حاتم حميد محسنلو سألنا شخصا عاديا في احد شوارع لندن او نيويورك او بانكوك عن معنى العولمة سيجيب بانها تشير الى النمو في أشكال الاعتماد المتبادل السياسي والاقتصادي المرتكز على التكنلوجيا الجديدة مثل الكومبيوتر الشخصي والانترنيت والتلفون والفاكس وكاميرات الدجتل والتلفزيون والستلايت والطائرات السريعة ومحطات الفضاء. غير اننا سيتضح لنا لاحقا ان التكنلوجيا تمثل جزءا واحدا فقط في توضيح معنى العولمة الحالية.

تعريف العولمة

تشير العولمة الى (العمليات الاجتماعية المتعددة الأبعاد التي تخلق وتوسّع وتعدّد الترابط الاجتماعي العالمي المتبادل وتعزز الوعي لدى الناس بالارتباط العميق بين المحلي والبعيد). هذا التعريف يؤكد على الطبيعة الديناميكية للظاهرة، فتعزيز الترابط العالمي وتزايد الوعي بذلك الاتصال هو عملية تدريجية ذات اصول تاريخية بعيدة. فمثلا، المهندسون الذين طوروا كومبيوتر اللابتوب وطائرات السوبرسونك اعتمدوا على المبتكرين الاوائل الذين اخترعوا المحرك البخاري والتلغراف والتلفون والطابعة والوسائل الالكترونية. وهذه المنتجات بدورها اعتمدت ايضا في وجودها على ابتكارات تكنلوجية اكثر قدما مثل التلسكوب والبوصلة والدواليب المائية وطواحين الهواء والبارود وورق الطباعة والسفن. ولكي ننظر في كل السجل التاريخي سنصل تاريخيا الى ما هو ابعد من ذلك في مجالات التكنلوجيا والانجازات الاجتماعية مثل انتاج الورق ونشوء الكتابة واختراع العجلة وتهجين الحيوانات البرية وممارسة الزراعة وظهور اللغة واخيرا هجرة اسلافنا الافريقيين في بدايات فجر الانسانية.

وهكذا فان الاجابة على السؤال حول ما اذا كانت العولمة تشكل ظاهرة جديدة ام لا تعتمد على البعد الزمني الذي نرغب الامتداد اليه في تتبّع سلسلة التكنلوجيا والترتيبات الاجتماعية الحديثة. بعض الباحثين يقصر الاطار التاريخي للعولمة بالعقود الاربعة الاخيرة لما بعد التصنيع لكي يتمكنوا من الامساك بالمواصفات والمقاييس الحالية . بينما يرغب فريق آخر بتوسيع هذا الاطار الزمني ليشمل التطورات في القرن التاسع عشر. ولايزال البعض يجادل بان العولمة تمثل حقا الاستمرار والتمدد في العمليات المعقدة بظهور الحداثة والنظام الرأسمالي العالمي قبل خمسة قرون. اما القلة المتبقي من الباحثن يرفضون تحديد اطار زمني للعولمة يقاس بالعقود او القرون، وهم يرون ان هذه العمليات كانت تحدث منذ الف عام.

لاشك ان كل من وجهات النظر تحتوي على تصورات هامة، فكما سنلاحظ ان مناصري الاتجاه الاول وفّروا دليلا قويا على نظرتهم بان التقدم الواسع والسريع في التواصل العالمي منذ السبعينات من القرن الماضي يمثل مفصلا هاما في تاريخ العولمة. اما انصار الاتجاه الثاني يؤكدون على الارتباط المتماسك بين الاشكال الحالية للعولمة وبين انفجار التكنلوجيا او ما يسمى بالثورة الصناعية. اما ممثلي الاتجاه الثالث يشيرون بشكل سليم الى اهمية الانضغاط والتقارب المكاني الذي حدث في القرن السادس عشر، واخيرا فان المناصرين للاتجاه الرابع يطرحون نقاشا قويا حينما يصرون على ان اي تقييم شامل لموضوع العولمة يبقى قاصرا ان لم يدمج اشكال التطور القديمة والديناميكية التاريخية ضمن تاريخنا الحالي.

ان العرض التاريخي القصير الذي سنقوم به الان رغم طبيعته العامة الا انه يعطينا ادراكا هاما بان العولمة قديمة قدم الانسانية ذاتها، وهذا الايجاز التاريخي يحدد خمس مراحل تاريخية متميزة تنفصل كل واحدة عن الاخرى طبقا لسرعة التفاعل الاجتماعي وسعة الحيز الجغرافي لكل منها. هذا العرض التاريخي لا يعني بالضرورة وجود حقائق خطية للتاريخ ولا يدعم النظرة الاوربية المركزية الشائعة لتاريخ العالم. فتاريخ العولمة شمل كل الدول والثقافات الرئيسية في هذا الكوكب حاملا معه كل ما هو غير متوقع من عنف وتراجع وتوقف مفاجئ. ولهذا لابد من رفض الأحكام المسبقة على العولمة مثل فكرة الحتمية او فكرة اللاتراجع Irreversibility، ومن المهم ايضا ملاحظة حدوث القفزات التكنلوجية والاجتماعية المثيرة في التاريخ التي دفعت تلك العمليات من حيث الكثافة والمدى الى مستويات جديدة.

1- مرحلة ما قبل التاريخ

يبدأ تاريخنا الموجز للعولمة من 12000 سنة مضت عندما تمكنت جماعات صغيرة من الصيادين وجامعي البذور من الوصول الى الطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية . وهذا الحدث شكّل نهاية لسلسلة طويلة من عمليات الاستيطان للقارات الخمس من قبل اسلافنا الافارقة القدماء والتي بدأت منذ اكثر من مليون سنة. وعلى الرغم من وجود بعض الجزر الكبيرة في المحيط الهادي والمحيط الاطلسي التي لم تُسكن حتى اوقات متاخرة الا ان الانتشار العالمي الحقيقي للجنس البشري تحقق في نهاية المطاف. ان المحاولة الناجحة لقبائل امريكا الجنوبية اعتمدت على الجهود المثابرة للمهاجرين من اسلافهم السيبيريين الذين عبروا بحر البيرنك ستريت (Bering Strait) الى امريكا الشمالية قبل الاف السنين.

وفي هذه الحقبة المبكرة من تاريخ العولمة كان الاتصال بين الآلاف من الصيادين وجامعي البذور محدد جغرافيا وعادة يتم في وقت واحد. وهذا الشكل من الاتصال الاجتماعي تغيّر جذريا منذ عشرة الاف عام عندما اتخذ الانسان الخطوة الحاسمة في انتاج طعامه. ونتيجة لعدة عوامل، بما في ذلك التطور الطبيعي للزراعة ووجود الحيوانات الملائمة للتهجين والاختلافات بين القارات من حيث المساحة وحجم السكان، ادّت الى وجود مناطق معينة ملائمة للاستقرار والعمل الزراعي وكانت تتركز عند او بالقرب من مقاطعات اوراسين الواسعة. وهذه المناطق تقع في الاقاليم الخصبة في شمال وسط الصين وفي شمال افريقيا وشمال غرب الهند وفي غانا الجديدة. وبمرور الزمن ادّت وفرة الطعام المنتج من قبل الفلاحين ومربي الماشية الى زيادة السكان والى انشاء قرى دائمة وبناء مدن محصنة، فكانت كل من جماعات البدو والذين تخلفوا عن الالتحاق بقبائل معينة واخيرا الدول القوية كلها تعتمد على انتاج مواد التغذية الزراعية.

لقد جرى استبدال الطبيعة المرنة للصيادين والرعاة الاوائل بتركيب اجتماعي بطرياركي طبقي يتزعمه الرؤساء والكهنة الذين اُعفوا من واجب العمل الشاق. وكذلك في اول مرة في تاريخ الانسان كانت هذه المجتمعات الزراعية قادرة على تقديم الدعم لاثنين من الطبقات الاجتماعية التي لم يشترك اعضاءها في انتاج الطعام. احداهما مجموعة الحرفيين المتخصصين في العمل لأجل اكتشاف واختراع تكنلوجيا جديدة، مثل الادوات الحديدية الفعالة والمجوهرات الجميلة وقنوات الري المعقدة والفخاريات الرائعة وهياكل الأبنية والنصب التذكارية. اما المجموعة الثانية كانت تتألف من البيروقراطين ذوي المهن والجنود الذين سيقومون فيما بعد بدور حاسم في احتكار العنف لمصلحة الحكام، وكذلك احتساب الكميات الفائضة من الطعام الضروري لنمو وبقاء الدولة المركزية، وضم اقاليم جديدة وتأسيس طرق دائمة للتجارة واستكشاف مناطق بعيدة. كانت العولمة في عهود ما قبل التاريخ محدودة جدا، فلم تتوفر انذاك التكنلوجيا المتقدمة القادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والحواجز الاجتماعية القائمة، ولم يكن بالامكان تحقيق تفاعل محسوس ضمن اطار جغرافي واسع، كانت فقط أشكال الادارة المركزية من زراعة ودين وبيروقراطية هي الاساس في تكثيف التبادل الاجتماعي والذي سوف يتطلب تزايد أعداد المجتمعات في عدة مناطق من العالم.

2- مرحلة ما قبل العصر الحديث

وتبدأ هذه المرحلة من سنة 3500 قبل الميلاد الى 1500 ميلادي، حيث ان اختراع الكتابة في بلاد وادي الرافدين ومصر ووسط الصين بين 3500 الى 2000 قبل الميلاد كان يقابله تماما اختراع العجلات في جنوب غرب اسيا عام 3000 قبل الميلاد. هذه الاختراعات الكبيرة قادت الى القفزات التكنلوجية والاجتماعية الهائلة التي نقلت العولمة الى مستوى اكثر تقدما. ساعدت العجلة في التعجيل باختراعات حاسمة لعمليات البناء التحتي مثل العربات التي تجرها الخيول والطرق الدائمة التي سمحت بالنقل السريع والفعال للناس والبضائع. وبالاضافة الى انتشار الافكار والبضائع، سهلّت الكتابة كثيرا في عملية التنسيق للفعاليات الاجتماعية المعقدة مما ادى بالتالي الى خلق المدن الكبيرة. وهكذا فان مرحلة ما قبل العصر الحديث هي عصر الامبراطوريات، حيث ان نجاح بعض الدول في تأسيس سيطرة دائمة على الدول الاخرى نتج عنه تجمعات اقليمية هائلة شكّلت الاساس في الممالك المصرية والامبراطورية الفارسية وامبراطورية مقدونيا والامبراطورية الامريكية للهنود الحمر والانكاس وامبراطورية الرومان والامبراطورية الهندية والخلافة الاسلامية والامبراطورية الرومانية الدينية والامبراطورية الافريقية لغانا ومالي والسنغال والامبراطورية العثمانية. وجميع هذه الامبراطوريات شجعت التوسع المتعدد الاستعمال في الاتصال مع الاماكن البعيدة وتبادل الثقافات والتكنلوجيا والسلع وكذلك انتشار الامراض. وكان من بين اكثر التكنلوجيات تقدما في تلك المرحلة هي الامبراطورية الصينية التي كشفت عن ديناميكية مبكرة للعولمة. فبعد قرون من الحرب بين عدة دول مستقلة تمكنت قوات الامبراطور (كن) في عام 221 قبل الميلاد من توحيد الجزء الاكبر من شمال شرق الصين. وفي فترة الالف وسبعمائة سنة التي تلتها تمكن الملوك من السلالة نفسها وبمساعدة طبقة واسعة من البيروقراط تمكنوا من توسيع نفوذهم الى الاقاليم البعيدة في جنوب شرق آسيا والهند والبحر المتوسط وافريقيا الشرقية. وقد ساعدت الانجازات الفلسفية آنذاك على الوصول الى اكتشافات جديدة في حقول اخرى من المعرفة مثل الفلك والرياضيات والكيمياء وكانت السلسلة طويلة من الانجازات التكنلوجية التي تحققت في الصين خلال مرحلة ما قبل العصر الحديث منها المحراث المتطور وهندسة الهايدروليك والبارود ووضع الغاز الطبيعي في الانابيب والبوصلة والساعات الميكانيكية والورق والطباعة والمنسوجات الحريرية وتقنية المعادن المعقدة. ان بناء انظمة الري التي تتألف من مئات القنوات الصغيرة ساعدت في تعزيز انتاجية الزراعة في الاقاليم رافقها في الوقت نفسه توفير افضل وسائل النقل النهري في العالم. ومما ساعد في تطوير وتوسيع التجارة والاسواق هو قيام الصين بسن القوانين المنظمة الخاصة بالنقود من حيث تثبيت اوزانها وقياساتها وقيمتها. القياسات الدقيقة لحجم العربات المستعملة لأغراض النقل وما يقابلها من حجم الطرق، ساعد في تمكين الصينيين من اجراء حسابات دقيقة للكميات المرغوبة من السلع المصدرة والمستوردة.

وكان من اهم الطرق المستعملة في التجارة هو طريق الحرير الذي ربط الامبراطورية الصينية مع الامبراطورية الرومانية بمساعدة بعض التجار كوسطاء. وفي القرن الخامس عشر الميلادي شهد المحيط الهندي عبور الاساطيل الصينية الضخمة المؤلفة من مئات السفن مكونة محطات تجارية قصيرة على الساحل الشرقي لأفريقيا، ولكن بعد عدة عقود قام امبراطور الصين باعتماد سلسلة من القرارات السياسية الخطيرة اوقفت الملاحة البحرية مع الدول ومهدت للانسحاب من اي تطور تكنلوجي آخر، وبذلك فان حكام الصين كبحوا ثورتهم الصناعية الفتية وهو ما سمح للدول الاوربية الصغيرة بالظهور كلاعبين كبار يتابعون زخم العولمة.

وقبيل انتهاء عهد ما قبل العصر الحديث كانت شبكات التجارة العالمية تتألف من عدة خطوط تجارية متشابكة ربطت معظم الاقاليم ذات الكثافة السكانية في اوراسيا وشمال شرق افريقيا. وجود هذه الشبكات من الانتشار الاقتصادي والثقافي فتح السبيل امام موجات هائلة من الهجرة والتي بدورها قادت الى زيادة اخرى في السكان والى نمو سريع في مراكز المدن. غير ان الكثافة السكانية العالية وشدة التفاعل الاجتماعي ضمن المسافات البعيدة ادّيا الى انتشار اوبئة جديدة مثل الطاعون. هذا الوباء الذي انتشر في اواسط القرن الرابع عشر قتل حوالي ثلث السكان في الصين والشرق الاوسط واوربا.

الفترة المبكرة للعصر الحديث

وتمتد هذه الفترة من عام 1500 الى 1750. مصطلح الحداثة اصبح مقترنا بالقرن الثامن عشر الذي شهد مشروع التنوير الاوربي في تطوير العلوم الموضوعية وانجاز شكل عالمي للاخلاق والقانون وتحرير الناس والمنظمات الاجتماعية من الاساطير والاديان والاضطهاد السياسي. اما مصطلح الحداثة المبكرة فيشير الى الفترة بين التنوير والنهضة، بين هذين القرنين كانت اوربا وممارساتها الاجتماعية تشكل المحرك الجوهري للعولمة. وبما ان اوربا لم تساهم كثيرا في التكنلوجيا والانجازات الحضارية قبل الالف الميلادي فان الاوربيين في شمال غرب الالب استفادوا كثيرا من انتشار الابتكارات التكنلوجية التي نشأت في الثقافات الصينية والاسلامية. ان ظهور مراكز المدن الاوربية وما ارتبط بها من طبقة التجار مثّل عاملا مهما آخرا في تقوية ميول العولمة خلال فترة الحداثة الاولى . وبدمج القيم الجديدة للفردية والتراكم المادي اللامحدود تمكّن المغامرون من رجال الاعمال الاوربيين وضع الاساس لما سمي لاحقا بالنظام الرأسمالي العالمي. غير ان هؤلاء الرأسماليين الجدد ما كان باستطاعتهم النجاح في التوسيع العالمي لمشاريعهم التجارية بدون الدعم الكبير من حكوماتهم . لقد انفق ملوك اسبانيا والبرتغال وهولندا وفرنسا وبريطانيا الكثير من الموارد في استكشاف عوالم جديدة وبناء اسواق اقليمية مترابطة حققت لهم الكثير من المنافع قياسا بشركائهم التجاريين الغرباء. وفي بداية القرن السادس عشر تأسست الشركات المساهمة الوطنية مثل الشركات الهولندية والبريطانية وشركة الهند الشرقية بهدف البدء بنشاطات تجارية دولية مربحة. وعندما اتسع حجم تلك الشركات المبدعة بدأت تكتسب السلطة في تنظيم معظم الاجراءات الاقتصادية بين القارات وفي عملية تطبيق المؤسسات الاجتماعية والممارسات الثقافية التي مكّنت لاحقا الحكومات الكولنيالية من وضع هذه الاقاليم الاجنبية تحت الحكم السياسي المباشر.

الفترة الحديثة من عام 1750 الى عام 1970

في اواخر القرن الثامن عشر كان كل من استراليا وجزر المحيط الهادي يندمجان ببطء مع الشبكة السياسية والاقتصادية والثقافية المسيطر عليها اوربيا. ونظرا للانطباع الذي تولّد لدى الاوربيين حول "الآخر" فانهم بدأوا يفترضون ان لهم دور في رعاية الاخلاق والقانون الدولي . هؤلاء المغامرون الاقتصاديون تمكنوا من نشر فلسفة الفردية والمصلحة الذاتية الرشيدة التي مجدت قيم النظام الرأسمالي القائم على حرية السوق ويده غير المنظورة.

ان حجم التجارة العالمية ازداد بشكل دراماتيكي بين عام 1850 و 1914 في ظل الدعم من خدمات البنوك المتعددة الجنسية وتدفق البضائع عبر الدول بحرية، وفي ضوء نظام صرف الذهب الذي جعل من السهل تداول العملات الدولية الرئيسية مثل الباوند الاسترليني والجلدر الهولندي. جزء كبير من عالم الجنوب خضع مباشرة تحت السيطرة الكولنيالية. وفي عشية الحرب العالمية الاولى بلغت نسبة البضائع التجارية من الناتج الاجمالي حوالي 12%. كذلك ساعد نظام التسعير العالمي في تسهيل التجارة للبضائع ذات الاهمية الخاصة مثل الحبوب والقطن والمعادن، وظهرت لأول مرة اسماء الماركات التجارية الشهيرة مثل كوكاكولا وماكنات سنجر. ولكي يصبح لتلك الشركات حضورا دوليا بدأت شركات الاعلان الدولية بشن حملات دعائية مكثفة عبر الحدود بهدف الترويج وزيادة المبيعات. وتماما كما يعتقد ماركس وانجلس ان ظهور البرجوازية الاوربية وما رافقها من تكثيف للترابط العالمي لم يكن ممكنا لولا القفزة الانفجارية في العلوم والتكنلوجيا في القرن التاسع عشر.

وعلى الجانب الاخر ادّت شبكة القطارات والسفن المتطورة والنقل الجوي الى التغلب على الحواجز الجغرافية وبالتالي تأسيس بنية تحتية عالمية رافقها خفض في تكاليف النقل. هذه الابتكارات استُكملت بالتطور المذهل في الاتصالات التكنلوجية فكان اختراع التلغراف وما جرى عليه من تطوير بعد عام 1866 ساهم في نقل المعلومات بسرعة بين طرفي الكرة الارضية. هذا التلغراف وضع الاساس لتطوير التلفون واتصالات الراديو اللاسلكية ممهدا لظهور شركات جديدة مثل (AT&T). واخيرا شهد القرن العشرون الاستعمال الواسع للصحف والمجلات والافلام والتلفزيون والتي عززت من التقارب السريع لهذا العالم.

كذلك شهد العصر الحديث ايضا انفجارا غير مسبوق بالكثافة السكانية، فلو قارنّا سكان العالم وقت ولادة المسيح والبالغة 300 مليون نسمة مع عدد السكان عام 1750 البالغ 760 مليون نسمة، نجد ان سكان العالم وصل الى 3,7 بليون شخص عام 1970. الموجات الهائلة للمهاجرين ساعدت في تبادل الثقافات ونقل الاساليب الاجتماعية التقليدية، وادّت الى زيادة الانتاجية في دول مثل الولايات المتحدة وكندا.

الفترة المعاصرة (من عام 1970)

لاحظنا ان البروز السريع للترابط العالمي والتبادل منذ السبعينات يمثل قفزة اخرى في تاريخ العولمة، لكننا نريد معرفة ماذا يحدث بالضبط ولماذا اصبحت العولمة الكلمة السحرية التي شغلت الرأي العام وانتجت هذا الكم من الردود الاخلاقية المتصارعة؟ لابد من دراسة أبعاد العولمة الواحد بعد الآخر (البعد الاقتصادي والبعد السياسي والبعد الثقافي) مع التنبيه الى خطورة اختزال العولمة الى مظهر واحد لأن ذلك سيجنبنا الوقوع في الالتباس الذي حصل للعميان في محاولتهم تلمّس الفيل.

 

حاتم حميد محسن

 

يعتقد الناس في كل مكان أنهم يعرفون الزمن جيداً ويألفون وجوده، فهو مرتبط بذكرياتهم وماضيهم ومستقبلهم وحاضرهم وبكافة مشاريعهم اليومية والحياتية. بيد أن هذا لا يطمس حقيقة أن الزمن هو أعقد لغز في الكون المرئي اليوم. ومهما حاولنا تبقى الأسئلة بشأن الزمن عسيرةً على الإجابة : ما هو الزمن؟ هل يمكن أن يكون الزمن مجسماً ذو أبعاد على غرار الأبعاد المكانية؟ هل يمكن التحكم بالزمن، تسريعه أو وقفه أو حرفه عن مساره؟ هل هناك زمن واحد أم عدة أزمان؟ هل يمكننا السفر عبر الزمن وداخله والرجوع إلى الماضي وتغيير مسار الأحداث، أو الذهاب إلى المستقبل والعودة للحاضر لتغيير مسار الأحداث نحو مستقل آخر بديل؟ مرت قرون طويلة على تعاطي البشر مع معضلة الزمن وتراكم الخبرات وتعميق المفاهيم واستيعاب الألغاز التي تحيط بالزمن وماهيته، فلا أحد نجح في أن يعرف من أين جاء الزمن. وهل هو موجود بمعزل عن المكان والكائنات والحركة والسرعة والتفاعلات والتحولات والتقلبات الميكروسكوبية ، الكمومية أو الكوانتية ما دون الذرية، والماكروسكوبية على نطاق الكون المرئي برمته في اللامتناهي في الكبر. وهل يمكننا أن نتخيل وجود كون بدون زمن. وهل الزمن مكون جوهري من مكونات الكون المرئي؟ هل الزمن أداة لتنظيم مداركنا أم وسيلة لرؤية ما يوجد وهو في سيرورته الحركية وتطوره عبر محطات زمكانية معلومة؟ أولا يتعين علينا من الآن عدم التحدث عن " الزمن" بمعزل عن " المكان أو الفضاء" وبالتالي يجب أن يجري الحديث بمنظور " زمكاني spatio-temporelle وإلا ستكون النتائج خاطئة من الناحية الرياضياتية والفيزيائية وفقاً لمحددات النسبية الخاصة والعامة لآينشتين. وعلينا كذلك الأخذ بالاعتبار مفهوم الأبعاد المكانية الأخرى الإضافية كالبعد الخامس الذي اقترحه ثيودور كالوزا وأوسكار كلاين Theodor-Oskar Klein، وعرف باسم نظرية كالوزا-كلاين التي ربطت بين الجاذبية أو الثقالة والكهرومغناطيسية واضطرت إلى إضافة بعد مكاني رابع ، أو فرضية الأبعاد المكانية العشرة أو الستة والعشرون، التي اقترحتها نظرية الأوتار الفائقة وكل واحدة منها لها تأثير على طبيعة وماهية ودور الزمن وطبيعة ونوع الحركة واتجاه سهم الزمن كما تم شرحها في مفارقة التوأم. والحال إن هناك قوانين الفيزياء التقليدية المعمول بها حالياً والتي تقول إننا إذا حددنا موضع جسيم ما وسرعته واتجاهه بدقة متناهية، فإننا سوف نعرف بحكم القوانين الكلاسيكية كيف كانت الأشياء وكيف ستكون في أية لحظة ولكن علينا أن ندرك إن كوننا المرئي ليس فقط تقليدي بل انه كمومي أو كوانتي . ففي الفيزياء الكمومية أو الكوانتية تبرز لنا فيزياء العالم الحقيقي الذي لا نراه ولا ندرك كنهه فإذا عرفنا الدالة الموجية في لحظة ما لكل جسيم في الكون تأتينا معادلة شرودينغر الشهيرة لتخبرنا كيف كانت الدوال الموجية وكيف ستكون في أية لحظة أخرى وهذا الجانب من الفيزياء الكمومية او الكوانتية حتمي تماما مثلما هو الحال في الفيزياء التقليدية ، ومع ذلك توجد خلافات جوهرية بين نمطي الفيزياء ودعامتيها الرئيسيتين، النسبية والكمومية أو الكوانتية، فيمكن لفيزياء الكموم أو الكوانتوم أن تقدم اقتراحات بديلة لما يمكن أن يحدث لكل جسيم، بحيث تبدو مختلفة كليا عن الصياغة التي تقدمها الفيزياء التقليدية ومنها تفسير ميكانيكا الكموم أو الكوانتوم لفرضية العوالم المتعددة. فكل نتيجة ممكنة تكون محتواة في دالة موجة كوانتية او كمومية وفق عملية الفتل المحوري أو الدوران المغزلي حول المحور الذاتي بهذا الشكل أو ذاك، أو كون جسيم هنا أو هناك، وكلها تتحقق في كونها الخاص المنفصل الموازي . فالكون الذي نعيش فيه وندركه في كل لحظة هو ليس أكثر من واحد من عدد لانهائي من الأكوان الأخرى، يتحقق في كل منها بشكل منفصل أي تطور محتمل تسمح به الفيزياء الكمومية او الكوانتية . وعند الحديث عن الزمكان كوحدة عضوية لا تنفصم علينا أن نفهم حقيقة السفر عبر الزمن من خلال الثقوب الدودية التي سنأتي على شرحها بالتفصيل لاحقاً. وهي عبارة عن ممرات تشوه المكان والزمن وتضغطهما أو تبعجهما أو تطويهما، وتربط بين نقطتين متباعدتين زمانياً ومكانياً في فترة زمنية غاية في القصر، وفي بعد مكاني مضغوط للغاية، للربط بين النقطتين الكونيتين المتباعدتين . فوحدة الزمنية النيوتنية سبق أن تهشمت على يد النسبية الخاصة لآينشتين وفقدت شموليتها وإطلاقيتها فلكل منا زمنه الخاصة وساعته الخاصة وفق موقعه وحركته وسرعته واتجاهه. كما يتوجب علينا الأخذ بالحسبان مفهوم التشابك الكمومي أو الكوانتي و لا محلية ميكنيكا الكموم أو الكوانتوم، رغم وجود ما يشبه التعايش بين النسبية الخاصة والكوانتوم على الرغم من مسلمة تقول أنه في حالة إنقسام جسيم أولي إلى جسيمين متباعدين على نحو كبير ، يتواجدان على طرفي تخوم الكون المرئي المتعارضين، فإن المعلومة تكون متشابهة لدى كليهما على نحو آني زمنياً رغم المسافة المكانية الكونية الهائلة التي تفصل بينهما.وعلى الرغم من كونهما محكومين بعشوائية ميكانيكا الكموم أو الكوانتوم، فإنهما يبقيان على تواصل على نحو ما مجهول، بحيث أن أي شيء يفعله أحدهما يقوم به الآخر مباشرة على نحو مشابه ما يوحي بأن هناك شيء أسرع من الضوء يوصل المعلومة بين الجسيمين آنياً رغم بعد المسافة المكانية. والحال تخبرنا ميكانيكا الكموم المعيارية أننا عندما نقوم بإجراء قياس ونجد جسيماً هنا فإننا نتسبب بتغيير دالته الموجية وموجته الإحتمالية وبالتالي نغير مدى النتائج المحتملة للقياس ونختزلها بالنتيجة التي وجدناها في المقياس، أي أن القياس يتسبب بإنهيار موجة الاحتمال. الزمن يجري فقط من خلال حالة الوعي والإدراك الدماغي والنفسي له ، ولكن عند التمعن في نسبية آينشتين الخاصة وإعادة هيكيلة بعض الإعدادات الآينشتينية، يتضح لنا أن الزمن لا يجري كما كنا نعتقد بشعورنا الحدسي، ونصل إلى نتيجة مفادها أن النسبية الخاصة تعامل كل الأزمان على قدم المساواة، وتتضح لنا سخافة وخطل معضلة الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة. فالبيضة مشكلة كلياً ولها أنثروبيا منخفضة. ولكن كيف جاءت هذه المنظومة الفيزيائي المنخفضة الأنثروبيا المسماة بيضة إلى الوجود؟ يخبرنا عقلنا القاصر بجواب بديهي ساذج وبسيط أنها جاءت من دجاجة وتلك الدجاجة جاءت من بيضة جاءت من دجاجة جاءت من بيضة وهكذا دواليك. وكما قال عالم الفيزياء روجر بينروز أن هذه القصة تعلمنا حقيقة عميقة وجوهرية وهي أن الدجاجة كائن حي وهي منظومة فيزيائية بترتيب عالي بدرجة مذهلة وعلينا أن نسأل من أين جاء هذا التنظيم وكيف يبقى على هذا الشكل؟ في الحقيقة هي أن الدجاجة هي قناة ، مثل أي كان حي في الواقع، لأخذ طاقة منخفضة الأنثروبيا وإطلاق طاقة عالية الأنثروبيا وهذا يتعلق بنوع الطاقة ومصدرها ونوع الطعام الذي تستهلكه الدجاجة والنبات الذي تأكله والذي يأتي بفضل الشمس وبالتالي منشأ الشمس وأصلها الخ. . وهنا نطرح سؤلاً جوهرياً: هل العلم غير قادر على استيعاب خاصية جوهر الزمن التي يتقبلها العقل البشري، وهل بإمكاننا أن ندرك الفرق بين الزمن النسبوي الآينشتيني والزمن الكمومي أو الكوانتي . وهل هناك بالفعل إتجاه حقيقي للزمن؟ الإجابة ليست بديهية وسيكون من الصعب التفريق والتمييز بين الماضي والمستقبل ومعرفة الحاضر ونكون محكومين بالشروط المحددة التي كانت سائدة لحظة بداية الكون المرئي وتداعياتها على الزمن الكوني والمكان الكوني ونشأة الزمكان الكوني.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

علي رسول الربيعيأريد أن أناقش هنا أحد الأعتراضات على نظرية الأوامر الالهية الأخلاقية، اي النظرية التي تقول أن الأفعال في حسنها وقبحها الأخلاقي تعتمد على أوامر الله وأحكامه التي يبلغها لنا عن طريق انبياءه وكتبه.

يعترض العديد من النقاد على ما تقول نظرية الأوامر الإلهية بخصوص الالتزامات الأخلاقية، ويرون أن ماتقوله هذه النظرية غير مقبول أو أن هذه الألتزامات غير مقبولة لأنها تقوض استقلالية البشر ويعتقدون أن مثل هذا الأستقلال الذاتي للبشر ضروري للأخلاق. ولنأخذ عن سبيل المثال راي جيمس راشيلز في كتابه:

Rachels, The Elements of Moral Philosophy,

حيث يقول لايمكن أعتبار نظرية الأوامر الالهية نظرية أخلاقية لأن الأخلاق تتطلب فاعلين يقومومن بأفعالهم أو أعمالهم على اسباب وحجج أعترفوا بها بشكل مستقل وليس مفروضة عليهم كأوامر من سلطة عليًا. وقد يعترف الناقد بأن نظرية الأوامر الالهية هي نظرية أخلاقية لكنها نظرية سيئة، لأنها تصورنا كمخلوقات طفولية غير قادرين على تقرير مصائرنا أو أمور مهمة بالنسبة لنا، فنحتاج الى من يخبرنا بما يجب علينا فعله.

Patrick Nowell-Smith, "Morality: Religious and Secular," in Baruch Brody (ed.), Readings in the Philosophy of Religion (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1974(.

تُثير هذه الاعتراضات، من موقع مطالبتهم باستقلالية الفاعل الأخلاقي، قضايا مختلفة وبالتالي أريد مناقشة هذه الاعتراضات والرد عليها هنا. طبعا الرد عليهما ليس بقصد الأنتصار النهائي لنظرية الأوامر الالهية ولكن لأبين مواطن الضعف فيهما وبالتالي نكون بحاجة الى نقد أقوى وأكثر صرامة لنظرية الأوامر الالهية.

دعني ابدا بالادعاء الذي يقول بأن مصطلح نظرية الأوامر الالهية لايعبر عن نظرية أخلاقية لأن النظرية الأخلاقية الحقيقية يجب أن تفسح المجال للأخلاق في المبادئ و / أو الحجج التي يمكن للفاعل أن يعترف بها كصحيحة و / أو سليمة بنفسه. النقطة الأولى التي نقوم بها هنا هي أنه ليس من الضروري للشخص الاعتراف بالالتزام ألاخلاقي كأمر الهي لكي يكون لديه معرفة أو على الأقل مبرر الاعتقاد بأنه عليه التزام بها. من الصعب، هنا، أن نرى كيف يمكن أن تنطبق حجة راشيلز على الأفراد الذين لا يدركون اصلا أن التزاماتهم الأخلاقية هي أوامر إلهية. يدرك هؤلاء الناس التزاماتهم الأخلاقية، ويفترضون أنها هي نفسها التي يتبعها الآخرون، فيبدو هنا من الصعب رؤية كيف أن حقيقة أن تلك الالتزامات التي هي أوامر إلهية يمكن أن تقوض الأستقلال الذاتي للاشخاص، وذلك يعود بكل بساطة الى انهم يجهلون هذه الحقيقة، حقيقة انها أوامر الهية.

لذا على حجة راتشيلز أن تكشف أن الالتزامات الأخلاقية الناتجة عن الأوامر الإلهية تقوض الاستقلال الذاتي للشخص. صحيح أن نظرية الأوامر الالهية تشير إلى أن هناك مبادئ أخلاقية موضوعية (أو على الأقل مبدأ واحد) يجب على الشخص اتباعها. لكن مجرد القبول بنظرية أخلاقية تعني ضمناً أن هناك مثل هذه المبادئ ولا تنتهك الاستقلالية، فالعديد من النظريات الأخلاقية (النفعية، عن سبيل المثال) تقول – كما تقول نظرية الاوامر الالهية- أيضاً أن هناك مبادئ أخلاقية موضوعية يجب على الشخص اتباعها. إذا افترض المرء أن شخصاً قد تقبل نظرية الأوامر الالهية على أساس حجة فلسفية (عن سبيل المثال، يقول أحد ما أن نظرية الأوامر الالهية تفسر الأخلاق بشكل أفضل من أي نظرية منافسة)، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقويض الأستقلالية الأخلاقية للشخص. متطلبات راشيل أن الفرد يشكل المعتقدات الأخلاقية على أساس العقل و / أو الحجج التي اعتبرها الفرد لنفسه قد تم الوفاء بها.

ولعل رايتشلز، أو أي شخص آخر أعجب باعتراض الاستقلالية، قد يجادل بأن الأمور مختلفة عندما تأتي المبادئ الأخلاقية الموضوعية من الله. لماذا قد يكون هذا الأمر كذلك؟ ربما تكون الفكرة هي أن مجرد اتباع إملاءات شخص آخر لن يحسب كمبادئ أخلاقية على الإطلاق. قد يجادل الناقد على النحو التالي: يمكن للمرء أن يتخيل جاري محمد يعطيني أوامر حول كيفية أعيش حياتي. إذا كنت أعتقد أن محمد شخص حكيم للغاية ويتفهم الأخلاق بعمق، فقد يكون من المنطقي بالنسبة لي أن أتبع مطلبه. لا أعتبر في هذه الحالة بأن محمد يمتلك سلطة عملية، ولكن سلطة معرفية. أتبع ارشاداته لأنه خبير أخلاقي ويعرف أفضل مما أعرفه. حتى في هذه الحالة، يمكن المجادلة إن الفرد الذي يتبع ما يرشد به محمد لا يعيش بشكل مستقل، حيث يمكن القول إن الفاعل الأخلاقي يجب أن يسعى بنفسه لفهم لماذا يجب أن يتبع المبادئ التي يتبعها. ومع ذلك، إذا افترضنا أني اعتبر أن محمد يتمتع بسلطة عملية حقيقية، مثل أن محمد في الواقع هو من يحدد واجباتي الأخلاقية من خلال أوامره ، فإن الأمور في هذه الحالة تصبح أسوأ. في الواقع عندما يقول لي محمد أن اقوم بهذا الفعل فهو لا يعطيني أي سبب أخلاقي للقيام بذلك، ما لم تكن هناك بعض الظروف الخاصة التي تعطي محمد بعض من السلطة عليً.

كل هذا يبدو صحيحا في حالة محمد الجار. لكن حالة محمد تختلف كثيرا عن حالة الله. حتى في حالة محمد ، في بعض الحالات، قد تكون أوامر محمد التزامات أخلاقية. لنفترض، عن سبيل المثال ، أنه قد تم تعيين محمد، في زمن الحرب، كمراقب للهجوم الجوي، وأعطته السلطة ليأمر الناس في الحي بإطفاء الأنوار وقت الغارات الجوية. في هذا الموقف، فإن أمر محمد بإطفاء أضوائي يخلق التزامًا أخلاقيًا لإطفاء الأنوار. وبالمثل يجب أن يتمتع الله بسلطة أخلاقية حقيقية حتى تمثل أوامره التزامات أخلاقية. ومع ذلك، إذا كان لدي أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الله لديه هذه السلطة الأخلاقية، وأيضاً أسباب وجيهة للاعتقاد بأنه قد أصدر الأوامر، عندها سيكون لدي سبب وجيه لاتباع أوامر الله. إذا كان لدي أسباب وجيهة للاعتقاد بأن جميع الالتزامات الأخلاقية التي لدي هي في الواقع أوامر الله، وهذا جزء من وضع هذه الأوامر الأخلاقي كواجبات تنتج عن هذا الأمر، عندها سيكون لدي سبب وجيه للأعتقاد بنظرية الأوامر الالهية. وكل هذا متوافق تماما مع معن الأستقلال الذاتي للفرد الحكم عند راشيلز.

دعوني الآن أفكر في الشكل الثاني مما يُعرف بأعتراض الاستقلالية، التي لا تقول أن الأوامر الإلهية لا تتوافق مع الاستقلالية التي يجب أن يكون عليها الفاعل الأخلاقي، بل تقول أن اتباع الأوامر الإلهية سيكون نوعا من الصبيانية الأخلاقية. في الواقع، الانتقاد في هذه الحالة معناه: هو أن الله الذي يتوقع منا أن نعيش وفقا لأوامره سيكون إلهًا لا يحترمنا حقًا، يعتبرنا كأطفال صغار غير قادرين على اتخاذ قرارات جيدة وخيرة. أو ربما يعتقد الناقد أن المشكلة تكمن في الشخص الذي يقبل نظرية الأوامر الالهية؛ فمثل هذا الشخص يكتفي بالموقف الأخلاقي للطفل ويخشى من المسؤولية التي تقع على عاتق الكبار.

في الرد على هذا الأمر، سترك الرد السهل والشائع الذي يقول بان البشر البالغين غالباً ما يتصرفون بطفولة خاصة إذا ما قورنوا بالله بوصفه الكمال الأخلاقي والكلي العلم. وبدلاً من ذلك ، سأبدأ بالإشارة إلى أن الإله الذي يعطي الإنسان حرية الإرادة فأنه بالتأكيد سوف يضع مكانة قيمة لتلك الحرية، وبالتالي يحترمها. وعلى اساس هذا الافتراض، حتى لو أعطانا الله الأوامر، فانه من خلال ما منحنا من حرية طاعة أو عصيان أوامره يعاملنا ككائنات اخلاقية لديهم الفرصة بحرية لأتباع مبادئه. وهكذا لدينا كرامة كوننا مشاركين احرار في خطة الله العظيمة للحياة، ولم نكن بيادق عاجزة أو عبيد جاهلة.

ومع ذلك، من السهل أن نرى أن الله لا يقوم بالضرورة بتجنيد البشر من خلال منحهم الأوامر المتعلقة بكيفية العيش. وسواء كان شيئًا كهذا صحيحًا، فسيعتمد ذلك على طبيعة الأوامر التي يمنحها الله. ربما إذا أعطى الله تعليمات تفصيلية للإنسان على أسس دقيقة لكل تفصيلات عن حياتهم فإن هذا النقد سيكون له وزن. في هذه الحالة، لن يحتاج الأشخاص إلى استخدام قواهم العقلية أو تطويرها من أجل معرفة كيفية العيش. المهمة ستكون ببساطة الاستماع إلى تعليمات الله المستمرة وأتباعها.

   إذا افترضنا أن الله لا يعطي مثل هذه الأوامر، ولكنه يعطي أوامر بشرية اجمالية وعمومية بطبيعتها تخيل، عن سبيل المثال، أن الله أعطى البشر مجرد أمر واحد، "أن يحبوا جيرانهم كما يحبون أنفسهم". هذا الأمر عام للغاية ومجرّد، وسيتطلّب ذلك من البشر إشراك قواهم العقلانية بشكل كامل لفهم آثارها وتطبيقها. حتى لو افترضنا أن الله يعطي أوامر متعددة (كما نجد الكثير منها في القرآن أو كما هو الحال في الوصايا العشر لموسى مثلا) فإن هذه الأوامر لا يزال يتعين تفسيرها وتطبيقها وآثارها من خلال التفكير.

قد يقرر الله أن يعطي الأوامر بهذه الطبيعة فانه فقط لكي يطلب من البشر تطوير القدرات التي منحها لهم. وبطريقة مماثلة، يعطي الآباء الحكيمون والحسنون قواعد أبنائهم للعيش بها، ولكن عندما ينمو أطفالهم ويصبحون ناضجين، فإن هذه القواعد تتطلب حكمًا جيدًا لتفسيرها وتطبيقها. قد يعترض المرء على أن الآباء الجيدين في نهاية المطاف يريدون أن يكون الأطفال مستقلين بشكل كامل، وهذا قد يعني أن الله يجب أن يرغب في أن نتحرر من سلطته في نهاية المطاف. ربما يبدو هذا صحيحًا بشكل خاص إذا اعتبرنا أن هناك عدم تناظر مهم بين العلاقة بين الوالدين والطفل وبين علاقة مخلوق الخالق. في نهاية المطاف يصبح الأطفال بالغين ويأمل الآباء في أن يصبحوا متساوين في الذكاء والبصيرة الأخلاقية. ومع ذلك ، فإن البشر لا يتساوون أبداً مع الله سواء في الذكاء أو البصيرة الأخلاقية، ويبقى هناك شعور صحيح يفكر فيه حتى الكبار الراشدين بحق وهو أنهم أقل شأناً من الله في كل من المعرفة الأخلاقية والرغبات. هناك بالتالي سبب وجيه للاعتقاد أنه حتى البالغين الراشدين يجب أن يرحّبوا بأوامر الله، لأن هذه الأوامر تأتي من واحد لديه أفضل فهم ممكن للحياة البشرية والخير، والذي يعطي الأوامر لمساعدتنا في إحراز تقدم نحو تملك الخير النهائي. الشيء المذهل ليس أن الله يعطينا الأوامر، ولكن، على الرغم من أننا بشر متناهيا، خاطئين، فإنه يمنحنا كرامة أن نصبح مشاركين في الخطة الإلهية للحياة.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

قصي الصافيمقدمة: بهدف الترابط العضوي للموضوع سأعمد إلى إعادة المقدمة في كل حلقة.

يعمل النظام السلطوي على مبدأ القوة الطاردة المركزية التي تلقي بعامة الشعب على هامش الفعل السياسي والإجتماعي والثقافي،بينما تبقي على حفنة من السياسيين في مركز صناعة القرار لتحتكر عملية البناء والتخطيط والإدارة، مما ينتج عن اعتلالات بنيوية خطيرة، تتمثل في هشاشة المؤسسات وتوتر الصراع بين الطبقات والفئات الإجتماعية والكيانات الثقافية،وقطيعة أو شبه قطيعة بين الأمة والدولة. بالمقارنة تعمل الديمقراطية بصيغتها المثالية على مبدأ الاحتواء لا الإقصاء، فهي تخلق فضاءات واسعة لمشاركة وتفاعل الجميع للوصول إلى حلول وسطية، من شأنها خلق حالة توازن بين مصالح الطبقات والمكونات الإجتماعية والثقافية، وبهذا تنتج مجتمعاً متماسكاً، وتفتح قنوات تواصل فعالة بين الأمة والدولة.

من نافل القول أن الأنظمة الديمقراطية هي الأمثل في إدارة الحكم وبناء المجتمعات، إلا أن فجوةً واسعة تجدر دراستها بين صيغتها المثالية والواقع الحقيقي للتجارب الديمقراطية، منذ مهدها الأول في أثينا إلى الديمقراطية المعاصرة التي تخفي ملامح شيخوختها خلف ماكنتها الإعلامية العملاقة، فبينما تعد الديمقراطية بتساوي الفرص للجميع ، يظهر جلياً أن البعض أكثر تساوياً من الأخرين حسب تعبير جورج أرويل الساخر.

إذا كان ماركس قد اشاد بالديمقراطية على اعتبارها مشروعاً حضارياً رائداً، فإنه لم يتوقف عن نقد الطبقة الحاكمة في تسخير آلياتها لشرعنة استغلالها وتغليب مصالحها على حساب عامة الشعب.

الطريق إلى الملكية الدستورية

في الحلقة السابقة تركنا البرلمان البريطاني وقد تعزز نفوذه نسبياً ، وفي هذه الحلقة سنستعرض ماشهده القرن السابع عشر من حروب وصراعات عنيفة بين البرلمان والحكم الملكي لتعزيز السلطة التشريعية وصولاً إلى الملكية الدستورية كمرحلة أولى على طريق الديمقراطية الحديثة.

- الحرب الأهلية:

بلغ الصراع ذروته في فترة حكم تشارلس الأول ( 1625-1649) ذي الميول الكاثوليكية والذي كان متزوجاً من الكاثوليكية الفرنسية هارييتا ماري ، مما افقده ثقة البرلمان ، وأثار حوله الشكوك ، بيد أن النزاع بين البرلمان والملك - رغم ظاهره الديني - كان يحمل أبعاداً سياسية وإقتصادية أيضاً، فعودة الملك إلى احضان الكاثوليكية تعني إحياء مفهوم الوصاية الإلهية التي تطلق يد الملك بإسم الرب ، كما أن حكم الملك دون محددات قانونية سيفضي إلى إنتهاك حق الملكية، إضافةً إلى تجريم وتكفير معارضيه لاعتقالهم متى يشاء، وقد أكد ثشارلس الأول تلك المخاوف بإعلانه ولمرات عديدة بأنه يحكم بريطانيا بإسم الرب، وقد حل البرلمان لمرات عديدة وحكم لفترات طويلة بلا قيود.

اندلعت سلسلة من الحروب الأهلية بين جيش الملك وجيش البرلمان الذي تشكل من العامة جنوداً ومن أصحاب الأملاك قادةً، وإنتهت الحرب بإنتصار البرلمان وجز رأس الملك بتهمة الخيانة، الأمر الذي سيتكرر بعد أكثر من قرن مع ملك فرنسا الذي وضعته الثورة الفرنسية تحت شفرة المقصلة، مما يجعلني أميل إلى الإعتقاد أن رأس الملك لم يكن هو المستهدف لذاته، بل فكرة الوصاية الإلهية التي تستوطن ذلك الرأس والتي يجب إستئصالها (رغم بشاعة الفعل!).

خلال سنوات الحرب الأهلية برزت حركة اللفلرز والتي ضمت مجموعة من جنود جيش البرلمان المنحدرين من اصول فقيرة، يقودهم بعض الجنرالات المتنورين المثقلة ضمائرهم بالهم الإنساني ومعاناة الفقراء. كان إنشغال الحركة الرئيسي ضمان حقوق العامة ومكافأة تضحياتهم في القتال ضد الملك ومنع إستئثار الأثرياء على مقاليد السلطة من بعده، وقد اكتسبت الحركة شعبية كبيرة لابتكارها أساليب جديدة في نشر افكارها كطباعة المنشورات وتنظيم المسيرات والندوات الشعبية، كما أنها طورت منظومة من الأفكار السابقة لزمانها بقرون بإصدارها دستوراً مقترحاً يمنح لكل من بلغ الحادية والعشرين من الذكور والإناث حق التصويت بغض النظر عن وضعه المالي أو مكانته الإجتماعية ، وعلى الدولة أن تضمن للجميع حرية التعبير والضمير والحرية الدينية بما فيها الإلحاد، كما طالب الدستور بالعدالة في توزيع الثروة. إلى جانب حركة اللفلرز نشأت حركة الحفارين والتي تبنت أفكاراً أكثر راديكالية بمطالبتها بتوزيع الأرض على الرعايا بالتساوي على اعتبارها هبة الله إلى الجميع وليست ملكا لحفنة قليلة العدد.

في أعقاب الحرب الأهلية أحكمت الطبقات الثرية قبضتها لا على على السلطة التشريعية فحسب، بل على السلطة التنفيذية بإلغائها الملكية وإعلان الجمهورية التي لم تدم طويلاً بقيادة أوليفر كرومويل ومن بعده ولده ريشارد. وضع ذلك البرجوازية على المحك لإثبات مصداقية خطابها التحرري، فكان سجلها مخيباً بممارستها العنف والترهيب في سحق حركتي أللفلرز والحفارين وإسكات الأصوات المطالبة بتوسيع المشاركة الديمقراطية،إلا أن حزمة الأفكار التي طورتها الحركتان والأسئلة التي اثارتها عن حقوق الفقراء والعدالة الإجتماعية لا يمكن أن تتلاشى وقد إنبثت في العقل الجمعي للطبقات الشعبية.

-الثورة المجيدة (1688 م):

دكتاتورية كرومول وضعف شخصية كرمويل الإبن كانا سببين رئيسيين لعودة الملكية وتنصيب تشارلس الثاني على العرش. بالطبع لم يهدأ الصراع بين تشارلس الثاني والبرلمان الذي قطع رأس أبيه، إلا أن قلق البرلمان الأكبر كان عمن سيخلف تشارلس بعد موته ، فهو لا يملك ذريه، وولي العهد الوحيد سيكون أخوه جيمس الثاني، والذي تخلى علناً عن البروتستانية وإعتنق الكاثوليكية، وهو كأبيه يصر على أن الملوك هم ظلال الله على الأرض. لم يدخر البرلمان جهداً لحرمان جيمس من ولاية العهد دون جدوى.

لم يظهر جيمس الثاني في بداية توليه العرش عداءً للبرلمان، وما إن تنامى نفوذه العسكري والمالي حتى شرع بإتخاذ حزمةً من الإجراءات التي اغضبت البرلمان ولم تنل رضا العامة، فقد عبر عن انحيازه الطائفي بعزل البروتستانت من قيادة الجيش والمناصب الرئيسية في الدولة واستبدالهم بشخصيات معروفة بفسادها الإداري شرط تحولها إلى المذهب الكاثوليكي، وقد إعتقل عدداً من رجال الدين البروتستانت الذين رفعوا اصواتهم بالمعارضة. أما على المستوى الإقتصادي فقد كان ممانعاً في تنفيذ سياسة حمائية لتشجيع المنتوجات المحلية وخاصةً النسيج القطني، بل وضع بدل ذلك قيوداً مشددة على التجارة الخارجية لضمان إحتكار الشركات الكبيرة كشركة الهند الشرقية مقابل نسبة أرباح لعرشه، كما أسرف في فرض الضرائب، وإنتشر الفساد وإبتزاز موظفيه للرعايا.

قررت مجموعة من البرلمانيين أن لا مناص من الإطاحة بالملك جيمس الثاني وقد أوكلت المهمة لإبنته ماري وزوجها الأمير الهولندي وليم الثالث، واللذان قدما بجيش صغير إلى بريطانيا، ولم يصمد جيمس الثاني فقد تحسس رأسه مستذكراً رأس أبيه المقطوع وهرب إلى فرنسا ليتم تنصيب وليم الثالث على العرش.

عرفاناً بالجميل وافق وليم الثالث على سلسلة من التشريعات التي اصدرها البرلمان وهي بمثابة دستور أو عقد إجتماعي ينظم العلاقة بين الملك ورعاياه من جهة والملك والبرلمان من جهة أخرى، وفق تلك التشريعات يجب على الملك أن يؤدي القسم لا لحمايه رعاياه وضمان حقوقهم وحرياتهم ومساواتهم أمام القانون فحسب، بل على الملك أن يكون هو نفسه خاضعاً لأحكام القانون، وعلى الملك أن يحصل على موافقة البرلمان لإعلان الحرب أو إذا رغب في الإحتفاظ بجيش المملكة في فترات السلم أو لفرض الضرائب.

حاولت من هذا العرض الموجز للأحداث اقتناص بعض الأدلة التأريخية التي تشير إلى دور سلطة المال في تشكيل طبيعة النظام السياسي ورسم حدود المساهمة في الديمقراطية، فرغم أن الطبقات الثرية المهيمنة قد انجزت الملكية الدستورية وشرعت بعض الحقوق والحريات للعامة ، إلا أنها بقيت حريصة على ضمان احتكارها للعملية السياسية عبر وضع ملكية الأرض شرطاً للتصويت والترشيح فنسبة المؤهلين للتصويت آنذاك لايشكلون أكثر من 3% من مجموع الذكور البالغين، كما أن الطبقة الحاكمة لم تتوان عن إستخدام العنف لسحق كل من يطالب بتوسيع المشاركة الديمقراطية كما لاحظنا ماحصل لحركتي اللفلرز والحفارين.

 

قصي الصافي

 

حمزة بلحاج صالحيردد الحيدري كلاما متهافتا ومنقولا عن جورج طرابيشي لا أساس له، مفاده أن محمد عابد الجابري سرق ونقل عن محمد أمين في أعماله تقسيم الأنظمة المعرفية للتراث إلى بيان وعرفان وبرهان

لا يا مولانا الحيدري هذا تعجل وحكم فاسد وافتراء

عذرا لكنني أضطر وأقول افتراء

أحمد أمين في أعماله فجر الإسلام وظهر الإسلام وضحى الإسلام كان حقا مبدعا وهو إضافة هامة لتاريخ التراث والفكر الاسلامي في مختلف مراحله، ولا تشابه من قريب ولا من بعيد بينهما، ولا قيمة لعمل أركون الذي لا يرقى ليكون مشروعا معرفيا، بل هو مجموعة دعوات للتفكير وشذرات مقارنة بعمل الجابري العميق والضخم

محمد أركون يمد رجليه في الفضاء الشيعي بغير تأسيس كبير عدا بعض الخلفيات التي أتت به ومنها، أنه يتحدث عن " نقد العقل الإسلامي " والجابري يتحدث عن " نقد العقل العربي " وهو مسلك موهم ومضلل، ولا وجه لمقارنة عمل الجابري الكبير بشذرات من عمل أركون المحدود والمتوقف عند طموح وحديث بلغة الايديولوجيا والرهانات

و من أسباب تمدد أركون في الفضاء الشيعي على حساب محمد الجابري أن الجابري قام بنقد فيه قساوة لمنظومة العرفان التي تشكل مرتكزا في المخيال الشيعي والتي اعتبرها الجابري فكرا ومعرفة مستقيلة

و الحكم على قساوة الجابري لا يشرع عملية التبجيل وتفضيل أركون العلماني عله بل التغاضي عن قوله ببشرية الوحي على الجابري القريب من الاسلامي بل الإسلامي

و نهج التفضيلات والتبجيلات ليس من العلمية في شيء بل هو أيديولوجية صرفة أو ضعف علمي ومعرفي وهو ليس أيضا من النقد الإيبستمولوجي في شيء

لا أعتبر الحيدري قريبا من مهمة الإيبستمولوجي بقدر ما يمثل عقلا فقهيا معتدلا وناقدا لمنظومتي الفقه الشيعية والسنية وشططهما، بل إن محمد يحي أقرب وأعمق نظر منه في التعامل النقدي الايبستمولوجي للتراث وقراءة الفكر قراءة علمية

بدل العلمانية عند أركون يتحدث محمد عابد الجابري عن الديمقراطية وهو أفضل من أركون في تجذر ه التراثي والإسلامي الأصيل فكيف يفضل الحيدري من لا يتقاطع معه معرفيا وثقافيا

أخطأ الحيدري وهو يحدثنا عن العقل عند الجابري ويعتبره فوكويا ويحدثنا عنه عند محمد أركون ويعتبره ديكارتيا

استخدم الجابري العقل استخداما تقنيا وإجرائيا حيث وظف تعريف العقل اللالاندي (نسبة الى لالند)

و حدثنا عن العقل المكون بفتح الواو والعقل المكون بكسرها وتحدث عن العقل كأداة والعقل كمحتوى، غير أنه اشتغل بعمق على العقل العربي لا على العقل الفوكوي

و أرى أن الحيدري وقف على سطوح منجز الجابري ولم يسبر أغواره وعمقه ومكوناته، ولا أريد الجزم لكن يبدو أن الحيدري ككثير من المفكرين لم يقرأ بالتدقيق والتفصيل أعمال الجابري بل إكتفى ربما بما كتب عنها خاصة في مقالات جورج طرابيشي ربما سطحا دون قراءة وفحص كتبه المفصلة

إن بنيوية الجابري كانت إجرائية وظيفية لا فلسفية أدبية كذلك تفكيكه وتركيبه وتقسيمه للإيبستيمي العربي الإسلامي والعقل موضوعا أو " تيمة " وناظما ورمزا له إلى أنظمة معرفية ثلاث " بيان" و" عرفان " و" برهان "

لم يكن في تقسيمه لا حصريا ولا تبعيضيا كما يزعم طه عبد الرحمن في نقده للجابري والذي ( أي طه عبد الرحمن ) يتبطن نزعة نفسية قوامها التنافس مع بعض الشطط المعروف عند اهل العلم

وهو ( أي طه عبد الرحمن ) الذي " منطق " التراث وادعى أتباعه أنه نازع كانط وقد كان كانطي النزعة مستترا ومختبئا حتى النخاع، غرق في وحل فلسفة اللغة وهوس التعريف الدولوزي ( جيل دولوز ) للفلسفة باعتبارها نحت المفهوم فطغى اللغوي على الفلسفي فكان منطقيا ولغويا وأخلاقيا أكثر منه فيلسوفا ولم تسعفه تداوليته وتأثيله الى الإنطلاق إلى عالم الفلسفة الفسيح والحقيقي

و كان الجابري مؤرخا للأفكار والفلسفة ومؤرخ الأفكار والفلسفة هو فيلسوف بامتياز بل كان محللا صاحب دراية ورواية ولذلك كان مؤهلا لمقاربة العقل العربي الذي يعود له الفضل الكبير في فضاء التفلسف العربي، أما نقد الحيدري فقد كان تبعيضيا وسطحيا ومغلوطا وغير احترافي

الجابري وظف منهج فوكو وشجبه واستوعبه داخل الإيبستمي العربي الإسلامي واستخدمه على جانب من التراث

في حين كانت صلة محمد أركون بالتراث واهية وغير متينة ولا تشكل إلا رؤية تبعيضية مفاضلاتية إنتقائية غير تمثيلية وواسعة للتراث بل منحسرة ومؤدلجة تشتغل أكثر على هوامش التراث لا مركزه

مثل مسكويه والتوحيدي والجاحظ الخ تفضيلا مبالغا فيه ومبعضا وغير ماسح للتراث كله

في حين نجح الجابري في استدعاء سرديات كبرى ونصوص محورية وتأسيسية وواسعة التمثيل كابن جني وابو علي الفارسي والجرجاني ومدرستي الكوفة والبصرة الخ

تحكم الجابري في العلوم الاسلامية لا يقارن بتحكم أركون فيها فهو غريب عنها أو قل يتعاطاها بنزعة إستشراقية من غير تحكم عميق وواسع واطلاع على مظانها ولغتها العربية في ما يتعلق بالتراث العربي

إن أدوات الجابري التي وظفها في نقد التراث مستوعبة ومحتواة ومتحكم فيها داخل التراث والنظام المعرفي العربي الاسلامي، وأدوات محمد أركون غربية صرفة ومستلبة لمنظومة التفكير الغربي

لقد كانت قراءة الجابري للتراث من الداخل العربي والاسلامي، وقراءة أركون كانت من الخارج العربي والإسلامي بل من الاخر الغربي

إن قراءة الجابري وتفكيكه وتركيبه وتحليله مزاوج رفيع التحكم لمقاربات متعددة وظيفية تلائم مراحل القراءة للعقل التكوين والبنية والتجلي السياسي والأخلاقي

أما قراءة أركون فلا زالت في مهدها فهي دعوة للتفكير موجهة لطلابه ولا يحمل أركون مشروعا متكاملا وعميقا في نقد العقل العربي

إن التعامل مع المشاريع يكون بالكتابة العميقة لا بالخطابة كما فعل الحيدري

لا تخلو مزايا الحيدري في الفضاء الشيعي من نفع وفائدة لكل من الشيعة والسنة ويستفاد من ملاحظاته النقدية لكنه يبقى خطيبا فقيها ومرجعا دينيا أكثر منه باحث في كثير من القضايا التي تناولها

فهو في الفضاء الشيعي يمارس مهمة تثقيفية مشافهاتية كما يمارس مهمة مماثلة عدنان ابراهيم في الفضاء السني

ولا يخفى ما لهذه المسالك التي تقفز على التوثيق وتعتمد الخطابة من عيوب وسطحية وتعجل وفقدان للدقة العلمية والعمق والتأسيس

كنت ولا زلت من الذين ينصحون بمتابعة الحيدري لكن هذا لا يعني عدم تناوله بالنقد العالم في ما لا يتحكم فيه خاصة ما يتعلق بالجوانب المنهجية والإيبستمولوجية والنقدية والفلسفية وكذا فهم الفكر الغربي فهما علميا وعميقا في تقديري

إن الموسوعية والمقاربات النسقية تعني الشمول والدقة لا الإجتزاء والتبعيض والتسطيح

 

حمزة بلحاج صالح – باحث جزائري

 

 

مصطفى انصالي"يجتمع المسلمون مرة كل أسبوع يوم الجمعة داخل مكان اسمه الجامع والذي أراده رسول الأمة عليه السلام ألا يكون مجرد مسجد تقام فيه الصلوات الخمس، بل أراده جامعا يجتمع فيه المسلمون قصد تدارس مشاكلهم اليومية الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضا، لقد جعل من الجامع ولأول مرة في التاريخ مؤتمرا أسبوعيا مفتوح رسميا في وجه عموم المواطنين، شعاره هو قوله عز وجل مخاطبا نبيه وموضحا له طريق الدعوة "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" جدال تجسد بشكل فعلي في مؤتمر الجمعة الذي كان بحق عاملا أساسيا في صناعة مواطن قادر على النقد والحساب، مواطن صارت لديه القدرة على قول لا، مواطن ينفي ويعترض ويحلل قبل أن يجيب بالقبول أو الرفض.

مواطن يميز جيدا بين أمور الدين وأمور الدنيا تاركاً الأولى للوحي ومحاوراً ومناقشاً في الثانية، مصداقاً لقوله عليه السلام: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" مواطن كهذا والذي ساهم الجامع في تكوينه بشكل كبير هو نفسه الذي وقف في وجه أبا بكر قائلا له: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، وهو عينه الصوت الذي ثار في وجه عمر محاسباً إياه على متر من قماش الصدقة وداعياً إياه إلى فرض الزكاة على الأثرياء، بل ومنكراً عليه حديثه فيما يخص قضية تقليل مهر الزوجة. ففيما رواه الترمذي والنسائي أن عمر بن الخطاب خطب في الناس قائلا: "ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية". فقامت إليه امرأة فقالت يا عمر: يعطينا الله وتحرمنا، أليس الله سبحانه وتعالى يقول: "وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ" قال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر. فأين نحن من عمر!

ما الذي حصل إذن لكي يتنازل المواطن المسلم عن صوته في لقاء الجمعة مفضلاً أن يجلس صامتاً مطأطئ الرأس في حضرة واعظ يقرعه على ذنوبه من على منبر يرتفع بالإمام لكي يجعله من سكان السماء، وعندما يتكلم فسكان الأرض ما عليهم سوى السمع والطاعة. لسان حالهم يقول:"سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" في هذا المشهد وأمام خطيب كهذا خسر يوم الجمعة نصف معناه فالشعيرة أو الطقس لا زال كما هو، يرتفع الأذان في موعده عندما تتوسط الشمس كبد السماء، يترك المواطنون تجارتهم وأعمالهم ملبيين النداء، يغتسلون ويلبسون أحسن ثيابهم التي تفوح منها رائحة المسك، يجتنبون أكل الثوم لكيلا يزعجوا أحداً خلال الكلام، لكن الكلام نفسه ممنوع، حضورهم هو للإنصات لا الكلام. أنصتوا رحمكم الله، إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت، لقد صار الصمت تعبداً في حين أصبح الهمس ولو بنصف كلمة من مبطلات الصلاة ومن لغا فلا جمعة له، فلتنصتوا إذن رحمكم الله، فهل هناك لغو أكثر من لغوك يامن يعتقد في نفسه الإمامة.

لقد تمت سرقة صلاة الجمعة بنجاح، أصبحنا نجتمع لكي لا نقول شيئا في مشهد مسحور، كل مواطن في هذا المشهد يحمل في صدره أكثر من مأساة، بعضهم دون عمل، وبعضهم دون دواء، جلهم أو أغلبهم يعيشون في فقر مدقع تطاردهم همومه حتى في ركوعهم وسجودهم، يجلسون صامتين وكأن على رؤوسهم الطير ينصتون في صبر أو خشوع مصطنع لإمام أميٌ وفقير ومظلوم مثلهم، يحدثهم عن قواعد الإسلام الخمس من صلاة وزكاة وصوم وحج متعمداً بوعي أو بدون وعي أن لا يضيف لتلك القواعد قواعد أخرى تم تهميشها في تاريخ الإسلام السياسي من قبيل قاعدة الأمر بالمعروف وقاعدة النهي عن المنكر وقاعدة العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات وغيره.

إحياء الدين هو إحياء للحوار السياسي في الجامع عبر جعله فرصة لمناقشة هموم الناس الملحة وإسماع صوتهم عبر مناقشة مشاكلهم الحقيقية من قبيل رفع مستوى التعليم وخفض أسعار المواد الاستهلاكية ونوع الخدمة الصحية وحالة الطرق وضبط الميزانية وتحرير المنبر من سلطة الإمام وفسح المجال للمواطن الحاضر لكي يتحدث عن عالمه الحاضر ويناقش مشاكله الحاضرة ويبحث عن حلولها مع مواطنين حاضرين، أيها الإمام عد إلى الأرض أرجوك فالسماء كما يقال: لا تمطر ذهبا ولا فضة"

 

بقلم : مصطفى انصالي

أستاذ باحث في مجال الفلسفة والفكر الديني

 

عبد الرضا حمد جاسمتراث/ارث الدكتور الوردي ذلك الذي تفرق منه او نُهب او سُرق او تُرك أمانة عند أحد او محفوظ هنا او هناك في ارشيف هذه الدائرة او تلك الجامعة او المؤسسة ... بكل ما فيه ان كان مقبول لهذا او مرفوض عند ذاك ليس مُلك أحد حتى افراد عائلته الكريمة انما إرث/تراث وطني عراقي وربما عالمي. عليه من الحكمة والأمانة والاخلاص والوطنية ان يتم تكثيف البحث عنه وجمعه. مهما كان الموقف من كل طروحات الراحل الوردي.

ممن يتكون هذا المفقود او المبعثر او الواجب البحث عنه وجمعه:

1.المخطوطات او الكتب او المسودات تلك التي أشار اليها الراحل الوردي كما ورد في الجزء السابق. تلك التي وعد البعض بها او التي تَوَّعَدَ بها البعض والتي أخْبَرَ بوجودها البعض او شاهدها البعض والتي أطْلَقَ او اُطْلِقَ عليها أسماء مختلفة / "سينما بغداد" أو "مذكرات" و "تكملة لمحات تاريخية "و"ريشة في مهب الريح" و "اخلاق اهل العراق".

هذه المفقودات او بعضها أعتقد انها موجودة عند أحدهم/بعضهم او له /لهم علماً بها او جزء منها سواء كان/كانوا من القريبين اليه/عليه محبيه ومبغضيه " اصدقاءه واعدائه الفكريين" "المكشوفين وغير المكشوفين" من "المهتمين او غير المهتمين" بطروحات الوردي" سلباً او ايجاباً" من "المختصين و غير المختصين"...من "الملتقين/المتقبلين او المخالفين/الرافضين" فكرياً مع نظام البعث السابق ،عناصر السلطة "التنفيذية او الثقافية" السابقة الذين سمح لهم الوردي راضياً/قانعاً او مُجبراً/مكرهاً او مُتَحَسِباً/حذراً ـ قلقاً او تمكنوا بأساليبهم من دخول محرابه وصومعته/مكتبته بحضوره او غيابه... حيث توجد تلك المخطوطات. "مجرد توقع": ..."أحدهم" هذا شخص/ اشخاص ربما لو لم تتم الاشارة الى تلك المفقودات من قبل السيد الخاقاني والصحفي الشماع لكان قد أطلقها بادعاءات كثيرة تُقبل اولا تُقبل...لكن مع تكرار الإشارة اليها من قبل من كَتَبَ عنها جعلت من سيطر او يسيطر عليها "احتفظ /يحتفظ بها" يتخوف/يتردد اليوم من إطلاقها او الاعتراف بحيازته لها /"بتحفظه عليها /حفظها" بسبب "ربما" من تبعاتها او تبعات احتفاظه بها/ سلبها /اخفائها / حمايتها. "ربما وربما ايضاً" "اقتنصها/التقطها" تحت توصيف" فاعل الخير" اقنع نفسه به وهو الان محتار بها و"ربما "اُخْتُطِفَتْ" من قبل سلطات النظام السابق عن طريق "فاعل خير" ايضاً وهي ضمن ارشيف دوائر النظام السابق الأمنية او الثقافية... ومعلوم ان ذلك الارشيف تعرض للتفتيش والعبث به وسرقت جزء منه.

من يحتفظ بها يخاف اظهارها الان او الاعلان عنها اليوم لأنه سيُقابل بسيل من الأسئلة والكثير من الشكوك والاتهامات...

2. اضبارة الدكتور علي الوردي في جامعة بغداد وقد اشار السيد محمد عيسى الخاقاني في كتابة مئة عام مع الوردي

ص 13 (انه قرأ بحثاً علمياً جميلاً نشرته جامعة الكوفة في مجلتها الدورية للدكتور علاء حسين الرهيمي والاُستاذ علي طاهر الحلي بعنوان (علي الوردي بيئته و نشأته و جهوده التربوية...دراسة تاريخية) ... حيث قال: (اشتكى الباحثان من قلة المصادر المكتوبة و شحة المرويات عن حياة الوردي... واطلعوا على اضبارته الجامعية و نقلوا منها...) انتهى. واستعار منهم السيد الخاقاني بعض ما أورده في كتابه...رغم ما ظهر في نقل السيد الخاقاني او تلك الاستعارة من عدم دقة لا اعرف من جانبه او جانب من استعار منهم سأشير اليها ذلك اُناقش كتاب السيد الخاقاني.

3.اضبارة الدكتور الوردي الامنية التي فُتحت له ربما قبل ثورة الرابع عشر من تموز و اكيد تعززت و نمت و تضخمت خلال ما بعد الثورة حتى مماته و بالذات خلال السنوات الخمسة عشر الاخيرة من حياته اي منذ عام 1980 اشتعال الحرب مع ايران و مروراً باحتلال الكويت و حرب 1991 و بعض سنوات الحصار المدمرالى ويوم رحيله له الذكر الطيب و الرحمة في 13 تموز/ 1995 واتصور انها تضخمت و توسعت و تفرعت في تلك الفترة من خلال تسجيل لقاءات الوردي حيث اعتقد ان الراحل الدكتور الوردي كان مُراقب مراقبة لصيقة...[ أنه مجرد اعتقاد!!!].خلال تلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق فأكيد كانت هناك تقارير عن كتبه و مشاركاته و محاضراته. تلك الاضبارة التي لم يظهر منها اي شيء، اي ان حالها حال (المفقودات) وأعتقد انه لا يمكن لأحد ان يتصور ان الجهات الامنية كانت تترك الدكتور الوردي دون مراقبه...ان البحث عن اضبارة الدكتور الوردي في الارشيف الامني المنهوب لنظام صدام حسين واجب مهم ومسؤولية كبيرة ولا استغرب ان يكون حالها حال ما نُهِبَ من الارشيف العراقي بعد احتلال العراق في 2003.

يخطئ من يظن ان الجهات الامنية الصدامية كانت قد تركت حبل علي الوردي على الغارب ...اعتقد ان كل كلمة قالها الوردي في اي مكان ،مجلس، ندوة ، محاضرة كانت تُسجل صوت و صورة و بالذات بعد الاشارات التي صدرت عن صدام حسين و التي تتضمن (لا احب الوردي ...اكره الوردي ...اختلف مع الوردي) تلك التي وردت في كُتُبْ من كَتَبَ عنه وينفعنا هنا الاستاذ محمد عيسى الخاقاني بما كتبه في كتابه ص312 حيث قال:(يبدو ان مديرية الامن العامة قد كثفت تحقيقاتها عن الوردي في هذه الفترة و اكتشفت انه ينتمي الى الحزب الشيوعي العراقي!!!، و ذلك في وثيقة زودني بها الشيخ سليم الجبوري صادرة عن استمارة مديرية الامن العامة بتاريخ 10/04/1985....و رقمها 100 و مستواها "مهم «تؤكد على ان :علي حسين محسن الوردي ، ولادة بغداد سنة 1913 و نشاطه شيوعي ، و هو دكتور في جامعة بغداد و يسكن في بغداد الكاظمية العطيفية دار 3/18 و رقم قيده في الامن 88 ـ 5140718 و يذكر فيها الملازم حميد رشيد ان الوردي منتمي الى الحزب الشيوعي العميل و من النشطين فيه و ذلك من خلال اضبارته الورقية و انه قد منح سابقا موافقة سفر الى الدول العربية بالكتاب المرقم 45/36574 في 07/07/1970)انتهى...[ملاحظة: اعتقد ان هناك لبس في هذا المقطع سأحاول الإشارة اليه او بيان فهمي له عندما اناقش كتاب الأستاذ الخاقاني له التحية و التقدير].

و يضيف السيد الخاقاني : (مع وجود كتاب اخر صادر من مديريه الامن بضرورة تنبيه الوردي على ما يذكره او يطرحه في محاضراته في بولونيا كما ظهر في ص 325) انتهى...""ايضاً في هذه الفقرة لبس سأطرح رايي فيه في حينه""

المهم ان تكون هناك صيغة ليطلع القراء على ما تركه الوردي في تلك المخطوطات التي اتوقع رغم اهمية ما فيها من اراء الوردي بالأشخاص والانظمة والاحداث كما أشار واُشير،هناك جانب مهم جداً جداً جداً ربما يفوق ذلك وهو مراجعات الوردي لنفسه ومواقفه وطروحاته التي نقل لنا "محبيه" او المحيطين به... بعض منها او عنها. حيث نقل لنا السيد سلام الشماع في ص 82 من كتاب من وحي الثمانين/الطبعة الثانية عن الراحل الوردي التالي: [قبل رحيله بشهور قليلة في لقاء تلفزيوني قال (ان اخطائي كثيرة......لا أدري كيف سأقابل ربي)].

اعتقد ان الراحل كان يعرف انه ضعيف امام السلطات القمعية ويعرف ان تلك السلطات لا يمنعها عُمرْ او درجة علمية او منصب او جاه او موقع سياسي او اجتماعي او ثقل عشائري او سمعه عالمية او اي شيء عن تنفيذ ما تريد إنْ قررت ذلك او شعرت ان هناك من "يهددها" او يسيء اليها والامثلة كثيره عن رجال دين وسياسيين وأكاديميين ووزراء وشخصيات اجتماعية واطباء وعلماء حيث تعرضوا لأبشع انواع التعذيب أعنف أساليب التشهير وأقذرها ومن ثم الاعدام ولم يحرك أحد من اتباعهم او محبيهم أو المجتمع الدولي ساكناً. وربما لم يتقدم أحد لمواساة عوائلهم...

كتب الاستاذ الخاقاني في ص276 /مئة عام مع الوردي انه بعد لقاء الصحفية الامريكية كرستيان هلمز بصدام حسين عام 1983 التالي:(...فأنصب الاهتمام على الوردي مرة اخرى، لكن هذه المرة بصورة سلبية، اذ ثبت للبعثيين المتطرفين ان هناك من يخالف صدام حسين في العراق، وان هذا المخالف عالم اجتماعي وهو كبير في السن فلا يجوز قتله رميا بالرصاص او شنقاً في ساحة عامة فربما تسبب في مشكلة دولية فقرروا قتله بهدوء وأعدوا العدة لذلك) انتهى.

وهذا يعني ان هناك من كان قريب على الراحل لأن عملية القتل الهادئ تحتاج الى تقارير وتسجيلات وصور ومعلومات دقيقة تتطلب مراقبة لصيقة.

وانا هنا ادعوا من كان "مكلف او تبرع/تطوع حباً او كرهاً" بمتابعة الدكتور علي الوردي، "كل شيء كان وارد وممكن" ان يُبَّلِغ/يبين بأي طريقة عن أشكال تلك المتابعة او اساليب التسجيل او التقارير التي كانت مرفوعة بخصوص نشاطات الدكتور علي الوردي ليكون ذلك من ضمن الأرشيف، طبعاً بدون ذكر الأسماء حيث اكيد ان هذا الانسان كُلِفَ/اُمِرَ/اُجْبِرَ على ذلك لأن الوردي انسان طيب لا يعادي ولا يكره ولا يبحث عن أعداء ...

لماذا أقول ذلك؟ أقول ذلك اضافة الى ما تفضل به الأستاذ الخاقاني ...لأني اعتقد "اعيدها" ان كل الندوات والمجالس واللقاءات كانت تتم بعد الحصول على موافقات امنية مهما كان المشاركين فيها/بها حتى لو كانوا من اتباع السلطة او القريبين عليها والمعلوم ان هناك في كل موقع ودائرة ونقابة وجمعية خلية امنية...وفي كل محلة سكنية دائرة امن وفي كل شارع هناك حزبي بعثي يكتب تقارير عن أي شيء يشعر/يشك ان فيه "خطر" على "حزبه ونظامه" مسايرةً للنظام او حفاضاً على نفسه وعائلته وهذا معروف ومفهوم وملموس.

من أنقذ الوردي عدا الكثير مما ورد في كتبه مما كان يتماشى مع السلطة هوتمسكنه وبساطته وحذره وسماحه لمراقبيه من نقل ما يريدون عنه اوما يريد هو ان ينقلون عنه وربما يتعمد كشف نفسه إليهم بحيث لا يدعم يبحثون عن مخفي ... حتى وهو يتوقعهم او يحدس انهم مهتمين بذلك "الراحل كثير الشك والريبة" وربما كان هومن يتعمد المواقف امامهم لينقلوها وربما فسح المجال امامهم لدخول بيته وتقليب ما يريدون من اوراقه وكتبه بدل ان يدخلها غيرهم عنوة وبإذلال وإهانة.

وهنا ينفعنا ما تفضل به الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح من شهادة مهمة فيها بعض ما ينطبق على ما ذكرته أعلاه:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=369085

علي الوردي..الساخر الفكه/ 18/07/2013

[وكنّا نحرص في الندوات العلمية التي نعقدها ان يكون الوردي اول المتحدثين، فوجدت الرجل يتحدث لدقيقتين ثم يقول: " عذرا" فأنا أعاني من وعكة صحية "، فهمست إحدى المرات في أذنه: "وعكة صحية لو أمنيه" ، فأجابني همسا " استر عليّ لا توديني بداهيه ".. أدركت بعدها انه كان يهرب إلى الوعكة الصحية لحظة تغصّ الحقيقة في زردومه وتريد أن تخرج ،فالرجل كان مرعوبا" من ( صدام حسين )،وله الحق...فهو أسمه علي حسين الوردي وكظماوي وصاحب كتاب وعاظ السلاطين، وأخطرها انه ابلغ بأن (السيد الرئيس غير مرتاح لما كتبته)] انتهى

و قوله في مقالته:اهداء مخطوطة بيد الدكتور علي الوردي الى كلاويز/28/11/2013

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=388921

[والمؤلم ان الوردي الذي يعد أبرز عالم اجتماع عراقي في القرن العشرين، عاش مضطهدا زمن النظام الدكتاتوري ومنسيا في زمن النظام الديمقراطي...] انتهى

4.الرسائل الخطية تلك التي حررها الوردي و بعثها او تلك التي وصلت اليه من داخل العراق و خارجة و بالذات الرسائل التي وردت اليه خلال فترة تقديمه للبرنامج التلفزيوني (أنت تسأل و نحن نناقش) و التي اكد الوردي نفسه على احتفاظه بها كما ورد في كتابه/دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص 19: [ولا أزال احتفظ بها...] انتهى

5.تقارير الطلاب التي كان يطلبها الراحل منهم سنوياً والتي اعتبرها مصدراً من مصادر دراسة المجتمع العراقي.

6.بحوث/أطاريح الماجستيروالدكتوراه التي تناولت أبحاث وكتب ونظريات الراحل الوردي سواء داخل العراق اوخارجه.

7.بحوثه/دراساته/اطروحاته لنيل شهادة الماجستير والدكتوراه في الولايات المتحدة الامريكية وكذلك تلك الكلمة التي قيل انه القاها في نيويورك وقتها ومنح تحت تأثيرها شهادة فخرية او الجنسية الامريكية او شكر من حاكم نيويورك. ""هذه قصة أخرى من القصص التي يرد فيها اسم الدكتور الوردي"!!!!

8.اضبارة الوردي في دائرة التقاعد العامة في بغداد.

9.الصور الشخصية للراحل والصور التي ظهر فيها في سفراته العلمية او المؤتمرات او الزيارات او في جامعة بغداد.

10.كتبه المترجمة للغات الأجنبية وما كُتب عنه خارج العراق.

11.التحقيقات والمقابلات الصحفية والندوات التي اشترك فيها الراحل الوردي والمقالات التي نشرها او اشترك فيها داخل العراق وخارجه.

عليه اقترح التالي:

1. ادعو الاحياء من عائلة الدكتور علي الوردي (لهم العمر المديد) الى تقديم طلب رسمي للحكومة العراقية أو للقضاء العراقي ولمنظمة اليونسكو للبحث عن كل ما يخص الدكتور الوردي سواء كان عاماً او خاصاً ولو أتوقع ان يظهر من يقول "هو منو يهتم بكتابات بالأحياء من العراقيين حتى يهتم بكتابات الاموات"...اقول بتحفظ نعم لكنها خطوة أولى قد يتقدم من الأساتذة الافاضل من يُراكم عليها او يضيف لها عسى ان تكون هناك اوليات "اضبارة" لقضية تُثار يوماً ما. عليه ارجو من عائلة الراحل الوردي اصدار اعلان/بيان عن رغبتها في البحث عن تلك المخطوطات وتدعو فيه الجميع للتعاون معها وان تضمن سرية اسم حاملها او من يعلم شيء او يقدم معلومات عنها ان رغب بذلك مع تخصيص جائزة عينية ونقدية يتبرع بها محبي ومتابعي الراحل الوردي وهم كثر. اوان تُخصص لمن يكشف عنها الحجاب حصة من واردات بيعها /نشرها ان رغب بذلك...اي ان تذهب العائلة الكريمة الى اعلان رغبتها بتسوية الموضوع بكل سرية يكفلها اتفاق يعززه القضاء والمحاكم واقترح استشارة مختصين بذلك من رجال القانون فربما أودعها الراحل عند أحدهم او تجاسر أحدهم عليها يوم تشييعه واحْتَفَظَ بها "خوفاً" عليها؟؟؟!!!

2.اقترح ان يتم ذلك بالتعاون قدر المستطاع/الإمكان مع شخصيات ومنظمات وطنية وعربية ودولية سبق ان التقت بالراحل او استضافته او تحتفظ بأرشيف خاص له وكذلك الجامعات التي دَرَسَ أو دَّرَسَ فيها او قدمت له الدعوة او التي حاضَرَ فيها او التي تحترم ما قدم الوردي ومعهم طلبة الدراسات العليا الذين أشرف عليهم الراحل الوردي او كان ضمن لجان المناقشة سواء داخل العراق او خارجه " وارشو/بولندا".او من تتلمذ على يدي الوردي من الاحياء لهم العمر المديد.

3.أتمنى ان يؤسَسْ/يُشَّكَلْ موقع على مواقع التواصل الاجتماعي يُخصص لهذا الموضوع. [هناك موقعين على الفيسبوك تهتم بكتب وطروحات الراحل الوردي...لكن!!].

4.اتمنى ان تُشكل لجنه علمية وقضائية او تحقيقية للبحث عن تلك المفقودات.

5.اقترح ان يترافق البحث عن مفقودات علي الوردي وكل ما له علاقة به ،التوجه لإقامة جناح خاص له في احدى المؤسسات العلمية في الجامعة او الوزارة او إقامة متحف او منتدى او قاعة او مكتب خاص به يكون مقره دار سكنه التي خرج منها الى مثواه الاخير وان يكون مفتوحاً للعامة... تقام فيه الندوات و المؤتمرات و الاماسي و تُلقى فيها المحاضرات و مناقشات رسائل الدراسات العليا في علم الاجتماع و ان تكون هناك شارة او وسام يُمنح لكل شاب نابهه يقدم دراسة متميزة عن المجتمع العراقي وان لا تكون كغيرها تُمنح "للمحاسيب" او للمجاملة او اصحاب المواقع الوظيفية الحكومية و غيرهم ...اي ان تكون لها قيمة يتميز بها حاملها امام العالم و ان تكون اللجنة المشرفة عليها عالمية تضم من يحترمون علي الوردي من علماء العالم وان يُخصص عدد من المقاعد للطلبة الاجانب للدراسة على حساب الحكومة العراقية في موضوع علم الاجتماع و تسمى منحة/كرسي علي الوردي .

وهنا أقف باحترام وتقدير للدكتور الأستاذ قاسم حسين صالح الذي سبق البعض في الدعوة الى الاهتمام بتراث الراحل علي الوردي و كان مثالاً بأن قدم مخطوطة بخط يد الراحل الوردي كما عرفت من مقالته التي نشرها في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 28/11/2014 تحت عنوان: اهداء مخطوطة بيد الدكتور علي الوردي الى كلاويز

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=388921

حيث ورد التالي: تسلم الأستاذ ملاّ بختيار والأستاذ نوزاد احمد رئيس مركز كلاويز الثقافي مخطوطة من (11) صفحة مكتوبة بيد الدكتور علي الوردي.

ثم يكمل الدكتور قاسم: [لقد احتفظنا بهذه الاوراق ربع قرن وها نحن نهدي هذه الأمانة لمركز كلاويز الثقافي وكلنا ثقة انكم أهلّ لحمل هذه الامانة، راجين وضعها في مكان يعرّف جيل ما بعد الوردي بوصفه اول من درس طبيعة المجتمع العراقي بأسلوب علمي، وصاحب أشهر المؤلفات المعنية بتحليل المجتمع والجريئة في طرح الافكار باسلوب السهل الممتنع] انتهى

وورد في تلك المقالة ايضاً عن لسان الراحل الوردي:[إني مشغول الآن بكتابة مذكراتي،وهي ستكون ذات جانبين،أحدهما أتحدث فيه عما جرى في المجتمع من تحول عجيب، والآخر أتحدث فيه عما جرى لي أنا من تحوّل أعجب منه] انتهى

واطلعت على ان "علي الاديب" عندما كان وزيراً قرر تخصيص او افتتح مركز باسم الراحل الوردي لكن لم نسمع له ذكر فربما دثرته الاتربة التي تلف العراق. [أعلن معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي علي الاديب،عن تأسيس مركز متخصص في الدراسات الاجتماعية يحمل اسم الدكتور العلامة علي الوردي،وفيما أكد أن المركز سيعنى بالدرجة الأساس بدراسة المجتمع العراقي وتقديم الدراسات التطبيقية والاستطلاعات الميدانية التي تستفيد منها الدولة في اتخاذ قراراتها،أشار الى أن الوزارة تسعى الى تخصيص ميزانية مستقلة خاصة للمركز الذي سيكون مقره في العاصمة بغداد، وترتبط به وحدات بحثية في كل جامعات العراق ...الخ] انتهى

يقول السيد محمد الخاقاني في ص100من كتابه:(سألت الوردي لماذا لا يقول رأيه بصراحة امام الشخص المعني بدل ادخاله التاريخ؟!فأجاب: ليس امام كل شخص تستطيع ان تعطي رأيك بصراحة فلربما قتلك أحدهم لأنه لم يقتنع برأيك وكذلك فانت لا تستطيع ان تناقش كل انسان با سلوب علمي وبالمصادر والمراجع في كل مكان وزمان) انتهى.

الى اللقاء في الجزء التالي: عن عمر وعلي وعثمان ومعاوية

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

 

عبد الحسين شعبانتركت الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي الذي دار في أجوائها، بصماتها على العمل الثقافي، والحقوقي أيضاً، وليس العمل السياسي وحده من تأثر بها، سواء على مستوى العلاقة بين الدول والحكومات من جهة، أو على مستوى منظمات المجتمع المدني، وغير الحكومي، من جهة أخرى.

وإذا كان انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989 إيذاناً بتحوّل كبير على الصعيد الدولي، تجلّى بإطاحة الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية، وتجربتها «الاشتراكية»، وامتداد ذلك لاحقاً إلى العديد من البلدان التي أطلقنا عليها «دول التحرر الوطني»، فإن انعكاساته كانت دراماتيكية على بلدان «الأصل»، و»الفرع»، وخصوصاً على المنظمات التي أسميناها «الجماهيرية»، مثل اتحادات العمال، والطلاب، والشباب، والنساء، إضافة إلى المنظمات المهنية مثل الصحفيين، والمحامين، والحقوقيين، وغيرها من منظمات السلم والتضامن التي كانت ذات خلفيات يسارية، أو قومية، الأمر الذي أضعف الكثير من إمكاناتها وقدراتها،فضلاً عن تأثيراتها في المشهد العام.

لقد حققت المنظمات «الشعبية» والمهنية الكثير من الإنجازات في الماضي، خصوصاً التصدّي للكثير من القضايا والتحدّيات ذات الطابع الدولي والوطني والقومي، إضافة إلى منجزها المهني في ظروف معقدة، ومملوءة بالإشكالات السياسية والفكرية، لكنها تراجعت لأسباب موضوعية خلال العقود الثلاثة الماضية، الأمر الذي يستوجب دراسة التطوّرات الحاصلة في الوضع الدولي، وامتداداته الإقليمية والداخلية، والتفاعل معها بهدف إيجاد صيغ جديدة وهيكليات مناسبة تستجيب لروح العصر، فضلاً عن استحداث وسائل عمل جديدة، وصولاً لتحقيق الأهداف، لاسيّما توسيع دائرة العمل، وتخفيض درجة المركزية التي عرفتها المنظمات المهنية والتقريب بين قمة الهرم وقاعدته، وبث روح الحيوية والانفتاح وإقرار التعددية، والتنوّع، والحق في الاختلاف.

ولعلّ هذه الإشكاليات تكاد تكون عامة وشاملة لجميع المنظمات المهنية والمدنية الدولية والعربية، وقد تنبه لها اتحاد الحقوقيين العرب مؤخراً، وكان درس منذ عدة سنوات سبل تجديد العمل والتوجه صوب عقد شراكات مع جهات ومنظمات ذات بعد دولي، كما حصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي ساهمت في برامج تدريب وتأهيل، وندوات ومؤتمرات، ودعمت تأسيس مركز إقليمي للقانون الدولي الإنساني.

وكان على رأس أولويات الاتحاد الحفاظ على نفسه بعد تعرض مقرّه الرئيسي وممتلكاته في بغداد إلى العبث، حيث سيطرت عليها بعد الاحتلال الأمريكي العام 2003 جماعات مسلحة. علماً بأن الاتحاد تأسس في العام 1975 في بغداد، بعد سلسلة مشاورات وحوارات وزيارات واستطلاع رأي مع مجموعة من الشخصيات الحقوقية والقانونية العربية والدولية.

وعلى الرغم من الظروف العصيبة، فقد تمكّن الاتحاد من عقد اجتماع المكتب الدائم، مؤكداً حفاظه على استقلاله ومهنيته، لاسيّما إزاء ما واجهه من عواصف عاتية، وشد وجذب، مثلما حافظ على صفته الاستشارية في الأمم المتحدة في جنيف، وفي «اليونسكو». كما ساهم عبر فريق عمله في تونس ومصر والعراق واليمن والجزائر والمغرب وفلسطين والأردن ولبنان والسودان ودول الخليج، وغيرها، في تقديم قراءات جديدة بخصوص العديد من القضايا الحقوقية والدستورية، بما يملكه من خبرات على هذا الصعيد.

وانطلاقاً من كل ما تقدّم أقرّ المكتب الدائم (الدورة 39 المنعقدة في عمان مؤخراً) مقترحات لتطوير عمله ورفع كفاءة أدائه، واتخذ قراراً باعتماد مبدأ التداولية في المواقع القيادية، بتحديد مسؤوليات الرئيس الذي استحدث موقعه بولايتين، وكذلك ولايتين للأمين العام غير قابلة للتجديد، كما استحدث منصب أمناء عامين مساعدين، مع نائب واحد للرئيس. وتقرّر أن يتم عقد المؤتمر العام لانتخاب الهيئات القيادية العام القادم (2019)، بعد أن أخّرت الظروف السياسية عقده ما يزيد على عقدين من الزمان، ولكي يتساوق ذلك مع الرغبة في التجديد تقرّر عقده بمن حضر مع مراعاة النظام الأساسي وتعديله، على أن يتم اختيار المندوبين في كل بلد من خلال الجمعيات العضوة بعدد أكبر من البلدان التي ليس فيها منظمات، تبعاً لقاعدة ديمقراطية في التمثيل.

لقد تابعت عمل الحقوقيين العرب منذ أن تأسس الاتحاد، وساهمت في العديد من أنشطته على مدى يزيد على عقد ونصف العقد من الزمان، وأرى أن الإعلان عن الرغبة في التجديد، وفي تداول المسؤوليات، وفي تحديدها وتوسيع دائرة اتخاذ القرار، هو سابقة إيجابية تسجلّ للاتحاد حتى إن تأخّرت، لكنها يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة للعمل الحقوقي بشكل خاص، والعمل المهني بشكل عام.

وينبغي للعمل الحقوقي أن يضع مسافة واحدة من الحكومات والمعارضات، وألّا ينخرط في الصراع الأيديولوجي، وأن يحافظ على استقلاليته وأدائه المهني، فذلك وحده يكسبه الاحترام اللازم كي يكون جهة رقابية وراصدة غير منحازة تساهم في اتخاذ القرار من جهة، وتكون شريكة مع الدولة أيضاً في تنفيذه، وتتحمّل مسؤولية نجاحه، أو فشله، خصوصاً إذا تم الاعتراف بها قانونياً، واستطاعت ممارسة عملها على نحو علني، وشرعي، وسلمي.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

غياث المرزوقإِنَّ ٱلكِتَابَةَ، حَتَّى في أَعْلَى وَفي أَجْلَى مَرَاتِبِهَا ٱلاِسْتِيهَامِيَّةِ،

لَثَوْرَةٌ دَائِمَةٌ عَلى حِذْقِيَّةِ ٱلرَّاقِعِ، ثَوْرَةٌ دَائِمَةٌ عَلى فِعْلِيَّةِ ٱلوَاقِعِ!

جيمس جويس

أذكُرُ جيدًا كذلك أنَّ صَدِيقًا قريبًا لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ على المَلأِ الأدْنَى كانَ قدْ ردَّ بتعقيبٍ نقديٍّ يَسْتَجْلِبُ الاهتمامَ كلَّهُ، فعلاً، على مقالِ صبحي حديدي «يومُ ليوبولد بلوم العجائبيُّ» (القدس العربي، 19 حزيران 2017) – وهو المقالُ الأخيرُ الذي يُعِيدُ بنَحْوٍ أو بآخَرَ كتابةَ كُلٍّ من مقالَيْهِ الآخَرَيْنِ، على الترتيبِ: المقالِ الآنِفِ «صورةُ جيمس جويس في شبابِهِ» (القدس العربي، 20 حزيران 2016) والمقالِ الآنَفِ «ألغازُ جويس وسُلْطَةُ المُخَيِّلَةِ» (القدس العربي، 14 حزيران 2015). فقدْ جاءتْ هذهِ المقالاتُ في أحْيَانِهَا تِبَاعًا حَوْلِيًّا، مثلما هو مألوفٌ في أدبِ، أو آدابِ، الكتابةِ النقديةِ وغيرِ النقديةِ، على حَدٍّ سِوًى، فقدْ جاءتِ احتفاءً أدبيًّا (وَوَاجِبِيًّا، كذلك) بالذكرى السَّنويةِ لِمَا يُسَمَّى محليًّا داخلَ إيرلندا وعالميًّا خارجَها بـ«يَوْمِ بْلُوم» الواقعِ في اليومِ السَّادِسَ عَشَرَ من شهرِ حزيرانَ من كلِّ عامٍ، ذلك اليومِ الذي تجري فيهِ «مَيْمَنَاتُ» الأحداثِ الظاهريةِ، جَهْرًا، و«مَشْأَمَاتُ» الأجداثِ الباطنيةِ، سِرًّا، في رائعةِ جيمس جويس «يُولِيس» Ulysses بالذاتِ (أو «عُولِيس»، كما يعرِّبُهَا اِسميًّا بعضٌ من المترجمينَ والنقَّادِ الأدبيِّينَ العربِ). ففي هذهِ الرائعةِ المتعدِّدةِ الوُجُوهِ والأقنعةِ، يتبدَّى ذلك اليومُ، والحالُ هذهِ، على اعتبارِهِ أطولَ يومٍ فَنِّيٍّ مُتَخَيَّلٍ في تاريخِ الأدبِ (الروائيِّ أو، بالحَرِيِّ، اللاروائيِّ) المكتوبِ باللغةِ الإنكليزيةِ، إنْ لمْ نقُلْ «والمكتوبِ بغيرِ اللغةِ الإنكليزيةِ»، قاطبةً. وقدْ رِيمَتْ، مَا بينَ هَزْلٍ وجِدٍّ، كتابةُ «يَوْمُ بْلُوم» Bloomsday (أو «يَوْمُبْلُوم»، نَقْحَرَةً) كتابةً لاتينيَّةً على شاكلتِها التكثيفيةِ الحَالِيَّةِ بما يُوحِي رَسْمًا ووَقْعًا إنكليزيَّيْنِ إِيحَاءً ليسَ إلاَّ، وذلك احتذاءً واقتداءً بالثورةِ اللغويةِ النفسيةِ الفريدةِ التي شنَّها جيمس جويس ذاتُهُ، من خلالِ ما انتهجَهُ من منهجٍ كتابيٍّ تركيبيٍّ وتراكُبيٍّ فريدٍ، شنًّا «حرفيًّا» وشنًّا «مجازيًّا» على بنيانِ اللغةِ الإنكليزيةِ ذاتِها، بوصفِها لغةً استعماريةً وإمبرياليةً في الصَّميمِ، وبصفتِهَا من ثمَّ لغةً عنصريةً وعِرْقِيَّةً في صَميمِ الصَّميمِ: إذْ كُتِبتْ هذهِ الكتابةُ عمدًا مُتَعَمَّدًا على خلافِ ما يُكتبُ عادةً حَسْبَمَا هوُ موروثٌ ومُتَوَارَثٌ لِسَانيًّا، جيلاً بعدَ جيلٍ، في منظُومةِ هذهِ اللغةِ اللَّدَائِنيَّةِ نَحْوًا وصَرْفًا (أيْ «يَوْمُ بْلُوم» Bloom’s Day، على وجهِ الضَّبْطِ)، كما يتوقَّعُ في الرَّسْمِ وَ/أوِ في الوَقْعِ لِسَانُ الناطقِ الإنكليزيِّ السَّلِيقِيِّ، أو حتى لِسَانُ الناطقِ الإنكليزيِّ اللاسَلِيقِيِّ. تلك، إذنْ، كانتْ ثورةً لغويةً نفسيةً فريدةً، حقًّا، بالمعنيَيْنِ السياسيِّ القريبِ والسياسيِّ البعيدِ كلَيْهِمَا، شاءَ المُسْتَعْبِدُونِ «المُسَيَّدُونَ» مِنْ زَبَانِيَةِ المُسْتَعْمِرِ الإنكليزيِّ، ومَنْ تملَّقَهُمْ (وإليهِمْ) ومَنْ دَاهَنَهُمْ ودَالَسَهُمْ (ولُهُمْ) وإلى حَدِّ التَّوَاطُؤِ الوَضِيعِ واللَّكِيعِ مِنَ المُسْتَعْبَدِينِ «المُسَيِّدِينَ» مِنْ زَبَانِيَةِ المُسْتَعْمَرِ الإيرلنديِّ ذَوَاتِهِمْ، أمْ أَبَوْا.

لقدَ كانتْ تلك ثورةً لغويةً نفسيةً فريدةً بالمعنى السياسيِّ القريبِ، من طرفٍ، لأنَّ جويس لمْ يَكُنْ يُريدُ في طَوِيَّتِهِ، منذُ البَدْءِ، أنْ تتمخَّضَ رائعتُهُ «يُولِيس» عن عملٍ روائيٍّ بأيِّ نوعٍ من أنواعِهِ الفَنِّيَّةِ المعروفةِ في العالَمِ بأسرهِ، مثلما يَخَالُهَا العديدُ من النقَّادِ الأدبيِّينَ في بلادِ الغَرْبِ (حتى قبلَ أنْ يَخَالَهَا مثلَهُمُ العديدُ من النقَّادِ الأدبيِّينَ في بلادِ العَرَبِ)، بلْ كانَ يَرُومُ في صَرِيمَتِهِ أنْ تُسْفِرَ هذهِ الرائعةُ الاستثنائيةُ عنْ عملٍ كتابيٍّ (لاروائيٍّ) تتجلَّى فيهِ تجلِّيًا أجناسُ الكتابةِ كلُّها، وتتجلَّى فيهِ تجلِّيًا أكثرَ ما تحملُهُ هذهِ الأجناسُ بينَ طيَّاتِها من جَمَائِلَ أو قَبَائِحَ أو بينَ بينَ. كانَ يقضي يومًا بأكملِهِ، أو يزيدُ، دُونَمَا كَلَلٍ أو مَلَلٍ أو هَوَادةٍ حتى على المَأْتَاةِ ببَحْتِ جُمْلةٍ يَتِيمَةٍ، أو بمَحْضِ عبارةٍ لَطِيمَةٍ، تُحْبِرُ، في الحيِّزِ الأولِ، ذائقتَهُ المُوسِيقِيَّةَ من كلِّ جهةٍ ذاتيةٍ أو حتى موضوعيةٍ، وتسعى من ثمَّ، في الحيِّزِ الثاني، إلى إحْبَارِ الذائقاتِ المُوسِيقِيَّةِ النظيرةِ عندَ صِنْوانِهِ الظِّمَاءِ من الإيرلنديِّينَ والإيرلنديَّاتِ، أيَّةً كانتْ خلفيَّاتُهُمُ الثقافيةُ أو حتى «اللاثقافيةُ»، وتسعى، في المقابلِ، في الحيِّزِ الأخيرِ، إلى خَدْشِ أسْمَاعِ زَبَانِيَةِ المُسْتَعْمِرِ الإنكليزيِّ خاصَّةً، وإلى نَفْخِ أوْدَاجِهِمْ وإيغَارِ صُدُورِهِمْ أينما كانوا، وإلى تنغيصِ حَيَوَاتِهِمْ وتذكيرِهِمْ على الدوامِ بما ارتكبوهُ من شُرُورٍ وآثامٍ بإزاءِ بناتِ وأبناءِ هذهِ «الأمَّةِ» السِّلْتِيَّةِ الإيرلنديةِ، أو حتى الاسكتلنديةِ. وقدَ كانتْ تلك ثورةً لغويةً نفسيةً فريدةً بالمعنى السياسيِّ البعيدِ، من طرفٍ آخَرَ، لأنَّ جويس كانَ يعلمُ علمَ اليقينِ بأنَّ أيَّةَ نزعةٍ «قوميَّةٍ» تُؤَطِّرُهَا عَنْوَةً أُطُرٌ مكانيةٌ وَ/أوْ زمانيةٌ، بأيَّةِ مثابةٍ «أيديولوجيَّةٍ» موجَّهةٍ كانتْ، لا تعدو أن تكونَ، من حيثُ المبدأُ، شكلاً قميئًا من أشكالِ العنصريةِ الفِطْرِيَّةِ، أو حتى العرقيةِ الحُوشِيَّةِ، في حدِّ ذاتِها. لهذا السببِ، لمْ يَكُنْ هذا الكاتبُ العالميُّ الفذُّ، في حقيقةِ الأمرِ، يكتفي بهكذا تمرُّدٍ لغويٍّ نفسيٍّ محدَّدِ المَعَالِمِ «القوميَّةِ»، كما يُمكنُ أنْ يتراءَى على السَّطْحِ والظهرِ للرَّائي المنتمِي، أو للرَّائي اللامنتمي حتى – فقدْ كانَ هذا الكاتبُ العالميُّ عينُهُ في العُمْقِ والغَوْرِ، قَبْلَئِذٍ، قدْ تمرَّدَ خَائِلاً خَيْلُولةً مَقْصُودَةً على كلِّ «سِيمَاءٍ مُؤَسْأَسٍ» Institutionalized Countenance من سيماءَاتِ القوَّةِ، أو السُّلْطَةِ، بالذاتِ، وذلك عَبْرَ تَجْسِيدَاتِها التَّراتُبِيَّةِ السَّائدةِ، ابتداءً من تجسيدِهَا الاجتماعيِّ في العائلةِ (النَّمُوذَجِيَّةِ التقليديةِ)، واهتداءً إلى تجسيدِهَا الدينيِّ في الكنيسةِ (الكاثوليكيةِ، أو حتى البروتستانتيةِ)، ومرُورًا بتجسيدِهَا الثقافيِّ في الأكَادِيمْيَا الهَرَمِيَّةِ الجَوْفَاءِ، وانتهاءً بتجسيدِهَا السياسيِّ في الدَّوْلةِ القوميةِ العَجْفَاءِ.

هكذا، إذنْ، كانتْ نُخْبَةُ المبادئِ التمرُّديةِ، أو النضاليةِ، التي اتَّخذَهَا جويس على المستوى المحلِّيِّ اتِّخاذًا مَسِيريًّا، قبلَ كلِّ شيءٍ، دونَ أنْ يحيدَ عنْ سَبيلِ أيٍّ من هذهِ المبادئِ قَيْدَ شَعْرَةٍ، كما حَادَ الكثيرُ من أسلافِهِ ومعاصريهِ من الكُتّابِ الإيرلنديِّينَ (المحلِّيِّينَ)، على الأخصِّ – هذا فضلاً عنْ حُيُودِ الكثيرِ المُمَاثِلِ مِمَّنْ كانوا يعتبرونَ أنفسَهُمْ أدباءَ أو شعراءَ محلِّيِّينَ، أو حتى «وطنيِّينَ»، ومِمَّنْ قدْ أثبتُوا في مُسْتَهَلِّ الثَّوَرَانِ الشعبيِّ مَدَى انتهازيَّتِهِمْ ومَدَى انهزاميَّتِهِمْ أيَّما إثباتٍ داخلَ هذهِ البلادِ، بلادِ العربِ، الكئيبةِ بالذواتِ. وهكذا، إذنْ، كانتْ صَفْوَةُ المَنَاهِي الثوريةِ، أو الكفاحيةِ، التي اعتمدَهَا جويس على المستوى العالميِّ اعتمادًا مَصِيريًّا، بعدَ كلِّ شيءٍ، دونَ أنْ ينحرفَ عنْ صِرَاطِ أيٍّ من هذهِ المَنَاهِي قَيْدَ أُنْمُلَةٍ كذلك، مثلما انحرفَ العديدُ من أسلافِهِ ومعاصريهِ من الكُتّابِ الأوربيِّينَ غيرِ الإيرلنديِّينَ (العالميِّينَ)، على الأعمِّ – وهذا علاوةً أيضًا على انحرافِ العديدِ المُشَابِهِ مِمَّنْ صَاروا يظنُّونَ أنفسَهُمْ أدباءَ أو شعراءَ عالميِّينَ، أو حتى «كَوْنِيِّينَ»، ومِمَّنْ قدْ برهَنُوا في أعقابِ الثَّوَرَانِ الشعبيِّ ذاكَ مُنْتَهى طائفيَّتِهِمْ ومُنْتَهى عنصريَّتِهِمْ وعرقيَّتِهِم أيَّما بُرهانٍ خارجَ تلك البلادِ، بلادِ العربِ، الكَرِيبةِ بالذواتِ كذلك. فلا غَرْوَ، مِمَّا كانَ مُرْتَقَبًا من تكامُلِ أو من تعاضُدِ هذينِ المستوَيَيْنِ المحلِّيِّ والعالميِّ، أنْ يصُبَّ جويس جَامَ اكْتراثِهِ كلِّهِ (وقدْ كانَ اكتراثًا هُجَاسيًّا عُصابيًّا، ولا ريبَ) على ما يُسمَّى بـ«الإيقاعِ اللَّحْنِيِّ» Melodic Cadence للكَلِمِ إبَّانَ نَظْمِهِ إيَّاهُ في آناءِ الصَّمْتِ وفي أطرافِ الضَّجيجِ، من جانبٍ موازٍ للمستوى (المحلِّيِّ) الأول، وأنْ يصُبَّ جامَ اعتنائِهِ كلِّهِ كذلك على ما يُدْعَى بـ«التكاثُفِ الزَّمَنِيِّ» Temporal Condensation حتى بينَ إيقاعٍ لحنيٍّ وإيقاعٍ لحنيٍّ آخَرَ، بحيثُ إنَّ اللحظةَ الزمنيةَ الوحيدةَ قدْ تكونُ حُبْلى بِحُقْبَةٍ زمنيَّةٍ «لاسياسيَّةٍ» مُؤَيَّسَةٍ بِرُمَّتِهَا (أو، على النَّقيضِ، بِحُقْبَةٍ تاريخيةٍ سياسيَّةٍ أو مُسَيَّسةٍ بِكُلِّيَّتِهَا)، من جانبٍ موازٍ للمستوى (العالميِّ) الثاني – وإنَّ حَدَّ، لا بَلْ حِدَّةَ أو شِدَّةَ، هذا التكامُلِ، أو التعاضُدِ، ما بينَ المستوَيَيْنِ المَعْنِيَّيْنِ هذينِ لَهُمَا اللذانِ يُمَيِّزَانِ جويس، بوصفِهِ قائلاً ذا موهبةٍ موسيقيةٍ لاحِبَةٍ، عنْ أيِّ قائلٍ «لاروائيٍّ» قَدَامَوِيٍّ أو ما قبلَ قَدَامَوِيٍّ في الأدبِ الشِّفَاهيِّ، إنْ جازَ التعبيرُ، فيُمَيِّزَانِهِ (أي جويس) من ثمَّ، بصفتِهِ كاتبًا ذا موهبةٍ كتابيةٍ لا تقلُّ لُحُوبًا، عنْ أيِّ كاتبٍ «روائيٍّ» حَدَاثَوِيٍّ أو ما بعدَ حَدَاثَوِيٍّ في الأدبِ اللاَّشِفَاهيِّ، إنْ جازَ التعبيرُ، كذلك.

وَلِلْحُبِّ الحقيقيِّ (الغَيْريِّ، لا الأنانيِّ)، ها هُنا، إشْرَاقَةٌ وإصْبَاحٌ يتجلَّيَانِ في مَعْمَعَانِ ذينك التمرُّدِ والثَّوَرَانِ، لا مَحَالَ: ففي ذلك اليومِ بالذاتِ على أرضِ الواقعِ، واقعِ دبلنَ المدينةِ الشَّجِينَةِ، في «يَوْمِ بْلُوم» الواقعيِّ الواقعِ في اليومِ السَّادِسَ عَشَرَ من شهرِ حزيرانَ من العامِ 1904 تحديدًا، كانَ اللقاءُ الغراميُّ الأولُ بينَ الشابِّ الدَّعَّابِ دَعَابَةً «ثقافيَّةً» أو «أدبيةً»، جيمس جويس نفسِهِ، وبينَ حبيبتهِ الشابَّةِ الدَّعَّابَةِ دَعَابَةً «لاثقافيَّةً» أو «لاأدبيةً» (أو حتى «سُوقِيَّةً»)، نورا بارْنَكِلْ، حبيبتهِ التي صَارتْ زوجتَهُ وفقًا لـ«قانُونٍ اجتماعيٍّ» خاصٍّ تَوَخَّيَاهُ فيما بعد، فصَارتْ من ثمَّ رفيقةَ عمرِهِ المستديمةَ أينما حلَّ وأينما نزلَ. وهكذا، دونَما أيِّ سابقِ إيمَاءَةٍ شاهدةٍ واعدةٍ، فقدْ كانَ الكتابُ الخالدُ «يُولِيس» ذاتُهُ بمثابةِ هديةٍ «أدبيةٍ» أو «لاأدبيةٍ» لا تُقَدَّرُ بأيِّمَا ثمنٍ كانَ من الكاتبِ العالميِّ الفذِّ إلى رفيقةِ عمرِهِ ذاتِهَا، وذلك من أجلِ تخليدِ ذلك اليومِ، يومِ لقائِهِمَا الغراميِّ الأولِ، تخليدًا عالميًّا بقدرِ ما كانَ منهجُهُ الكتابيُّ التركيبيُّ والتراكُبيُّ الفريدُ يَصْبُو إليهِ من عالميَّةٍ لا مِرَاءَ فيها – وكان ذاك الاحتفاءُ «الحَفِيُّ» العالميُّ بـ«يَوْمِ بْلُوم» داخلَ إيرلندا وخارجَها حتى هذا اليومِ، على الرَّغم من أنَّهُ لمْ يَعُدْ، في هذا اليومِ بالذاتِ، يمثِّلُ، مثلما كانَ الكاتبُ العالميُّ بالذاتِ يتمنَّى، نوعًا مُسْتَحَبًّا من أنواعِ ما يُمْكِنُ أنْ نسمِّيَهُ بـ«شِقَاقِ التَّأْيِيسِ»، لا شكلاً مُسْتَكْرَهًا، أو أكثرَ حتى، من أشكالِ ما يُمْكِنُ أنْ ندعوَهُ بـ«نِفَاقِ التَّسْيِيسِ».

[انتهى القسم الأول من هذا المقال ويليه القسم الثاني]

 

غياث المرزوق – دبلن

 

احمد الوشاحمن أساتذة الجامعات العراقية والمهنيين (في مرحلة التطور)

بعد مرور خمس عشرة سنة ادرك معظم العراقيين بشكل قطعي حقيقتين أساسيتين. أولا، ان تسلط الأحزاب على المنظومة السياسية في العراق وممارسة المحاصصة في جميع مؤسسات الدولة أدى الى تغيب كامل للدولة العراقية ولخلق مآسي إنسانية وخدمية جمة. ثانيا، ان المنظومة السياسية الحالية وبمساندة الأحزاب تسعى الى إجهاض أي تغيير او اصلاح جذري وتجده تهديدا لوجودها. وبما انه لا جدوى من حدوث أي تغير داخل منظومة سياسية فاسدة وعقيمة، هناك ثلاثة حلول طرحت في الآونة الأخيرة

. تولي السلطة العسكرية الحكم وإعادة الامور الى نصابها: هذا في تقديري خيار فاشل جدا ولأسباب كثيرة منها ان التاريخ علمنا أن هذا الخيار يقود في الغالبية الساحقة من التجارب الى ديكتاتورية مستبدة وليس الى دولة ديمقراطية. السبب الآخر هو عدم وجود مؤسسة عسكرية متناسقة او لها تاريخ او خبرة طويلة في قيادة البلد، وهناك أسباب أخرى تتعلق بعدم فعالية هذا الخيار في حل المشاكل الملحة.

. تدخل امريكي لتركيب العملية السياسية من جديد: هذا في نظري خيار كارثي بمعنى الكلمة، فالسبب الحقيقي وراء مآسي ودمار العراق هو التدخل الأمريكي والسياسة العشوائية التي اتبعتها الولايات المتحدة بخصوص الملف العراقي لمدة ثلاثة عقود.

. إقامة حكومة تكنوقراط مع وجود المنظومة السياسية الحالية: الكثير شككوا في نجاح او فعالية هذه الحكومة بوجود البرلمان والتدخل المستمر للأحزاب.

بناءً على هذا كلّه وللخروج من المآزق السياسي الحالي اعتقد ان الحل الأمثل هو تكوين حكومة تكنوقراط مرحلية لمدة سنتين تدير البلاد بالكامل. هدف هذه الحكومة هو إعادة كتابة الدستور، تحديد قانون الأحزاب، محاسبة مرتكبي جرائم الفساد الإداري، العمل بشكل متسارع على حل المشاكل الخدمية الملحة وعلى راسها مشكلة الكهرباء والماء والبطالة.

قبل الشروع في الحديث عن تركيبة وتكوين هذه الحكومة المرحلية، يجب ان نؤكد ان ضمان نجاحها يعتمد على تتحقق الخطوات التالية:

الخطوة الاولى: يجب ان يكون هناك التفاف ودعم شعبي كبير لتكوين هذه الحكومة المرحلية بالتركيبة التي سوف نصفها (وبصيغتها النهائية) واعتمادها كخريطة عمل بعد نجاح الخطوة الثانية.

الخطوة الثانية: إقامة التظاهرات في كافة انحاء العراق بشكل سلمي ومن ثم الاعتصام في الاماكن العامة في كافة البلاد والمطالبة بالاتي:  

١. حل الحكومة وعزل جميع الوزراء، مع الإبقاء على مجلس القضاء الاعلى ومكوني الداخلية والدفاع لأسباب امنية ولضمان الاستقرار

٢. حل البرلمان

٣. حل مجالس المحافظات

  

يستمر الاعتصام والضغط الجماهيري حتى تتحقق هذه المطالب بالكامل.

الخطوة الثالثة: في حالة تحقق الخطوة الثانية يشرف مجلس القضاء الأعلى وبمساعدة الجيش والامن الداخلي على المرحلة الانتقالية وتأسيس حكومة تكنوقراط مرحلية.

تكوين حكومة التكنوقراط

نظرا للمرحلة المتأزمة ولعدم وجود وقت كافٍ فانه من الصعب تأسيس حكومة تكنوقراط بالبحث عن عناصر مهنية خاضعة لمؤسسات عدة واخذ الوقت الطويل للحكم في كفاءتهم فعليه اقترح ما يأتي:

اقامة مجلس تأسيسي مكون من أساتذة الجامعات العراقية والمهنيين المستقلين وغيرالمنتمين للأحزاب (في أدناه طريقة التأسيس والآليات). هذا المجلس متكون من ١٦٧عضوا (هذا العدد قابل للزيادة والتغير) و٥٠ من الاحتياط.

لماذا أساتذة الجامعة؟

اختيار الأساتذة الجامعيين المختصين بمجالات متعددة في هذه المرحلة مهم جدا ولأسباب التالية:

(ا) من الناحية العملية وجود المؤسسة الجامعية يسهل من عملية اختيار نخبة متكاملة في اختصاصات عدة قادرة على إدارة البلد بشكل مرحلي.

(ب)الاساتذة بطبيعتهم الاكاديمية لهم القدرة على استيعاب وتقييم الخبرات الفنية والتقنية الأجنبية التي يحتاجها العراق الان لحل جملة من مشاكله الاساسية.

(ج) بالرغم من ان هذا المكون سيعطي تمثيلاً للشريحة الاكاديمية وليس تمثيلاً لكل طبقات الشعب، فإنه سيكون الحل الأكثر نجاعةً لتشكيل مجلس طارئ ومرحلي.  

انتخاب أعضاء المجلس من أساتذة الجامعة

يتم انتخاب الاساتذة من إحدى وعشرين جامعة في العراق (العدد قابل للزيادة والتغيير): ثلاث جامعات في بغداد (جامعة بغداد، المستنصرية، والجامعة التكنولوجية)، والجامعة الرسمية التي تمثل كل محافظة مثل جامعة البصرة، ذي قار، الكوفة، الموصل، والسليمانية، وهكذا. نسبة التمثيل تعتمد على (ا) النسبة السكانية لكل محافظة (ب) وعلى عدد متساوٍ من الكليات او الاقسام العلمية والاجتماعية والإنسانية

تشجيع الأساتذة للترشيح:

يجب ان يكون هناك حراك شعبي وخصوصاً من طلبة الجامعة لتشجيع الأساتذة للترشيح للمجلس التأسيسي.

كيفية اجراء الانتخابات:

. يشرف على الانتخابات مجلس القضاء الأعلى حيث سيكون له ممثل قانوني في كل جامعة

. تدعو إدارة الجامعة او جهة ممثلة في الجامعة كل الأساتذة على الملاك الجامعي المستقلين الى الترشيح، كذلك يحق لأي أستاذ او أستاذة ترشيح زميل لهم من الجامعة نفسها وبموافقة الأخير.

.  تعلن الأسماء المرشحة وتتم الانتخابات في نفس الجامعة وبشكل شفاف وعلني وعلى الملأ (هناك طريقة مثالية لتدبير هذا الامر)

بعد الانتخابات، يجمع مجلس القضاء الأعلى أسماء المرشحين من كل جامعة، يخصص ثلاثة أعضاء (العدد سوف يختلف لبغداد (٧)، البصرة (٥) والموصل (٥)) لإدارة المحافظة والاشراف على انتخابات جديدة لمجلس المحافظة ويرسل بقية الأعضاء (١٠٢) الى المنطقة الخضراء لتكوين المجلس التأسيسي وتقسيم المهام التي سناتي على ذكرها

تركيبة المجلس التأسيسي لحكومة التكنوقراط:

في الأسبوع الاول لانعقاد المجلس التأسيسي وبإشراف مجلس القضاء الاعلى يتم انتخاب اللجنة التنفيذية العليا

. اللجنة التنفيذية العليا: تكمن مهمة اللجنة التنفيذية في الاشراف على عمل الوزارات وتقييم قراراتها وتمثيل البلاد بالمحافل الدولية. في اول اجتماع للمجلس التأسيسي يتم انتخاب سبعة أعضاء للجنة التنفيذية ومن ثم ينتخب السبعة أعضاء أحدهم لرئاسة الدولة لمدة سنة واحدة فقط. سلطات رئيس الدولة محدودة ويعمل دائما بموافقة اغلبية الستة أعضاء الاخرين ويلتزم بالتصويت الشهري للمجلس لكل القرارات.

تقسم اللجنة التنفيذية العليا الاعضاء الاخرين على إدارة الوزارات وبالصيغة الآتية:

() ثلاثة أعضاء لكل وزارة وبحسب اختصاصهم وتوجهاتهم الاكاديمية. يعمل الثلاثة في الأسبوع الاول على انتخاب وجلب مختصين مهنيين وعلى أعلى المستويات سواءٌ أكان ذلك من داخل الإطار الجامعي أو من خارجه، وإضافتهم الى إدارة الوزارة. في الأسبوع الثاني ينتخب الخمسة عضواً من بينهم بصفة وزير.

() صلاحية الوزير محدودة بالتوافق مع اغلبية الأعضاء الأربعة الاخرين.

() يحدد الأعضاء الاحتياجات الخمسة الضرورية للوزارة وتقسيم المهام للعمل عليها

() يجب على هذه اللجنة وضع خطة قصيرة المدى وجدول زمني قصير لايستغرق ٦ اشهر لرفع مستوى هذه الخدمات الى مستوى مقبول وخطة طويلة المدى لمدة سنتين لإنجاز نقلة نوعية في حل معظم هذه المشاكل.

() للوصول الى نتائج سريعة وفعالة يستعين أعضاء الوزارة بالخبرات الأجنبية والاشراف على عملها.

() يصوت المجلس بكل اعضائه شهريا على قرارات كل وزارة والعقود الممنوحة من قبلها، تبث المناقشة والتصويب عبر شبكات التلفاز الرسمية.

يعطي المجلس التأسيسي الأولوية في عمله: (ا) لإعادة النظر في الدستور وصياغته من جديد، تأسيس قانون الأحزاب، إعادة ممتلكات الدولة من الأحزاب والتحقيق في مرتكبي جرائم الفساد الإداري الكبرى. (٢) وضع حلول سريعة وفعالة لمشكلة الكهرباء والماء والصحة والتلوث والبطالة.

طبيعة عمل أعضاء المجلس:

() للضرورة الملحة في الإنجاز، يتوقع من كل عضو العمل بين ١٠-١٢ ساعة يومياً. في حالة غياب عضو لثلاثة أيام لمرض او أسباب عائلية يبدل العضو بعضو احتياط.

() تحدد اللجنة التنفيذية ضوابط صارمة للأعضاء بضرورة عدم العمل لجهة سياسية او خارجية وعدم الاختلاط بشخصيات ذات نفوذ عشائري اوديني او حزبي، (إلا بحدود تقتضيها الأعراف الاجتماعية في العراق، وتكون لقاءات محدودة وسريعة ومعلنة وغير مكرَّسة).

نتائج السنة الاولى

المتوقع بعد نهاية السنة الاولى، النتائج الاتية

. اكمال صياغة الدستور الجديد وتهيئته للاستفتاء.

. الانتهاء من قانون الأحزاب.

. إعادة معظم ممتلكات الدولة من الأحزاب واتباعهم.

. إحالة القضايا الكبرى في جرائم الفساد الى المحاكم.

. تحسن جذري في حل مشكلة الكهرباء والماء المالح.

. وجود على الأقل تجهيز وإعداد كامليْن لأحد المستشفيات في كل محافظة ولثلاث في بغداد.

. اخذ خطوات جدية في محاربة التصحر والتلوث البيئي، خصوصا تلوث الهواء والتلوث الاشعاعي الناجم من استخدام أسلحة اليورانيوم المنضّب. إقامة حملة تشجير ضخمة في معظم مدن العراق.

. إقامة عدد من المشاريع الستراتيجية والكبيرة وتقليل نسبة البطالة.

. تطور أجهزة الامن والدفاع وقدرتها على السيطرة على حماية المدن وحدود البلاد.

السنة الثانية

توظف السنة الثانية إلى تحقيق هدفين اساسيين: الاول هو الاستمرار بحل المشاكل المتراكمة وتعزيز نتائج السنة الاولى. الثاني والاهم هو بناء واعداد المؤسسات الديمقراطية والسلطات القضائية وتهيئة البلد لانتقال الى حكم ديمقراطي واجراء انتخابات نزيهة وعادلة.

امتيازات الأعضاء: ليست لدي صورة كاملة عن هذا الامر بعد ولكن بالنظر إلى أن راتب الأستاذ الجامعي جيد وكافٍ، فانا أقترح جعل راتبه هو امتيازه، وجعل العمل في هذا المجلس تطوّعياً بدون أي امتياز مالي، وتتكفل الدولة فقط بتيسير سكنه وحمايته وتغطية تكاليف سفره.

إشكالات وتحفظات

هذا المشروع هو في مرحلته الاولى ولازال يحتاج الى الكثير من التفاصيل والبعض او الكثير قد يثير جملة من الاعتراضات والتحفظات عليه. دعني اتطرق لبعضها:

. اعتراض: هذا المشروع يركز على السلطوية الاكاديمية والمهنية ولا يمثل كل طبقات الشعب.

جواب: اتفق مع هذا الوصف ولكن في تكوين حكومة مرحلية من الصعب ان تؤسس لحكومة ديمقراطية تمثل كل طوائف الشعب، ومن الصعب جعلها هدفاً والإصرار عليه، لأن ذلك برأيي سيؤدي الى فوضى عارمة وتدهور في الاوضاع الخدمية ويعطل من قدوم حكومة ديمقراطية وهو ما تصبو اليه الحكومة المرحلية المقترحة في هذه الورقة.

. اعتراض: المستوى الأكاديمي لبعض استاذة الجامعة لا يليق بمستوى الطموح للمساعدة في حل الكثير من المشاكل الخدمية الملحة.

جواب: بالرغم من هذا فإن المكون الأكاديمي والمهني لم يتم افراغه بالكامل من الطاقات الخبيرة، فالشريحة الأكاديمية لا تزال - من بين الشرائح الاجتماعية الأخرى - الأكثر قدرة على التعامل مع الخبرات الأجنبية وتقيميها في حل هذه المشاكل.

. اعتراض: الأحزاب السياسية والأطراف الخارجية ستعمل على إجهاض هذه الحكومة.

جواب: هذا توقع واقعي، ولكن لي كل الثقة ان الحراك والزخم الشعبي الذي اوصل حكومة التكنوقراط الى إدارة البلد سيعمل على حمايتها.

. اعتراض: انه مشروع مثالي ولا يتناسب مع واقع المجتمع العراقي المفقم بالأمراض الاجتماعية .

جواب: هذا المشروع هو عبارة عن خارطة طريق عامة، عناصره الأساسية يمكن تحقيقها، اما التفاصيل فسوف تخضع لمكوناتها الظرفية والتغيرات السياسية.

. اعتراض: إن وجود كثير من رؤساء الجامعات خاضع في المرحلة الحالية الى توازنات حزبية داخل وزارة التعليم العالي. فما الخطوات الوقائية الممكنة لحماية الانتخابات في الجامعات من التدخلات المتوقعة؟ لا سيما ان اغلب هذه الأحزاب أصبحت متمرسة في المراوغة والمخادعة والتهديد والتخريب؟

جواب: هذه الانتخابات تختلف عن الانتخابات العامة، فعدد الأساتذة الجامعيين سيكون محدود وعليه يمكن لمجلس القضاء الأعلى السيطرة على مجريات الانتخابات واقامتها امام العامة. بالإضافة الى ذلك انا مؤمن ان الكثير من الأساتذة لديهم الوعي الكامل والقدرة للحد من محاولات الأحزاب للتلاعب في الانتخابات وكشفها.

أتمنى ان يخرجنا هذا المشروع من مساحة الفكر التعجيزي ويدخلنا في مربع الحل السياسي أو في أقل تقدير يوجهنا نحو حلول أخرى أكثر عملية وواقعية.

 

د. احمد الوشاح

أستاذ الفلسفة في كلية بيتزر، كليات كليرمونت، لوس انجلس

عضو دائم في جامعة كامبرج

  

 

علي رسول الربيعيلقد شغلت قضية التحديث السياسي الأولوية في خطاب الإصلاحية الإسلامية منذ فجرما يعرف بعصر "النهضة" في العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر، وهي تندرج اساسا تحت قضايا الدولة وشكل نظام الحكم، فقد أقتنع الاصلاحيون أن السبب وراء قوة أوربا هو تنظيم الدولة وفق مفهوم الدولة / الأمة وأن وراء انحطاط المسلمين غياب ذلك التنظيم للدولة، فأدركوا أن مأتى تلك القوة هو قيام الدولة الحديثة على الدستور، وتقييد السلطة، وكفالة الحقوق العامة على قاعدة "العدل" في ممارسة الحكم (أومليل 2005، 83).

ففي تلك المرحلة التاريخية لم يعني مفهوم الدولة ككيان سياسي مفارق للخلافة، بقدر ما كان مدركاً منها المجال التنظيمي، فالتنظيمات كانت المدرك الوحيد من مفهوم الدولة آنذاك، وفي أطار هذا الفهم للدولة بوصفها تعبر عن التنظيمات سعى "محمد على باشا، مثلا " مؤسس الدولة الحديثة فى مصر إلى وضع إطار لعلاقاته مع أوروبا باعتباره التاجر المسيطر والوسيط الأول والرئيسي بين المنتج الزراعى فى ريف مصر والأسواق فى أوروبا . (1969, p.65 William

فالإصلاحيون الإسلاميون لم يتعرفوا في بادئ الامر على الدولة كجهاز متكامل، بل كعناصر مبتورة ولم يكن شأنها هنا سوى رد فعل لما كان قد وقع فعليا: ذلك انه كان قد بدأ عمليا ادخال تنظيمات وعلى فترات متباعدة ...مبتورة من جهاز متكامل (الدولة) " (أومليل، 2005، 82).

كان معنى الإصلاح بالنسبة لأغلب الإصلاحيين، هو إصلاح الدولة العثمانية ذاتها وليس ضدها، فقد سعوا من اجل الوحدة الاسلامية، ومن اجل الرابطة الدينية الى اعادة توحيد المسلمين في اطار السلطنة العثمانية بأعتبارها المثال الأعلى لنظام الدولة الإسلاميًة (السيد، 1988، ص 18) وكان المحرك الأكثر نشاطا فيها هو الأفغاني الذي دعا الى أن تكون العصبية الإسلاميًة تحت ظل الخلافة العثمانية (الأفغاني، 1979، 15 فما بعد) وقد بدت الوحدة الإسلامية في خطاب الأفغاني كردة فعل دفاعية إيديولوجية .

المشكلة الحقيقية المؤثرة فى صياغة الخطاب السياسي الإسلامي الحديث ليست فقط القطيعة الفكرية مع نمط الدولة العثمانية باستبدادها المطلق الذى لا يتيح الفرصة لتحقيق المواطنة، بل تبعية الفكر السياسي لذلك الحضور الطاغى للدولة وغياب الوعى باختلاف نمط الدولة فى أوربا، إذ إنها محصلة حراك اجتماعى وسياسي واقتصادى له طبيعته الخاصة، " إنه فى النمط الشرقى تقوم الدولة عادة بـ"خلق طبقتها" بينما فى النظام الرأسمالى تقوم الطبقة "بصياغة الدولة على هواها." (الأيوبى، ١٩٨٩) ١٤)

أنَ جوهر اشكالية الاصلاحيون الدعوة الى تقييد السلطة المطلقة؛ فكانت مسألة الدستور قضية محورية في الفكر السياسي العربي الاسلامي (أومليل 2005، 23)؛ فأختزلوا الدولة فى بيان أوجه السياسة التنفيذية، فيلجأ الطهطاوي مثلا إلى الحديث عن فصل السلطات بالمعنى الذي أوضحه "مونتسكيو" للحد من سلطة الحاكم المطلقة، فتوقف عند فصل السلطات، لكي يعيد الأمر فى النهاية إلى السلطة التنفيذية التى على رأسها الملك (الطهطاوى2002، 349-350) ومن منطلقات خطاب الطهطاوى نفسها، استعان التونسى في تقديم أفكاره عن الاصلاح بمفاهيم سياسة حديثة يتم تطويعها لتخدم مفاهيم السياسة الشرعية لكنه لا يلبث أن يبدأ بخلط واضح بين مفهومى الدولة والحكومة، فركز على مهام السلطة التنفيذية التى على رأسها الحاكم أو الملك الذى به تتقوم الدولة وتترقى (التونسى ١٩٨٥، ٢٤٢ - 256)

وعموما لم تتمكن الإصلاحية الإسلامية من إقامة دولة، ولا من الأمتداد الى كل الحقل الاجتماعي. لقد بقيت أعمالا متناثرة وجزئية.(جعيط، (2004، 103) فلم يلتفت الإصلاحيون لدلالية مفهوم الدولة فى سياق بيئته المعرفية – الاجتماعية الأصلية. فهما يتحدثان باستنارة سياسية فى دفاعيهما عن التنظيمات السياسية التى تستمد فعاليتها من الدستور، أى نظام حكمٍ دستورى يجد سنده في الإسلام من خلال فكرة الشورى .

الشورى

اعاد الإصلاحيون جراء اتصالهم بأوربا اكتشاف بعض القيم الكبرى للاسلام، ومنها الشورى باعتبارها نص قرآني وبالتالي خصيصة اسلامية عريقة؛ ولعل الطهطاوي والتونسي هما أول من أثارها في الفكر السياسي الإسلامي الحديث، وتعبيرا عن هذا الوعي الجديد بالشورى، فقد طرحت من قبل الأفغاني والكواكبي باعتبارها أداة نضالية ضد استبداد الخليفة و والنظام السياسي العثماني، و ليس باعتبارها مفهوماً نظرياً وسياسياً ضمن إطار مشروع الدولة الحديثة.

اتخذت المواءمة بين الحكم الدستوري والشورى صيغة شاملة وواضحة في خطاب الإصلاحية، فدعا الأفغاني إلى الحكم المقيد الخاضع للمشاركة الأهلية الدستورية، كما أكد على النظام السياسي النيابي، وأكد على على أهمية " الاشتراك الأهلي بالحكم الدستوري الشوري " (المخزومي، 1980، ص53)، الذي يعني أجراء أنتخابات نواب عن الأمة تسن القوانين وتنفذها ( قلعجي، 1993، 35) فالنظام الشوري هو ضمان لإستقرار الأمًة وسعادتها. وكذلك قام عبده بالمصالحة بين الشورى والنظام الدستوري على طريقة الأفغاني. فكانوا من المتحمسين الليبرالية الأوربية. (البرقاوي 1998): محاولة في، 31)

مضى الإصلاحيون الى خطوة أبعد في الفكر السياسي الإسلامي عندما دعوا الى نزع القدسية عن السلطة اذ يقول الأفغاني أن بأن أختيار الحكام وعزلهم أمران دنيويان، (الأفغاني، 1979، ص329-331) فكانت هذه الدعوة تمثل أختراقا كبيرا من قبل الإصلاحية للفكر السياسي الإسلامي الذي تحكمه " السلالات المقدسة" و دعوا الى العمل بمبدأ الشورى، وبناء مؤسسات دستورية نيابية كما هو الشأن في التجربة الأوربية، ووضع السلطة التنفيذية موضع المراقبة؛ وعلى هذا الأساس انتقل التفكير الإصلاحي إلى إثبات أن النظام البرلماني، التنافسي التمثيلي، ليس سوى بعث لمبدأ الشورى الإسلامي، لأنه وجد في آليات النظام البرلماني ومؤسساته التطبيق الملائمة له، لذا يصبح من المنطقي، أن يصل التفكير الإصلاحي ممثلا في عبده إلى «إن الشورى واجبة، وإن طريقها مناط بما يكون أقرب إلى غايات الصواب، وأدنى مظان المنافع ومجاليها»، وهي أيضاً «واجبة وجوباً شرعياً، ومن صلب الشريعة الإسلامية .(توفيق مجاهد، (بلا تاريخ)، ص547) واعتبر رشيد رضا أن حكم الشورى والعدل يعني حكم الدستور(السيد، 1997)، ص 165) وأن أعظم درس يمكن أن يستفيد أهل الشرق من الأوروبيين هو معرفة ما يجب أن تكون عليه الحكومة (رضا، (1980، ص99) أما عبد الرازق فمن وجهة نظره، أن الإسلام لا يؤيد شكلا معينا من أشكال الحكم، وقد ورد رايه هذا في سياق الدعوة لفصل الدين عن الدولة (السيد، 1997، 162) .

والحال نفسه ينطبق على مفهوم الإجماع مثلا الذي كان يستخدم في المدونة الفقهية بمعنى إجماع الصحابة أو العلماء على مسألة فقهية أصبح يحمل دلالة سياسية أوسع عند الإصلاحيين ليدل على الإجماع السياسي للأمة واحتل مفهوم " أهل الحل والعقد " (أيً النخبة القائدة التقليدية)، ايضا، نظير للبرلمان الحديث موقعاً بارزاً في خطاب الإصلاحية، بأعتباره النظام الأكثر مدعاة للإعجاب في مؤسسة الدولة الحديثة.

حققت الإصلاحيًة الإسلامية فيما بين القرن التاسع عشر وثلاثينيات القرن العشرين إنجازات بارزة في شتى المجالات، العام منها والخاص. وأبرزُ ما يمكن الأشارة اليه هنا: مفاهيم المواطنية، وعلاقة المسلمين بغير المسلمين، ومسالة الدستور الذي أعتبر ضروروة لتقييد سلطات الحاكم من جهة، وتحقيق ولاية الامة على نفسها من جهة ثانية . (السيد، 1997، 159)

وبناء على ما تقدم يمكن القول: اتفق الإصلاحيون الإسلاميون على أن فكرة الشورى الإسلامية قرينة بالترتيبات الدستورية لأنظمة الحكم، فالشورى كان يتم سحبها نحو الحكم الدستوري باعتباره الثانية يشكل الآلية المناسبة لتطبيق حكم الشورى، والشريعة كانت تماثل القانون الطبيعي ما لم يكن هناك تعارض مع الشرع، الشورى أصبحت تعني منهجا وأسلوبا لإدارة الحكم وما عادت تعني مجرد موعضة وتذكير للسلطان على نحو ما كان معروفا في كتابات السياسة الشرعية والآداب السلطانية الإسلامية، وبالتالي فقد استنتجوا أن السلطة السياسية، هي سلطة مدنية أساساً، تستمد شرعيتها من الأمة /الجماعة/ وأن رأس هذه السلطة: إماماً أو حاكماً يعود إلى الأمة أمر انتخابه وعزله.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

..............................

المصادر

الأفغاني، جمال الدين (1979): الاعمال الكاملة، الكتابات السياسية، تحقيق محمد عمارة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

الأيوبى، نزيه نصيف (١٩٨٩)، الدولة المركزية فى مصر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

التونسى، خير الدين ١٩٨٥، أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك، تحقيق ودراسة معن زيادة، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.

السيد، رضوان (1988) "المصطلح السياسي العربى الحديث" نظرة فى أصوله وتحولاته الأولى"، مجلة "الحوار" العدد (١٠)، السنة الثالثة .

السيد، رضوان (1997): سياسات الإسلام المعاصر، بيروت، دار الكتاب العربي.

الطهطاوى، رفاعة، : ٢٠٠٢، مناهج الألباب المصرية فى مناهج الآداب العصرية، تقديم حلمى النمنم، دراسة مصطفى لبيب عبد الغنى، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة.

المخزومي، محمد باشا (1980): خاطرات جمال الدين الأفغاني، ط2، بيروت، دار الحقيقة.

توفيق مجاهد، حورية (بلا تاريخ): الفكر السياسي من أفلاطون الى محمد عبده، القاهرة، مكتبة الأنجلو – المصرية.

جعيط، هشام (2004): أزمة الثقافة الإسلامية، ط2، بيروت، دار الطليعة.

أومليل علي 2005، الاصلاحية العربية والدولة الوطنية، ط2 (الدار البيضاء، بيروت: المركز الثقافي العربي.

رضا، رشيد (1980): مختارات سياسية من مجلة المنار، تقديم و دراسة وجيه كوثواني، بيروت، دار الطليعة.

William Polk and Richard L Chamber (1969) Beginnings of Modernization in the Middle East: Nineteenth Century (Centre for Middle Eastern Studies, University of Chicago.

 

 

قصي الصافيمقدمة: بهدف الترابط العضوي للموضوع سأعمد إلى إعادة المقدمة في كل حلقة.

يعمل النظام السلطوي على مبدأ القوة الطاردة المركزية التي تلقي بعامة الشعب على هامش الفعل السياسي والإجتماعي والثقافي،بينما تبقي على حفنة من السياسيين في مركز صناعة القرار لتحتكر عملية البناء والتخطيط والإدارة، مما ينتج عن اعتلالات بنيوية خطيرة، تتمثل في هشاشة المؤسسات وتوتر الصراع بين الطبقات والفئات الإجتماعية والكيانات الثقافية،وقطيعة أو شبه قطيعة بين الأمة والدولة. بالمقارنة تعمل الديمقراطية بصيغتها المثالية على مبدأ الاحتواء لا الإقصاء، فهي تخلق فضاءات واسعة لمشاركة وتفاعل الجميع للوصول إلى حلول وسطية، من شأنها خلق حالة توازن بين مصالح الطبقات والمكونات الإجتماعية والثقافية، وبهذا تنتج مجتمعاً متماسكاً، وتفتح قنوات تواصل فعالة بين الأمة والدولة.

من نافل القول أن الأنظمة الديمقراطية هي الأمثل في إدارة الحكم وبناء المجتمعات، إلا أن فجوةً واسعة تجدر دراستها بين صيغتها المثالية والواقع الحقيقي للتجارب الديمقراطية، منذ مهدها الأول في أثينا إلى الديمقراطية المعاصرة التي تخفي ملامح شيخوختها خلف ماكنتها الإعلامية العملاقة، فبينما تعد الديمقراطية بتساوي الفرص للجميع، يظهر جلياً أن البعض أكثر تساوياً من الأخرين حسب تعبير جورج أرويل الساخر.

إذا كان ماركس قد اشاد بالديمقراطية على اعتبارها مشروعاً حضارياً رائداً، فإنه لم يتوقف عن نقد الطبقة الحاكمة في تسخير آلياتها لشرعنة استغلالها وتغليب مصالحها على حساب عامة الشعب.

نشأه البرلمانات الأوروبية

بتحول الجمهورية الرومانية إلى إمبراطورية يحكمها قادة دكتاتوريون، سادت جميع أنحاء العالم أنظمة إستبداد، فيما عدا بعض التجارب المحدودة للديمقراطية المباشرة على شكل كومونات صغيرة في مدن شمال إيطاليا وجبال الألب بالقرن الرابع عشر.

رغم أن البرلمانات الأوروبية تعود نشأتها إلى القرن الثاني عشر، إلا أنها بقيت لقرون طويلة أدوات تنفيذية بيد الملك، يدعو فيها كبار الإقطاعيين ومطارنة الكنيسة لشرعنة سياساته وإقرار حروبه وفرض الضرائب وجمع نفقات الحروب وتزويده بالجنود من أبناء الفلاحين.( لم تكن للممالك الأوربية آنذاك جيوش رسمية ثابتة ).

بريطانيا -التي لقبها جون برايت إم البرلمانات- هي الوحيدة التي شهدت استقلالية نسبيه وتطوراً لبرلمانها وإن ببطء شديد كنتيجة لصراع النفوذ بين الطبقات العليا والكنيسة والملك.

ما زال الشعب البريطاني يحتفل بصدور وثيقة العهد الأعظم (الماغنا كارتا) التي صدرت في أعقاب حرب البارونات الإقطاعيين ومؤيديهم ضد الملك جون ومؤيديه عام 1215, ورغم أن الوثيقة لم تمنح عامة الشعب حقوقاً ذات قيمة ،وأقتصرت على تأمين مصالح النبلاء والكنيسة، إلا أن أهميتها تكمن في تحديد صلاحيات الملك، كمنعه من فرض الضرائب، أو إعلان الحرب دون موافقة البرلمان (مجلس اللوردات آنذاك)، وعدم السماح لرجاله بالاعتقالات دون سند قانوني، أي أن الوثيقة تمثل الخطوة الأولى لاستقلالية البرلمان وتوزيع السلطة.

يعود تميز بريطانيا عن الدول الأوربية بتطور برلمانها إلى سبقها الصناعي وتوسع مدنها، وبالتالي نشوء طبقة برجوازية تنامى نفوذها تدريجياً، لتقود مسيرة الكفاح ضد هيمنة الحلف الإقطاعي -الملكي -الكنسي . أدركت البرجوازية أن قوانين وأعراف النظام الإقطاعي تشكل عقبة رئيسية في طريق ثراءها وتوسيع استثماراتها وتعاظم نفوذها، ولتبيان هذا التقاطع يلزمنا صفحات طويلة لا يسعها المقال، إلا أني سأكتفي بالحديث عن تحرير الأيدي العاملة كأحد أهم انشغالات البرجوازية التي تصطدم مع بنية النظام الإقطاعي. الرأسمالي يرغب بمنح الأيدي العاملة حرية البحث عن عمل أين تشاء ومتى تشاء، مما ينتج وفرة في العمالة وتنافساً في سوق العمل يوفر للبرجوازي فرصة الحصول على قوة عمل رخيصة، وهذا ما كان مستحيلاً وفق قوانين وأعراف النظام الإقطاعي الذي يفرض على الفلاح وأسرته ملازمة أرض سيده طيلة حياته، بل يرث ابنائه العمل فيها بعد موته. ولكن ماعلاقة هذا بالديمقراطية وتطور البرلمان؟، أدركت البرجوازية إيضاً أن النضال من أجل استقلالية البرلمان وإكسابه نفوذاً تشريعياً هو الطريق الوحيد لإصدار قوانين جديدة تنسخ قوانين الإقطاع، تمهيداً لبناء نظامها الجديد.

جاء نهج البرجوازية الهادف لإنهاء الإقطاع متناغماً مع نبض الطبقات الشعبية التي تعاني من شظف العيش وثقل المدفوعات التي تؤديها للوردات والكنيسة والملك، مما جعلها تلتف حول البرجوازية الفتية وتدفع بإتجاه اشراكها في البرلمان، ومن الجدير بالتنويه أن البرجوازية حملت رايه الدفاع عن الحريات والمشاركة الديمقراطية إلى أن تمكنت من الهيمنة على النظام السياسي، لتبدأ مرحلة جديدة من مقاومة ضغوط الشعب، بإصدار قوانين تحجب مشاركة الفقراء، كقانون شرط الملكية الفردية لحق التصويت، واللجوء إلى القمع والرد العسكري إن تطلب الأمر لتأمين احتكارها البرلمان.

شهدت أوروبا أحداثاً ومتغيرات بنيوية اسهمت في دعم البرجوازية في كفاحها نيابةً عن العامة ضد الإقطاع والحكم المطلق، سنتوقف في كل محطة وقفة تحليلية سريعة لتبيان انعكاساتها على تطور البرلمان وتوسيع المشاركة فيه.

- ثورة الفلاحين: في القرن الرابع عشر اجتاحت أوروبا موجات من مرض الطاعون الذي حصد مايقارب نصف سكانها، معظمهم من الفلاحين والفقراء لسوء ظروفهم المعيشية والصحية. خلف الطاعون نقصاً كبيراً في العمالة بالريف والمدينة، مما رفع قيمة قوة العمل والذي جعل القوى المنتجة تشعر بأهمية دورها في الحياة الإقتصادية. أدت شحه قوة العمل إلى شحه في المواد الغذائية والبضائع، وزيادة حادة في الأسعار، وقد واجهت الارستقراطيات الأوروبية أزمة العمالة بأساليب مختلفة، ففي روسيا حيث التخلف الصناعي وضعف البرجوازية مقابل قوة وجبروت الإقطاع، تم فرض نظام قنانة مشدد أشبه بالعبودية على الفلاحين، أما في بريطانيا فقد خشي الارستقراط أن يستغل الفلاحون نقص العمالة في المطالبة بحقوقهم، فسارعوا إلى إصدار قوانين جائرة عبر مجلس اللوردات لتحديد سقف أجور الفلاحين، ورفع ايجارات الأراضي للمزارعين المستأجرين، ثم اعقب ذلك زيادة ضريبة الرأس (وهي ضريبة يدفعها كل من بلغ الرابعة عشر كمجهود حربي لدعم حرب المئة عام ضد فرنسا). أججت تلك الإجراءات غضب الفلاحين، فانطلقت ثورتهم عام 1381 م مطالبةً بمصادرة أراضي وممتلكات رجال الإقطاع والكنيسة وتمليكها للشعب، وقد عمت الثورة عموم انكلترا مع تعاطف سكان المدن، الذين فتحوا لهم بوابات لندن، فأوشك النظام الملكي على الإنهيار، لولا الإلتفاف بوعود كاذبة، فما أن عاد الفلاحون إلى قراهم حتى بدأت حمله تصفيات جسدية لقادتهم . رغم عدم تحقيق مطالب الثوار إلا أن الطبقة الحاكمة قد أدركت أهمية التواصل مع العامة عبر تمثيلها في البرلمان، ومن هنا برزت فكرة مجلس العموم وهو مجلس منتخب من العامة يضم كبار الأغنياء من المدن ووجهاء الفرسان من الريف.

- الإصلاح الديني: يفسر كارل ماركس البروتستانتية على أنها المنتج الروحي للرأسمالية كبديل عن الكاثوليكية التي تحولت إلى حاضنة فكرية ودينية للإقطاع، بينما يرى ماكس فيبر أن البروتستانتية التي أسست طبقة من الأغنياء كنواة لبناء النظام الرأسمالي هي المسؤولة عن ظهور الرأسمالية وليس العكس. بغض النظر عن أيهما كان مصيباً، فقد كان ظهور البروتستانتية انعطافةً كبرى في تأريخ أوروبا على المستويين الإقتصادي والفكري. حسب ماكس فيبر اتكأت الرأسمالية في بناء نظامها على المفهوم الجبري الذي جاءت به البروتستانتية والقائل بأن الله يقرر للفرد منذ ولادته فيما إذا كان سيدخل الجنة أم لا، ومن يختاره الله يتميز بالنشاط والنجاح في العمل، النجاح الذي كان يعني آنذاك جمع الثروة، وبهذا كان المؤمن مدفوعاً بهاجس نفسي، يحاول أن يثبت لذاته أنه أحد المبشرين بالجنة، فيكرس حياته وكل جهده لجمع الإرباح والنجاح بإدارة الأعمال، مما آل إلى نشوء طبقة ثرية أصبحت نواةً للطبقة الرأسمالية، وكما أسلفنا فإن تنامي النفوذ المالي للبرجوازية سيترتب عليه بالضرورة نفوذاً سياسياً مماثلاً في مجلس العموم، ويجدر بي هنا أن أضيف أن البروتستانتية لم تكتف بزعزعة أحد أركان الحكم الملكي المطلق بتعرية فساد الكنيسة وتحالفها مع الإقطاع والملك ضد الفقراء خلافاً لتعاليم المسيح، بل أن البروتستانتية قد أرست مفهوماً جديداً للحرية بإلغاء الوسيط الروحي مع الرب، فأصبح الإنسان قادراً على التواصل المباشر مع الله، أي أن المواطن لم يعد طفلاً غراً للكنيسة بل بالغاً مسؤولاً عن نفسه. إلغاء الوصاية الدينية كان تمهيداً لإسقاط الوصاية السياسية أيضاً، فإذا لم يكن المواطن بحاجة لوسيط مع الرب، فلن يكون بحاجة لوصاية من هو أقل منزلةً من الله كالملك أو اللورد أو رجل الدين.

-إكتشاف العالم الجديد: إكتشاف القارة الأمريكية (1492 م) واستزراع اراضيها بكد العبيد، وتجارة العبيد، وإكتشاف الفضة في الأرجنتين وإستعباد الهنود الحمر لاستخراجها، كل ذلك قد أغرق أوروبا بثروات هائلة كانت إنعكاساتها متباينة على الأنظمة السياسية في الدول الأوروبية، ففي أسبانيا وكانت صاحبة الحصة الأكبر من الثروات تعزز جبروت الحكم الملكي المطلق وذلك لسيطرة الدولة على الإقتصاد، أما في بريطانيا القائم اقتصادها على حرية الملكية الفردية فقد أثرت الطبقة البرجوازية وتعاظم نفوذها الإقتصادي. مع ثراء البرجوازية وبدء تداعي الإقطاع وإفلاس عدد كبير من الإقطاعيين أدرك الملوك أن من الحكمة إستمالة أغنياء المدن للفوز بدعمهم المالي للنظام، فعمدوا إلى زيادة تمثيلهم في مجلس العموم ومنحه صلاحيات أوسع، أضف إلى ذلك أن أغنياء المدن قد ابتاعوا الكثير من المناصب في البلاط والدولة، والتي كانت تباع آنذاك لمن يدفع أكثر. شهدت تلك الفترة إكتساب مجلس العموم نفوذاً كبيراً يمكنه من تمرير تشريعاته القانونية، صحيح أن مجلس اللوردات يمتلك حق الفيتو في رفض التشريعات، إلا أن مجلس العموم كان قادراً على إثارة وتعبئة العامة ضده، وإذا ما اعترض الملك على التشريعات فإن مجلس العموم يلجأ إلى سلطة المال بحجب الضرائب والأموال عن الملك حتى يذعن بالموافقة.

منذ الماغنا كارتا وعلى مدى ثلاثة قرون تصدعت أركان الحكم المطلق وتوزعت السلطة بين الملك ومجلس اللوردات (بيت النبلاء والكنيسة) ومجلس العموم (بيت البرجوازية والعامة)، ويستمر الصراع في القرون المقبلة لتحقيق الملكية الدستورية كمرحلة أولى باتجاه الديمقراطية الحديثة .

 

قصي الصافي

 

 

عبد الرضا حمد جاسممقدمة: ذكر الراحل الوردي:

1.في ص 26/ كتاب الاحلام بين العلم والعقيدة/1959 كتب الراحل الوردي التالي: [لي كتب كنت قد اعددتها للطبع منذ سنوات، وقد أعلنت عنها ذات مرة اعلاناً ساخراً فقلت "انها ستصدر بعد موت المؤلف ان شاء الله" وكان سبب ذلك الإعلان الساخر إني كنت لا أتوقع ان تحدث الثورة عندنا في وقت قريب. الان وقد حدثت الثورة بأسرع مما كنت أتوقع، فهل تراني قادراً على اخراج تلك الكتب العتيدة؟ كلا! من هذه الكتب المُعدة للطبع كتاب بذلت في تأليفه جهداً كبيراً واسميته "اخلاق اهل العراق" انه على أي حال كتاب يبحث في عيوب المجتمع العراقي وما فيه من قيم سيئة وتطرف قد لا تحمد عواقبه احياناً وكل من يدرس الأوضاع السياسية والاجتماعية التي مر بها الشعب العراقي في عهوده البائدة لا يستنتج منها مثلما استنتجته. ولكني مع ذلك واثق بأني لو أخرجت هذا الكتاب الان لقابله كثير من القراء بالنفور، ولا لوم على القراء في هذا فهم يطالبون من الكاتب في هذه المرحلة الثورية ان يكتب للشعب فيما يشجعه ويمجد افعاله لا ان يثبطه ويحصي عيوبه] انتهى.

2.في ص319 من نفس الكتاب كتب التالي: [فقد كتبت في العهد البائد كتبا دون ان اخرجها الى الناس ولو كنت قد اخرجتها فعلا لكان مأواي في أعماق السجون واظن إني لا أستطيع ان اخرجها في هذا العهد الجديد ايضاً] انتهى

أقول: لنعتبر رأي الوردي هذا في عام 1959 عام صدور هذا الكتاب (الاحلام بين العلم والعقيدة).

لا اعرف مدى دقة قول الوردي هذا وهنا أتكلم عن أستاذ متخصص كرس نفسه لدراسة المجتمع العراقي المعقد!!فكيف تمكن من توفير كل هذا الوقت لإنجاز ما نَشَرَ وما لم يَنْشُرْ... الوردي عاد للعراق عام 1950... ومن 1951 حتى عام 1959 تاريخ صدور هذا الكتاب نشر اهم كتبه وكراريسه :(كراسة شخصية الفرد العراقي /1951، خوارق اللاشعور/1952، وعاظ السلاطين/1954، مهزلة العقل البشري /1955، اسطورة الادب الرفيع/1957، كراسة الاخلاق/الضائع من الموارد الخلقية/1958 وكتاب الاحلام /1959وهذه كتب مهمة وافرزت ردود أفعال كثيرة و مختلفة رافق ذلك انشغاله بعمله كأستاذ جامعي حيث قيل انه انجز أكثر من 150 بحثا مودعة في مكتبة قسم علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة بغداد...و تهيئته لبرنامج/منهاج التدريس في قسم الاجتماع الجديد و تعدد نشاطاته التي أشار اليها كثيراً من برامج تلفزيونية وندوات ومحاضرات و ندوات و مؤتمرات داخل العراق وخارجه و بحوثه عن المجتمع العراقي...فمتى تمكن من تأليف كل تلك الكتب التي نشرها و التي لم ينشرها ولم يحدد عددها "لي كتب وقد كتب كتباً". وبصيغة أخرى: كيف تمكن الراحل من إيجاد او انتاج الوقت اللازم لذلك إذا كان له انتاجه؟ من اين وفر ذلك الوقت في زحمة تلك الجهود وذلك العمل لإنجاز تلك الكتب التي لم ينشرها؟؟؟؟ نحن نتكلم عن عقد الخمسينات من القرن العشرين وحال الطباعة والكتابة والمصادر وجمع المعلومات.!!!!! ""كان الله في عون استاذنا الوردي""

وعند الاطلاع على الكتاب/الاحلام الذي صدر بعد الثورة نجد انه خالي من "الثورية" وال "تشجيع والتمجيد" ولا يحمل مثل ما حملت كتبه السابقة من إثارة.شخصياً لم اقرأ للوردي مثل هذا القول" ستصدر بعد موت المؤلف" في كل كتبه التي صدرت قبل هذا الكتاب وأدعي إني كنت نوعما دقيقاً في تتبع ما ورد فيها لكن ربما فاتني سطر هنا او فقرة هناك او لم أتمكن من تأشير تلك الجملة/العبرة. أتمنى ان يرشدني من قرأ للراحل الوردي وبالذات من كَتَبَ عنه وأشار الى هذا الموضوع...رغم ان الوردي كما ورد أعلاه قال ذلك!!! ان هذه العبارة "ستصدر بعد موت المؤلف...."لازمت/ لصقت ب " الراحل الوردي حتى أيامه الأخيرة له الرحمة والذكر الطيب. وهي من دفعتني لكتابة هذا الجزء.

على كل حال اترك هذه الامور المُتْعِبَة المؤلمة المُحيرة العجيبة وأتوجه لأصل الموضوع وهو ارث/تراث الراحل الوردي وبالذات المفقود منه/الضائع/المختطف/ المسروق/ المخفي.

الموضوع:

سيبقى الوردي حياً بيننا وسيرافق اجيال كما رافق اجيال لِما اثار ويثير وسيثير... يبقى الدكتور علي الوردي شخصية حفرت اسمها في تاريخ الكِتابْ والكُتابْ العراقيَّين وربما العرب ويبقى شاخصاً ككاتب طرح ما طرح عن المجتمع العراقي اختلفنا معه او اتفقنا... ترك العديد من الإصدارات وقال وقيل انه ترك مخطوطات وكُتُبْ غير منشورة اختفت بعد وفاته له الرحمة وهذا صلب هذه المقالة لاعتقادي بأهمية ما اُشير وأشار الى انه تركه والذي فُقِدَ جزء منه.

ارث الوردي او تراثه المقصود هنا هو ذلك الذي لم يُطبع او يُنشر وبالذات المفقود منه والذي سمعنا/قرأنا عنه الكثير وبالذات من محبي الراحل الوردي وفي المقدمة منهم مَنْ كَتَبَ عنه.

يجب البحث عن هذا المفقود واعادته الى مكتبة الوردي ومن ثم دراسته وتنقيحه ونشره. وهنا لا بد ان أتقدم بالشكر الجزيل للسيدين محمد عيسى الخاقاني وسلام الشماع الذين اثارا هذا الموضوع في كتابيهما عن الوردي.

ان المفقود بالإضافة الى كونه شخصي (يخص الوردي) فهو وطني و يستحق المتابعة و البحث عنه مهما كان الموقف من الراحل الوردي وهو يشمل ما كتبه واختفى ويمكن ان يضاف له ما كُتب عن الوردي من انتقادات و تفنيدات و تصحيحات و "تقديسات" /كتب /مقالات/بحوث/أطاريح/لقاءات تلفزيونية/ تحقيقات صحفية و اعتقد من الضروري ان يضاف لها صور الراحل شخصية /أفلام و تسجيلات صوتية ومحاضر الاجتماعات والمؤتمرات الداخلية والخارجية التي ساهم فيها تلك التي شتتها الزمن واعتقد انها كثيرة وكذلك حاجياته الشخصية والمنزلية ومكتبته وما مُنح او قُدم له من تكريم او شهادات او تذكارات او بطاقات أو هدايا او رسائل وبالذات الرسائل التي كان قد تلقاها عندما عُرِضت حلقات برنامجه التلفزيوني (انت تسأل ونحن نناقش) والتي أشار أو اُشير الى انه يحتفظ بها و تقارير الطلبة التي اشار اليها كمصدر مهم من التي اعتمد عليها في كتابه /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965.وما كُتب عنه خارج العراق وما تُرجم من كتبه الى لغات اخرى وراي مؤيديه ومعارضيه والمصادر التي اعتمد عليها في كتاباته .

أهم ما في كل ذلك تلك المخطوطات المفقودة التي سماها بعض القريبين من الوردي بأسماء مختلفة منها (سينما بغداد) او (كتاب العمر) و(مذكرات)و(ريشة في مهب الريح) و(أخلاق أهل العراق) او بقية كتابه متعدد الاجزاء (لمحات تاريخية) التي صدرت منها ستة اجزاء مع ملحقين والباقي اختفى كما اُعلن ونُشِر علماً ان هناك تأكيدات من محبيه/المقربين منه على انهم اطلعوا على تلك المخطوطات او شاهدوها في مكتبته لكنها اختفت بعد وفاته. ومن الذين اشاروا الى ذلك الاستاذ الفاضل محمد عيسى الخاقاني في كتابة المعنون مئة عام مع الوردي/ والسيد سلام الشماع في كتابه من وحي الثمانين

..........

اليكم ما تفضل به الأساتذة الذين اهتموا بهذا الموضوع "قدر اطلاعي" مع بعض تعليقاتي على بعضها:

اولاً: السيد محمد عيسى الخاقاني/كتاب مئة عام مع الوردي /الطبعة الثانية 2013/ الناشر دار الحكمة/ اصدار المركز الثقافي العراقي/لندن...حيث كتب التالي:

1.في ص28 من كتب التالي:(وقد أراني الرجل مخطوطة رائعة أطلق عليها سينما بغداد، كانت تحوي مذكراته الشخصية، كتب في صفحتها الأولى تنشر بعد موتي، وعندما سألته لماذا؟ قال:(اريد اطلعهم من بيت هيوا) انتهى.

2.في متابعته لنفس الموضوع ذكر التالي:(وقد سألت انا شخصيا الدكتور(الطبيب)حسان الوردي الابن الأكبر للدكتور علي الوردي عن المخطوطة التي شاهدتها بعيني في مكتبة والده المرحوم ما مصيرها؟ فقال انهم سمعوا عنها ايضاً، ولكن بعد وفاة الوالد بحثنا في مكتبته ولم نجدها، ادعوا العلي القدير أن يأخذ بيدهم ليعثروا عليها يوماً ما، أن شاء الله تعالى وينشروها) انتهى

3.في ص100 كتب التالي: [(سألت الوردي الكبير يوماً عن معنى: سوف ادخلك التاريخ ورجوته ان يعطيني المعنى الصحيح لها) ثم اضاف:(أجابني الوردي بصدق ودون تهكم: بأنه يقصد بإدخال الشخص الى التاريخ هو اضافة اسمه الى سجل مذكراته "سينما بغداد"، وبأنه هناك في سينما بغداد سوف يقول رأيه الصريح بهذا الشخص وسوف يفضحه علمياً واجتماعياً وربما سياسياً، وبذلك سوف يدخل الشخص المعني الى التاريخ من اوسع ابوابه)] انتهى

4.في ص202 اشار الى تتمة لمحات تاريخية حيث كتب التالي:(أن الوردي اتمم كما اعرف منه شخصياً لمحاته الاجتماعية، وكان منشغلاً بها وطلب مني بعض المصادر واتيت له بها من خارج العراق، لكنه لسوء الحظ لم تظهر للعيان الى يومنا هذا) انتهى

5.في نفس الصفحة كتب بصيغة النداء والرجاء:(ارجو العلي القدير ان يُمَّكِنْ للذين حصلوا على تكملة اللمحات ان يخرجوها الى النور، وان كان فيها ما يرونه غير مناسب / فليس هناك من ضير، فالوردي ليس معصوما وما كتبه رأيه العلمي الذي تَكَّون ونضج بعد ثمانين عاماً من الجهد والعمل...الخ) انتهى

أقول: هذا يعني ان السيد الخاقاني قد اطلع عليها لذلك قال انها "رائعة ". لكن ما استغربه ان ابناء الراحل الوردي سمعوا عنها!!! وبعض محبيه المقربين له شاهدوها واطلعوا عليها او على بعضا منها.

اسئلة سريعة هنا: لماذا لم يشاهدها ابناءه؟ هل كان خائفاً من اوعلى ابناءه؟ هل كان يُطَّمْئِنْ متابعيه ومحبيه لربما يعرف انهم سيتهامسون فيما بينهم عنها ليؤكد وجودها بعد وفاته وكأنه يتوقع ان تُسرق او تختفي؟ هل كان يائس من تغيير النظام للدرجة التي لم يُفكر انه سيأتي يوم تُطرح فيها تلك المذكرات والمخطوطات للقراء كما كان يائس من تغيير النظام الملكي؟

وكأنَ الأستاذ الخاقاني يطالب/ينادي شخص يعرفه او يتوقعه لكنه امتنع عن ذكر اسمه. ان هذه الصيغة من النداء تعني كما افهم ان هناك من أخذ تلك المخطوطة/المخطوطات.استنتاجي ان السيد الخاقاني يملك تصورات لما حصل لتلك المخطوطات"انه مجرد شك اشعرانه مشروع واعتذرمن السيد الخاقاني".لكن اشعر انها دعوة لمن سيطر عليها /استحوذ عليها/اخذها/احتفظ بها بأي طريقة او صيغة ان يُطلقها وهي دعوة من أعماق متألم قَدَّمَ لها ب" ارجو العلي القدير".

.....................................

ثانياً: ما ذكره الصحفي سلام الشماع في كتابه من وحي الثمانين وللأستاذ الشماع ميزتين هنا هما:

1. ان السيد الشماع يحتفظ باسرار و وثائق مهمة و خطيرة عن الراحل الوردي كما ورد في التالي:[مركز علي الوردي للدراسات و البحوث/طرائف و اسرار من حياة العلامة الوردي في حوار مع سلام الشماع/اجرت الحوار باهرة الشيخلي: يحتفظ الكاتب و الصحفي العراقي سلام الشماع بأسرار كثيرة ووثائق مهمة و خطيرة عن عالم الاجتماع الكبير الدكتور علي الوردي، ربما لا يمتلك أقلها أحد بحكم مرافقته له. والمعلومات التي يدلي بها الشماع في حواراته تثير الجدل والسبب أنه رأى في الوردي جوانب لا يعرفها الكثير وينقل عنه حتى الأحاديث التي جرت بصفة خاصة بينهما] انتهى

2.ان الأستاذ الشماع و بمهنية و امانة عالية ذكر التالي عن المفقودات في كتابه من وحي الثمانين في ص 132: [...ومنهم من يقول إن الوردي أخفاها عنده صديقة بولونية له تعيش في بولونيا، ومنهم من وجه الاتهام إليّ شخصياً بحيازتها واخفائها ولا يعرف أحد أين هي الأن]انتهى

اما ما ورد في كتابه من وحي الثمانين هو:

1.في ص 60 كتب السيد الشماع:(الجدير بالذكران الوردي زودني بمجموعة من مقالاته المنشورة في الصحف في احدى سفراتي الى عمان وخولني بإخراجها بالشكل الذي اراه مناسبا، لكن الفكرة لم تتحقق لضيق المجال ولقصر المدة التي قضيتها في عمان) انتهى

2.في ص 178: (أخبرني المرحوم الوردي أنه وضع لمذكراته المختفية عنواناً هو: ريشة في مهب الريح.) انتهى

3.في ص69: ان الوردي قال :( كل ما ارجوه في أواخر عمري هو ان يساعدني الله على إتمام عملي الذي أنا منهمك فيه الأن وهو الكتاب الذي أعده كتاب العمر والذي يبحث في طبيعة البشر ومن المؤسف أنه بالرغم من الجهود الكثيرة التي بذلتها فيه لم يتم انجازه بالمستوى الذي اطمح اليه) أنتهى

4.كتب في هامش نفس الصفحة :(ظل المرحوم الوردي منشغلاً بهذا الموضوع حتى ايامه الأخيرة وكان يحدثني دائماً عن تطورات العمل في كتابه المذكور ويريني مسوداته ويتحدث في مجالسه الخاصة والعامة عنه. ألا ان احداً لا يعرف الأن أين اختفت هذه المسودات. وقد يُعثر عليها يوماً وتظهر في كتاباً جديداً يضم اخر ما بحثه الوردي في حياته. قبل أيام عثرت بين اوراقي على مقال كتبه الوردي حول الموضوع لعله فصل من فصول ذلك الكتاب الذي يسميه الوردي كتاب العمر) انتهى

5.في ص 73كتب: (ظل المرحوم الوردي يبحث في الطبيعة البشرية حتى أخر يوم في حياته. وأعلن في النهاية أنه لم يستطع ان يكمل بحثه وهو أكبر من طاقته. وأحال البحث في هذه الطبيعة الى الجيل الجديد من الباحثين الاجتماعيين وقد فوجئت عندما قامت دار نشر في عمان بإصدار كتاب للمرحوم الوردي بعنوان (طبيعة البشر) لأنني كنت اعرف ان الوردي يعمل في كتاب من هذا النوع ولكنه أعلن عجزه عن إكماله. أن هذا الكتاب لم يصل الى يدي لحد الأن لأحكم ما إذا كان جمعاً لمقالات كتبها الوردي في هذا الموضوع أم أنه هو الكتاب الذي كان الوردي يريد تأليفه أو هو توسيع لمقالة كتبها عنوانها (حول الطبيعة البشرية) انتهى

6.في هامش نفس الصفحة كتب: (في هذه السفرة طرح عليّ السيد سعد البزاز و كان يملك دار نشر في عمان أن اجلب له المقالات التي نشرها الوردي في جريدة الجمهورية مقابل الف دولار، و عندما عدت الى بغداد أخبرني الوردي بأنه سيسافر الى عمان للعلاج و أنه لا يملك (عملة ذهبية) فأخبرته بعرض البزاز فأخذ معه مجموعة المقالات و باعها له، فأخرج البزاز كتاباً يحمل اسم الوردي لكنه تصرف في محتوى المقالات بشكل أخل بها و حولها الى مقالات تبحث عن غرض سياسي علماً انها مقالات علمية اجتماعية) انتهى

7.يعقب السيد الشماع في الهامش بنفس الصفحة 73 قائلاً: (كتاب العمر كما استشفينا مما ذكره الاستاذ محمد عيسى الخاقاني هو لمحات تاريخية والتي يبحث السيد الخاقاني عن تتمتها المفقودة.)

8.يقول السيد الشماع في ص132 / الهامش:(كان الوردي كثيرا ما يشير في أحاديثه الى هذه المذكرات التي كان يقول عنها بانها ستصدر بعد موته. وكان يهدد بفحواها مسؤولين حكوميين...) انتهى

9. كتب في نفس الصفحة: (ومن المؤسف ان هذه المذكرات ضاعت منهم من يقول إنها موجودة عند أحد ابنائه الذي تعمد إخفاءها لما فيها من معلومات خطرة، ولكن أحد ابنائه لم يؤيد وجودها أو العثور عليها بعد وفاته، ومنهم من يقول إن الوردي أخفاها عند: [صديقة بولونية له تعيش في بولونيا، ومنهم من وجه الاتهام إليّ شخصياً بحيازتها واخفائها ولا يعرف أحد أين هي الأن، وربما ستظهر هذه المذكرات في المستقبل مع كتاب (طبيعة البشر) المفقود هو الأخر والمأمول ممن يملكها أن يُظهرها للناس لما فيها من اهمية تاريخية كبرى) انتهى

اقول: ربما هذه تدل على قلق الوردي على تلك المسودات...واقول ربما ايضاً أن احداً أقنع الوردي بأنه قادر على اخراج تلك المخطوطات من العراق وطباعتها هناك في وقت مناسب واستغل بذلك حاجة الدكتور الوردي للمال في ايامه الاخيرة. وربما فُقِدَتْ تلك المخطوطات او نُهِبَتْ او سُرِقَتْ اثناء سفر الوردي للعلاج في عمان على حساب ملك الاردن.... المعروف ان رحلة علاج الوردي في عمان تكفل بها البلاط الملكي الأردني.

ان موضوع ايداعها عند صديقه بولونيه لا اميل اليه لان هذه الكتب لن يتمكن الوردي من إخراجها في حينها من العراق في الوقت الذي "تعرفت عليه تلك البولونية" حيث التفتيش في مطار بغداد او المراكز الحدودية كما هو معلوم دقيق جداً ولا يَسْمَحْ/يُسْمَحْ بخروج او اخراج حتى الرسائل الشخصية دون الاطلاع عليها...و لم يجازف احد بإخراج مثل تلك الكتب الا بدعم مِنْ مَنْ يتمكن من ذلك...و الوردي لا يسلم لحيته بيد أحد مهما كان قريب عليه لأن عند أي خطأ سوف لن يستطيع تبرير ذلك و سيعرض نفسه و عائلته لمشاكل خطيرة....ولا أحد يعرف ان للوردي صديقة بولونية...الوردي لم يخبر أولاده عن تلك المخطوطات فكيف يضعها عند "تلك البولونية".

لا اعرف هل يتكلم السيد الشماع على نفس المسودات التي تكلم عنها السيد الخاقاني والتي أطلق عليها الوردي "سينما بغدادً"؟هل هي تلك الكتب التي ذكرها الوردي في كتاب الاحلام عام 1959 كما ورد في المقدمة أعلاه؟...اشك في ذلك حيث ان ذلك يعني ان الوردي احتفظ بها ما يقارب من نصف قرن. اشك في ذلك واعتقد ان كلٌ يتكلم على ما أشار اليه عليه اليه به الراحل الوردي.!!!!!

............................................

ثالثاً: كتب السيد رفعت عبد الرزاق محمد في مقدمة الكتاب الموسوم علي الوردي في النفس والمجتمع/ جمع السيد سعدون هليل/ مكتبة بساتين المعرفة / الطبعة الاولى 2011 في المقدمة التي وضعها في ص6:

((إني سألته مرة: لماذا لا تنشر الجزء السابع من كتابك؟

ج: لا أستطيع!

س: ان علاقتك بالسلطة جيده ولا أظن أنها تمنعه!!

ج: لا...السبب أن العراق يمر بظروف حرب (يقصد حرب الخليج الاولى) والسلطة في مثل هذه الظروف لا تريد إظهار عيوب مجتمعها.

س: يعني؟

ج: أنشر بعد ان تضع الحرب اوزارها))

كان الوردي قد ذكر في الكثير من موضع المناسبة انه قطع شوطاً طويلا في كتاب له سماه (كتاب العمر) انتهى.

أقول: يؤكد السيد رفعت عبد الرزاق محمد ان اسم الضائع او جزء منه هو : (كتاب العمر) ربما لم يسمع ب"سينما بغداد" و"اخلاق العراق" و"بقية لمحات" و "ريشة في مهب الريح"؟؟

..............................................

رابعاً: ما كتبه الأستاذ محمد علي محيي الدين في صحيفة المدى 28/05/2008 التالي:

[...وقد سألته ذات يوم، عن كتابه القيم لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، وهل قام بدراسة الفترة الحالية، وهل أخذت شيئا من اهتمامه أم تجاوزها، لما في الكتابة عنها من محاذير، فكان يتهرب من الإجابة إلى أن أحرجته ذات يوم، فأشار بيده كمن يتهيأ للمنازلة وقال ما معناه، لقد كتبت في لمحاتي كل ما أريد قوله حتى هذا اليوم، ولكنها سترى النور بعد وفاتي، إذا تغيرت الظروف والأحوال، ولم أهمل شيئا من الظواهر الاجتماعية الطارئة والراسخة في المجتمع وخصوصا في ظل التحولات الجديدة، وسترى فيها ما يسرك، ويكون إجابة لقصيدتك عن سرقة سيارتي، أردفها بضحكة قوية تجلى فيها شبابه الأدبي رغم تقدمه في السن...والآن بعد أن أصبح في ذمة التاريخ، ورحل عن هذا العالم، بعد أن تعب وأتعب الناس في مساجلات ومعارك كانت مثار اهتمام الشارع العربي، أليس حريا بالحكومة العراقية، ووزارة الثقافة بالذات، السعي لنشر آثاره بطبعات زهيدة الثمن لتكون بمتناول الجيل الجديد، وأن تشكل لجنة من ذوي الاختصاص للعناية بتحقيق آثاره المخطوطة التي تحتفظ بها أسرته، وجمع ما تناثر من مقالاته، ومعاركه الفكرية الكثيرة، ففيها الكثير من الإجابات عن تساؤلات مشروعة لمن يهمهم مصير العراق ووحدته، وإعادة بنائه على أسس متينة، والنهوض به من كبوته، ولعل القارئ المنصف سيجد الكثير من التحليلات التي أثبتت الأيام صحتها] انتهى.

اقول: في عام 2008 يؤكد السيد محمد علي محيي الدين ان المخطوطات عند عائلة الوردي بقوله: (....بتحقيق آثاره المخطوطة التي تحتفظ بها أسرته...) انتهى

لا اعرف هل درس الوردي حالة المجتمع العراقي بعد تلك الحروب التي مرت عليه وذلك التنقل من السفور الى الحجاب؟

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

ماجد احمد الزامليإساءة استخدام النظام المالي يمكن أن يلحق الضرر بسمعة المؤسسات المالية، محدثًا آثارًا سلبية على ثقة المستثمرين وبالتالي يزيد من ضعف وارباك النظام المالي. ولا ينشأ الضرر الاقتصادي من أفعال الجريمة الاقتصادية والمالية المباشرة وحسب بل أيضًا من مجرد وجود تصور بان تلك الأفعال تحدث، وبذلك يؤثر على سمعة النظم المالية ويرد الاستثمار الخارجي . وفي العديد من البلدان أيضًا يؤدي اشتباه الجمهور على نطاق واسع بان الصفوة ترتكب الجرائم الاقتصادية والمالية في القطاعين العام و الخاص إلى تقويض شرعية الحكم . ولذلك تتسم المكافحة الفعالة للجريمة الاقتصادية والمالية بأهمية حاسمة للتنمية المستدامة وبناء المؤسسات. ويقصد بالإجرام الاقتصادي: الأفعال الضارة الاقتصادية والتي يتولى القانون تحديدها لحماية مصالح البلاد الاقتصادية .. فثمة نصوص تهتم بحماية النظام الاقتصادي في مجال الأنشطة المختلفة ومن أهمها حماية الأموال العامة والخاصة من العبث أو امتلاكها خلسة أو حيلة أو عنوة، وتحقيق أرباح غير مشروعة، أو بتوجيه سياسة الدولة لتحقيق مصالح ذاتية ومن بين تلك الجرائم الضارة بالمصلحة العامة استغلال الوظيفة العامة لتحقيق أغراض شخصية عن طريق الرشوة والتربح واستغلال النفوذ لتحقيق مصالح ومنافع وميزات شخصية. ولما كان القانون الجنائي يهتم بحماية المصالح الأساسية للمجتمع الإنساني فإن من أهم هذه المصالح حماية المال من جرائم الاعتداء عليه سواء كان المال عامًا أو خاصًا. وباستقراء نصوص التشريعات الاقتصادية تتضح سياسة المشرع تجاه حماية المال العام من العبث بوصفه جرمًا جسيمًا، وتطبيقًا لذلك فقد نص المشرع المقارن على جرائم اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر والاستيلاء عليه بأي صورة أخرى، ومن بينها أيضًا تقاضي عمولات عن صفقات أو غير ذلك من الأفعال، وقد فرضت عقوبات جسيمة لمنع العبث بالمال، ومن أهم الجرائم الاقتصادية جرائم الفساد واختلفت النظم السياسية في شأن محاسبة المسئولين السياسيين وكبار الشخصيات في حالة انحرافهم بالمسئولية المنوطة بهم وفساد ذممهم .. إذ تجنح بعض النظم إلى الاكتفاء بالتطهير أو الجزاء الإداري والإقالة في حالة الاتهام بالانحراف والفساد .. بينما تأخذ دول أخرى بنظام الجمع بين العقوبة الجنائية والجزاء الإداري مهما كان مركز الجاني الوظيفي وذلك إعمالاً لمبدأ " سيادة القانون" الذي يعتبر أصلاً من الأصول التي تقوم عليها الديمقراطية(1).

وبما أن الدولار أصبح سيّد العملات، فقد نجحت واشنطن في تحقيق سيطرتها عن طريق الاستثمارات وشراء المشروعات القائمة في أغلب البلدان، مقابل وعود بالتسديد بالدولار، ومقابل إعطاء الدائنين شهادات بتلك الوعود، فكانت "برامج الإعمار" العملاقة التي جعلت أوروبا واليابان، بمصانعها وشركاتها وأسواقها، بلداناً تابعة يقتسم الاحتكاريون الأميركيون منافعها وأرباحها. غير أن المخصصات الأميركية لم تكن تكفي لإعادة الإعمار، بل هي كانت حقاً الجزء الأصغر من التكاليف، أما الجزء الأكبر فقد وقع على عاتق الشعوب في أوروبا واليابان، وحتى الجزء الأميركي الصغير لم يأت من خزائن الاحتكاريين الأميركيين، بل من مدّخرات المودعين والمساهمين الأميركيين الصغار، ومن دافعي الضرائب، ومن بعض المصارف الأميركية، فهم بالإجمال لم يوظفوا من جيوبهم ما يستحق الذكر، وجنوا الفوائد الضخمة والأرباح الطائلة التي عزّزت مواقعهم في النظام الاقتصادى الدولي.و تعاني اقتصاديات الدول خاصة الرأسمالية من مشكلة ضيق الأسواق وصعوبة تصريف منتوجاتها، فتلجا إلى التكامل لتصبح أسواقها أوسع تشمل جميع الدول الأعضاء ويترتب عن ذلك زيادة إنتاج المشروعات لمقابلة الزيادة في الطلب على منتوجاتها، وبالتالي تشغيل الطاقات المعطلة وغير المستغلة كما يؤدي إلى تحقيق توفر الحجم الكبير.وعرف صندوق النقد الدولي في تقريره الأفاق الاقتصاد العالمي سنة 1995" العولمة الاقتصادية بأنها تزايد الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين دول العالم، عن طريق زيادة حجم وتنوع معاملات السلع والخدمات عبر الحدود والتدفقات الرأسمالية الدولية وكذلك سرعة ومدى انتشار التكنولوجيا".وتنطوي العولمة الاقتصادية على ثلاثة نظم رئيسية هي النظام النقدي الدولي والنظام المالي الدولي والنظام التجاري الدولي، ويقوم على إدارة هذه الأنظمة ثلاث منظمات اقتصادية دولية هي على الترتيب صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة، كل هذه تلعب دورا رائدا في ترسيخ هذه العولمة، فتدويل الإنتاج وعولمة التفاعلات المالية والاستثمارية على الخصوص وسقوط الاستقلالية الذاتية الاقتصادية على العموم، كلها عوامل تساعد على انتشار الظاهرة العالمية التي من أول ضحاياها سقوط مفهوم السيادة الاقتصادية، أي أن الحدود السابقة تسقط أمام الشركات العملاقة التي تستطيع أن تنقل أمكنة صناعة منتجاتها إلى بلاد العمالة الرخيصة وتعيد بيعها في بقية اسواق العالم بأسعار تنافسية.

والحِصار الاقتصادي هو من فكر اللوبي الاسرائيلي الذي اصبح صاحِب النُّفوذ الأكبَر على الرئيس الأمريكي، ترامب وتباهَت مَصادِر إسرائيليّة عُليا بأنّ تفاصيلها وضعها بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، ودعمها جاريد كوشنر، تلميذه وصِهر الرئيس الأمريكي ومُستشاره الأبرز، مِثلَما أكّد بن كاسبيت، الكاتب الإسرائيلي المُقرَّب مِن المصادر الأمنيّة في مَقالٍ له نشره في مركز “المَصدر” المُتخصِّص في شُؤون مِنطَقة الشرق الأوسط. وكانت هناك بحوث أجرتها وزارة الدفاع الأميركية استمرت لعشر سنوات وجهت الاهتمام بقوة نحو حرب التكنولوجيا الحديثة، باعتبارها أداة أساسية في آليات حرب الجيل الرابع، من خلال استخدام كافة أساليب الحرب النفسية للنفاذ إلى عقل المجتمع المستهدف، سواء بتشكيكه في نفسه، وفي قدراته، أو بإحداث انقسامات وصراعات داخلية، تفكك المجتمع، والوصول بالإرادة الجمعية للمجتمع إلى حالة تقويض غريزة البقاء لدى الإنسان. وترامب لم ياتي صدفة بل بتخطيط هدفه خلط اوراق العالم بعد ان توصلت الدراسات ان مصير امريكا سيكون كمصير الاتحاد السوفياتي السابق الانهيار مع صعود قوى عالمية كالصين. اذن الاستراتيجية هي خلط الاوراق ولو بالتجاوز على القوانين الدولية ثم اعادة التشكيل وفق المصالح الامريكية. لكن سنن الكون قاىمة ولن ينفع مع هذه السنّة شيئا وها هي الصين تصعد رغم كل محاولات امريكا. امريكا في خطر والدليل ما تفعله امريكا عن طريق ترامب ولا يمكن ان تشعر دولة بالقوة وتتصرف كما يفعل ترامب. ترامب شخص معتوه يريد تدمير العالم ولكن هناك قوه عالميه صاعده مثل الصين – روسيا – فرنسا – بريطانيا \ وقوه إقليميه مثل تركيا – إيران .

وتتعرض ايران الى حصار وعقوبات اقتصادية قاسية وجائرة لانها تؤثر بشكل مباشر على الطبقة المسحوقة من الشعب الايراني . ويعتمد الاقتصاد الايراني على العديد من القطاعات في مقدمتها النفط. هنالك فترات مهمة ثلاث تصف تطور القطاع وبالتالي الاقتصاد بشكل عام. في فترة 1908 \ 1959 كان الانتاج النفطي مهما، الا أن حصة ايران من الصادرات لم تكن كبيرة بسبب سيطرة الشركات الدولية العملاقة على الانتاج والتسويق. حصل بعدها تأميم القطاع وتأسيس ما عرف بشركة ايران النفطية. تطورات الأوضاع في القطاع النفطي تعكس تغير العلاقات السياسية بين الدول الصناعية والدول النامية خلال زمن الاستعمار والاستغلال. في فترة 1960 \ 1978، حصلت تطورات كبرى في الأسواق نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية الخطيرة في منطقة الشرق الأوسط التي ظهرت جليا في مقاطعة الدول الغربية نفطيا بسبب دعمها المطلق لاسرائيل. ارتفعت أسعار النفط وبالتالي ارتفعت الايرادات النفطية الايرانية من صادراته. الفترة الثالثة المهمة هي 1979 حتى اليوم، أهم أحداثها المعروفة حصول الثورة الايرانية وانعكاساتها الكبيرة ليس فقط على المنطقة وانما على العالم أجمع. حدثت أيضا الحروب مع العراق التي نزفت المنطقة كلها ليس فقط اقتصاديا وانما سياسيا وأمنيا وعسكريا واجتماعيا ودينيا أيضا. وقعت العقوبات على ايران التي ما زالت تمنع عمليا اطلاق عمليات النمو في كل دول المنطقة. لم يصبح النفط مهما في تنمية الاقتصاد الايراني الا بدءاً من الستينات. هنالك وعي حقيقي لكيفية انفاق أموال النفط وتأمين استقرار الايرادات في ظروف تقلب كبير في الأسعار .

وأما روسيا فتخضع لعقوبات غربية تم تشديدها منذ قيامها بضم شبه جزيرة القرم الاوكرانية في العام 2014. كما ساهم تراجع أسعار المحروقات في تسجيلها إنكماشا استمر لسنتين وخرجت منه في نهاية 2016. وواصلت الولايات المتحدة تعزيز عقوباتها في السنوات الماضية على خلفية اتهامات بالتدخل الروسي في الانتخابات الاميركية رغم وعود الرئيس الاميركي دونالد ترامب بتحسين العلاقات. و نشرت صحيفة "كوميرسانت" الروسية الاربعاء الماضي ما قدمته على أنه مشروع عقوبات أميركية يطلب خصوصا تحقيقا حول الثروة الشخصية المفترضة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومنع رعايا أميركيين من شراء الديون السيادية الروسية. وبحسب الصحيفة فان المشروع يقترح أيضا عقوبات تستهدف مصارف عامة روسية كبرى مثل "سبيربانك" و"في تي بي" و"غازبروم بانك" وكذلك قطاع المحروقات الذي يعتبر أساسيا للاقتصاد الروسي .

اما بالنسبة للصين، والتي دشنت أسرع اقتصادا ناميا في الثلاثين سنة الماضية بمعدل سنوي يتخطى ال 10 % منذ افتتاحها على الرأس مالية عام 1979 وصاحبة أكبر جيش في العالم والعضو في نادي الصناعات العسكرية والدولة المرشحة للتربع على عرش “أكبر إقتصاد في العالم” والذي يعني خسارة أمريكا لترسانة الضغط لديها والمتمثلة “بالعقوبات الإقتصادية” أصبحت خصم لا يهدد أمريكا بشكل مصيري خصوصا مع تحركاتها الجديدة لبناء نفوذ لها في إفريقيا والشرق الأوسط والكويت خير مثال على ذلك....

تظهر التجارب الحديثة في العالم أن هناك تكاملا بين التكتلات الإقليمية والعولمة بمفهومها الواسع حيث تنشأ عملية تبادلية يؤدي فيها الاندماج الإقليمي إلى المزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي، خصوصا مع التزايد المستمر في الدعوة إلى عولمة الاقتصاد وعولمة التجارة وإطلاق حرية السوق والمنافسة، تزايدت النزعة الدولية نحو إقامة تكتلات إقليمية بين الدول وذلك لفتح الأسواق وتدفق أنواع الاستثمار واليد العاملة وتسهيل حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال وتنسيق السياسات الاقتصادية والمالية بين الدول الأعضاء في التكتل، وتوفير الحماية من ضرر منافسة الاقتصاديات الأخرى وزيادة القوة التفاوضية في ظل الانفتاح الاقتصادي العالمي.

 

د. ماجد احمد الزاملي

.......................

(1) المستشار محمد فهيم درويش : الجريمة في عصر العولمة، الطبعة الثانية، 2000 - ص 197

 

 

صبيحة شبرنحيا في مجتمعات عربية اسلامية، تتميز بوجود فاعل للعادات والتقاليد، قد تتغلب كثيرا على قوة القوانين، وهذه العادات جاءت الينا من الحضارات القديمة التي نشأت في أرضنا ومن الأقوام العديدين الذين أقاموا في بلداننا، وليست كلها مستمدة من الاديان، المعروفة بمبادئها الكثيرة وقيمها العالية،الداعية الى التعايش بين الناس واحترام الآخر، ونصت على حقوق مختلفة لبني الانسان، ولكن نظرة فاحصة لكيفية حياة الانسان العربي في المجتمعات العربية، من الماء الى الماء، كفيلة بجعلنا ندرك انها تختلف، عن تلك الحياة التي يتمتع بها من كان يستوطن البلاد الغربية

فما الذي جعلنا نختلف عنهم، ونتأخر عما يتمتعون به من امتيازات، ومن حقوق استطاعوا ان يكتسبوها، خلال تاريخهم في النضال، الذي لايمكن مقارنته بما بذل انساننا من تضحيات، وما قدم من أعمال من اجل ان يتمتع بحياة لائقة ببني الانسان.

ومهما قلنا عن الظلم الذي يتعرض اليه الرجل في دنيانا، وعن غمط الحقوق لأسباب عديدة، فان المراة لها النصيب الأكبر، لانها تعامل كما لو كانت من مخلوقات أخرى تختلف عن جنس البشر، لايستحق الحياة الكريمة، والمرأة المبدعة، يكون نصيبها من التهميش والنكران أشد إيلاما من المرأة العادية، بسبب طبيعتها التي تتميز بالحساسية المفرطة، وعدم تقبل الظلم والرغبة في الثورة وتصحيح الأوضاع.

الحديث عن أوضاع المبدعين، وعن معاناتهم يطول، فكيف نعمل على اجتياز العراقيل الموضوعة في طريق ابداعنا، والعمل على ازدهاره وتطوره ؟وكثير من مبدعينا أعباؤهم كثيرة، يرزحون تحت ثقلها، فلا يجدون الوقت الكافي للتعبير عن أنفسهم وعن اقوامهم وشعوبهم، وبعض انواع الفنون والآداب لاتستطيع النساء الاقتراب منها،بسبب النظرة اليها وكأنها من المحرمات، بعض المجتمعات تجعل الفنون الجميلة حراما وعملا شائنا، لايمكن للانسان ان يقربها وخاصة ان كانت امراة، الرسم احيانا والموسيقى والنحت.

لكتابة نوع من الابداع، مباحة أمام المرأة، باختلاف المواضيع التي تتطرق اليها وتتناولها بالدراسة والمعالجة وقد أثبتت الكثير من المبدعات كفاءتهن في هذا المجال، ولكن هذا الموضوع يطرح علينا سؤالا، هل ان المراة الكاتبة تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الكاتب الرجل، مع ان الجنسين يعانيان من قلة سبل النجاح ومن صعوبة الطباعة، وندرة فرص التوزيع واتاحة الفرصة، لاطلاع القاريء على النتاج الادبي.

فالمراة المبدعة تعاني كثيرا،لانها لاتستطيع نشر ابداعها، كما ان كثرة الاعباء عليها، والتوزع بين اعمال المهنة والامومة والزوجية، والاطلاع على ما ينشر من مطبوعات، والاهتمام بالكتابة ايضا من العوامل التي ترهق المراة الكاتبة، وتحد من تجربتها الابداعية، كما ان المبدعة لاتفوز بالتفرغ للكتابة، كما هو حاصل في الدول التي تحترم الابداع، وتمنح الجوائز للمبدعين، معتبرة اياهم ثروة قومية يجب المحافظة عليهم، من التشتت وضياع الموهبة واندثارها، لان القدرة على الكتابة ككل موهبة، تحتاج الى تمرين واعمال فكر، وبعض التفرغ،

فالمراة المبدعة لانها كثيرة المهام، وتلك الواجبات من التباين والاختلاف، بحيث يصعب القيام بها، من قبل شخص واحد، ولكن المراة عليها ان تجامل، وتستقبل الضيوف وتبارك لهم اعمالهم، وتشجع الزوج وتقف بجانب الأبناء والبنات، دون ان تنتظر موقفا مكافئا يدل على التفهم او المساندة، فاذا ما جاء داعي الابداع مناديا، وجدها مشغولة في عمل آخر يبتعد كل الابتعاد عن عوالمه، الرجل يسرع ملبيا النداء، والمراة تتهم بتهم شتى، ان لبت مسرعة وتركت ضيوفها مثلا، او طبيخها على النار،

لقامت الدنيا واعتبرت المراة امّا فاشلة وهاجمها الناجحون والفاشلون معا، فاين تكتب المراة ومتى ؟ لابد انها تنتظر ان يهرع افراد الاسرة الى أسرة نومهم، طلبا للكرى بعد يوم طويل، وحين تجد ان الجميع قد خلد الى سلطان النوم، وانه لاأحد هناك يطرح عليها الأسئلة اثناء عملية الكتابة، ويغضب ان هي لم تسمعه باللحظة.

وكثيرا ما تحول الذات المحبطة بين الكاتبة وعملية الابداع، التي تتطلب الثقة بالنفس،ويتهم المبدعون بالنرجسية التي هي عدوة للابداع، فالمبدع لايمكن ان يصقل تجربته الكتابية، ان كان جاهلا حقيقة نفسه،معظما اياها بما لاتستحق، او غامطا ناكرا مزاياها، مبتعدا عن الفهم الواعي للنفس المبدعة، وكل انسان تختلف ذاتيته عن الذوات الاخريات وليس شرطا انها تتشابه.

والمبدع ينبغي ان يكون قويا، يمتلك القدرة على مواجهة الصعاب، والمراة تتطلب شجاعة أكبر، واحتمالا شديدا، وقدرة لاتكل على جعل الهزائم المعيقة، عوامل نجاح تكسب الانسان الخبرة.

واكبر هزيمة يمكن ان تتعرض لها المبدعة، حين ترغم على الابتعاد عن التعبير الحر، ووقت لاتجد القاريء الواعي الذي يمتلك القدرة على النقد المنصف البناء، الذي يأخذ بيد الأديب ويريه معالم الطريق الصائب، فليس السبيل مفروشا بالورد، انما الاشواك الكثيرة تعترض طريق المبدع، فيعاني من الألم، وقد يتعرض لصنوف من الحرمان، قد تكون الفاقة اسهلها جميعا، قلا ينبغي ان يترك القلم جانبا، ويهرب من المعركة، التي وجد نفسه فيها،أمام أعداء أكثر منه قوة، وأشد إصرارا على جعله يولي أول انهزام مؤثرا السلامة.

وقد قيل (ان وراء كل عظيم امراة) والصحيح ان المراة المبدعة بحاجة الى من يقف بجانبها، مشجعا مؤازرا، تتطلع الى تعاون الدولة، والى تكوين الجمعيات الثقافية والأدبية لمساندة الأديب في الطباعة والتوزيع بمبالغ مخفضة، وبمساهمة النقاد المنصفين، لتبيان مواطن النجاح والاخفاق في العملية الابداعية.

الكاتبة مدعوة الى مضاعفة الجهد لاثبات الكفاءة، وايجاد القاريء الواعي الذي يشكل رصيدا ثمينا للمبدع، وحافزا قويا لمواصلة النجاح، الصمت يعتبر هزيمة للكاتب، على المراة المبدعة ان تنأى عن هذه الافة الخطيرة التي تهدد العملية الابداعية في الصميم

 

صبيحة شبر

وديع شامخفي السوشيال ميديا كسرت الحواجز وبانت العورات، ونضحت الأواني وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود حيناً، وتلابست النوايا حد الاقتتال مرة أخرى .

في بلادنا ندّعي نحن من صنعنا الحضارة وعلّمنا الانسانية دورة الحياة والكتابة وصناعة العجلة والورق، ونحن من ارسى اول القوانين والشرائع، ونحن من دوخنا الدنيا بالشعر والحب والحكمة والفلسفة، وعباس بن فرناس هو الذي خلق للبشرية هيكلا لطائرة اليوم، و فلان اكتشف الدورة الدموية وعلّان اخترع درب اللبنانة ووووو سلسلة من لوائح البكاء على الماضي، يا لعوراتنا المستترة .

..........

كما هو الحال فلابد من شماعة لتعليق الأسباب، وحين يبتسم لنا الحظ لنا في امتلاك زمام أمرنا، نقف على الاطلال لننشر قائمة المظلوميات ونسترجع كلّ حيف لحق بنا كي نعطيه حقه من اللطم والحزن والجزع، فلا نحن مع حاضرنا الذي صار لنا ولا نحن مع المستقبل الذي ينتظر بناء لبنات حيّة لفجر نوعي تراكمي آخر .

وهكذا ترجع متوالية تكرار البدايات ويكون الماضي هو السطوة في السرد والواقع معا

...........

كلما تقدمت العلوم وتمدّنت المجتمعات وسار العالم الى بناء الانسان العالمي، المعرفي الحر، القادرعلى الوصول الى منابع المعلومات وسر الحياة المجتمعية والقانونية، المتمرس في خلق حوارية متكافئة مع الآخر الشريك في غطاء التعايش السلمي، كلما ازدننا غموضا وازوداجية وانكفاء، وهوساً في البحث عن ثقوب سوداء في الحياة لنمسك بها .. ليكون الانسان دمية بيد آلة عمياء.

...........

عندما كتب نجيب محفوظ الرواية بوصفها متنا تاريخيا وتسجيليا فقد دوّن شهادته على تاريخ المجتمع المصري وصفا وتشريحا، وعندما حلّق الطيب صالح يغوص في عمق المجتمع السوداني، وكان لعبد الرحمن منيف نصيب في تشريح بينة المجتمع السعودي والخليجي والشامي معا، وهكذا كان للطاهر وطار في الشمال الافريقي، ولغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي في العراق، اذ سجل الابداع بارومترا لقياس حساسية المجتمعات في المنظور الاجتماعي والنفسي، وبات الادب عبر الرواية وفنون القول الاخرى نافذة للدارسين لبحث طبيعة المجتمع وتشخيص العلل.

...............

للقاعدة شأن وللاستثناء حظوظ، فعندما نشير الى شخص لاختصار ظاهرة فهذا يعني ان ثمة اشكالية في العام والخاص معا.

شعراء ما يسمى بالجاهلية – قبل الاسلام - بعدد تراوح بين السبعة والعشرة – وكلهم فحول، وعلقت نصوصهم على استار الكعبة مكتوبة بماء الذهب .

فهل كان هؤلاء الشعراء هم الذين انجبهم المشهد الابداعي آنذاك؟؟

المتنبي الشاعر الذي حجب شمس الآخرين بوجوده الشعري الكبير في حاضنات الملوك، أهو الوحيد الحاضر والشعراء في غفوة ؟

لحظة الخسوف والكسوف لظواهر كونية واسقاط اسطورة ثنائية الشمس والقمر، اهي شهادة على القاعدة أم تبجيل الاستثناء ؟

......................

الحروب لا أخلاق لها، ليست هناك حروب شريفة أو مقدسة، الحروب مدنسة ودنسها يأتي من دم الانسان مادة الحياة .

عندما ذهب ماركس الى الصراع الطبقي سمة لتطور الحياة فهو لم يدعو الى العنف، وعندما قال فرويد الجنس هو المحرك الاساسي في التاريخ، لم يلغ جهود الانسان في الحياة .

لكنها الحروب تمتثل الى نظريات شيطانية، كما هي عند مالتوس –- الذي يرى ان الحروب والامراض وسيلة البشرية للحفاظ على توازنها السكاني .

اليست - داعش- التي لا تعرف ماركس ولا فرويد ولا مالتوس، قدمت نموذجا فريدا لشرعية الموت والحروب عبر حاضناتها الفكرية المتاحة، ولكنهم يقولون ان داعش هي الاستثناء .. فأين القاعدة ؟؟؟؟

 

وديع شامخ

 

 

حسن زايدتمضي بنا الحياة، وتأخذنا مشاغلها، حتي نجد أنفسنا فجأة أمام اللحظة الأخيرة، التي يصعب فيها الإستدراك علي ما فات، بالشطب، أو الكشط، أو التعديل. ولا يقبل فيها طلب الرجوع والعودة لنعمل غير الذي كنا نعمل، والتوبة عما فعلنا، والندم علي فعله. في تلك اللحظة تتكشف لنا حقيقة الحقيقة، وليست الحقيقة كما كنا نتخيلها أو نتصورها، أو نحب أن نراها ونتمني.

وفن التمثيل بكل عبقرياته في الدخول في الشخصية والإندماج فيها، وتقمصها، وآداء دورها المرسوم، بكفاءة وفاعلية وإقناع، من خلال الحركة والسكنة واللفتة أمام الكاميرات، والشحنات الإنفاعلية المتدفقة في هدوء أو عنف، أو بين بين، موهبة.

والسينما والتلفزيون والكمبيوتر والهاتف ينقلون الآن لجمهور المشاهدين دون استثناء أو تمييز أو طبقية المشاهد التمثيلية التي ينتجها ويخرجها فريق عمل ضخم من العاملين في هذا الحقل.

والسينما في أبسط تعريفاتها باعتبارها هي المصدر الوحيد للأفلام هي فن صناعة التصوير المتحرك. ويعد الفن السينمائي وتوابعه من تمثيل وإخراج من اهم أنواع الفنون شعبية، ويطلق عليه البعض الفن السابع، لأن هناك فنون ستة كونت الكورال السداسي الإيقاع للحلم الجمالي كما ذهب الناقد الفرنسي كانودو، وهي : العمارة والموسيقي والرسم والشعر والرقص، والسينما تجمل وتضم وتجمع هذه الفنون الستة، ولذلك سميت الفن السابع.

ولا ريب أننا جميعاً نستمتع بمشاهدة الأفلام،لأسباب عدة تختلف من وقت لآخر، ومن شخص إلي آخر في الوقت الواحد. وتعايشنا مع هذه المتعة لفترات طويلة ولسنوات عدة، حتي أصبحت هذه الأفلام لدي البعض، وما يصاحبها من متعة، ضرورة حياتية، ينفق من أجل مشاهداتها النقود. حتي أنه أصبح من الصعوبة بمكان الإستغناء عنها مجتمعياً ونفسياً. وأصبحت الأفلام كذلك أداة من أدوات التغيير في المجتمع، وتعديل إتجاهاته، وفقاً لمقتضيات حياتية حاكمة.

في ظل ذلك يصعب القول بإمكانية الإستغناء عن السينما، وما تنتجه، ونزع تأثيراتها علي كل جوانب الحياة المجتمعية.

ولكن يتعين أن يكون علي هذه الأحكام استدراك لصالح الدين. إذ لا يمكن أن نكون أصحاب دين، وننحي الدين عن حياتنا بالكلية. وللدين علي فن التمثيل تحفظات، وذلك بعيداً عن الإتهامات المعلبة، التي يوجهها بعض علماء الدين ومشايخه للتمثيل والممثلين والممثلات، وكذا الإتهامات التي يوجهها الجانب الآخر لعلماء الدين ومشايخه كالرجعية والتخلف.

بالقطع هذه التحفظات لا تنصرف إلي النواحي التقنية من تلك الصناعة، ولا تنصرف إلي مجمل الأعمال السينمائية. وإنما التحفظ الذي لا شبهة فيه، ولا استدراك عليه، يتمثل في المشاهد الحميمية، أو التي تفضي إليها بين الرجل والمرأة، وما يصاحبها من تعري كلي أو جزئي يكشف العورات، ويثير الشهوات الحيوانية لدي البعض. وهذه المشاهد تكون بين غرباء لا يحل لهم ممارستها تحت زعم التمثيل.

بالقطع هناك نأثيرات نفسية واجتماعية علي جانب الممثل أو الممثلة أو كلاهما في آن. وكذا تأثيرات علي جمهور المشاهدين علي ذات المستوي وربما أشد. وحتي لو لم تكن هناك تأثيرات فهناك أوامر إلهية نبهتنا إلي حرمة مثل هذه التصرفات، وما يؤدي إليها. فهي بلا شك من دواعي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا علي نحو أو آخر.

هذا ما أري في أمر ديني ودنياي، قد يكون محلاً للنقض أو النقد أو الرفض. ومع ذلك فلنعتبرها دعوي للتأمل والتدبر والتفكير الهاديء.

 

حسن زايد

 

علي رسول الربيعيتوطئة: إن الثقافة السياسية الشعبوية التبسيطية السائدة تكرر كثيرا كلمات تفتقد المطابقة التاريخية في هذه المرحلة التاريخية المشخصة في عالمنا العربي، كلمات مثل التعايش ، والتسامح ؛ ولكن ايضا ألأكثر عمقا وسعة ودقة منها هو مصطلح الأعتراف، فهناك فلاسفة ومفكرون يدعون الى سياسة الأعتراف. نحن هنا نقدم نقدا صارما وقويا لحق الأختلاف وسياسة الأعتراف هذه من موقع المسؤولية الفكرية والسياسية والأخلاقية أزاء الدماء الزكية التي تسيل والضحايا الابراياء في منطقتنا العربية.

مقدمة

إنً أحدى السّمات الأكثر بروزا للسّياسة في عصرنا هي تنامي طلب الجماعات الثّقافيّة المختلفة على الاعتراف لها بهويّة خاصّة مميّزة. فمطلبها الأساس أن ينفتح النّظام السّياسيّ الدّيمقراطيّ تجاهها ويتخلّى عن السّياسات والإجراءات التي تضرّ بها أو تتجاهلها، وأن يتمّ الاعتراف بها على قدم المساواة مع الهوّيّة الثّقافيّة للأغلبيّة أو الهوّيّة السّائدة.

وترد هنا عند الوهلة الأولى جملة من الأسئلة من مثل:

ـ ما هو حجم الاعتراف المطلوب؟

ـ كيف ينشأ؟

ـ وهل هو مُبرّر طبقاً لشروطه الخاصّة؟

ـ وهل سيكون الاجماع عليه متوافقًا مع الشّروط السّياسيّة للدّيمقراطيّة النّاجحة؟

سأتناول هنا العلاقة بين الهوّيّات الجماعيّة والهوّيّة الوطنيّة في إطار ديمقراطيّ، لكنّي سأقدم أيضا نقدا لفلسفة أو سياسة الاعتراف من وجهة نظر جمهوريّة.

سياسة الاعتراف

تتجاوز سياسة الاعتراف التّسامح كما فُهمَ في المجتمعات اللّيبراليّة، فسياسة التّسامح تنطوي على قدر من حرّيّة الجماعات في تأكيد هوّيّاتها والتّعبير عن قيمها الثّقافيّة خاصّةً. بحيث يكون دور الدّولة هنا سلبيًّا أي لا ينبغي لها إجبار الأقلّيّات على التّكيّف وإطاعة الثّقافة السّائدة ولا أن تُقيم الحواجز التي تُعيق ازدهار ثقافات تلك الأقلّيّات. إضافة إلى ذلك، تقع على الدّولة مسؤوليّة إيجابيّة أيضا هي حماية ثقافة الأقلّيّات عندما يجد أعضاؤها أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع الثّقافة السّائدة.( الذين يمثلون هذا الموقف:

Raz,J,. Ethics in the Public Domain (Oxford, Clarendon Press, 1994); Kymlicka, Multicultural Citizenship (Oxford, Clarendon Press, 1995(.

لكن هذا يعتبر غير كافٍ بالنّسبة لمؤيّدي سياسة الاعتراف لأنّه يحاصر الجماعات في مجالها الخاصّ، ولا يوفّر لهوّيّاتها فرصة الحصول على تأييد الفضاء العامّ. هذا الفضاء الذي يخضع – طبقا لرأي مؤيّدي الاعتراف - لقواعد تبدو عامّة ومحايدة ثقافيّا، ولكنّها في حقيقة الأمر تعكس القيم الثّقافيّة للفئات الاجتماعيّة المهيمنة. تقول آرز موران يونغ بوصفها من أبرز المدافعين عن سياسة الاعتراف في كتابها العمدة "العدالة وسياسة الاختلاف"

Young. I.M., Justice and the Politics of Difference (Princeton, Prenceton University Press, 1990(,

( الذي سأعتمده و أعود إليه دائماً فالنقد يوجه للرؤية التي تقدمها يونغ في كتابها المرجع هذا) : فـ (تقدّم وجهة نظر الذين يتمتّعون بالامتياز تجربتهم ومعاييرهم الخاصّة كشيء معتاد ومحايد، وإذا اختلفت تجربة بعض الجماعات عن هذه التّجربة المحايدة أو لم تَرْقَ إلى معاييرها يُنْظَر للاختلاف وكأنّه قد بُنيَ على نحو منحرف واعتُبِرَ ذو منزلة أدنى. فلا يتمّ فقطّ تجاهل وكتم تجربة وقيم الجماعة "المنحرفة" ولكنّ المضطهدين يصبحون في وضع غير مُواتِ بسبب هوّيّاتهم المختلفة).

إذن، من هذا المنظور لا يمكن للفرص المتكافئة أن تنشأ بالنّسبة للمجموعات المختلفة التي يأمل اللّيبراليّون خلقها من خلال سياسات التّسامح، فالمطلوب بدلاً من ذلك أن يحدث تحوّل في المجال السّياسيّ ومن خلال ثلاثة جوانب رئيسة:

أوّلاً، تطهير المجال السّياسيّ من الإجراءات والرّموز والمعايير التي تجسّد قيم المجموعات التي هيمنت حتى الآن، فعن سبيل المثال، لا ينبغي أن تـُقتصر السّياسة على لغة مجموعة الأغلبيّة في مجتمع ثنائيّ اللّغة، أو إعطاء أيّ دين معيّن امتيازا خاصّا في الفضاء العامّ.

ثانيّا، أن تشارك الجماعات في المجال السّياسي على أساس مبدأ المساواة، وتشجيعها على تأكيد هوّيّاتها الخاصّة ووجهات نظرها في سياق القيام بذلك. فمن ناحية أولى يتطلّب هذا الأمر الوجود الفعليّ لأعضاء كلّ جماعة في المحافل السّياسيّة كالمجالس التّشريعيّة وغيرها، وبأعداد كافية حتى يكون وجودهم كبيرًا ومؤثّراً.

Philips,A., The Politics of Presence (Oxford, Clarendon Press, 1995).

ومن ناحية أخرى أن تشارك تلك الجماعات ليس تبعًا للشّروط التي حدّدتها الجماعات الأخرى والتي قد لا تأخذ شكلاً علنيّاً، ولكن وفقا للوسائل التي تتطلّبها تجربتها الخاصّة، ويترتّب عن هذا حقّ الجماعات في أن تنظّم نفسها بشكل مستقلّ فربّما يكون هذا التّنظيم ضروريًّا لهذه الجماعات من أجل اكتشاف وتعزيز إيجابيّات وخصوصيّة تجربتها الذّاتيّة. Young.167. يحقّ لأعضاء الجماعة مناقشة وتحديد احتياجاتهم ومصالحهم الخاصّة، ونقل تلك المصالح والاحتياجات إلى المجال السّياسيّ بعرضها على الجماعات الأخرى التي تعرض هي الأخرى وجهات نظرها الخاصّة وتوصلها بطريقة مماثلة.

ثالثا، أن تراعي السّياسات المنبثقة عن دوائر صنع القرار حساسيّة الاختلاف بين الجماعات باستبعاد أيّة إجراءات بسيطة ومباشرة لحساب الأغلبية في اتّخاذ القرار، ويحقّ للجماعات الإصرار على سياسة معيّنة تعتبر نتائجها ضروريّة لاحترامها الذّاتيّ ورفاهيّتها، وهو ما قد يبرّر منحها حقّ النّقض في المجالات السّياسيّة عندما لا تكون المعاملة المتساوية كافية في ظروف تتأثّر بها تلك الجماعات المختلفة بشكل غير متكافئ في السّياسية التي تمّ اختيارها.

تُلخّص يونغ "سياسة الاختلاف" التي تؤيّدها على النّحو التّالي:

"على الجمهور الدّيمقراطيّ أن يُقدّم آليّات للاعتراف والتّمثيل الفعّال للأصوات ولوجهات النّظر المميّزة لتلك الجماعات المكوّنة من المضطهدين والمحرومين، وعلى هذا التّمثيل أن يتضمّن الآليّات المؤسّسيّة والموارد العامّة الدّاعمة:

(1) التّنظيم الذّاتيّ لأعضاء الجماعة بما يمكّن من الإنجاز الجماعيّ لقدراتهم وفهمهم وخبراتهم ومصالحهم الجماعيّة في سياق المجتمع.

(2) التّحليل الجماعيّ وتوليد الأفكار عن سياسات تقترح في سياق مؤسّساتيّ بما يُلزِم صنّاع القرار بإثبات أخذهم بالاعتبار وجهات نظر الجماعة.

(3) حقّ الفيتو تُجاه السّياسات التي تؤثّر عليهم مباشرة". Young, 184,

   ويمكن إلقاء مزيد من الضّوء على سياسة الاعتراف هذه بكشف وجوه اختلافها عن نموذجين في السّياسة الدّيمقراطيّة.

النّموذج الأوّل يهمّ تعدّد جماعات ترى في الدّولة الدّيمقراطيّة ساحة لاختلاف المصالح لذلك فهي في إطارها تفاوض وتساوم بعضها البعض، وهو ما ينتج عنه في النّهاية ما يمثّل سياسة تُقيم تسوية عادلة بين مطالب تلك الجماعات، وإلى أبعد من ذلك تذهب سياسة الاعتراف في طريقين:

الأول، مع ما يواجه تعدّد المصالح من مشكلات يثيرها واقع الجماعات المختلفة التي لا يتاح لها قدرٌ متساوٍ من المصادر التي تؤهّلها لدخول السّاحة السّياسيّة، إلاّ أنّ سياسة الاعتراف تفترض أنّ المؤسّسات السّياسيّة يمكن أن تكون محايدة بين الجماعات بعد تحقيق هذا الدّخول، حيث يعتمد نجاح كلّ جماعة على قوّة مساومتها، وقدرتها على تشكيل تحالفات. في المقابل، ترى هذه السّياسة أي سياسة الاعتراف أنّ الفضاء العامّ يتجّسد في معايير تعتبر بعض الجماعات ذات وجود شرعيّ ومقبول بينما تنحرف أخرى عن تلك المعايير. وعليه لا تُحلّ مشكلة الجماعات المدرجة في فئة المنحرفة بإعطائها حقّ دخول المجال السّياسيّ فقطّ، ولكن بالحصول على اعتراف بشرعيّة الهوّيّات التي تمثلها أيضا، والتي تنطوي على تحدٍّ للمعايير السّائدة المتعلّقة بتحديد من الذي يـُنظَرُ إليه ويُعوّلُ عليه كمواطن صالح.

الثّاني، ينطلق من تصوّر لتعدّد مصالح الجماعات يرى أنّه بإمكان هذه الجماعات الوصول فيما بينها إلى اتّفاق حول مطالبها ينعكس في تسوية سياسيّة منصفة تحفظ مصالح الجميع. وتميل سياسة الاعتراف من ناحية أخرى، إلى إعادة توزيع الفرص والمناصب والثّروة وغيرها لصالح تلك الجماعات التي اعتُبرَت محرومة أو مضطهدة، لكن على كلّ جماعة أن تقدّم تفسيرا لاحتياجاتها وأن يكون لهذه الاحتياجات وزنا أخلاقيّا أو ثقلا معنويّا عند أعضاء الجماعات الأخرى، أي أن تحكم قواعد العدالة كلّ نقاش سياسيّ حول هذا النّموذج بما يعود بالمنفعة على الجماعات المختلفة.

النّموذج الثّاني من السّياسة الدّيمقراطيّة الذي يغاير سياسة الاعتراف هو النّموذج الجمهوريّ والذي يرى أنّ على الأفراد الناشطين في المنتظمات السّياسيّة تبنّي الهوّيّة الوطنيّة الجامعة التي تتجاوز هوّيّاتهم الفئويّة كأفراد أو أقلّيّات طائفيّة دينيّة أو عرقيّة أو غيرها. فمن المهمّ بالنّسبة للسّياسة الدّيمقراطيّة طبقا لهذا النّموذج أن تكون جميع وجهات النّظر ممثّلة في السّاحة السّياسيّة من أجل الوصول إلى قرارات سياسيّة عادلة ومتّفق عليها، لذلك على المواطنين أن يتركوا التزاماتهم الشّخصيّة وانتماءاتهم لجماعات معيّنة جانبا ليحاولوا تقييم المطالب المتنافسة اعتمادا على مدى استيفائها لمعايير العدالة والمصالح المشتركة. ويجد هذا النّموذج تعبيره الأكثر وضوحاً وربّما الأكثر تشدّداً في رأي روسّو المطالب بمنع جميع العصبيّات في الجمعيّة التّشريعيّة من أجل أن تظهر الإرادة العامّة. تزعم سياسة الاعتراف أنّ العموميّة التي يطالب بها الجمهوريّون زائفة، وأنّ المعايير المفترضة لتوجيه النّقاش العامّ هي في الواقع تلك المعايير التي تمّت برعاية الجماعات القويّة القائمة، وأنّه لا يوجد سبب وجيه لأن يضع أعضاء كلّ جماعة هوّيّاتهم الخاصّة جانباً عند المشاركة في المحافل السّياسيّة لأنّ ذلك سيعني استسلامًا لهوّيّة مواطنة تصطنع التّجانس. تقول يونغ بالضّد من النّموذج الجمهوريّ إذن، وترى أنّ سياسة الاختلاف تعبّر عن مفهوم لجمهور "لا يفترض ضمنًا التّجانسً أو يتبنّى وجهة نظر عامّة واحدة في جميع الأحوال والأمكنة ... ما ينبغي معه على المشاركين الدّيمقراطيّين لتعزيز سياسة الاندماج تأييدُ تصوّرٍ لجمهورٍ غيرِ متجانسٍ يعترف باختلاف مواقف الأشخاص ويحترمها بالرّغم من أنّها قد تبدو غير مفهومة تماما من قبل الآخرين". ) وجهت، أ. م، يونغ نقدا مشابها الى النظريات الحالية حول الديمقراطية التشاورية في،

Communication and the others: Beyond Deliberative Democracy’ in Benhabib, S(ed), Democracy and the difference (Princeton, Princeton University, Press, 1996)

إنّ ما وصفت يونغ من سياسة للهوّيّة يمتلك أوجها رمزيّةً ومادّيّةً وينطوي من ناحية أولى على اعتراف عامّ بالهوّيّات الجماعيّة، وعلى كسب الشّرعيّة للهوّيّات العرقيّة أو الدّينيّة أو الجنسيّة التي قد جرت العادة وفقا لأنصارها على اعتبارها أقلّ شأنا من الهوّيّة المهيمنة. وينطوي من ناحية أخرى على إعادة توزيع الموارد لهذه الجماعات، في شكل برامج عمليّة وثقافيّة ذات مردوديّة ايجابيّة للأقلّيّات. لذلك سيكون من السّخريّة القول إنّ مفهوم السّياسة الذي تنطوي عليه سياسة الهوّيّة ضمنًا هو مفهوم رمزيّ بحتٌ، ومع ذلك سأركّز على الجانب الرّمزيّ لأنّه يمثّل الجانب الأكثر تميّزا لهذا النّوع من السّياسة، ويبقى البحث عن الاعتراف من خلال السّياسة باعتبار أنّ الهوّيّة الجماعيّة ليست آمنة ما لم تحصل على الموافقة السّياسيّة ظاهرة تتطلب مزيداً من التّحقيق.

الهوّيّات الجماعيّة والاعتراف السّياسيّ

ليست هناك حقيقة ذات صلاحيّة كونيّة أو شاملة ترى أنّ الجماعات ذات الهوّيّات الطّائفيّة دينيّة كانت أو عرقيّة يجب أن تسعى للحصول على الاعتراف السّياسيّ. وبتعميم عريض، يمكن القول، كان مطلب الأقلّيّات الأوّل تاريخيّا، هو أن تُترَك لشأنها من قبل الدّولة لكي تحصل على مساحة لتطوير مؤسّساتها الاجتماعيّة والثّقافيّة. فلم تكن مطالبها تتعلّق برفع حالة اضطهاد أو بالكفّ عن تحويل قسريّ إلى الدّين أو الثّقافة المهيمنة. وسيكون من السّخف اعتبار كلّ مطالب الجماعات هو الاعتراف السّياسيّ. ليس لأنّ هذا الاعتراف كان في متناول الجماعات في الماضي ولكن لأنّ هذه الجماعات لا تعلّق أيّ أهمّيّة خاصّة على الاعتراف السّياسيّ من قبل من هم خارجها. فكلّ عضو يكسب مكانته واحترامه من داخل الجماعة ورأي من هم خارجها ليس بذي أهمّيّة طالما لا يمثّل خطراً أو تهديداً على وحدة وكيان الجماعة أو على مصالحها الخاصّة، لذلك لا تسعى الجماعة للحصول على الاعتراف بها من قبل من هم خارجها ومختلفين عنها في أسلوب حياتهم.

يمكن وصف مطلب الاندماج بالمرحلة الثّانية، فقد برزت في مرحلة معيّنة من تطوّر الدّولة الحديثة فكرة أن يكون لكلّ عضو في المجتمع السّياسيّ منزلة فوق الانتماء الخاصّ فكانت فكرة المواطنة المشتركة. وهي الفكرة التي ينبغي أن تكون لها الأولوّيّة لدى كلّ عضو في المجتمع السّياسيّ وأن تكون فوق كلّ انتماء لهذه الجماعة أو تلك، غير أنّ فكرة المواطنة واجهت بعض الصّعوبات مثل تفضيل بعض الأعضاء على آخرين، كما واجهت تحدٍّ من قبل جماعات بدأت تضغط مطالبةً بأن تُـعامل على مبدأ المساواة. وغالبًا ما ترافق هذا مع تغيير في أفكار الهوّيّة الوطنيّة وفيما يعنيه أن يكون الفرد عضوا مخلصًا ومساهمًا في قضايا الشّأن العامّ في أمّته، حيث قُبل المسيحيّ بالمواطنة الكاملة في الثقافة الوطنيّة الحديثة في الدّولة العربيّة، وقُبل الكاثوليك بالمواطنة الكاملة في الثقافة البروتستانتيّة ببريطانيا. إنّ المنطق الأساس لحجّة المواطنة هنا يسعى لإظهار أنّ امتلاك الخصائص المميّزة للجماعة أو عدم حيازتها هو غير ذي صلة بمطلب شخص يريد التّمتّع بالمساواة في حقوق المواطنة؛ إمّا لأنّ تلك الخصائص لا صلة لها بالمواطنة أو لأنّ وجودها يجعل المرء لا بأسوأ حال ولا بأفضله من وجهة نظر المواطنة في حال وجودها كما في حال عدمه. مهما كان الشّكل الدّقيق للحجّة، فالمطلب حقّ كلّ فرد في أن يُعامل كمواطن يتمتّع بحقّ المساواة بصرف النّظر عن الجماعة التي ينتمي إليها، فلا ينبغي أن يعتمد القبول في المجال العامّ على خصائص ثقافيّة أو عقديّة كالتي لدى العضو في جماعته.

يمثّل السّعي للاندماج في جزء منه محاولة للحصول على الفوائد المادّيّة الملموسة التي تُكتسب من حقوق المواطنة مثل الوصول إلى المناصب العامّة، لذلك يسعى أعضاء الجماعات المستبعدة للاعتراف بهم كمواطنين متساوين مع غيرهم من أعضاء الجماعة المهيمنة؛ هذا يعني ضمنًا أنّهم يتبادلون معهم هوّيّة مشتركة الأمر الذي يجعل الاعتراف بهم من قبل غير المنتمين لهم له أهمّيّة عندهم إذ لم يعد الاحترام كافيا بذاته من قبل عضو في المواطنة لعضو آخر ينتمي لجماعة معينة. من ناحية أخرى غدا المطلوب هو الاعتراف بمواطن لا غنًى عنه وليس الاعتراف بعضو جماعة لا غنًى عنها، أي أصبح المطلب هو أن يكون الفرد منتميا إلى جماعة دينيّة أو مذهبيّة أو عرقيّة ولكنّه مواطن في دولة، ولديه ولاء للوطن وقيمة كمواطن كما الآخرين، إذن لدينا هنا جماعات تحمل هوّيّتين: هوّيّة جماعيّة، وهوّيّة وطنيّة يشتركون فيها مع الآخرين. ففي بعض السّياقات يريد أعضاء هذه الجماعات في ماجريات التعامل مع مواطنيهم أن تكون الأولويّة للاعتراف بهوّيّاتهم الجماعيّة، وفي سياقات أخرى لاسيما السّياقات العامّة منها يريدون أن لا يُنظر إلى هوّياتهم الجماعيّة تلك كأولويّة وإنّما يُعاملون وفقاً لهوّيّتهم الوطنيّة التي يحضون بالاحترام على أساسها.

ـ كيف يمكن تفسير تحوّل بعض الجماعات أو أقلّه تحوّل أكثر المتحدّثين باسمها صخبًا من سياسة الإدماج إلى سياسة الاعتراف؟

ـ لماذا أصبحت المشاركة السّياسية مهمّة بالنّسبة للنّاس ليس كمواطنين متساوين لكن كَحَمَلة لهوّيّة فئويّة؟

ترد هنا إجابتان:

الأولى مفضّلة عند المدافعين عن سياسة الاعتراف مفادها أنّه لا يمكن أن تنجح سياسة الإدماج وفقا لشروطها الخاصّة لأنّه من الصّعب جدّا أن يُعامل أعضاء الجماعات كمواطنين متساوين بتجريدهم من صفاتهم وتفضيلاتهم الجماعيّة باعتبارها غير ذات صلة بالأهداف والأغراض السّياسيّة، ولأنّ الفضاء العامّ متحيّز ضدّهم يجسّد المعايير التي يجدون من الصّعب عليهم إطاعتها. قد يبدو هذا الانحياز أقلّ علنيّة بالمقارنة مع المفاهيم السّابقة للمواطنة لكنّه ما يزال موجوداً على الرّغم من ذلك. تزعم يونغ على سبيل المثال "أنّ المجال العامّ التّقليديّ للمواطنة عمل على استبعاد الأشخاص الذين يوحّدون بين الجسم والشّعور ... وأنّ العديد من المنظّرين المعاصرين للمشاركة الدّيمقراطيّة يتبنّون تصوّرا لجمهور مدنيّ يترك به المواطنون خصوصيّاتهم واختلافاتهم خلفهم، وهو ما يجعله يستمرّ كتصوّر عموميّ في تهديد البعض بالاستبعاد إذ ينبغي أن يتحول معنى "الجمهور" من خلاله إلى فضاء لتقديم إيجابيّة اختلاف الجماعات، وتقديم عواطفها وأدائها". Young, 119,

إنّ دعوى انحياز المجال العامّ لا تصمد أمام التّمحيص الدّقيق، فلا يوجد أيّ سبب للاعتقاد بأنّ مفهوم المواطنة الجمهوريّ الذي يرى أنّ على المواطن أن يلعب دوراً فاعلاً في تشكيل الاتّجاه المستقبليّ للمجتمع من خلال النّقاش السّياسيّ وصناعة القرار، يضع جماعات مثل الأقلّيّات العرقيّة أو الدّينيّة في وضع غير مواتٍ لها.

الثّانية ترد عند السّؤال عن سياسة الهوّيّة حينما يصبح الاعتراف السّياسيّ العلنيّ بالهوّيّات مهمّا بالنّسبة للجماعات بسبب ما قد تكون عليه هذه الهوّيّات في أوضاع غير آمنة تهدّدها بالتّلاشي. حيث يطلب من هذا الاعتراف تعزيز وإضفاء الشّرعيّة على الهوّيّات الجماعيّة التي قد تتسبّب العوامل الاجتماعيّة بطريقة أو أخرى في خفض أهمّيّتها. و تزعم يونغ أنّ هناك العديد من الأمثلة عن الهوّيّات الجماعيّة التي تكون فيها الجماعات خاضعة أو مضطهدة تتطلّب اعترافاً خاصّا). إن نقدا مهما وقيما ليونغ هو ما وجهته:

Nancy Fraser, ‘Redistribution or Recognition : A Critical Reading of Iris Young’s Justice and the Politics of Difference’ Journal of Political Philosophy, 3 (1995), 166-81.(

عندما نفكّر في جماعة طائفيّة سواء كانت دينيّة أو عرقيّة فإنّنا غالبًا ما نفكّر بمجتمع مغلق يعترف فيه الأعضاء بعضهم ببعض وينظر الآخرون لهم من الخارج بوصفهم ينتمون إلى تلك الجماعة. تميّزهم ثقافة وتقاليد وعلاقات اجتماعيّة وقيم مشتركة وهوّيّة لا تعتمد على خيارات يقوم بها أعضاء منفردون، على الرّغم من أنّه في بعض الحالات يمكن أن تُـقارب العضوية في جماعة هذه الصّورة الأخيرة. على كلّ حال، يمكن اعتبار الهوّيّة مسألة اختيارات تحصل بطريق الجماعات أو بواسطة الأفراد، ويمكن للجماعات أن تختار التّعريف عن نفسها بهذه الطريقة أو تلك؛ ولدى الأفراد المتساوين في كثير من الأحيان مجموعة من الخيارات التي تتعلّق بالهوّيّة للتّفضيل فيما بينها، والأمر متروك لهم في أيّ الخيارات التي يفضلون في سياق تحديد الهوّيّة الذّاتيّة.

Levine Modood.T., Beishon.S.,and Virdee,S., Changing Ethnic Identities (London,Policy studies Institute , 1994(.

إذن كلّ هذه الهوّيّات متاحة لأعضاء الجماعة ليقوموا بالخيارات المختلفة، يضاف إلى ذلك إمكانيّة تحوّل مركز ثقل الجماعة بأكملها مع مرور الوقت بتغيير ثقافتها الدّاخليّة وتغيّر الظّروف الخارجيّة المحيطة بها.

وهو ما يكشف عن قدرة الأفراد على تحديد انتماءاتهم وتعيين الجوانب التي لها الأولويّة منها، إذ يفضّل معظم النّاس عدم التّخلّي عن هوّيّاتهم الجماعاتيّة في الظروف التي تكون فيها أصولهم متعدّدة، ومع ذلك يختارون هوّيّة واحدة أو مختلطة وفقا لتفضيلاتهم الثّقافيّة الشّخصيّة ووفقا للجاذبيّة الاجتماعيّة النّسبيّة لمختلف الهوّيّات

Waters.M.C., Ethnic Option : Choosing Identities in America (Berkeley, University of California Press, 1990), PP.23-5.

التي تبرز واضحة مثلا في أحد أشكالها المعروفة بـ "العرقيّة الرّمزيّة" حسب تعبير جي. أج. جينس في كتابه الذي يحمل هذا العنوان

Gans,H.J., ‘Symbolic Ethnicity’ in Hutchinson.H.,and Smith.A.D.,(eds),Ethnicity (Oxford, Oxford University Press, 1996).

حينما يستفيد النّاس من شعورهم بالانتماء لجماعة محدّدة. بالتّأكيد لا يمكن تعميم هذه الهوّيّات على المجتمعات كافّة اذ من الخطأ أن تُعتبر الهوّيّات من هذا النوع نسخة معياريّة للهوّيّات في المجتمعات اللّيبراليّة المعاصرة مثلا، فقد يختلف الموقف كثيرًا بالنّسبة لجماعات مغلقة وثابتة،( نجد شرحا وافيا عن هذا بتركيز على الهويات العرقية عند:

Hollinger.D.A., Postethnic America( New York, Basic Books,1995),ch.1)

وقد يكون الاعتراف السّياسيّ بالهوّيّات الجماعيّة مهمًّا لأنّه يساعد على ترسيخها، فإذا نجحت جماعة في كسب هذا الاعتراف فإنّها تؤسّس من ناحية أولى لواحد من بين العديد من الخطوط الممكنة للانقسامات الاجتماعيّة؛ وتكون قادرة من ناحية أخرى على تحديد ما يعنيه الانتماء إليها علناً.

( للمزيد من الأمثلة التفصيلية المؤيدة لما ذهبنا اليه أنظر

Appiah.K.A.H., ‘Identity, Authenticity, Survival’ in Tylor, C., Multiculturalism : Examining the political of Recognition, ed Gutmann.A.,( Princton, Prinston University Press, 1994).

الهوّيّات الجماعيّة والدّيمقراطيّة

ـ ما الذي يدفع جماعة طالبت بالتّسامح أو بالاندماج والمساواة إلى المطالبة بالاعتراف؟

لا تنشأ سياسة الاعتراف في الغالب الأعمّ من فشل سياسة الاندماج أو من أوضاع تصبح فيها الهوّيّات الجماعيّة متحوّلة وخاضعة للخيار الفرديّ على نحو متزايد، وإن ظلّت هذه الهوّيّات مهمّة لحامليها. ويأتي السّؤال التّالي عمّا إن كانت السّياسة من هذا النّوع قابلة للحياة، أي عمّا إذا كان ممكنا بالنّسبة لدولة ديمقراطيّة أن توفّر وضعا يتمّ فيه الاعتراف بالجماعات على قدم المساواة ويشرعن هوّيّاتهم في إطار سياسيّ.

ولعلّ هذا التّحليل يقود مباشرة إلى السّؤال عن المعايير التي يمكن اعتمادها لتحديد الجماعات المؤهّلة للاعتراف السّياسيّ، يضع باحثون مثل يونغ معياراً واحداً تتأهّل به الجماعة للاعتراف وهو "معاناة الاضطهاد والحرمان" بصرف النّظر عمّا قد ينطوي عليه تطبيق مثل هذا المعيار من مضاعفات لاسيما في مجتمع غير متجانس أقواميّا ودينيّا سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات. فالاحتمالات واسعة جدا إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض التّفاصيل المتعلّقة بالعرق، الجنس، الملّة، المذهب، الطّبقة والحزب، فقد يأخذ تأسيس جماعة مع كلّ بُعْدٍ شكلا منفصلا، إذ أنّ هؤلاء الأفراد الذين ينتمون لعرق أو جنس أو ملّة أو مذهب أو طبقة منهم من ينتمي مثلا لأحزاب علمانيّة ويشكّلون هوّيّة جماعيّة، كيف يمكن أن يكونوا مؤهلين للحصول على الاعتراف السّياسيّ؟ أية وسيلة هي الوسيلة الصّحيحة؟

تجيب يونغ أنّه وبشكل عامّ، كلّما مالت الجماعة إلى الانفصال أكثر كلّما كان ممكن تمييزها بشكل أوضح، لذلك فهي تنادي بفكرة "جماعة الانتماء" وتقول: "تضمّ فكرة "جماعة الانتماء" أولئك النّاس الذين أشعر معهم بالألفة، بالتّرابط العاطفيّ، وبالرّاحة أكثر أو بالشّبه في الأسماء ولكن ليس وفقا لبعض الصّفات الطّبيعيّة العامّة. قد يتحوّل شخص من الانتماء لجماعة معيّنة وفقا للحالة الاجتماعيّة أو وفقا لتغيّرات في حياته ... فبناء هوّيّة الجماعة يتمّ خلال عمليّة مستمرّة يعرّف بها الأفراد أنفسهم، ويعرّفون بها الآخرين من ناحية صلتهم بجماعتهم، وبالتّالي تتحوّل هوّيّة الجماعة نفسها مع التّغييرات في هذه العمليّة الاجتماعيّة". Young, 172.

يتناسب هذا الوصف مع تحليل الهوّيّات الطّائفيّة والجماعات الأخرى حيث حرصت على التّأكيد على أنّه لا ينبغي النّظر إلى هذه الهوّيّات باعتبارها ثابتة ولكن بوصفها متحوّلة سواء بالنّسبة للجماعة أو بالنّسبة للأعضاء وهو ما يمثّل عقبة كأداء أمام فكرة تمثيل الجماعة والجوانب العمليّة الأخرى لسياسة الاعتراف ومن ثمّة يصبح السّؤال: أيّ سياسة مناسبة يمكن أن تكون ضروريّة لتمييز هوّيّات جماعيّة معيّنة على حساب أخرى؟

قد يبدو للوهلة الأولى أنّها مجرّد مسألة تفصيل عمليّ في إطار سياسة الاعتراف، لكنّها في واقع الأمر تدلّ على عدم تماسك الدّفاع عن الهوّيّة السّياسيّة جنبا إلى جنب مع الادّعاء بأنّ الهوّيّات الجماعيّة لا تُعطى مسبقا ولا هي ثابتة أبدا، ولكن تتجدّد باستمرار وفقا للانتماءات التي يشعر بها مختلف الأفراد؛ فلا يمكن لسياسات الهوّيّة أن تبقى مرنة بلا حدود. لا بدّ إذن أن تؤطّر الجماعات نفسها لتحصل على الاعتراف السّياسيّ ولأجل تثبيت عضويّتها وتحديد ما تسعى إليه من الحقوق التي تعتمد بسهولة وفي أغلب الحالات كأساس لتصنيف خصائص الجماعة مثل الملّة أو المذهب أو الجنس أو العرق. قد يشتغل هذا الأمر على مستوى سياسيّ وقد لا يشتغل، لكن اشتغاله يحصل عن طريق تثبيت وتفضيل بعض الهوّيّات على حساب أخرى؛ لذلك فهو ببساطة غير متوافق مع الادّعاء بأنّه من الممكن لكلّ شخص أن يكون قادراً باستمرار على تغيير تفضيلات هوّيّة جماعته على أساس مشاعر الانتماء.

وجوابا عن السّؤال: ماذا يعني أن تكون هوّيّة جماعيّة معترف بها سياسيّا؟ فإنّه:

ـ أوّلا، يتعيّن على أولئك الذين ليسوا أعضاء في جماعة معيّنة أن يفهموا ما يعنيه الانتماء لها، وأن يتفهّموا وجهة نظر أعضائها في الواقع ليدركوا معنى ذلك الانتماء وقيمته بالنّسبة للمنتمين لها لأجل أن يكوّنوا تمثّلا واقعيّا عمّا يتعلّق بتلك الجماعة.

ـ ثانيّا، لا بدّ من الاعتراف بهذه الهوّيّة كهوّيّة ذات قيمة مساوية لهوّيّات غيرها من الجماعات.

ـ ثالثا، من الضّروريّ أن تتجلّى هذه القيمة عمليّا عبر سياسات تحترم مطالب كلّ الجماعات. دعنا نطلق على هذه العناصر الثّلاثة: فهم الاعتراف، التّقييم الإيجابيّ، والتّأييد العمليّ.

   لا يواجه العنصر الأوّل المتعلّق بالفهم أيّة صعوبة، ويبدو أنّ حجّته قويّة ومؤيّدة لفكرة أنّ وجود أعداد كافية من جماعة معيّنة على السّاحة السّياسيّة يجعلها قادرة على إسماع صوتها، ويساعد غير الأعضاء على فهم ما يهمّ الأعضاء، ويضفي معنًى على مطالبهم التي قد تبدو للوهلة الأولى غير ذات قيمة. إنّ وجود هذه المطالب لا يضمن فهمها ولكنه شرط لازم، والفهم ضروريّ لأيّ وجهة نظر، وسياسة تجسّد المبدأ الدّيمقراطيّ الذي يحسب صوت أيّ فرد بالتّساوي مع أصوات الآخرين. فإذا كنّا لا نفهم ما يريد أعضاء جماعة ما ولماذا يريدون ذلك فإنّنا لن نستطيع وزن مطالبهم بالتّساوي تُجاه مطالب الآخرين.

   يصبح التّقييم الإيجابيّ كعنصر ثانٍ أكثر صعوبة عندما يكون هناك تعارض بين قيمة الهوّيّة التي تنادي بها الجماعة وبين ما قد ينادي به شخص معيّن من إعلاء للقيم الخاصّة،

Exdell.J., ‘Feminism,) Fundamentalism and Liberal Legitimacy ‘, Canadian Journal of Philosophy, 24(1994),441-64.)

سواء كانت هذه القيم لجماعة محدّدة أو قيم اجتماعيّة عامّة. ولكي أتجنّب سوء الفهم فإنّني لا أعني بذلك أنّه ليس هناك قيمة في حياة أولئك الذين يعيشون وفقا لمعايير مختلفة عن عاداتنا وتقاليدنا، فإذا أخذنا المسيحيّة مثلا، فإنّنا نجد أنّه بوسع المسلم أن يُقدّر هذه الهوّيّة ويحترمها في الوقت الذي يحمل ويمارس فيه قيمه الإسلاميّة، فمن المرجّح أن يجد الكثير من التّداخل في الفضائل التي يجسّدها الإيمان المسيحيّ مع ما لهوّيّته كمسلم من قيم حتى وإن لم يرغب في اعتناق المسيحيّة. إنّ المسألة التي أطرحها هنا هي أنّه لا يمكن أن يضمنَ هذا التقييم مقدّما معرفة أيّ هوّيّات سندعو لتأييدها، فتقييم أمر ما هو الحكم عليه بأنّه يلبّي معايير معيّنة وإن كانت واسعة أو غير مرنة، ولا نذهب هنا إلى أنّ مطلب الهوّيّات الجماعيّة غير معقول أو غير مقبول تأييدا لرأي جارلس تايلور في كتابه "التّعدّديّة الثّقافيّة". Tylor,C.,Multiculturalism: Examining the political of Recognition,ed Gutmann.A.,( Princton, Prinston University Press, 1994). PP. 68-9.

وبالنّسبة للتّأييد العمليّ كعنصر ثالث فإنّ نفس الشّيء ينطبق عليه، فللموافقة على المطالب التي تقدمت بها الجماعة التي لا نجد لهوّيّتها قيمة إيجابيّة فإنّ دعمنا لما هو أقل قيمة سيكون على حساب ما له قيمة ولا يمكن أن يكون هذا أمرًا معقولا. وحتى عندما تكون الهوّيّة المعنيّة هوّيّة ذات قيمة يبقى التّنافس على توزيع الموارد ممكنا وهو ما يعني أنّه لا يمكن أن يكون ما تطالب به الجماعة مقبولًا كلّه من قبل من هم خارجها.

ما أودّ الإشارة إليه هنا هو تلك النّتائج العكسيّة المحتملة التي تثيرها سياسة الاعتراف في العلاقة ما بين الجماعات، فسياسة التّسامح تمنح الجماعات حرّيّة ممارسة قيمها الخاصّة في حدود معيّنة، وتقتضي سياسة الإدماج المساواة في التّعامل مع المواطنين بصرف النّظر عن هوّيّاتهم الجماعيّة، وتلزم كلّ الجماعات بألاّ تُقيّـم الواحدة منها طريقة حياة أو ممارسات الأخرى. بينما تبحث سياسة الاعتراف عن مثل هذا التّقييم الإيجابيّ ولكنّها تحمل في طيّاتها خطر رفض هذا التّقييم لاسيما وأنّ بعض ما تعتزّ به جماعات معيّنة لن يكون له دور عند إيجاد تسويّة سياسيّة.

الهوّيّات الجماعيّة والهوّيّة الوطنيّة

قدّمتُ لحدّ الآن ملاحظتين نقديتين حول سياسة الاعتراف:

ـ تتعلّق الأولى بالتّوتّر الشّديد وربّما بالتّناقض بين الاعتراف كانفتاح على الغير، وبين صيرورة وتحوّلات الهوّيّات الجماعيّة في مجتمعات معاصرة والسّعي لإبعاد جماعات معيّنة من النّظام السّياسيّ ومنحهم حقوق حرّيّة الوصول للسّلطة، وسياسة حقّ النّقض التي رفضت من قبل جماعات أخرى.

ـ وتتعلّق الثّانية بعدم إمكانية الاعتراف السّياسيّ مقدّما وفي جميع الأحوال، فقد يكون من المستحيل على بعض الجماعات الاعتراف أو تأييد جماعات أخرى بالطّريقة المطلوبة دون أن يكون هناك انتهاك لهوّيّاتهم الخاصّة، وبهذا يكون التّسامح ممكنا لكن الاعتراف ليس كذلك. إنً سياسة الاعتراف عرضة لنتائج عكسيّة من خلال ما قد تتعرض له جماعات من رفض صريح ومباشر لم تواجهه حتى في ظلّ نظام سياسيّ أقلّ تسامحا.

سأنتقل الآن إلى القضيّة الثّالثة والأخيرة وهي قضيّة تتطلّب النّظر في العلاقة بين هوّيّات هذه الجماعات والهوّيّة الوطنيّة كهويّة أكثر شموليّة يحصل عليها النّاس بوصفهم أعضاء في المجتمع. وأودّ البدء بالتّأكيد على حقيقة أنّه لا يصبح لسياسة الاعتراف معنى إلاّ بافتراض وجود الهويّة العامّة (أي الهوّيّة الوطنيّة) وجودا سابقا بالفعل.

ـ ماذا تعني الهوّيّة الخاصّة للجماعة إذا كان مسلّما بها من قبل أعضاء الجماعات الأخرى؟

لن تعني هذه الهويّة غير الجماعة والجماعة فقطّ، فإذا كان الآخرون مهمّون بالنّسبة لها، وكان تقديرهم لممارساتها وطريقة حياتها يؤثّر على إحساسها الخاصّ بقيمتها، فلن تكون الجماعة مضطرّة لمخاطبتهم كغرباء عنها تمامًا لتطالب باعتراف علنيّ، لأنّ المطلوب هو احترام الحقوق الأساس لاسيما منها ما يتعلّق بحرّيّة اختيار طريقة خاصّة في الحياة. لقد عاشت الجماعات المستقلّة بتقارب في السّابق مثل الذي كانت عليه الطّوائف الدّينيّة في القرون الوسطى حيث لم يطالب بعضها البعض الآخر بالاعتراف بالمعنى المتحدّث به الآن، وإنّما طالبت بالتّسامح. فالمطالبة بالاعتراف هي إذن موجّهة لأعضاء في المجتمع الأكبر وهو الأمّة؛ أي لأولئك الذين تمّ تحديدهم كمقابل مصطنع فرضته السّياسة المهيمنة حتى وإن كان لديهم من الرّوابط ما يربطهم بها بالفعل.

تستحق هذه النقطة التّأكيد، لأنّ دُعاة سياسة الاعتراف غالبا ما يسعون إلى الحطّ من قيمة الهويات الكبيرة ويدعون أعضاء الجماعات المضطهدة والمحرومة إلى التّبرّؤ منها. ويرون أنّ فكرة الأمّة الموحّدة تتضمّن ضرورة وجود جمهور متجانس بشكل جذريّ ليترتّب عن ذلك الجمهور "نظام حكم عادل"، وهو ما يستبعد الجماعات التي تعتبر منحرفة، تقول يونغ: (لا ينبغي تجاهل الاختلافات الجماعيّة ...، ويجب ان تكون مقبولة ومعترفا بها علنًا، بل أكثر من ذلك ينبغي قبول الاختلافات الجماعيّة للأمّة مهما كانت دينيّة أو عرقيّة، فالدّولة المثاليّة في القرن العشرين هي التي تتشكّل من تعدّديّة أمم وجماعات ثقافيّة، مع وجود قدر من حقّ تقرير المصير والحكم الذّاتيّ المتوافق مع المساواة في حقوق وواجبات المواطنة) Young, 80,. لقد توصّلت يونغ إلى هذا الاستنتاج لأنّها قرنت الوحدة الوطنيّة كمثل أعلى بفكرة إجبار الأقليّات الجماعيّة على التّخلي عن ثقافاتها المحلّيّة لكي يتمّ استيعابها في ثقافة وطنيّة واحدة. ففيما يتعلّق بالسّياسة اللّغويّة عن سبيل المثال، اتّهمت يونغ سياسة ترسيم لغة وحيدة في دولة تقطنها جماعات ذات لغات أخرى بأنّها سياسة تنطوي على قدر من الإدماج القسريّ للجماعات اللّغوية الأخرى وهو ما يعتبر بنظرها "إبادة" للأقلّيّات الثّقافيّة، Young, 110 فهي ترى أنّه ليس ممكنا تماما معاملة اللّغة الواحدة كلغة عامّة للدّولة وإلزام الجميع باكتساب الكفاءة في استعمالها كشرط أساس للمواطنة مع الاعتراف في ذات الوقت بالتّشجيع على أن تكون اللّغات الأخرى لغات جماعات عرقيّة، لأنّ هذا يوضّح بنظرها حجم المغالطة المتعلّقة بتطابق الهوّيّة المشتركة مع التّجانس الثّقافيّ ... لكن أليس من الممكن أن تكون هناك ثقافة عامّة مشتركة تُعرّف الهوّيّة الوطنيّة جنبا إلى جنب مع تعدّد الثّقافات الخاصّة التي تحدّد هوّيّات النّاس بوصفهم أعضاء في جماعات، فيتحقّق بذلك التّعايش على الرّغم ممّا قد يحصل من حين لآخر بين هذه القيم الثّقافيّة المختلفة من توتّر؟ لم تُدْلِ يونغ ولا غيرها من مناصري سياسات الاختلاف بشيء يمنع من تصوّر مثل هذا التّعايش ويعتبره مستحيلا.

لم تسع الأقلّيّات بشكل دائم وفي كلّ الأحوال إلى تعزيز هويّاتها الخاصّة على حساب الهوّيّة المشتركة؛ بل على العكس من ذلك غالبًا ما حرصت على تأكيد التزامها بالأمّة لاستباق الرّدّ عن أيّ اتّهام يركب الاختلافات الثّقافيّة ليطعن في ولائها للوطن وفي وفاء أعضائها كمواطنين بحسب ما عبّر عنه جون هارلس في كتابه:

Harles,J., Politics in the lifeboa,( Boulder,Co.,Westview,1993(.

"السّياسة في قارب نجاة المهاجرين والنّظام الدّيمقراطيّ الأمريكيّ". لنفترض وفقا لسياسة الاختلاف أنّ أعضاء هذه الجماعات تخلّوا عن انتماءاتهم الوطنيّة وعرّفوا أنفسهم من خلال العضويّة في جماعاتهم حصراً، ماذا سيكون حال السّياسة في دولة تتشكّل من هكذا جماعات؟ إنّ الأمر سيأخذ حتما شكل مساومات، وستستخدم كلّ جماعة ما لديها من موارد وإمكانيّات متاحة لتعزيز مصالحها المادّيّة والثّقافيّة، وفي هذه الحالة لن يعود هناك أيّ موجب لانضمام جماعة إلى ايً مطالب أخرى إلاّ اذ مكّنها ذلك من الحصول على بعض المزايا. وستلقى المناشدات المطالبة بالمصلحة المشتركة وبالتزام العدالة آذانا صمّاء في مثل هذه الظّروف، لأنّه في حالة عدم وجود هوّيّة مشتركة وغياب الشّعور بالانتماء فإنّ كلّ جماعة ستعمد إلى تأويل تلك المناشدات، ستعتبرها مثلا بأنّها مجرّد قناع للمصالح ووجهات النّظر التي تصنعها الجماعة الأخرى، باختصار سيكون هذا في أحسن الأحوال لمصلحة سياسة جماعة بعينها بحسب ما ألمح إليه سايبونش في كتابه: (بعض القلق من الاختلاف

Syponowich.C., ‘ Some Disquiet About ‘’Difference’’’,Praxis International,13 (1993),99-112, esp. pp.104-5.

ليس هذا هو نمط السّياسة الذي يدافع عنه مؤيدو سيّاسة الاعتراف، إنّهم يسعون إلى شكل من السّياسة تقدم عبرها الجماعة مطالب حقيقيّة بإعمال حوار داخليّ ومعايير للعدالة تكون مقبولة من قبل الجماعات الأخرى للوصول إلى توافق يسوّغ تلك المطالب ويجعلها مقبولة. تقول يونغ: "تقضي السّياسة التّحرّريّة الإنسانيّة أنّه إذا خضعت جماعة للظّلم فإنّ على جميع المهتمّين في مجتمع عادل أن يتّحدوا لمكافحة القوى التي تمارس ذلك الظّلم، عليهم إذن أن يعملوا سويّا من أجل بناء مجتمع عادل". وبموجب هذا الرّأي قارنت يونغ هذا النّوع من السّياسة مع مصلحة الجماعات المتعدّدة فرأت أنّ: "كلّ جماعة تعزّز مصلحتها الخاصّة بقوّة وعلى أكمل وجه قدر الإمكان، وليس من الضّروريّ في سعيها ذاك أن تنظر إلى المنافسين في السّاحة السّياسية كحلفاء أو كخصوم محتملين ما عدا فيما يتعلّق بالمصالح الاستراتيجيّة. ولا تستلزم قواعد الاجتماع تبرير مصلحة إحدى الجماعات كحقّ أو اعتبارها متوافقة مع مقتضيات العدالة الاجتماعية على حساب ما للجماعات الأخرى من مصالح متعدّدة، فالجمهور غير المتجانس يعتبر جمهوراً له أن يشارك في نقاش القضايا المعروضة عليه ليتوصّل بشأنها إلى قرار يوافق مبادئ العدالة". Young, 176

   وبناءً عليه، يكون السؤال كالتّالي:

ـ ما هي إذن الأوضاع أو الشّروط التي يمكن أن يتوصّل فيها جمهور غير متجانس إلى قرارات وفقًا لمبادئ العدالة طالما أنّ لمبادئ العدالة جانبان، الأوّل معرفيّ، والثّاني تحفيزيّ؟

ـ ما هي الظّروف التي يتوصّل النّاس عبرها إلى اتّفاق مرضٍ حول مبادئ العدالة الاجتماعيّة؟

ـ أيّة دوافع ممكنة من شأنها أن توجّه النّاس إلى التّعامل التّلقائيّ مع احتياجات بعضهم على أساس مبادئ العدالة وليس على أساس المساومة أو بالطّرق العنيفة لحلّ النّزاعات؟

يبدو واضحا أنّ مجتمعا يشترك فيه النّاس في أسلوب الحياة يصلح لأن يكون مصدرا للمعايير الأخلاقيّة وإطارا لتبرير معايير العدالة، فإذا كان الاهتمام منصبّا على سياسة الدّولة فإنّ المجتمع هنا لا بدّ أن يكون هو الأمّة أو الشّعب، وعليه فإنّ الوطنيّة هي المؤهّلة لتوفير الخلفيّة المشتركة المجديّة والوحيدة التي تُمكّن جماعات متنوّعة من حلّ خلافاتها طبقا للمعايير المشتركة عن العدالة. فإذا كان المراد هو تشجيع تنوّع الجماعات وكانت السّياسة الدّيمقراطيّة التي تحقّق العدالة الاجتماعيّة هي المفضّلة في الوقت نفسه، فإنّ الواجب يقضي القيام بترسيخ الهوّيّة الوطنيّة بدلا من محاولة تبديدها.

تعتقد يونغ أنّ الاهتمام بالعدالة ينشأ من تبرير التّفضيلات السّياسيّة أمام جماعات أخرى ذات خبرات وتجارب مختلفة، وهو ما قد يفضح برأيها محاولة تمرير مصالح معيّنة تحت عنوان المصالح المشتركة. سيكون حضور الجماعات المستبعدة من المجال السّياسيّ وضعا مرغوبا فيه بالنّسبة لتلك الجماعات، لكن بشرط أن يوصلها هذا الوضع إلى اتّفاق ينسجم مع مبادئ العدالة كما يرى أم. اس. وليامز في مقالته: "نحو عدالة للجماعات"

Williams.M.S., ‘ Justice towards Groups: Political not Juridical’, Political Theory, 23 ( 1995),67-91.

أمّا إذا كان هذا الوضع مفقودا فإنّ الجماعة المساومة سوف لا تقلق من هذا الواقع لأنّها ستنخرط بانفتاح أكثر إزاء سياسة مساومة المصالح. تعتمد يونغ على فكرة "تحالف قوس قزح" الذي قد تشكّله الجماعات المحرومة للعمل سويّا من أجل انتزاع تنازلات لصالحها، ويعتمد هذا أيضا على معايير مشتركة للعدالة تربط هذا التّحالف الذي من غير المرجّح بالتّجربة أن يحدث، لأنّه نادر الحصول. فمواجهة جماعات أخرى بمطالب مختلفة لا يستلزم عدالة تلك المطالب التي قد تكون صادرة عن تحيّز الجماعات لبعضها، وإذا لم يتحلَّ المواطنون بشعور الهوّيّة المشتركة التي تتجاوز خصوصيّة هوّيّاتهم الجماعيّة فإنّ تحقيق العدالة الاجتماعيّة يبقى احتمالا بعيدًا.

الخلاصة

قدّمت موقفا نقديا لسياسة الاعتراف وناقشت مسألة هوّيّة الجماعات المفتّتة والمقلقة في المجتمعات المعاصرة، فسياسة الهوّيّة في جوهرها دفاع عن الذّات لتأكيد خصائص لا يوفّرها المجال السّياسيّ بطبيعته؛ ولتشجيع الجماعات على تأكيد هوّيّات مفردة على حساب الهوّيّة الوطنيّة المشتركة. إنّها تقوّض الشّروط التي تمكّن الجماعات لاسيما المحرومة منها من أن تأمل تحقيق عدالة مطالبها، ولا يعني هذا القول إنّ الجماعات والهوّيّات الجماعيّة لا صلة لها بالسّياسة فقد جرت نقاشات تناولت الظّروف التي تسوّغ للجماعات المطالبة بحقوق خاصّة لها مراعاة لما يعانيه أعضاؤها من مصاعب نتيجة الانتماء الخاصّ بحسب ما أشار إليه ويل كاميلكا في كتابه: المواطنة والتّعدّديّة الثّقافيّة. لا أرغب في إجهاض نتائج هذا النّقاشات، ولكن أشير إلى أنّ الحجج التي تساق لصالح الالتزام بحقوق الجماعة يمكن الحصول عليها عن طريق الاستعانة بمعايير العدالة التي يشترك فيها جميع المواطنين وعلى نطاق واسع، والتي لا تختصّ أو تقتصر على أيً جماعة بعينها. وهكذا يدخل أعضاء الجماعة السّاحة السّياسيّة في نظام الحكم الجمهوريّ كمواطنين يقدّمون مطالبهم لا من حيث هوّيّاتهم الجماعاتيّة ولكن من ناحية المبادئ والسّوابق المتجسّدة في ممارسة المجتمع للسّياسية، ويكون متساوقا مع منح الحقوق الخاصّة بالجماعات الموجودة. إنّ تمثيل وجهات النّظر كافّة في المجال السّياسيّ يُعدّ أساس السّياسة الجمهوريّة، لذلك تمثّل القرارات التي تنبثق عنها إمّا إجماعا أو توافقا يتمّ بتسوية عادلة بين مجموعة من الآراء السّائدة في المجتمع؛ يلزم من هذا كما اشار أي. فيليبس في كتابه: سياسة الحضور اختيار نظام للتّمثيل يضمن حضور أكبر قدر ممكن من أعضاء كلّ جماعة في المجالس التّشريعيّة وفي المنتديات السّياسيّة الأخرى. وهو ما يستلزم أيضا العودة إلى سياسة الاندماج واستمرار معركة تحرير المجال العامّ من الرّموز والممارسات التي تمنع أعضاء بعض الجماعات من المشاركة كمواطنين متساوين. لا أقصد هنا أن يصبح المجال العامّ محايدًا ثقافيًّا لأنّه يعبّر عن الهوّيّة المشتركة للمواطنين، ولأنّ له من المضامين ما قد يختلف تأويله حسب الأشخاص والظّروف، ولأنّ الهوّيّات الوطنيّة في حالة تغيّر متواصل. فالتّحدّي هو في إعادة صياغتها بطريقة تتقبّل الأقلّيّات الدّينيّة والعرقيّة والجماعات الأخرى بشكل أفضل دون أن يؤدّي ذلك إلى إفراغها من محتواها وتدمير أسس السّياسة الدّيمقراطيّة.

 

د. عليّ رسول الرّبيعيّ

........................

المصادر

- Appiah. K.A.H., ‘Identity, Authenticity, Survival’ in Tylor C. Multiculturalism : Examining the political of Recognition, ed Gutmann. A. (Princeton, Preston University Press, 1994(

-Exdell. J. ‘Feminism, Fundamentalism and Liberal Legitimacy ‘, Canadian Journal of Philosophy, 24 (1994) 441-64.

Harleys, J. Politics in the lifeboat, (Boulder, Co. West view, 1993(

-Hollinger. D.A. Post ethnic America (New York, Basic Books,1995(

-Kymlicka. w. Liberalism, Community and Culture (Oxford, Clarendon Press, 1989); Kymlicka. w. Multicultural Citizenship; Kukathas .C ’Are there Any Cultural Rights?’ Political Theory, 20 (1992), 105-39

Kymlicka, Multicultural Citizenship (Oxford, Clarendon Press, 1995(

- Levine Mood. T. Beishon. S. and Virden, S. Changing Ethnic Identities (London, Policy studies Institute, 1994(

- Nancy Fraser, ‘Redistribution or Recognition: A Critical Reading of Iris Young’s Justice and the Politics of Difference’ Journal of Political Philosophy, 3 (1995(

- Phillips. A. The Politics of Presence, Oxford University Press, 1998.

- Razz, J. Ethics in the Public Domain (Oxford, Clarendon Press, 1994(

- Syponowich. C. ‘Some Disquiet About ‘’Difference’’’, Praxis International, 13 (1993(

- Tylor, C. Multiculturalism: Examining the political of Recognition, ed Guttmann. A. (Princeton, Preston University Press, 1994(

- Waldron. J., ‘Can Communal Good be Human Rights? In Liberal Rights: Collected Papers 2981-91 (Cambridge, Cambridge University Press, 1993(

- Waters. M. C. Ethnic Option: Choosing Identities in America (Berkeley, University of California Press, 1990(

- Williams. M. S. ‘Justice towards Groups: Political not Juridical’, Political Theory, 23 (1995(

- Young. I. M. Justice and the Politics of Difference (Princeton, Princeton University Press, 1990(

- Young. I.M. Communication and the others: Beyond Deliberative Democracy’ in Benhabib, S(ed), Democracy and the difference (Princeton, Princeton University, Press, 1996(

 

 

رشيدة الركيكتنتشر حالات اليأس المجتمعي بمظاهر شتى في مختلف المرافق والمجالات مثلما تنتشر النار في الهشيم، بلغة ساخطة على أوضاع شتى في التعليم مثلما في الصحة والأمن وغيرها.

وكأننا لم نتعلم سواه، وكأن هذا السخط له ما يبرره دائما. فكيف يعيش الإنسان في أوضاع يراها خانقة لا تعبر إلا عن أزمات تزيد من تأزم حالته وتزيد من تعقد أوضاعه؟ وهل نستطيع إسكات قلب نابض يسمعنا دقاته مع تجاهلنا لها؟ كيف نتخطى داء يتسم بالعدوى يأتي في صورة يأس مجتمعي؟

مع كل نبض للمجتمع نتحسس مواطن ضعفه وأسبابه وعلله دون كلل أو ملل للكشف عن هذه الذات الجماعية، دون الضغط على آلامها وتكريس أوضاعها.

نحن نتحسس نبض المجتمع من أجل فهم سر شكواه وأنينه. فيتنفس الصعداء من جديد ويسترجع عافيته، بدون خوف من وجود قد يصير عدما.

تكثر الشكوى داخل المجتمع دون إنصات فعال لما يروج داخله، ولأن الكل ينين فإنك لن تسمع غير الأنين ولن تستبشر خيرا في غد مقبل.

ولكن مع انتهاء الأنين يعم الصمت القاتل ببشرى بنهاية متوقعة، هو صمت يعبر عن مخاوف هستيرية، كالخوف من وعلى المستقبل فنعيش الأحداث قبل حدوثها وكأننا أردناها أن تكون معاناة مزدوجة.

لكن الحياة تستمر ولا نملك سوى أن نجعلها تستمر وتلك غريزة الحياة المتأصلة في كل الكائنات الحية. ويظل السؤال المطروح والمستفز: هل هو مجتمع بائس؟ أم أننا جعلناه بنظرتنا القاتمة له كذلك؟

كثيرا ما أكد الفلاسفة أن إسعاد الشخص مرتبط بإسعاد الغير، وستبقى السعادة مبتغى كل ذات مفكرة عاقلة متوازنة،وأن الأمر لا يتعلق بإسعاد الفرد لنفسه ببحثه عن سبل السعادة الذاتية، لكنها تتعدى ذلك بإسعاد الآخرين من خلال تقديم نظرة جميلة عن واقعه، وبنشر فكرة العطاء بسخاء في علاقات اجتماعية بإيجابية بحب ورضا يبعث الأمل في إشراقة يوم جميل في سماء الوطن.

و يتمظهر هذا اليأس المجتمعي في حديث عن تفشي البطالة لتفترس بشراهة أحلام البشر، وإدمان يدفع الأفراد في براثين الضياع و الأزمات النفسية التي تفتك بهم وتجعلهم كمن يتخبط في حالة من المس مع هلوسات وشكوك وهذيان...

هو جنون مختلف المعالم قد يأتي في شكل الهوس بالمستقبل والحذر الشديد مما سيقع، جنون أفراد لكنه يضعهم في لائحة أعقل العقلاء حين يصبح المستقبل لدى البعض الآخر غير موجود،لتبقى فئة أخرى ترى مستقبلها في مخيلتها وتعيشه وإن كانت في زمن الحاضر، ويضيع بذلك الحاضر و القدرة على التمتع به...والحقيقة أننا يجب أن نعيش الحاضر ونحضر للمستقبل برؤية واضحة.

وهكذا صار الكل مقذف في اتجاه المستقبل بكثير من التفكير والحيطة و الحذر بلغة يائسة من حاضرنا، وبهذا نتعلم داخل المجتمع شيء آخر غير ما كنا نظنه وما اتفق عليه علماء الاجتماع.

نتعلم لغة اليأس و نتفنن في أساليب التعبير عنه. من محاولات الانتحار على المباشر في المواقع الاجتماعية بالفيديو تعبيرا عن رفض أو سخط أو نقمة أو إحساس بالقهر الوجودي. فتكثر حوله الإشاعات والقراءات ونتسابق في نقل الأخبار وافتخارنا بمعاينتنا للظاهرة .

وأمام ذهول الأفراد بما يحدث والاكتفاء بالمشاهدة والتسجيل والتوثيق دون أي تدخل في الظاهرة، والأكثر إلتماس الأعذار باعتبار المنتحر في نظرهم ضحية، غير أنه فتح لائحة اليأس من جديد فتطول مع العدوى، الشيء الذي يجعلنا نتساءل عنه بدوره هل هو ضحية الظروف أم ضحية عدوى اليأس المجتمعي؟

نتذكر هنا الإشكال الإبستمولوجي الذي يطرح في العلوم الإنسانية وخاصة علم الاجتماع ويتلخص في كون الباحث في هذا العلم يهتم بالظاهرة وكأنه آلة تصويرلها، دون أية إمكانية للتدخل فيها من أجل توخي العلمية والموضوعية محاكاة للعلوم الحقة.هل معنى ذلك أنه في حالة دراسة ظاهرة الانتحار كظاهرة مجتمعية عليه أن يتسم بالموضوعية ويتأمل العينة في لحظة الانتحار؟ أم على الحس الإنساني وذاتية الباحث أن تتحرك لتنقذ حياة إنسان؟ بمعنى توخي الموضوعية يقتضي التخلي عن إنسانية وذاتية الباحث. وهذا ما يحصل عند معاينتنا لظاهرة الإنتحار: كلنا نساهم في كثرة الأحداث والإبداع في تنويعها ونقلها، وكأنه لا أحد يعتبر فاعلا في هذه الحياة بل كل منا منفعلا بها، فينصب نفسه مفعولا به بصيغة المجهول.

فبعدما كان الإنسان ينزوي بعيدا عن الناس للقيام بمحاولات انتحاره، أصبح اليوم يدخل الأماكن العامة معلنا انتقامه من نفسه بشكل مثير للانتباه: فهذا يشعل النار على جسده أو يرمي بنفسه من الأعالي في أماكن عامة، والناس لا تملك سوى الرثاء لحاله بحكم أنه مسكين دون أن نتبه إلى ظاهرة مجتمعية خطيرة وهي نشر عدوى اليأس ويحيي النظرة البائسة دون استحضار لمقومات تشحن العزيمة والإرادة عند الإنسان،مثلما استطاع النمل الأضعف حجما و قوة والأكثر إصرارا ليستمر في زمن انقرضت فيه الدينصورات الضخمة وعجزت عن مقاومة جبروت الطبيعة وقسوتها.

وإن استطاع النمل أن يتدرب على حمل أضعاف وزنه مئة مرة، ما كان ذلك ممكنا لو أن مجتمعه تبادل الشكوى والأنين، لكن كان التعاون و العمل بالتحد سر استمراره.

لو قرأنا كتاب حياة النمل لتعلمنا كيف كان يشحن طاقته بعيشه داخل عالم الممكنات ولو أنه دخل عالم المستحيلات بفكره لما حقق تلك المعجزة بقدرة تحمله.

نتكلم عن هموم أفراد داخل مجتمع تجعل منه يائسا غير منتظر أو متذوقا للجمال وحب للحياة، نتكلم عن شحوب ملامح إنسان يفتقد لتغذية ضرورية لتوازنه وفيتامين حب الحياة وتفعيل هورمونات السعادة التي تم تجميدها بالقضاء على كل نظرة جميلة تبث فينا روح الأمل، وتجعلنا نرى الحياة بشكل أجمل تكون مناعة نفسية لكل يأس مجتمعي، أو سدا منيعا أمام كل نظرة سلبية ونهاية لكل حياة يائسة.

ولأن لا حياة مع اليأس تنتهي كل قصة أليمة مع مناعة نفسية مفقودة من خلال حياة سطحية لا تجد في العمق إلا الحياة اليائسة والظلام المميت و القهر الوجودي.

ولأن لكل فكر فكر مضاد ووجودهما معا فيه إحلال لنوع من التوازن، هكذا مثلما تعلمنا ثقافة اليأس علينا أن نتعلم ثقافة ضد اليأس المجتمعي وأن نبث روح النظرة الإيجابية فينا لتكون غذاء روحيا لحياة أجمل، نستطعم حلاوتها ونتقاسم مع غيرنا هذه الحياة الاجتماعية الإيجابية تخلو من كل تفكير سلبي. نراها حياة في لوحة فنية جميلة في مخيلة صاحبها، أو قصيدة شعرية نتغنى بها بين الحين والآخر.

صخب صوت اليأس المجتمعي يجعل صداه يحدث طنينا في الأذن يبقى مدويا داخل الذات لتعيش ضجيجا وجوديا يقلق مضجعها ويحرمها من سبات الليل وهدوئه، لتعيش حالة من القلق الفاضح للإنسان في ملامحه التي تبدو مغلقة شاحبة فارغة من كل طاقة وحيوية ونشاط.

إن كنا نؤمن بلحظات طبيعية من اليأس، نكوص فعودة لأحسن الأحوال، مثلما رجوع السهم إلى الوراء يكون سببا في تقدمه ويخترق المسافات بقوة قهر الإحباطات المتكررة.

ومع أنه قد تنتابنا في حياتنا لحظات من اليأس وربما قد تكون سببا في تذوق طعم الحياة من جديد.

لتبقى في خبر كان تجعلنا نتقاسم المشاعر مع غيرنا في نفس الظروف ليس من أجل الإصابة من جديد بعدوى اليأس، بل من أجل القضاء عليه و انتشال الإنسان من براثين الضياع.

عموما لازال سؤال يفرض نفسه هل هي حياة ظالمة بائسة؟ أم أننا ظلمناها بنظرتنا اليائسة تحولها إلى ممات بقلب نابض؟

حقيقة لن نستطيع إنكار وجود حياة بقلب نابض، فيكفي أن نسمع نبضات قلوبنا عنوانا على استمرار حياتنا، لكن تبقى نظرة العقل تصبغها بألوان خاصة تنعكس على أحاسيسنا وسلوكاتنا. فكيف نجرؤ على إسكات قلب نابض بانتظام راغبا في حياة نخيفه منها ليفقد توازنه بين الحين والآخر في لحظات من الانهيار، تعطي المشروعية لحياة يائسة تطلب منا بإلحاح القضاء على عدوى اليأس المجتمعي بالدعوة إلى العيش بأسلوب مبهج يجدد رغبة الكائن العاقل، ويرفع من معنوياته ومزاجه ويشغل بذلك هرمونات السعادة الداخلية، ولتصبح لا حاجة لمواد مخدرة للعقل وللإرادات البشرية .

 

بقلم رشيدة الركيك

 

 

حسن العاصيبالرغم من أن العلاقة بين الحقيقة والإعلام هي علاقة جدلية تبادلية، إذ في الوقت الذي تسهم فيه الحقائق في صناعة إعلام بارز وناجح ومؤثر، فإن الإعلام يمكن بدوره أن يكشف الحقائق ويثبتها ويعززها وينشرها أو يغيرها، أو ينقلها من مكانها، أو يوظفها في سياقات غير حقيقية. إن للإعلام تلك المقدرة الكبيرة على تدوير الحقائق لتصب في مصلحة جهة أو دولة ما. من خلال التلاعب بالعقول، حتى تلك العقول المثقفة والنخبوية لا تنجو من التأثير العميق الذي يحدثه الإعلام الموجه على خيارات وأفكار ومواقف وقناعات الناس.

إن من يتوقع الحصول على الحقيقة من خلال وسائل الإعلام فإنه لا شك واهم، ذلك أن هدف وسائل الإعلام المتعددة هو إنتاج منظومات فكرية تقوم على صياغة أفكار ومفاهيم واذواق المتلقين، من خلال رسائل إعلامية وصور ورموز ومصطلحات تتكرر حتى تتحول إلى بديهيات ومسلمات في ذهن المتلقي، كي تسيطر على متطلباته من جانب، وتوظفها وتستثمرها من جانب آخر. ويمكن للإعلام أيضاً أن يكون صانعاً لنماذج بشرية ذات نفوذ مجتمعي، تقوم بالتأثير على الناس لخدمة مصالح سياسية لطرف او غيره. ووسائل الإعلام تقوم بهذا الدور بخبث شديد من خلال إظهار جزئيات وتفاصيل صغيرة بصورة مكثفة واختزالية وبسيطة في ذات الوقت، كي يسهل تسللها إلى وعي المتلقي، ومن ثم تصبح شيء مسلم به موجود في العقل البشري، يصعب تفكيكه.

الناس تميل لمتابعة الأخبار الكاذبة

أجرى المعهد الأمريكي "ماساتشوستس" للتقنية مؤخراً دراسة شملت حوالي 130 ألف خبراً كاذباً وإشاعة على موقع "تويتر"، وتوصلت الدراسة التي أشرف عليها باحثون متخصصون إلى أن الأخبار الزائفة تنتشر بصورة أسرع كثيراً من تلك الأخبار الحقيقية، وأن الناس يبحثون عنها وأن مستخدمي تويتر أعادوا تغريد الأخبار الكاذبة بصورة مبالغ فيها، وذلك يعود ربما إلى أن الأخبار الزائفة عادة ما تكون غير مألوفة.

اللافت في هذه الدراسة أن أكثر الأخبار الزائفة كانت حول قضايا سياسية بصورة كبيرة، ثم تلتها قضايا مرتبطة بالمال والأعمال ثانياً، ثم نلتها قضايا العلوم والترفيه، ثم الكوارث الطبيعية والإرهاب. وتوصلت الدراسة إلى أن الأخبار الزائفة والإشاعات تنتشر بصورة أسرع ستة مرات من الأخبار الحقيقية. وأن نسبة المتابعين لهذه الأخبار الكاذبة أكثر بعشرة أضعاف من الذين يتابعون الأخبار الحقيقية.

الإعلام الأسود

تحول قطاع الإعلام إلى مشروع سياسي واقتصادي، وإلى صناعة للرأي العام بهدف تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وفكرية وتجارية. إن صناعة الكذب في الإعلام تزامنت مع ظهور الصحافة المطبوعة، وتطورت بتطور وسائل الإعلام. وهي صناعة على درجة عالية من الخطورة لاستهدافها العقل البشري.

إذ يمكن لوسيلة إعلامية أن تقنع المتلقين أن هناك مؤامرة كونية ضدهم من خلال البث المتكرر المدروس لبعض الفقرات والجمل الكاذبة والصور الملفقة. كما يمكن للإعلان أن يغير السلوك البشري من خلال التأثير على متطلباته ورغباته، وتبديل طرق إدراكه للوقائع والأشياء المحيطة به، من خلال وسائل متعددة تقوم بتوظيف علم النفس للتحكم بسلوك المستهلك وعاداته، وتوجيهه إلى ناحية دون أخرى.

إنه الإعلام الأسود الذي يستطيع تحويل إنسان مغمور إلى شخصية شهيرة جداً من خلال التدليس والكذب والبيانات الملفقة، وخلق وقائع مزيفة، وإيهام المتلقي بأن ما يراه أو يقرأه هو حقيقة. كما يستطيع تشويه صورة إنسان أو جهة ناجحة ومتميزة، عبر نشر الأكاذيب وإطلاق الإشاعات حولها.

قبل الاحتلال الأمريكي على العراق العام 2003، كان للإعلام الأمريكي والبريطاني دوراً هاماً ومقرراً في تهيئة الراي العام الغربي للقبول بفكرة الحرب، فتم التلاعب بعقول الناس وإقناعهم أن العراق يمتلك أسلحة نووية لتبرير الحرب.

الإعلام الأسود يقوم بحجب الحقائق واستبدالها بمواد يرغب بها المتلقي حتى لو كانت أشياء ساذجة. هو إعلام كيدي أيضاً يهدد الاستقرار المحلي والإقليمي في منطقة تشهد صراعات متزايدة. الإعلام الأسود تستخدمه الدول، أيضاً عبر أدوات خبيثة، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، لتحويل مباراة كرة قدم إلى ميدان لتنفيس غضب الناس واحتقانهم السياسي والاجتماعي نتيجة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في بلدان تحكمها أنظمة قمعية استبدادية. ومن خلال مثل هذه السياسات الإعلامية القذرة يتم قياس سلوك المواطنين من قبل الأجهزة الأمنية عبر دارات تلفزيونية، لكي تحدد أساليب التعامل الأمني معهم لاحقاً.

صناعة المصطلحات

المصطلحات التي تستخدمها الوسائل الإعلامية المختلفة، عبارة عن كلمة، أو جملة مركزة مصنوعة بدقة ويتم اختيارها بعناية فائقة، بهدف جعلها تعبير ومرادف ملاصق لقضية أو حدث محدد، في مكان جغرافي معين، وفي فترة زمنية محددة، ويستهدف قطاع ما وفئة ما. الغاية من هذا المصطلح الإعلامي هو تسليط الضوء على حقيقة ما، أو العكس إخفاءها. ويمكن لاستعمال مصطلح محدد من قبل وسيلة إعلامية أن يسعى لتغيير ميول ومواقف فئة ما أو شعب أو أمة. كما يمكن للمصطلح أن تكون له غايات أخرى مثل التأثير على صناع قرار لكسب مواقف دولية أو إقليمية.

يستطيع المصطلح عبر استخدامه في وسائل الإعلام أن يصنع صورة نمطية عن أحد أو شيء، أو التأثير على الوعي الجمعي، بهدف السيطرة على عقول الناس، ومحاولة سلب إرادتهم، وبالتالي صناعة رأي عام يتوافق مع مصالح من يصنع هذا المصطلح ومن يسوّقه.

فصناعة المصطلحات واحدة من الأدوات الهامة التي تستخدمها وسائل الإعلام لتسويق الافكار وتمرير المعلومات بطريقة تحقق أهداف جهة ما أو دولة ما. حيث يتلقى القارئ أو المستمع أو المشاهد مصطلح ما يوسم حدث محدد أو يتم وسم قضية معينة بمصطلح ما، يصبح هذا الوسم هوية لهذه القضية وشخوصها ومكانها وزمانها، وهكذا تصبح كافة القضايا المتشابهة والتي تتناولها وسائل الإعلام موضع مقاربة لدى المتلقي بالمصطلح السابق، ويظل الناس يتذكرون هذه الحوادث والقضايا كلما تم استخدام المصطلح من قبل وسائل الإعلام. هذا هو التأثير السياسي والاجتماعي الذي تخلفه صناعة المصطلحات في الغرف المغلقة لوسائل الإعلام، التي عادة ما تكون تخدم جهة أو دولة.

في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين كان البث الإذاعي أهم وسيلة إعلامية سريعة لتبادل وإيصال المعلومات، خاصة نشرات الأخبار التي تصل للمستمع بشكل دوري يومياً على مدار الساعة، وتتضمن معلومات عن آخر الأحداث السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وشهدت تلك الفترة احداثاً هامة في العالم وفي منطقتنا العربية، أطلق الإعلام خلالها مصطلحات كثيرة على سبيل الذكر لا الحصر “حرب الخليج” و “الحرب الباردة” و “الشيوعية الملحدة” و “مجاهد”، ساهم الراديو في وسم كثير من الأحداث بمصطلحات غير بريئة في واقع الحال.

تسعى وسائل الإعلام من خلال استخدام وإعادة استخدام هذه المصطلحات إلى التأثر على عقل المتلقي لتوجيه اهتماماته نحو قضية معينة، أو لجعله يتقبل فكرة كان يرفضها سابقاً ولتبديل مواقف المتلقي وافكاره يجري ربط المصطلح بواقعة ما، تجعل الإنسان يتذكر الواقعة أو الحدث كلما تكرر المصطلح في وسيلة إعلامية.

كما أطلقت وسائل الإعلام الغربية مصطلح "الحرب الطائفية" إشارة إلى حالة التناحر والصراع المذهبي الذي تلتهب به المنطقة، وصل إلى حد الاشتباك المسلح والقتل من كافة الأطراف. كان الهدف من إطلاق المصطلح تأجيج نار الخلافات السياسية وتحويلها إلى حرب قذرة تحت يافطات دينية ومذهبية لمعرفة الإعلام الغربي الأثر الذي يحتله الدين في مجتمعاتنا.

بعض وسائل الإعلام العربية تستخدم مصطلح اسم "إسرائيل" بدلاُ عن اسم فلسطين المحتلة. قديما كان كل عمل سياسي أو عسكري ضد الاحتلال -أي احتلال- كان يوصف بأنه مقاومة مشروعة، والآن أصبحت تطلق كثيراً من وسائل الإعلام على ذات الفعل أنه "عمل إرهابي". وكذلك الأمر تتباين المصطلحات في وسائل الإعلام المختلفة حول حدث واحد، مثل "عمليات استشهادية" أو "عمليات انتحارية" ويمتد الحال إلى تسويق الإعلام الصهيوني والغربي إلى مصطلح "جدار أمني" بدلاً من تسمية جدار الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويصبح هنا التبرير أن الغاية حماية السكان الإسرائيليين من "الإرهاب" الفلسطيني، وذلك للالتفاف على الاسباب الجيوسياسية الحقيقية التي دفعا إسرائيل لبناء الجدار.

مثال آخر، حيث يطلق الإعلام الصهيوني مصطلح "الإرهاب الشعبي" بدلاً من تسمية المقامة السلمية المدنية، وذلك لتبرير الأعمال الوحشية غير المبررة التي يقوم بها الجنود الإسرائيليون ضد الفلسطينيين -ومن يدعمهم- الذي يمارسون الاحتجاج المدني السلمي، وصلت إلى حد قتل وزير فلسطيني أعزل -الشهيد زياد أبو عين- في وضح النهار وأمام كمرات الصحفيين. وهو المصطلح الذي تسوقه إسرائيل في تعاملها مع وسائل الإعلام الغربية.

مع التطور الهائل الذي حققته تقنيات وتكنولوجيا الاتصال والتواصل ونقل المعلومات، يصبح للمصطلح تأثيراً بالغاً في منطقة تشتعل بنيران متعددة المنشأ. وبالقدر الذي تتقاطع فيه المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية إقليمياً ودولياً، فإن المصطلحات المستخدمة في وسائل الإعلام تتوالد وتتكاثر وتتباين لمواكبة تطور الأحداث. فيظهر مصطلح "القتيل" المستعمل في وسيلة إعلامية مقابل مصطلح "شهيد" في وسيلة أخرى، ومصطلح "إرهابي" في مقابل مصطلح "مقاوم".

ولا يقتصر غزو المصطلحات الجوانب السياسية، بل يمتد ليشمل كافة مناحي الحياة. فقد ابتدعت وسائل الإعلام العربية مصطلح "المثلية" بدلاً عن فعل الشذوذ الجنسي، وظهر مصطلح "التحرش الجنسي" بدلاً عن الاغتصاب، وهي مصطلحات الغاية منها تشذيب السلوك وجعله أكثر قبولاً.

التضليل الإعلامي

يهدف إلى عكس الوقائع وقلب الحقائق، ويسعى إلى توجيه عقل المتلقي من خلال استهدافه بحرب نفسية لإحداث تأثير عليه، بواسطة الترويج لمعلومات لا ترتبط بالحدث، أو باستعمال وسائل الإعلام لمفردات ومصطلحات بعينها تؤدي في نهاية المطاف إلى إصدار أحكام ما في قضية ما، أو من خلال انتقائية متحيزة تنتهجها وسيلة إعلامية ما، فتختار أن تقدم شيء للمتلقي وإخفاء اشياء أخرى.

إنها سياسة غسيل العقول وصناعة الكذب، وهي حرب في غاية الخطورة، حيث أنها تستهدف العقل البشري والتشويش على صحة قناعاته وأفكاره، ثم تأثر عليه لتغيير موقفه بدافع من وقائع وهمية لا وجود لها، وإقناع المتلقي على أنها حقائق، وهذا الفعل بدوره يمس حقيقة الواقع الحقيقي المعاش، ويبدأ التشكيك بشأنه، حتى يصبح في وعي المتلقي -فرداً كان أم جماعة- شيئاً غير موجود.

وعادة ما تلجأ الدول إلى التضليل الإعلامي خدمة لسياساتها تجاه دولة أخرى أو تجاه المعارضة السياسية الداخلية. هي صناعة الكذب ذاتها التي تجعل من "إسرائيل" دولة صديقة لبعض العرب، وتشيطن الفلسطينيين في بعض الوسائل الإعلامية العربية، وهو التضليل الإعلامي الذي يجعل وسائل إعلامية عربية أخرى تقدم تبريرات للحرب الصهيونية على قطاع غزة، بحجة أن إسرائيل فقط تقصف مواقع حركة حماس "الإرهابية"، فيما تعتبره وسائل إعلام غربية أنه "دفاع مشروع عن النفس".

صناعة الكذب التي تؤدي مفعول السم السياسي والفكري. صناعة التضليل الإعلامي هي أخطر قطاع صناعي على الإطلاق، لأنها تتعلق بكافة عناصر الواقع الذي نعيشه، وتزييف هذا الواقع، وإعادة صناعته بمؤثرات تخدم الدولة أو الجهة التي تقف خلفه، من خلال تضخيم التفاصيل التافهة والتقليل من شأن كل ما هو مهم مفاعل، في سياقات تربك عقل المتلقي، وتفصله عن واقعه البغيض الذي عادة ما يكون سبباً في حراك جماهيري مثلاً أو سبباً في احتجاجات ومطالبات حقوقية أو سياسية. إنها عملية لعب جماعي بالعقول وتزييف وعيها.

الجيل الخامس للحروب

عرفت البشرية أنواعاً مختلفة من الحروب بدءً بحروب الجيل الأول، وهي الحروب التقليدية بين دولتين وجيشين نظاميين، هذا النوع من الحروب اختبرته البشرية تاريخياً واستمر حتى منتصف القرن العشرين.

الجيل الثاني وهي الحروب التي خاضتها الدول بأسلوب حرب العصابات، أو هي الحرب التي دارت بين العصابات فيما بينها. وانتشرت هذه الحرب في بلدان أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص.

الجيل الثالث هو الحرب الاستباقية، مثل الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها على العراق.

الجيل الرابع هو الحرب التي تخوضها دولة ضد منظمة أو جماعة، مثل حرب أمريكا على القاعدة، حرب أفغانستان ضد حركة طالبان.. الخ.

أما فيما يتعلق بحروب الجيل الخامس فإنها حروب نظيفة وخطيرة، تقتل دون إراقة الدماء. حروب تستخدم المعارف المتطورة، وأحدث تقنيات الاتصال، وآخر صرعات التواصل. تسعى هذه الحروب إلى تحقيق مصالح فردية أو جماعية، مصالح جماعات أو أحزاب أو دول، من خلال امتلاك المقدرة التقنية على تنفيذ أعمال التخريب بواسطة الانترنت والوسائط الالكترونية المتعددة، وهي ما تعرف بالحرب الرقمية.

إنها حرب لا مركزية تستخدم كافة أشكال التكنولوجيا المتطورة، وتوظف خبراء في علم النفس وعلم الاجتماع. فعلى سبيل الذكر لا الحصر استبدلت دوائر صناعة الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية شعار "حقوق الإنسان" وهو الشعار الذي شكل المعزوفة الأمريكية التقليدية التي كانت توظفه حين ترغب في إجراء انقلاب عسكري في إحدى دول امريكا اللاتينية، أو حين تريد مهاجمة دولة ما، فقد جرى استبدال هذا الشعار بمصطلح "حقوق الأقليات" وهو النسخة الحديثة التي يجري بموجبها بث السموم الإعلامية في أكثر من مكان في العالم.

تنتشر في الكثير من شبكات التواصل الاجتماعي المعلومات الزائفة، وصل خطر تأثيرها مرحلة جعلت هذا الموضوع مادة مهمة للنقاش في الكثير من العواصم العالمية، كما حدث أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة.

لعبة تحاكي الحقيقة

قامت مجموعة من الباحثين الجامعيين البريطانيين من جامعة "كامبردج" بمشاركة مع بعض الصحافيين الهولنديين من تجمع "دروغ" بتصميم لعبة تشرح تقنيات صناعة ونشر الأخبار الزائفة. اللعبة تتيح للاعب تصميم سياسة دعائية معادية ضد شخص ما، هدفها تشويه صورته، والترويج لمعلومات ملفقة، بغرض التعليم والتعريف بآليات وأدوات بث ونشر الأخبار الكاذبة في العالم وإطلاق الشائعات. واللعبة عبارة عن موقع الكتروني، بإمكان اللاعب وضع صورة ما لشخص ما، ثم القيام ببث أخبار مزيفة ومعلومات كاذبة وبيانات ملفقة الغاية منها تشويه صورة وسمعة هذا الإنسان، ربما يكون معارض سياسي مثلا، ثم يتعرف اللاعب على الأدوات والوسائل اللازمة لتحقيق هذا الهدف، حيث تقوم اللعبة بتوفيرها لتنفيذ الخطة.

الغاية من ممارسة اللعبة هو إتاحة فرصة أمام اللاعبين المستخدمين أن يجربوا بأنفسهم عبر فتح حسابات وهمية على منصات التواصل، والتلاعب بصور وفيديوهات، ونشر مقالات ملفقة، وسواها من أساليب يتعلم فيها المشارك باللعبة كيف يمكن صياغة أخبار زائفة، وكيف يمكن صناعة حملات دعائية ضخمة لكنها عارية عن الصحة تماماً، إذ تقوم على الكذب والتزوير والتلفيق من بدايتها لنهايتها، وتجد قبولاً عند المتلقي وعند قطاع واسع من الناس. فلسفة اللعبة بسيطة تكمن في الإدراك، فإن وضعت نفسك مكان شخص يسعى للإضرار بك، فإن ذلك يعطيك مهارة المقدرة على كشف ألاعيبه والتصدي لها.

مثقفو ورجال دين ميديا

لم تستثني حمى الإعلام وصناعة التضليل حتى المثقفين الذين وظفهم الإعلام بهدف التبرير السياسي للسلطات المتنفذة في عدد من الدول، ذلك أن بعض المثقفين قد استخدموا مقدراتهم المعرفية كسلعة تجارية خاضعة لمقتضيات السوق الإعلامي من عرض وطلب. فهم جاهزون لأي تسويق إعلامي يقوم بتبييض وتجميل جهة ما، أو تشويه وتقبيح جهة أخرى. وهنا يتحول المثقف من صانع للأفكار والتنوير، إلى صانع أيديولوجيا براغماتية تقوم على خلط الأوراق وإرباك المتلقي باستخدام خطاب تبريري لا تحليلي. ولسوء حظ هذه الأمة أنه حتى بعض رجال الدين ليسوا خارج هذا التصنيف، فيما يجب أن يكون رجال الدين ينتمون إلى شريحة المثقفين الذين تناط بهم مهمة تغيير وتحديث المجتمعات البشرية، نجد أن عدداً ليس قليلاً من رجال الدين العرب قد انخرطوا في لعبة الإعلام وصناعة الكذب وتزييف الحقائق، من خلال إصدار الفتاوي وإطلاق الخطب التي تخدم جهة دون أخرى، وتشوه صورة طرف دون آخر، عبر الاقتصار فقط على إظهار التفسير الديني الضيق الخالي من الاجتهاد لأسباب تتعلق بمصالح جهات ودول، الأمر الذي يؤدي كما هو الحال إلى انسداد فكري ثقافي ديني معرفي في الواقع العربي، لأن الخطاب الديني في منطقتنا يقوم بتكييف فقهي لكافة الظواهر حتى الاستبدادية منها، وهذا ينسحب على مجمل القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية، فعلى سبيل الذكر لا الحصر إن الصراع الفلسطيني الصهيوني ليس صراعاً دينياً، فلا الفلسطينيين يهدفون إلى إدخال اليهود في الدين الإسلامي، ولا الصهاينة ينشدون تهويد الفلسطينيين، إنما هو صراع سياسي على الأرض من أجل الوجود.

إن تحول بعض المثقفين إلى أبواق دعائية لهذه الجهة أو تلك فإنهم بذلك يساهمون في تمزيق ما ظل من الأواصر التي تجمع بين أبناء البلد الواحد، وما بين مواطني البلدان العربية فيما بينهم. مثقفي الميديا يعملون على خلط الحابل بالنابل، وإرباك المتلقي وإحداث نوع من الفوضى التي تنتشر فيها ثقافة الاستغباء، وبناء ثقافة تقوم على الظن والانفعال وليس على الوعي المعرفي.

عندما ينجح الإعلام في تحويل المفكر والمثقف ورجل الدين إلى تجار، وتتحول الأفكار والمواقف والخطابات إلى سلع تشترى وتباع، فإن هؤلاء يتحولون إلى تجار جهل وشقاء واستبداد للأمة، ذلك لإسهامهم الخطير في تكريس الواقع المريض وإعادة إنتاجه بكامل علله.

إلى اين نمضي؟

يشهد عصرنا الحالي كميات مرعبة من الفبركات الإعلامية، والمعلومات المضللة، والأخبار الكاذبة، والبيانات المزيفة، والصور المركبة، وحملات دعائية تضخم التافه وتسطح المهم، حملات عدائية تشوه سمعة وصورة طرف معين وتنال من أخلاقه وذمته، فيديوهات يتم تصويرها في استديوهات متخصصة تبث للمتلقي على أنها في ميدان معركة أو مظاهرة أو حدث ما في مكان ما. كل هذا تطالعنا به وسائل الإعلام المتعددة من مطبوعات وإذاعات وفضائيات ومنصات تواصل اجتماعي وعبر مواقع الانترنت. إنها حروب إعلامية ناعمة لا تراق بها دماء، بل يجري غسل العقول من خلالها، بأدوات تبسط أذرعها وأدواتها بطرق مختلفة ومتعددة، تربك العقل والمشهد، وتزيف الواقع، وتحدث نوعاً من الفوضى الاجتماعية والسياسية والأمنية.

الأخبار الكاذبة خطر يهدد الوحدة المجتمعية، ويغذي العنف ويزيد من الانقسامات، ويقوض السلم الاجتماعي والتعايش بين جميع المكونات العرقية والاثنية والمذهبية. هذا دفع دول مثل الاتحاد الأوروبي لإصدار حزمة من القوانين في مواجهة التأثير المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي.

في منطقتنا العربية التي تعاني من احتقاناً شديداً واستعصاءً متعدداً في معظم قطاعات الحياة، وترزح تحت ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة، تبرز قوى وأطراف تحاول الهيمنة على مقدرات المنطقة، ولها مصالح في إضعاف العرب. هذه القوى تمتلك وسائل إعلامية خطرة موجهة لمخاطبة المتلقي العربي، تقوم سياستها الإعلامية على الكذب وتزوير الوقائع.

في غياب استراتيجية عربية تتصدى لهذا الغول الإعلامي وتفضحه وتعريه، وعدم وجود مؤسسات إعلامية عربية تساهم في بناء الوعي الجمعي للمتلقي العربي ليكون قادراً على التمييز بين الغث والسمين، يمكن لك أيها القارئ العزيز أن تتخيل القادم.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك