53.

[21] Dagger, R . (1999b) "A Rejoinder to Michael Sandel" , Review of Politics 61(2): 215-218.188.

[22] Sandel, M. (2005) Public Philosophy: Essays on Morality in Politics. 105.

[23] أنظر:

Laborde, C. (2008) Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy.

[24] Nussbaum, M. (2003) "Rawls and Feminism", in Freeman, S. (ed.) The Cambridge Companion to Rawls. Cambridge, UK: Cambridge University Press: 488- 520.

[25] Dworkin, R. (2013) Religion without God. Harvard, MA: Harvard University Press.

[26] Okin, S.M. (1997) "Review of Michael Sandel's Democracy's Discontenf', American Political Science Review 91 : 440-442.

[27] أنظر:

Allen, A.L. and Regan, Jr., M.C. (eds) (1998) Debating Democracy's Disco11tent: Essays on American Politics, Law, and Public Philosophy. Oxford: Oxford University Press.

[28] م.ن .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5192 المصادف: 2020-11-22 03:00:46