عبد الجبار الرفاعييتفوق الكائنُ البشري على غيره من الكائنات بالرحمةِ. الرحمةُ خلاصةُ المشاعر الحميمية الدافئة وجوهرُها النفيس. أما العقلُ فعلى الرغم من أنه كان وما زالَ من أهمّ ما يتميزُ به الإنسانُ، غير أن "الروبوت" صار يقوم ببعض الأعمال الدقيقة والمعقّدة بواسطة عقل إلكتروني. ويعدنا الذكاءُ الصناعي اليومَ بالكثير مما يمكن أن ينجزه هذا العقلُ الإلكتروني غدًا من مهمات، فهو يشارك عقل الإنسان وأحيانًا يكون بديلًا عنه في تنظيم وإنجاز أعمال متنوّعة. لكن "الروبوت" مع امتلاكه لعقلٍ يظل يفتقر للمشاعر الحميمية الدافئة. ومعنى ذلك إن الكائنَ البشري يتفوّقُ على غيره من الكائنات في الأرض بالرحمة، بل لا تتحقّق إنسانيته إلّا بالرحمةِ.

الرحمةُ حالةٌ، وهي أسمى من العدالة، بل تسمو حتى على الإحسان. ولولاها لنضبت الطاقةُ المتدفّقةُ التي تغذّي الشفقةَ والروحَ الخيريةَ وحوافزُ العطاء والبرّ والإنفاق في الحياة، وكلُّ ما يشكّل منبعًا للعواطف المتدفّقة الفياضة في حياة الناس، وما يبني علاقاتِهم الاجتماعيةَ ويرسّخها على ركائز عميقة صادقة.

الرحمةُ أشملُ وأوسعُ من العدالة. العدالةُ تنشد التوازنَ والمساواةَ والإنصافَ في الحكم، وهي مفهومٌ يبتني على القانونِ والحقوقِ والأخلاقِ. أما الرحمةُ فهي "حالةٌ"، و"الحالةُ" هي ما يتلبّس بها الإنسانُ ويعيشُها بوصفها حقيقيةً وجوديةً كما يعيشُ الحبَ والإيمان، الحالةُ تصيرُ مكوّنًا لهويتِه الشخصيّةِ.

العدالةُ ضرورةٌ لحماية حقوقِ الإنسان وحرياتِه، وهي شرطٌ لازمٌ لكلّ عمليةِ بناءٍ مجتمعي سليم، وهي ضمانةٌ للأمنِ والسلمِ الأهلي من كلّ أشكال العنف والتعدّي على حقّ الآخَر في العيش المشترَك، وخلقِ فرصٍ متكافئةٍ للأفراد في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. لذلك لا يمكن أن يقوم مجتمعٌ سليمٌ من دون قوانين تُنظّم الحياةَ الاقتصادية والسياسية وتحقّق الأمنَ والعدالةَ الاجتماعية، وأنظمةِ عقوبات عادلة تُنصِف المظلومَ وتردع الظالم، بنحو تتسم فيه بالانصاف والتوازن، وتحمي مصالحَ الفرد والجماعة، ويتساوى فيها الأفرادُ في حقوقهم وحرياتهم.

لا يمكن الاستغناءُ عن العدالة بالرحمة، الرحمةُ ليست بديلًا عن العدالة في بناء أيّة جماعة بشرية أو في بناء أيّة دولة، لأن الظلمَ مقيمٌ في الأرض، وأن عيشَ الإنسان وتأمينَ متطلباته الحياتية يفرض عليه الكدحَ والتنافسَ والصراع، والعدالةُ تمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.

إن افتراضَ بناء مجتمع على الرحمة وحدها افترضٌ غير واقعي، لأن مثلَ هذا المجتمع لا يمكن أن يتحققَ مادام البشرُ بشرًا، لكن تظل الرحمةُ قيمةً إنسانية رفيعة، تسمو بحياة الفرد والجماعة، بوصف الرحمةِ تنفي بعضَ العقوبات عفوًا، أو تخفض من شدّة بعض العقوبات الأخرى القاسية، وبوصفها هدفًا نبيلًا ينشده الدينُ ليوقظ به ضميرَ الإنسان ويسمو به إلى أجمل حالة إنسانية يمكن أن تتحلّى بها شخصيتُه.

الرحمةُ تنتج ما لا تنتجه العدالةُ، من الرحمةِ يتوالدُ الغفرانُ والعفوُ والعطفُ والرفقُ واللينُ والشفقةُ، لذلك يستطيعُ من يمتلك الرحمةَ تحمّلَ الأقوالِ والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيعُ العفوَ عنها. الرحيمُ يتحملُ ما لا يتحمله غيرُهُ، ويعفو عمَّ لا يعفو عنه سواهُ من البشر. وما أجمل تفسير الشيخ محيي الدين بن عربي لمنطقِ الرحمةِ في القرآن، إذ يكتب في الفصّ الزكرياوي من كتابه "فصوص الحكم": "والرحمةُ على الحقيقةِ نسبةٌ من الراحمِ، وهي الموجبةُ للحكمِ، وهي الراحمةُ، والذي أوجدها في المرحومِ ما أوجدها ليرحمه بها، وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به"1 . بمعنى أن الحقَ سبحانه إذا رحمَ إنسانًا أوجدَ فيه الرحمةَ، أي جعلَ الرحمةَ تقومُ به، بحيث يصبح قادرًا على أن يرحمَ غيرَه من المخلوقات، وبذلك يصبح المرحومُ راحمًا. الحقُ لا يوجِدُ الرحمةَ في المرحومِ ليرحمه بها، بل ليكسبه الصفةَ الإلهية التي بها يرحمُ غيرَه2 .

وبموازاة الرحمة حضرت كلمةُ "الْإِحْسَان"، فقد ورد "الْإِحْسَانُ" والكلمات ذات الصلة به بشكل لافت في القرآن، إذ جاءت بحدود 200 مرة3 . والإحسانُ يعني ما إذا عمِلَ الإنسانُ عملًا يتضمّن خيرًا للغير. وكما يقول الراغب: "الإحسان على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسنَ إلى فلان. والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علّمَ علمًا حسنًا، أو عمِلَ عملًا حسنًا"4 . وحثَ القرآنُ على الْإِحْسَانِ في الأقول والأفعال، الجدال مثلًا ينبغي أن يكون بالتي هي أحسن، فهو يقول: "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"5 . وعلى الرغم من أن الإحسانَ مفهومٌ أخلاقي ينشد تقديم ما هو أجمل من القول والفعل، وهو يقعُ في مرتبة تفوق العدالة، لكن يمكن تخصيصه في بعض المواقف دون سواها، فلعل المرء يكون مُحسنًا في مقام فيما لا يكون مُحسنًا في مقام آخر. لذلك لا يربو الإحسانُ لمرتبة الرحمةِ، من حيث هي حالة وجودية لمن يتلبّس بها، فلا تُخصّص الرحمة بمواقف معينة، لأن الرحيمَ يكون رحيمًا حيثما كان الموقفُ.

الكائنُ البشري ليس رحيمًا بالطبع، ولعل في ذلك سرَّ تركيزِ القرآن على الرحمةِ وكثافةِ حضورها فيه، ووضعِها إطارًا مرجعيًا وبوصلةً دلاليةً تُرشِد لما تؤشّر إليه مدلولاتُ سورِه وآياتِه. الرحمةُ حالةٌ لا يستوعبها الكائنُ البشري ولا يتّصفُ بها بيسر، ولا يتمثّلها بسهولة، بل لا يطيقها أكثرُ الناس، لأنها شديدةٌ على النفس، وطالما عجز الكائنُ البشري عن التحققِ بها، إذ إن نزعاتِ العدوان التي تترسّب في أعماقِ هذا الكائنِ تمنعه من امتلاكِها.

الإنسانُ كائنٌ طالما تغلّب في شخصيته الشرُّ على الخير، والتوحشُ على الرحمة. ولولا الدينُ لم تكن الحياةُ ممكنة. الأديانُ خفّضت كثيرًا من الطاقة التدميرية للتوحش في الأرض، فأضحت حياةُ الإنسان ممكنة. لا يتأنسنُ الكائنُ البشري إلّا بالرحمةِ، ومن دونها يتساوى هذا الكائنُ وأيَّ وحشٍ مفترس.

الجلّادون الدمويون الذين ظهروا في الأديان في العصور المختلفة كانوا تعبيرًا عن طبع هذا الكائن المتوحّش أكثرَ مما كانوا يعبّرون عن رحمة الأديان. وإلّا فكيف نفسّر ظهورَ شخصياتٍ روحانية مُلهِمةٍ في الأديان، مثل: الحلاج والنفري ومحيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وايكهارت والأم تريزا، وغيرِهم ممن يمثلون أجملَ النماذج الرحيمة الملهمة، وممن تفوّقوا في تجسيدهم لكيفية تمثّل الكائن البشري لمغزى الأديان وندائِها الروحاني العميق.

الكائنُ البشري ليس خيّرًا بالطبع، إنه مستعدٌ بالقوة أن يكون خيرًا أو أن يكون شريرًا، ونادرًا ما يتخلّص إنسانٌ في نشأتِه من آثار العواملِ التي تكوّن نواةَ السلوك العدواني في شخصيته، ولولا ذلك لكان معظم الناس رحماء. يتطلّب خفضُ تأثيرِ هذه العوامل على سلوكِ الإنسان أن ينشأ في بيئةٍ تربويةٍ صحيةٍ، وتنمو شخصيتُهُ في فضاءِ تربيةٍ أخلاقيةٍ صالحة، وحياةٍ روحيةٍ مُلهِمة، وثقافةٍ حيويةٍ ديناميكية، كي تترسّخ في شخصيته النزعاتُ الخيرية، وتولد في روحه بذرةُ المحبةِ وتنمو وتتجذّر باستمرار، بوصفها طاقةً ملهمةً لأجمل معاني الحياة، ولكلِّ ما يُكرّس الرحمةَ وما يتوالد عنها من قيمِ العفوِ والغفرانِ والشفقةِ على الخلق، وما يحمي الكائنَ البشري من الاغترابِ الوجودي.

وكلُّ ذلك لا ينجزه إلّا فهمٌ بديلٌ للدين، وموقفٌ مختلف لنمطِ الصلةِ بالله، ورؤيةٌ جديدة للعالم، وإرادةٌ جديّةٌ في تبنّي العلومِ والمعارفِ والخبراتِ الإنسانيةِ الجديدة، والخلاصُ من الغرام بعلومِ ومعارفِ الموتى التي نسخت أكثرَها العلومُ والمعارفُ الحديثة، لكن المؤسفَ أن أكثرَ ذلك ما زالت تفتقر إليه مجتمعاتُ عالَم الإسلام.

 

عبد الجبار الرفاعي

...........................

1- شرح القيصري على الفصوص. ص 237.

2- الرفاعي، عبدالجبار. الدين والظمأ الأنطولوجي. بيروت:  مركز دراسات فلسفة الدين ودار التنوير، ط 2، 2016، ص 170.

3- ورد "الْإِحْسَانُ "والكلمات ذات الصلة به في القرآن بهذه الصيغ: الْحَسَنَات، الْحَسَنَةَ، الْحُسْنَى، الْحُسْنَيَيْنِ، الْمُحْسِنِينَ، إِحْسَانًا، أَحْسَنَ، أَحْسَنَهُ، أَحْسَنُوا، أَحْسَنتُمْ، بِالْحَسَنَاتِ، بِالْحَسَنَةِ، بِالْحُسْنَى، بِإِحْسَانٍ، بِأَحْسَنَ، بِأَحْسَنِهَا، تُحْسِنُوا، حَسَنًا، حَسَنٍ، حَسَنَاتٍ، حَسَنَةً، حَسُنَتْ، حُسْنُهُنَّ، حِسَانٌ، فَأَحْسَنَ، لَحُسْنَ، لَلْحُسْنَى، لِلْمُحْسِنَاتِ، لِلْمُحْسِنِينَ مُحْسِنٌ، مُحْسِنِينَ، مُحْسِنُونَ، وَالْإِحْسَانِ، وَأَحْسَنَ، وَأَحْسِنُوا، وَحَسُنَ، وَحَسُنَتْ، يُحْسِنُونَ.

4- الطيبي، شرف الدين الحسين بن محمد. شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى الكاشف عن حقائق السنن. بيروت:   دار الكتب العلمية، ج1: ص93.

5- العنكبوت، 46.

 

حسن العاصييحتل الجزء العسكري والأمني الصدارة في أولويات العلاقات الإفريقية الإسرائيلية، إذ بدأت المساعدات العسكرية الإسرائيلية لبعض الدول الافريقية حتى قبل استقلال هذه الدول، فقد قامت كل من أوغندا وغانا في العام " 1962 " بإرسال عسكريين وضباط للتدرب في إسرائيل، وبالمثل أرسلت تنزانيا مجموعة من الضباط للتدرب في المعاهد الحربية الإسرائيلية، كما دربت إسرائيل أول مجموعة من الطيارين من أثيوبيا وغانا وأوغندا، ودربت طيارين مدنيين من نيجيريا، وفي العام "1966 " أنشأت إسرائيل أول كلية حربية في غانا، حيث كان يتواجد فيها "100 " ضابط إسرائيلي كخبير ومدرب، وتواجد في أوغندا أكبر بعثة اسرائيلية في العام " 1965 " وكان ضباط وجنود الجيش والشرطة وجهاز الاستخبارات الأوغندية يتلقون تدريبهم على يد ضباط من الجيش الاسرائيلي، وهنا من الجدير ذكره أنه حتى خلال الفترات التي تم فيها قطع العلاقات من قبل الدول الإفريقية مع إسرائيل ، لم تؤثر على مستوى هذا التعاون العسكري بين الطرفين .

اتفاقيات سرية

وترتبط اسرائيل بمعاهدات عسكرية وأمنية سرية مع العديد من الدول الإفريقية، تتضمن تدريب الجيوش وأجهزة الاستخبارات في تلك الدول، وذلك للحفاظ على استمرار الأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا التي تجد فيها إسرائيل ضالتها لتحقيق أهدافها .

فعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت إسرائيل بتوقيع معاهدة سرية للتعاون العسكري مع زائير التي طلبت مساعدة إسرائيل على أثر محاولة الانقلاب الفاشلة فيها، وقامت إسرائيل بمساعدة الجيش الليبيري في قمع التمرد على النظام، وعقدت معها صفقة عسكرية بملايين الدولارات، ويقوم الخبراء الإسرائيليين بتدريب الجيش الكاميروني ، وباعت لها إسرائيل طائرات من نوع "كفيرو عرافا "، ناهيك عن التعاون العسكري الإسرائيلي مع أثيوبيا التي تحتل موقع الصدارة في اهتمامات قادة اسرائيل كونها البلد الوحيد الغير عربي المطل على البحر الأحمر .

وعلى امتداد السنوات الماضية، إضافة إلى حصدها الأموال من النزاعات الدموية في القارة الافريقية، قامت إسرائيل بتوظيف علاقاتها المميزة مع العديد من الضباط في المؤسسات العسكرية والأمنية الإفريقية، لاختراق القارة وللحفاظ على مصالحها الاستراتيجية فيها على المدى البعيد .

وقد نقلت إسرائيل سياستها في إشعال فتيل الحروب والنزاعات، وإذكاء التناقضات المتعددة، وممارسة الخداع والابتزاز، وإثارة النعرات القومية والمذهبية، نقلت كل هذا الميراث البغيض الذي كان يشكل بالنسبة لها نهجاً منتظماً في علاقاتها مع محيطها العربي طوال عقود إلى القارة الإفريقية، ولا تتردد إسرائيل في عمل كل شيء في سبيل تحقيق أهدافها، فتراها تستغل على سبيل المثال، النزاعات الإرتيرية وحالة الفوضى الأمنية السائدة في الصومال من أجل تعزيز علاقاتها مع أثيوبيا التي قامت بالحصول على كميات كبيرة من الأسلحة الإسرائيلية بهدف تأزيم منطقة القرن الإفريقي التي تعاني بالأصل من أزمات متفجرة متعددة.

نتيجة للدعم الإسرائيلي غير المحدود يصنف الجيش الإثيوبي ثالث أهم جيش في القارة الإفريقية بعد مصر والجزائر، ويحتل الموقع 42 عالمياً، بامتلاكه 2300 دبابة، و800 مركبة، 200 صاروخ متعدد، 90 طائرة مقاتلة، 43 طائرة مروحية، بحسب الأرقام التي نشرها موقع "جلوبال باور فاير".

الاقتحام الناعم

نعود قليلاً إلى الوراء، فبعد قيام دولة إسرائيل في العام 1948 عاشت الدولة الجديدة عزلة مع محيطها العربي والإفريقي، هذا التهميش الذي تعرضت له إسرائيل من قبل جيرانها جعلها تستنبط أساليب جديدة لكسر هذه العزلة، فظهرت فكرة المساعدات للدول الإفريقية المجاورة الفقيرة، فبدأت إسرائيل بطرق أبواب القارة وتقدم نفسها على أنها فاعل خير، وبدأت مساعداتها تصل إلى بعض الدول الإفريقية وفي مقدمتهم إثيوبيا، ومع وصول هذه المعونات الإسرائيلية تباعاً إلى إفريقية كانت إسرائيل تنفذ إلى قلب القارة، وكان وجودها يتبلور ويتعزز في إفريقية خاصة في إثيوبيا لتصبح حليفة إسرائيل المطلة على البحر الأحمر.

في بداية الستينيات من القرن العشرين أرسلت إسرائيل عدد من المستشارين العسكريين كي تقوم بتدريب المظليين الإثيوبيين، وكذلك تدريب وحدات خاصة لمكافحة التمرد والشغب، كما قامت إسرائيل بتدريب جنود وضباط الفرقة الخامسة في الجيش الإثيوبي لمواجهة جبهة التحرير الإرتيرية.

في العام 1973 قطعت العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وإثيوبيا تضامنا مع مصر والعرب، لكن استمرت إسرائيل بإرسال قطع الغيار للطائرات والذخيرة للأسلحة أمريكية الصنع التي يملكها الجيش الإثيوبي، وكذلك استمر تواجد عدد كبير من المستشارين والخبراء العسكريين الإسرائيليين في أديس أبابا، ولم يتغير هذا الوضع حتى مع وصول الرئيس الإثيوبي ذو التوجه الماركسي "مانجستو هيلا مريام" للسلطة في العام 1974 من القرن العشرين، لكن هذا الوضع تغير في العام 1978 حين قام الرئيس "مانجستو" بطرد جميع المستشارين الإسرائيليين من إثيوبيا على أثر انكشاف علاقة البلدين مما اعتبر خرقاً لقرارات مجلس الوحدة الإفريقية ووضع إثيوبيا في حرج شديد من الدول الإفريقية.

في العام 1983 ورغم استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإسرائيل، قامت الأخيرة بتدريب عسكري وأمني للحرس الرئاسي ولجهاز الشرطة الإثيوبي ولرجال بعض الأجهزة الأمنية ومنها المخابرات.

ثم بدأت إسرائيل في استقبال يهود الفلاشا الذين هاجروا من إثيوبيا بناء على اتفاق بين الحكومتين في العام 1985 مقابل مساعدات عسكرية تقدمها إسرائيل لأديس أبابا، ولغاية العام 1987 كانت إثيوبيا تلقت معونات عسكرية بقيمة 85 مليون دولار مكافأة لها على السماح ليهود الفلاشا بالهجرة إلى إسرائيل، وأرسلت تل أبيب 300 مستشار وخبير أمني وعسكري إلى إثيوبيا، وقامت خلال هذه الفترة بتدريب 40 طياراً إثيوبياً في إسرائيل، في العام 1989 من القرن العشرين تم إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتم افتتاح السفارة الإسرائيلية في أديس أبابا، وقدمت إسرائيل المزيد من المساعدات العسكرية لإثيوبيا.

في العام 1990 قدمت إسرائيل حوالي 150 ألف بندقية للجيش الإثيوبي بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، وتوسعت مساعدات إسرائيل لتضم معونات صحية وأدوية، وكذلك أرسلت خبراء في مجال الري والزراعة، وفي العام 1991 قامت إسرائيل بنقل 15 ألف يهودي من الفلاشا مباشرة عبر جسر جوي من أديس أبابا إلى إسرائيل، ودفعت للرئيس الإثيوبي مبلغ 35 مليون دولار قبل أن يطيح به انقلاب شعبي ضده فهرب إلى زيمبابوي، وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام فإن إثيوبيا لا تبلغ ميزانيتها العسكرية سوى 0,8 في المائة، إلا أنها أصبحت ثالث أقوى جيش في القارة السمراء بفضل الدعم العسكري الإسرائيلي.

تفتيت العلاقات العربية -الافريقية

أصبح من المؤكد أن إسرائيل استطاعت وعبر برنامج المساعدات العسكرية بشكل رئيسي، والإنمائية بدرجة أقل، استطاعت أن تفسد العلاقات التاريخية بين العرب ومصر بوجه خاص وإثيوبيا، وأنها تمكنت من إخراج مصر من إثيوبيا والحلول مكانها، وبدأ فصل جديد من فصول الضغط الإسرائيلي على مصر والسودان عبر أذرعها الإفريقية في إثيوبيا وغيرها من الدول الإفريقية.

إن التعاون العسكري وتقديم مساعدات عسكرية إلى الدول الإفريقية، وكذلك تدريب ضباط الجيش والأجهزة الأمنية الإفريقية، كان ولايزال يستحوذ على أهمية خاصة في الاستراتيجية الإسرائيلية، لتوظيف هذا الملف في ممارسة الابتزاز والضغوط والمقايضة، والأهم هو استخدامه كسلاح في مواجهة الدول العربية لتهديد أمنها والضغط عليها لتغيير مواقفها في بعض الملفات، ومن أجل هذه الرؤية عملت إسرائيل على تكثيف نشاطها وتواجدها العسكري في إفريقيا، وقامت بإرسال كثير من الخبراء والمستشارين العسكريين والأمنيين الإسرائيليين إلى عدة دول إفريقية من أجل تدريبهم والإشراف عليهم، حتى أن إسرائيل قامت بتدريب كثير من الحراس الرئاسيين الذي يتولون حماية قادة ورؤساء القارة السمراء، وجلبت الآلاف من الأفارقة للدراسة والتدريب في معاهدها الحربية وكلياتها العسكرية.

ولم تكتفي إسرائيل بتقديم السلاح وتدريب الجنود والضباط، بل قامت أيضاً بنقل تجربتها في العمل مع منظمات الشباب الشبه عسكرية مثل تجربة منظمتي "الناحال" و"الجدناع" وقامت بإرسال مستشارين ومدربين إلى بعض الدول الإفريقية لتعليمهم كيفية تنظيم صفوف الشباب الإفريقي في فصائل تجمع العمل المدني والتدريب العسكري سوية.

أيضاً أرسلت إسرائيل عدداً من مدربيها للإشراف على تنظيم الخدمة العسكرية التي تفرض على الشباب الإفريقي لفترات زمنية محددة كما هو الحال في إسرائيل، وقامت أيضاً بإرسال عدد من الخبراء لتدريب قوات الشرطة في تنزانيا، ودربت قوات المظليين في الكونغو، ثم أنشأت مدرسة هناك وقدمت لجيش الكونغو أسلحة وعتاد، ثم في سيراليون أيضاً يتكرر ذات السيناريو حيث أرسلت إسرائيل خبراء عسكريين وضباط من أجل تدريب الجيش السيراليوني، ثم أنشأت لهم مدرسة عسكرية في فري تاون.

والجدير بالذكر هنا أن إسرائيل استطاعت أن تبني قواعد جوية وبحرية في دول القرن الإفريقي، وبالطبع الغاية الرئيسية منها هو تهديد الأمن العربي والضغط على مصر والسودان، وقد تحولت جميع هذه القواعد إلى مراكز للتجسس على الدول العربية وعلى الدول الإفريقية نفسها، كما شكلت إسرائيل فرق عمل أمنية ومجموعات عسكرية بشكل مشترك مع عدد من الدول الإفريقية، الغاية منها هو تقوية نفوذ إسرائيل داخل الأجهزة العسكرية والأمنية الإفريقية عبر هذه المجموعات التي تضم الكثير من كبار الضباط الذين تلقوا تدريبهم في المعاهد العسكرية الإسرائيلية في إسرائيل أو تدربوا بواسطة مستشارين إسرائيليين في بلدانهم جميعهم يدينون بالولاء للمصالح الإسرائيلية ، وتربطهم علاقات مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ومعظم هؤلاء الضباط من إثيوبيا والكونغو ورواندا وزائير وساحل العاج ومن جنوب إفريقيا وإريتيريا وكينيا وأوغندا وتنزانيا.

وفد شجعت إسرائيل الأجيال الجديدة من القادة الأفارقة الذين ينتمون إلى أقليات عرقية أو مذهبية في بلدانهم، ويرتبطون بعلاقات جيدة مع إسرائيل، ومنهم "مينيس زيناوي" في إثيوبيا و "أسياسي أفورقي" في إريتيريا و "جون جارانج" في دنوب السودان و "يوري موسيفيني" في أوغندا، وكل هؤلاء أصبحوا قادة بلدانهم وأصدقاء مخلصين لإسرائيل ويدافعون عن مصالحها.

إن إسرائيل ترتبط مع إريتيريا باتفاقية أمنية تم توقيعها في العام 1996، حصلت بموجبها إريتيريا على مساعدات عسكرية ضخمة، وحصلت إسرائيل على تسهيلات لتعزيز وجودها في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وأصبح لها تواجد عسكري في مضيق باب المندب.

في الصراع الذي وقع في منطقة البحيرات العظمى في العام 1994 قامت إسرائيل بتزويد كل من رواندا وبوروندي والكونغو بالأسلحة وبالمستشارين العسكريين وذلك بهدف إثارة النعرات والقلائل لتبقى هي المستفيد الوحيد والقادر على إدارة هذه الصراعات في المنطقة.

وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد من خلال مكتبه في نيروبي، ومن خلال تعاون إسرائيل الأمني مع كينيا بتحريض الأخيرة على إثارة التوترات فيما يتعلق بأزمة مياه النيل مع مصر في العام 2003، وظلت إسرائيل تضغط على كينيا حتى أعلنت انسحابها من معاهدة حوض النيل الموقعة في العام 1929، وكررت إسرائيل نفس السيناريو مع أوغندا التي أعلنت أنه يجب إعادة التفاوض حول موضوع مياه النيل والوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، أو أنها سوف تنسحب من الاتفاقية كما فعلت كينيا.

وقد أصدر الدبلوماسي الإسرائيلي السابق "آريه عوديد" كتاب "إسرائيل وإفريقيا" في العام 2014 وترجمه إلى العربية الدكتور عمر زكريا المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، وتظهر قيمة هذا الكتاب الهام من أن مؤلفه كان من الذين وضعوا خطط اختراق القارة الإفريقية من قبل إسرائيل، وساهم في عملية بناء وتعزيز العلاقات الإسرائيلية الإفريقية على مدار عقود، وكان قد بدأ عمله الدبلوماسي في أوغندا في العام 1961، وانتقل ليرعى المصالح الإسرائيلية في كينيا في سبعينيات القرن العشرين، ثم في تسعينيات القرن الماضي عمل سفيراً في سوازيلاند وكينيا، ثم عين سفير غير مقيم في لاسوتو وزامبيا وموريشيوس وجزر سيشيل، وعمل محاضراً للدراسات الإفريقية في الجامعة العبرية في القدس.

علاقات سرية رغم المقاطعة

يذكر الدبلوماسي الإسرائيلي في كتابه آنف الذكر، أن إسرائيل ظلت على علاقات سرية مع الدول الإفريقية التي قطعت علاقاتها الرسمية العلنية مع إسرائيل في مراحل مختلفة خلال القرن العشرين، نتيجة للضغوط التي تعرضت لها تلك الدول الإفريقية من الأنظمة العربية، وظلت إسرائيل تعمل بكامل حريتها في تلك الدول، ويقر "عوديد" أن إسرائيل استمرت في تقديم كافة أنواع المساعدات العسكرية والأمنية للدول الإفريقية، وذكر أن إثيوبيا وإريتيريا لاحقاً كانتا مهمتان جداً لإسرائيل من أجل تأمين الطرق الملاحية للشرق الأقصى ولجنوب إفريقيا، والموانئ الموجودة في مومباسا في كينيا ودار السلام في تنزانيا هي موانئ مهمة لإسرائيل بهدف كمحطات في الطرق الملاحية، ويقول أن التواجد العسكري الإسرائيلي في إثيوبيا وأوغندا وكينيا بالغ الأهمية من الناحية الجيوسياسية لتطويق العرب.

وكان عوديد قد درس في جامعة ماكريري البريطانية في أوغندا، وقد درس معه في هذه الجامعة العديد من الزعماء الأفارقة الذين وصلوا إلى هرم القيادة السياسية والعسكرية في بلدانهم فيما بعد ومنهم "بنجامين مكابا" الرئيس التنزاني السابق، وقام الدبلوماسي السابق اثناء عمله بإرسال الكثير من الطلبة الأفارقة للدراسة في إسرائيل، وكان يختارهم بمعاونة رجال المخابرات الإسرائيلية الموساد بناء على معايير معينة أهمها مدى قدرة هؤلاء الطلبة على تبوأ مناصب قيادية في بلدانهم لاحقاً، ودرجة صداقتهم مع إسرائيل، ومن بين هؤلاء الذي أرسلهم للدراسة "يوسف لولي" الذي أصبح رئيس أوغندا بعد سقوط عيدي أمين.

وكشف عن الدور الخطير الذي لعبه الجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات الموساد في بعض الدول الإفريقية من خلال السفارات الإسرائيلية وبعض ملحقياتها التجارية والثقافية، بواسطة مستشارين أمنيين بلغ عددهم العشرات في كل من إثيوبيا، أوغندا، الكونغو، تنزانيا، كينيا، إريتيريا.

أوغندا النموذج

وكانت إسرائيل ساعدت الرئيس الأوغندي "أوبوتي" بناء على طلبه في مساعدة حصل عليها من إسرائيل لتنظيم وتدريب جيشه لمواجهة أعدائه في السودان التي كانت إسرائيل تدعم قيام كيان غير عربي في جنوبه، الاهتمام الإسرائيلي بأوغندا يأتي من كون منابع النيل الأبيض فيها، وكونها تقع جنوبي مصر والسودان الدولتين العربيتين اللتين تريد إسرائيل حصارهم والضغط عليهم، مما دفع إسرائيل إلى القيام بتدريب سلاح المشاة والمظلات والمدرعات والقوات الجوية في الجيش الأوغندي، ودربت أيضاً رجال وضباط الشرطة، وأول دبابة حصل عليها الجيش الأوغندي كانت مقدمة من إسرائيل ضمن ست دبابات، ودربت الطيارين العسكريين الأوغنديين في معهد للطيران قامت ببنائه إسرائيل في أوغندا، ثم قدمت لهم أربع طائرات تدريب ظراز "بوخانا" ولاحقاُ باعت لهم 12 طائرة من نوع "بوجا"، وفي فترة لاحقة دؤبت إسرائيل 30 طيار أوغندي في إسرائيل، ودربت معهم عشرات الفنيين لصيانة الطائرات.

ثم جاء الوقت كي تحصد إسرائيل فيه ثمار هذه المساعدات والدعم الكبير الذي حصلت عليه أوغندا التي أصبحت من الدول الإفريقية التي تمتنع عن التصويت في القضايا التي تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي في المحافل الدولية.

وعلى سبيل الذكر عارضت أوغندا مشروع قرار حول القدس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2003، كما امتنعت عن التصويت في قضية جدار الفصل العنصري الذي اقامته إسرائيل على الأراضي الفلسطينية حين طرح اقتراح لتحويل الموضوع إلى المحكمة الدولية، وفي أكثر من مناسبة أدانت أوغندا كفاح الشعب الفلسطيني واعتبرته إرهاباً.

ودولة مثل" الرأس الأخضر" وهي عبارة عن مجموعة جزر تقع غرب إفريقيا، يصرح رئيسها" جورجي كارلوش" بعد اللقاء الذي جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي " بنيامين نتنياهو" على هامش اجتماع المنظمة الاقتصادية المشتركة لدول غرب إفريقيا قبل شهور قليلة، بأن دولته لن تصوت ضد إسرائيل في الأمم المتحدة من الآن فصاعداً.

وقبل جولته الثالثة إلى إفريقيا، استضاف "نتنياهو" رئيس توغو "فاورا غناسينغبي" على مأدبة عشاء في منزله بالقدس الغربية، ومن اللافت ما كتبه الرئيس الإفريقي في سجل الزوار" أحلم بعودة إسرائيل إلى إفريقيا، وعودة إفريقيا إلى إسرائيل"، ورد عليه "نتنياهو" بقوله" أن توغو هي صديقة حقيقية لإسرائيل".

للتذكير

إن العالم من حولنا يتغير، وتتبدل معه مصالح الدول وتحالفاتها، فهل أصبحت فلسطين والقضية الفلسطينية في طي النسيان بالنسبة لمعظم الدول الإفريقية؟

فهل يمتلك العرب القدرة والرؤية والقرار والعزيمة على تصويب وتحسين العلاقات الرسمية والشعبية بينهم وبين شعوب إفريقيا وقادتها، أم أن الأزمات العربية -العربية التي لا تنتهي جعلت من العرب قوماً يفكرون خارج مصالحهم بل خارج التاريخ وخارج الجغرافيا.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

عدنان عويدالتشيؤ فلسفياً: هو تحويل الظاهرة الإنسانية (الإنسان) إلى شيء، ليس له أي دور في تأكيد ذاته الإنسانية بعد أن استلبت منه قدراته العقلية وإرادته وأصبح في حالة صنمية أو سلعية.. أو تحول إلى ذرة اجتماعية ليس لها لون أو طعم أو رائحة. إلا لون وطعم ورائعة تلك الذرة الاجتماعية التي يريدها عليها من عمل على تشيئها، وهي هنا الأنظمة الاستغلالية الاستبدادية مهما كانت أشكالها. هذه الأنظمة التي تعمل دائماً على خلق أو (تحديد) جوهر هذا الإنسان سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، بحيث يُشعرها هذا الإنسان المشيء بوجودها وقوتها وهيمنتها واستمرارية سلطتها من جهة. ويَشعر بالمقابل رعاياها بضعفهم وقلة حيلتهم ورضوخهم لقادة هذه الأنظمة من جهة ثانية.

يقول "هيجل": (التحديد يعني السكون)، والسكون برأيي يعني التحجر والصنمية. وبالتالي فالسكون بالنسبة لحالات استلاب الأفراد من حريتهم وإرادتهم ولقمة عيشهم يعني (التشيؤ). وهذا "كيكغارد" له رأي في التشيؤ يقول فيه أيضاً: (إنك تلغيني إذا وضعتني في نظام)، ويقصد هنا النظام الذي تُسلب فيه حرية الإنسان أي كان نوع هذا النظام الذي يمارسالقهر والظلم على رعاياه. وهو ما ذهب إليه "ماركوز" عند حديثه عن النزعة التشيئية للإنسان قائلا : (إن هذه الذات تسلب من دورها الأخلاقي والسياسي والجمالي حيث يختصر دورها على الملاحظة الخالصة والقياس والحساب الخالصين). (1)

فالتشيؤ إذن ظاهرة يصبح في ظلها الناس مجرد موضوعات تُسيرهم ميولات تكنولوجية واقتصادية وسياسية وأيديولوجية في آن معاً. وتحدد سلوكهم مصالح اجتماعية محددة يفرضها النظام السياسي الاستبدادي القائم على السلطة ممثلاً بحوامله لاجتماعية.

إن الفرد في النظام الرأسمالي على سبيل المثال، وهو النظام الأكثر تعبيراً عن حالات التشيؤ التي تصيب الفرد والمجتمع تحت مظلته التقنية التكنولوجية، هذه المظلة التي تفرض علاقات إنسانية مشوهة، تنهض على الكم والتراكم الإنتاجي والاستهلاك المنتزع من صلته العضوية بالمجتمع. أو بتعبير آخر، إن العلاقات الإنسانية في هذا النظام الرأسمالي، تُحددها روح المقايضة والمنفعة الخاصة. وبالتالي فإن روح المقايضة والتملك اللامشروط، والتشبث بالأشياء المصنوعة، ونشوة الاستهلاك، ستعمل بالضرورة على تغريب الإنسان واستلابه وتشيئه.

إن تحول جميع النشاطات الإنسانية والأشياء إلى سلع يعتبر أساس حالة التشيؤ. هذا وتظهر ظاهرة التشيؤ على عدة مستويات أهمها:

أولا: على مستوى المجتمع الاستهلاكي:

إن المجتمع الاستهلاكي ينزع على الدوام إلى خلق واستنباط رغبات جديدة. وذلك لأن الإنسان مركب حاجات، وحاجاته لا تنضب، وبالتالي فالاستهلاك يشكل هنا حجر الزاوية في تشييئ الإنسان وتركه يلهث وراء تامين حاجاته الروحية والمادية والمعنوية. ولتحقيق هذه الحالة من الاستهلاك تُوظف الدعاية بكل أشكالها وفي أعلى مستوياتها من أجل تغيير البنية العقلية والسلوكية للفرد والمجتمع وفق توجهات المجتمع الاستهلاكي ورغبات القائمين عليه.

ثانيا: على مستوى حب التملك أو الحيازة:

إن حب التملك للأشياء يصبح الحافز الرئيس للأفراد، وهو ما يجعل الأشياء تتحكم في الإنسان. ومن هنا تصبح قيمة الإنسان ومكانته في هذه الأنظمة مرتبطة بقدراته على تملك الأشياء وجديدها.

أن مقدرة الإنسان وقيمته ومكانته الإنسانية تكمن في قيمة الأشياء التي في حوزته، والتي يرى فيها قيمته الذاتية المتوارية. فاللوحة الفنية مثلاً لم تعد تقدر بقيمتها الفنية الجمالية والابداعية ودورها في تغيير وعي وأحاسيس الإنسان نحو جوهر إنسانيته، وإنما قيمتها تُحدد بسعرها الذي يصل إلى ملايين الدولارات، وقيمة الإنسان فيها هي قيمة من يشتريها.

إن هذا التشيؤ الذي يقع فيه الإنسان تحاول الفلسفة البرجوازية ان ترده كما هو الحال عند  "ماركوز" في (كتابه الإنسان ذو البعد الواحد)، إلى التكنولوجية العلمية التي تميل حسب رأيه إلى دراسة الأفراد بطريقة موضوعية علمية تبرر ما هو قائم. (2). أي تبرر هذه الفلسفة كل حالات قهر الناس وظلمهم واستلابهم وتشيئهم، مدعية أن التطور التكنولوجي هو السبب الرئيس وراء ذلك وليست التناقضات والصراعات الطبقية القائمة على الاستغلال هي السبب. وهذا برايي ما تعول عليه كل نظرية ما بعد الحداثة في علم الاجتماع بشكل خاص، فالتجريبية في ميدان العلوم الاجتماعية تعمل على طمس طبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة على التناقض والصراع بين المالك والمنتج في الأنظمة الاستغلالية ومنها النظام الرأسمالي، فالذين يشتغلون على علم الاجتماع الرأسمالي يحاولون إبعاد القوى الفاعلة في النظام الرأسمالي وهي الطبقة الملكة للمال والسلطة، عن المسؤولية وتحميلها للتكنولوجيا، وكأن التكنولوجيا هنا مجردة عن حواملها الاجتماعيين الذين يسخرونها لمصلحتهم. وعلى هذا الأساس لم يعد مهماً دراسة تكون المجتمعات البرجوازية وآلية عملها والقوى التي تتحكم في آلية هذا العمل ومسألة التناقض والصراع الطبقي القائم في هذه المجتمعات، بقدر ما يهم دارس علم الاجتماع عرض مكونات وموجودات هذه المجتمعات بما فيها أفراد المجتمع، بوصفهم أشياء ووقائع وأرقام وبيانات ومعادلات وتروس في آلات التكنولوجيا.

إن النظرة (المجهرية) العلمويّة لعلم الاجتماع البرجوازي، التي تكشف الظواهر الإنسانية كظواهر منظمة ودقيقة متكيفة ومندمجة في محيطها الاجتماعي بعيداً عن أي قيم إنسانية يمارسها أناس من لحم ودم، لهم مصالحهم وعواطفهم ورغباتهم إلخ، هي ليست أكثر من محاولات مشبوهة باسم العلم يمارسها علماء اجتماع تهدف إلى حجب الصورة الحقيقية لمجتمع قائم على صنمية السلعة وتسييد النزعة الاستهلاكية التي ستغير مفهوم الإنسان من ذات تفكر في ذاتها وبالآخرين وبكل ما يحيط بها، إلى ذات تستهلك فقط ما يقدمها لها سوق الإنتاج من أجل الاستهلاك. لقد انقلب العقل في أنماط الاستهلاك هذه من عقل ناقد للأشياء إلى عقل أداتي تسيره وتحدد دوره الأشياء المصنوعة للاستهلاك. لقد تغير العقل بتعبير آخر من أداة للتفكير إلى أداة للاستهلاك.

إن أي وعي مشروط بمدى تلبيته للحاجات الاستهلاكية، هو بلغة هيجل مجرد "وعي شقي" أي هو وجود مُغترب مُشيئ".

 

د. عدنان عويّد - اتب وباحث من سورية

...........................

1 -  للاستزادة في هذا الموضوع راجع دراسة : سلمى بالحاج مبروك الخويلدي - المواطن والإنسان ذو البعد الواحد - موقع حــركـــة التـجـــديـــد - تـونـس - الصفحة الاساسية - ثقافـة و فـنون - الاربعاء 9 نيسان (أبريل) 2008 .

2- المرجع نفسه.

 

فراس زوينيعد العراق في مقدمة بلدان العالم من حيث فرص النهوض الاقتصادي والعمراني لامتلاكه العديد من المفاتيح التي تمكنه من فتح الأبواب المغلقة للعملية التنموية وتذليل العقبات امام احداث التنمية المستدامة، واحب في هذه الورقة ان اسلط الأضواء على ثلاثة من هذه المفاتيح التي ان تواجدت في أي بلد فأنها ستقوده نحو النهضة التنموية والعمرانية .

المفتاح الاول هو امتلاك العراق قاعدة غنية ومتنوعة من الموارد الطبيعية والبشرية وضعته ضمن اغنى دول العالم من حيث غزارة الموارد وتوافرها، حيث سبق وان اعلن المعهد الامريكي للطاقة في تقريره الدوري الصادر في العام ٢٠١٤ ان العراق يحتل المرتبة التاسعة عالميا بحجم الثروات الطبيعية الموجودة فيه، واشار التقرير إن "حجم الاحتياطي النفطي بحسب المسوحات الجيولوجية والزلزالية يبلغ نحو 350 مليار برميل، وان العراق يضم ايضا ثروات معدنية كالفوسفات والفضة والزئبق والفسفور بالإضافة الى الغاز الطبيعي، مبيناً ان المسح لم يشمل القطاع النفطي فقط بل كل الثروات الطبيعية كالذهب والبلاتين وغيرها، ووفقا لدراسة أخرى أعدها موقع "إنسايدر مانكي" الامريكي في العام ٢٠١٧، فأن العراق جاء في المرتبة الخامسة عالمياً باحتياط النفط المؤكد والذي بلغ 142.50 مليار برميل، متقدما بذلك على الكويت والإمارات، فيما اعلنت وزارة النفط في مناسبات عديدة ان العراق يسعى الى الوصول بالاحتياطي النفطي الى 170 مليار خلال الفترات القريبة القادمة، في الوقت الذي بلغ احتياطي العراق من الغاز 135 مليار قدم مكعب، وعند التكلم عن دورالموارد الطبيعية في التنمية الاقتصادية يكون من المناسب الإشارة الى النرويج، والتي تعد مشابه للحالة العراقية من ناحية امتلاكها للموارد الطبيعية، حيث اكتشف النفط في النرويج في أواخر عام 1969، وبدأ التحوّل الاقتصادي في النرويج من دولة تعتمد على الزراعة وصيد الأسماك، لتصبح الدولة الرائدة عالمياً في مجال التنقيب عن النفط والغاز، وخوفاً من ضعف اقتصادها المحلي بسبب ظهور بوادر التوجه نحو الريع واهمال باقي القطاعات، عمدت النرويج الى تأسيس صندوق النفط السيادي عام 1990 لدعم الاقتصاد على المدى الطويل، والمحافظة على مستويات النموّ، وتحصين الاقتصاد في المستقبل عندما تشّح الإيرادات النفطية، وفي عام 1996 جرى أوّل تحويل مالي إلى الصندوق، ثمّ في عام 2006 تمّ تغيير اسمه ليصبح الصندوق التقاعدي الحكومي النرويجي، ولتفادي آثار تقلبات النفط على اقتصاد البلاد فقد ركز الصندوق استثماراته على خارج البلاد من خلال تسعة آلاف شركة تعمل في قطاعات مختلفة في 75 دولة، وبعد مرور عقدين من الزمن قدر حجم الصندوق في نهاية عام ٢٠١٧، بنحو 910 مليارات دولار، ولفهم مدى أهمية الموارد الطبيعية من الناحية الاقتصادية فما على القارء الكريم سوى تقسيم هذا الخزين على 5.2 مليون نسمة وهم تعداد النرويج ليتبين نصيب كل مواطن من هذه الثروة، وقد يبين هذا المثال مدى أهمية الثروات الطبيعي بالنسبة لبلد ذا تجربة ناشئة مثل العراق، ويمكن اعتبار الثروة الطبيعية هي اول مفاتيح التنمية الاقتصادية والبناء يحملها بيده اليمين للقيام بالعملية التنموية والعمرانية .  

ويحمل العراق بيده اليسرى المفتاح الثاني، وهو توفر الايدي العاملة وارتفاع نسبة الشباب بين فئات المجتمع، فقد بين الجهاز المركزي للإحصاء في تقرير نشر في الأول من تشرين الأول من عام ٢٠١٨ إن عدد سكان العراق بلغ 38 مليون و124 الف و182 نسمة حسب الاسقاطات السكانية لعام 2018 مبينا ان نسبة الذكور منهم بلغ 19 مليون و261 الف و253 نسمة بنسبة 51%، فيما بلغت نسبة الاناث منهم 18 مليون و862 الف و929 نسمة وبنسبة 49% من مجموع السكان، ويعد العراق من اكثر دول المنطقة شباباً بالرغم من الحروب المتتالية التي خاضتها البلاد خلال العقود الأخيرة وسقوط مئات الالاف من الشهداء، الا ان الواقع السكاني للعراق يشير الى هيمنة الفئات العمرية الشبابية على باقي الفئات العمرية، وقد كشفت وزارة التخطيط ان نسبة السكان المسنين في العراق بلغت ٣٪‏ وفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء لعام ٢٠١٨، وذلك يعني ان العراق من المجتمعات الفتية أي ان فئات الشباب ما بين ١٦-٦٣ هي اكثر فئات المجتمع، حيث بلغ حجم القوى العاملة في العراق قرابة ٧ مليون مواطن، ويشكل هذا الرقم قوى هائلة لا يستهان بها، وكانت وزارة التخطيط قد اكدت في مناسب عديدة ان عدد سكان العراق يزداد سنويا بمعدل يقارب ٨٥٠ ألف شخص سنوياً، فيما توقعت ان تصل نسبة السكان الى 50 مليون شخص خلال عام 2030، وقد يكون من المناسب ذكر ان هناك نماذج تنموية للعديد من الدول التي استطاعت استغلال كثافة الايدي العاملة وتراجع مستوى الاجور بسبب هذه الكثافة العددية مثل الصين والهند ودول جنوب شرق اسيا والتي جعلت من زيادة العرض للعمالة منطلق رئيسياً للنهوض، وقد لا تكون الحالة العراقية بمعزل عن هذه الأمثلة، فان الكثافة الشبابية في المجتمع العراقي يمكن ان تشكل احد اهم عوامل التنمية الاقتصادية والبشرية، اذا ما تم استغلالها وتوجيهها نحو البناء والاعمار، للتأسيس لاقتصاد متين ينتشل العراق من واقعه المتراجع مستغلة توفر باقي عناصر النهوض والتنمية المستدامة .  

اما المفتاح الثالث من مفاتيح التنمية والاعمار التي يمتلكها العراق فهو الحاجة الملحة للبناء والخدمات وتحولها الى ضرورة حتمية اذا اريد لهذا النظام الاستمرار والبقاء، نتيجة تراجعها الرهيب خلال الفترات السابقة، حيث يمكن للمحافظات العراقية ان تتحول خلال فترة بسيطة الى ورشة عمل عملاقة فكل شبر في هذا البلد بحاجة الى البناء او الى إعادة الاعمار، ويعتبر البناء والاعمار رغبة جماهيرية عارمة يجب ان تلبى بعد سلسلة الإخفاقات التي أعقبت عام ٢٠٠٣ وتواتر الوعود الحكومية الفارغة، في وقت لايزال الواقع الحياتي لمعظم المحافظات العراقية يشير الى تراجع مستمر في مستوى البناء والخدمات، وقد تكون فرص انتشال البلاد من هذا الواقع تتضاءل يوم بعد يوم، ويجب التوجه إصلاحها بسرعة وجدية، والا كانت النتائج على مستوى كيان الدولة ووجودها وخيمة، وان تراجع الواقع الخدمي والعمراني للبلاد في العقود الأخيرة نتيجة الدكتاتورية والحروب وسنوات الحصار الاقتصادي مع التخبط في إدارة الملف السياسي والاقتصادي بعد عام ٢٠٠٣ وتفشي الفساد المالي والإداري، انتج حالة من التخلف والتراجع الحاد في كل قطاعات الدولة وجعل العراق في امس الحاجة الى إعادة بناء هذه القطاعات، والتي قد لا يكفي لبنائها الجهد الداخلي والمحلي، وانما قد يتعدى ذلك الى الحاجة الماسة الى جلب الاستثمار الخارجي، وجذب اهتمام الشركات متعددة الجنسية، وتجدر الإشارة هنا الى النموذج التركي في احداث التنية الاقتصادية والبناء، والذي اعتمد بشكل كبير على جلب الاستثمارات الخارجية مستغلاً توفر الايدي العاملة والرغبة الملحة وضرورة البناء والاعمار، لكن ضل التمويل وتوافر الأموال اللازمة للبناء والنمو هي العقبة الكبرى في النموذج التركي، ولجأت تركيا لسد هذا النقص الى الاستثمار الخارجي من خلال تقديم التسهيلات اللازمة لجذب الشركات العالمية الكبيرة والرصينة للاستثمار في الداخل التركي وبما يحقق المنفعة المتبادلة بين الشركات و والمجتمع التركي . اما في الحالة العراقية فبالامكان تصور حجم العمل الذي يمكن ان يتحقق في العراق عن طريق جلب الاستثمارات الأجنبية من خلال وصف السيناتور الامريكي جون ماكين الى (ان العراق هو قارورة العسل التي تجذب اليها الكثير من الذباب) ويقصد بالذباب هنا الاستثمار الأجنبي .          

ان المفاتيح الثلاثة السابقة يمكن اعتبارها من اهم عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي تقود أي مجتمع نحو البناء والاعمار وتؤسس لقاعدة اقتصادية متينة تأخذه حتماً نحو التنمية المستدامة، وقد تكون الحالة العراقية هي شذوذ هذه القاعدة اذ ان لكل قاعدة شواذ، فالواقع العراقي يعكس ضياع الموارد الطبيعية المتعددة وايراداتها الهائلة التي قد تكفي لبناء عشرة بلدان، وارتفاع نسب البطالة بين الشباب بالرغم من حاجة البلاد الملحة للعمل، وتردي الخدمات وانهيار البنى التحتية رغم ضياع المليارات بذريعة بنائها، وارتفاع نسبة الدين العام وتفشي البيروقراطية الإدارية في مؤسسات الدولة والعديد من المشاكل والمعوقات التي أدت الى ضياع الفرص المتاحة وذوبانها في دوامات متعددة لعل أولها الفساد وليس اخرها سوء الإدارات السياسة والاقتصاد السابقة المتعددة والتي مسكت زمام الأمور في العقود الأربعة الأخيرة .

 

فراس زوين / باحث اقتصادي

 

زهير الخويلدي"أن تكون فيلسوفا لا يعني أن تعلم الكثير من الأشياء بل أن تكون دقيقا في كل شيء" .. سقراط

لم يتفق الفلاسفة على الكثير من الأمور بما في ذلك تعريف النشاط الذي يقومون به، فالجميع يمنح لنفسه تصورا مخصوصا وطريقة في البحث ينفرد بها عن غيره ويضع لمنطلقاتها نتائج يزعم اكتشافها بنفسه.

غير أن هذا الاختلاف والتباين بين الفلاسفة حول طبيعة مجهودهم ونوعية الشغل الفكري الذي يقومون به لا يلغي وحدة الهدف والمصير والرغبة المشتركة في تدبير المدينة واستهداف حياة جيدة خالية من الشقاء.

لا تقتصر الفلسفة على النظر في العالم وإبراز الحضور الإنساني وتصور مجتمع أفضل وإنما هي فعالية إبداعية فيه ونشاط خلاق وقدرة تحررية وأيضا درب نحو تحقيق السعادة وتمكين الناس من الخير العام.

إن التباس المصطلح التقليدي للحكمة مرده الإشارة إلى معرفة الحقيقة وممارسة الفضيلة الأخلاقية في ذات الوقت وترتب عنه تشكل تأويلين للفلسفة: التأويل الأول يتصور الفلسفة بأنها معرفة عقلانية وبحث متواصل عن المعقولية ويمثله علماء الطبيعة الإغريق في القديم وهيجل والتيار الوضعي والتوجه اللغوي الأنجلوساكسوني، أما التأويل الثاني الذي كان سقراط قد دشنه وواصله كانط والوجودية فإنه يعتبر الفلسفة مسلكية إيتيقية عن المصير الحقيقي من خلال نقد المعرفة وتعلم الفضيلة والالتزام بها في الحياة اليومية.

إذا كان صحيحا وجود فلاسفة عرفتهم البشرية ومفكرين أحرار دون أن يتمكنوا من بناء فلسفات ومذاهب ولم يكتبوا مؤلفات ويدونوا نصوصا ويوثقوا أفكارهم ولم يحفظوا أقوالهم في كتب على غرار سقراط فإن الفلسفة الأولى تبلورت حول تاريخ حافل من الشخصيات المفهومية والتطور المعرفي والتجارب العقلية.

لم تصبح الفلسفة مهنة ولم يتحول الفيلسوف إلى مدرس إلا ضمن نظام الأجرة في الحضارة الرأسمالية ولما تم إدراج محبة الحكمة ضمن البرامج الرسمية للتعليم في مختلف المستويات إلى جانب بقية المواد.

غير أن هذا التوظيف الاجتماعي والإدماج التربوي أفقد الفلسفة دلالتها الأصلية ورونقها الفكري وهالتها الجمالية وحولها من امتحان دقيق لقدرات الإنسان على البحث العقلي الى تلقين مدرسي لعدد من التعاليم.

لماذا يجد الإنسان نفسه في حاجة ماسة إلى دراسة الفلسفة ومطالعة كتب الفلاسفة؟ وفي أي سن تزداد هذه الرغبة ؟ وما الغرض من ذلك؟ هل يوجد هدف محدد أم الأمر يتعلق بالفضول وحب الاطلاع والمعرفة؟ ماذا عن الفلسفة ؟ وماهي العبارة التي تتناسب أكثر مع التصور الفلسفي الذي يخص الإنسان المعاصر؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تدرب على حب الحياة؟ ومتى يوجد فيلسوف يكون قريبا من هذا التصور؟ ومن هو الفيلسوف الأبعد؟ وأي دور حقيقي يؤديه الفلاسفة؟ وماهي الفكرة الموروثة الأكثر إنارة في الفلسفة؟ وما طبيعة التفسير الذي تقدمه الفلسفة النقدية للواقع المعاصر؟ ومتى ينال الفيلسوف حق المواطنة عندنا؟

في البداية  تقوم الفلسفة في معناها الواسع بوضع مجموعة من الأفكار والمبادئ في نسق واحد والحرص على بناء نظرية محورية للعالم وتشييد علم عقلاني بالطبيعة وتفسير متساوق للواقع وإيجاد رؤية شاملة في الإنسان. إلا أن الدرس الافتتاحي في الفلسفة التطبيقية يقوم بالتحريض على الدخول الطوعي إلى مختبر الفلسفة النظري بالانخراط الملتزم في الممارسات الجديدة للتفكير الفلسفي لتأهيل إلى طلب الحكمة  للذين ليسوا بفلاسفة. لا تقتصر الفلسفة على التفكير العميق في التجارب الفعلية للوعي الإنساني ولا تنحصر في النظر إلى ظواهر الطبيعة وأحداث التاريخ وأحوال المجتمع وأنظمة السياسة وشيم الأخلاق وإنما تنتج المعنى من كل هذه التجارب وترسم الدروب المضيئة بغية تخليص البشرية من الجهل والبؤس والتفاوت والظلم والألم واللاإنسانية وغرس قيم العدالة الاجتماعية والمساواة التامة بين الفئات والجهات.

إذا كانت حضارة إقرأ قد عرفت ميلاد العديد من الفلاسفة وتشكل جملة من المذاهب الفكرية والاتجاهات التنويرية والكثير من الأنساق المعرفية والنظريات العلمية فإن بروز فيلسوف واحد في الأزمنة المعاصرة يقتضي الكثير من الجهود ويتطلب التغلب على العراقيل ومواجهة المشككين والرد على القوى المعارضة.

ليس الفيلسوف بالضرورة هو من يشيد عمارة شاهقة من الإشكاليات والمقولات والتعليقات ومن يصوغ التصورات في مرجعيات وأنساق وعقائد ومن أَلَّف الكتب والموسوعات وإنما يكون متفلسفا في الممكن ويتحرك ضمن التاريخي ويلوح بالنسبي وينهمك في النقد الذاتي والمراجعات القاسية بصورة مستمرة.

لذلك يمكن للفيلسوف أن يحاول اختراع الأفكار وتشريع القيم ووضع القوانين والإشارة إلى المناهج وأن يشارك في التغيير الاجتماعي عن طريق الانتماء العضوي والانحياز للقوى الثورية ويساهم في التقدم. ألا تظل الفلسفة في وضع طوارئ معرفية واستنفار وجودي طالما بقي الإنسان في حال مطاردة لإنسيته؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علي المرهجالفصاحة هي فن إجادة القول الجميل ببلاغة وبيان، فحينما يُطلق اللفظ على أحد منَا فيُقال عنه أنه فصيح، فذلك يعني أنه يُتقن أساليب التعبير البلاغي في اللغة العربية من (مجاز) و(استعارة) و(تورية) وما تقتضيها لغة الخطاب من بيان تستسيغه الأذن العربية التي اعتادت الهيام في مبنى اللغة لا في معناه وفحواه.

ربما تكون الفصاحة في الشعر أو النثر أو في الكلام الشفاهي، فيها بعض أو كثير من البيان وبعض من الحكمة في الخطبة، أو الوصية، أو الموعظة، أو الثناء والمدح، بل وحتى في الهجاء والذم.

والفصاحة ـ أحياناً ـ تقتضي االصراحة، بصيغة التورية أو المُباشرة، وربما يحسب بعض الناس أن في المُباشرة في المدح أو الذم (وقاحة)، لذلك نُفضل نحن العرب صيغة (التورية) في كلامنا بكل ما فيها من فصاحة التلميح لا التصريح على صيغة المُباشرة في المدح الممدوح فيحسب القول فصاحة، وفي الذم عند المذموم فيحسب الول وقاحة، ولكنني أعتقد ان (الصراحة) عند من عُرِف عنه محبة الآخرين هي من مُقتضيات الصدق في القول وصيغ التدوين، أو الكتابة، لأنه لا يروم تجريح الصديق ولا ذمه لمن أجل الإهانة، ولا مدحه من أجل نيل مكانة، فبعض من الصادقين يجعلون من النقد منهجاً لهم بُغية السير وفق ما تقتضيه نزعته المُحبة للإنسانية والعدل والاستقامة.

فيُمكن لك بلغة عربية فصيحة في صيغة المُبالغة أو صيغ الترميز أو التلميح بعبارات بيانية أثيرة أن تسبَ شخصاً، فيتقبل أسلوبك في السبَ هذه، ولربما تكتنز هذه الصيغة في مدلولاتها أقذع صيغ الشتم والتوبيخ، وستجد أن من توجه له هذه العبارات راضياً عنها وأحياناً يسعد بها.

ولكنه سيقف لك (ركبة ونص) وسيُحاسبك اشد الحساب حينما تصفه بصيغة فيها فصاحة ولكنها لا ترتكن لا إلى (التورية) ولا للمجاز ولا الاستعارة، لأن فيها قولاً صادقاً فيه من (الصراحة او (المباشرة) في الكلام أو التعبير اللفظي، ما تبتغي فيه إصلاح له، ولكنه يرفضه ولا يرتضيه ويحسبه من صيغ التعبير اللفظي في الوقاحة!.

فقل لفلان أنك حيوان، ستجده يرد عليك الوصف بأقذع منه، ويعدّ هذا الوصف من قبيل الذم اللاذع، ولكن قل له (أنك أسد) ستجده فرح، والأسد حيوان، أو قُل له أنك كالكلب في وفائك، وكالحمار في صبرك، ربما سيحمل قولك هذا على محمل حسن، ولا ينشغل بصفات الحيوانات السلبية الأخرى التي هي من طبيعة تكوينها الكُلي.

ذلك لأن العرب اعتادت وصف الإنسان بصفات الحيوان بنوعه لا بجنسه، ولكننا نتغاضى عما في صفات الجزء (النوع) ونعدها من قبيل (الاستعارة اللفظية)، ولكنها بتحصيل الحاصل هي صفات يحتويها الكُل.

وقد استخدم العرب لفظ المُباشرة كرديف لمعنى الجماع، وأظن لما يشتركان فيه بالمصداقية، ففي الجماع تعبير عملي عن مصداقية الرغبة في المُمارسة الجنسية، وفي المُباشرة في القول مصداقية التعبير في الرفض أو القبول لطباع شخص أو لما في فكره من مساوئ الفهم أو سوء التقدير لتعاطيه الفكري والاجتماعي، لفرط ما فيه من نرجسية او عدم تقدير لقدراته الذاتية وتجاهل لقدرات الآخر.

في الوقاحة كما أظن خرق لمألوف القول والفعل في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد، ولربما يكون التعبير بلفظ ما بلغة مجتمع ما فيه وقاحة، ولكنه بلغة أخرى وفي وسط اجتماعي آخر هو لفظ فيه من الفصاحة الشيء الكثير، فخذ مثلاً بعض ألفاظ الفحش في لغتنا، في التصريح بها خرق لمألوفنا القيمي، ولكنك لو ترجمتها للغة أخرى ـ في الغالب الأعم ـ لا تُعط نفس بُعدها في خرق المألوف القيمي في هذه اللغة الأخرى ومُجتمعها الناطق بها.

أما الصراحة، فهناك مثل أثير في ثقافتنا هو (الصراحة راحة)، ولكنه مثل غير معمول به، فليست كل صراحة راحة، فإن أنت واجهت شخصاً وصارحته بوجهة نظرك فيه وكشفت عن بعض من عوراته، فلا تكون الصراحة هنا رديفة للراحة، بل يعدَها من صارحته صفة من صفات الوقاحة بل هُناك من يعد الصراحة والصدق في المواجه في الكثير من العنت والقُبح وغياب (اللياقة الاجتماعية)، وهنا نعود لعادة العرب في قبول أقذع السبَ بـ (التلميح) ورفض أبسط النقد بـ (التصريح)!.

 

د. علي المرهج

 

احمد بابانا العلويبعث أحد أمراء الصين بعض رجاله الى الحكيم "تشوان– تسو" فاخبروه، برغبة الامير في ان يتولى الحكيم منصبا رفيعا في الدولة .. وبعد صمت طويل صرخ الحكيم في رجال الامير قائلا: «انني اختار ان اجرجر اذيالي في الاوحال كما تفعل السلحفاة..»

وتنطوي هذه الحكاية على الغاز كثيرة أبرزها وأقربها الى التناول أن الحكمة تأبى القيود، وإن كانت من الذهب..

ذكرتني هذه الحكاية للحكيم الصيني الذي عاش في القرن الرابع قبل ميلاد المسيح عيه السلام..

بقصة الكاتب الصحفي (المختفي) «جمال خاشقجي» الذي خرج من بلاده حيث تبوأ مكانة مرموقة وتقلد مسؤوليات هامة جعلته مقربا من السلطان الحاكم والمحيطين به من الامراء النافذين .. ثم فجأة جاءه أمر من ولي الامر الجديد، بالتوقف عن الكتابة، فضاقت به الارض بما رحبت .. فخرج الى ارض الله الواسعة، طلبا للحرية التي تمكنه بان يقول رايه ويمشي، دون حسيب اورقيب من احد مهما كانت سطوته وجبروته وطغيانه..

بعيدا عن السياسة وما يلابسها من مداهنة ومواربة وزلفى، والسلطان وما يرافقه من غطرسة وتهديد.. وكل ما  يتنافى مع الفكر الحر الذي ينبض بالحياة والصدق ويدعو إلى يقظة الفكر والثورة على الظلم والطغيان والإستبداد..

فرسالة الفكر تستنير بالحرية.. والكتاب الاحرار هم الذين يلتزمون بالقيم والمثل البانية للارادات الحرة. فالحرية تعبير عن قدرة الارادة على الفعل ووسيلة يحقق بها الفرد والمجتمع اهدافه، في التحرر والانعتاق والتقدم..

فمسالة الحرية جوهرية في الاجتماع الانساني عامة، وايضا في المجتمعات العربية الاسلامية المعاصرة..

وكلمة الحرية من اكثر الكلمات استعمالا في القاموس السياسي الحديث.. وتستعمل مرادفة للاستقلال والديموقراطية والتنمية..

ولمفهوم الحرية اهدافا متباينة: حرية الفرد وحرية الطبقة وحرية الاقلية في مقاومة الاغلبية والامة في مصارعة اعدائها.. والمطالب بالحرية يلجا الى مبررات دينية او تاريخية او فلسفية يتوخى منها إثبات المطلب من الحرية .. فالذي ينشد الحرية يتطلع الى التحرر والانعتاق من الخضوع لسلطان مطلق يكرس حكم الفرد او حكم اجهزة او عصبية او طبقة..

فاساس الحرية الاختيار واول (مظهرها الارادة) ومنها تطل كل الحريات الاخرى .. فالشعور الفطري هو اثبات للوجود الذي هو عين الحرية.. ومن هنا كان المفهوم الاسلامي للحرية عند التطبيق واجب التحقيق، وليس مجرد حق من الحقوق فقط .. والواجب قانون عقلي تامر به الارادة في شخص فاعل اخلاقي.. والعمل الاخلاقي الذي ترمي اليه الحرية عن طريق الاستقلال الذاتي انما هو المواءمة بين العقل وبين الارادة .. وغني عن القول ان الانسان يتحرر بارادته واختياراته..

فعملية الاصلاح والتقدم تعبر عن ارادة الناس من اجل العمل على تحقيق امانيهم وامالهم..

والحرية تشمل تحرير العقل وتحرير الفكر والارادة والعمل.. لكي تكون السيادة للقانون الذي يعبر عن ارادة المواطنين ويدين له المجتمع بالولاء المطلق .. ويجعل من الحاكمين مجرد موظفين وخدام لمصلحة المحكومين..

فرسالة الفكر هي ارساء لقواعد الحرية، والدفاع عن مبادئها، وقيمها الانسانية الخالدة..

و تاريخ الانسانية هو تاريخ الحرية، لانها الغاية التي تسعى اليها  لبلوغ أعلى المراتب في المدنية والتحضر والعمران البشري  واطراد التقدم ..

ويسجل التاريخ ان الصراع في المجتمعات التقليدية بين عالم الافكار وعالم الاشخاص يستند على الافكار لمواجهة الاستبداد والحكم الديكتاتوري الذي يضطهد المفكرين وقادة الراي الذين يدافعون عن الحرية باعتبارها الامل في نجاح رسالة الفكر في التنوير ودحض الطغيان..

بهذا الصدد يرى الاستاذ عبد الله العروي في كتابه «مفهوم الحرية» بان اتساع نطاق الدولة في المجتمع العربي الاسلامي ادى الى اتساع الوعي بضرورة الحرية المجردة المطلقة وغاب عن الاذهان البدوي كحامل مشعل الحرية والاصالة والمحافظ على الاصالة، والمروءة والفصاحة.. لذلك اصبحت البداوة مرحلة تجاوزها التاريخ.. (ص.29)

وقد نشا عن تقوية الدولة نزوعها الى الاطلاق والشمول كما نتج عن ذلك ايضا الضغظ على المجتمع والافراد.. واعتبر كل فرد حر مستقل عدوا للدولة.. وكلما اتسع نفوذ الدولة، ارتبطت الحرية بالدولة وكثرت التشريعات التي تنفي الحقوق الفطرية والكونية للانسان..ومن المسلم به ان أسوأنظم الحكم النظام الفردي المطلق ..

فمن واجب الدولة ان تكون  الضامن للحريات  الفردية والجماعية، لا ان تكرس العبودية. لقد ترتب عن هذا الوضع رفض الافراد للحكم الشمولي الذي يمكن الدولة من السيطرة على مناحي الحياة ومقدرات المجتمع..

فالفرد يريد ان يكون له دور في الدولة يتيح له المشاركة في الشان العام باعتباره، مواطنا يتحمل مسؤولية في المجتمع .. ويساهم بعلمه وعمله، ويكون  له حق التصرف اللامشروط .. والمشاركة في قضايا المجتمع..

ان التطورات السياسيية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع العربي الاسلامي سوف تجعل الدولة التقليدية المركزة في سلطاتها واتساع مجالها غير ملائمة للاوضاع الجديدة المطبوعةبالتطورات الحضرية والعمرانية وانتشار مفهوم الحرية في مجال الادراك وفي مجالات المخاطبة والتعبير .. ورفع شعار الحرية في جميع ميادين النشاط الانساني من اجل تحرير الانسان من الاساليب العتيقة.. ومن هنا جاءت الدعوة الاصلاحية باسم الحق والمصلحة، لان الامر مرتبط باصلاح سياسات الدولة ونظامها لكي تتلائم مع التطورات الاجتماعية .. فلا بد من ربط التطور الاجتماعي بالتطور السياسي، والخروج من بنية الدولة والمجتمع التقليدين .. لانهما يعيقان حركة التطور والتقدم ..

فدعوة الحرية مرتبطة بالاصلاح الذي يهدف الى الانعتاق من الاستبداد..ومشاركة الشعب في الحكم..

ومن ناقل القول ان حاجات المجتمع تولد من صميم ذلك  المجتمع .. اذا ما وجدت منظومة فكرية منبثقة عن مفهوم الحرية.. وهذا ما ادركه المرحوم «جمال خاشقجي» عندما هرب من الاستبداد بحثا عن فضاء يفكر فيه بحرية..

ان شرط الرجل المثقف في كل عصر، ان يطبع عصره ويلازمه في تفكيره وعمله، كما يلازمه،في نظرته الى العالم من حوله، فلا يعيش في الزمن الحاضر بعقل الزمن الماضي، ولا يترجم الواقع بلغة الوهم والخرافة..

 

أحمد باياتا العلوي

 

صادق السامرائيلا يمكن لأمة أن تكون من غير مفكرين وفلاسفة يقرؤون الحاضر ويستشرفون المستقبل، ويرسمون خرائط الرقاء والنماء، وما خلت أمتنا من المفكرين والفلاسفة على مر العصور والأزمان.

وفي العصر الحديث برز فيها مفكرون وفلاسفة، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، وكلٌ منهم قد أدلى بدلوه وسلط الأضواء على أحوالها ورأى ما رأى في كيفيات نهوضها، لكنها لم تنهض كما يتوجب النهوض، ولا واكبت كما تقتضي المواكبة، وقد سبقها بأشواط بعيدة مَن بدأ النهوض بعدها بعقودٍ عديدة.

والعيب السائد في إقتراباتهم، أنها ذات نمطية تأريخية ودينية وإغفالية، وتجدهم يدورون في دائرة مفرغة، فيعيدون إنتاج وتصنيع ما تناوله المفكرون العرب منذ قرون، مما يعني أنهم لم يأتوا بجديد، وإنما يُلبسون ما توصل إليه الأقدمون أزياء جديدة وحسب.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم والمفكرون العرب يراوحون في ذات البقعة، وما تمكن الواحد منهم الخروج من جاذبيتها، والنظر إلى الأمور بعلمية وشمولية ذات قيمة حضارية معاصرة، فتراهم يمعنون في الطرح عن الإسلام بأنه هو الحل أو هو المشكلة، بينما واقع السلوك البشري يؤكد أن الدين ليس حلا ولا مشكلة.

فالعرب لم يتقدموا ويتحضروا بسبب الإسلام كدين، وإنما بسبب الثورة الشاملة التي أذكاها الإسلام في العقول والقلوب والنفوس، فقبل الإسلام كان عند العرب أديان متعددة،  فالأديان لا علاقة لها بالتقدم والتأخر، وإلا كيف يمكن فهم تقدم الصين والهند واليابان وفيها عشرات المئات من الأديان، التي يعبد فيها البشر ما لا يخطر على بال من أصناف المخلوفات والحجر والشجر.

ولم يكن الإسلام أول الأديان أو آخرها كما يعتقد المسلمون، فهناك العديد من الأديان عند المجتمعات الأخرى ولدت بعده ولها أنبياؤها، بل حتى في الإسلام هناك فرق وجماعات ترى أن لديها نبيها وتتبعه وهي تمارس طقوس الإسلام.

ولكل دين رؤيته ويرى أنه الصحيح، فالذي يعبد الفأرة يرى أن الإسلام دين غير صحيح، ودينه هو الأصوب، والعكس صحيح، وهذا ينطبق على كافة الأديان ومنذ أقدم الأزمان، ولا جديد في هذا السلوك المتعارف عليه.

ولا يمكن لصاحب دين أن يسفّه معتقد صاحب دين آخر مهما توهم بأنه يمتلك من الحجة والدليل والبرهان، لأن الأديان إنتماءات عاطفية إنفعالية لا تمت بصلة للعقل أبدا، ولا يوجد فوق هذه الأرض مَن يمكنك أن تقنعه بتغيير ما يعبد، إلا إذا رأى ذلك هو بنفسه، أو لمصلحة وغاية بقائبة.

فالأديان حاجات نفسية بحتة تشيع الإطمئنان في الأعماق البشرية، التي يعتمل فيها الخوف من الغيب والمصير الذي لا تدركه، ولهذا فأن الأديان ربما سبقت الحياة البشرية، أي أن البشر قد بدأ الخطو فوق الأرض وهو معبّأ بدين، لأن أي خطوة لا يمكنها أن تتحقق نحو غيب مجهول دون خارطة  مصير تطمئن ذلك البشر.

كما أن المفكرين العرب أتعبوا الأجيال بعلاقة الدين بالدولة، وكأن البشر يمكنه أن يفصل نفسه عن الدين، وبما أن البشر في الدولة فأن الدين في الدولة أيا كان ذلك الدين، وهذه الإتجاهات تسببت في إنحرافات إدراكية والتشبث بمصطلحات تشوش الوعي والإدراك، ومنها العلمانية التي أمضت الأجيال في القرن العشرين ترى أنها تعني فصل الدين عن الدولة، بينما هي تعني وبإختصار: " لكم دينكم ولي دين".

فما دام البشر لا يمكنه أن يعيش من غير دين، فأن فصل الدين عن الدولة لا يمكنه أن يكون، لأن الدولة فيها حكومة من البشر الذي يكنز دينا،  لكن المشكلة التي لا نراها هي أن تجبر الآخر على إتباع دينك، أي أنك تسعى لإلغاء دينه.

وإذا إتفقنا على أن الدين ما تؤمن به وتعتقده، فلكل بشر ما يؤمن به ويعتقده، ولا يوجد بشر بلا دين، فحتى الملحد له دين ما.

ويبقى سؤال قائم عنوانه، لو أن الدين دولة لتبين ذلك في الكتب الدينية المنزلة والوضعية، ولتم مخاطبة الأنبياء بالملوك والأباطرة وغير ذلك، لكن المخاطبات كانت بعنوان النبي أو الرسول، وما تطرقت الكتب السماوية بأنواعها إلى أن يكون النبي أو الرسول ملكا أو رئيسا لدولة إلا فيما ندر، مما يعني أن الأديان ما أتت لإقامة دولة وإنما لتحقيق معنى الإنسان في البشر.

والمأزق الآخر الذي غرق فيه المفكرون العرب هو التأريخ، فكل منهم يقرأ التأريخ على هواه وبمنظاره المصنوع في ورشة مافيه من النمطيات والترسانات العاطفية والإنفعالية، التي لا تمت بصلة إلى الموضوعية، وكأن العرب لوحدهم لديهم تأريخ، وبأنهم فقط الذين فعلوا ما فعلوا .

والعجيب في الأمر أن التأريخ يتم مقارنته بهذا العصر، ويتحقق عزله عن مكانه وزمانه وما يحيطه من أمم وشعوب وكيف كانت تعيش، فيبدو وكأنه تأريخ إجرام وتوحش وعدوان، وهذا تجني وإنحراف خطير ومدمر، فالتأريخ العربي عندما يُقرأ في أوانه هو الأفضل والأقل دموية ووحشية من غيره من تواريخ الأمم والشعوب.

ثم لماذا هذا الإسفاف في محاولات تغيير التأريخ وتحريفه وكتابته على هوى مَن يشاء ويرى؟!

ولماذا الخلط بين الدين والدولة، وعدم التمييز بين السلطة والقوة والمعتقد، فالدول التي نسميها "إسلامية" كانت تسمي نفسها الدولة الأموية والعباسية والعثمانية وغيرها، وما أضافت إلى التسمية كلمة إسلامية، لأنها دول وإمبراطوريات، وقد إتخذت من التشريع الإسلامي دستورا لها، لكنها لم تتبعه بحذافيره وكان لكل منها دستوره وقوانينه التي يمليها الحاكم وحاشيته.

وما أغفله المفكرون العرب وحتى اليوم هو أن المجتمعات البشرية تعيش عصر العلم والتكنولوجيا منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، والعرب لا يزالون لا يقتربون من العلم والتكنلوجيا ويخافونهما ويرتعبون منهما، وحتى الدولة العثمانية من أهم أسباب سقوطها هو عدم إيمانها بطريق العلم والتكنولوجيا، والذي نبهها إليه المبعوثون إلى بلاد الغرب في ذلك الوقت، لإعتباره من قبل أصحاب العمائم بدعة وإفساد وإنحلال.

ومنذ ذلك الوقت وكأن المفكرين العرب يحسبون الخوض في موضوع العلم والتكنولوجيا من المحرمات، بينما الواقع السلوكي البشري يؤكد أن لا فرق بين أمة العرب وغيرها من الأمم، سوى أنها أهملت العمل بالعلم والتكنولوجيا الذي يتميز بهما هذا العصر، ولا يمكنها أن تكون إلا بإتخاذهما منهجا للقوة والحياة والرقاء.

وكل ما يصف به المفكرون العرب أمتهم إنما نوع من الهراء والثريد حول الصحون، فالأمة لا تختلف عن غيرها، بل وفيها طاقات متوقدة بحاجة إلى إستثمار علمي وتكنولوجي، بدلا من التبديد في البهتان والأضاليل الحمقاء، التي تتسبب بالدمارات الهائلة التي تعيشها أمة العرب.

فانظروا ما فعلته الأحزاب المتأدينة ببلد كالعراق منذ ألفين وثلاثة وحتى اليوم، وهذا دليل دامغ على أن القول بأن الدين يمكنه أن يكون دولة نوع من البهتان والهذيان.

فالدولة دولة والدين دين، وكل صاحب دين فاعل بدولة.

فالتزم دينك وابني دولتك!!

 

د. صادق السامرائي

 

قاسم حسين صالحالواقعة: لقيت أربع نساء عراقيات شهيرات في آب/ اغسطس وأيلول/سبتمبر 2018 حتفهن، اثنتان منهن اغتيلتا برصاص مسلحين هما رفيف الياسري الملقبة بـ"باربي" نسبة إلى اسم مركزها التجميلي، والثانية هي رشا الحسن صاحبة مركز «فيولا» التجميلي، وآخرهن مقتل وصيفة ملكة جمال العراق وعارضة الأزياء تاره فارس (22سنة).

وتلقت عارضة الأزياء والأعلامية شيماء القاسم تهديدا بالقتل اضطرها الى مغادرة العراق لتصرّح بان اللواتي اصبحن مشهورات في السوشيال ميديا سيكون مصيرهن القتل، لأننا اصبحنا في نظرهم (عاهرات) .. يحق لهم ان (نذبح مثل الدجاج).

وقد اثار اغتيال تارة فارس جدلا فاق القدح والمدح الذي كانت تثيره صورها الجريئة، وتوزع الناس بين من ادان قتلهن وبين من قال عنهن انهن (قاذورات) على حد وصف نائب في البرلمان العراقي.

تحليل سيكولوجي

تنسب تهمة قتل مشاهير الفتيات في وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) الى جهات دينية متطرفة، ولا يعنينا هنا ما اذا كانت وراءه دوافع سياسية، بل تفكيك الدوافع في قراءة سيكولوجية للحدث.

كانت الدراسات قد توصلت الى ان فكر (التطرف) يتغذى على معتقدات مفبركة واحداث تاريخية مزورة، يشيع بين جمهور محدود الوعي يسهل توجيهه واقتياده حتى إلى الهلاك، فيما توصل السيكولوجيون المعاصرون الى ان التعصب يعدّ هوسا مرضيا بالهوية، سببه ان المتعصب لهويته يعتقد، او جعلوه يعتقد، بوجود تهديد يستهدف القضاء على هويته وشحنه نفسيا بآلية التخويف من الآخر وتصويره مصدراً لتهديد دائم يستهدف انهاءه الذي قد يكون التهديد حقيقياً، أو مبالغاً به، أو مفتعلاً، او وهما من نوع البرانويا .. او هوسا دينيا.

والعلّة الفكرية في المتطرّف (المتعصب) ان عقله مصاب بالدوغماتية التي تعني الجمود العقائدي، اخفها التمسك باقوال مطلقة من غير دليل، صعودا الى مقاومة الافكار الجديدة، وصولا الى الاعتقاد الجازم اليقيني المطلق بأن الآخر باطل دون نقاش .. وانتهاءا بفرض السلطة على الآخر .. وافنائه ان عارض او تحدى .. فيما التطرّف في الدين يزيد عليها بأن يزّين لصاحبه الزعم انه وحده على حق، وينعت من يخالفه الرأي: بالكفر، والمروق، والزندقه، والفسوق.

ومن متابعتنا لما جرى في العراق وجدنا ان الجهة الراعية للتعصّب (للتطرف) تضفي على نفسها هالة القداسة إن كانت دينية، والقوة والرهبة والبطش إن كانت دنيوية. وفي كلتا الحالتين تكون المؤسسة في حالة حرب لا نهاية لها، أو إنذار بحرب وشيكة الوقوع مع آخر. وكان الباحث في علم الاجتماع السياسي (جيرارد) توصل الى أن التعصّب (التطرّف) يكون معدياً في المجتمعات المحبَطة، وأن الفرد الذي يفتقد الفرصة الإيجابية قد يجد في الجماعات المتعصِّبة بديلاً من الممكن أن توفر له وظيفةُ ما، ومكانةً ما، ودوراً ما.وهذا ما حصل في العراق.

وسواء كانت الجهات التي قتلت شهيرات السوشيال ميديا الأربعة مرتبطة او مدفوعة او مدعومة من احزاب او كتل اسلامية، او لا علاقة لها بها فان السبب السيكولوجي الرئيس هو ان سلطة الآسلام السياسي تريد ان تكون هي مركز الشهرة والاستقطاب الجماهيري:في الجامع، المدرسة، الشارع، الاعلام وفي .. الفيسبوك وتويتر والانستغرام.

والسبب الرئيس الثاني، ان هذه الجماعات ومن يؤيدها بالسر اوالعلن، لا تتحمل المنافسة، ولأنها وجدت ان لهذه (القاذورات .. الفاسقات) رصيدا كبيرا من المتابعين في السوشيال ميديا(تارة فارس لوحدها زاد عدد متابعيها على المليونيين في الانستغرام)، فانهم خشوا ان يسحبن منهم اوسع واهم شريحة في المجتمع .. الشباب لا حرصا على اخلاق الشباب بل خوف سيكولوجي من اثارة استياء اهم واخطر واكبر قوة في المجتمع .. حاضرا ومستقبلا.

والسبب السيكولوجي الثالث انهم يعدّون هذه الشهرة نوعا من التحدي الذي يهدد قيمهم ودعوتهم الى قيام مجتمع تكون فيه المراة محتشمة بالمعنى الذي يفهمونه عن الحشمة، والذي يعني عندهم اخفاء كل معالم الجمال في المراة، ولأنهم يضعون المرأة في مكانة أدنى من الرجل، فأنهم يرون انه من العار عليهم ان تحصل فتاة بعمر العشرين (مره!) على اكثر من مليوني متابع في السوشيال ميديا وهم في صحفحاتهم لا يحصلون على مئات.

من جانب آخر .. ان اظهار جمال المرأة بشكل متطرف في مجتمع محافظ، تحكمه نفس سيكولوجيا التطرف الديني .. بمعنى ان التطرف في الجمال يرى في من يلتزم بالدين بأنه رجعي ومتخلف .. يعيش خارج عصره، وأنه يحصر وظيفة المرأة في الانجاب وامتاع الزوج جنسيا، ولها ان تتبرج وتتوشم وتظهر مفاتن جسمها لزوجها فقط.والذي حصل ان تارة فارس ورفيقاتها دفعتهن سيكولوجيا التحدي الى التطرف في اظهار الجمال بتتفنن في رسم وشوم وصور باغراءات جنسية مبتذلة.

ويحتضن كل هذه الأسباب سبب سيكولجي عام هو ان السلطة اذا تضاءلت هيبتها وكانت ضعيفة في تطبيق القانون وفرض النظام، فانه يجري التعبير عن الكراهية بين الجماعات باساليب العنف والعدوان يكون ابشعها لدى المتطرفين دينيا الذين خبروا العنف خمسة عشر عاما تراجعت فيه قيمة الحياة وصار قتل الانسان عندهم اسهل من شربة ماء، فيما المولع بالجمال لا يستطيع رؤية ذبح دجاجة .. ما يعني ان التطرف في الدين والتطرف في الجمال ضدان لا يلتقيان .. وان الغلبة فيه تكون لمن خبر العنف وامتلك القوة والقدرة على افناء الآخر.

وتبقى ثمة مفارقة.

صار يوم الخميس مرعبا لعارضات الأزياء وخبيرات التجميل، لأن كل الاغتيالات التي استهدفت نساء عراقيات شهيرات حدثت يوم الخميس! .. ولحضراتكم نترك التفسير .. والتفليس!

 

ا. د. قاسم حسين صالح

16 /10/ 2018

 

 

ميثم الجنابيإن القلوب تفزع للمفاجآت وتهدأ في مجراها، كما أن العيون تبحث لهفا في الظلام وتغفو فيه. وهي المفارقة التي تكشف في رمزيتها عن أن الانقلاب المفاجئ في الإحساس والرؤية يمرّ كما لو انه الطور الضروري للوجود. وليس ذلك إلا لأن الانقلاب المفاجئ في الإحساس والرؤية له قيمة ومعنى وأثر في الروح والجسد. وانه الشرط الملازم لتجدد الشعور المباشر والمتسامي، والخزين الهائج في "نظام" الخيال المبدع. كما أنها القوة القائمة وراء تضافر العقل والوجدان في بحثهما عن تناسق أمثل أو تجانس أفضل أو مثال أسمى أو منطق اسلم في كل ما جرّد ويجرّد التعرجات والانكسارات والالتواءات الحادة للوجود في صور الاستقامة.

فالتعرجات والانكسارات والالتواءات أو الانقلابات المؤلمة والمثيرة والمفزعة والمحببة هي التي أبدعت قيمة ومعنى الاستقامة وأعطت لها تلك الصورة الجليلة والمبّجلة في "الصراط المستقيم" للسلوك والوعي على السواء. وهو تصور له قيمته ومعناه وأثره في حالة رؤيته في تعرجات وانكسارات الوجود نفسه كما قال ابن عربي مرة عن أن الاعوجاج في القوس هو عين الاستقامة فيه.

بهذا المعنى يمكن القول، بأن الانقلابات الكبرى في التاريخ هي عين الاستقامة فيه. وليس لأنها تعكس مساعي الخيال المبدع في بناء نظام أفضل فحسب، بل وبفعل تمثيلها للاستعدادات القائمة فينا. أما الحصيلة الواقعية فإنها عادة ما تتجلى في فرح طاغ للانتصار والتقدم أو في حزن عميق للسقوط والهزيمة. وفي كليهما تهذيب للرؤية وترسيخ لليقين بحقيقة الاستقامة. ولا معنى للاستقامة هنا سوى التوازن أو الاعتدال أو الاستقرار. من هنا تباين واختلاف تحديد ماهية الانقلاب وحقيقته. فهو ثورة عند البعض وثورة مضادة عند البعض الآخر، عدالة عند بعضهم جور عند الآخرين، بناء عند البعض هدم عند البعض الآخر. كما أن الاستقرار(التوازن أو الاعتدال) جمود عند البعض وانتظام عند الآخر، مستنقع عند البعض وروضة عند الآخر، خنوع عند البعض ورضاء عند البعض الآخر.

إن كافة هذه التقييمات والأحكام معقولة للأذهان والأذواق سواء بمعايير التمايز الاجتماعي أو السياسي أو العقائدي. إلا أنها جميعا تصب في منحى النمو الواقعي لصراعها حول تحديد ماهية وحقيقة الانقلاب والاستقرار باعتبارها أقطابا جوهرية متمحورة في القضايا التاريخية للوجود الاجتماعي (للأفراد والأحزاب والأمم)، والوعي النظري والعملي في تنويعاته واختلافاته.

وليس اعتباطا أن تصل الثقافات الأصيلة بأشكالها المتنوعة، وكل بطريقته الخاصة، إلى ادراك وإعلاء شأن "القانون". فالثقافة العربية الإسلامية، على سبيل المثال، أدركت ذلك بمعايير تطورها الخاص في مجرى صراعاتها الاجتماعية السياسية والدينية العقائدية لتصل إلى محورة الانقلاب – الاستقرار في قضايا وجودها الاجتماعي (كالخلافة والإمامة، والجماعة والأمة، والإسلام والإيمان وغيرها) ووعيها النظري والعملي (في مفهوم المعقول والمنقول، والرواية والدراية، والتقليد والاجتهاد). وأن تبدع لذلك مفهوم السنّة في أبعاده الطبيعية والماوراطبيعية. لهذا تكلمت عن سنّة للرسول والأمة في جهادها واجتهادها، أو أصولها المتيقنة في ثمارها واجتهاد ظنونها باعتبارها بحثا عن اليقين (أو الاستقرار)، و"سنّة الله في الوجود". وأن تضع في هذا المفهوم وحدة التبدل والثبات، والاتفاق والاختلاف، وأن تجد في ذلك نعمة أيضا، بمعنى بلوغها الحكمة من خلال الظنون العقلية. وربطت الحكمة والاجتهاد بثمار الشريعة باعتبارها شريعة تجاربها التاريخية، أي كل ما أوحى لها في هواجس العقل والوجدان العميقة بأن الفتنة شرّ والوفاق خير، وأن الإمام الجائر خير من فتنة تدوم. وليس ذلك لقناعة الثقافة بالفتنة، بل لإدراكها قيمة النظام والوحدة مقارنة بالتهشم الدائم للقوى الخيرة. أما مثالها فيبقى مثال الخير الأسمى. وربطت هذا الخير الأسمى بقواعد ملزمة للجميع (الشريعة) ومحددة بمعايير إدراكها الذاتي للمصلحة والضرورة. وهي ذات النتيجة التي توصلت اليها الثقافة الصينية في حكمتها القائلة "اللهم جنبنا العيش في مراحل الانتقال". دون ان يعني ذلك رفض الاستعداد للعيش فيها إذا نزلت، كما كان المسلمون على استعداد لخوض غمار الفتنة حال نشوبها. بصيغة أخرى، إن الجوهري هنا هو الرؤية الحكيمة وليس إلزامية القواعد، أي ادراك قيمة الوحدة والاستقرار والنظام والتوازن وليس تفضيل الجور على الفتنة، أو كراهية الحياة على عيشها زمن الانقلابات. إذ لا قواعد ملزمة هنا سوى الرؤية الواقعية والاجتهاد في تجاوز مراحل الانقلاب من اجل بلوغ اليقين.

ولليقين تجليات لا تحصى. فهو ليس شيئا ثابتا لا يتغير، مثل اليقين القائل بأن العرب في تفرقهم لاشيء وفي وحدتهم كل شئ، أو اليقين القائل بأن روسيا في إدراكها لروحها الجماعي (المشاعي) ووجودها الأوروآسيوي وتاريخها الشرقي- السلافي ضمانة بناء كيانها الثقافي السياسي (المستقل). ذلك يعني، أن ضرورة اليقين نابعة من لزومه التاريخي للروح والجسد (الفردي والاجتماعي والقومي)، ومعنويته للمسائل والغايات. اذ المقصود هنا هو اليقين الثقافي المرتكز إلى  مرجعياته التاريخية الخاصة المتمثل في كل ما يحرر الاجتهاد (والظن العقلي) من مخاطرة الانغماس فيما لا تاريخ له في الذات. وعموما يمكننا القول، بأن هذه المخاطرة ليست من مغامرات الروح المبدع، بل ومن جهل التقليد المتبجح بذاته. وهو الأمر الجلي في البلدان التي خضعت بصورة مباشرة فيما مضى للسيطرة الاستعمارية والتابعة حاليا للأقطاب الإمبريالية. حيث يجري الانهماك في تناول كل ما تنتجه الأقطاب الإمبريالية في الفكر والدوران في معضلاته (من ديكارتية ووضعية وماركسية ووجودية وفرويدية وتفكيكية وغيرها من المدارس) دون إدراك عبث هذه "المساهمة" ولا جدواها وهامشيتها سواء في التاريخ أم الجغرافيا أم الروح. وذلك لأن انهماكا كهذا لا يبدع فلسفة، بل ذيولا لها لأنه عمل واستذهان يدور في أفضل الأحوال في أفلاك غير أفلاكه. من هنا اندثاره دون أثر جدي في بناء الذات المعرفية. ومن هنا أيضا تهديمه الدائم للكيان المعرفي القادر على بناء أيديولوجية سياسية ورؤية تاريخية قادرة على المواجهة والتحدي والمساهمة الإيجابية في توحيد العالم المعاصر.

إن اليقين الثقافي المرتكز إلى  مرجعياته التاريخية الخاصة يعطي لكل نماذج ومستويات الاجتهاد الحر إمكانية تأمل تجاربه وتحليلها بالمعايير المتراكمة في مجرى إدراكه الذاتي. وبالتالي تأديته إلى الشك بالقناعة التي تجزم بأن كل حركة إلى الأمام هي تقدم، وكل رجوع إلى الوراء هو تخلّف، وتخفف حدة الانطباعات السطحية القائلة بأن كل انقلاب هو خيانة، أو كل انقلاب هو تعبير عن مساعي البشر نحو الحرية، لأنها قناعات وانطباعات تعكس أجزاء الحقيقة لا كلها. بينما الحقيقة تقوم فيما وراء الخلافات والمتضادات. فللحقيقة منطقها الشائك وراء الظنون والخيال، أما كليتها فتكمن في إدراك قيمة الوحدة الحية للانقلاب والاستقامة في خلقهما عناصر النظام العقلاني الأخلاقي أو العدل (أو التوازن).

هذا الإدراك يؤسس للاستنتاج القائل بأنه لا موازاة ولا تكافؤ بين الانقلاب والفتنة، أي ليس كل انقلاب فتنة ولا كل فتنة انقلاب. أما المشترك الوحيد بينهما فهو القدرة على خلخلة اليقين والقناعة والوداعة والهدوء والاطمئنان والاستقرار (وهي قيم ليست عديمة الجدوى). وهو التناقض المميز للوجود التاريخي نفسه. بمعنى أن للتاريخ "منطقه" الخاص في بحثه عن قواعد اليقين في التوازن من خلال الانقلابات. فالانقلابات هي أيضا خلخلة اليقين في التوازن القائم وإعادة تأسيسه من خلالها، باعتباره أسلوب البحث عن توازن أفضل وأتم. أما البحث عن توازن فقد حصل في مجرى تطور الوعي الإنساني عبر صيغ ومستويات عديدة. وحصل في الوعي الأسطوري على نهاية جميلة بالبحث عن ساحرية القوة الخيرة في إحلال السلام والاطمئنان، وفي الوعي القانوني على جوهرية الموازين والقسط والحق، وفي الوعي الديني على المطهر والصراط، وفي الوعي الفلسفي على المنطق، وفي الوعي السياسي على الحرية وفصل السلطات (أو توازنها). وينعكس حدس التجانس في النهاية الجميلة والحق والصراط والمنطق والحرية. ومن ثم ليس هذا التوازن في أبعاده الاجتماعية الاخلاقية إلا الصيغة المجردة والواقعية معا لجوهرية التوازن في الوجود.

إن إدراك قيمة التوازن ينبع أساسا من سيادة العقل الأخلاقي في الرؤية الفلسفية. وليس مصادفة ألا نعثر على ملامح مدركة لقيمة التوازن في الفلسفة الطبيعية اليونانية، والتي ما أن تجاوزتها إلى توليف العناصر الأساسية في رؤيتها للوجود، حتى بدأ ادراك التوازن يشق الطريق لنفسه من خلال عناصر البحث عن الوحدة (كما هو جلي عند بارمينيدس). وقد اكتسب هذا البحث عناصره الجزئية في قيمة المبدأ العقلي المجرد في الماء أو الهواء أو التراب أو النار. اذ ان لكل من هذه العناصر تجل متجانس في الوجود. بل ليس الوجود سوى تجل لفاعليته (العنصر) أو تجانسه (هرمونيته). ولعل نار هيراقليط النموذج الأرقى والأدق. ثم ان تطور الفكر الفلسفي كله يعكس مساعي البحث عن توازن معقول. بل يمكننا القول، بأن الفلسفة الإسلامية والتصوف بشكل خاص هي المحاولة الجليلة لتأسيس قيمة النسب العقلانية والأخلاقية في الوجود وموقف الإنسان منها. ويمكن ان نعثر في الفلسفة الإسماعيلية وفي منظومة ابن عربي على واحدة من أجمل وأدق وأسمى الرؤى الفلسفية في هذا المجال. ولا تشذ الفلسفة الأوربية الحديثة عن ذلك رغم سيادة العقلانية النفعية فيها.

إن التوازن من حيث الجوهر هو العدل. وللعدل صيغ ومستويات لا تتناهى كالحقيقة والإبداع، بفعل سريانه الدائم في مساعي الإنسان صوب الأجمل والأفضل والأحسن. وإذا كان التطور التاريخي قد "اختار" لهذا العدل وصف الاستقامة، فليس ذلك إلا لأنها تحتوي في ذاتها على تقويم تجارب الانحراف والانكسار والابتعاد عن الحق والمبادئ والسنّة. اذ ليس التاريخ في نهاية المطاف إلا سلسلة الانقلابات التي يتراكم فيها ومن خلالها إدراك فضيلة الاستقامة أو العدل أو الجمال أو الحقيقة أو الحرية أو الحق. وهذه كلها صور متنوعة للبحث عن توازن. فهي توازنات متغلغلة بصورة واعية وغير واعية في كل إبداع ثقافي أصيل. بل يمكننا العثور عليها في مسلة حمورابي وحكمة كونفوشيوس وأهرامات مصر ومنطق الإغريق وبراهما الهند وصليب المسيح وهجرة محمد. ففي كل منها فعل يرمز إلى ادراك قيمة العدل (أو التوازن).

بعبارة اخرى، ان التوازن ليس جمودا ولا استسلاما، بل هو فاعلية دائمة، لأنه يفترض في صيرورته التاريخية وكينونته المثالية صراع المتضادات والسعي نحو الكمال. وبهذا المعنى يمكننا القول بأن الانقلابات الأصيلة تعكس في كلّها متضادات الوجود والوعي في بحثهما عن نظام (أو توازن) أمثل باعتباره تجليا للحقيقة والعدالة والحرية والجمال والحق. وهي الحصيلة التي يمكن وضعها في الاستنتاج القائل بان ديناميكية كل وجود في توازنه. بينما تفترض ديناميكية التوازن في آن واحد الإدراك العقلاني للمبادئ، والوجدان الأخلاقي للغايات، واللذين تتوقف عليهما كيفية التوازن وعمقه ومحتواه. فديناميكية التوازن رهن بمنظومة المرجعيات الثقافية. إذ لكل انقلاب مرجعياته الثقافية. الأمر الذي يحدد عند الأفراد والأحزاب والأمم قيمته في التاريخ (والصيرورة) ومعناه في الروح (والثقافة) وأثره في المصير (الفردي والاجتماعي والقومي).

فالانقلابات التاريخية الكبرى في أوربا، على سبيل المثال، أو كيفيتها في نقل الأمم الأوربية للحالة المعاصرة انما ارتبطت تاريخيا بالإدراك العقلاني لمبادئ الرؤية الكونية والاجتماعية والسياسية المستمدة من تراثها (اليوناني – الروماني) أو مرجعياتها الثقافية.  حقيقة، أن التراث اليوناني ليس أوربيا (بالمعنى المعاصر للكلمة) لا من حيث مصادره ولا من حيث محتواه ولا حتى قيمه. فأوربية التراث اليوناني هي مصادرة محلية له وأسطورة. إلا أن فاعليتها بالنسبة للحالة المعنية تقوم في قدرة الأمم الأوربية على تطويع الإبداع اليوناني (سليل التراث السومري – البابلي – المصري – الفينيقي – الآشوري) في فلك مرجعياتها. وهو تطويع له مقدماته وأسسه أيضا في ثقافات الأمم الأوربية. لقد اسهم هذا التطويع من خلال الأخذ الحر بإنجازات الثقافة العربية – الإسلامية في بناء الكيان الثقافي الأوربي. وقد أبدع ذلك في مجرى الصراع الاجتماعي السياسي والثقافي والتطور العلمي في مراحل النهضة والإصلاح والتنوير والتصنيع والتحديث، سبيكة "الروح الأوربي" في مختلف نواحي الحياة. لقد استطاعت اوربا ان تقدم  نموذجا فريدا ومتجانسا في كيفية التطويع الحر والعقلاني للمرجعيات الثقافية. وعلي هذا الاساس جرى بناء الوجدان الأخلاقي في مواقفه تجاه مختلف قضايا الوجود الاجتماعي والإنسان والدولة. أما مداها في التاريخ الأوربي فهو نهضتها، وإصلاحها، وتنويرها، وتصنيعها، وحداثتها الشاملة بما في ذلك فتح قناة "ما بعد الحداثة" . أما قيمتها في صيرورة التاريخ الأوربي فتظهر في كينونة الأمم الأوربية نفسها. أما معناها فيقوم في بناء الأنا الأوربية لأممها، أو إدراكها الذاتي في العلوم والفنون والآداب والسلوك. أما أثرها في المصير التاريخي لأوربا فيقوم في استتباب واستقلال أممها ودولها، ولحد ما تكافؤها صوب توحيدها الجديد. وبهذا تكون أوربا قد قطعت الشوط الضروري الأول في الإدراك العقلاني لمبادئها، والوجدان الأخلاقي المناسب لغاياتها. وقدمت في نموذجها أحد البراهين الكبرى على أهمية بل وجوهرية المرجعيات الثقافية في بناء الكيان القومي الثقافي السياسي، أي برهنت عما في التمسك والتطبيق المبدع لمنظومة المرجعيات الثقافية من فعل جوهري في الإبداع الديناميكي للتوازن. ومن ثم تقييد انقلاباتها الدائمة بمرجعياتها الثقافية الخاصة. بحيث جعل من مسارها المعقد وحدة أو توازنا أو اعتدالا معقولا بمعاييرها الخاصة.

وتكشف هذه الحالة عما للمرجعيات الثقافية من قيمة ومعنى وأثر في التاريخ والروح والمصير. إذ لكل مرجعية قيمتها النسبية بالنسبة للتاريخ، وقيمتها المطلقة بالنسبة للأمة. من هنا إمكانية "سلبيتها" للآخرين و"إيجابيتها" للأمة (أو الأنا).  فإذا كان "منطق" التاريخ يتجسد عبر الصراع والتحدي الشائك، فان الحكمة الممكنة فيه تتمثل في بناء النفس بالاستناد إلى مرجعياتها، بوصفه الأسلوب الوحيد القادر على صنع تكافؤ في الرؤية المتبادلة. وعلى هذا الإدراك تتوقف إمكانية ونوعية المساهمة في تيار "العولمة" المعاصرة. وبالتالي المساهمة في إرساء أسس التوازن العالمي و"أقطابه". فالأقطاب المعاصرة هي إقطاعيات عصرية بما في ذلك تمثيلها في "جمعية الأمم" "المتحدة". إذ أن وحدتها في الأغلب قهرية وتصويتها لعبة تحددها القوة لا العقل ولا الأخلاق وتتنافى مع مبدأ الديمقراطية المعلن. كل ذلك يجعل من الأقطاب الثقافية الصيغة الممكنة والعقلانية كبديل لواقع التوازن المبني على القوة. فالقوة لا تصتع غير وهم التوازن، لأن الجميع منهمك في سباق خفي تحدده القوى البهيمية لا الإنسانية. من هنا فان لتوازن "الأقطاب الثقافية" شرعيته في تاريخ الأمم ويعطي لوحدتها واتفاقها تلقائية المعنى المتراكم في تجاربها ككل. وهي أقطاب يمكن حصرها حاليا بالثقافة الأوربية-النصرانية، والآسيوية– البوذية– الهندوسية، والإسلامية (الآسيوية – الأفريقية) والأمريكية (الانكلوسكسونية) والأمريكية (اللاتينية– "الهندية") والسلافية الأوروآسيوية الارثودوكسية. فتلك هي الأقطاب القادرة على توحيد ذواتها في كيانات ثقافية سياسية (بما في ذلك صنع جمعياتها الأممية) باعتباره أسلوب تأسيس العولمة الحقيقية المتوازنة بمعايير ثقافية إنسانية. ومن ثم صنع ديناميكية قادرة على بناء توازن عالمي عقلاني وأخلاقي.  بمعنى نفي معالم القوة بقوة المعالم المتراكمة في التجارب الروحية للأمم في مرجعياتها. إذ للأمم مرجعيات روحية كبرى قادرة على التلاقي والتفاهم.

وفي حال تطبيق ذلك على العالم العربي، فاننا نرى احد النماذج المعكوسة والفاشلة لحد الان بهذا الصدد. فالانقلابات الكبرى، سواء في مرحلة محمد علي باشا أو ما بعد الحرب الإمبريالية الأولى، لم ترتبط تاريخيا بالإدراك العقلاني المستمد من تراثه الخاص ومرجعياته الثقافية. لهذا ظلت سطحية وتقليدية (للغرب الأوربي خصوصا). مما افقدها إمكانية التخطيط البعيد المدى، وجعل من "النهضة" و"الإصلاح" و"التنوير" حركات جزئية متقطعة في عالم لا هوية له وهامشي في قواه ورؤياه. من هنا عدم استطاعة الانقلابات التي حدثت فيه صياغة منظومة مبادئ وغايات، لأنها لم ترتكز إلى مرجعياتها الثقافية في تاريخها الذاتي (العربي) . لذا ظل التاريخ العربي اللاحق مجرد زمن خارج كينونته السياسية الثقافية. من هنا ضحالة قيمتها بالنسبة للوجود (والتاريخ) العربي وسطحيتها في الروح (والثقافة) وأثرها في المصير (القومي). صحيح أن العوامل الخارجية التي أثرت سلبا على تلقائية التطور الذاتي في العالم العربي، بما في ذلك تجزئته ومن ثم اضعاف كيانه الاجتماعي بعد خروجه الكسيح من رحم العثمانية المتهرئ. غير أن مقارنة مصر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر مع اليابان حينذاك يكشف عن جوهر الخلل في تباين طرق التطور الاجتماعي والسياسي والعلمي والتكنولوجي. فقد كانت مصر انذاك ارقى بما لا يقاس باليابان. الأمر الذي يشير إلى تباين جوهري مرتبط بطبيعة الرؤية الاستراتيجية وبكيفية بنائها بما يتوافق مع حوافز وهواجس المرجعيات الثقافية الخاصة.

 كل ذلك يبرهن، إلى جانب التجارب الناجحة والفاشلة لعشرات المناطق والدول والثقافات، على أن قيمة الانقلابات ومعناها وأثرها مرتهن بكيفية وعمق المرجعيات الثقافية الخاصة وكيفية تأسيسها الذاتي. فهي المقدمة الضرورية التي تكشف عن الأثر الحاسم للتأسيس الثقافي للعقائد (الأيديولوجيات)، وعن جوهرية العقائد بالنسبة لتشخيص الرؤية القومية واستراتيجيتها المرئية وغير المرئية. من هنا قيمة الانقلابات الفكرية (كالتجديد والإصلاح والثورة) في حالة استخراجها من كيان التجارب التاريخية للأمم نفسها. فليس للانقلابات الفكرية قيمة حقيقية وأثر جوهري فعال في التاريخ السياسي للأمم ما لم تتكامل في ترسيخ التقاليد التاريخية نفسها وتتصير في منظومات واعية لذاتها. فهو الأسلوب الوحيد الفاعل في تثويرها الدائم والإيجابي في السلوك الاجتماعي السياسي، وفي الوعي الثقافي القومي بمختلف ميادينه ومستوياته، وإلا فإنها تصبح مجرد تجريبية تندثر بموت أصحابها.

إن غياب المرجعيات الثقافية الخاصة، أو عدم إدراك الواقع بمعايير التجربة التاريخية ومقولات الثقافة للأمة يجعل من الوعي السياسي للأفراد والنخب والأحزاب والمجتمعات تعاليم مدرسية قابلة للتبخر والنسيان نتيجة لافتقادها تاريخها الخاص. اذ تتحول إلى حلقات سائبة،مهما غلا ثمنها، لأنها نتاج لتجارب الآخرين. غير أن ذلك لا يقلل من تجارب الآخرين، على العكس. ان هذا الموقف يؤكد على أهمية القيمة المطلقة لإنجازات الثقافة بالنسبة لمبدعيها سواء في إيجابياتها أو سلبياتها لأنها تساهم بتعميق وعي الذات، وعلى قيمتها النسبية للآخرين. وهذه القيمة النسبية هي التي تتكون من تضافرها القيمة المعقولة "للتاريخ العالمي".

فالتاريخ الحق هو سلسلة وعي الذات في العقل والوجدان. وليس هذا الوعي بدوره سوى أسلوب ومظهر التاريخ السياسي نفسه. كما أن التجانس الدائم أو التوازن الديناميكي بين وعي الذات الثقافي والتاريخ السياسي هو مقدمة الاستمرار الدائم للإبداع في مختلف نواحي الحياة. وبعكس ذلك تصبح حياة الأفراد (القادة) أو الأحزاب أو العوائل أو العشائر معيارا للزمن (التاريخ). وهو اقبح أنواع الزمن لأنه لا حياة فيه. وذلك لأن حقيقة الزمن تكمن في معياره الثقافي الذي هو الكلّ المجرد للإبداع الحر والمرتبط في الوقت نفسه بمرجعياته الفكرية والروحية الكبرى.

فالانقلابات الحقيقية هي التي تعي أبعادها التاريخية الذاتية. إذ لكل انقلاب أبعاده المتنوعة في الوجود والوعي الاجتماعيين. انه يتبلور في الروح والجسد (الاجتماعي والقومي) من خلال الكيفية التي يجري بها أدراك قيمته ومعناه وأثره بالنسبة للمصير التاريخي للأمم نفسها.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

1-  ليس مصادفة أن يتحول العجز اللغوي عن اختيار مصطلح مناسب إلى انهماك مفرط  في اللغة باعتبارها الملجأ الأخير للتفلسف. وهو تفلسف له معناه من حيث قيمته وأثره في تأمل بنية الوعي الخفية والجامدة في العبارة. انه الصيغة الحداثية لمنطق العبارة القديم ولكن من خلال توجهه صوب التغلغل العميق في بنية الوعي وتشريحه التأويلي بمعايير وقيم مختلف العلوم. وذلك لأن ما بعد الحداثة هو حداثة (أوربية) مستمرة، أو استمرار لا انغلاق فيه. ومن ثم ساهمت في تعميق الرؤية الثقافية (الذاتية) وبالتالي كشفت استمرار وأثر المرجعيات الثقافية ودورها في نزع الحدود القومية بين الأمم الأوربية. فأوربا تقدم نموذجا تاريخيا لا غير في كيفية الارتقاء من أمم قومية إلى أمم  ثقافية. ولهذا الاستمرار في أعماقه ابعاد إنسانية. فاوربا لحد الآن هي المنطقة الوحيدة التي استطاعت أن تقطع الشوط الضروري الأول في تكامل وجودها الثقافي السياسي، وتكشف عما في التطويع العقلاني للمرجعيات الثقافية وتثويرها التلقائي من اثر حاسم في التطور المعتدل والمتجانس للدولة والمجتمع.

 

الزهاويّ  كما كل شعراء العراق تقريبا مدح وذمّ وأشتغل بالسياسة، أمّا "كمعارض" أو جزء من نسيج السلطة. إلا أنّه  تميّز عنهم كونه تطرّق الى أبواب لم يتطرق إليها غيره من الشعراء، أو تطرّقوا إليها لمامّا. فالزهاويّ الذي دخل الكتّاب في سن الرابعة لينهي فيه حفظه للقرآن، ولينتقل بعدها لحفظ بعض العلوم وهو مازال فتى، بدأ الدراسة على يد العلّامة الشيخ عبد الرحمن القره داغي الذي قام " بتدريسه بعض العلوم العقليّة والنقليّة، وقد إستفاد من هذا الأستاذ فائدة تامّة، على الرغم ممّا قام بين الأثنين من مجادلات حول قضايا البعث والنشور ويوم الحساب وأصل الأنسان، إذ كان الزهاوي يشك في كل هذه الغيبيات" (1) . عند هذه النقطة تحديدا علينا التوقف مليّا، لأننا هنا أمام مشروع شاعر متمرّد على مفاهيم عصره، تلك المفاهيم التي ظلّت ولليوم محاطة بهالة من القدسيّة، كونها منطقة حرام ذات مليون خط أحمر ولم يتجاوزها أحد الّا وأُتّهم بالزندقة والكفر والإلحاد وليدفع جرّائها حياته أو حريّته ثمنا. ويبدو أنّ المجادلات بينه وبين أستاذه تحوّلت الى إيمان مطلق بالعلم والفلسفة واللتان كانتا سلاحه في شعره وهو يقف بوجه الغيبيات التي كانت تشع جهلا وتخلفا ولليوم، خصوصا وأنّه كان قارئا نهما لكل ما يصل للعراق وقتها من كتب ومجلات. لذا نراه وهو في سنّ الواحد والخمسين من عمره  ينشر قصيدته " الدمع ينطق" وهو في مصر ما أثار عليه علماء الأزهر متّهمين إياه بالكفر والألحاد والزندقة، والتي يقول في بعض أبياتها متأثّرا بتلك الإرهاصات الأولى والتي لازمته كظلّه الى آخر حياته قائلا:

وسائلة هل بعد أن يعبث البلى .......... بأجسادنا، نحيا ونرنو وننطق؟

فقلت مجيبا إنني لست واثقا ................. بغير الذي حِسّي له يتحقق

وهيهات لا ترجى الحياة لميْت ............... إليه البلى في قبره يتطرق

تقولين يفنى الجسم والروح خالد ...... فهل بخلود الروح عندك موثق؟

وقد كان الزهاوي وهو يتابع الحركة الثقافيّة والعلمية والفلسفيّة في شتّى البلدان، متأثّرا بكل ما هو جديد وتقدّمي من أفكار ورؤى ، تلك التي تواجه أفكار ورؤى متخلفة من تلك التي كان يعيشها العراق وقته ولليوم، فتراه يقول باحثا عن جديد في مجتمعه لينقله " المجتمع" للأمام:

سئمت كلّ قديم ........ عرفته في حياتي

إن كان عندك شئ ..... من الجديد فهات

في هذه المقالة المتواضعة، لا أريد الغوص في شعر الزهاويّ، فأنا لست بشاعر أو ناقد ولا حتّى ضليع باللغة ودهاليزها لأقيّم شاعرا كالزهاوي ولا أيّ شاعر غيره. لكنني سأركّز على أمرين مهمّين من شعره وهما ما نحتاجه كشعب عراقي يعاني الأمّرين تحت سلطة الإسلام السياسي والمؤسسات الدينيّة. أولّهما المرأة وحقوقها وتطلعاتها والتي لم تكن سوى بضاعة عند أولياء أمورها، هذه المرأة التي أصبحت اليوم ضحيّة لترّهات الفتاوى الدينية وإرهاب ميليشيات القوى الإسلاميّة المنفلتة،  والثاني هو موقفه من الجهل والتخلف الذي كان يلفّ المجتمع العراقي في حياته، هذا الجهل والتخلف اللذان أصبحا اليوم أكثر شدّة وقتامة مقارنة مع تطور البلدان والشعوب التي كانت دون وطننا وشعبنا تقدّما وثقافة الى ما قبل ثلاثة عقود تقريبا. إنني ومن خلال هذه المقالة والتّي أريدها أن تكون سياسيّة وليست نقديّة، أود أن أقارن حالة الجحيم التي أعلن فيها الزهاوي ومعه كبار الفلاسفة والمفكرّين ثورتهم ضد زبانيته من خلال ملحمته الخالدة " ثورة في الجحيم"، وإحتلالهم للجنّة التي يسكنها التنابلة. وبين شعبنا وهو يعيش جحيمه الإسلامي، دون أن يرفّ له جفن ليعلنها ثورة ضد زبانية الإسلام السياسي من أحزاب وعمائم من الذين دمّروا حياته ومستقبله ومستقبل أجياله. هؤلاء الزبانيّة التنابلة والمجرمون الذين يعيشون في جنّة المنطقة الخضراء، وجنان مدن وعواصم خارج العراق.

 لم يألوا الزهاوي جهدا في دفاعه عن المرأة، مستثمرا كل ما عنده من طاقات على شحتّها كونه كان وحيدا تقريبا في غابة من مجتمع رجولي يكره المرأة ويستخفّ بها، لإنقاذها من ذلّها الذي كانت تعيشه. فكان بحق من أكثر الشعراء جرأة وجسارة وهو يواجه ليس أفراد قلائل أو مجتمع وسلطة، بل جميع من يدين بالإسلام حينما قال:

هزأوا بالبنات والأمّهات ......... وأهانوا الأزواج والأخوات

هكذا المسلمون في كل صقع ....... حجّبوا للجهالة المسلمات

سجنوهنّ في البيوت  فشلّوا ..... نصف شعب يهمّ بالحركات

والزهاويّ وهو يراقب حال المرأة في مجتمعه نراه يعود ليحاكم الإسلام الرسمي والدارج من خلال وأده للمرأة، التي نهى القرآن عن وأدها. لكنّه لا يعني في شعره الوأد بمعناه الذي كان عليه عصر تحريمه، بل بمعنى يومه والذي لازال مستمرا. إذ تُزوج المرأة دون إرادتها، وتعتقل في البيت دون إرادتها، وتُضرب دون أن يكون لها الحقّ في الدفاع نفسها، ويحجّبوها دون أن ترضى، فنراه يقول:

غصبوا النساء حقوقهنّ ......... فلا تُصان ولا تؤدّى

القوم يا إبنة يعرب .......... من جهلهم وأدوك وأدا

ظلموك ظلما ما رأيت  ........... له لعمر الحقّ حدّا

حجّبوك عن أبناء نو ........ عك حاسبين الغيّ رشدا

سجنوك في بيت أُريد ............. بضيقه ليكون لحدا

ولمعرفته بدور المرأة في تقدّم المجتمع نتيجة لدورها التربوي كأم، وخطورة جهلها وتخلفّها في دفع أبنائها الى مستنقع الجهل والتخلّف التي تعيشها نفسها، ما يؤدّي الى تخلف المجتمع بأكمله، نراه يدعو الى رقيّ الأبناء من خلال رُقّي المرأة، والذي من وجهة نظره يبدأ بسفورها فيقول:

ليس ترقى الأبناء في أمّة ما ......... لم تكن قد ترّقت الأمّهات

أخّر المسلمين عن أُمم الأر ..... ض حجاب تشقى به المسلمات

لم يفقد الزهاويّ جرأته ورباطة جأشه وهو يواجه سؤال أحد الملكين في قبره وهو يسأله عن سفور المرأة في ملحمته " ثورة في الجحيم"، فدار بينهما الحوار التالي:

قال هل في السفور نفع يرجّى ..... قلت خير من الحجاب السفور

إنمّا في الحجاب شلّ لشعب ............ وخفاء وفي السفور ظهور

كيف يسمو الى الحضارة شعب ...... منه نصفه عن نصفه مستور

ليس يأتي شعب جلائل مالم ...................... تتقدم إناثه والذكور

أنّ في رونق النهار لناسا ............... لم يزل عن عيونها الديجور

في المؤتمر النسوي الذي إنعقد في نادي لورا خضوري عام 1932 ، وبحضور وفود نسويّة عربيّة من مصر وسوريا ولبنان وفلسطين، أُثيرت من المؤتمِرات مسألة الحجاب والسفور، والذي واجهته القوى المحافظة وصحفها ومنها صحيفة الإستقلال بشدّة،  ما دفع القائمات عليه الى عدم مناقشة المسألة درءا للمشاكل. الّا أنّ الزهاويّ إستبق المعركة هذه بقصيدته (تباشير الإنقلاب)، والتي هاجم فيها كعادته الحجاب والنقاب داعيا المرأة الى المضي في معركتها من أجل السفور، فأنشد في الحفل الذي أُقيم للمؤتمر:

من بعد ما أنتظرت حقابا ..... ثارت فمزّقت الحجابا

عربيّة عرفت أخيرا ............... كيف تنبذ ما أرابا

كان الحجاب يسومها ..........  خسفا ويرهقها عذابا

ولم يتوقف الزهاويّ هند هذه النقطة، بل تحرّك نحو المنطقة الممنوعة، حينما طلب من المرأة البحث عن حريّتها بعيدا عن قشور الدين فخاطبها قائلا:

الحقّ حقّك فأنشديه ............... في محاولة طلابا

وإذا أبو فخذيه منهم ............... في مكافحة غلابا

لا تعبئي أبدا بغر ............... بان يواصلن النعابا

وذري من الدين القشو ..... ر جميعها وخذي اللبابا

عزوا الحجاب الى الكتا ...... ب فليتهم قرأو الكتابا

كان من الطبيعي أن يتعرّض الشاعر الى هجوم عنيف من مختلف الإتجّاهات وهو يدافع عن المرأة وحريّتها، لكنّه كان مؤمن من أنّ الصواب والحقيقة الى جانبه فكتب خلال محنته تلك قصيدته (هي الحقيقة)، والتي قال فيها:

هي الحقيقة أرضاها وإن غضبوا ..... وأدّعيها وإن صاحوا وإن جلبوا

أقولها غير هيّاب وإن حنقوا ........... وإن أهانوا وإن سبّوا وإن ثلبوا

إن يقتلوني فكم من شاعر قتلوا .......... أو ينكبوني فكم من عالم نكبوا

جاؤوا إليّ غضابا يسرعون ضحى .......... فما رأيتهم الّا قد إقتربوا

هذا يسير على مهل ويشتمني ........... وذاك يحبو وذا يعدو وذا يثب

ولم يكتف الزهاويّ وهو يدافع عن المرأة العراقيّة وحقوقها بالشعر فقط، فقد كتب في جريدة (المؤيّد الأسبوعي" القاهريّة في السابع من آب / أغسطس سنة 1910 مقالا تحت عنوان (المرأة والدفاع عنها) ، فما أن قرأه رجال الدين والمحافظين (حتّى ثارت ثائرتهم على ما جاء فيه من آراء جريئة وأحكام تناقض ما جاءت به الشريعة)"2". وعلى الرغم من عزله من وظيفته حينها ، الّا أن الشيخ سعيد النقشبندي وكرأس رمح لبقية رجال الدين والشخصيّات المحافظة ألّف رسالة بحقّ الزهاويّ أسماها (السيف البارق في عنق المارق)، ما دفع الزهاوي كما كل الأحرار الذين يدافعون عن الحقيقة الى ملازمة داره خوفا. وكأنّه يرى واقعنا المؤلم اليوم والرصاص يغتال كل ما هو مثقف ووطني وجميل في هذا الوطن المحكوم بأمثال النقشبندي وغيره من المجرمين، فكتب يخاطب زوجته شعرا:

أبثين إن أدنى العدوّ حمامي ........... بمسدس يوريه أو بحسام

فتجلّدي عند الرزية وأحسبي..... إنّي إجتمعت إليك في الأحلام

إننّا اليوم لبحاجة الى أمثال الزهاوي، ليدافع عن المرأة العراقية بوجه خفافيش الظلام. هؤلاء الذين تركوا كل مشاكل بلدنا دون حلول، ليتشبثوا بمسألة الحجاب، وكأنّ مشاكل شعبنا ووطننا مرتبطة به. وإن كان الحجاب هو الوسيلة لإنهاء مشاكل شعبنا ووطننا المبتلى بفتاواهم الشيطانيّة، فلم فرض الحجاب على نساء إيران والسعوديّة وأفغانستان والسودان وغيرها من البلدان المتخلّفة والقمعيّة، لم ينهي مشاكلها التي تتناسل وتكبر كل يوم!؟

 

زكي رضا – الدنمارك

...............................

1- ديوان جميل صدقي الزهاوي  الصفحة  د.

2- المصدر السابق الصفحة ن.

 

 

 

 

 

حسن العاصيمع تطور الفرد يتقدم المجتمع، وحين يتطور البشر في المجتمعات يرتقي الوعي الجمعي، ويصبح أكثر تماسكاً وتناغما، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تشذيب المجتمع من الميول والسلوك السلبي. إذن هي حركة مجتمعية واعية متفاعلة مع ذاتها في الآخر، ومع الآخر في ذاتها، في حركة مستمرة لتراكم معرفي يحقق مزيداً من الوعي. هذا المسار المتواصل ما هو إلا مساهمة الفرد في صياغة المفاهيم المجتمعية، ودفع ركب التطور والتقدم. فإن كانت إرادة الفرد تأخذه نحو سلسلة متداخلة من الأسئلة، فإن عدم الحصول على الإجابات التي يريدها قد تقف عائقاً أمام تطوره، رغم أن الإنسان كان عبر التاريخ قادراً على إعادة صياغة القيمة الوسطية في أنماط تتناسب مع مستوى الوعي ودرجة الحرية المجتمعية.

السؤال الذي لا يغيب عن كتّابنا ونقّادنا ومفكرينا: لماذا فشل مشروعنا الإصلاحي، ولماذا لا نستطيع تحقيق تقدم وتطور اقتصادياً وحضارياً؟ من كثر ترديد هذا السؤال بتنا نشك في عقولنا. إنه السؤال المقلق لجميع العرب، في ضوء الارتباط الجدلي العميق بين تطور الفرد وبين توفير مناخات ثقافية تسهم في تطوير الملكات الفردية. إذ كلما ارتقى الفرد ازدهر المجتمع، وكلما انتعشت الثقافة تحرر العقل الفردي وتنامى الوعي الجمعي. ويظل للأسئلة بريقها المعرفي الذي لا يخفت. 

أسئلة حرجة

في الأوقات الحرجة نطرح الأسئلة المربكة. قد يتساءل أحدنا، هل يزندق الأدباء والمثقفين؟ الإجابة هي نعم إن بعضهم يفعلون.

فإن كان العوز ذريعة تدفع الفقير والمحتاج إلى أن يتحول لساناً للحاكم وللسلطة السياسية أو الدينية، تراه ينفث في أذن الحاكم ما يريد سماعه، ويبرر تصرفات وأفعال ومواقف الحاكم ونظامه، فما هو دافع أولئك الذين يتبوؤون مناصباً، ويديرون تجارةً وأعمالاً، ويحملون شهادات جامعية عليا، ومثقفين معروفين، لأن يسلكوا درب النفاق والمكر إن لم تكن زندقة. فإن استثنينا بعض المثقفين الذين تستغلهم الأنظمة السياسية كأبواق لها يلمعون قبحها، فالنفاق والزندقة بين بقية المثقفين يكمنان في السعي نحو الحصول على منفعة، بسبب الحسد والغيرة أو بسبب الشعور بالنقص تجاه الآخر.

إن النفاق لا يشبه الكذب بل يعيش معه ويقتات منه، والزندقة لا تشبه النفاق بل تعيش معه وتتغذى منه بحبل سري.

إن النفاق بحد ذاته هو عرض مرضي وطفح جلدي لحالة من النقص متجذرة في الكينونة البشرية، يظهر ويختفي هذا العرض لارتباطه بمقدار الثقة والمستوى التعليمي والفكري والمعرفي والإبداعي، ولعدم قدرة مثقف على الوصول إلى مكانة أدبية أو علمية التي تمكن الآخرون من الوصول إليها. أحياناً تجد النفاق والزندقة عند مثقفين كباراً ومرموقين، لكن إحساس "الأنا" لديهم مرتفعة بصورة مرضية تجعلهم لا يرغبون في أن يصل أحداً غيرهم للمكانة ذاتها، خشية من المنافسة. وهو سلوك يعبر عن حالة نقصان كامنة.

إن النفاق والكذب والزندقة مكونات محمولة طبيعية قائمة وخامدة في اللاوعي البشري، قد تظل في حالة من السبات، وقد تستيقظ في لحظة مثل تنين ينفث سموم المكر والتدليس والمداهنة، إن ما شعر الإنسان أن لا درب آخر يسلكه للدفاع عن النقص الذي يستشعره، أو لتحقيق غاية ذاتية.

سيكولوجيا النفاق

إن شيوع النفاق والزندقة يرتبطان بالفلسفة السياسية التي يتبناها الحاكم وكيفية حكمه، ونوعية الأدوات التي يعتمدها نظام السلطة في إدارة شؤون البشر، والتحديات التي تواجهها السلطة السياسية. وفي الواقع العربي نجد ثلاثة نماذج من المثقفين، فئة المسالمين الذي ينظرون للسلطة على أنها مصدر أذية والابتعاد عنها أسلم، وفئة المعارضين الذين يقفون في وجه السلطة السياسية، وينتقدون أدائها ويكشفون عيوب القصور، ويطالبون بحقوقهم وحقوق العباد. أما الفئة الثالثة فهم الزناديق المنافقون الذين يظهرون للسلطة عكس ما يكتمون، ويدلسون طمعاً في سلطة أو مال أو جاه، أو تجنباً لأذية يتوقعون حدوثها من السلطة.

ومن المنافقين من يبالغ في التمجيد لدرجة تجعل من الزعيم الحاكم الديكتاتوري شخصية كاريزمية استثنائية، يجب على الناس طاعتها والقبول بها والتسليم بأقواله وأفعاله. ونجد أمثال هؤلاء الزنادقة في كل مكان على امتداد خارطة العالم العربي، ومفاصل الدول. تجدهم في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، يكونون رؤساء تحرير صحف، ومديرو تحرير فضائيات وإذاعات، كتّاب مقالات.

 كانت نتيجة انتشار سيكولوجيا النفاق في بعض الدول العربية ظهور مثقفون مدّاحون، ومعارضون، وأُجراء ثقافة، مما جعل معظمهم يسقطون في مصيدة الاغتراب عن ذواتهم وعن الثقافة وعن الوطن. فكانت مهمة المدّاحون تنميق وتحسين الوجه القبيح للسلطة، وتقديم تبريرات للناس بعبارات مفخمة عن التجاوزات والاعتداءات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية بحق المواطنين. وأُجراء الثقافة تتسم علاقتهم بالسلطة بالحيادية واللون الرمادي، فهي مصدر رزق ومعيشة للبعض، وحالة شائكة مربكة للبعض الآخر. أما المثقفون المعارضون إما تقوقعوا على ذواتهم لدرجة الانتحار الإبداعي، أو تركوا الاوطان وهاجروا إلى بلاد أخرى.

المثقفون زنادقة العصر

الزندقة حسب التعريف الوارد في موسوعة الأديان هي "لفظ فارسي معرّب، وقد كانت تطلق في البداية على من يؤمن بالكتاب المقدس لدى الفرس "الزندافست"، ثم ما لبثت التسمية أن انتشرت منذ العصر العباسي الأول، وأطلقت على كل إنسان يتشكك في الدين، أو يجحد شيئاً مما ورد فيه، أو يتهاون في أداء عباداته أو يهزأ بها، أو يتجرأ على المعاصي والمنكرات ويعلن بها، أو يؤمن ببعض عقائد الكفر، ويسرف في العبث والمجون.

زنادقة هذا العصر يختلفون عن زنادقة العصور الإسلامية السالفة. فأولئك كانوا يكتمون "الديانة المانوية" ويظهرون الإسلام. أما زنادقة هذا العصر فإنهم يظهرون الإيمان بالديمقراطية والحريات الاساسية للبشر، وينادون بالحق في الاختلاف، لكنهم يكتمون ضيقاً من كل مخالف لأفكارهم، ويتحولون إلى اشد أعداء الحريات إن اقتربت من مصالحهم، ولديهم استعداد لوأد الديمقراطية إن تعارضت مع مفاهيمهم، يتشدقون بالدفاع عن حقوق الشعوب ومصالح الجماهير، لكن في حدود عدم تعارض هذه الشعارات مع مصالحهم الأنانية، لأنهم في لحظة واحدة ينقلبون ضد الجماهير وينحازون للطغاة.

لقد ورد في مؤلفات الصوفي أبو المواهب عبد الوهّاب بن أحمد بن علي الأنصاري" الذي ولد العام 1491 ميلادي في مصر، والمشهور بـالشعراني، تحذيراً شديداً للمظلومين من الوقوع في إثم الدعاء على الحاكم الظالم، ويبرر الشعراني تحذيره بأن الظلم الذي قد يقع على أحد إنما هو في واقع الحال يصدر عنه نفسه، وأن الحاكم الظالم إنما هو مسلط من الله بحسب أعمال البشر، فالحاكم الظالم هنا ما هو إلا سوط يتم جلد الناس به، وإن الذنب ليس طبعاً ذنب السوط، إنما الذنب والجرم يقع على من سقط في الإثم والخطيئة ووقع في المعصية، وبالتالي استحق عقاباً من رب العباد.

ومن مقولات الرجل الشهيرة- وقيل إنها مدسوسة عليه- أن العهود قد أخذت عليهم الدوران مع أهل زمانهم وينخدعون لهم، وأن نتلوّن لهم مثلما يتلونون لنا، وبذلك نأمر إخواننا أن يدوروا مع الزمان وأهله كيفما يدورون.

بعض المثقفين العرب يبدعون في الزندقة والنفاق، ويبدون كأنهم تلاميذ مخلصين لقواعد الشعراني، فهم يظهرون النفاق للحكام ما بقي الحاكم في سلطانه، فإن تم عزله أو مات فلا تعظيم له.

ازدواجية مرضية

لو صادفت مثقفاً شحاذاً أو أحداً متزلفاً وكذاباً من عامة الناس، فلن يثير هذا بك شيئاً، لأن أمثال هؤلاء موجودين في كل مكان وزمان. لكن ان ترى مثقفاً يستفيض في التنظير عن المبادئ والقيم والأخلاق، ويبهرك في حديثه حول الديمقراطية وجمالها، والحريات العامة وحسنها، ولا ينسى أن يذكرك بأهمية العقل والتفكير الحر الذي غايته هو الإنسان وتحسين ظروف حياته. ثم تتفاجأ أن تقرأ له في مطبوعة ما، من الكذب والنفاق والتدليس والخداع ما يجعل الأرض تحتك تمور، وتفكر في أن تقترح عليه أن يوقع أسفل ما كتبه باسم "عبد الله بن أبي بن سلول".

كيف نتعلم الحرية من مثقف لم يعرفها يوما، وعاش حياته عبداً لمصالحه وتطلعاته، وكيف نستلهم التمسك بالقيم والمثل، والثبات على الحق، من إنسان متأرجح لم يعهد يوماً الثبات على موقف.

في زمن "الأراجيل" انتشر النفاق والتدليس والمكر والزندقة بين الناس، والأخطر بين المثقفين، فبتنا نرى ونسمع بمناسبة أو بدونها علو صوت قصائد البلاط التي تستجدي رضى الزعيم الفذ، ومقالات التمجيد بالحكام، والمنشورات التي تبرز رجاحة عقول الحكام، وحصافة آراءهم، وحرصهم الذي لا يبيتون ليلهم بسببه على الرعية ومصالحها، وأكثر أحد يعلم أن كل هذا نفاق هم الحكام والزعماء أنفسهم.

إن هذه الظواهر المرضية، والتي ساهم الجميع في انتشارها، خاصة في الوسط الثقافي، حيث بات معظم المثقفين يظنون أن الممر الوحيد كي ينالون مبتغاهم- أياً كان- من السلاطين وسواهم، هو قصيدة غزل وتمجيد ومدح، وأن الحقوق لا يتم الحصول عليها إلا بالتملق والتلهوق، حتى أصبح هذا المنهج غير السوي من أدبيات الوظيفة والترقية، وقضاء الحاجات والتودد للمسؤولين، والتقرب من أصحاب الشأن، وصار العباد يبدعون ويتفننون في اتقان النفاق والزندقة والمخادعة، ويتنافسون في ميدانها.

إن شيوع هذه الظواهر في المجتمعات العربية تتسبب في انحدار القيم الأخلاقية، وتشويه المفاهيم المجتمعية، وتؤدي إلى خلط المعايير الإنسانية والفكرية بصورة يصعب معها انتشال البشر من هذا القاع. والخطير أن الناس تتعايش مع الزندقة ومخرجاتها ومفاعيلها برضى بليد، وصار المثقفين يعتبرون النفاق أمر بديهي، ومن ينكرها يخالف الإجماع.

زندقة احترازية

بعض المثقفين يزندق وينافق بهدف كسب المال أو المنصب أو الجاه، والبعض الآخر يلجأ لها بغية تشكيل رصيد تراكمي يستخدمه في أوقات الضيق المستقبلية. إن الزندقة والمداهنة رذيلة يمارسها المثقفون من كافة الاتجاهات والتيارات الفكرية والانتماءات الحزبية والولاءات السياسية. حيث يقدم بعض المثقفين الإسلاميين على هذا الدجل كي يطمئن الحاكم أن ليست لديه اية أطماع سياسية ولا طموحات في المنافسة، وأنه راض عن أداء السياسي وليس رافضاً لنظام الحكم، فقط حتى لا يقوم السياسي باعتقاله، أو التعرض له، وكأن حريته صدقة يستجديها من السلطان.

بعض المثقفين الليبراليين حالهم أقبح وفعلهم مذموم، حيث أنهم ينتقدون الفكر الإسلامي وينادون بالحرية الفكرية وحرية العقل، وإقصاء الوصاية اللاهوتية، ويدعون إلى التنوير والحداثة والديمقراطية، وبناء دولة المؤسسات، وحقوق المواطنة. لكنهم سياسياً وفي مواجهة الحاكم يصبحون عبيداً خاضعين، يفعلون ما يؤمرون، بل يقدمون على ما لم يطلب منهم، ويتنافسون في الزندقة والنفاق وإظهار الولاء للحاكم ونظامه السياسي، ولا يفوتون مناسبة إلا ويحضرون مع زيفهم ومكرهم وتملقهم، لأنهم عبيداً لا يعلمون عن الليبرالية شيئاً غير اسمها.

الكارثة حين يشتبك المثقف الليبرالي مع المثقف الإسلامي، يدّعي كل منهم أن السلطة السياسية تدعمه فيما يفعله، وأن الحاكم راض عنه، بل يصل الأمر أحياناً أن يقوم أحدهما الاستقواء بأجهزة السلطة على الآخر، وربما يدس له ويحاول توريطه عند الحاكم. الطامة الأكبر نراها في أن كلا الطرفين -المثقف الإسلامي والليبرالي- يساهمان بالاعتراك الفكري والمجتمعي والاقتصادي والثقافي مع بقية أفراد المجتمع، وقد يشتد هذا العراك، لكن يظل الجميع حريصاً على إبقائه ضمن الحراك الفكري والثقافي. ولكن ما أن يصل النقاش بثورة أو أخرى إلى منطقة الحاكم والسلطان، تسقط كافة المبادئ والقيم والمواقف التي كنا نعترك لأجلها منذ قليل، ويبدأ الطرفين بالنفاق والزندقة وإظهار الولاء.

إن المثقف الذي يمارس فعل التمجيد والزندقة والنفاق، أياً كان سواء ليبرالياً أو إسلامياً، يمينياً أم يسارياً، حداثياً أم محافظاً، هو جزء من منظومة الاستبداد، ولن يتمكن هكذا مثقفين من القيام ببناء مشروع ثقافي وفكري وإصلاحي نهضوي للأمة العربية. إن أمثال هؤلاء يعتبرون حالة مرضية وظاهرة تحتاج إلى علاج، لأنهم يخلقون بيئة مجتمعية ملوثة متناقضة مشوهة.

في معظم مجتمعاتنا العربية التي تحوّل فيها المواطن إلى تهمة متحركة، فهو إما إرهابي أو مأجور من السفارات الأجنبية، معارض سياسي أو عميل لدولة معادية، وصار المواطن العربي المسكين -بما فيهم المثقفين أنفسهم- متهمون في وطنيتهم وانتماءهم وولاءهم حتى يتمكنون من إثبات خلاف ذلك. ومن أجل دفع تهمة عدم الولاء وجد الناس الحل الناجع والأقل ثمناً هو الزندقة والنفاق والتدليس والكذب والإطراء.

في المؤسسات الحكومية، وفي المناسبات الوطنية- وما أكثرها- تتم تلاوة خطب الزعيم، وأشعار الوزير، ومقتبسات من كتاب القائد "كيف اكتشفنا زراعة الحمضيات" وعلى الجميع التصفيق، سواء فهموا أم لا. لا يمكن لمدير مؤسسة تعليمية أن يقيم نشاطاً مدرسياً دون المبالغة -حد الزندقة- في ذكر فضل الحاكم على الوطن، وعن ورعه وعلمه وزهده، حتى يخال لك أنه يتحدث عن شيخ الإسلام "مالك ابن أنس" أو الإمام "سفيان الثوري".

المثقف غير المزيف

هذا الراهن في العديد من الدول العربية يحتاج إلى نوع مختلف من مثقفي الزندقة، نحتاج إلى المثقف الأصيل والحقيقي والمنتج، مثقف مبصر وحر، يتحلى بالوعي والمسؤولية، ويمتلك أدوات تتناسب مع العصر، منفتح غير منغلق، صاحب فكر وموقف، مثقفاً شعبياً غير منعزل.

في واقع عربي اختلطت فيه كثير من المفاهيم وتشابكت، وظهر علينا الآلاف من الكتّاب والخبراء والمحللون وحملة الشهادات الأكاديمية العالية على شاشات التلفزة، يخرجون لنا من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، يقدمون أنفسهم على أنهم مثقفون. لكنهم في الواقع معظمهم مجرد ثرثارون يتقاضون أجراً من جهات تحرص على مطاردة المثقف الحقيقي. فالمثقف الأصلي ليس بالضرورة أن يحمل شهادات عليا، على سبيل الذكر لا الحصر فإن عباس محمود العقاد، وجبران خليل جبران وسواهم، لم ينالوا أي شهادة جامعية.

الأمة تحتاج إلى المثقف صاحب العقل المنفتح الجدلي، ومن يمتلك صفة استخدام عقله بشكل حر، المثقف غير المتشدد والمتعصب لأي رأي ولا لأية فكرة، المثقف المحاور، المتفهم، الذي يقبل وجود الراي الآخر، ليس لديه نظرة دونية لعامة الناس، لا يضيق صدره بالمخالفين، المثقف الذي لا يمدح ذاته ويتملق للحاكم. المثقف الذي يتعامل مع العلم والحقائق وليس مع الخزعبلات والأوهام، يحلل الأفكار وينتقدها ولا ينتقد قائلها. المثقف الذي يكشف عورات المجتمع بهدف سترها وتصحيحها، مثقف لا ينافق ولا يهادن ولا يكون انتهازياً ولا متسلقاً وصولياً، المثقف الذي يحارب الفساد ولا يحابيه. مثقف لا يفرض رأياً ولا فكراً على أحد. لا يقدم نفسه على أنه أستاذ التاريخ والفلسفة وعلم التشريح، ولا أن يكون واعظاً فجاً، وألا يكون أنانياً منغلقاً.

كيف السبيل

إن مواجهة النفاق ومكافحة الزندقة تقتضي بالضرورة تمزيق الأقنعة الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية التي يرتديها المتزندقين، وهذا يتطلب توفير أجواء من الحريات العامة، وحضّ البشر على الإفصاح بكل حرية عن أفكارهم وتحفيزهم على التعبير عن معتقداتهم وقناعاتهم، واحترام ما يقولون دون تدخل من أي طرف، ودون خشية من عقاب لاحق. والقضاء على الزندقة والنفاق لا يتم إلا في بناء دولة المواطنة الحقيقية، دولة المؤسسات التي تضمن الحقوق الرئيسية للناس بشكل عادل دون تمييز، وبناء وتعليم ثقافة الاختلاف واحترامها لدى الشعوب العربية ومن ضمنهم المثقفون. والنظر بجدية في المناهج والقوالب والأنماط التعليمية، بهدف ردم الفجوة الثقافية المجتمعية بين ما نفكر وما نقول ونفعل. ترى الأنظمة السياسية تعلم أبناءها على الصدق وعدم الكذب، وامتلاك الشجاعة والوضوح والابتعاد عن النفاق، ثم يعلقون لهم المشانق، ويزجونهم في السجون إن فعلوا ما تعلموا.

هذا حال بعض المجتمعات العربية غير السوية، مجتمعات غريبة مريبة، يسيطر عليها الكذب والخداع والنفاق، وينتشر الذين يوظفون الدين والتاريخ ومقدرات البلاد لخدمة وحماية مصالحهم الشخصية.

نحتاج إلى مناخات ثقافية وسياسية يتنفس فيها الفكر حريته ويعبر عن نفسه دون خوف أو رهبة، لنرى مثقفاً حقيقياً ناضجاً ونزيهاً وواعياً وواثقاً من ذاته ومعتقداته، قادراً على المساهمة بفعالية في إحداث تغيير جدي في هذا الواقع المشوه.

زنادقة العصر أخطر على الأمة العربية من زنادقة العصور السالفة على الخلافة الإسلامية. حيث الأقدمون لم يكن لهم أية سلطة في الدولة الإسلامية، وتأثيرهم على الناس كان لا يذكر. في حين أن الزنادقة الحاليين الذين يظهرون الوطنية والعروبة، ويجاهرون بقيم الحرية والعدالة والديمقراطية والتنوير، ويكتمون فكراَ رجعياً وثقافة منغلقة، ونفساً مريضة مثقلة بالأنانية والحسد، متجردة من الأخلاق، لا يتورعون عن فعل أي شيء في سبيل الحصول على مبتغاهم وتحقيق مصالحهم، ينتشرون كالفطر الفاسد السام في كثير من مفاصل الحياة، وتأثيرهم على المجتمع والبلاد والعباد غاية في الخطورة.

افعلوا شيئاً

كل مثقف في الأمتين العربية والإسلامية يقبل بوجود إسرائيل على أرض فلسطين، هو زنديق مهما كانت صفته وثقافته.

كل مثقف ليبرالي أو إسلامي كان يدعو إلى الليبرالية التحررية ووقف مع الطغاة والأنظمة الديكتاتورية هو زنديق بامتياز.

كل مثقف يتعامل بخطابه مع التحديات المصيرية للأمة العربية بانتهازية وانهزامية وأنانية، وتفضيل المصلحة الشخصية، وإيثار السلامة، واللجوء إلى المربع الآمن، ودعوى الحيادية، أو استخدام الجمل المائعة، هو زنديق.

كل مثقف يقوم بمداهنة الظلم والقهر والاستبداد والقتل والقمع وتكميم الأفواه، وتعليق المشانق للمخالفين بحجة الحفاظ على الأوطان، ومواجهة المؤامرات الخارجية، هو زنديق.

كل مثقف متقلّب متردد في الثوابت الوطنية والأخلاقية، وكل من يقوم بإيقاد نار حروب إعلامية وسياسية في غير الميادين التي تخدم أهداف الأمة العربية، المثقف الذي يحرض على خوض حروب بالوكالة، ويقوم بإقصاء شركاء له في النضال، هو زنديق.

كل مثقف يقوم بتحويل العمل المؤسسي الثقافي والمكانة الاجتماعية، والوظيفة العمومية إلى مشروع تجاري لجني الأرباح، وتسويق البضاعة الكاسدة، ويضع نفسه في مواجهة تنافسية غير متكافئة مع المبدعين الشباب، هو زنديق.

نحتاج أن نفعل شيئاً لنعيد الأشياء إلى فطرتها، لوقف سيل التزلف والتملق والنفاق والزندقة، والخروج من حالة الازدواجية "شيزوفرينيا" المواقف والخطابات، ومواجهة حالة الفصام الفكري والاجتماعي والسياسي الشائعة في المنطقة العربية.

 لا تبنى الأوطان بالكذب والنفاق والخديعة وإظهار غير ما نكتم. الزندقة كفعل فكري ثقافي اجتماعي تدمر المجتمعات وتنحدر بها إلى قاع السقوط. ولا يمكن لمثقف منافق، أو عالم زنديق، أو مفكر مهادن، أن يساهموا في نهضة الأمة العربية ورسم ملامح مشروعها الإصلاحي، لأنهم هم أنفسهم مكون تالف يحتاج إصلاح وترميم. المضحك المبكي في هذه المهزلة الفاجعة إن كشف الزنادقة المعاصرين ليس أمراً شاقاً، إنما الصعوبة نكمن في إحصاءهم.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

علي المرهج

هُناك بعض من المُثقفين من الذين يحملون راية الدعوة للوطنية ونقد الفساد الحكومي، بل ومحاربته وينتقدون الساسة الذين يدينون بالولاء لأجندات خارجية، ولربما بعضهم ينتقد حمل السياسي لجنسيتين، وهو من الذين يملكون جنسيتين وعائلته تقطن في بلاد الغرب، ولا يتحملون العيش في العراق وهو يروم لهم الراحة والرفاهية وهذا من حقه كأب، وهو يُسافر بن الفينة والأخرى لزيارة عائلته التي تتنعم برغيد العيش في بلاد الثلج، وليعش (ولد الخايبة) تحت سماء مُلبدة وفي بلاد مُستعرة.

وهُناك بعض من المُثقفين يخرجون في ساحات التظاهر تحت شعار (الإصلاح) أو التغيير، ولكنهم من أكثر المُستفيدين من عطايا الحكومة ورجالاتها، والغريب انهم يعملون في مراكز ومؤسسات وفضائيات تابعة لساسة عُرفوا بفسادهم.

وهناك بعض من المُثقفين يتظاهر لا لأنه يحمل همَ إصلاح الوطن بقدر ما هو يجعل من التظاهر وسيلة لابتزاز بعض مافيات الفساد من سياسيي الصدفة.

وهناك بعض من المثقفين من الذين يعملون في مؤسسات الدولة وقريبين من بعض الوزراء، فحصلوا على بيوت للسكن وهم في بدايات حياتهم الوظيفية، وغيره من زملائه أكمل سنوات الخدمة ولم يحصل على دار سكن تأويه هو وعياله، وذات هذا المثقف المدني وبعلاقاته الحميمية مع الوزير أو من هو مُقرب منه حصل على زمالة للتدريس في غير اختصاصه، وهو يحمل راية الإصلاح ويتصدر مشهدية التظاهرات، بل هو فاعل رئيس فيها.

وهناك بعض من المُثقفين من الذين تصدوا للتظاهر بل ومن قادته، فأعطوه وظيفة لكسب سكوته، وقد قبل الوظيفة ذات الراتب الأثير، ويقبض الشهر بشهره كما يُقال، ولكنه لم يلتزم بشروط العمل الوظيفي والتواجد في مكان عمله، واستمر بسب الحكومة وخداع المُتظاهرين من بُسطاء الناس من الذين وضعوا ثقتهم به وهو يعيش حياة ترف وبذخ ويتنقل في سيارات دفع رباعي فارهة (Vib) بوصفه ناطق بإسم المُتظاهرين.

وهناك بعض من المُثقفين من الذين يُتقنون مسح الأكتاف وهز الأرداف والتهليل والتطبيل والتزمير لصاحب القرار إن كان وزيراً يستحق الاحترام او حمار، فتجدهم يقفون أسراباً على بابه يبتهلون إلى الله أن يحفظ له (حميريته) ليختار من هو أكثر (حميرية) منه لمنصب عسى ان يكون لهذا المُطبل او ذاك المُزمر.

وهناك بعض من المثقفين يُنظرون ويكتبون في الدفاع عن التسامح والحرية وينتقد الفساد وهو من أكبر المُستفيدين من نظم الحُكم هذا، بل لم يكتف بذلك فقد سعى بعلاقاته لإيجاد فرص عمل لبعض بناته وبنيه عبر علاقته، فكان له ما أراد وهو يعلم علم اليقين أن أبنه للم يُوظف لكفاءة فيه ووجوده في مكان عمله كعدمه ويرتضي هذا المثقف لنفسه أن يأخذ أولاده بغير حق راتباً يفوق قدراتهم بسنين ضوئية، ويعلم علم لليقين إنما هُم عُينوا لانهم أبناء فلان أو هذا المثقف.

وهناك بعض من المُثقفين يعملون ليل نهار لكسب قوتهم اليومي وهم مُشاركون في التظاهرات بفاعلية، وهم من الذين صدقوا ما عاهدوا الناس عليه في الدفاع عن قضيتهم وقضية وطن ضيعه المُدعون الأفاقون المنافقون من الذين في مساء التظاهر هم من يرتفع صوتهم ولكنه بليل اليوم ونهاره إنما هُم يُجالسون فُسَاد السياسة ويقبضون الثمن.

ولأن صوت المُثقفين الصادقين لا صُراخ فيه ولا نباح، لأن في صمتهم كلام، وقولهم كتابة أو نُطق وتعبير بنغم شفيف ولحن حزين فيه الكثير من نوتات الرفض.

لكن من تصدر المشهد هو صاحب الصوت العالي من الذين يُتقنون اللعب على حبال سرك الدعوة لمجتمع مدني.

ولا أستثني نفسي من هذا الخراب الثقافي والإنساني الذي نعيش فيه، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.

 

د. علي المرهج

 

حسين سرمك حسنفضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي

يوسف اليهودي لا يشبه جلجامش العراقي، ويعقوب لا يشبه أنكيدو العظيم:

.... فيوسف اليهودي لا يشبه جلجامش العراقي، ويعقوب لا يشبه أنكيدو العظيم مهما حاول ناجح تمرير ذلك . يمكن لناجح أن يستخف بأسس التحليل العلمي المعروفة، لكنه لن يستخف بعقولنا وسنحافظ على كنوزنا العراقية الأسطورية العظيمة . وحتى عندما يستعين ناجح باقتباس يأخذه من أحد مؤلفات الاستاذ علي الشوك يقول فيه:

(أشار الاستاذ علي الشوك بان القافلة التي صعد يوسف على راسها مكونة من اهله وجميع شيوخ مصر "ممثلين عن كل مدينة" تحت حراسة عسكرية مهيبة، ودخلوا أرض كنعان عن طريق جلعيد الى حيدر اطاد، وناحوا هناك نوحا عظيما سبعة ايام . فلما رأى اهل البلاد الكنعانيون المناحة قالوا هذه مناحة ثقيلة للمصريين ولذلك دعي المكان "ايا مصريم" وحمله بنوه الى مغارة مكفيلة في حيرون، وتفجعوا عليه سبعة ايام اخر، ثم عادوا عبر الحدود - ص 197) (18).

وهنا مفارقة أخرى: الأستاذ ناجح الذي يدّعي قراءة وتحليل التوراة، وخصوصاً قصّة يوسف، لا يعرف أن ما ينسبه إلى "علي الشوك" منقول – بتحوير بسيط - من قصّة يوسف في سفر التكوين (الإصحاح الخمسون: 7 – 12) . ولم يذكر ناجح اسم كتاب الأستاذ علي الشوك الذي نقل عنه المُقتبس السابق لكي نتأكّد هل ذكر علي الشوك – بدوره – مصدره أم لا؟! والمصيبة أن ناجح ذكر المقبوس نفسه منقولا هذه المرّة عن الأصل التوراتي فوق المقتبس من علي الشوك مباشرة وعلى الصفحة نفسها (الصفحة 197) !! .

ولأن جلجامش بكى على أنكيدو، ويوسف بكى على أبيه، إذن يوسف اليهودي التوراتي يشبه جلجامش السومري العراقي، ويعقوب اليهودي التوراتي يشبه أنكيدو السومري العراقي، وبالتالي فناجح العراقي يشبه دنزل واشنطون الأمريكي .

هل البطل المحارب الشجاع أنكيدو الذي واجه الملك البطل العراقي العظيم جلجامش وتحدّاه ثم أصبح خلّه وصاحبه، وقاما بالأعمال البطولية الملحمية الخارقة سويّة، يشبه يعقوب العجوز المتهالك الذي مات على سريره مريضا ذاوياً؟

هل المرض الذي أصيب به أنكيدو الذي قرّرته الآلهة والمراحل الأخيرة من حياته، يشبه مرض شيخوخة يعقوب الذي مات في فراشه خاوياً يوزّع الأراضي الموعودة والسلطات وهو بدوي لا يملك شيئا؟ هذا البدوي التوراتي الذي خدع أخاه "عيسو" وكذب (ما هذا النبي التوراتي الذي يكذب؟) ليسلب منه البكورية بصحن عدس، ثم قام بالكذب على أبيه وتمثيل دور وصوت أخيه (مثل ممثلي هوليود !!) ليسرق البكورية أيضاً، مثلما قام بسرقة ونهب بهائم وغنيمة سكّان "عاى" قد نهبها لنفسه (حسب قول الرب!!!) (يشوع 8: 27).

هل الغاية من حياة أنكيدو الذي خلقته الآلهة كغريم لجلجامش تشبه الغاية من حياة يعقوب الذي خلقه الله وجعله نبيّاً حسب أطروحات كهنة التوراة؟

هل الكائن الأسطوري يشبه البشري البدوي؟

هل قام يعقوب بقتل ثور سماوي مخلوق من الآلهة؟

هل تحدى يعقوب الآلهة العظمى؟ هل تحدّى الإلهة الأم عشتار؟

هل يعرف هذا البدوي إلهة أم أصلاً، ويحترمها؟

هل قام يعقوب بقتل وحش غابات الأرز؟

وهل كل من يبكي على فقيد له بكاءً مرّاً ويهيم في البراري يشبه جلجامش؟

هل كان يعقوب يعيش مع الحيوانات في الغابة مثل أنكيدو ثم مرّ بمرحلة تحضّر على يد بغيّ؟ ولأي سبب حضاري عظيم؟

لقد أحصيت أكثر من ثلاثين فارقاً بين موت أنكيدو وموت يعقوب – الموت فقط، ناهيك عن الحياة – فكيف يشبه يعقوب أنكيدو؟ 

خذ فقط هذا الموقف من اللوح السابع من الملحمة، والذي يقصّ فيه أنكيدو رؤياه على جلجامش:

(ثم طلع النهار فقص أنكيدو رؤياه على جلجامش قائلاً:

"يا صاحبي أيّ حلم عجيب رأيت الليلة الماضية:

رأيت أن "آنو" و"أنليل" و"أيا" و "شمش" السماوي

قد اجتمعوا يتشاورون وقال آنو لأنليل:

"لأنهما قتلا الثور السماوي وقتلا خمبابا

فينبغي أن يموت ذلك الذي قطع أشجار الأرز من الجبال

ولكن أنليل أجابه قائلا: إن أنكيدو هو الذي

سيموت، ولكن جلجامش لن يموت "

ثم انبرى شمش السماوي وأجاب أنليل البطل وقال:

ألم يقتلا ثور السماء وخمبابا بأمر مني؟

فعلام يقع الموت على أنكيدو وهو بريء"؟ - ص 118) (19).

هل حصل مثل هذا الخلاف الشديد بين الآلهة حول موت يعقوب؟ أم أنّه مات في فراشه حتف أنفه؟

وهل كان ردّ فعل يوسف اليهودي مثل ردّ فعل جلجامش السومري لكي يشبهه أو "يتناص" معه؟

ولنشاهد الكيفية التي مات بها يعقوب التوراتي، وردّ فعل ابنه يوسف التوراتي على موته:

(48:1 و حدث بعد هذه الامور انه قيل ليوسف هوذا ابوك مريض فاخذ معه ابنيه منسى و افرايم

48:2 فاخبر يعقوب و قيل له هوذا ابنك يوسف قادم اليك فتشدد اسرائيل و جلس على السرير

48:3 و قال يعقوب ليوسف الله القادر على كل شيء ظهر لي في لوز في ارض كنعان و باركني

48:4 و قال لي ها انا اجعلك مثمرا و اكثرك و اجعلك جمهورا من الامم و اعطي نسلك هذه الارض من بعدك ملكا ابديا

48:5 و الان ابناك المولودان لك في ارض مصر قبلما اتيت اليك الى مصر هما لي افرايم و منسى كراوبين و شمعون يكونان لي

49:1 و دعا يعقوب بنيه و قال اجتمعوا لانبئكم بما يصيبكم في اخر الايام

49:2 اجتمعوا و اسمعوا يا بني يعقوب و اصغوا الى اسرائيل ابيكم

49:33 و لما فرغ يعقوب من توصية بنيه ضم رجليه الى السرير و اسلم الروح و انضم الى قومه

50:1 فوقع يوسف على وجه ابيه و بكى عليه و قبله

50:2 و امر يوسف عبيده الاطباء ان يحنطوا اباه فحنط الاطباء اسرائيل

50:3 و كمل له اربعون يوما لانه هكذا تكمل ايام المحنطين و بكى عليه المصريون سبعين يوما

50:4 و بعدما مضت ايام بكائه كلم يوسف بيت فرعون قائلا ان كنت قد وجدت نعمة في عيونكم فتكلموا في مسامع فرعون قائلين

50:5 ابي استحلفني قائلا ها انا اموت في قبري الذي حفرت لنفسي في ارض كنعان هناك تدفنني فالان اصعد لادفن ابي و ارجع

50:6 فقال فرعون اصعد و ادفن اباك كما استحلفك

50:7 فصعد يوسف ليدفن اباه و صعد معه جميع عبيد فرعون شيوخ بيته و جميع شيوخ ارض مصر

50:8 و كل بيت يوسف و اخوته و بيت ابيه غير انهم تركوا اولادهم و غنمهم و بقرهم في ارض جاسان

50:9 و صعد معه مركبات و فرسان فكان الجيش كثيرا جدا

50:10 فاتوا الى بيدر اطاد الذي في عبر الاردن و ناحوا هناك نوحا عظيما و شديدا جدا و صنع لابيه مناحة سبعة ايام

50:11 فلما راى اهل البلاد الكنعانيون المناحة في بيدر اطاد قالوا هذه مناحة ثقيلة للمصريين لذلك دعي اسمه ابل مصرايم الذي في عبر الاردن

50:12 و فعل له بنوه هكذا كما اوصاهم

50:13 حمله بنوه الى ارض كنعان و دفنوه في مغارة حقل المكفيلة التي اشتراها ابراهيم مع الحقل ملك قبر من عفرون الحثي امام ممرا

50:14 ثم رجع يوسف الى مصر هو و اخوته و جميع الذين صعدوا معه لدفن ابيه بعدما دفن اباه)

ولنسأل الأستاذ ناجح الآن: هل موقف يوسف اليهودي هذا في الحزن على أبيه يشبه موقف جلجامش العراقي الأسطوري في حزنه المدمّر على رفيقه أنكيدو؟:

(اسمعوني أيها الشيبة (الشيوخ) وأصغوا إلي

من أجل "أنكيدو"، خلّي وصاحبي، أبكي

وأنوح نواح الثكلى

إنه الفأس التي في جنبي وقوة ساعدي

والخنجر الذي في حزامي والمجن الذي يدرأ عنّي

وفرحتي وبهجتي وكسوة عيدي

لقد ظهر شيطان رجيم وسرقه منّي

يا خلّي وأخي الأصغر

لقد طاردت حمار الوحش في التلال

اقتنصت النسور في الصحارى

أنكيدو، يا صاحبي وأخي الأصغر

الذي اقتنص حمار الوحش في النجاد والنمر في البراري

تغلبنا معا على الصعاب وارتقينا أعالي الجبال

ومسكنا الثور السماوي ونحرناه

قهرنا خمبابا الساكن في غابة الأرز

فأيّ سنة من النوم  هذه التي غلبتك وتمكنت منك؟

طواك ظلام الليل فلا تسمعني "

ولكن "أنكيدو" لم يرفع عينيه

فجسّ قلبه فلم ينبض

وعند ذاك برقع صديقه كالعروس

وأخذ يزار حوله كالاسد

وكاللبوءة التي اختُطف منها اشبالها

وصار يروح ويجيء أمام الفراش وهو ينظر إليه

وينتف شعره ويرميه على الأرض

مزّق ثيابه الجميلة ورماها كأنها اشياء نجسة - ص 126 و127) (20).

إنني أجد نفسي مضطرا إلى نقل مقاطع طويلة من الملحمة تصوّر ردة فعل جلجامش الرهيبة على موت أنكيدو، لكي يرى القاريء الكريم أي منزلق وقع فيه ناجح المعموري وهو يحاول - بكل قسر وعنف - المطابقة بين جلجامش العراقي وبين يوسف التوراتي لمجرد أن الأخير بكى على أبيه بعد أن حنّطه وطاف به في عدّة مدن !!:

(من أجل أنكيدو، خلّه وصاحبه

بكى جلجامش بكاءً مرّاً

وهام على وجهه في الصحارى (وصار يناجي نفسه):

إذا ما متّ أفلا يكون مصيري مثل أنكيدو؟

لقد حلّ الحزن والأسى بجسمي

خفتُ من الموت، وها أنا أهيم في البراري - ص 128) (21).

ومن هنا، تبدأ أعظم رحلة في التاريخ والوجود والكون على الإطلاق: رحلة البحث عن سرّ الحياة والموت، وليس العودة إلى ممارسة دور وزير التجارة والميرة كما كان يفعل يوسف التوراتي . فعن أيّ تشابه بين جلجامش العراقي العظيم ويوسف اليهودي يتحدّث ناجح المعموري؟

 

حسين سرمك حسن - بغداد المحروسة

 

 

فراس زويناتجهت النظرة التقليدية في دراسة النفقات العامة الى مفهوم الدولة الحارسة كمنطلق لتسيير المرافق المحدودة التي تتولى الدولة تنظيمها دون تدخل في العملية الاقتصادية، وترك السوق يعمل ضمن آليات واتجاهات قوى العرض والطلب وفق سياسية اقتصادية رأسمالية بحتة، في حين اعطى المحدثون في المالية العامة نظرة مغايرة تتمركز حول زيادة تدخل الدولة في النشاطات الاقتصادية وخصوصاً بعد ان كشفت الازمات العالمية ضعف آلية السوق في تشغيل الاقتصاد في ضوء هذه الازمات، حيث لم تبقى النفقات العامة مقتصرة على وظائف الدولة التقليدية وانما اصبحت من اهم ادوات السياسة الاقتصادية والاجتماعية بعد ان تغير شكل الدولة و حجمها، لتتحول الكثير من الدول وفق هذا المنطق الى دول انتاجية داعمة للاتجاهات التنموية، والتي اخذت على عاتقها توجيه مسيرة الانفاق نحو خلق تنمية مستدامة، تعمل على ارساء معالم الاقتصاد الحر وتغذية السوق المحلي بما يحتاجه لإدارة هذه المسيرة وتحت مسمى الدولة الإنتاجية (او الدولة الإنمائية). 

وفي العراق سيطرت الدولة على القطاعات الاقتصادية والانتاجية والزراعية والخدمية وباقي مفاصل الدولة ضمن التوجه الاشتراكي منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي ولغاية عام 2003 حيث تبدلت وجهة الدولة نحو هجر النهج الاشتراكي الى مفاهيم وسياسات داعمة لاقتصاد السوق في ضل التوجه الجديد للانتقال من الاقتصاد الموجه الى الاقتصاد الحر.

ان الانتقال الى الاقتصاد الحر يتطلب دعم النهج التنموي من خلال زيادة الانفاق الحكومي الاستثماري كخطوة اولى لإعادة ترميم البنى التحتية التي هشمتها الحروب المتتالية والحصار الدولي والصراعات الداخلية لسنوات عديدة وإعادة صياغة وبناء هذه البنية وعدها مرتكز لخلق وجذب الاستثمار الداخلي والخارجي وبما يحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعراق .

لكن الواقع المالي والاقتصادي وتوجهات الانفاق الحكومي منذ عام 2003 ولغاية الان يعكس اتجاهً مغاير لهذه الاهداف فعند الرجوع الى موازنات الاعوام 2016 و 2017 و ٢٠١٨ ومقارنة حجم الموازنات الاستثمارية في مقابل الموازنات الجارية يتجلى الخلل فقد كان حجم التخصيصات الاستثمارية لهذه الاعوام وعلى التوالي 25.74 / 25,٤٥/  ٢٤,٦٢ في مقابل التخصيص الجاري والذي بلغ 80،14 /75،21 /  ٧٩،٥١ وعلى التوالي مع ملاحظه ان نسبة عالية من الموازنات الاستثمارية تذهب نحو دعم وتطوير وصيانة الإنتاج النفطي وبنسب قد تصل الى 50٪‏ من القيمة الكلية لهذا التخصيص في حين ان نسبة باقي القطاعات الانتاجية والزراعية لا تكاد تذكر امام هذه التخصيصات ففي موازنة عام 2018 بلغت التخصيصات المالية لملف الطاقة قرابة ٢٢ ترليون دينار عراقي و بواقع  ١٤،٨٥  ترليون تخصيصات وزارة النفط و ٦،٢٩ تخصيصات وزارة الكهرباء و١،٢٢  تخصيص قطاع الانتاج الغازي في حين بلغ التخصيص القطاعات الصناعية 1.28 ترليون دينار وتخصيصات قطاع الزراعة ١،١٦  ترليون دينار عراقي (شملت وزارة الزراعة وزارة المواد المائية) وقد يلاحظ القارئ انخفاض التخصيصات المالية الداعمة لهذين القطاعين (الزراعي والصناعي) في موازنة عام 2018 امام قطاع النفط والكهرباء مع ملاحظة ان النسب اعلاه تكون متقاربة في معظم السنوات السابقة.  

قد يرى البعض الى ان دعم القطاع النفطي يعد اولوية قصوى لما يمثله من مورد رئيسي لرفد الخزينة العامة بما يقارب 90٪‏ من إيرادات الموازنة العامة حيث تشكل الصادرات النفطية الخام مانسبته قرابة ٩٩٪‏ من الصادرات السلعية . وسيكون الجواب على هذا ان هذا العذر بالضبط هو مايجب التخلص منه فقد اثبتت الازمة المالية و الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها انخفاض اسعار النفط عام 2014 بالإضافة الى التاريخ الريعي للدول النفطية ان تنويع مصادر التمويل الحكومي ضرورة لا تقل اهمية عن ادامة وتطوير المصدر الوحيد لهذه الايرادات وان المبالغة في تطوير قطاع الطاقة (النفط والغاز والكهرباء) على حساب اهمال باقي القطعات الانتاجية سيقود البلاد لامحالة الى ازمات اقتصادية واجتماعية وسياسية قادمة و قد تتجلى هذه المشكلة بوضوح عند اجراء حساب بسيط ومقارنة بين معدل النمو السكاني في العراق و البالغ ٣٪‏ امام نمو الانتاج النفطي ومضاعفته حتى مع افتراض ثبات الارتفاع في الأسعار العالمية للبرميل الواحد فستكون النتيجة انه خلال فترة قد لا تتمكن الواردات النفطية من تغطية الزيادات السكانية واستيعاب الايد العاملة الداخلة للسوق سنوياً، وستكون الدولة في تلك الحالة مرغمة على اللجوء الى مصادر ساندة او بديلة ولكن سيكون الوقت قد تأخر كثيراً .

ان اجراء مقارنة من نوع ثاني بين القطاع النفطي من جهة و قطاع الانتاج الصناعي و الزراعي من جهة ثانية من حيث تشغيل العمالة العراقية الداخلة في السوق بشكل متزايد والتي قد تصل الى ٢٥٠ الف يد عاملة تدخل ضمن نطاق العمل في كل عام لن يكون ابدا في صالح توجهات الموازنة الاستثمارية للبلد ولن يكون ابداً بصالح الإنتاج النفطي الذي يوصف بأنه كثيف رأس المال في الوقت الذي يعد القطاع الزراعي والصناعي من اكثر القطعات حيوية ويوصف بأنه قطاع كثيف العمالة ويمكن ان يكون له الاثر الاكبر في انتشال السوق العراقية من مشاكل البطالة والركود التي يعاني منها في حال تفعيل دورهما، فأن القطاع الزراعي وحده يمكنه ان يحتضن ما لا يقل عن 34٪‏ من الايدي العاملة و يمكن ان يخلق فرص عمل لمئات الالاف من الشباب الذين لم يجدوا في ضل الركود الاقتصادي الحالي وضعف القطاع الخاص وميوعة باقي القطاعات الإنتاجية سوى اللجوء الى التوظيف الحكومي الذي اثقل كاهل الجهاز الحكومي بترهلات وظيفية ليس بحاجة لها وهذا ما يفسر ضياع قرابة 75٪‏ من الموازنات العمومية في بنود الموازنة الجارية .

ان تركز الانفاق الحكومي على الموازنة الجارية مع ضعف الموازنة الاستثمارية طوال السنوات السابقة ولغاية الان يعكس حقيقة ان الدولة العراقية لم تكن في توجهها الاقتصادي دولة حارسة، كما انها لم تكن دولة تنموية او انتاجية بل انها تجاوزت هذه النماذج لتتوقف عند حدود أخرى ومفهوم اخر وهو دولة رصد التخصيصات، اي ان دورها اقتصر على تخصيص وتبويب الايرادات التي تتحصل عليها من خلال تصدير المورد الطبيعي الخام الى الخارج لغرض انفاقها، وان معظم هذا الانفاق يذهب على شكل رواتب ومخصصات وانفاق جاري، وليس هذا فقط بل حتى الانفاق الاستثماري يذهب معظمه نحوه ادامة وتطوير قطاع النفط والطاقة والذي يعمق بدوره الجانب الريعي دون الالتفات الى الانشطة الاقتصادية الاخرى و التي تعد الوجه الحقيقي لقوة الاقتصاد في حالة تفعيلها .

ان مشكلة دولة التخصيصات تتمركز في انها لا تؤسس لاقتصاد حقيقي قادر على احداث التنمية المستدامة من جهة و غير قادر على مواجهة تحديات السوق من جهة ثانية، وان الاستمرار في تعميق الجانب الريعي مع الاعتماد على الاستيراد في سد الفجوة الحاصلة واهمال باقي القطاعات الإنتاجية، قد تقودنا الى مواجهه حتمية مع الفوضى الاقتصادية والاجتماعية في حال حدوث اي اهتزازات جديدة في اسعار النفط العالمية، لذا فان الدولة ملزمة بإعادة صياغة فلسفة الانفاق الحكومي و بما يناسب التوجه الى ارساء قواعد انتاجية تعمل على خلق فرص عمل حقيقيه للمواطن العراقي وتغير توجه السياسة الاقتصادية من دولة رصد التخصيصات الى دولة تنموية اسوة بالكثير من دول العالم التي ادركت اهمية الاقتصاد في تحقيق الاستقرار الاجتماعي و السياسي

 

فراس زوين / باحث اقتصادي

 

عبد الاله الصائغاحتراز: انني لا أزعم صواب أفكاري في هذا المقال ويمكن للقاريء الكريم ان يقوِّم او يرمِّم او يعترض ولكنني أزعم صدقيتي فانا احاول واقدم وجهة نظري دون قناع و بعيداً عن الشخصانية وهدفي المركزي مقارعة الارهاب الذي استشرى بوسائل مغايرة ونحذر المعنيين بمقولة امن اللبس ان لايكون رد الفعل على اللبس إندفاعيا بحيث يكون رد الفعل إرهاباً آخر قد يزيد على الفعل نفسه والمعول في كل ذلك على العقل والوعي والمروءة وخبرات ذوي الخبرة . واقدر جهود متخصصين كتبوا محللين ظاهرة الارهاب وقد شابت كتابات بعضهم انهم اقتطعوا من مساحة جهودهم لصالح النجومية الاصطناعية وإشعار المتلقين ان جهودهم هي ضربة معلم وهم قدموا الذي لم تستطع الأوائل الإتيان بمثله فضلا عن قَصْر الارهاب على الإرهاب الديني او المذهبي او العنصري او الجغرافي متجاهلين انواعا كثيرة من مستجدات الارهاب كذلك الذي داهمنا من خلال كوة التواصل الاجتماعي وتزييف التقاليد الديموقراطية كصناديق الاقتراع وتكوين الاحزاب وحرية الرأي المنفلته التي تنشر الإشهارات مدفوعة الثمن دون الانتباه لمصلحة الناس كل الناس والرفق بأعصابهم وينبغي القطع ان لا ديموقراطية مع حاضنات الارهاب المباشر وغير المباشر من نحو سلطاتة العشيرة ورجل الدين والوجهاء والبيوتات ذوات الموروث التاريخي وبهاليل العلمانية من يسار اليسار ويمين اليسار ويسار اليمين والوسط، والقدرات الحاذقة على اجتراح التسويغات واضعين في روعنا ان التشدد في كل شيء إرهاب .

بين يدي العنوان

منذ ان وعيت أهمية المعنى في صياغة الحياة بله القول وحتى اليوم وانا اكتشف الجديد والمزيد في قانون اللبس ودفعه بما يناسبه، ومسوغ أهمية توجيه العناية الى قاعدة أمن اللبس كون الأهمية تعصم المعنى عن الانحراف او التماهي مع الشاذ او التضاد، واللبس يقع في كل مظاهر الحياة، يقع من خلال التعامل والتعايش والتقارب والتنائي ... الخ، واللبس يقع في اللفظ فيتغير المعنى او يتنقل، ومنذ اقدم العصور كان اللبس والالتباس مسوغات كافية لشنِّ الحروب الطاحنة بين الامم والقبائل والافراد، والخراب الذي يعقب الحروب ومازال وسيبقى إن لم تتدارك البشرية خطره، وإذا لم يكن حروبا بين الجيوش او القبائل فانه يمثل قطيعة بين طرفين تربطهما وشائج ما او تربطهما وشائج اللاوشائج، بين دولتين او مذهبين او شركتين او شريكين او شقيقين او زوجين حتى، وعلماء تحليل النص في العالم ادركوا خطر اللبس في كل شيء فحذروا منه (1)، كما ان علماء العربية أوْلوا اللبس وأمنه اهتماما كافيا لدرء مخاطره فضلا عن عدم شيوعه وندرة حدوثه في الكلام لدى فصحاء المتكلمين، فالجاحظ حدس ضرورة امن اللبس وخطورته في كتبه العتيدة مثل البيان والتبيين وفي الحيوان وابن السكيت في اصلاح المنطق وتهذيب المنطق وابن جني في الخصائص وعبد القاهر الجرجاني في دلائل الاعجاز واسرار البلاغة كل هؤلاء وسواهم حذروا من اللبس في القول والفعل، وواصل العلماء المعاصرون العناية بأمن اللبس فاولوه مقداره من الاهمية من نحو البروف كمال بشر الذي اصدر كتابا بعنوان دراسات في علم اللغة طبعة دائر ة المعارف طب ثانية 1971 والبروف تمام حسان الذي انجز كتاب اللغة بين المعيارية والوصفية، طب المغرب، 1980 والبروف زهير غازي زاهد الذي انجز كتابا مهما عنوانه العربية والأمن اللغوي، طب مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، الأردن 2000 وما زال هناك زيادات لمن تطلَّب المزيد ولكن الخلل الأكبر هو ان المشتغلين على قانون امن اللبس من العلماء او المعنيين لم يربطوا بين اللبس والالتباس وبين الارهاب الذي بات يهدد الكرة الارضية بله سكانها، ومن زعم ان الارهاب ظهر وانماز بعد سنة 2003 غب سقوط نظام صدام حسين الرئيس العراقي الاسبق أو الربيع العربي السلفي فالجواب يجيء من التاريخ العربي الاسلامي من الجاهلية الى صدر الاسلام الى حكومات الأحزاب الاموي والعباسي والفاطمي والصفوي والعثماني وهلم جرا، لم يتوقف الارهاب ابدا على نحو واحد اي قطع الرؤوس باسم القيم العربية ثم الدينية مثل سبي النساء واغتصابهن والاستيلاء على ممتلكات الناس وتوزيعها على الغزاة وقطع الأطراف وسمل العيون والسخرة والغزو وبيع النساء والصبيان في اسواق مخصصة تسمى اسواق النخاسة وقد بقيت حتى الخمسينات من القرن العشرين في بعض دول الخليج ودول افريقيا، وقراءة مركزة لرحلات ابن بطوطة كفيلة بالاطلاع على مصائب كارثية لاعهد للبشرية بها كذلك قراءة الفتوحات الاسلامية مثلا لشمال افريقيا وبلاد فنداليا الاسبانية – الاندلس – ستعطي للمنصف غير مقفول العقل والقلب ستعطي فكرة عن القسوة التي استعملها الفاتحون مع الشعوب المغزوة واقتسام الشقراوات واعتبارهن سبايا ومما تملكه اليمين وكانت اموال الفنداليين حلالا على الفاتحين ولك مثلا ان تقرا قصيدة الامام العلامة البروف الوزير عبد الرزاق محي الدين رحمه الله رئيس المجمع العراقي العلمي:

وتهتك أعراضٌ وتزهق أنفــــــــسٌ    وتصلى بمن فيها المخادع والقمـــــــــطُ

ويقتسم البيضُ المخانيث فيأهـــــا      فهذا له حجلٌ وذاك له قِـــــــــــــــــــرطُ

خسئتم ولّما تبلغوا الفتح إنكــــــــم      لصوصٌ وان أزهى صدوركم شـــــرط

فلا عمرت مما هدمتم دياركـــــــــم   ولا ازّينت يوماً نساؤكم العُبْـــــــــــــــطُ

لقد برئت منكم قريش ومكـــــــــــة    وعمرٌ وتيم اللات أو بكــــر يــــــا زِطُّ

كتبتم لتاريخ العروبة صفحـــــــــةً    تقاذر منها الحرف واستبرأ النقــــــــــطُ

التأصيل

اللُّبْسُ، بالضم: مصدر قولك لَبِسْتُ الثوبَ أَلْبَس، واللَّبْس، بالفتح: مصدر قولك لَبَسْت عليه الأَمر أَلْبِسُ خَلَطْت. واللِّباسُ: ما يُلْبَس، وكذلك المَلْبَس واللِّبْسُ، بالكسر، مثلُه. ابن سيده: لَبِسَ الثوب يَلْبَسُه لُبْساً وأَلْبَسَه إِياه، وأَلْبَس عليك ثوبَك.وثوب لَبِيس إِذا كثر لُبْسُه، وقيل: قد لُبِسَ فأَخْلَق، وكذلك مِلْحَفَة لَبِيسٌ، بغير هاء، والجمع لُبُسٌ؛ وكذلك المزادة وجمعها لَبائِس؛ قال الكميت يصف الثور والكلاب:

تَعَهّدَها بالطَّعْنِ، حتى كأَنما يَشُقُّ بِرَوْقَيْهِ المَزادَ اللَّبائِسا

يعني القماشة التي استعملت حتى أَخْلَقَتْ فهي أَطوَعُ للشَّقِّ والخَرْق

وثوب لَبِيس إِذا كثر لُبْسُه وقيل قد لُبِسَ فأَخْلَق وكذلك مِلْحَفَة لَبِيسٌ بغير هاء والجمع لُبُسٌ وكذلك المزادة وجمعها لَبائِس قال الكميت يصف الثور والكلاب تَعَهّدَها بالطَّعْنِ حتى كأَنما يَشُقُّ بِرَوْقَيْهِ المَزادَ اللَّبائِسا يعني التي قد استعملت حتى أَخْلَقَتْ فهو أَطوَعُ للشَّقِّ والخَرْق

ويفيد ذلك ان اللبس حالة من تشاكل الشيء المقصود بشيء غير مقصود، والشخص المقصود بشخص آخر، والمعنى المراد بمعنى ثان، والسبب خلل في المُرسِل او الرسالة او المُسْتَقْبِل ،

الأمن والأمان: الاطمئنان من بعد خوف، والأمن النأي عن الخطر في كل شيء، واللبس سنخ من الخطر، قارن قوله تعالى: وإذ جَعَلْنا البيتَ مثابةً للناس وأَمْناً؛ قال أَبو إسحق: أَراد ذا أَمْنٍ، فهو آمِنٌ ، وقد أَمِنْتُ فأَنا أَمِنٌ، وآمَنْتُ غيري من الأَمْن والأَمان.والأَمْنُ ضدُّ الخوف.والأَمانةُ: ضدُّ الخِيانة ، وفي التنزيل العزيز: وهذا البَلد الأَمين؛ أَي الآمِن، يعني مكة، وهو من الأَمْنِ؛ ابن السكيت: والأَمينُ المؤتمِن.واطلالة على الفعلين الثلاثيين المجردين (لبس وأمن) في المعجمات اللغوية العربية الكلاسية تعطينا فكرة كافية عن دلالات الكلمتين في العقل اللغوي العربي، ونحن نتمهل قليلا عند اللغة والقول لان العشق اوله قول والبغض اوله قول والحرب اولها قول والسلام اوله قول، و نظرة في كتب المصطلحات تكفي لمعرفة حدود امن اللبس وخطورته .ويتبقى منطوق أمن اللبس فهو يخبيء مسكوته للضرورة ، وما مركزية أمن اللبس إلا وسائل قولية او فعلية او ذهنية تكرس الوضوح والبيان، وقولنا في المصطلح انه جامع مانع نعني به ان المراد لايلتبس بآخر قريب منه لفظا او معنى شكلا او مضمونا (2)، والغاية الدقة لدى المتكلم والسامع معا بما يعصم القول عن الحلول في المحذور (3) وإذا أمن اللبس جازت الحرية في القول فابن هشام يستملح الخروج عن القواعد حين لايختلط المعنيان كإعطاء الفاعل مثلا إعراب المفعول وعكسه عند أمن اللبس مثل خرق الثوبُ المسمارَ وكسر الزجاجُ الحجرَ، وأورد:       

         إن من صاد عقعقاً لمشوم      كيف من صاد عقعقان وبوم (4)

فإذا قلنا أعجب موسى وزيدا عيسى فاللبس زائل لأن القول يعني أن موسى مفعول به بعطف زيد عليه لأن المنصوب لا يعطف إلاّ على نظيره، اما قولنا ضَرَبَ عيسَى مُوسَى فينبغي ان يكون الفاعل هو عيس لأنه تقدم وفي جملة ضَرَبَ مُوسَى عِيسَى فينبغي ان يكون الفاعل هو موسى لتقدمه والمفعول في الجملة الاولى موسى وعيسى في الثانية وذلك ضَرْب من الاحتراز لأمن اللبس، وحين يمثل الاعراب يغيب اللبس مثل قولنا كافأ زيداً موسى، موسى فاعل تقدم ام تأخر

حين يؤمن اللبس فذلك معناه جواز القول بلغة المرسل الى لغة المستقبل فمثلا العرب تعرب الاسماء الستة ابو اخو حمو ذو هنو فو على ثلاثة مستويات:

الاول/ اعراب الإتمام اي بالحروف كقولنا: جاء ابوك سلمت على ابيك ساعدت أباك .

الثاني/ اعراب النقص اي بالحركات مثل قولنا: جاء ابُك سلمت على ابِك ساعدت أبَك

قال الشاعر: بأبِهِ اقتدى عَدِيٌّ في الكرمْ ومن يُشابهْ أبَهُ فما ظلم

الثالث / إعراب القصر اي القصر مطلقا في الرفع والنصب والجر، جاء اباك نظرت الى اباك أحببت أباك قال ابو النجم:

واهَاً لِسَلْمى ثُمَّ وَاَهَا وَاهَا             يَا ليْتَ عَيناهَا لَنَا وَافَاهَا

إنَّ أبَاهَا وأبَا أَبَاهَا                     قَدْ بلغَا في المجْدِ غَايتَاهَا (5)

حين يريد المرسل افهام المستقبل نصا ما فعليه اجتراح وسيلة لإفهام المخاطب مضمون رسالته اللغوية كأن يضع كوابح تمنع اللبس (بحيث تكون العبارات جامعة مانعة) فالغاية من النص هي ايصاله الى المستقبل دون مشقة لحصول الفائدة المتوخاة ، فإذا خيف اللبس فيجتنب المتكلم القول الملتبس، قال ابن مالك: وإنْ بشكلٍ خيفَ لبس يجتنب 6

سبب شيوع اللبس في القول والمعنى

قال الشاعر:

رَقّ الزُّجاجُ وَرَقَّت الخَمرُ        فَتشابَها فَتَشاكل الأَمرُ

لغات العرب الكثيرة وتوفر تلك اللغات على عيوب نطقية لم يألفها عرب شمال الجزيرة ووسطها فضلا عن تداولات المعنى وفق تاثيرات طوبوغرافية وحرفية او عزلة بعض القبائل العربية بعضها عن بعض حتى قال ابو عمرو بن العلاء (مالغة حمير بلغتنا ولا عربيتهم بعربيتنا)، (7)، وقد احتازت بعض لغات العرب او لهجاتهم او السنتهم او عاداتهم اللغوية، احتازت اسماء لغاتهم من صفات نطقية بدت عليها،قال الفراء الكوفي ت 207هـ كانت العرب تحضر المواسم في كل عام وقريش يسمعون لغات العرب فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به فصاروا افصح العرب وخلت لغاتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الالفاظ) .، واللهجات لدى القبائل العربية الكبيرة تقوم مقام اللغات فبعضها لهجات او لغات لها ثوابتها وبعضها اعراض صوتية وقد ذكرها النحاة وبوبوها ورتبوها مثل الشنشنة تجعل الكاف شينا مطلقا كلبيش اللهم لبيش ومنها الكشكشة وهي في ربيعة ومضر يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شيناً فيقولون رأيتكش وبكش وعليكش فمنهم من يثبتها حتى الوقف فقط وهو الاشهر ومنهم من يثبتها في الوصل ايضا ومنهم من يجعلها مكان الكاف ويكسرها في الوصل ويسكنها في الوقف فيقول منش وعليش، ومن ذلك الكسكسة يجعلون بعد الكاف او مكانها في المذكر سينا على ماتقدم، ومن ذلك العنعنة تجعل الهمزة المبدوء بها عينا فيقولون في إنك عِنك وفي أذن عذن، ومن ذلك الفحفحة يجعلون الحاء عينا كقولهم في حمي الوطيس عمي الوطيس، ومن ذلك الوكم فيكسرون كاف عليكم ومن ذلك الوهم فيكسرون هاء منهم ومن ذلك العجعجة حيث يجعلون الياء المشددة جيما فيقولون في تميمي تميمج ومن ذلك الاستنطاء فتجعل العين الساكنة نونا اذا جاورت الطاء كأنطى في أعطى ومن ذلك الوتم تجعل تجعل السين تاء مثل النات في الناس والغمغمة وهي عدم تمييز حروف الكلمات وظهورها في اثناء الكلام وهي في قضاعة والطمطمانية وهي جعل ام بدل الـ كقولنا طاب امهواء في طاب الهواء وهي في حمير وثمة تلتلة بهراء وهم بطن من قضاعة يكسرون احرف المضارعة مطلقا مثل يَكْتب تكون يِكْتب ومن ذلك اللخلخانية في شحر وعمان كقولهم مشا الله في ماشاء الله ومن ذلك قطع طي وهي في حذف آخر الكلمة يقولون في يا ابا الحكم يا ابا الحكا و الابدال اي ابدال الميم باء وابدال الباء ميما في لغة مازن فيقولون بإسمك في ما اسمك ومكر في بكر، وقلب الثاء فاء والسين صادا والصاد سينا (8) و لهجات العرب التي يسميها النحاة لغات هناك الكثير منها ربما العصي على الاحصاء بسبب انقراضه قبل وصول التدوين اليه ولكن ما بين ايدينا كاف،، ومعلوم اثر المجاورة في اختلال اللغة فالعرب المجاورون لفارس شيبت لغتهم بكلمات واصوات غير معهودة وحتى الجمع ربما بعض من ذاك تقول في الجمع الفارسي اسب حصان اسبان اي خيول وتقول في الجمع العربي ضيف ضِيفان وذلك مما زهّد المشافهين بلغة عرب جوار فارس او الروم(9 ) ومنها عزلة بعض القبائل العربية بسبب انكفائها على نفسها ؛ لذا تولَّدَتْ وتكوَّنتْ هناك لهجات عديدة، وصار من الصعوبة بمكان في بعض الأحيان نسبة تلك اللهجات إلى قبائلها , لأنَّهم كانوا لا يهتمُّونَ بها بالقدر الذي يحافظ عليها، وفي الوقت نفسه لم يهملوها ذلك الإهمال الذي يمحوها أو يمنع تداولها , فبعضها معروفة بقبائلها، وبعضها مجهولة مختلطة ومتداخلة .، ومن هنا تأتي عظمة القرآن الكريم إذ جمع العرب والأعراب على لغة واحدة رحمة بهم وحرصا عليهم وسعيا الى وحدتهم لكنه خفف على الجميع فأباح بعض القراءات على عدد من اللغات رحمة بالقراء الذين تشق عليهم القراءات العسيرة، وقد تنبه المفكر النحوي الدلالي أحمد بن فارس الى إنَّ الاختلافات في لغات العرب او لهجاتهم تتمظهر في تمظهرات مختلفة كالخلاف في حركات الاعراب والاشباع والاقطاع والتسهيل والتفخيم والاشمام والحذف والتقدير والامالة والتعدي واللزوم والتيسير والتفخيم وإنَّ الاختلاف في اصوات الحروف ومخارجها ساعد في ظهور الترادف اسماء وافعالا: اللبس والكسوة , والحب والعشق، جاءوا واقبلوا ..وثمة الاضداد كقولنا المولى للسيد والمسود والجون للابيض والاسود، وقارن هذا المثال: اختلف اثنان تسمية الصقر أهي بالصاد ام بالسين ؟ فاحتكما لعارف فقال لهما بل قولا الزقر،والمشكلة قديمة لكن العقل العربي وجد حلولا مؤقتة، فكان الشيوخ والخطباء والشعراء يعتمدون على لغة قريش وهي لغة العاصمة مكة ويدعونها لغة التداول فلا هي لغة هذيل ولا هي لغة شنوءة ولا حمير ولا كندة بل هي لغة قريش العربية الميسرة المفهومة للجميع، امرؤ القيس شاعر من كندة اي أن لغته حميرية ولكنه كان يكتب شعره بلهجته ثم يترجمه لعربية قريش كي يفهمه من يريد ان يفهم، وطرفة عراقي كتب معلقته بلغة قريش وكذلك أعشى قيس ميمون بن قيس البكري، فانظر الى ذكاء المبدعين الجاهليين وذكاء جماهير الاسواق والمواسم وحرص اللغويين العرب فالغاية التوصيل بلغة صالحة وليست الغاية الارهاب اللغوي والتسقيط او التباهي .(10) وقد حرصت الاسواق الجاهلية في مواسمها على التقريب بين اللهجات بل ان بعض ذوي اللهجات كانوا يتكلمون بلغة السوق مثلا سوق عكاظ كانت لغته المتبعة هي لغة قريش حتى ان الشعراء من قبائل حمير والعراق واليمامة صنعت شعرها وخطبها على لغة قريش الا ما ندر، وكذلك الدعاة والمبشرون، وكمثال نرى في زماننا هذا تواضع العرب مثلا على ثلاث لغات الاولى فصحى وهي لغة رسمية وادبية ولغة عامية وهي لغة مناطقية اي لغة المنطقة او القبيلة ولغة ثالثة هي لغة العاصمة او المركز ففيها قواعد تمنع اللبس فابن الناصرية وابن تكريت وابن الكاظمية يتحدثون باللغة الثالثة وهي لغة بغداد، وابن الصعيد والاسكندرية يتكلمان لغة القاهرة لتجنب اللبس بين ابناء الشعب الواحد،

ثانيا / دخول غير العرب في الاسلام والتوسع في اللغة للتيسير على المسلمين من غير العرب ومن العرب المنعزلين في الأقاصي مما أدى إلى دخول اللحن في اللغة فخاف الغيارى على العربية وتنادوا لحماية اللغة من التباس الفصيح باللحن ، وروي أن أبا الأسود الدؤلي مر برجل يقرأ القرآن هكذا (إن الله بريء من المشركين ورسوله)، كان الرجل يقرأ (رسوله) مجرورة كما لو انها معطوفة على (المشركين) أي أنه غيَّر المعنى؛لأن (رسوله) منصوبة فهي معطوفة على لفظ الجلالة فذهب أبو الأسود إلى الخليفة علي بن أبي طالب عليه السلام ووصف له ما تناهى اليه، فجلس الامام علي اياما يتفكر فيما ينبغي عليه فعله لصيانة اللسان العربي من العجمة التي يلتبس فيها اللفظ والمعنى، فتوصل الى قواعد واصولا واثبتها في ورقة وكتب عليها: بسم الله الرحمن الرحيم.الكلام اسم وفعل وحرف. الاسم ما أنبأ عن المسمى. والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى. والحرف ما أنبأ عن ما هو ليس اسما ولا فعلا. ثم قال لأبي الأسود: انح هذا النحو.(11

ثالثا / تكريس الروح المناطقية والعشائرية فكأن الإصرار على لهجة المنطقة ضرباً من الوجاهة وجنساً من الانتماء، فإذا نظرت الى حال الشعوب العربية اليوم ادركت المأزق الذي وقع فيه المعنى العربي او الدلالة في النص العربي، فالرغيف له اسماء مختلفة في كل قطر عربي والدينار والدرهم كذلك، حتى السنما فهي اسماء واسماء ، بل ان الكلمات النظيفة في العراق تبدو كسيفةً في بعض بلاد شمال افريقيا مثلا، فالقرط او الحلق في اذن الفتاة نحن العراقيين نسميه ترجية والجيم تلفظ هكذا CH، والترجية هنالك معناها عجيزة الفتاة او كفلها، وفعل الأمر: ولِ عندنا يختص بطرد الكلاب او بالناس الذين هم بمستوى الكلاب، اما في بعض دول شمال افريقيا ففعل (ولِّ) معناه تفضل اذهب، واستعملت ولِ معي فالتبس الأمر عليَّ ، ثم افهموني انني استاذ جامعة فكرمني الحارس وقال لي وَلِّ اي اذهب وواصل سيرك،، بل ثمة دلالات للكلمات بين العراق ومصر والمغرب وتونس واليمن نسأل الله السلامة، فمتى تتحرك المجامع اللغوية وتوحد المصطلحات بين شعوب الاقطار العربية ؟ نحن نحتاج الى معجمات حتى في اللهجات المحلية، بل متى تتوحد برامج وزارات الثقافة العربية ووزارات الاعلام في الدول العربية لوضع برنامج تربوي للانسان العربي يبدأ من الروضة ؟ ومتى يوضع برنامج اعلامي تلتزم به الفضائيات التي تكرس الفرقة في كل شيء واولها اللغة، ولا نريد ان نتلبث عند الانترنت والفيسبوك وتويتر، فالتمويل جار مثل النفط ليكرس اختلاف اللسان العربي .نحن ونكررها دائماً لاندعو الى الارهاب اللغوي لاننا نرفضه ولكننا ندعو الى الأمن اللغوي وعدم التلاعب بالالفاظ والدلالات وعدم اجتراح مصطلحات غير مفهومة لأن صياغة المصطلحات الجديدة من اختصاص المجامع العلمية .

رابعا / طبيعة التفكير البشري تميل الى الالتباس فترى مثلا المنجمين يلبسون الحقيقة بالسحر، والبلاغيين يلبسون الحقيقة بالمجاز والصوفيين يلبسون كلماتهم متقصدين او غير متقصدين وبخاصة آناء الشطح، والغموض في الشعر الحديث، والغموض في خاتمة القصة او الرواية، والغموض في حياة العظماء الذي يضعهم موضع الاساطير، وسيان في ذلك التفكير البشري الشرقاوسطي المتخلف والتفكير البشري الغربي المتطور، فالعقل البشري ميال للتلغيز والتشفير،

خامسا / طبيعة اللغة العربية حيث الواقع والمجاز والكناية والتورية والاستعارة بما يلتبس على المتلقي فلابد من قرينة مانعة من ارادة المعنى الاول ويقول ابو عبيدة معمر بن المثنى لايعرف القرآن من لايعرف المجاز (مجاز القرآن) وقال ابن جني اعلم ان اكثر اللغة واقع في المجاز فإذا فتشته فلا حقيقة له (الخصائص) . ولعل اول ثمرة مرة للبس في المجاز هي ظهور الفئة التي تظن التشبيهات في القرآن حقيقة واطلق عليها المشبهة (الشهرستاني . الملل والنحل)، امثلة في اللبس المجازي البياني فمثلا الابهام وهو الكلام الموهم لان له اكثر من وجه وابهام الامر ان يشتبه فلا يعرف وجهه وقد ابهمه واستبهم عليهم الامر فلا يدرون كيف يأتون له واستبهم عليهم الأمر استغلق .ويقول استاذنا البروف احمد مطلوب التكريتي نور الله ثراه في معجم المصطلحات البلاغية وتطورها طب ناشرون لبنان 1996: والابهام عند البلاغيين ايراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين،

ملاحظة / ولقاعدة امن اللبس خوارط حياتية إبتكرها العقل الانساني حين تداخلت المصطلحات وتشابهت الاطروحات وتبلبلت الألسن لدى الشعب الواحد والامة الواحدة، وباتت الكلمات تغادر معانيها، فالأنجليز المعاصرون مثلا لايعرفون انجليزية جوسر أوشكسبير فتترجم لهم الى الانجليزية الحديثة خشية حصول اللبس، ولقد دُرِّست قاعدة امن اللبس في ارقى جامعات العالم المتطور وفرضت في اختصاصات كثيرة كعلوم الاجتماع واللغة والجغرافيا والتاريخ والسياسة والقانون والاقتصاد ... والتحقيق الأمني والبحث البوليسي بحيث تناولت أمن اللبس جل مناحي الحياة، وقد عرف العرب الجاهليون هذه القاعدة وعملوا بها دون ان يجترحوا لها مصطلحاً كدأبهم مع كثير من الاسماء التي لم يجعلوا لها مصطلحا، ومن اجل ان لا تلتبس الأمور في حيوات الحاكم والمحكوم ظهر المتفرس والقائف والعين والرائد والقلمّس والرائي والحازي والكاهن والمتنبيء ؟؟ .. وكان الوعي الاجتماعي ينفِّذ قاعدة امن اللبس ضمن دائرة المسموح والمحظور والقبول والرضا وذلك ما يدخل بصورة غير مباشرة في دائرة (نعم) و (لا) لدى الجاهليين وحرام وحلال عند المسلمين،: للمُثَقِّب العَبدي جاهلي

حَــــســَنٌ قَـــوْلُ نَعَــــــمْ مِـــــــنْ بَعْــــدِ لا   وقـــــــَبِـــيحٌ قـــــــــــــولُ لا بــــــعد نعم

وكانوا حين يلتبس الشيء بالشيء يستقسمون بالازلام فثمة كيس فيه عيدان مكتوب عليها أفعل او لا أفعل،ويوم الفتح دخل النبي ص الكعبة فوجد جدرانها مزدانة بالصور بينها صورة سيدنا ابراهيم وسيدنا اسماعيل يستقسمان بالأزلام فأمر علي بن ابي طالب ع بطلس الصورة وقال يعلم الله انهما لم يستقسما بالازلام قط ،وقد نهى الاسلام عن الاستقسام بالازلام، الاسلام قسم الازمنة والامكنة وفق مقولة حرام وحلال، فثمة اشهر محرمة، فانما الاشهر الحرم هي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم وثمة امكنة محرمة مثل الكعبة والاسواق وبيوت الجيران، (12) وانما وضع المحظور والمسموح في اللغة لكي يزول اللبس خلال القول و إنما وضع - الإعراب مثلا في الأسماء ليزيل اللبس الحاصل فيها باعتبار المعاني المختلف عليها، ولما كان الفعل المضارع قد تعتوره معان مختلفة كالاسم دخل فيه الإعراب ليزيل اللبس عند اعتواره، ومنه رفع الفاعل ونصب المفعول فإن ذلك لخوف اللبس منهما لو استويا في الرفع أو في النصب) 12 (ولدفع اللبس في صياغة القول فهناك اجماع على رفع الفاعل إذا ذُكِرَ الفاعل،كما الاجماع على نصب المفعول به وجر المسبوق بحرف جر وكذا المعطوف عليه فإذا ذكر الفاعل إلا أنه قد جاء الفاعل منصوبا والمفعول مرفوعاً إذا أمن اللبس يقول ابن مالك:

ورفع مفعول به لا يلتبس ونصب فاعل أجز ولا تقس .

والاعراب ليس حكرا على الحركات ولا حتى الرتبة لذلك ختلف فقهاء النحو على اعراب آدم عليه السلام في القرآن الكريم البقرة 36، اغلبهم كان يعربه فاعلا وأقلهم أعربه مفعولا به وفق مسوغات دلالية (فتلقى آدم من ربه كلمات) فابن كثير وهو واحد من القراء السبعة كان ينصب آدم ويرفع كلمات فمتى كان آدم فاعلا وربه الذي القى اليه الكلمات (13) ومثال آخر يجيء بهيئة سؤال وهو لماذا يضم حرف المضارعة في الرباعي دون غيره ؟ الجواب حصل ذلك خيفة التباس الرباعي بزيادة الهمزة بالثلاثي نحو: ضرب يضرب، وأكرم يكرم، لأن الهمزة في الرباعي تزول مع حرف المضارعة، فلو فتح حرف المضارعة لم يعلم أمضارع الثلاثي هو أم مضارع الرباعي، ثم حمل بقية أبنية الرباعي على ما فيه الهمزة . قل كلامك ولا تخش اذا امنت اللبس في الالقاء وفي الاصغاء فحين ننسب الى عبد شمس عبشمي والى اذربيجان اذربي نجد في النسب إلى عبد مناف منافي لأنهم لو قالوا عبدي لالتبس بالنسبة إلى عبد القيس لذلك قالوا في النسبة إليه عبدي، ومنه عدم لحاق التاء في صفات المؤنث الخاصة بالإناث كحائض وطالق ومرضع وكاعب وناهد وهي كثيرة جدا لأنها لاختصاصها بالمؤنث أمن اللبس فيها بالمذكر فلم تحتج إلى فارق، 14

الخلاصة الاولى

رأينا أن الامثلة فوق الحصر لأن امن اللبس ليس قواعد وقوانين حسب بل هو منهج في التفكير وطريقة في التواصل دون اعتساف اللغة او المصغي لذلك بات أمن اللبس حلبة تبارى فيها فرسان الفكر وتحليل النص ، فلو احسنا الظن بالمسألة الزنبورية التي جعلت العربية تخسر الامام سيبويه الذي مات كمدا فإن الصراع بين الكسائي الكوفي وسيبويه البصري قائم على اللبس بين هو وهي واياها، بل ان لعبة المسألة الزنبورية قامت على تقصد اللبس،والعرب تقول لولا الحذف والتقدير لعرفت العربية حتى الحمير، نحن مطالبون باحترام اسس القواعد في الفهم والافهام وبتجنب الغلو في التعبير وتفهم نظرية النظم بوصفها العاصم الأمين و الرصين عن غواية اللبس 15 ولعل ابا الفتح عثمان بن جني هو اول من ارسى اصولا وقواعد في امن اللبس من خلال معالجته لنشوء اللغة ونظريات النشوء واشتغاله على نظرية التواضع او الاصطلاح 16 وجهود كثير من المفكرين عصمت العقل العربي من اوحال اللبس، فهذه النظرية الفذة التي تعصم النص عن اللبس فوضعت المؤلفات والرسائل في ذلك، 17 وقد حذر ابن هشام من اسناخ اللبس الذي يقلب المعنى خلال حديثه عن لغات العرب ولهجاتهم التي تلتبس معانيها ومفرداتها 18 وذلك ما شد العلماء اللاحقين الى العلماء السابقين ، ففي الخطاب العربي الحديث حاجة الى امن اللبس (فلولا الحاجة الى كشف دلالات الخطاب لما احتاج الناس الى توثيق المعاني وتثبيت الألفاظ) 19 وكان ابو هلال العسكري رحمه الله يقول ان تعبير الرجل قطعة من عقله وأدبه فالقول هو القائل ، وما التعمية إلا عماء والمعاضلة سوى غباء وذكر لنا مثلا في العماء والغباء هو ابن جحدر الذي قال:

حلفت بما ارقلت حوله     شمردلة خلقها شيظم

وما شبرقت من تنوفية     بها من وحى الجن زيزيم

ومن وصايا النقاد للكتاب أن يتجنبوا ما يكسب الكلام تعمية فيرتبوا ألفاظهم ترتيبا صحيحا 20 ولا يكرهوا الألفاظ على اغتصاب الأماكن. وقد يحتاج المرسل والمستقبل الى الكفاية اللغوية في ميادين النص من مثل معرفة المحكوم به والمحكوم عليه أو المشبه والمشبه به أو المبتدإ والخبر، ففي الجملة السابقة استوى طرفا الجملة في التعريف، ومع ذلك يجوز فيها أن يتقدم الخبر كقولنا ابو فرزدق سيبويه اي ان ابا فرزدق يشبه سيبويه، سيبويه وهو المشبه به ويتأخر المبتدأ أبو فرزدق فيحق لنا تقديم ابو فرزدق او تأخيره لوجود القرينة المعنوية وهي التشبيه الحقيقي تقضي بأن يكون " أبو فرزدق " مبتدأ تقدم أو تأخر لأنه مشبه، وأن يكون " سيبويه " خبرا سواء تقدم أو تأخر لأنه مشبه به،. الحرب اولها كلام اما ان يكون ملتبسا غفلة من الطرفين او احدهما، وكانت المنافرات في الجاهلية حروبا سلاحها الكلمات المنثورة والمشعورة ايضا لكنها الى النثر اميل الكلمات القاتلة المغطسة بسموم الهجاء والفخر والعتو والبذاء وقذف المحصنات واشهر منافرات الجاهلية هي المنافرة التي حدثت بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة وقد نهى عنها الاسلام، وحين حكم البيت الأموي استحدث حروب

 المنا قضات وهي حروب سلاحها الشعر والنثر معا لكنها الى الشعر أميل، اتبعت عتو الجاهلية وتفوقت عليه، فأثيرت الإحن والترات بين الحميرية والعدنانية وسكان المدر وسكان الوبر، وسكان المدن وسكان الثغور، وكانت كناسة المربد في البصرة موضعا لتجميع اوساخ البصرة وقاذوراتها قبل تمصيرها ايام كان اسمها (الأُبُلَّة) واتخذت سوحا ومسارح واسواقا لتستوعب كبار الشعراء المتعاركين مثل الديكة الفرزدق وجرير وسواهما الكثير، فهتكت الاعراض ومحقت القيم وضللت الجماهير وغسلت ادمغتها، ونقل ابو عبيدة شيئا من تلك الحروب المهاترات في كتابه النقائض،ونقل الجاحظ حروبا قولية بين العرب والعجم وحروبا بين اصحاب الحرف ومفاخرات كمثل الحروب القولية بين الجواري والغلمان والعرب والأعراب والكرماء والبخلاء بل وحروبا قولية بين ذوي العاهات من الصلعان والقرعان والعوران والعرجان والخصيان،

الخلاصة الثانية

لم تعد نظرية امن اللبس وقفا على القول والسمع واللغة، بل تعدت حدود اللغة الى حدود البحث عن الجريمة فيحرص المحقق ان لايقع في تضليل المجرم كأن يترك في مكان الجريمة حاجات امرأة بريئة او رجل خالي البال، وقد افلح المجرم الالماني كورتز الذي صار اسمه السفاح افلح في تضليل البوليس والمحققين عشرين عاما وكان من جملة من ضللهم زوجته، واعترف المحققون بأن المجرم اوقعهم في اللبس، 21 التباس ملامح العنصر البريء بملامح العنصر المسيء، وكثيرا ما يلتبس الأمر على القضاة فيحكمون البريء ويبرؤون المسيء، بسبب قدرات بعض المتهمين على تضليل المحققين والمنقبين، وثمة روايات موريس لبلان أرسين لوبين تجعل اكتشاف الجريمة والمجرم مسألة رياضية ملذة للقاريء، وروايات اجاثا كريستي وبخاصة جزيرة الموت وافلام الفريد هتشكوك المعتمدة على تلبيس الأمور

الخلاصة الثالثة

لعل السياسيين هم اكثر الناس التماسا للبس والتعمية، فتجد في تصريحات بعضهم تورية او غمزا ولمزا، بل هم يعدون غير معنيين بالواقع الجماهيري والتوقع المثالي، وحتى يحبكوا تخديرهم لطموحات الفقراء واصحاب الحاجات فهم يعتدون الاعلام الرسالة العصية على التحقيق، وهذا يفسر كثرة الفضائيات والصحافة الضوئية والورقية، فقد اثبت الاعلام البصري قدرته على التضليل واللبس وغسيل العقول .

الخلاصة الرابعة

التباس الاسلام السياسي والاسلام الديني، فكثير من رجال الدين يكرسون وقتهم وجهدهم لنشر ثقافة القناعة كنز لايفنى، وثقافة قهر النفس ومحاربة الحاجات الجسدية على انها تلبيس شيطاني، وابليس يجعل الرؤية ملتبسة فيحذرون من تلبيس ابليس، ولكنهم يسقطون في اول امتحان بل في اول سؤال، فتسأل نفسك اين الخلل ؟ اهو في رجل الدين ام في تربيتنا ام في ماذا ؟ في مصر في تونس في ليبيا في اليمن في سوريا اختطف الاسلام السياسي ثورات الشباب ودخلوا اللعبة البرلمانية ووصلوا الى السلطة ليبدأ الهدر في كل شيء، وهذه معضلة تلتبس فيها الدنيا والدين والانحراف يلتبس بالقدوة الحسنة؟.

الخلاصة الرابعة

التباس العلم بالجهل والمحظور بالمسموح فدخل درس اللبس والأمن منه الجامعات العلمية والانسانية والعسكرية

الخلاصة الخامسة

يقع اللبس في فنون البلاغة وبخاصة فن البيان، واذا كان البلاغيون قد اعتدوا التشبيه خارج المجاز فلأن اللبس غير حاصل بين المشبه والمشبه به، وحصروا المجاز في الكناية والاستعارة بسبب التباس الواقع بالمجاز والمشبه بالمشبه به، وكشيء من امن اللبس اشترطوا وجود قرينة مانعة من ارادة المعنى الظاهر

وجيز الخلاصات الخمس

اللبس حاضنة إرهابية واخطر ما فيها ان هذه الحاضنة حرباوية لا تتميز بيسر كي نحذرها، اللبس يتوفر على جل او كل مفردات الدين والحياة(الانسان والحيوان والنبات والجماد) كالغذاء والكساء والدواء والسكن والمعتقد والمحسوسات والمجردات خلال استيعاب الاقوال والافعال والصفات ... وقد ظهر بيننا كتاب مهمون اشتغلوا على اللبس وامن اللبس بيد انهم قصروا جهودهم على الدين الحق والدين الآخر واهدروا جهدهم واجتهادهم على مقولات احترقت درسا وتحليلا مثل النقل والعقل والواقع والميتافيزيقيا وذلك حسن لولا انهم لم يشرحوا بنية الارهاب والارهابيين والقواسم المشتركة بينهما والموروث والسيرة شيء منه واذا اقترب البعض منهم فهو يحارب الارهاب ولايحارب ثقافة الارهاب ... وللحديث صلة

 

ا. د. عبد الاله الصائغ

................................

جريدة البحث

1 - كرمود. فرانك. الاحساس بالنهاية تر د. عناد غزوان وجعفر الخليلي طب دار الحرية بغداد 1979

كاودن . روي . الأديب وصناعته تر جبرا ابراهيم جبرا طب منيمنة بيروت 1962

اولمن . ستيف . دور الكلمة في اللغة تر د. محمد بشر طب العثمانية بالمنيرة 1972

برجسون . هنري لويس . الفكر والواقع المتحرك تر سامي الدروبي . طب الارشاد دمشق . 1941

2- الفيروزابادي القاموس المحيط وانظر الزبيدي وتاج العروس وفي المصطلحات انظر التهانوي محمد تعلى. كشاف اصطلاحات الفنون وانظر وهبة . مجدي . المهندس .كامل . معجم المصطلحات العربية في اللغة والادب

الصائغ . عبد الاله. الخطاب الابداعي الجاهلي والصورة الفنية ص150 طب المركز الثقافي العربي بيروت 1997

3- الجاحظ ابو عثمان عمرو بن بحر ت255 هـ البيان والتبيين 1/ 87 تح حسن السندوبي طب المكتبة التجارية

4- ابن عقيل. عبد الله بن عبد الرحمن ت 769 هـ شرح ابن عقيل على الفية ابن مالك 2/ 43 تح محمد محي الدين عبد الحميد طب دار التراث القاهرة 1980 

وانظر: ابن هشام .عبد الله بن هشام الانصاري ت 761 هـ مغني اللبيب عن كتب الاعاريب تح محمد عبد الحميد عبد الله طب المكتبة العصرية بيروت

5- المصدر نفسه

6- المصدر نفسه

7- الجمحي . ابن سلام ت 231 هـ طبقات الشعراء ص 32

8- السيوطي . عبد الرحمن جلال الدين ت 911 هـ المزهر في علوم اللغة وانواعها 1/221

9- ابن السراج . ابو بكر محمد بن سهيل ت 316هـ الأصول في النحو تح د. عبد الحسين الفتلي 1/ 20 طبعة مؤسسة الرسالة بيروت 1988

10- الصائغ . عبد الاله . الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام ص 321طبعة كويت تايمس 1982

الصائغ . عبد الاله . الأدب الجاهلي وبلاغة الخطاب ص 500 طبعة صنعاء 1991

11- ابن النديم . ابو الفرج محمد بن اسحق ت 385 هـ الفهرست طب دار المعرفة بيروت 1978

ابن خلدون . ابو زيد عبد الرحمن بن محمد ت 808هـ مقدمة ص240 مط مصطفى محمد القاهرة وابن خلدون لم يتوقف على هذه المعلومة بل توقف عند مسوغ صناعة النحو فقال بصدد العرب بعد الاسلام والاختلاط بغير العرب: وخالطوا العجم، تغيرت تلك الملكة بما ألقي إليها السمع من المخالفات التي للمتعربين، والسمع أبو الملكات اللسانية، ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع، وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل "أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع"، ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إعرابا وتسمية الموجب لذلك التغير عاملا، وأمثال ذلك، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، اصطلحوا على تسميتها بعلم النحو.

الطنطاوي / محمد . نشأة النحو وتاريخ اشهر النحاة طب دار المعارف 1995

12- الازرقي .ابو الوليد محمد بن عبد الله ت 250 هـ . اخبار مكة وما جاء بها من آثار تح رشد الصالح طب دار الاندلس بيروت 1969

المرزوقي .ابو علي احمد بن محمد ت 421 هـ . الأزمنة والأمكنة طب حيدر اباد الدكن الهند 1332 هـ

الصائغ . عبد الاله الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام طب دار الشؤون الثقافية بغداد .

السيوطي .الاشباه والنظائر 1/ 337 مصدر سابق

13- اعراب القرآن لابي جعفر النحاس ت 338 هـ 1/215 تح زهير غازي زاهد طب عالم الكتب القاهرة 1985

14- السيوطي 1/341

15- البيان والتبيين 1/ 138 مصدر سابق

وانظر الضامن . حاتم صالح . نظرية النظم تاريخ و تطورسلسلة الموسوعة الصغيرة - منشورات وزارة الثقافة و الاعلام 1981 -

16- ابن جني ابو الفتح عثمان 392 هـ الخصائص 1/ 40 تح محمد النجار طب دار الهدى بيروت

17- الجرجاني . عبد القاهر ت 471هـ اسرار البلاغة تح رشيد رضا طب محمد علي صبيح مصر 1959 .

دلائل الاعجاز .تح محمد عبدة ومحمود الشنقيطي طب دار المعرفة بيروت 1978

18- ابن هشام . المغني 729 مصدر سابق

19- الجاحظ . الحيوان 5/ 201 تح عبد السلام محمد هارون طب لجنة التاليف والترجمة مصر 1983

20- العسكري . ابو هلال . الحسن بن عبد الله ت 395 هـ الصناعتين ص 159 طب دار آفاق بيروت 1973

21- ولسن .كولن . اصول الدافع الجنسي ترجمة سهيل ادريس طب دار الآداب بيروت 1968

ختام الجريدة

من حق القاريء الكريم ان يتساءل عن السبب الذي سوغ لي عدم الاشارة الى اسماء كتبي التي تتصل بأمن اللبس بطريقة واخرى وجوابي عندها يكون ان كتبي وهي مطبوعة سحبت من كل المكتبات ومقرات دور النشر واتلفت وقد نال عدد من الناشرين الأفاضل غضب المتشددين فلم تعد كتبي موفورة للقاريء الكريم واذكرها كما وردت ص 15 من كتابي المطبوع رقم 31 عنوانه الطيور المهاجرة ورماد العودة تحرير وتقديم ماجد الغرباوي طبعة ميزوبوتوميا عدد صفحاته 816 صفحة وهو كتاب كرمتني به مؤسسة المثقف في استراليا بادارة المفكر الاسلامي التنويري الاستاذ الغرباوي فاقتضت الاشارة اما كتبي المهدورة فهي:

ظاهرتا التأويل والترميم في تحليل النص

علوم القرآن

الجرح والتعديل في تقويم الحديث النبوي الشريف

ظاهرة قتل المبدعين في الحضارة العباسية

نظرية امتلاك الحقيقة وانقراض الامم

قراءة مغايرة للعصرين الاموي والعباسي

ظاهرة التصحر في الدراسات العليا

تعليل الانحراف في العقل العراقي . إ . هـــ

 

ميثم الجنابيروسيا وإشكالية المرجعية الثقافية والتحولات العقائدية

لا تشذ روسيا في وجودها التاريخي عن منطق العلاقة الواقعية بين كيفية إدراكها لقيمة المرجعيات الثقافية وأثرها في مصير الانقلابات الكبرى التي تمثل عقد الوجود التاريخي ومعالم الوعي الذاتي للأمم. وفي هذه الانقلابات تنعكس الإشكالية الحية للمرجعية الثقافية والتحولات العقائدية. وقد عانت روسيا في تاريخها الألفي (من القرن العاشر حتى القرن العشرين الميلادي) خمسة انقلابات تاريخية وعقائدية كبرى. الأول في القرن العاشر (باعتناق الدولة للنصرانية)، والثاني في القرن الخامس عشر (بالقضاء على الارطة الذهبية للسيطرة التترية، ومن ثم التمهيد للإمبراطورية الأوروآسيوية الشرقية)، والثالث في القرن الثامن عشر (بتثبيت وترسيخ الإمبراطورية الأوروآسيوية الغربية)، والرابع في بداية القرن العشرين (دولة مركزية أوروآسيوية شرقية – غربية) والخامس في نهاية القرن العشرين (فيدرالية مفككة – غربية).

فمن الناحية الزمنية يمكن ملاحظة تسارع الانقلابات مع مجرى التطور التاريخي (من تحول في مجرى خمسة قرون إلى ثان في مجرى قرنين إلى اثنين في مجرى قرن) وفي الحصيلة نقف أمام ظاهرة "رجوع" التاريخ إلى بدايته. بمعنى أن روسيا تبدو كما لو أنها قطعت في مجرى ألف عام دورة تامة في الرجوع إلى حدودها الطبيعية، باحثة عن "هويتها" من جديد في "نصرانية" جديدة وكأنها تخلّت عن تاريخها ككل. وهو استنتاج له أسسه في الكيفية التي جرى بها التأسيس للانقلابات العقائدية، باعتبارها أسلوب ومظهر الوجود الطبيعي للأمم ودولها.

فقد كان اعتناق النصرانية المرافق لصيرورة الدولة عامل دفع وتوحيد لوجدان الأمة الروسية و"عقلها السياسي". وبرزت هذه النتيجة في مجرى تطور الدولة الروسية، رغم كل تعرجاتها وانكساراتها. فقد اسهم اعتناق النصرانية في صنع توازن ساعد في بناء الإمبراطورية الروسية وبالاخص بعد احتلال قازان والقضاء على السيطرة التترية. آنذاك كان يبدو الطريق "مستقيما" في مسار الأوروآسيوية الشرقية. وهو قدر لازم الصيرورة التاريخية للدولة والأمة الروسية (تقاليد الإمبراطوريات الشرقية، والنصرانية الشرقية، ووجودها الأوروآسيوي). في حين اتخذ الانقلاب الثالث(البطرسي) شكل وأسلوب التحول الراديكالي العميق في الروح والجسد الروسيين (الاجتماعي والدولتي) بحيث أبعدهما عن مجراهما الطبيعي من خلال نقلهما إلى تاريخ غير تاريخهما.  بمعنى قطعه تاريخ روسيا وومحاصرتها ضمن مرجعيات ومعايير التجارب الأوربية وتواريخها في إدراك النفس. وترتب على ذلك إن أصبح الانقلاب التاريخي للبطرسية انقلابا "غير تاريخي"، قصم العمود الفقري الطبيعي لروسيا واستعاض عنه بعمود فقرى اصطناعي (حديدي) جعل الجسد الروسي أكثر قوة مما مضى، ولكن اقلّ مرونة.

وهكذا خلخلت البطرسية التوازن الطبيعي القائم في التاريخ الروسي. أما الاستعاضة الإرادية عن كيانها الطبيعي بآخر اصطناعي، رغم كل حسناته المادية والروحية، فقد أدى إلى تهشيم الذات الروسية. وذلك لأن هذا الانقلاب لم يستند إلى مقدماته وتناقضاته الداخلية. فهو لم يكن نفيا ذاتيا – تلقائيا، بل قصما إراديا ساهم في وضع آلية المغامرة المتبجحة في كسر الأوزان الطبيعية باعتبارها آلية الديناميكية الرزينة للتطور المعقول. فالانقلاب البطرسي الهائل لم يكن رجوعا إلى المصادر الروسية، بل توجها صوب الغرب الأوربي. مما جعله عاجزا عن إبداع وعي ذاتي متجانس. أما النتيجة المترتبة على ذلك في ميدان الفكر والسياسة فهي سيادة المتضادات الحادة بين الإدراك العقلي والنوازع النفسية وليس بين العقل والنقل. وهي الحالة التي صورها تكاتشوف (1844 – 1885) في أحد بحوثه قائلا، انه إذا كان من المعتاد وصف الشتيمة البذيئة بعبارة "يتشاتمون كالحوذية" فمن الأجدر الاستعاضة عنها الآن بعبارة "يتشاتمون كالفلاسفة الروس!". فالازدراء المتبادل والافراط باستخدام الكلمات البذيئة صفة تلازم "النفس الروسية" حتى في الحياة العادية، ولكن يندر العثور عليها ما قبل البطرسية. انها تعكس دون شك صعود روح الغلو والمغامرة والاستعلاء والجفاء تجاه التقاليد أيا كانت. وليس مصادفة أن تصبح التربة فيما بعد مهيأة لقبول مختلف تيارات الإرادة، مثل الإرادة والأرض، الإرادة  والخبز، الإرادة والحرية، الإرادة والله. والمعنى الباطني لكلمة الارادة بالروسية تعني الحرية أيضا. وبالتالي، شقت فكرة الإرادة طريقها سواء في الاستعارة السريعة من الفكر الألماني (فيخته وشيلنغ وشوبنهاور ونيتشه) أو هيمنتها في موضوعات الفلسفة الروسية. فقد كتب جميع الفلاسفة الروس عن الإرادة، بينما لا نعثر عندهم من كتب بحثا عن الاعتدال أو الوسط.

ان غياب الوسط والاعتدال في الوعي الفلسفي يعني غياب إشكاليته في الهواجس (أو المبادئ) والغايات، والذي يميز إلى حد ما مجمل تاريخ الفلسفة الروسية التي لم ترتكز في صراعاتها إلى "سنّة" أو تقليد تاريخي. إذ لا أسلاف لها. وليس اعتباطا أن تنشأ في آن واحد متضادات السلافية والغربية في الفكر الروسي الفلسفي والسياسي والاجتماعي. وأن يواجه كل منهما الآخر بمعايير متضادة في ظاهرها مشتركة في بواطنها. وأن لا يقبل أحدهما الآخر كما لو انهما من عوالم متنافرة لا يجمعهما جامع، متضادة ومتعادية لا معنى للرحمة بينها. وهي تضادات حددها من حيث الجوهر افتقادهما لتاريخ مشترك. فقد كان تاريخ نشوئهما هو بداية انهماكهما في "تاريخ مفتعل"، أي انهما لم ينشأ في ظل تلقائية الانتماء الذاتي لتاريخ الأسلاف ومعضلات وجودهم الواقعي، بل من تاريخ صراع المدارس الأوربية الفكرية والسياسية.

 وقد حدد ذلك التضاد والتصارع بين الاتجاهين الكبيرين السلافي (الوطني – القومي) والغربي (الأوربي).  وساهمهذا التضاد "الطبيعي" في نهاية المطاف بالتمهيد لصعود الراديكالية الفكرية والاجتماعية والسياسية والنفسية في صيرورة وكينونة الاتجاهين نفسهما، وفي مواقفهما ككل. فالاتجاه السلافي القومي (الروسي) هو اتجاه التفلسف الديني الروحي الأخلاقي، بينما الاتجاه الغربي الأوربي هو اتجاه التفلسف المادي الاقتصادي السياسي. من هنا تسود في الاتجاه الأول موضوعات اللامعقول والباطن والمصير والمجهول والدين والروح والأخلاق والتصوف. في حين أهمل الاتجاه الثاني هذه الموضوعات وواجهها بموضوعات العقل والظاهر والضرورة والحتمية والإلحاد والمادية. مما أدى إلى أن يكون الاتجاه الأول أقرب إلى "روح" روسيا منه إلى جسدها، بينما الثاني أقرب إلى جسدها منه إلى روحها. وقد مزقت هذه الثنوية نسيج الوحدة الممكنة في روح  الاعتدال. مما حدد مواقف الاتجاهين من طبيعة الانقلاب البطرسي وآفاقه وبدائله الممكنة. فإذا كان الاتجاه الغربي وجد في الضرورة المادية معيار الحرية الممكن لروسيا، فان الاتجاه السلافي الوطني والقومي وجد في الحرية الروحية معيار الضرورة لوجود روسيا وآفاقها.

وساهم هذا التضاد في إهمال وإبعاد آلية الاعتدال العقلانية الأخلاقية، لأن الاتجاهين فرّقا بين المرجعيات الضرورية للعقل (المبادئ) والأخلاق (الغايات) في المواقف تجاه القضايا الحيوية وقضايا الانتماء للتاريخ الروسي. وهو ضعف ناتج عن انهماكهما في "التلقائية الدخيلة" المترتبة على الانقلاب البطرسي في الوجود والوعي الروسيين. إذ اقام كل من الاتجاهين كيانه على أساس المعاداة والمعارضة والهجوم، وليس على أساس البناء الداخلي الإيجابي المتراكم في معاناة وعي الذات التاريخي وإشكالياته الواقعية.

لقد حدد ذلك آلية كسر الموازين (والتوازن) في الكيان الروسي (الدولتي والاجتماعي والسياسي والفكري). فالدولة البطرسية نفسها لم تكن شرقية ولا غربية، ولا سلافية ولا جرمانية. ولم تعرف توازن القوى والضبط المتبادل (لا فصل بين السلطات ولا برلمان ولا مجالس محلية)، ولا الاعتدال القومي. إذ لا فيدرالية ولا حكومات ذاتية ولا حقوق سياسية أو ثقافية. ولا توازن ديني أو ثقافي فيها، بفعل الصفة الرسمية للارثودوكسية ودونية القوميات الأخرى وأديانها(الإسلامية والبوذية واليهودية والفرق المنشقة عن النصرانية الارثوذكسية الروسية). في حين سيطر قلق الثقافة على أعصاب السلطة ومؤسساتها القمعية. إذ لم يسلم المفكرون والشعراء والأدباء الروس الكبار من مضايقة الرقابة أو انتهاكها الدائم لحقوهم وشخصياتهم وابداعهم. ولم ينج من السجن أو النفي أو الطرد أو القتل الا القليل منهم. أما في الميدان الاجتماعي السياسي فلم يكن هناك توازن قادر على تأسيس آليات مجتمع مدني. إذ لا وفاق ولا توفيق بين السلطة والشعب، أو بين القيصرية وروسيا. فقد كان الروسي (والفلاحون بالأخص) مادة وأداة الدولة في انتصاراتها وهزائمها، وبطولاتها وجرائمها، وفي الوقت نفسه موضوع احتقارها. وضمن هذا السياق تروى نادرة عن مينشيكوف (أحد المقربين المحببين لبطرس الأول) كيف انه طلب من طرس الأول تلبية رغبته بأن يجعله ألمانياً! أما في الميدان السياسي فقد كان القرن التاسع عشر (قرن قطف الثمار التاريخية للإصلاحات البطرسية) هو عصر الراديكاليات السياسية الثورية والطوباوية والرجعية. مما أدى إلى ابداع ما يسمى بالقرون "الذهبية والفضية" في الثقافة الروسية، إلا أنها قرون كان نطاحها يعمي البصيرة ويثير هيجان الجماهير ازاء كل "جديد" في عالم الدين والدنيا، والمادة والروح، والأخلاق والسياسة، أي كل ما كان يساهم في تعميق الخلل الشامل للتوازن. وينطبق هذا بالقدر نفسه على الفكر. بل حتى محاولة توليف المادية والروحية، السياسة والأخلاق، الديني والدنيوي، لم تؤد في نهاية المطاف إلا إلى راديكالية، كما هو الحال في الفوضوية. وقد يكون كرابوتكن (1848 – 1921) إحدى الصور اللامعة والمغرية لهذه الظاهرة. فقد حاول توليف فكر أنصار السلافية ونتاجات عصر التنوير الفرنسي وإنجازات الفلسفات العلمية (كالايجابية والدارونية) في بوتقة الشيوعية الفوضوية (لباكونين وبرودون). وأنجز في نهاية المطاف الصيغة الملطّفة لتقاليد الفوضوية في اقترابها من الرؤية العقلانية والإنسانية للاشتراكية الديمقراطية، ولكنها ظلت في النهاية راديكالية طوباوية أعظم ما فيها استحثاثها الروح الأخلاقي للبحث عن نظام أفضل وأحسن وأجمل.

إن اختلال التوازن في الكيان الدولتي والاجتماعي والسياسي والروحي للقيصرية هو السبب القائم وراء العصيانات والثورات التي شقت لنفسها ثغرات في جدار القيصرية فكسرته للمرة الأولى في شباط 1917 وهدمته في أكتوبر من العام نفسه. فقد انتهت الحرب الإمبريالية الأولى بانحلال الإمبراطورية (الإمبريالية) الروسية. وكشفت الثورة في كامل كيانها عما في تراكم الخلل المهشم للاعتدال والتوازن في بنية الدولة والمجتمع والسياسة والفكر عن اثر هائل في استثارة الراديكالية، وما ترتب عليها من نتائج. غير أن الدولة السوفيتية لم تستطع بدورها تذليل هذا الخلل. فقد كانت الراديكالية السوفيتية في بداية أمرها الرد الشامل على شمولية الاستبداد القيصري وإصراره المتطرف في الحفاظ على مكوناته البالية. وليس اعتباطا أن تتفق وتشترك كل الحركات الثورية في كرهها العميق للقيصرية والكنيسة والجيش (الشرطة والأمن والقوزاق على الأخص). وهي الكراهية التي تجّسد "ثأرها" العميق في الموقف السوفيتي من "العالم القديم" الذي جرى هدمه بكل المعاول المعقولة واللامعقولة وفقا لغياب تقاليد الاعتدال والوسط. وليس تحول الأغلبية الساحقة للشعب الروسي من التدين إلى الإلحاد، ومن بناء الكنائس إلى تهديمها سوى إحدى الإشارات الرمزية لفقدان تلك التقاليد. أما "الجمود" السوفيتي فقد كان نتاجا لخميرة البيروقراطية المتعفنة في معاجن "المصالح العليا للدولة". لهذا برزت من هذه البروقراطية كل فقاعات الديمقراطية والتحررية (الليبرالية) حالما اصبح ذلك ممكنا. وتحولت بين ليلة وضحاها الثوريون إلى معادين للثورة، ومن شيوعيين إلى رأسماليين، ومن ملحدين إلى متدينين، ومن أممين إلى قوميين، ومن أنصار السلام إلى دعاة حرب. وهو تحول لا يكمن في ذواتهم فقط، بل وفيما كان مختبئا في تقاليد غياب الاعتدال العقلاني الأخلاقي في المرحلة السوفيتية نفسها أيضا.

فقد كانت الثورة البلشفية بمعنى ما بديلا شاملا في مرجعياته العقائدية لما هو قائم. ولم تكن شموليتها في الحوافز والغايات نابعة من عقائدية الماركسية ونظراتها الكونية والتاريخية للوجود الاجتماعي وحتمية البديل الشيوعي فقط، بل ومن فقدان التلقائية الطبيعية لتطور الدولة الروسية ضمن مرجعياتها الثقافية. مما أغوى الثورة الجديدة بإحلال تصوراتها ومواقفها بالطريقة البطرسية وجعلها مقبولة "للروح الروسي". وليس اعتباطا أن يكون شعارها الفعال في النشيد الاممي الذي يتغنى بهدم اسس العالم القديم وبناء صرح العالم الجديد عليه، هو "من كان لا شيئ يصبح كل شيئ ‍". وهو شعار مغري في بساطته، وساحر في استثارته، وإنساني في هواجسه، ومباشر في أعماقه بفعل هدمه النفسي لروح الأسلاف وازدراء ما في تجاربهم من قيمة ومعنى. وهو ما يجعل من اي انجاز قامت به الثورة عرضة للانهيار السريع والتلاشي.

لقد سارت التجربة السوفيتية في نفس المسار العام للراديكالية البطرسية (مركزة الدولة والإدارة الفردية الحازمة والجفاء تجاه الماضي وسيادة القوة). واتخذت نفس معاييرها اللاتاريخية. اذ استعاضت الدولة السوفيتية عن الغرب البطرسي بغرب ممركس، سرعان ما ذاب في بيروقراطية خشنة، بفعل الابتعاد المتزايد عن المادة الخام للثورة (العمال والفلاحين) والتدمير المقنن للنخب الفكرية والسياسية. لقد جرى تطويع الروح الجماعي (المشاعي) الروسي (الشرقي) بالشكل الذي غرّبه عن قيمه ومعناه الحقيقيين في بديل التحرر من الاستغلال (القومي والطبقي). وكان ذلك من حيث تاريخيته فعلا جبارا وعظيما، ولكنه هشا في الوقت نفسه، بفعل إنجازه المتسرع بأملاح الأيديولوجية وخطط بيروقراطيتها القاسية. فالاستعاضة القسرية عن الكل (التاريخي الثقافي القومي لأمم وأقوام الدولة السوفيتية) بالجزء (الماركسي الفلسفي الألماني الاجتهادي)، أدى في آن واحد إلى اغتراب الثورة وتغرّبها عن الكل الثقافي الروسي. وبهذا المعنى جرى تخريبها وإفسادها بالمعنى المرجعي.

حيث جرى تحويل الحزب إلى وعاء للبيروقراطية التي لا يربطها بالفكر والمبادئ شيئ الا ما يتعلق بجسدها ومصالحه المباشرة. وهي ظاهرة تبرز بصيغ واشكال متنوعة يحدد اختلافها وتنوعها مستوى التطور الاجتماعي الاقتصادي والعلمي. ويكفي المرء القاء نظرة سريعة على بعض بلدان العالم العربي ليكتشف تكرار الظاهرة في اتعس أشكالها. إذ جرى تحويل الأحزاب الثورية إلى أوعية لسلطة العوائل والعشائر مع الاحتفاظ المتزمت بالمظاهر اللفظية "للمبادئ". وهو شئ يشبه ازدياد اهتمام العجائز بالألوان والأصباغ مع كل ابتعاد عن الشباب.

لقد جرى تحويل الماركسية إلى فلسفة مدرسية وتعاليم قسرية ولاهوتية محنطة وأيديولوجية تبريرية بيد السلطة والحزب البيروقراطيين. وجرى تحويل الدفاع عن "صفائها" إلى مرجعية صنمية، أي إلى خواء تام وشامل لها في الوجود والوعي. فالدفاع عن النقاء هو مؤشر على فقدان المناعة الثقافية أو غياب مرجعيتها التلقائية في تاريخ الروح والسياسة. إذ لم يجر "روسنتها"، بمعنى تذويبها في مسامات الوعي التاريخي والثقافي الروسي كذرات سارية فيه. فالدولة السوفيتية لم تفعل في هذا المجال إلا على اجترار تجربة الاغتراب البطرسية، والابتعاد المتجدد عن تاريخ الأسلاف، وبالتالي لم تكن قادرة على إبداع رؤية ثقافية وبديل اجتماعي سياسي مناسب ومتجانس مع التعددية القومية والثقافية والدينية في الدولة السوفيتية. فالشعار الجميل والعميق في الوقت نفسه عن قومية الشكل واشتراكية المحتوى في الثقافة السوفيتية ظل شعارا، رغم إنجازاته الجزئية والكبيرة أحيانا. ولهذا تهشّم المحتوى الاشتراكي وانحلّ كيان الحزب الكبير (والمترهل) وأيديولوجيته الرسمية بين ليلة وضحاها. لقد كشف "الإصلاح الغورباتشوفي" عن ضعف الجميع وعن خواء واهتراء ممثليه، الذين يتحولون بعد كل هزيمة من اليسار إلى اليمين، ومن الإلحاد إلى التدين، ومن التعزز إلى التذلل، ومن الشيوعية إلى معاداتها، ومن الاشتراكية إلى الرأسمالية. وتساوى في ذلك رجل الدولة ورجل الكنيسة، الفنان والعاهرة، رجال الأدب ومرتزقة العصابات. وتحول ألد أعداء الامس (الغرب بشكل عام وأمريكا وإسرائيل بشكل خاص) إلى اعزّ أصدقاء اليوم، وأصدقاء الامس (المعسكر الاشتراكي و"العالم الثالث") إلى أعداء اليوم، ومنبوذي البارحة (من أعداء الدولة السوفيتية ومناهضيها والمختلفين معها من شخصيات ذات وزن فعلي وأخرى ذات وزن مفتعل (أمثال ساخروف وسولجنيتسن) إلى أنبياء. وتحول العلم إلى رذيلة والسحر والشعوذة إلى فضيلة، وتنافس في ذلك العلماء والرعاع على السواء. وأصبح الكذب والخداع والتشويه (في الاقتصاد والبنوك والإنتاج والتجارة) هوية التجديد، وأصبح التحرر هو التحرر من كل التزام، وجرى صب كل ذلك في كلمة الإصلاح والديمقراطية. وكشف هذا الانقلاب الشامل عن انطباع منفر وكأنه يكشف عن زيف الأمم وزيغانها. وهو انطباع صادق نسبيا. غير أن صدقه لا يكمن فيه، بل في منطوق عبرته التاريخية.

 إن السبب الجوهري القائم وراء فشل التجربة السوفيتية لم يكن بسبب الفكرة الاشتركية بحد ذاتها، بل الى احد نماذجها الهامشية. وليس مصادفة ان تصل الى سدة الحكم "الديمقراطي" طفيلية السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، أو من أطلق عليهم في بداية "مرحلة الاصلاح" بالشيوعيين الاصلاحيين. فقد كان هؤلاء اعداء "الحرس القديم". وكان كل من الطرفين ينطوي على غلو وهامشية. إن السبب الجوهري وراء سقوط التجربة السوفيتية يقوم في ابتعادها عن المرجعيات الثقافية لأممها. لهذا السبب ظلت أيديولوجيتها العامة (الحكومية الرسمية) مرجعية مصطنعة، كما لو أنها استعادة جديدة للبطرسية من حيث ولعها بقوة العضلات ودعوة لخضوع الروح بشكل تام لمصلحة السلطة (من هنا سيادة الاشتراكي العام وضعف القومي الخاص، وكذلك استفحال المركزية المفرطة للدولة والسلطة والحزب والفرد القائد، وغياب التعددية الاجتماعية والفكرية والسياسية، وسيادة البيروقراطية.

ان كل ما جرى للتجربة الروسية (الشيوعية) يبرهن على الحقيقة القالة، بأن للبدائل العظيمة والانقلابات الكبرى معناها وقيمتها وأثرها في المصير حالما تستند إلى مرجعياتها الخاصة. من هنا يمكن فهم الاسباب القائمة وراء خواء البطرسية في مجرى قرنين من الزمن، وخواء السوفيتية خلال قرن، وخواء الليبرالية (الغربية) في غضون بضعة اعوام!

***   ***    ***

ا. د. ميثم الجنابي

 

سرمد السرمديحينما نتحدث عن الالهام نسترجع في ذاكرتنا ما عهدناه مرتبطا من مهن ابداعية بهذه الظاهرة، فظاهرة الالهام التي تكون عادة مرتبطة بالفن وابداع الفنان قد نجدها مرتبطة بالكتابة شعرا ونثرا والرسم والموسيقى اكثر من ارتباطها بمهنة الممثل او بفن التمثيل، ومع انه فن ايضا لكن الالهام ليس واردا في صميم تقنية الممثل، ليس على الممثل إن يكون مبدعا فرديا كما المبدعين اعلاه، لان فنه مرتبط بواقع المهنة اكثر منه بالالهام خارج هذا الواقع، بالتالي ليس نجاح الممثل رهن حضور الالهام بقدر تمكنه من ادواته التعبيرية وقابليته عل استثمارها في ايصال نص المؤلف ونص المخرج معا من خلال جسده وصوته وملامح وجهه في اداءه الشخصية الممثلة.

في كتاب إعداد الممثل لستانسلافسكي في الفصل السادس عشر الذي عنوانه عند مشارف العقل الباطن يقول في الصفحة 385 (أصبح لديكم الآن المقدرة على خلق الظروف المواتية لظهور الإلهام)، كما إن ستانسلافسكي في الفصل السابق أي الخامس عشر الذي عنوانه الهدف الاعلى  قال في الصفحة 370 (لا تقصدني انا للحصول على الإلهام، إن طريقتي في التمثيل لن تصنع لك الالهام ابدا)، طبعا لا يوجد تناقض اطلاقا !، بل ربما ما قاله عين الصواب لكن التعبير خانه وخانه المترجم من بعد فوق ذلك، وترتب على هذه الخيانات اللفظية إن وصل الحد بهذا الكتاب الذي عنوانه اعداد الممثل إن يكون عنوانا خائنا لموضوعه الذي يدل عليه فيزيد التائه ضياعا سواء اكان ممثلا يريد تعلم التمثيل كما يعد عنوان الكتاب او حتى باحثا في فن التمثيل، الا إن المتعة التي يتلقاها الباحث تفوق اضعاف الصدمات التي يتلقاها الممثل، الذي يخرج من قراءة هذا الكتاب راضيا عن نفسه وستانسلافسكي الملهم.

من حيث انه امتلك قصصا كثيرة لا تؤدي الا إلى راحة نفسية، فالشعور بالذنب جراء عدم وصول الممثل القارىء إلى النجاح سيكفر عنه يوميا مع نفسه والاخرين بوصف السبب لعدم نجاحه هو عدم تمكنه من الوصول إلى ما يقصده ستانسلافسكي، وانه مستمر في المحاولة، مع إن ما يقصده ستانسلافسكي ليس واضحا لستانسلافسكي نفسه، والا كيف يكتب هذا التناقض بنفس الكتاب ولا يتعب نفسه حتى بمحاولة التصحيح، إن لم يكن فعلا يعزل كل ما يكتبه عن بعضه البعض، بطريقة توحي بتطور فكرته عن التمثيل صفحة بعد صفحة، ن حيث انها اراء متناقضة تبعا لتنوع المواقف التي يمر بها يوميا، وبما إن اليوميات هذه لم تحدد بتسلسل زمني يربط فيما بينها، فبالتالي يمكن إن يكون قد غير رأيه ما بين الفصل الخامس عشر والسادس عشر بفارق صفحات، الا إن تاريخ الكتابة الفعلي من واقع عمق التناقض يوضح إن الفارق قد لا يكون اياما وشهورا بل على اقل تقدير سنوات، فليس ممكن لهذه اليوميات إن تصل إلى نتيجة اذن، بل فقط هذا التناقض الواضح، لأنها لا تتحد كافكار بل تتصارع مقدمة للقارىء قصة تتغير احداثها ويظهر ويختفي شخوصها دون سابق انذار، كما هي اراء ستانسلافسكي متغيرة بين سطر واخر.

إن المشكلة الاكثر قربا على عكس حلها عند قراءة اراء ستانسلافسكي عن الالهام، هي إن ما يعد به الممثل عالما منفردا بل منعزلا بشكل تام عن متطلبات مهنته وفنه، وحينما يقول بضرورة الالهام تارة يقصد ذلك العزل الشاعري الذي يتصف به الشاعر على سبيل المثال عند كتابة قصيدة، الا إن الشاعر مدرك لقلمه حين ينفذ الحبر، او حتى لحاجته للدخول للحمام، رغم انه تحت اثر هبوط الالهام، كما إن الممثل لا يمكن له إن يكون بعزلة تقريبية مقارنة بالشاعر المنفرد مع ورقة وقلم، بل إن الممثل سيسبب مشاكل لنفسه والاخرين لو اغفل ثانية من وقت الاداء، من اين هذا التراخي الذي يأتي به ستانسلافسكي يا ترى؟، على ما يبدوا إن طبيعة المونولوج أي الحوار الفردي الطويل نسبيا للنصوص المسرحية التي كان ستانسلافسكي يمثلها قد اوحت اليه بفكرة إن انعزال الممثل على الخشبة واداءه شبه الشعري، الشبيه بالقاء الشاعر للقصيدة، قد يتطلب هبوط الالهام لكي يبدع في فنه، مع إن هذا الممثل ليس ممكنا له إن ينزاح بعيدا عن بقعة الضوء المخصصة له، والا اختفى من على الخشبة بالنسبة للجمهور، بل وليس مقدرا له إن يحدد طول مدة القاءه للحوار من حيث ارتباط كل اداءه حركة وصوت بكافة عناصر السينوغرافيا بل ومن معه من ممثلين على الخشبة، كيف لستانسلافسكي إن يطلب من الممثل إن يكون منعزلا عن النص والممثل الاخر والمخرج والسنوغرافيا؟، لحظة، ربما لم يقصد الالهام اثناء الاداء، ربما كان يقصد اثناء التحضير للدور!، مالفرق؟!، فلو وضح ستانسلافسكي نفسه الفرق بين العرض والتمرين لكان لهذا الكتاب جدوى فنية، اما وهذا الحال فهو قطعة ادبية، من سيرة حياة ممثل.

يريدك ستانسلافسكي إن تتعذب وتحترق لتحس بالدور، ولا ادري كيف احس بدور مهرج وهو يطالب الممثل بهذه المعاناة، إن ما يطلبه فيما يخص الالهام يمكن إن يتلخص في ما يقوله هو، في كتاب إعداد الممثل لستانسلافسكي في الفصل التاسع الذي عنوانه الذاكرة الانفعالية وفي الصفحة 219 يقول (في يوم جاء شاب إلى صمويلوف يسأل عما اذا كان يمكنه إن يصبح ممثلا، وكان جواب صمويلوف للشاب اخرج ثم عد وقل ماقلته الآن مرة اخرى، وخرج الشاب ثم عاد وكرر ماقاله في المرة الاولى، لكنه لم يستطع إن يحس بنفس المشاعر التي كانت تخالجه من قبل.)، بالطبع يتضح دون عناء التوضيح إن كل ما يهم ستانسلافسكي إن يكون الممثل شاعرا بدوره متقمصا للشخصية، بالتالي لا ضير إن كان يتناقض في اراءه حول اهمية الالهام !، لكن المصيبة إن الالهام ليس هو الذاكرة الانفعالية التي افتقد اليها هذا الشاب في مثال ستانسلافسكي، لأن ذاكرته للحدث الذي يعيد تمثيله لم تمت بعد، فماذا ينقصه يا ترى ؟، ربما الالهام هو الذي ينقصه ليجيد اداءه !.

لكن الالهام لن يضيف شيئا للحدث الذي مر به الشاب للتو، فماذا يفعل بالالهام هنا لكي يشعر بما يقول، إن ما يبني عليه ستانسلافسكي افكاره هو التقمص من قبل الممثل للدور، طيب، هل هذا الشاب الذي قال كلماته هو وليست كلمات نص مؤلف مسرحي وتحرك بارادته هو وليس التزاما بخطة مخرج مسرحي بل وتحكم هو ايضا بالسينوغرافيا من ملابس وديكور وزاوية اضاءة اختارها ليظهر ويقول جملته، هل هذا الشاب الذي يجسد قمة الالهام الذي يدعوا اليه ستانسلافسكي ولا يدعوا اليه بنفس الوقت، ويجسد قمة استثمار الذاكرة الانفعالية باعادته جملته هو وبنفسه وبفارق لحظات، هل وبعد كل هذه الشروط الستانسلافسكية التي انطبقت عليه لازال لديه خطأ جسيم يمنعه من النجاح في التمثيل، الا وهو عدم شعوره بالدور كما شعر به في المرة الاولى !، أي انه لا يصلح ممثلا الا لو كان يشعر بالدور وكأنه لا يمثل، حتى لو طلب منه التمثيل عليه إن لا يشعر انه يمثل بل عليه إن يكون مصدقا لنفسه بانه حضر لاول مرة حتى يقول جملته ؟، ومع إن هذه استفسارات طويلة طول تناقض اراء ستانسلافسكي، الا إن الخلاصة هي، إن ستانسلافسكي يريد من الممثل والمثال عل ذلك قصته عن هذا الشاب، يريد باختصار شديد إن تحكم على أداءك بنفسك، فحتى لو صفق لك الجمهور وكنت في داخلك لا تصدق انك عطيل، فأنت برأي ستانسلافسكي لست ناجحا ولو إن الجمهور اعتبرك ممثلا ناجحا، مع إن هذا هو الهدف الذي يسعى اليه الممثل إن يصدق الجمهور انه عطيل وهملت الخ، الا إن ستانسلافسكي استبدل النجاح بالصدق، وهو إن تصدق أنت لا الجمهور، والا لست ناجحا، ولا حتى ممثلا، أخيرا، كيف علم إن الشاب لا يصدق ما يقول!.

 

د. سرمد السرمدي

 

محمد العباسيمنذ العهود الأولى من التجارب المدرسية ونحن نأخذ معنا إلى المدرسة كل صباح أثقال من الكتب والدفاتر والكراسات.. ثم نعود بعد نهار ممل من الحصص الدراسية الجامدة إلى بيوتنا مثقلين بما نتعارف عليه بمصطلح الواجبات المدرسية/ المنزلية (Homework).. وهكذا دأبنا نعمل بكلل وملل.. يوماً بعد يوم وسنة تلو سنة.. ونحن كل يوم نعيش ردحاً من الترقب وربما الخوف من العواقب الناجمة عن التقصير أو الإخفاق في إنجاز المهام الموكلة إلينا والواجبات المفروضة علينا.. فبعض العواقب فيما مضى كانت تتمثل في أشكالٍ متفاوتة من العقاب البدني أو الإذلال النفسي أمام الأقران.. ونتذكر جيداً أولئك المدرسين الغلاظ القلوب ممن إنعدموا الرحمة فكانوا يتفننون في معاقبة الطلبة المقصرين بالضرب بالعصي و"المساطر" وببعض الأساليب العنيفة "المبدعة" من العقاب البدني.. الأشبه بالتعذيب في المعاقل والسجون!

السؤال الذي يطرح نفسه هنا وفي ظل كل ما طرأ من جديد في عالم التعليم ومع التطور الهائل في أساليب التعليم الحديثة، هل الواجبات المنزلية الكثيفة جزءٌ من العملية التعليمية؟ أهي ضرورية مثلاً وهل نتائجها حقاً فيها تلك المصلحة التعليمية؟ أم هي مجرد أمر موروث من الأجيال السابقة ومن أساليب التعليم البائدة؟ بل ربما تكون هذه الواجبات نوع من الإعتراف الضمني من المدرسين بفشلهم في إتمام مهامهم في المدرسة وفشلهم في إيصال المعلومات بشكل صحيح ومتكامل.. أو ربما يعتقدون بأن الساعات الدراسية ليست كافية وأن حجم المناهج المفروضة يحتاج لمزيد من العمل الإضافي على حساب حقوق الأطفال الصغار بالذات بالتمتع بطفولتهم والراحة بعد ساعات من الضخ المتواصل للمعلومات التي تستعصي على أذهانهم اليافعة!

وقد تداول البعض مؤخراً موضوع التجربة "الفنلندية" من زاوية أنهم إستغنوا عن الواجبات المنزلية بشكل كامل.. وأن التجربة أدت إلى نقلة نوعية في تحصيل الطلبة الصغار وتفوقهم الملحوظ على أقرانهم في الدول المتقدمة.. وجل الفكرة هي أن المدارس في "فنلندا" وضعت نصب أعينها مصلحة الطفل وحقه في ممارسة طفولته في المقام الأول.. وفي هذا الشأن كتب "د. سعيد بن سليمان الظفري" (صحيفة الحدث الإلكترونية) شارحاً أن من أبرز عناصر قوة نظام التعليم الفنلندي هو إتباع منهج التعلم المتمركز حول الطالب، وهو مبدأ تربوي نفسي مهم جدا؛ بحيث يصبح الطالب هو العنصر الأساسي الذي يحرك العملية التعليمية التعلمية.. وهذا المبدأ ليس محصورا بطريقة التدريس التي يتبعها المعلم في داخل الفصل الدراسي فقط، بل يتجاوزه إلى كل ما يحيط بهذا الطفل، من مثل أن يكون حراً في ممارسة مختلف ألعابه ونشاطاته الحركية التي تناسب مرحلته العمرية.. ومنها أن يتم التخطيط لمكان لعبه ويستشار في ذلك من قبل المهندسين لمراعاة حاجاته وحركاته، وتصوراته، وطموحاته، وهذا بحد ذاته يزرع الثقة في نفوس الصغار مبكراً في مراحل دراستهم.. بالإضافة إلى جعل الطالب جزء مهما من عملية التدريس التي يمارسها المعلم، وهي ما نتعارف عليه بالتعلم باللعب أو التعلم بالفعل.

ويضيف الدكتور "الظفري" إلى ذلك أن ما جاء من عناصر نجاح النظام الفنلندي هو النظرة الشاملة لشخصية الطالب، وقد ظهر ذلك في إجابة معلم الرياضيات عندما قال: "نريد أن نعلمهم ليكونوا سعداء".. وكذلك قول معلمة الفصل: "يجب أن تكون المدرسة هي المكان الذي تجد فيه سعادتك ومكاناً لإستكشاف الأشياء التي تسعدك".. في حين علق معلم الرياضيات أنه معلم للرياضيات ولكن هدفه الأول هو سعادة الطالب.. ومثل هذه الإجابة تنم عن مبادئ أخرى تربوية ونفسية ترعى بالشخصية المتكاملة للمتعلم، بحيث يجب مراعاة مختلف الجوانب النفسية، والجسمية، والعقلية، والإجتماعية، والعاطفية، وغيرها من جوانب شخصية المتعلم، وعدم حصر إهتمام المعلم بجانب معين دون آخر.. ونعلم من خلال البحوث الحديثة كيف أن الذكاء العاطفي مثلاً، كأحد مظاهر النمو أو سمات الشخصية، يلعب دوراً كبيراً جدا في نمو شخصية الطالب، ونجاحه، وتفوقه، وقدرته على إكتساب المعارف والمهارات المختلفة. كما أن هذه الملاحظة التي أبداها معلم الرياضيات تدل على مبدأ مهم من مبادئ التربية وهو الربط بين خبرات الطالب والمادة التعليمية.. فالمعلوم أن الرياضيات تعد من أصعب المواد على الطلاب في مختلف الثقافات، فإذا ما إعتنى المعلم بهذه المادة بحيث تصبح جزء من حياة هذا الطالب، وصِلتها واضحة بحياته اليومية والربط بين موضوعاتها وحياة الطالب يكون ربطاً هادفاً يحمل معنى، ويعطي قيمة لهذه المادة؛ عندئذ يدرك الطالب أهمية هذه المادة.. ونظريات علم النفس، كنظرية القيمة، والتوقعات وغيرها من نظريات الدافعية تؤكد على هذا المبدأ، لذلك عندما يعتني معلم الرياضيات بالسعادة فإنه يعتني بكيف تكون هذه المادة سبباً في تحقيق سعادة هذا الطالب، وأن يكون الطالب سعيدا عندما ينشغل بحل المشكلات الرياضية، وكل ذلك حري أن يدفع بالطالب إلى الإندماج مع المادة والإستمتاع بها، والتفوق فيها.

بل لست أبالغ هنا إن قلت بأن أغلب هذه الواجبات المنزلية في أنظمتنا التعليمية إنما هي بمثابة عذاب وفيه الكثير من الضغط على أولياء الأمور، بالذات على الأمهات.. فهن اللاتي يقع عليهن العمل على إنهاء تلك الوظائف لأبنائهن في البيت لعدة ساعات كل يوم.. وكم سمعنا منهن الصراخ والعويل والتهديد.. وربما القسوة على الأطفال الصغار تحت طائل الرغبة في إنجاز ما يمكن من واجبات ثقيلة.. وفي أغلب الأحيان قد لا تكون الأم ذاتها مؤهلة لهذا الدور ولا هي ملمة بحيثيات المادة العلمية ولا متطلباتها.. وتكون جهودها في غير مكانها وربما غير مجدية، هذا إذا لم نقل بأنها ضارة وعكسية على االتحصيل المرجو من هذه العملية! وربما سيوافقني البعض بأن في أحيان كثيرة هن الأمهات من تقمن بحل الواجبات كاملة كسباً للوقت وتوفيراً للجهد الضائع!!

وهكذا نجد أن الكثيرين من الطلبة يعتمدون على الغير منذ الصغر.. وحين يكبرون ويدخلون الجامعات ويغيب عندها دور الأم وكفاحها، فنجدهم يلجئون لشراء الواجبات والبحوث الجاهزة لأنهم في الأساس غير مهيئين للقيام بواجباتهم من تلقاء أنفسهم.. وما أكثر المكتبات والمطبعات ودور الترجمة في أوطاننا التي تبيع البحوث الجاهزة.. وإعلاناتهم كثيرة دون أي حياء وفي غياب تام للرقابة على مثل هذه الممارسات الخاطئة.. ولا من حسيب ولا رقيب.. وهكذا ينشأ بيننا خريجون جامعيون تكون بحوثهم العلمية كلها عبر هذه الممارسات.. بحوثهم "مسروقة" و"منسوخة" و"مشتراة" من "سوق تجارة البحوث الجاهزة".. وحينها تكون درجاتهم الدراسية غير واقعية ولا تعكس جهودهم الذاتية ويكون تحصيلهم التعليمي منقوصاً وخبراتهم ليست ذات جدوى وغير نافعة.

و تقول الأستاذة "فاطمة البلوشي" (جريدة الأيام الإلكترونية) أنه بالرغم من أن الحصول على المعلومات وإجراء البحوث العلمية بات أكثر بكثير من السابق في ظل التطور التكنولوجي، إلا أن العديد من الطلبة أصبحوا يلجئون لنقل ونسخ المعلومات، أو شراء البحوث الجاهزة سواء من المكتبات أو عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وفي كثير من الأحيان يتم استغلالهم ماديا بهدف الربح المادي. بل وتتعدد الأسباب لدى الطلبة حيث قد "يلجأ الطالب لشراء البحوث الجاهزة بسبب ضيق الوقت وكثرة الاختبارات والامتحانات، فضلاً عن كثرة طلبات المشاريع والبحوث، وبالتالي يشعر الطالب أنه تحت ضغط كبير فيلجأ لشراء البحوث الجاهزة.. فضلا عن عدم ثقة الطالب بقدراته، وخوفه من أنه لن يتمكن من إجراء البحث بنفسه، وتوقع أعضاء الهيئات الأكاديمية بأن مستوى البحث الذي سيقدمه الطالب احترافي".. وكذلك يكون الوضع ناتجاً عن "عدم الإلمام بمحتوى المقرر، أو عدم تنظيم الوقت من قبل الطالب علاوة على أن الطالب لا يشعر بأن البحث الذي سيجريه سينعكس عليه بالفائدة ولا يشعر بأهمية إجرائها".. وقد يتعذر البعض "بعدم إلمامهم بالمادة البحثية المطلوبة، وقد لا يجد الطالب الوقت الكافي لعمل البحوث بمفرده فيقوم بشرائها".. وتضيف الأستاذة "فاطمة" مؤكدة أن عزوف المجتمع بشكل عام والطلبة بشكل خاص عن القراءة والاطلاع أدى إلى نفورهم من عمل البحوث.. وأضيف بدوري هنا أنه ربما تكون من أهم الأسباب التي تؤدي لكل هذه العمليات هي عدم تعود الطلبة في مجتمعاتنا على الاعتماد على الذات منذ الصغر، كما أسلفت في بدايات هذا المقال.. فما يتم بناءه على باطل منذ النشأة الأولى تترسب في عقليات طلبتنا الصغار حتى الكبر.. وتنمو معهم كل السلبيات المنبثقة عن تجاربهم الأولى طوال حياتهم المستقبلية! فجل البحث عند البعض هو البحث عن بحوث جاهزة لنسخها بالقطع واللصق!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

بشار الزبيديلا يختلف اثنان في أن النفط يشكل لب الاقتصاد العراقي وهو المصدر الرئيسي لدخل الدولة القومي وعلى اعتباره من المصادر الطبيعية فيُعتبر عملياً (اقتصاد ريعي) ويُعرف هذا النوع من الاقتصاد بأنه نمط اقتصادي يعتمد على الموارد المعدنية مثل النفط والغاز والذهب وغيرها من مصادر الثروة الطبيعية وبمعنى أدق فإن اقتصاد الريع هو الاقتصاد الذي يعتمد على مصدر ثروة جاهز يُستخرج في العادة من باطن الأرض ولا يحتاج إلى ‏آليات إنتاجية وتستحوذ السلطة الحاكمة عليه وتحتكر بيعه وتقوم بتوزيع إيراداته على عكس نقيضه (الاقتصاد الإنتاجي) الذي يعتمد على ما ينتجه الإنسان وقد يأخذ الاقتصاد الريعي أشكالاً مختلفة فمثلا الدول التي تسيطر على ثروات دول أخرى هي أيضا دول ريعية وهناك من يرى مثلاً في الأردن دولة ذات اقتصاد ريعي لأن ميزانيتها المالية مبنية على الكثير من مساعدات الدول.

والرَيعُ لغوياً يعني النمو والزيادة وهو أول كل شيء وأفضله ويقال فلان رَيعَ تِجارتهُ أي أَنماها وزادَ فيها وحين يُقرن الريع مع الأرض فهو إشارة إلى خصوبتها وحسب معجم المعاني العربي فإن "الرِّيعُ"  «في الاقتصاد السياسي »  يعني: «الجزء الذي يؤدِيه المستأجر إلى المالك من غلّة الأرض مقابل استغلال قُواها الطبيعية التي لا تقبل الهلاك».

وفيما يخص تاريخ استخدام المصطلح يشير الكاتب والخبير  الاقتصادي العراقي أ.د. ذياب فهد الطائي في مقاله  له تحت عنوان (المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي): أن أول من استعمل هذا المصطلح هو عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في كتابه (ثروة الأمم) ولكن الفيلسوف الألماني كارل ماركس هو أول من استعمله كنمط اقتصادي في كتابه (رأس المال).

ورغم أن هذا النوع من الاقتصاد يدر على الدول بمليارات الدولارات كما هو الحال في دول الخليج والعراق (ولذا الشائع والمعروف هو أن الدول ذات الاقتصاد الريعي دول غنية) ولكن في المقابل هذا الغنى لا يخصص لكل شرائح المجتمع بإنصاف لأن القسمة الناتجة عن الدخل القومي الريعي غير عادلة. كما يشكل هذا النمط الاقتصادي مخاطر جسيمة على الدول التي تعتمد عليه اعتماداً كبيراً ويمكن أن نصنف هذه المخاطر إلى نوعين: (مخاطر ملازمة ومصاحبة للاقتصاد الريعي) ( ومخاطر أخرى قابلة للحدوث في أي لحظة):

يؤدي هذا النوع من الاقتصاد إلى اعتماد الدولة شبه التام على ريع الموارد الطبيعية إلى شلل قطاعات كثيرة مما ينعكس سلباَ على المجتمع. ولذا أخطر ما يمكن ملاحظته في اقتصاد الريع هو تحول المجتمع إلى النمط الاستهلاكي واعتماده على الاستيراد الخارجي ومن جهة أخرى فإن اقتصاد الريع غير قادر على رفع الناتج ‏المحلي وهو أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم البطالة والكسل الاجتماعي. حيث يتحدد في قطاعات معينة لا يتوفر فيها فرص عمل كافية لمواطني الدولة مما يخلق حالة من عدم التوازن في المجتمع.

وبمعنى آخر يؤدي الاقتصاد الريعي إلى تعزيز ثقافة الإتكالية على حساب ثقافة العمل والتحدي وهذا ما يبدوا واضحاً اليوم في الدولة العراقية حيث الكل يطالب بالوظيفة والعمل ومحاسبة الفاسدين على إهدارهم للثروة النفطية ولكن في النهاية الواقع ذاته لا يتغير حيث من جهة ينعدم تنوع وتفرع القطاعات التي بإمكانها أن تستوعب حجم العاطلين عن العمل ومن جهة أخرى أن الثروة الريعية لا يتم توزيعها بعدالة فهي تخضع لسيطرة الحكام ولا يستفيد منها سوى حاشيتهم وهكذا يتم توزيع الريع وفقاً للقرب من السلطة ولهذا السبب مال الدولة محكوم للاحتكار.

ولا يخفى على أحد أن الثروات الطبيعية معرضة للمخاطر في أي وقت والخطورة تأتي من احتمالية نضوبها فيصاب عندها ‏الاقتصاد بالشلل التام.

أن دولة ريعية مثل العراق حيث قوة اقتصادها مرتبطة تماماً بالنفط تقف أمام  خطر خفي فماذا لو قل إنتاج النفط أو قلت حاجة العالم للنفط وأصبحت أسعاره زهيدة ؟ كيف ستتم معالجة هبوط الميزانية المالية للدولة؟ ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الاقتصاد الريعي اقتصاد هش معرض للانهيار في أي لحظة ويتأثر بأقل المتغيرات.

أن القاعدة التي يقف عليها الاقتصاد الريعي هي قاعدة رخوة محكومة للمتغيرات الخارجية والداخلية ولذا أي تغير يحدث في حركة التجارة العالمية سيلقي بتأثيراته على اقتصادات الدول الريعية لأنها لا تتمتع ببنية إنتاجية تعوض أي ركاكة وفجوة في قطاع الثروة المعدنية. فمثلا التجارة الخارجية للدولة العراقية والتي تعتمد على الاستيراد بشكل واضح ستتأثر في النهاية بأي خلل يصيب الاقتصاد الريعي كأن يكون هبوط أسعار النفط أو أسعار العملة التي يتم تداولها في عمليات بيع الثروات المعدنية.

بالإضافة إلى ذلك يُعتبر الاقتصاد الريعي سبب حقيقي ومنطقي للصراع السياسي وتبعاته فهو يخلق تنافساً حاداً بين أفراد السلطة للفوز بامتيازات الريع حتى يصل الأمر لعمليات تهريب غير مشروعة للثروة وهكذا ينتهي الأمر بتسلط الحكام على دخل الدولة ليتفشى الفساد والمحسوبية وحالة من اللاعدالة واللامساواة والسلطوية ويدخل المجتمع في حالة من اليأس والإحباط والعوز المفروض.

يرى بعض خبراء الاقتصاد ومنهم الدكتور ذياب فهد الطائي أن المجتمع الريعي يتسم بالضعف وسهل الانحلال كما أن السلطة الريعية بإمكانياتها المالية الهائلة تستطيع تسيير المجتمع مثلما تريد. وأن الدول الريعية تغلب عليها صفة المركزية وتنخر البيروقراطية فيها المؤسسات وتلقي بظلالها على الأداء الحكومي وتتقاطع هذه مع الديموقراطية بسبب سيطرة قوى فاسدة معينة على القرار الاقتصادي والسياسي للدولة. ويضيف الدكتور ذياب وبما معناه أن الدولة الريعية لا تهتم فيها السلطة الحاكمة بالتعليم كثيراً وأكثر ما يكون التعليم فيها فارغ المضمون ومشتت وأشبه ما يكون لسد فراغ ومثله التعليم الجامعي لأن الدولة ذات الاقتصاد الريعي لا تحتاج للمجتمع المتعلم إذ أن اقتصادها يعتمد على الثروة الريعية التي عادة تكون طبيعية ولا تحتاج إلى مهارات لاستخراجها أو إنتاجها وهكذا مع الاقتصاد الريعي لا يكون هناك مجتمعا صناعياً ولهذا السبب تنعدم القواعد العمالية فيه.

 ولهذه الأسباب وغيرها يُعتبر الاقتصاد الريعي حسب منظور بعض خبراء الاقتصاد عاملاً رئيسياً لفساد الحكومات وقمع الشعوب وعنصراً منتجاً للتداعيات الضاغطة على منظومة القيم الاجتماعية.

ويردف الدكتور ذياب بإن « ارتباط الاقتصاد الريعي سياسيا بالدول الرأسمالية الكبرى وتحويل الدولة الريعية الى تابع يدور في فلك تلك الدول ،ومن الواضح ان الهدف الذي تسعى اليه الدولة الريعية من استمرار العمل على تمتين علاقات التبعية مع الدول الكبرى يهدف الى ضمان حماية خارجية لبقائها في السلطة من اية توجهات عملية لتغيير نظام الحكم وتغيير التركيبة الاجتماعية ».

 وفي المحصلة هناك فرق كبير بين أن يكون المجتمع منتجاً وصلداً متماسكاً وبين أن يكون خائراً مصاباً بالكسل ينتظر عطف السلطة التي تهيمن على الثروات الطبيعية من دون أن تكترث لتحسين الوضع المعيشي لمواطني الدولة. ومن هذا المنطلق ارى أن نهضة العراق تتطلب التحرر من اقتصاد الريع والتوجه نحو تفعيل القطاعات الأخرى مثل الصناعة والزراعة وجعل أفراد المجتمع يجنون أموالهم بقوتهم وعرق جبينهم.

 أن الإقدام على هذا المشروع بالغ الأهمية فنحن نعيش في عالم سريع متقلب من شأنه أن يضعنا أمام مخاطر وتحديات عظيمة دون سابق إنذار وأن الفائدة الجلية من عدم الاعتماد بشكل أساسي على الاقتصاد الريعي هو تقليص أرقام البطالة المخيفة لدينا وتعزيز اقتصاد الدولة الإنتاجي.

أن الإفلات والتحرر من أغلال الاقتصاد الريعي يعني شيوع حالة من النشاط الاجتماعي كما يشجع الدول على الاستثمار في بلادنا مما ينعكس إيجاباً على الأوضاع المعيشية للعاملين في الداخل والمجتمع عامة. فعلى سبيل المثال ماذا لو يتم إعادة تأهيل مصانع النسيج في العراق فكم فرصة عمل سيوفر هذا المشروع؟ أو مثلا التوجه نحو الإصلاح الزراعي وتحقيق الاكتفاء الذاتي ولم لا التصدير.

أن بلد مثل العراق يتزايد فيه عدد السكان بشكل متسارع ويمتلك طاقات شبابية كثيرة بحاجة إلى فك عقدة ولعنة النفط التي لم نحصد منها سوى الخيبات والإخفاقات والتوجه لعقد اتفاقيات استثمارية سليمة وناضجة من شأنها أن تعيد التوازن الاقتصادي والمعيشي للوطن العراقي وتجعل المجتمع العراقي يعتمد على إنتاجه الذاتي وليس فقط على هبات وثروات الأرض التي قد تنقص وتنفذ يوما ما !

أن اعتماد العراق على مصدر واحد في الدخل القومي هو حجر عثرة في طريق النهضة والإصلاح وهذا الأمر سيشيع أنماط الاستهلاك الترفي أكثر وسيرفع بطبقة إلى أعلى المستويات ويرمي بأخرى في أدناها ويحد من عملية إضافة طاقات إنتاجية جديدة. ولذا بسبب فقر وضعف إنتاج الدولة ترتكز اليوم التداعيات الاجتماعية للثروات الطبيعية في العراق والدول النفطية بشكل أساسي على مستويات الترف والإنفاق الشخصي لأن الأشخاص لا يرون في وطنهم شيء آخر غير التعويل على الثروة الجاهزة واعتادوا على العيش بدون تحديات عمل حقيقية على عكس الدول الصناعية ذات الاقتصاد الإنتاجي.

 قد يكون هذا الطرح بسيط المضمون لكن بكل تأكيد قابل للتوسعة والنقاش وهناك خبراء اقتصاديين كُثر لهم رؤية رحبة بهذا الصدد وما كتبته سوى فكرة يستند جوهرها على الدعوة لدعم وتشغيل الاقتصاد الإنتاجي العراقي وتنويع مصادر الدخل وتسخيره للصالح العام من أجل النهوض بواقع بلادنا بالقدر الذي يمكن فيه السيطرة على إفرازات ورواسب الثروة الريعية على المستقبل الاقتصادي والمعيشي للمجمع العراقي والابتعاد خطوة عن التعويل على مصدر واحد للعيش بهدف الولوج إلى عصر النهضة الاقتصادية الدائمة القائمة على القدرة الإنتاجية وأن كان هذا الأمر بالغ  الصعوبة ويتطلب إصلاحا سياسياً شاملاً ونفوساً تحب الخير لوطنها وإرادة شعبية شجاعة مصحوبة برغبة التغيير تفرض نفسها وتضع السلطة أمام خيار (الإصلاح الشامل) لا غير !

 

بشار الزبيدي

أكاديمي عراقي / المانيا