ali almirhigعندما نتناول الجذور الفلسفية للبراجماتية لا نستطيع تجاوز الأسس الثقافية الأمريكية التي إنطلق منها الفكر البراجماتي، ولا يمكن أن نعد البراجماتية كإتجاه فلسفي أمريكي ما لم نتحدث عن أهم الإتجاهات الفكرية التي سبقت البراجماتية في الظهور، والتي كان لها الدور الرئيس في بناء الإنسان الأمريكي وصقل ثقافته، حتى أصبح بإمكانه أن يبني إتجاه خاص به يُنافس الإتجاهات الأوربية، كالمثالية في ألمانيا والتجريبية في بريطانيا وغيرها، وعلى الرغم من التأثير الواضح للفلسفة الإنكليزية على الفكر الأمريكي، إلَا أن المثقف الأمريكي إستطاع أن يتخلص من هيمنة مفكري وفلاسفة إنكلترا عبر إنتاجه لفكر محايث للتجريبة الإنكليزية ومتداخل مع المثالية الألمانية غير مُغادر لمنشأه المكاني ولظروف النشأة الزماني، إنه الفكر البراجماتي الذي مثل البنية الفكرية التي تُوسم الوعي القومي الأمريكي، بوصفه الفكر الوسطي بن ذوي النزعة المادية واذوي النزعة الروحية، فهو فكر جاء لجل مشكلة الصراع بين المدرستين التقليدتيين التجريبية والعقلية، والمثالي "الروحية" والواقعية "المادية"، أو بين "المزاج الصعب المراس" و "اللين العريكة" بلغة وليم جيمس، فالبرجماتية هي وسط ذهبي بلغة أرسطو، ولكنه وسط لا يبغي التماثل، بل المُغايرة، فالحل البرجماتي فيه تجاوز لمشكل الصراع في نظرية المعرفة بين التجريبيين من جهة والعقليين من جهة أخرى، ليحتال عل أصل المشكل، فيحل الصراع بين أتباع المدرستين بالخروج عن ميتافيزيق السؤال الأبستمولوجي، ليجعل الحل كامناً في الوعي بمشكل الصراع السوسيولوجي الأمريكي، فتجاهل صراع الأصل حول مصدر المعرفة، ليُناقش الوضع المجتمعي الأمريكي ومحاولة إيجاد الحل للتعايش السكاني الهجين في أرض الخلاص الجديدة، فكان في الإجابة البرجماتية خلاص من هيمنة الأسئلة التقليدية في الفلسفة ومحاولة تجديد سؤالها بحسب "دوي"، فكان هاجسها البحث عن الثمار المتأتية من تبنينا لفكرة ما، فإن كانت هذه الفكرة ذات فائدة للمجتمع فهي صادقة وإن لم نجد فيها نفع للمجتمع فهي كاذبة، لذلك نجد "وليم جيمس" يُرادف بين الصادق والنافع، فما هو صادق فهو نافع وما هونافع فهو صادق، وفق ضوبط الحس الجمعي المُشترك، لذلك إرتبط نجاح التفسير البرجماتي في رؤياه للمستقبل المرتبط بالنظر والعمل على تقدير النتيجة المرتقبة من كليهما (النظر والعمل)، وهنا يكمن نجاح البرجماتية في صناعة مجتمع أمريكي رغم الهجانة التي فيه، لأن رؤيا الفلسفة البرماتية تعاملت مع النتاج، أي بالنظر لما ينتج الشخص، لا لما يُفكر أو يُضمر، أي أنها جعلت ماطنيته مرهونة بمقدار ما يُقدمه لهذا الوطن الذي قطن فيه من خدمة، فصار في أمريكا مقياس المواطنة مرتبط بمقياس عطاء الفرد وتضامنه وتعاطيه مع حاجة المجتمع. بهذا إستطاعت أمريكا تجاوز النتاج الحضاري للأمم التي سبقتها، كونها وضعت مقياساً جديداً لتقدم الشعوب، هو المستقبل وصناعته، فبقدر ما تمكنت الشعوب من صناعة ماضيها، إستطاعت أمريكا أن تصنع حاضرها الذي يُهيء لها صناعة مستقبل أفضل لمواطنيها من دون البحث عن أصول ساكنيها، لأنهم مواطنون، تُقاس مواطنتهم بقدر ذكاء عقولهم الرامية لصناعة حياة أفضل لمجتمع أمريكي متقدم.

تمكن الفلاسفة البراجماتيون من إستقراء التراكمات التي طرحتها الإتجاهات الثقافية الأمريكية السابقة للبراجماتية في الظهور وإنتقاء ما يصلح منها وإهمال ما لا يصلح في الوقت نفسه بإستقراء شخصية الإنسان الأمريكي ومعرفة مدى تقبله لهذه الأفكار، حتى تمكنوا من بناء فلسفة أمريكية خالصة تتناسب وما يريده الإنسان الأمريكي لأن "مُعظم الفلسفات التي ظهرت سابقاً في أمريكا لم تكن إلَا سلسلة من الأصداء للحركات الفلسفية المهيمنة على الفكر خارج أمريكا"

(1).

 وفيما يأتي عرض لأهم الإتجاهات الفكرية التي ظهرت في أمريكا والتي من الممكن عدها أُسساً ثقافية وفكرية لم تكن البراجماتية إلا نتيجة طبيعية لها ومن الممكن عد هذه الاتجاهات مجتمعة السبب الرئيس في ولادة البراجماتية:

1ـ الإتجاه الديني:

لقد كان نشوء أمريكا مرتبطاً إرتباطاً وثيقاً بالتيارات الدينية، حيث سادت أمريكا الحركة البيوريتانية التي بدأت مع (بيتر راموس) الفرنسي الأصل (1515-1582) ومن جاء بعده، وقد كانت في أصلها نزعة إنسانية أفلاطونية استمرت حتى القرن السابع عشر حتى سمي هذا القرن بالعصر البيورتاني لسيادته في تلك المدة.

يلح أصحاب هذه الدعوة على أن "الله أو العناية الإلهية هي المقياس الأخير وليس الإنسان... فنتائج أعمال الناس ومصائرهم وأمورهم لا يقررها اكتفاؤهم الذاتي مهما عظم، ولا تقررها العلل والأسباب الدائمة وإنما تقررها مشورة الله وعنايته، الذي يأمر الزمان والصروف ويحكمها بحسب مشيئته"(2).

وأصل البيوريتان الدعوة إلى (الكالفينية)(3) التي تؤكد أن "جميع الممالك ينبغي أن تصبح دولاً مقدسة"(4) وأن "الله هو الذي سيختار الذين سيخلصون، وأنه هو الذي يمنح الخلاص الكامل لهؤلاء فقط ونعمته كافية لخلاص المختارين، والنفس التي تُعاد إليها الحياة مرة لن تبوء بالخُسران.. وسبب إتفاق النزعة البيوريتانية مع النزعة الكالفينية هو أن مبادئ الأخيرة لا تتنافى وتعاليم الكتاب المقدس، بل تُعززها وكذلك نظرتها في الإنسان حقاً في قراءة الكتاب المقدس وتفسيره لنفسه" وقد كانت هذه النظرة تتفق ونظرة (راموس) في التخلص قدر الإمكان من سلطة الكنيسة، وتزود العلمانيين بالأدوات العقلية التي يُقوضون بها إمتيازات القساوسة"(5).

أعابت (البيورتانية) بناء إفلاطونية (راموس) المؤسسة على الفن الإلهي في صورة نفسية (للحب الأفلاطوني)(6) وجعله غاية الوضوح، "أن هذا الحب المقدس أو السماحة ليس شيئاً حسياً أو انفعالياً خالصاً فهو تجريبي"(7)، والجديد في الحركة البيوريتانية هو قُربها للمذهب الفلسفي الخالص وإبتعادها عن المنهج الإنجيلي، على الرغم من المسحة الدينية التي تسم جميع كتاباتهم وبشكل واضح نتيجة تأثرهم بـ (راموس) الذي كان متأثراً بفلسفة (أفلاطون) أكثر من تأثره بالتيارات الدينية.

وإلى حد ما يبدو أن التيار الديني لم يكتب له النجاح، لأنه لم يستطع أن يستوعب مجموعة العقول المختلفة التي كونت أمريكا، لتقييده لقدرة الإنسان الذي جاء ساعياً إلى هذه الأرض البكر وكله طموح في أن يجد ذاته التي لم يحققها في بلده، فقد إنحدرت إلى هذه الأرض جماعتان من البشر الأولى، جاءت "لتبحث عن الذهب والثراء العاجل"(8)، لأن "آداب ما بعد إكتشاف أمريكا قد صورتها بأنها بلاد الذهب والفضة"(9)، والثانية التي جاءت لسبب آخر هو "لأنهم أرادوا أن يعبدوا الله على طريقتهم الخاصة طريقة أساسها البساطة والإيمان الخالص، طريقة غير تلك التي تبنتها الكنيسة المعترف بها في إنجلترا حينذاك"(10)، فقد هاجرت هذه الجماعة من إنجلترا إلى أمريكا "هرباً من الأنانية الجشعة التي سادتها آنذاك محاولة منهم لبناء مجتمع يقوم على المثل العليا"(11).

يبدو أن هذا التيار لم يوفق بين هاتين المجموعتين، لأن ظروف المرحلة في أمريكا قد تغيرت وبدأ الصراع من أجل الإستقلال والتخلص من الهجمة الإنكليزية، فقد كانت المرحلة تفرض على أن يكون هناك أناس يدعون إلى تنوير الناس وتحفيزهم للتفكير سوية على الرغم من الفوارق الموجودة عند الإنسان الأمريكي سواء في الأهداف أم في الغايات، فجاء (عصر الإستنارة) الأمريكي ليوفق بين مطاليب الحياة ومتعها ومطاليب الروح، فهو تيار عقلي بمسحة دينية أو بتسمية أخرى ديني دنيوي.

2ـ عصر الإستنارة (عصر العقل)(12):

ما أن جاء القرن الثامن عشر حتى بدأ التيار البيوريتاني بالإنحسار، فلم يعد زعماؤه قسساً تأثروا بالفلسفة، بل فلاسفة تأثروا بقدر أو آخر بالتيارات الدينية. وقد توضحت بوادر الإتجاه العقلي الجديد عند كل من (فرانكلين)(13) و(جفرسون)(14) اللذان شاركا مشاركة فعالة في حصول أمريكا على الإستقلال السياسي من بريطانيا، وقد كان (لوك) مصدر التفكير السياسي الذي ساد أمريكا في تلك المدة "فلم يكن الفكر السياسي الأمريكي إلَا تأويلاً لما كتبه لوك"(15).

كان لنظرية (لوك) في الدولة الأثر الكبير في دعوة (فرانكلين) و (جفرسون) في البحث عن استقلال أمريكا واعلان الاستقلال، فـ(لوك) يؤكد على ان "الناس ولدوا أحراراً وسواسية لأن العنصر العقلي يولد صفحة بيضاء ثم تأتي الخبرات عن طريق الحواس فتؤثر في تلك الصفحة. وبذلك يبدأ الإختلاف بين الناس في مدى خبراتهم، فلم يكن هذا التفاوت كامن في طبيعة العنصر العقلي الروحاني، بل هو في أجزاء البدن المادية كتركيب المخ وما إلى ذلك"(16). ونستطيع أن نصور فكر (لوك) بأنه الشمعة التي اضاءت للأمريكان درب الإستقلال والحرية وما كان الفكر السياسي الأمريكي يبدو ناضجاً عند فرانكلين وجفرسون لولا فكر (لوك) السياسي وحتى الفلسفي، فلم يكن (فرانكلين) سياسياً فقط، بل كان فيلسوفاً.

دعا فرانكلين إلى إستخدام النقد الفلسفي والحوار من أجل الوصول إلى الحقيقة أو الخير، فقد كان أكثر الأمريكان شبهاً بسقراط حتى في طريقة الحوار(17) فهو أول من أعلن إستقلال الإنسان الأمريكي، بقوله: "أن كل إنسان يستطيع أن يصنع مصيره بنفسه، فهم (أي الأمريكان) لا يحنون رقابهم لأحد، حتى ولا لملك"(18). وقد إشتغل (فرانكلين) في مجال العلم وكان "لمعظم نشاطه في مجال الحقل العلمي هدف عملي" (19) حيث كان رجلاً عملياً يدعو إلى استغلال الوقت لأنه يحسب الوقت "المادة التي نصنع منها الحياة"(20)).

نشر (فرانكلين) عام 1725 كأراساً اسماه (الأطروحة)، وفي هذه الأطروحة أثار (فرانكلين) السؤال التالي: "هل نقبل معتقداً لأنه منطقي أم نقبله لأنه عملي؟ وقد أجاب (فرانكلين) عن هذا السؤال بإختيار المعتقد العملي"(21).

وينبغي التأكيد على أن فلسفة (فرانكلين) تغلب عليها النزعة النفعية، حتى في نظرته للأخلاق، فيقول "لم يكن للوحي من حيث هو كذلك أي وزن عندي ولكني أخذت بالرأي الذاهب إلى انه لم تكن بعض الأفعال السيئة لأنها ممنوعة بالوحي أو حسنة لأنها سيئة لنا، أو موصى بها لأنها مفيدة لنا في طبائعها على أن توضع جميع ملابسات الأشياء موضع الاعتبار"(22)، وقد كانت غاية (فرانكلين) "أن يجعل العالم مكاناً أفضل للعيش، فدعا إلى إيجاد الشيء العملي، ثم إستخدامه للخير في الحياة دون قيد أو شرط"(23).

وبهذا كله يمكننا اعتبار (فرانكلين) مقدم البراجماتية الأول في تاريخ الفلسفة الأمريكية أو كما عبر عنه فان وسب "بأنه قد دفع الفلسفة (الأمريكية) في اتجاه لم تتحول عنه حتى الآن أنها الفلسفة القائمة على الذرائعية"(24). وسنجد عند تناولنا لمعنى البراجماتية عند (بيرس) كيف أن كثيراً من أفكاره هذه قد تطورت على يد الفلاسفة البراجماتيين.

وما كان (جفرسون) ليختلف عن سابقه، حيث شارك معه في النضال من اجل أمريكا واستقلالها. وبفضل آرائه السياسية والفلسفية تراجع المد الديني "واصبح العالم القديس الدائر حول محور الله عالماً انسانياً محوره الإنسان والحياة التي كانت تسير بهدى الكتاب المقدس... وحتى الله ذاته لم يعد أباً يحب ويرهب، بل أصبح قوة عاقلة، سحيقة البعد ويسوع ابن الله اصبح يسوع ابن الإنسان"(25). فلم يعد موضوع البحث في القرن الثامن عشر حول الله والعناية الإلهية وجبرية الإنسان، بل في كيفية جعل هذا الإنسان خيراً وتوضيح كيف أن له الحق في السعي والعمل والحصول على الحرية التي بدورها تحيل إلى السعادة التي يطلبها الإنسان الحر. وقد عد (جفرسون) "عقل الفرد هو مرجعه الوحيد في السياسة وفي الدين لا سلطان عليه في ذلك من حكومة أو من كنيسة"(26)، فترتب على ذلك وعي الإنسان الأمريكي بممارسة حقه الطبيعي في تقرير مصيره بنفسه. ركز (جفرسون) على (مبدأ الحس المشترك للمواطن) ولم يكن في حينه مبدأ فلسفياً واضحاً فهو "محاولة للوصول إلى اليقين بدون الميتافيزيقا وهو ان يكون الإنسان عملياً"(27).

تطور هذا المبدأ على يد (تشارلس بيرس) كإسم آخر لفلسفته البراجماتية، يقول (بيرس): "أنا نفسي سميت البراجماتية نظرية الحس المشترك  النقدي"(494-5)(28).

 رأى (جفرسون) أن النفعية مقياس لمدى نجاح الفكرة وتشبثنا بها، لأن قيمة الفكرة يُقاس بوفق ما تُقدمه لنا من فائدة(29)، لذا يمكن القول أن مفكري القرن الثامن عشر في أمريكا هم أول البراجماتيين في أمريكا وإن لم يُصرحوا بالبراجماتية.

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

..................

(1) Barret, William: Philosophy in the twentinth century, Random House, NewYork, 1962, VL, 1, from it’s introduction by Henry Aiken, P.47.

(2) فورستر، نورمن: 3قروزن من الأدب، اشرف على الترجمة: جبرا إبراهيم جبرا، بيروت، دار الحياة، ج1، ص21.

(3) نسبة إلى جون كالفن، المصلح البروتستانتي الفرنسي والمولود في جنيف.

(4) فورستر: 3قرون من الأدب، ص22.

(5) شنايدر: تاريخ الفلسفة الامريكية، ص13.

(6) يربط افلاطون الحب بالخير، فهو يؤكد أن "الحب شيء جميل ويرتبط الجميل دائماً بالخير فالحب هو الخير اذن"، ص58.، المأدبة. وللاطلاع أكثر راجع محاورة المأدب نفسها، ترجمة: وليم الميري، دار المعارف، مصر.

(7) شنايدر: تاريخ الفلسفة الامريكية، ص23.

(8) بينيه، ستيفن كنسنت: أمريكا، ترجمة: عبد العزيز عبد الحميد، مكتب الولايات المتحدة للاستعلامات، سنة 1945، ص13.

(9) زيادة فرحات: تاريخ الشعب الامريكي، ترجمة: عبد العزيز عبد الحميد، مكتب الولايات المتحدة للاستعلامات، سنة 1945، ص13.

(10) بينيه، ستيفن: أمريكا، ص18.

(11) زيادة، فرحات: تاريخ الشعب الامريكي، ص9.

(12) دو نوفان، فرانك: حول مذكرات بنيامين فرانكلين، ترجمة: أحمد حمودة، مكتبة النهضة المصرية، 1966، ص161. كذلك راجع في الكتاب نفسه فيما يتعلق بشخصية فرانكلين وآرائه.

(13) هو بنجامين فرانكلين، فيلسوف وسياسي معروف شغل مناصب سياسية منها رئيساً للمجلس التنفيذي لولاية بنسلفانيا (1706-1790).

(14)جفرسون (1743-1826) درس القانون في كلية وليام وماري، عين رئيساً للجمهورية لمرتين ورفضها المرة الثالثة.

(15) محمود، زكي نجيب: حياة الفكر، ص14. نقلاً عن كتاب :

Miller, Jone: Origin of the Amercan Reviution, P.170.

(16) المصدر نفسه، ص23.

(17) فان، وسب: الحكماء السبعة، ص14.

(18) المصدر نفسه، ص21.

(19) المصدر نفسه، ص34.

(20) فورستر، نورمن: 3قرون من الأدب، ص73.

(21) فان، وسب: الحكماء السبعة، ص39.

(22) شنايدر، تاريخ الفلسفة الامريكية، ص35، نقلاً عن كتاب:

Banjamin Franklun: Autobiography.

(23) فان، وسب: الحكماء السبعة، ص41.

(24) المصدر نفسه، ص28.

(25) فورستر، نورمن: 3قرون من الأدب، ص45.

(26) محمود، زكي نجيب: حياة الفكر في العلم الجديد، ص30.

(27) شنايدر: تاريخ الفلسفة الامريكية، ص44.

(28) ينظر الفصل الثالث من كتابنا: الفلسفة البراجماتية أصولها ومبادؤها، حول مفهوم (الحس المشترك النقدي).

(29) يُنظر: دوي، جون: آراء توماس جفرسون الحية، ترجمة: محمود يوسف زايد، دار الثقافة، بيروت، 1975، ص26.

 

mutham aljanabi2إن الصفة الغالبة على كل ما كتبه طه حسين هي التشويش الفكري، والذي نعثر عليه بين مقال وآخر وصفحة وأخرى في كل ما كتبه على امتداد حياته الطويلة. بحيث نعثر عنده على كل شيء من شك ويقين في آن واحد وبين لحظة وأخرى، مثل أن نراه يكرر عشرات المرات القول بأن الأدب مرآة تعكس الحياة والواقع، وفي أماكن أخرى يردد على انه لا معنى للأخذ بنظرية الشعر ومرآة الشاعر والأدب مرآة الأديب، وأنه لا يعرف إن كان الشعر مرآة شيء وما هو هذا الشيء، وإن نقد الناقد يصور لحظة من لحظات حياته اشتغل فيها بلحظات من حياة شاعر أو أديب[1]. وقد يكون كتابه عن المتنبي وكتاب (ألوان) من بين نماذجها الجلية بهذا الصدد. ففي كتابه (مع المتنبي) يبدأ بأمور صغيرة وينتهي بتشويش من قبيل هل أن المتنبي عربيا؟ ولماذا لم يشر إلى أبيه ويرثيه وما شابه ذلك[2]. مع أنها صفة اغلب الشعراء والأدباء والفقهاء والفلاسفة والمتصوفة وغيرهم. بل إن الكتاب نفسه كما يقول طه حسين نفسه لا علاقة له بالعلم والنقد[3]. وإن  "العيش مع المتنبي" بالنسبة له كان "خارج الدرس والبحث"، وانه للتأمل والراحة والاسترخاء والانفراد والانعزال[4]. وفي النهاية يقول، بأنه في مجرى البحث ترك اللهو والعبث وتناول المتنبي بجدية[5]! ثم يقول، بان ما سطره قد لا يكون عن المتنبي أكثر مما يكون عن نفسه، أي انه أدب الانطباعات الشخصية وليس أدب الفكر أو فكر الأدب بالمعنى الدقيق للكلمة! وقد ميزت هذه الصفة اغلب كتابات طه حسين، أي امتلائها بالحشو والتكرار الممل والانتقال والقفز من مكان إلى آخر ومن موضوع إلى آخر دون رابط يربطها غير تقاليد الحكاية والرواية الشعبية. ففي كتاب (ألوان) نعثر على هذا النموذج بصورة جلية، أي نقف أمام حالة نموذجية للتشويش الفكري أو بصورة أدق انعدام الفكرة المنطقية وتسلسلها في شكلانية البحث. الأمر الذي جعل من "المقالات والبحوث" فيه مجرد تنقلا لا يربطه شيء غير "الكلام المرسل"، كما هو الحال على سبيل المثال في مقال "الأدب العربي بين أمسه وغده". إذ يمكن للقارئ التنقل فيه أو القفز من مكان إلى آخر ومن تاريخ إلى آخر ومن أحداث إلى أخرى، بحيث تجعله، شأن اغلب ما كتبه بهذا الصدد، من مقالات مليئة بالحشو الذي لا طائل فيه أو تحته قبل أن يدخل صلب الموضوع[6]، أو نسيان الأحكام والإتيان بما يناقضها بعد قليل أو تغليب الجزء على الكل والخاص على العام والعابر على الثابت. مما يؤدي بالضرورة إلى خلل الترابط المنطقي وإهلاك النزعة النقدية من مضمونها المعرفي بوصفها قوة رابطة للفكر والعقل والأحكام المجردة والتطبيقية. إذ نراه على سبيل المثال يدعو إلى التحرر مما اسماه "بالعقال الاجتماعي"، إلى أن تأخذ الحرية مسارها على سجيتها ولو قليلا، بلا تحرج ولا إسراف في الاحتياط. من هنا نقد لما اسماه بالاحتياط والتحرج المميز للأدب العربي الحديث، الذي يفكر بالقارئ والعامة أكثر مما بنفسه. ومن ثم دعوته إلى الوقوف ضد التيار الذي جعل من نفسه "عبدا للجماعة وخادما للقراء"!! من هنا دعوته للتمرد على الجماعة. وهي أفكار سليمة من حيث الصيغة المجردة. لكنه بالمقابل، وفي نفس الكتاب نراه ينتقد حالة التهور المميزة لبشار بن برد والمتنبي، مع أنهما النموذج الأكثر تجسيدا (رغم قلته القليلة جدا) في التحرر من العبودية للجماعة وإعلاء شأن الحرية الفردية والاندماج شبه التام بها سواء بمعايير الإبداع أو الحياة الشخصية. ولم يكن ذلك فيما يبدو معزولا عن اثر "التدريس" التقليدي الأزهري الذي غاص في أعمق أعماقه بحيث لم يكن بإمكانه التحرر من ثقله الجاثم عليه رغم محاربته المريرة له. وليس مصادفة أن يكون اغلب "الجديد" الذي قدمه طه حسين هو جديد ضمن قديم. الأمر الذي لم يجعل من أفكاره قوة فاعلة بمعايير الوحدة المعرفية، بقدر ما جعل منها شيئا أشبه ما يكون بطبخة لا يجمعها غير توابل منهج ضعيف من حيث تأسيسه وبنيته النظرية ووسائله ووظيفته. وقد يكون كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) نموذجا لهذا التشويش والخلل المنهجي عندما ننظر إليه بمعايير النقدي المنهجي، أي حالما ننظر إليه من زاوية الرؤية المنهجية وليس من زاوية رؤيته التطبيقية المتعلقة بأمور الدراسة والتدريس ومتطلباتها. فالكتاب يسعى لتأسيس رؤية ثقافية كما انه يتناولها بمعايير الرؤية المستقبلية. بمعنى انه يجمع بين مكونين لا نعثر عليهما في كل ما كتبه قبل ذلك وبعده.

وهذا بدوره لم يكن معزولا عما يمكن دعوته بمصدر الخلل المنهجي وخلل الرؤية المنهجية القائم في كيفية ومستوى استيعاب المنهج الديكارتي وخلطه ببقايا ورواسب وتأثير الرؤية التقليدية. فقد كان المنهج الديكارتي عند طه حسين يتسم بطابع جزئي ونسبي وأدبي، أي لا علاقة له بالمقدمات والأسس الفلسفية للرؤية النقدية. كما انه يتسم بطابع "مقدس"، أي مستلب من حيث فهمه وتوظيفه. الأمر الذي يجعل من الممكن القول، بان فهم وتطبيق طه حسين للمنهج الديكارتي وقف من حيث الجوهر عند حدود الاستلاب المعرفي للديكارتية، أي لنمط من أنماط التفكير الفلسفي الأوربي. تماما كما سيجري لاحقا التنافس حول من هو الأفضل من بين مناهج الفلسفات الأوربية الحديثة بالنسبة للفكر والتفكير "العربي الحديث". بينما لم يعن ذلك في الحقيقة سوى المنافسة في تعطيل الفكر والتفكير تحت حمية أوهام النقد والتجديد وما شابه ذلك. وقد وقع ذلك في أساس التشويش الفكري لطه حسين، أي تضافر الطابع الجزئي والنسبي للمناهج، وعدم إدراك الحقيقة القائلة، بان "المناهج العلمية" هي أيضا مناهج ثقافية، أي جزء من معترك المسار التاريخي المعقد لتجارب الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي. وليس مصادفة أن تكون اشد الأشكال نقدية في كتابات طه حسين، أو بصورة أدق ما تحدث عنه، لم يكن خارجا عن إشكالية التأثير الأوربي المباشر وغير المباشر في الوعي المصري. بمعنى انه كان أسير هذه العلاقة السيئة، أي علاقة الوجود المتفاعل للنقد العقلي والاستلاب الثقافي! وليس هذا بدوره سوى الصيغة الغريبة لتعايش النقد والاستلاب. فعندما يتناول طه حسين على سبيل المثال، قضية القديم والجديد في التراث العربي الإسلامي، فإننا نقف أيضا أمام محاولة نقله إلى ميدان الروح الأدبي والفكري. ومن ثم النظر إليه باعتباره صراعا من اجل الفكرة والسمو والمعرفة والإبداع على خلاف الصراع السياسي وصراع المصالح[7]. وفي الوقت نفسه نراه ينظر إليه على انه في كله كان محكوما بصراع الدين والحياة المادية. من هنا قوله، بأننا نراهم في الدنيا أحرار ويتقدمون وفي الدين إلى الوراء. والعقل حائر بينهما[8]. الأمر الذي طبع بدوره تناقض حياتهم المادية والأدبية. إذ كانوا أحرارا في الحياة المادية، محافظين في الحية الأدبية، كما يستنتج طه حسين[9]. ووجد في هذا التناقض السبب الذي أدى إلى أن "يكون الأدب العربي بطيئا قليل الإنتاج". ولم يقف عند هذا الحد غير الدقيق في التعميم، بل نراه يتعداه إلى القضية الأكثر إثارة ألا وهي بحثه عما يدعوه "بالسبب الأساسي الذي حال بين الشعر العربي وتجدده وهو أن الثقافة العربية لم تعرف من آداب الأمم شيئا يذكر. جهلوا أدب اليونان وفارس والهند ولم يأخذوا إلا القليل"[10]!! بل نراه يسير في هذا الاتجاه بحيث نسمعه يقول، بأنهم "لم يروا نماذج جديدة يقلدوها ويحاكوها"[11]!!

إننا نقف هنا أمام رؤية وموقف وتحليل واستنتاج ضيق وسطحي وفاقد للمعنى. وذلك لان الأدب الكبير تلقائي في كل شيء. وتجربة الثقافة العربية الإسلامية أصيلة بذاتها تماما كما تمتعت الثقافة اليونانية في آدابها بأصالتها الخاصة. وينطبق هذا على الهندية والصينية والفارسية وغيرها. كما أن الثقافة العربية الإسلامية كانت من حيث أعماقها وأساليبها وأشكالها ومستوى تعبيرها ترتقي إلى مصاف الثقافة الكونية بما في ذلك في الأدب. ومأثرتها كانت بالذات تقوم في كونها لم تقلد ولم تحاكي ولم تر في ذلك ضرورة بسبب تلقائية تطورها الذاتي وفاعلية المرجعيات الثقافية والفكرية والروحية الكبرى الكامنة في وحدة أو منظومة مسارها التاريخي. ولعل تجربة الاختلاط الحديثة للثقافة العربية ومحاكاتها المتنوعة وأخذها بمختلف النماذج الجديدة لم تصنع شعرا أو أدبا عظيما. فالأدب العظيم في كل مكان وزمان هو أولا وقبل كل شيء نتاج ذاته. والتقليد والمحاكاة لا تصنع شعرا ولا أدبا حيا.

إلا أن هذه الصيغة النقدية في آراء ومواقف وأحكام طه حسين، التي تستوحي في "أنموذجها" الضروري للمحاكاة ليست إلا الصيغة المنمقة للاستلاب الثقافي بشكل عام والفكري والروحي بشكل خاص. أنها تعكس مزاج مرحلة الاحتكاك الأولية بالثقافة الأوربية وسطوتها الحارة والجلية في طبعها ختم النموذج الجاهز على عقول وأفئدة المثقفين والأدباء. وليس مصادفة أن نرى طه حسين ينطلق في فهمه وشرحه وتقييمه لأي شيء، مما إذا كان هذا الشيء موجودا في أوربا بشكل عام واليونان بشكل خاص أم لا(!). بحيث وصل به الأمر للقول، بان الشاعر العربي في عصر الحضارة بقى بدويا، بينما في اليونان عاش مترفا بالحضارة وأثرها فيه[12]!! وهو حكم لا يستقيم من حيث الشكل والمحتوى والفكرة مع واقع ونماذج الشعر العربي واليوناني في عصور ما قبل الحضارة وفي مجراها وبعدها. كما انه حكم لا قيمة له بحد ذاته، وذلك لأن لكل ثقافة خصوصيتها. وقيمة الإبداع تقوم أولا وقبل كل شيء في كيفية تمثل مرجعيات الثقافة الخاصة وتوسيع مداها وليس فيما إذا كان هذا النوع أو الصنف أو الشكل من أشكال الإبداع موجودا فيها أم غير موجود. إذ لا تحتوي أية ثقافة على كل ما في ثقافات الأمم الأخرى. كما لا توجد ثقافة كونية مطلقة، وبالتالي لا يمكن لأي منها أن يكون نموذجا "أبديا" أو "مطلقا". والاستثناء الوحيد هو لوعيها الذاتي.

إن تمثل مرجعيات الثقافة الخاصة وتوسيع مداها هو الأسلوب الوحيد الواقعي والأصيل للإبداع والحرية فيه. ومن ثم تأصيل الحرية في كل شيء. غير أن طه حسين "المتنور" بتقاليد التنوير الأوربي، والمكتفي في الأغلب ببعض معطيات وفتات الثقافة الأوربية، والمنبهر بكل ما فيها، والواقع تحت تأثير إسار عالميتها المطلقة، كان لابد له من البقاء ضمن تأثيرها المستلب، بحيث نراه يهتم أيضا حتى بترجمة (نظام الأثينيين) والتقديم له بمقدمة عادية مليئة بالأغلاط الفكرية[13]. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن الإعجاب المفرط بالثقافة الأوربية، والانهماك الفرح في أوهام وأغلاط أوْرَبة الثقافة الإغريقية. وليس مصادفة أيضا أن نراه على سبيل المثال، حالما يجري الحديث عن التاريخ العربي الإسلامي، يكرر عبارات مثل "لا اعرف إن كان..." و"من يدري.." و"لعل الأمر كان..."، لكننا بالمقابل نعثر على عبارات "ومما لا شك فيه..." حالما يجري الحديث عن اليونان وفرنسا!!

وإذا كان لتطويع قلمه وفكره وقلبه وفؤاده من اجل نقل بعض الجوانب الصغيرة للحياة العقلية والأدبية الأوربية أثره المهم بالنسبة لتنوير العقل وتحرير الوجدان الفردي والاجتماعي، فان حصيلته الفعلية بالنسبة لمسار الفكرة التاريخية والثقافة القومية كانت هشة وزهيدة. مع ما فيها أحيانا من تضخيم لا أساس له بمعايير الرؤية المنهجية والعلمية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عما يمكن دعوته بالمسئولية الفردية للمثقف في عمله ونقله للآداب الأجنبية (والذي لم يتعد في اغلبه أن يكون مجرد تلخيص بسيط لكتابات بسيطة)، فانه كان يدرك سوء هذه المهمة (التلخيص) وأثره بالنسبة لإفراغ النص. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى انه "يبذل جهد المقل، وينفق ما يملك من قوة ويحتمل ما يستطيع احتماله من مشقة، ويرى واجبا عليه أن يأتي ما آتي من ذلك، ويرى من التقصير أن يكسل إذا كسل غيره أو يهمل إذا آثر غيره الإهمال"[14]. من هنا نراه ينقل ما يدعوه بنماذج من "سخرية الأذكياء، وما هو مدعاة للضحك، وما يجمع بين الراحة واللذة والانتفاع"، كما يتكلم عن أدب الشبان الذين يزدرون التقاليد. وكذلك القصص التي تتناول الشيخوخة واليأس والأمل.

وفيما لو ضعنا هذه المحاولة ضمن سياقها التاريخي وأثرها الفعلي بالنسبة لتنوير الإبداع، فانه لا جديد فيها بتاتا، كما لا تحتوي على أية قيمة نوعية بالنسبة لتأسيس المنهج المبدع. فهي لا تتعدى كونها محاولة صغيرة لتصوير بعض ملامح "الجديد" في الأدب الأوربي، وزرع بعض القيم الأوربية الحديثة المتعلقة بكل من الهجاء السياسي (غير المباشر) في قصة (احمر) وقيمة الحب بحد ذاته (خارج شروط العلاقات الاجتماعية والواقع) واستعمال الكتابة الأدبية للترويح عن النفس وأشياء أخرى من هذا القبيل. ووضع ذلك بعبارة "أفكر وأدعو القارئ إلى التفكر في بعض المسائل التي يفكر الناس فيها من وراء البحر"(!) مثل إظهار الرموز الاجتماعية والطبقية وليس الأفراد بالضرورة، ونقد الفن والذوق الفني العام الساعي للاستحواذ على العقول والأفئدة. وليست هذه العبارة في الواقع سوى الصيغة المقلوبة أو الملطفة للاستلاب الثقافي والفكري. إذ لا تفكر فيها على الإطلاق، لأنها في أفضل الأحوال والنيات، أشبه ما تكون بأحلام يقظة، مثل توهم السباحة في بحار دافئة لامرئ يعاني من شدة البرد. ووجد ذلك في موقف "منهجي" جسده في نقله الحكواتي لمختلف القصص (القصيرة) من مختلف الشعوب الأوربية لكي يعرض "على القراء صورا من الأدب التمثيلي الغربي، يمثل أمزجة الأمم الأوربية الكبرى على اختلافها وتباينها". واستكمل ذلك بعبارة يقول فيها، "إذا كان هذا ديدن الفرنسيين فلا بأس من أن نقلدهم في ذلك ونذهب مذاهبهم. والسبب هو عدم وجود أدب عربي أو مصري يمكن الاعتماد عليه والاطمئنان إليه والاكتفاء به".

أما الحصيلة فهي وقوفنا أمام تنوع كبير ورغبة بمقدارها لإجلاء مختلف مجالات وميادين الأدب الفني الأوربي، وجعله مقبولا في كلّه وتنوعه لأنه إنساني، والعمل من اجل إثارة الاهتمام الفكري تجاه القضايا التي يتناولها، والاهتمام الروحي تجاه المعاناة المشتركة، ومن ثم مساعدة الإبداع للتأمل والإنتاج. إلا أن هذه الرؤية النقدية ليست فكرة قائمة بذاتها، بقدر ما أنها الغلاف الخارجي للاستلاب الفكري والمنهجي والثقافي، التي تجعل من كل إنتاج محتمل مجرد محاكاة. بمعنى أنها لا تستند إلى رؤية منهجية ومنظومة فكرية بمستواها تنطلق من مقدمات الرؤية التاريخية واستشراف الأفق المستقبل الذاتي، بقدر ما أنها خضعت منذ البدء لعامل الانبهار والتقليد "العلمي" ومصادفات الاختصاص والإعجاب الشخصي والتفضيل الفردي، كما هو جلي في الموقف من أبي العلاء المعري، أي تلك الشخصية التي شكلت من حيث وجودها وأثرها وإبداعها موشورا لكل ما كان يعتمل فيما يبدو في أعماق طه حسين. إذ نراه يدرجه في كل ما يواجهه من أحداث وشخصيات. لهذا نراه يلمع بين ثنايا الشخصيات الأوربية التي ينبهر بها مثل بول فاليري وأمثاله. وليس هذا في الواقع سوى الصيغة النفسية ولحد ما الذوقية الجمالية للاستلاب الفكري والثقافي. كما أنها الحالة السائدة في الثقافة المستلبة لمصر والعالم العربي ككل. إذ كلما عثر أحدهم على شيء ما في "الغرب" قريبا إلى ما في التراث العربي الإسلامي أو اختصاصه الشخصي كلما تصبح المقارنة والبحث عن المعنى والتأسيس وما شابه ذلك من أعمال خاوية لا قيمة علمية فيها، هاجسا فاعلا في السر والعلن والظاهر والباطن. بينما لا تتعدى حقيقة هذه الأعمال والمقارنات والاستنتاجات أن تكون مجرد اجترار للذاكرة والكتابة، رغم كونها لا تخلو من فضيلة صغيرة تقوم في إبراز قيمة التراث العربي الإسلامي. لكنها فضيلة تابعة وليست نابعة من ذاتها ولذاتها. من هنا احتمال ولحد ما حتمية إثارتها لما يمكن دعوته بغلو المراهقة الثقافية. مع ما يترتب عليه من استلهام مثير لصغار العقول، وضعاف التجربة، ومشلولي الرؤية التاريخية، ومعدومي الفكرة المستقبلية بوصفها تطورا تلقائيا وملازما لكيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة على مستوى الدولة والثقافة والقومية. وقد يكون موقفه من فكرة الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان نموذجا حيا بهذا الصدد. فعوضا عن أن يجري التأسيس لها بمعايير الرؤية الواقعية والتاريخية والمستقبلية الذاتية نراه يرفع من شان وأولوية ما يسميه بالارتباط بأوربا وتقاليدها باعتباره أمرا اضطراريا[15]. أما ذروة هذه الرؤية فنعثر عليها في تكافؤ فكرة العظيم مع فكرة الانتماء إلى أوربا والاقتداء بها. إذ نراه يصف إسماعيل باشا بالعظيم لأنه قال:"مصر جزء من أوربا"[16]. فهي الصيغة غير الواعية، رغم نيتها السليمة، في جعل الاستلاب قيمة ايجابية. أما في الواقع فانه لا يعدو كونه وهما مخربا. وذلك لأن الجزء لا يمكنه أن يكون ذات مستقلة، ومن ثم لا يمكنه أن يكون قوة فاعلة ومبدعة بذاتها. أما دعوة طه حسين للعمل من اجل رفع العلاقة بأوربا إلى مستوى "الاضطرار" فلم يكن في الواقع سوى الوجه الآخر للفرار من ثقل المواجهة الحية للنفس بمعاييرها ومقدماتها. وبالتالي لم يكن بإمكان مشروعه عن ضرورة أو إمكانية تحقيق ذلك من خلال التربية والتعليم السليم المستند إلى توظيف الأموال فيه من اجل بلوغ الرقي الاستعداد للدفاع عن الحرية والاستقلال، سوى الصيغة الأيديولوجية التي لم تصنع ولم يكن بإمكانها أن تصنع شيئا جديا.

ذهنية البهرجة والإثارة! 

لقد كانت عقلانية طه حسين عقلانية مبتورة. والشيء نفسه ينطبق على نزعته النقدية والإنسانية والعلمية. وهي أتعس أنواع العقلانية. وذلك لأنها لا تعمل في نهاية المطاف إلا على توسيع مدى التسطيح والتهور المعرفي الذي يجعل من أنصاف المتعلمين وأشباه الجهلة "عمداء" الفكر والثقافة. أما النتيجة فإنها تقوم في حفر أخدود الراديكاليات النفسية وجعلها الطريق المبلط للحثالة عبر تحويلها إلى"طليعة" المجتمع والتاريخ! وليس مصادفة أن يتحول أزلام السلطة إلى أبطال الفكر والعقل! والحزبي إلى قائد "أبدي". بينما يقتنع المثقف بدور الوسيط القابل لكل الصور بين إلوهية مفتعلة وربوبية اشد زيفا! وليس مصادفة أن يتحول دكتاتور شبه أمي مثل صدام حسين إلى "كاتب روائي" والقذافي إلى "مفكر النظرية العالمية الثالثة"، وخطاب كل عابر طريق إلى "مدرسة تاريخية"!

طبعا ليس لطه حسين وأمثاله علاقة مباشرة بهذه الظاهرة ونتائجها المخيبة والمخجلة، إلا أن طبيعة "الفكر" الذي جرى ابتذاله و"غرسه" في الوعي من خلال الولع بالإثارة والانهماك المفرط بالتقليد وتقديمه على انه "حصيلة الثقافة العالمية"، مع ما يرافقه من "تدنيس" التراث الذاتي والتطفل عليه في الوقت نفسه، هو الذي أدى الى تهميش الفكر الحقيقي. ومن ثم توسيع مدى الفكرة النفسية والأيديولوجية وإسباغ معالم الاكتشافات الكبرى فيها وعليها. مع أنها في حقيقتها مجرد أوهام وزبد لا قيمة فيهما سواء بمعايير الحق والحقيقة أو بمعايير التطور التلقائي للأمم.

 وليس مصادفة أن يتحول تاريخ الثقافة العربية الحديثة والمعاصر إلى ميدان التجريب البليد للأيديولوجيات "الليبرالية" و"العلمانية". وأن تتكلل في نهاية المطاف بصعود نقيضها الديني و"الأصولي" وصراعهما المستميت حول حقيقة لا حق فيها، وحق لا حقيقة فيه!

إن  هذه المقدمة ترمي إلى القول، بان مقصود هذا النقد يقوم أيضا في نقد السائد بين تيارات "الليبرالية" التي لا حرية فيها، و"العلمانية" التي لا دنيوية فيها. فالأولى مجرد خطاب أيديولوجي صرف لا علاقة له بروح الأمة وجسدها ولا وجدها ووجودها، والثانية مهاترة لا علاقة لها بنقد الدين والدنيا ولا الأرض والسماء. ولعل ما يجرى الآن من أحداث درامية هائلة في العالم العربي أو ما ادعوه بالطور الجديد في الكينونة العربية الحديثة، هو الوجه الطبيعي والتاريخي والواقعي لنفي كمية ونوعية الثقافة الهشة التي بلورها رعيل مازالت تغلب ميوله ونماذجه على ما ادعوه بثقافة الزمن الفارغ وانعدام التاريخ الفعلي، أي ثقافة الاجترار وانعدام التأسيس التلقائي لإشكاليات الوجود التاريخي والمستقبلي للأمة. ولعل في نقد شخصية طه حسين إشارة أو مثال أو دليل أو إيماءة الى هذه الحالة.

طبعا، إن الشخصيات الكبرى لا تخلو من متناقضات تلازم حجمها الفعلي في تراكم الوعي الثقافي. فالثقافة هي الأخرى كتلة من متناقضات حية. وكثرة المتناقضات فيها دليل على حيويتها. والمقصود بالمتناقضات هنا كل ما بإمكانه التحول إلى وحدة جميلة بمعايير المطلق. فمعرفة المطلق تفترض معرفة جمعه بين الأضداد، كما تقول المتصوفة. وبالتالي لا تدخل ضمن هذا السياق تناقضات الغباء والبلادة والحماقة، وذلك لأنها من عالم آخر، ولا يحدها شيء لأنها بلا حدود!

وعادة ما تضع هذه المقدمة العامة المرء أمام إشكالية جدية وقلق معرفي وأخلاقي حالما يجري تطبيقها على شخصيات "أدت دورها" الثقافي في الوجود التاريخي للأمم. من هنا إجبارها لسان الحال والمقال، أي العقل والوجدان، على الوقوف أما الكلمة والعبارة والمعنى والغاية من اجل بلورة أسلوب مهمته تأسيس المواقف بوصفها جزء من تاريخ الحقيقة؛ وتنظيم الحقائق بصفها جزء من تراكم المعرفة الحية؛ وتوسيع مدى المعرفة الحية بوصفها جزء من معاناة الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي.

وفيما لو حاولنا تطبيق هذه المكونات الثلاثة الضرورية لهذه المقدمة النظرية العامة المتعلقة بأصول وجذور الثقافة التاريخية الحية، فأننا لا نعثر من حيث الجوهر على صيغة ترتقي إلى مصاف الوضوح والرؤية المنظمة في كل ما كتبه طه حسين. بمعنى أنها تبقى في أفضل الأحوال مجرد مواقف جزئية لا ترتقي بآي حال من الأحوال إلى مصاف التأسيس الفكري. ولم يكن ذلك معزولا عن ذهنية الاستلاب الثقافي المتغلغلة في ذهنية ونفسية طه حسين وضعف تأهيله الفلسفي. فقد كان طه حسين يكره الفلسفة الألمانية. ولو لم تحدّه أخلاقه لقال عنها أنها هذيان بهذيان! والسبب بسيط ويقوم في أن تربيته الأولى المبنية على الذاكرة الشفوية وتقاليد الحكاية والرواية جعلت من المعارف النظرية والتجريد الفكري الكبير والعميق أمورا لا يطيقها العقل والوجدان، واللسان والبيان! وليس مصادفة إن يجد ضالته في ديكارت والتقاليد الفرنسية بشكل عام. والسبب هنا أيضا بسيط للغاية، وهو أن التقاليد الفرنسية أدبية عملية وجدانية سياسية و"واضحة وسهلة" كما كان يقول سلامة موسى ويحبذها! أنها اقرب ما تكون إلى مفرقعات الأفراح والأعياد! ولا يخلو ذلك من جمال قادر وفعال على آثار الروح والجسد والخيال والمقال، لكنه سرعان ما يقف عند هذا الحد. وليس ذلك نتاجا لإدراك الحدود (الذاتية) بقدر ما انه نتاج ضعف القدرة على تجاوزها بوصفها جزء من تاريخ الحكمة المعرفية وتقاليدها المتنوعة ومستوياتها المتباينة. لهذا نرى طه حسين يتشبث بديكارت المجزأ والصغير، أي برواية عنه ومنه تنعش الذاكرة على حشو كل ما في جعبتها من اجل "نقد" كل ما يطاوله اللسان والبيان.

لقد كانت هذه الحالة "طبيعية" ومناسبة لحد ما لحالة مصر آنذاك وتقاليدها الثقافية في مجال المعرفة والتنظير. فقد كانت تلك الحالة اقرب ما تكون إلى البغلة التي ركبها طه حسين ليسابق بها حمير التقليد السارحة في مصر والعالم العربي آنذاك! لكننا حالما نضعها ضمن سباق الممكنات، فأنها تبدو عادية وبطيئة جدا ومتخلفة أيضا، لكنها لا تخلو من قيمة وفاعلية وروعة أيضا في جبال الجهل المعرفي ووديان الجهالة العلمية! وفيها أيضا يكمن سر البريق اللامع للحشو والتكرار والإعادة وتنظيم وترتيب العبارات العادية والطويلة والمملة من اجل قول عبارة واحدة أو فكرة صغيرة. وقد طبع هذا الأسلوب والنمط كل ما كتبه طه حسين، بما في ذلك المقالات والخواطر الصغيرة. بحيث يمكننا رؤية هذا النمط في كل ما كتبه على الإطلاق. وفيما لو أردنا تكثيف المفاهيم والأفكار والمواقف والتقييمات التي وضعها طه حسين في كتاباته الكثيرة جدا، فإنها سوف لن تتجاوز عشر أو عشرين صفحة على أفضل تقدير!! الأمر الذي يكشف عما يمكن دعوته بهوس الحشو والحشوية الجديدة، أي الحشو العادي والإثارة المتبجحة. ومن الممكن العثور عليها بين اسطر اغلب ما دبجه طه حسين من مقالات وكتب. فقد كان الهم الذائب وراء اغلب كتاباته ليس تنظيم الرؤية النقدية، بل توسيع مدى الإثارة والانبهار المسطح. وليس هذا بدوره سوى الوجه الآخر لسعة وحجم التسطيح الفكري للوعي الاجتماعي. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الانهماك "النقدي" لطه حسين قد تحول مع أول "إدانة ناجحة" إلى ولع وقيمة مستقلة بذاتها. بحيث أصبحت الإدانة التقليدية، أي الصيغة الأشد تخلفا للوعي "المنظم" (للمؤسسات التقليدية) إلى معيار النجاح والفلاح والفوز والقضاء على العوز! وتحول هذا الوهم المقلوب للمعرفة إلى نموذج رفيع للمعرفة، مع ما ترتب عليه من سباق محموم في الإثارة والانغماس فيها. بينما لم تكن هذه الدورة في الواقع سوى دورة الوعي التقليدي في أفلاك "التنوير المزيف" و"النقد" الذي لا ينتهي! وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لتقاليد الحكاية والرواية التي تتمتع وتتلذذ باليسير الميسور للوعي. مما جعل من طه حسين، في احد مظاهره، نموذجا لما ادعوه بالحشوية الجديدة. وذلك لأن خصوصيته لا تقوم في استمداد صيغ وأنماط ونماذج اللاهوت الذاتي (الإسلامي) بل باستلهام نموذج ما يمكن دعوته بلاهوت التقليد المتمدن والحديث! وهذا بدوره لم يكن ذلك معزولا عن اثر الاغتراب الثقافي بشكل عام والمنهجي بشكل خاص. فقد تحول منهج الاغتراب الثقافي إلى منهج المواقف والأحكام. وليس مصادفة إن تفتقد اغلب ما كتبه طه حسين لحقيقة التأسيس النظري بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

لقد نشأ طه حسين وترعرع ضمن سياق تيارات متصارعة متناقضة، حديثة وتقليدية. ومن الممكن رؤية ذلك في كثرة المقالات التي كتبها تحت هذا العنوان، والتي ظلت تحكم رؤيته النقدية في كل مستوياتها، بمعنى أنها ظلت حبيسة هذين التيارين من جهة، وثقافته الشفوية من جهة أخرى. مع ما ترتب عليه من انطباع مواقفه النقدية ببهرجة ظاهرية، محكومة بدورها بتأثير تقاليد الحكاية والرواية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات في مقالاته وأبحاثه ودراساته. وهذا بدوره ليس معزولا عن قلة وضعف ولحد ما سطحية معرفه الفكرية النظرية. ففيما لو جمعنا عدد المصادر الفكرية النظرية التي استعملها طه حسين في كتاباته فإنها لا تتعدى عشرة كتب!![17]

ومن الممكن التدليل على هذا النمط هنا بالاستناد إلى مثال واحد من بين مئات الأمثلة، واقصد بذلك موقفه من "البيان العربي" الذي وضعه في تقديمه لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، تحت عنوان (البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر). فهنا نقرأ موقفه القائل، بان قلة استعمال الأدباء العرب أمثلة مستقاة من كتاب الخطابة لأرسطو هو بسبب كونهم لم يفهموا هذه الأمثلة[18]. ومن هذه المقدمة الخطابية والسردية لحد ما نره يتوصل إلى استنتاج يقول، بان "علماء البيان العرب لجهلهم التام بنظم اليونان وآدابهم لم يستطيعوا فهم الأنواع الخطابية وما يتصل بها ولا الشواهد التي استعملها أرسطو من غرر الأدب اليوناني"[19]. بينما نراه لاحقا يقرر ما لا صلة بما قاله قبل قليل، وهو أن "أعجاب الأدباء العرب بالبيان منذ أواخر القرن الثالث إلى نهاية الرابع قد أدى إلى إبداعهم(!) علما للبيان عربي خالص في روحه ومادته وشواهده. حتى لقد خيل للمتأخرين منهم أن البيان العربي غير مدين للأعاجم في شيء(!!). ليس ذلك فحسب، بل وتراه يقرر بعجالة مميزة للذهنية الحكواتية عن أن "الفلاسفة العرب لم يكونوا أجود من المتكلمين وعلماء البيان في فهمهم أو آخذهم بكتاب الخطابة (لأرسطو)". والسبب بنظره يقوم في أنهم "كانوا يجهلون الهيلينية كلها عدا الفلسفة بطبيعة الحال. أنهم لم يعرفوا الأنظمة السياسية ولا القضائية ولا الحقوقية ولا خطبهم". وحاول تطبيق ذلك على كل شيء، مثل الموقف من النظام السياسي والشعر وغيره. فالعرب المسلمون لم يعرفوا غير نظام الخلافة، وان كتاب الشعر لأرسطو لم يفهمه احد على الإطلاق بين العرب والمسلمين[20] (باستثناء طه حسين طبعا!). ومن الممكن الاستطراد في أمثلة كثيرة تصب في هذا المسار، أي كل ما يعبر عما أسميته بذهنية الحشو والنقد المولع بالإثارة المسطحة.

بعبارة أخرى، إن طه حسين لم يفهم قيمة الإبداع الذاتي للأمم والحضارات خارج نطاق "الهيلينية" التي لم يعرف هو نفسه منها إلا الشيء اليسير والصيغة الظاهرية والمسطحة والمعلومات الجزئية. واكتفي هنا بالإشارة فقط إلى إن قراءة (كتاب الشعر) لأرسطو لا علاقة له بروح الشعر كما انه لا يصنع شاعرا ويربي قدرة شعرية عربية على الإطلاق. فالشعر العربي هو صيرورة تاريخية ثقافية متميزة ومكتفية بذاتها. والشيء نفسه ينطبق على البيان وتقاليده. بل ليس مصادفة أن يكون الشعراء اليونانيون العظام قد ظهروا قبل كتاب أرسطو. وما بعده مجرد شعراء صغار فقط!! مع إن القضية وما فيها لا علاقة لها بكتاب أرسطو!

وفيما يتعلق بالنظم السياسية وأنواعها، فقد عرف العرب الأنظمة السياسية والحقوقية الأخرى إلا أنها كانت بالنسبة لهم بقايا عوالم وثنية وغير عادلة. إضافة إلى ذلك، وهو الشيء الأكثر جوهرية، هو إن الصيرورة التاريخية للدولة العربية الإسلامية كانت أساسا خلافة لنفسها أو خلافة ذاتية. بمعنى أنها كانت تجربة ذاتية وفردانية أصيلة. من هنا لم تكن بحاجة إلى تجارب الآخرين. أما استعمالها الجزئي لنتاج تلك التجارب فقد كان جزء من فاعلية المنظومة الجديدة في الموقف تجاه مختلف عوالم الإنسان. وذلك لأن التجربة العربية الإسلامية الأولى كانت تجربة صاعدة وواعدة وحية وفاعلة ومقدامة. وبالتالي فإنها كانت الصيغة الأرقى للنظام السياسي آنذاك. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحقوق. بعبارة أخرى، لقد كانت التجربة العربية الإسلامية آنذاك في مجال البناء الحضاري الأعمق والأوسع والأكثر ديناميكية. لقد كانت آنذاك في مقدمة الأمم. لهذا لم تكن بحاجة إلى الالتفات إلى تجارب الآخرين السالفة أو حتى المعاصرة لها. مثلما لا تنظر الكثير من الدول المعاصرة المتطورة إلى تجارب الآخرين الماضية أو حتى المعاصرة لها.

مما سبق نستطيع القول، بان النقد المبهرج والدعاوي الكثيرة الكبيرة التي تميز مواقف وأحكام طه حسين ما هي في الواقع سوى الوجه الأخر لضعف التقاليد العلمية الدقيقة واضمحلال رزانة التقاليد النظرية الفلسفية العميقة. مما جعل من أساليب ومستويات النقد المميزة لكتابات طه حسين احد أوجه الاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي. إذ لا نقدية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. ومن الممكن القول، بأنها اقرب ما تكون إلى لدغات إثارة بفعل تدني المستوى المعرفي والعلمي السائد آنذاك. فالفكرة النقدية الكبرى هي التي تتجاوز منظومات الفكر إلى أخرى أكثر رفعة ودقة وتأسيسا. بينما لم تحتو كل كتابات طه حسين النقدية على شيء يتعدى حدود التطويع والتطبيق الجزئي لأجزاء المعرفة المتناثرة في الفكر الأوربي آنذاك، مع البقاء من حيث الجوهر ضمن الدهاليز العتيقة والعمل على نفض الغبار العالق على جدرانها. كما يمكننا أن نعثر فيه على الشخصية الباطنية أو المستبطنة لطه حسين نفسه، في استعماله الكبير للأشياء التي "فهمها" من التراث الأوربي الحديث و"اليوناني" بشكل خاص. مع أن إلقاء نظرة سريعة إلى كل ما كتبه لتكشف عن قلة وضعف وسطحية استلهامه للتراث اليوناني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

إن مشكلة الموقف المنهجي من التراث وغيره من القضايا التي تناولها طه حسين تستمد مقوماتها في الأغلب من طبيعة الاستلاب الفكري أمام الثقافة "الأوربية" آنذاك التي جعلت من "الهيلينية" أوربية، ومن الفلسفة اليونانية (أرسطو في الحالة المعنية) نموذجا للمحاكاة. مع إن طه حسين نفسه (كما هو جلي في كل كتاباته) لم تكن معرفته بها تتعدى حدود جوانب جزئية ومسطحة ويسيرة جدا. وبالتالي ليست عباراته المتبجحة والخاوية في الوقت نفسه عن انه لم يعرف احد (غيره) تقاليد الهيلينية، أو إن القدماء لم يفهموا ما فهمه هو منها، سوى الوجه الآخر لذهنية الحشوية الجديدة، التي أغرته بإمكانية القول، بان العيش فترة زمنية قصيرة في فرنسا وتعلم الفرنسية كافية لتسطير حكايات مقنعة وطريفة لبسطاء المستمعين!! أو كما قال شكسبير، بان الأعور بين العميان ملك! وهذه مفارقة أخرى بالنسبة لحالة طه حسين!(يتبع....)

***

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] طه حسين: مع المتنبي، دار المعارف، القاهرة، 1986، ط13، ص379.

[2] طه حسين: مع المتنبي، ص 12- 14.

[3] طه حسين: مع المتنبي، ص 10.

[4] طه حسين: مع المتنبي، ، ص8.

[5] طه حسين: مع المتنبي، ص 378.

[6] طه حسين: ألوان، ص5- 8.

[7] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص4-5.

[8] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص10.

[9] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص10.

[10] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص.12

[11] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص12.

[12] طه حسين: جنة الشوك، ص9.

[13] طه حسين: نظام الأثينيين، دار المعارف، القاهرة،

[14] طه حسين: من أدب التمثيل الغربي، دار العلم للملايين، بيروت، ،1983، ص29

[15] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص126.

[16] طه حسين: جنة الحيوان، ص61

[17]  وينطبق هذا في الواقع على الكتب الأدبية الكبرى. فإنها أيضا قليلة العدد. إنني افهم وأتحسس هذه الحالة والحصيلة بالنسبة لطه حسين بسبب حالة العمى، لكنها لا تكفي بالنسبة "لعميد الأدب العربي"! فقد أصيب قبله المعرى بنفس الداء. لكن مقارنة الاثنين بهذا الصدد تكشف عن البون الشاسع بينهما. والسبب هو ان المعري نتاج مرحلة الرقي الثقافي العربي الاسلامي ومدارسه الأدبية والفلسفية والشعرية، بينما كل ما في جعبة طه حسين هو تقاليد أزهرية ميتة وفتات ثقافة أوربية لم يكن بإمكانه قراءة حتى الجزء اليسير جدا منها. فالاستماع إلى قراءة من يقرأ لكي تستمع يؤدي بالضرورة إلى تفعيل نفسية الحفظ والذاكرة السردية. وهذا لا يمكنه ان ينتج عقلا نظريا. من هنا كراهية طه حسين للفكر الفلسفي، لأنه يحتاج بالضرورة للقراءة المتفحصة والتأمل والمقارنة. وهذه كلها شروط غير متوفرة في حالته. ان قيمة طه حسين تقوم في نموذج تحدي الارادة من اجل نيل أصول المعرفة الأولية وجزئيات تناثرها في المعارف الشفوية. 

[18] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص12.

[19] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص13.

[20] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص31.

mohamad aldamiلا مناص من أن يشعر المتابع بتضييق الكثبان الرملية المتحركة الخناق على حاضرة الثقافة العربية عبر عصرنا الجاري. إنها نقطة غاية في الخطورة عبر العالم العربي اليوم، ذلك أن الحديث عن الثقافة واستذكار العناوين والشواخص الثقافية أمام الفئات العمرية الشابة أصبح، لبالغ الأسف، مدعاة للاستغراب، وربما للتندر؛ على عكس ما كان يحدث في أواسط القرن العشرين، حيث كانت الشبيبة تتشبث بالقراءة وبمعرفة عناوين الكتب وأسماء المفكرين، ليس فقط من أجل الاستنارة لذاتها، بل كذلك لأجل التظاهر بالثقافة واستعراض المعارف (على أقل تقدير)، خاصة بين فئات الشبيبة الواعدة والواعية. أما الذي يتحدث في الثقافة اليوم، من بين هذه الفئات العمرية، فإنه لا بد أن يبدو إنسانا مغردا في كوكب آخر، أي “خارج العصر” كينونة مغتربة تائهة في عالم غدا ألعوبة لـــ”الفيديو كليب” ومنتديات الإنترنت التي، للأسف، لا تبث سوى ما يجافي الثقافة الحقة.

عندما أطلقت على هذه الظاهرة عنوان “التصحر البشري” عبر هذه الصحيفة الغراء، فإنه قد توجب التنويه إلى خطورة الفجوة المتسعة باطراد الآن بين المثقفين وبين الجمهور، خاصة وأن هذه المسافة إنما ستصيب الثقافة بشكل من الشلل واللاجدوى، والحال الأخيرة تؤول بها إلى اللافاعلية. والصحيح هو الحال المعاكسة، إذ إن تجارب الأمم المتحضرة اليوم تشير إلى أن المثقفين هم الذين اضطلعوا بالأدوار الأساس في تشكيل عصور التغير والتقدم، معرفين أدوارهم الاجتماعية والسياسية ومضطلعين بها من خلال الانغماس في حركة المجتمع في جهودهم الجادة لتوجيهه وتجهيزه بعلامات الدلالة، تجنبا للفوضى وللضياع وأحادية الجانب. لقد كان هذا، بكل دقة، ما حدث في عصر الثورة الفرنسية حيث كان الفلاسفة والإنسايكلوبيديون هم قدحة وقود التغير، والبناء فيما بعد. علما أن ما تحقق في عصر الثورة الصناعية اللاحق في بريطانيا، أعدّ كذلك للنخبة الثقافية الفذة آنذاك دورا اجتماعيا وسياسيا لا يمكن تجاهله في أية دراسة لتاريخ بريطانيا ذاك العصر. لهذا السبب نخص المفكرين “توماس كارلايل” و”ماثيو آرنولد” و”بنثام”، من بين آخرين، بالدراسة في أقسام الآداب والفلسفة، السياسة والاقتصاد، عندما نباشر هذا العصر المفصلي الحاسم في تاريخ العالم. إنه لمن الطريف أن نلاحظ أن “أرستقراطية الثقافة” في بريطانيا القرن التاسع عشر قد وصلت حد تعيين أشهر رئيس وزراء ربما في تاريخ بريطانيا الحديث، وهو من رجال الثقافة، إنه رجل دولة ورجل قلم: الروائي الفذ “بنجامين دزرائيلي”، صديق الملكة فكتوريا المقرب الذي عمد إلى شراء بريطانيا أسهم شركة قناة السويس حقبة ذاك.

إن محاولة وصف وتعريف دور الثقافة والمثقفين عصرنا هذا عبر العالم العربي من خلال المقارنات والمقاربات مع تجارب الأمم الأخرى، توجب علينا الاعتراف بثمة “طلاق” لدينا بين نخبة الثقافة (وهم الأقلية) وعامة الجمهور (الأغلبية). لا يمكن، بطبيعة الحال، أن ننحي باللائمة على الحكومات والأنظمة التربوية فقط، خاصة وأننا لا يمكن أن ننكر أن أغلب حكومات الدول العربية، الميسورة وغير الميسورة، لا تتأخر قط ولا تبخل بشيء في دعم كل ما من شأنه دعم وتقدم الثقافة. بيد أن الأزمة تتجلى على نحو مخيف بين “شيوع الثقافة” من ناحية، وتقهقرها لتكون مجرد هياكل صماء، من الناحية الثانية، هياكل تؤول إلى حبسها وعزلها وإجهاض دورها البناء. ربما يتمكن متابع نابه أن يضطلع بمهمة قياس الهوة بين الجمهور العربي وبين الثقافة النخبوية عبر “استبيان علمي” إحصائي يحتوي على أسئلة من نوع: “ما الذي تعنيه لك هذه الأسماء: إخوان الصفا، المتنبي، الجاحظ، المعتزلة، طه حسين…إلخ”، كي يوزع هذا الاستبيان بين المئات من الشبيبة والنشء في المدارس والجامعات العربية. وللمرء أن يتكهن في هذه الحال أن الذين سيجيبون على هذه الأسئلة بشكل صحيح لا يتجاوزون حفنة من الشباب من بين غالبية من أقرانهم.

اجتمعنا قبل أعوام مع وزير الثقافة في العراق، فوجدنا فيه طموحات كثيرة وأحلام كبيرة تعتمل على طريق بناء ودعم الثقافة. إلا أنه قد تمت ملاحظة الجفاء بين الجمهور والثقافة، باعتبارها طريقا ليست مدرة اقتصاديا، لا تساعد على الكسب المالي والسياسي. إن الملاحظة الأهم في هذا السياق هو أننا نبني هياكل ثقافية وصروح كبيرة دون أن نحسب كم هي أعداد الذين سيستفيدون منها حقا، وكم هو عدد هؤلاء الذين ستوحي هذه الهياكل لهم بالعمل في المجال الثقافي فتساعدهم على المثابرة للتشبث بالفكر الرفيع. إننا لا نبخل في تأسيس مجالس عليا للثقافة وهيئات استشارية ثقافية من أرفع الأسماء، كما أننا نبني مكتبات مهولة، ولكننا لا نعرف على نحو الدقة كم هو عدد الذين سيرتادونها والذين سيفيدون منها من غير “المحترفين”، بمعنى هؤلاء الذين يدرسون منابع الثقافة أو تفرعاتها؟ وقد كان هناك ثمة مقترح آخر لإنشاء حديقة أو “متنزه الخالدين”، وهو فضاء جميل تنتشر فيه تماثيل لأبرز سراة الثقافة الوطنية والقومية، مزودة بسيرهم ونتاجاتهم وأدوارهم الفكرية والاجتماعية؛ ولكن، مرة أخرى، هل ستكون مثل هذه “الحديقة” مأهولة؟

وثانية، أؤكد أن الحكومات العربية عامة لا تبخل في دعم مثل هذه المشاريع، اقتصاديا واعتباريا، إن لم يكن دعمها مدفوعا بحب شواخصها للثقافة لذاتها، فإنه يكون من أجل الظهور بهذا المظهر، ولكن متى كانت الثقافة العربية أكثر شيوعا: الآن أم في أواسط القرن الماضي؛ عندما لم تكن هناك مدن ثقافية ولا متنزهات خالدين ولا مكتبات عملاقة، أم الآن؟ إن البنى العمودية والهياكل الشكلية تتصاعد، ولكنها تتصدع في ذات الوقت، بسبب غمر كثبان التصحر الرملية “حاضرة الثقافة العربية”.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

 

ghanem alanazان اكتشاف الحقول النفطية كثيراً ما يتم في المناطق النائية مما يستوجب توفير المكاتب والدور السكنية وغيرها من الابنية اللازمة للعاملين فيها. فقد يقتصر ذلك على عدد قليل من المساكن والمكاتب الجاهزة لتشكل ما يشابه القرى الصغيرة او قد تتوسع لتصبح مدن عامرة كمجمعات شركة ارامكو في الظهران في السعودية.

اما في العراق فقد اقيمت مجمعات سكنية مشابهة في حقول كركوك والبصرة ومحطات ضخ النفط بالقرب من بيجي (كي2) وحديثة (كي3) والقائم (تي1). اما اشهرها واجملها على الاطلاق فمجمع شركة نفط الموصل في عين زالة الذي اشبه ما يكون بمصيف او حتى مشتى اقيم على تلال عين زالة المرتفعة ذات الطبيعة الجميلة والهواء العليل.

فقد قضيت فيه امتع واجمل اربعة اشهر في بداية حياتي العملية من كانون الاول 1959 حتى منتصف نيسان 1960 لأعود لزيارته بمهام رسمية باشتياق بين الحين والآخر خلال سنوات عملي الطويلة في شركة نفط العراق في كركوك.

فما هو تاريخ تلك الشركة التي شيدته بعد اكتشافها للنفط في تلك المنطقة؟

فقد قضيت فيه امتع واجمل اربعة اشهر في بداية حياتي العملية من كانون الاول 1959 حتى منتصف نيسان 1960 لأعود لزيارته بمهام رسمية باشتياق بين الحين والآخر خلال سنوات عملي الطويلة في شركة نفط العراق في كركوك.

فما هو تاريخ تلك الشركة التي شيدته بعد اكتشافها للنفط في تلك المنطقة؟

شركة انماء النفط البريطانية

British Oil Development Company

لقد تم اكتشاف النفط بكميات تجارية كبيرة في العراق لاول مرة في التاريخ في حقل كركوك العملاق من قبل شركة النفط التركية (شركة نفط العراق لاحقاً) عندما انفجرت البئر الاولى فيه في 14 تشرين الاول 1927 كما تم تفصيل ذلك في مقالتنا السابقة بعنوان (النفط واكتشافه في العراق). لقد اكد ذلك الاكتشاف تكهنات الدول العظمى فى ذلك الوقت كبريطانيا وفرنسا والمانيا وامريكا وغيرها عن تواجد حقول النفط الغنية في العراق مما فتح شهية تلك الدول للتسابق للمساهمة في الحصول على امتيازات نفطية لشركاتها اسوة بشركة نفط العراق.

تم على اثر ذلك في عام 1928 تشكيل شركة جديدة باسم شركة انماء النفط البريطانية المدعومة برؤوس اموال بريطانية للحصول على امتيازات نفطية في العراق والتي اصبحت تدعى فيما بعد بشركة نفط الموصل.

قام ممثل شركة انماء النفط البريطانية بتقديم عرضاً شفهياً الى الملك فيصل الاول في ايار 1928 تضمن فقرة جديدة غير موجودة في اتفاقية 1924 مع شركة النفط التركية لانشاء خط سكة حديدية من العراق الى البحر الابيض المتوسط الشيء الذي كانت الحكومة العراقية تسعى لتحقيقه.

وفي كانون الاول 1928 قامت الشركة بتقديم عرضاً جديداً تضمن تقديم قرضاً للحكومة العراقية بمبلغ 2,100,000 باوند استرليني لمدة 30 سنة بفائدة قدرها 5.5 % ومنح الحكومة فرصة للمشاركة في اسهم الشركة بنسبة 25% حيث درس العرض من قبل مجلس الوزراء وتم رفضه لكونه مبني على مبدأ اعلان المناقصات ومشروط بنتائجها.

كان لانتشار خبر انشاء شركة انماء النفط البريطانية وسعيها للحصول على اتفاقية لاكتشاف النفط في العراق وقع كبير في الاوساط الدولية مما دفع الحكومة الايطالية، بعد حرمانها من المشاركة في شركة نفط العراق، للمطالبة باشراكها في المساهمة في هذه الشركة فتم على اثر ذلك في آب 1929 منح شركة النفط الوطنية الايطالية (أجيب) 40% من اسهم تلك الشركة.

شعر الالمان بالغبن ايضاً لعدم اعطائهم فرصة للمشاركة في الشركة، بعد ان خسروا حصتهم بشركة نفط العراق نتيجة خسارتهم الحرب العالمية الاولى، فتمت ترضيتهم في نيسان 1930 ليتم اعادة توزيع اسهم الشركة بنسبة 51% للمصالح البريطانية و 34% للمصالح الايطالية و 15% للالمان.

طالب الفرنسيون والسويسريون بعد ذلك باشراكهم في الغنيمة فتم لهم ذلك واعيد توزيع اسهم الشركة بشكل نهائي كالتالي، 51% للمصالح البريطانية و25% للمصالح الايطالية و12% للمصالح الالمانية و 12% للمصالح الفرنسية والسويسرية.

كانت شركة النفط التركية قد وقعت مع الحكومة العراقية اتفاقية النفط الاولى في اذار 1924 الا ان الشركة لم تستطع الالتزام ببعض شروط تلك الاتفاقية بالرغم من منحها سنة اضافية مما نتج عنه الغاء تلك الاتفاقية في تشرين اول 1928 والدخول في مفاوضات جديدة. وقد كان من حسن حظ الحكومة العراقية تلقيها العرض المذكور اعلاه من شركة انماء النفط البريطانية مما ساعد المفاوض العراقي للحصول على شروط افضل في اتفاقية اذار 1931 النهائية بين الحكومة العراقية وشركة نفط العراق والتي تم فيها تحديد منطقة امتيازها بالاراضي الواقعة شرق نهر دجلة من شمال العراق بمساحة قدرها 32,000 ميل مربع لتصبح بموجب ذلك الاراضي الواقعة غرب دجلة متوفرة للاستثمار من قبل شركات اخرى.

اتفاقية شركة انماء النفط البريطانية لعام 1932

British Oil Development

قامت على اثر ذلك شركة انماء النفط البريطانية مع شركات اخرى كشركة بيرسون البريطانية وغيتي الامريكية بتقديم عروضها للحصول على امتياز للتنقيب في المناطق الواقعة غرب نهر دجلة وبعد مداولات طويلة قررت الحكومة العراقية من حيث المبدأ قبول عرض شركة انماء النفط البريطانية.

تم على اثر ذلك الدخول في المفاوضات النهائية بين الحكومة العراقية و شركة انماء النفط البريطانية ليتم توقيع الاتفاقية بين الجانبين في 25 ايار 1932 والتي ندرج اهم بنودها ادناه.

- حددت منطقة الامتياز بتلك الاراضي الواقعة غرب نهر دجلة وشمال خط عرض 33 درجة بمساحة قدرها 46 الف ميل مربع.

- حدد سعر النفط باربعة شلنات (ذهب) للطن الواحد اسوة بسعر شركة نفط العراق على ان لا تقل واردات الدولة العراقية عن 200 الف باوند استرليني سنوياً خلال العشرين سنة اللاحقة لتاريخ تصدير اول دفعة من النفط . علماً بان الجنيه الاسترليني الواحد يحتوي على عشرين شلن وان الطن الواحد يحتوي على 7.578 برميل من نفط كركوك وان البرميل يحتوي على 35 غالون بريطاني.

- تقوم الشركة بدفع بدل ايجار سنوي قدره 100 الف باوند استرليني في كانون الثاني

1933 ليرتفع بعد ذلك سنوياً بمبلغ 25 الف باوند استرليني لغاية 200 الف باوند استرليني

في عام 1937 وليستمر كذلك للسنين اللاحقة.

- تقوم الشركة بتصدير النفط بطاقة لا تقل عن مليون طن في السنة بعد سبع سنوات ونصف من تاريخ توقيع الاتفاقية.

- حددت مدة الامتياز ب 75 سنة من تاريخ توقيع الاتفاقية اسوة باتفاقية شركة نفط العراق.

الجارة المزعجة

لقد اثار النجاح الباهر الذي حققته شركة انماء النفط البريطانية حفيظة جارتها شركة نفط العراق لاسباب عديدة منها:

- حصولها على امتيازها للتنقيب واكتشاف النفط بفترة قصيرة وجهد يسير في المنطقة الواقعة على حدودها الغربية والتي تزيد مساحتها البالغة 46 الف ميل مربع على مساحة امتيازها البالغة 32 الف ميل مربع بكثير.

- قيام شركة انماء النفط البريطانية بتقديم شروط افضل مما جاء في اتفاقيتها لعام 1924 مما قوى من موقف المفاوض العراقي خلال مفاوضاته مع شركة نفط العراق لاحقاً ومكنه من الحصول على شروط افضل في اتفاقية اذار 1931 النهائية بين الحكومة العراقية وشركة نفط العراق اهمها استحداث مبدأ ضريبة الايجار السنوية المغرية ومبدأ تحديد ايرادات الحكومة السنوية الدنيا الواجب دفعها بغض النظر عن كميات النفط المصدرة سنوياً.

فاخذت شركة نفط العراق المسنودة من قبل مالكيها الاقوياء والاغنياء، شركات النفط العالمية الكبرى، كشركة النفط البريطانية وشركة النفط الفرنسية وشركة شل الهولندية والشركات الامريكية تتحين الفرصة المناسبة للايقاع بهذه الجارة المتطفلة والمزعجة بهدف الاستيلاء على امتيازها والتخلص منها نهائياً.

شركة نفط الموصل المحدودة

Mosul Petroleum Company limited

بدأت مشاكل شركة انماء النفط البريطانية المالية تظهر في وقت مبكر بعد قيامها باعمال التنقيب والحفر المكلفة فتم تشكيل شركة باسم (حقول نفط الموصل) في كانون الاول 1932 باموال ايطالية وبريطانية والمانية وفرنسية وهولندية وسويسرية وعراقية لامدادها بالاموال اللازمة مقابل رهن بعض اسهمها.

قام بعد ذلك المساهمون الفرنسيون والسويسريون ببيع حصتهم البالغة 12% لشركة النفط الوطنية الايطالية في آب 1934 ليتبع ذلك بيع بعض المساهمون البريطانيون حصتهم البالغة 10% لشركة النفط الوطنية الايطالية كذلك لتصبح اسهم الشركة مملوكة بواقع 47% للايطاليين 41% للبريطانيين و12% للالمان.

وفي اذار 1936 كان هناك دفعة ايجار مستحقة للحكومة العراقية بمبلغ ربع مليون باوند استرليني لم تستطع الشركة تسديدها فاستغلت شركة نفط العراق الجارة الغنية تلك الفرصة التي طال انتظارها للقيام باجراء مفاوضات مع شركة انماء النفط البريطانية بحجة مساعدتها. فتم على اثر ذلك قيام شركة نفط العراق بانشاء شركة ممولة باسم (الموصل القابضة المحدودة) لتامين الاموال اللازمة لشركة انماء النفط البريطانية مقابل حصول شركتها (الموصل القابضة المحدودة) على نسبة من اسهم شركة (حقول نفط الموصل) .

قامت شركة نفط العراق بعد ذلك بوقت قصير باستبدال اسم (شركة الموصل القابضة المحدودة) باسم (شركة نفط الموصل المحدودة).

استمرت مشاكل شركة انماء النفط البريطانية المالية بالازدياد للفترة من 1936 الى 1940 واستمرت شركة نفط الموصل المملوكة من قبل شركة نفط العراق بتزويدها بالاموال اللازمة مقابل الاستيلاء على المزيد من اسهمها الى ان اضطرت شركة انماء النفط البريطانية اخيراً، بعد ان ارهقتها الديون المتراكمة، للتنازل عن كامل امتيازها وحقوقها لشركة نفط الموصل في عام 1941.

وبذلك تخلصت شركة نفط العراق من غريمتها نهائياً والاستيلاء على امتيازها بصورة كاملة، عن طريق شركتها الفرعية (شركة نفط الموصل المحدودة)، لتوسع رقعة امتيازها بصورة كبيرة لتشمل كافة الاراضي العراقية الواقعة شمال بغداد اي شمال خط عرض 33 درجة والبالغة 78 الف ميل مربع.

اكتشاف حقل نفط عين زالة

لم تتمكن شركة انماء النفط البريطانية من اكتشاف اي حقل للنفط لعدة سنوات من التنقيب والحفر حتى استطاعت بعد فوات الاوان من اكتشاف حقل عين زالة في عام 1939. وكان ذلك بعد ان انهكتها الديون والمشاكل المالية المستعصية ووقوعها تحت رحمة غريمتها شركة نفط العراق الغنية كما ذكرنا اعلاه التي استطاعت في نهاية الامر من الاستيلاء على حقل عين زالة.

يقع الحقل على بعد حوالي 80 كيلومترا شمال غرب مدينة الموصل وقد تبين بانه صغيرالحجم بطول 16 كيلومتر وعرض 4 كيلومتر تقريبا ويحتوي على مكمنين كما موضح في الشكل ادناه.

يقع المكمن العلوي على عمق 1,600 متر تحت سطح الارض ويتراوح سمك صخوره النفطية من 75 الى 90 متراً بينما يقع المكمن السفلي على عمق 2,225 متراً تحت سطح الارض ويقدر اقصى سمك لصخوره النفطية بحوالي 400 متر ويتصل المكمنان عبر شقوق ضيقة جداً خلال شريط من الصخور الصلدة.

اما نفط عين زالة فهو اثقل من نفط كركوك حيث تبلغ كثافة مكمنه العلوي 33.7 درجة بمقياس معهد النفط الامريكي ويحتوي علي نسبة 3% من الكبريت. اما نسبة الغاز المذاب فيه فتقدر بحوالي 290 قدم مكعب لكل برميل. اما كثافة نفط مكمنه السفلي فتبلغ 31.4 درجه بمقياس معهد النفط الامريكي ويحتوي علي نسبة 2.6% من الكبريت.

تأخر تطوير هذا الحقل بسبب استمرار الحرب العالمية الثانية لعدة سنوات ليباشر بتطويره في اواخر اربعينيات القرن الماضي ليبدأ انتاج النفط منه في عام 1951 حيث بلغت طاقته الانتاجية القصوى 25,000 برميل باليوم وهي انتاجية واطئة جداً مقارنة بالحقول العراقية الاخرى التي يصل انتاج بعضها مليون برميل باليوم.

اما طاقة اباره الانتاجية فتعتبر واطئة كذلك حيث يقدر معدل الانتاج من ابار المكمن العلوي ب 5,000 برميل باليوم ومن المكمن السفلي ب 4,000 برميل باليوم.

استقر الانتاج من هذا الحقل بعد عدة سنوات من انتاجه على معدل يتراوح بين 18,000 الى 19,000 برميل باليوم ليضمن بالاشتراك مع انتاج حقل بطمة معدل يزيد عن 20,000 برميل باليوم اي ما يعادل مليون طن سنوياً وهو الحد الادنى المطلوب تصديره بموجب اتفاقية النفط الموقعة مع الحكومة العراقية.

كان انتاج النفط في الاعوام الاولى من عمر الحقل يستخرج بصورة تلقائية تحت ضغط

المكمن نفسه الذي بدأ بالتناقص تدريجياً مما تطلب المحافظة عليه بحقن الماء في اول الامر الذي لم يدم طويلا لينتهي باستعمال المضخات في نهاية الامر.

اكتشاف حقل نفط بطمة

تم اكتشاف هذا الحقل الموازي لحقل عين زالة في عام 1952 في منطقة تقع جنوب شرقه وعلى بعد عشرة كيلومترات منه تقريباً حيث يبلغ طوله 12 كيلومتر وعرضه 6 كيلومتر تقريباٌ. يتألف الحقل من قبتين منفصلتين شرقية وغربية حيث يكمن معظم النفط في مكمن القبة الغربية الذي يقع على عمق 1,150 مترا تحت سطح الارض. اما نفط هذا الحقل فهو اثقل من نفط عين زالة حيث تبلغ كثافته 29.8 درجة بمقياس معهد النفط الامريكي.

يصنف هذا الحقل ضمن الحقول العراقية الصغيرة جداً حيث ان انتاجه لم يتجاوز اكثر من 5,000 برميل باليوم حيث بدأ الانتاج منه بصورة تلقائية في سنواته الاولى وبالمضخات في السنين اللاحقة.

منشآت حقلي نفط عين زالة وبطمة

شيدت منشآت حقل عين زالة اولا ليتم تشييد منشآت حقل بطمة بعد ذلك مباشرة في عام 1953 لتصبح منشآت الحقلين منظومة متكاملة تشمل ما يلي:

- عشرات الآبار سواء للانتاج او للمراقبة او لحقن الماء.

- انشاء محطتين لعزل الغاز الاولى في حقل عين زالة والثانية في حقل بطمة.

- مد انبوب بقطر 8 عقدة وطول 15 كيلومتر من حقل بطمة لنقل نفط بطمة تحت الجاذبية الارضية الى خزانات التصدير في عين زالة ليتم مزجه مع نفط عين زالة هناك قبل تصدير المزيج.

- انشاء خزانات تصدير النفط في عين زالة.

- انشاء محطة ضخ لتصدير النفط في عين زالة.

- مد انبوب بقطر 12 عقدة وطول 216 كيلومتر لنقل النفط المزيج من عين زالة الى محطة ضخ (كي2) بالقرب من مدينة بيجي ليتم تصديره من هناك عبر خط انبوب شركة نفط العراق القديم قطر 12 عقدة الى طرابلس في لبنان.

- انشاء محطة لتوليد الكهرباء.

- انشاء محطة ضخ ماء على نهر دجلة بالقرب من ناحية زمار القريبة ومد انبوب بقطر 8 عقدة لنقل الماء الى عين زالة.

- بناء مجمع يحتوي على مكاتب ومخازن وورش ونوادي ومطاعم وحمامات سباحة وساحات تنس وملعب كولف وغير ذلك من المنشآت الضرورية والترفيهية.

- بناء دار ضيافة لكبار الموظفين العزاب والزائرين بمهام رسمية اضافة الى 42 دار سكنية انيقة لكبار موظفي الشركة وعوائلهم.

تشييد العديد من البنايات السكنية التي تحتوي على عشرات غرف النوم مع مرافقها لمختلف الموظفين والحرفيين والعمال دون عوائلهم التي عادة ما تعيش اما في مدينة الموصل او في القرى المجاورة لعين زالة.

تشييد مدرج ملائم لنزول واقلاع طائرات الشركة الصغيرة لنقل الموظفين والبريد والمواد والمعدات بين كركوك وعين زالة.

نهاية شركة نفط الموصل المحدودة

لم تتمكن شركة نفط الموصل من اكتشاف حقول نفط جديدة فاستمرت بانتاجها الرتيب من حقلي عين زالة وبطمة بمعدل مليون طن بالسنة اي حوالي عشرين الف برميل باليوم وهو الحد الادنى المطلوب في اتفاقيتها مع الحكومة العراقية لغاية تأميم شركة نفط العراق في الاول من حزيران 1972.

لقد شمل التأميم كافة منشآت شركة نفط العراق بضمنها منظومة خطوط انابيب تصدير النفط من كركوك الى الحدود السورية التي تشمل خط تصدير نفط عين زالة ما بين محطة ضخ (ك-2) بالقرب من مدينة بيجي والحدود السورية مما نتج عنه عدم استطاعة شركة نفط الموصل القيام بتصدير نفطها عبره فقامت بتسليم منشآتها الى الحكومة العراقية اسوة بمنشآت شركة نفط العراق وبذلك اسدل الستار على هذه الشركة نهائياً.

قامت وزارة النفط على اثر ذلك باستلام وتشغيل منشآت حقلي عين زالة وبطمة بالرغم من انخفاض الانتاج الى معدلات متدنية جداً حتى استيلاء داعش المجرمة على المنطقة.

راجياً ان تعيد هذه المقالة للآلاف ممن عملوا في هذين الحقلين خلال السبعين سنة الماضية ذكريات عمل جميلة وفترات عيش سعيدة في مجمع عمل وسكن انيق محاط بطبيعة خلابة بصحبة اصدقاء اعزاء وزملاء عمل اوفياء.

مع اطيب تمنياتي القلبية لهم جميعاً بكل خير.

 

غانم العناز

....................

المصدر: كتابى العراق وصناعة النفط والغاز في القرن العشرين الصادر بالغة الانكليزية عن دار نشر جامعة نوتنكهام البريطانية في ايار 2012 .

 

 

saleh altaei2كنت قد نشرت هذا الموضوع يوم السبت، 28 أبريل 2012 في الصحف الورقية والمواقع الاجتماعية، وقد عثرت عليه اليوم عن طريق المصادفة، تزامنا مع عثور القوات الأمنية على كميات كبيرة من المخدرات في طوزخورماتو والديوانية والبصرة وغيرها من المدن العراقية، فأدركت أن الحكومات المتعاقبة لو أخذت بما كتبناه منذ التغيير ولغاية هذا اليوم ما كنا لنصل إلى ما نحن عليه.

قد لا يكون خافيا على أحد أن المخدرات تجارة وتداولاً واستخداماً، باتت من المسلمات البديهية في غالبية دول العالم، لدرجة أنها أصبحت من ضروريات الحياة، فدخلت ضمن وصفات الأطباء العلاجية في بعض البلدان الغربية، يصفونها لبعض المرضى النفسيين ولبعض حالات الكآبة الشديدة وغيرها، وبات أمر الحصول عليها لا يحتاج إلى كثير عناء، فضلا عن تدني أسعارها نسبة الى أسعارها القديمة بسبب الوفرة والانتشار وزيادة المعروض وتنوعه.

وفي بلداننا العربية والإسلامية، ربما بسبب الضغط المجتمعي والديني والأسري والقوانين المشددة التي تصل إلى حد الإعدام، تبدو المخدرات غائبة عن الحياة العامة والمشهد الحياتي اليومي، مع أن انتشارها والتعامل بها لا يقل مستوى عن باقي البلدان، ولكن حركتها تتفاوت من بلد إلى آخر، فتنتشر عادة في البلدان الفقيرة والغنية بشكل كبير وفي البلدان المتوسطة بشكل ملحوظ. المواطن المسحوق في البلدان الفقيرة يعرب من ضغوط الحياة باستخدام المخدرات، والمواطن في البلدان الغنية يدفعه البطر إلى تناولها.

وفي العراق كانت المخدرات فاشية قبل التغيير في 2003 وبشكل طاغ، ولكن التعامل بها كان يتم بسرية فائقة لأن القانون العراقي، يحكم بالإعدام على التاجر والناقل والبائع والمستهلك والحائز، مهما كانت الكمية التي يتم العثور عليها، ومع أن الإحصائيات الخاصة، أشارت إلى العدد الكبير من الذين ألقي القبض عليهم، والكميات الكبيرة التي عثرت عليها القوات الأمنية، إلا أن مجرد الحديث عن ذلك كان من الممنوعات التي يشدد عليها النظام، لكي لا تتلوث سمعته في المحافل العربية والإسلامية بما لا يتناسب مع (الحملة الإيمانية) التي كان يروج لها إعلاميا ويعمل بخلافها على أرض الواقع.

أما بعد التغيير ولأسباب كثيرة غاية في الأهمية منها: دخول تنظيم القاعدة الإرهابي، وضعف الرقابة الأمنية بسبب انشغال قوات الأمن في متابعة العمليات الإرهابية وحماية المواطنين من شر الإرهاب، فضلا عن غياب منظومة الاستخبارات، وضعف الرقابة الأسرية والمدرسية، وانتشار ظاهرة البطالة، وضعف الوازع الديني، وفتح الحدود بسبب غياب قوات الحدود، وارتفاع عدد المناطق الساخنة التي يتعذر على قوات الجيش والشرطة الدخول إليها، فضلا عن الشريط الحدودي الطويل الذي يمتد في مناطق يتعذر على القوات الأمنية الوصول إليها، مما سمح لتنظيم القاعدة في تحويل الأراضي الصالحة للزراعة فيها إلى مزارع لأصناف من المخدرات لتمويل عملياته، قبل أن تحرر القوات الأمنية تلك المناطق، فضلا عن ارتفاع نسبة تآمر البلدان المحيطة بالعراق، وتفشي حالة الفوضى الخلاقة التي أسهم المحتل الأمريكي في نشرها بين أطياف المجتمع العراقي، وأخيرا وليس آخرا حالة العداء الطائفي الدموي التي أباحت استخدام كل ما يلحق الأذى بالآخر، حتى ولو كان منافيا للشريعة، أسهمت جميعها في اتخاذ الأراضي العراقية موطنا لزراعة وبيع المخدرات، وممر عبور لإيصالها إلى بعض البلدان المجاورة، فتحولت من قضية لا يجوز التحدث عنها إلا همسا إلى ظاهرة علنية معروفة ومشخصة منتشرة بين الشباب والأطفال ولاسيما في الأحياء الفقيرة، وبشكل إدمان فعلي في أعلى مراحله، مما استوجب من الجهات الرقابية والتنفيذية ومنها القوات الأمنية والدوائر الصحية أن تولي اهتمامها الكبير للظاهرة بدرجة لا تقل عن درجة اهتمامها بالإرهاب، ومع تفاوت درجات الاهتمام بين محافظة وأخرى، كانت مديرية شرطة محافظة واسط من الجهات السباقة في هذا المجال، فقامت بعمل استباقي يمنع حدوث المشكلة أو تحولها إلى ظاهرة تخريبية، حيث قامت بتشكيل خلية متابعة تأخذ على عاتقها متابعة كل ما له علاقة بالمخدرات ومروجيها ومتناوليها، وقامت بالتنسيق مع صحة المحافظة لمتابعة الحالات التي تدخل المستشفيات، ومراقبة الأوكار والمقاهي والصيدليات غير المجازة والمروجين الآخرين، وبادر إلى عقد ندوات توجيهية بالتعاون مع مديرية الصحة وجامعة واسط وبعض المؤسسات الدينية مثل مؤسسة السيدة زينب للبحث عن حلول لهذه الظاهرة الطارئة على المجتمع الواسطي، والبحث عن طرق الوقاية منها برغم قلة عدد المتورطين في مثل هذه الأعمال في المحافظة. وقد أثمر هذا الجهد الاستباقي الرائع في الحد من انتشار الظاهرة التي لو لم تجد من يعالجها بهذا الشكل لكانت قد وجدت الأرض الخصبة للانتشار، وتحولت إلى خطر داهم تصعب معالجته والتخلص منه. حدث هذا بخلاف مواقف حكومات محلية أخرى استهانت بالأمر ولم تأخذه على محمل الجد إلى أن تحول إلى مشكلة كبيرة يصعب الإلمام بكل أطرافها.

لكن مع مرور الأيام، اصاب الخمول جميع الحكومات المحلية مما سمح لظاهرة المخدرات أن تتحول إلى تجارة رائجة تتحكم بحركتها مافيات كبيرة وخطيرة إلى درجة أن بعض الكميات التي عثرت عليها القوات الأمنية لا يمكن أن تمر عبر الحدود أو عبر السيطرات الأمنية دون وجود تعاون بين الطرفين.

واجد أن من واجبات حكومة المركز والحكومات المحلية أن تولي هذه الظاهرة من الأهمية ما يتناسب مع درجة تخريبها وبشكل لا يقل عن درجة الاهتمام التي أولتها لمكافحة الإرهاب، فمسؤولية حماية الشباب تقع على عاتق جميع الشرفاء.

 

صالح الطائي

 

 

salis najibyasinللعبادة اثر كبير في وعلى الراحة النفسية هذا ان لم نقل انها كلها طالما ان هدف الانسان الوحيد او ان علة وجوده الوحيدة هي عبادته كما امره سبحانه ومع تضاعف وتعقد الحالات الاجتماعية والقلق المصاحب للحياة اليومية وكثرة الانشغالات والتفكير في عدة جوانب اجتماعية واقتصادية وغيرها .. يكاد لا يجد الانسان متنفسا من الضغوط .الى ان المنهاج الرباني السليم يغني عن مختلف ما يعلق في قلب وروح وفؤاد الانسان من صراع وحب كبير لشهواتها ومغرياتها .وبالعبادة يانس العبد ويرتاح ويوقن بما كتب له ويسرع للانابة واللجوء الى ربه راجيا رحمته داعيا اياه وطالبا الدخول للجنة وبها ايضا تستقيم حياته في شتى جوانبها بمشيئته وتيسيره وقدرته سبحانه انشراح قلب العبد لعبادته يورث الحب واذا احببت الله خشيته واطعته واستحييت منه وهذا هو المبتغى ليتيقن العبد ايضا ان ما يطلبه في دعائه وما يجنيه من عبادته واخلاصه هو رفق ونصر ونور وسكينة وستر ورزق من عنده وبحكمته سبحانه فاللهم مقلب القلوب ثبث قلوبنا على طاعتك ودينك ولا تجعل الدنيا اكبر همنا وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين واخر دعوانا ان الحمد لله ربي العالمين

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

 

 

hasan zayedهناك أزمة يعاني منها العقل العربي، تمثل في تصوري عقبة كئود، لم يتسن له أن يتخطاها بعد، ليخطو الخطوة التي بعدها دون عرقلة، ودون معوقات . تتمثل هذه العقبة في تلك الخصومة المتوهمة مابين الأمس واليوم، أو التراث والمعاصرة .

وعلي ضوء هذه الثنائية انقسم أصحاب الرأي لدينا إلي قسمين:

الأول  ويري أن التمسك بالموروث أولي، دون الإلتفات إلي المعاصرة . ورأسه وألف سيف، أنه لن  يتنازل عن رأيه، أو يتراجع عنه، أو يلتفت عنه يمنة أو يسرة، في محاولة للموائمة، أوترك الباب موارباً، للحصول علي فرصة للأخذ والرد . ويذهب أصحاب هذا الرأي إلي القول بأنه لا صلاح لآخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها . وهذا لايعني سوي صب الخلف في ذوات قوالب السلف، فيربح   في تصوره ومعتقده   الدنيا والآخرة .

الثاني  وينظر عكس اتجاه الأول، فيري أنه يستحيل عملياً، صب الخلف في قوالب السلف، لأن الخلف جعلوا لزمان غير الزمان الذي جعل له السلف، وأن لكل فرد فرديته المستقلة التي لا يشاركه فيها أحد من معاصريه، أو سابقيه، أو اللاحقين به . وكذا الأمر في الأفراد والجماعات والمجتمعات علي مر العصور وتعاقبها . هذه الفردية تحول دون صب الفرد في قالب بعينه، وهكذا الجماعات والمجتمعات، علي مر الأجيال وتعاقبها . وأنه يتعين الخلاص من هذه القوالب الجاهزة، كي تتحرر إراة الإبداع . وأن الأفكار السلفية إن من وجهة نظر هذا الإتجاه، إن هي إلا أغلال تكبلنا، وتشدنا إلي الخلف، وتحول بيننا وبين أسباب الحياة، ودواعي الحركة التقدم والرقي .

ويضع كلا الفريقين باتجاهيهما العربة أمام الحصان بالنسبة للمجتمع، حيث لا تكون هناك حركة إلا في المحل، فلا يمكن للمجتمع التحرك للأمام تاريكاً دينه وراء ظهره، أو التراجع والتحرك إلي الخلف تاركاً دنياه لغيره، وكلا الوضعين، مع حركة العالم من حولنا، يضعان المجتمع كله في وضع السكون والخمول والتخلف .

وإذا نظرنا بإنعام إلي موقف كلا الفريقين واتجاهيهما . سنجد أن كلا الفريقين يريد أن يصب المجتمع في قالبه، ويسعي في ذلك، سعياً حثيثاً دؤوباً، لا يكل منه ولا يمل، معملاً فيه إرداة الصب والقولبة بإمعان، ففريق التنوير والمعاصرة يريد أن يصب المجتمع في القالب الغربي، وينفيه عن دينه، وينفي دينه عنه، ظناً منه أن ما صلح في أوروبا، إبان عصر النهضة، وما تبعه من عصور، وأفضي في محصلته   في النهاية  إلي عزل الدين المسيحي عن المجتمع، وحصره داخل الكنيسة، وقصر العلاقة الدينية علي العلاقة بين العبد وربه، داخل الكنيسة ، وليس خارجها، ولا شأن للمجتمع به، ظن هذا الفريق وتوهم أنه يصلح بالضرورة في المجتمع المسلم .

أما فريق السلفيين فإنه كذلك يريد أن يصب المجتمع في قالب السلف الصالح . وينفي المجتمع عن عصره، وينفي عصره عنه . ويدعوا إلي محاكاة السلف الصالح، محاكاة من يترسم في سيره خطو السالفين، دونما التفاتة يمنة أو يسرة . والجريان في ذات مجراهم . ويصدعون أدمغتنا ليل نهار بالحديث عن الحداثة والتنوير باعتبارهما من قبيل النطق بالكفر والزندقة . والطريف في هذا الأمر أننا نجد هذا الفريق، يتحدث بمثل هذا الحديث، وبتلك الحماسة، وهو يستخدم أدوات والعصر ووسائله، في دعوته، وفي حياته .

 وللخروج من هذا التناقض البين، ذهب في تبرير موقفه، إلي أن الله قد سخر هؤلاء الكفار، ليصنعوا تلك الأدوات والأجهزة والوسائل، ليستخدمها، ويتفرغ هو للعبادة . غير مدرك  أو مدرك  أن هذا تبرير ممقوت ومستهجن، وبالتالي فهو غير معقول ولا مقبول، للتخلف المقيم الذي نحيا بين أقبيته المزيفة .

ولا ريب أن الإختيار بين البديلين يؤدي في النهاية إلي التهلكة، فخيار الحداثة بلا دين، يضيع الدين، وخيار التسلف  دون معاصرة، يضيع الدين والدنيا معاً . ويرجع ذلك إلي أن محاكاة الآخر لا تدع أي مجالاً للإبداع، كما أنها لا تمنح الإرادة الحرة فرصة الإختيار بين البدائل، كي تقع عليها تبعة إختيارها، كما اراد لها الله، بجعل كل إنسان مسؤولاً عما يفعل . وفي ذلك قضاء علي سر الحياة، واستشراف لمشارف الهلاك والفناء والإنقضاء، وكم من حضارات قد اندثرت، وانطوت، وطمرها التاريخ  بسبب ما نحن فيه .

لا شك أن الحياة قد اختلفت . فحياة اليوم، ليست كحياة الأمس أو الغد، والخيل والبغال والحمير، قد استبدلت بالسيارة، والقطار، والطائرة، والسفينة . وبدلاً من مجالس الشعر والسمر، التي كان يستعرض فيها الأقدمون ما يبدعونه من مركبات لفظية، سواء شعراً أو نثراً، أصبح هناك مجالس العلم والبحث، ومعامل الإختبار، والإختراعات والإبتكارات . أصبح هناك نظم في كل شيء مما لم يكن معروفاً من قبل،

فماذا علينا لو تلمسنا طريقاً لأنفسنا يجمع بين الطريقين، طريق الموروث أو الأصالة، وطريق الحداثة أو المعاصرة . دون محاكاة في خطوات السير، أو مادة المشكلات، وإنما محاكاة في الموقف والإتجاه والنظر . محاكاة في القيمة التي يجري الإحتكام إليها . وبذا لا نفارق الدين، ولا نخاصم العصر؟ .

 

حسن زايد

qasim husansalihينفرد مشهد انتخابات(2018)بثلاثة احداث ما حصلت من قبل، هي: تعدد القوائم الانتخابية التي بلغت (55) قائمة و(13) ائتلاف رئيس، وأنشقاقات وتفكك قوى كانت مؤتلفة، واتحاد قوى كانت مختلفة، مصحوبة بثلاثة أمزجة سياسية: الهوس والفوضى والغموض.

فعلى صعيد احزاب الاسلام السياسي الشيعي حدثت تطورات خطيرة ابرزها ان حزب الدعوة الذي تولى السلطة في العراق منذ العام 2005، انفرط عقده وقرر الانسحاب من الانتخابات سامحا لأعضائه بالترشح بصفتهم الشخصية ليكونوا احرارا في الاختيار بين قائمتي الخصمين العبادي والمالكي. وقبله انشق السيد عمار الحكيم عن المجلس الاعلى ليخوض الانتخابات هذه المرة بتحالف (الحكمة والبناء)، فضلا عن تحالف (الفتح المبين) الذي يرأسه هادي العامري، ويضم عصائب أهل الحق والمجلس الإسلامي الأعلى، الذي اعلن مؤخرا عن توحده مع قائمة السيد العبادي.

وللمرة الأولى في تاريخ العراق السياسي يحصل تآلف بين حزب ماركسي وتيار اسلامي، يتطور الى تحالف انتخابي بين الحزب الشيوعي العراقي والتيار الصدري المتمثل بحزب الاستقامة الوطني، بتحالف حمل عنوان "السائرون نحو الإصلاح"، يضم ايضا التجمع الجمهوري برئاسة سعد عاصم الجنابي الذي لم يحصل في الانتخابات السابقة على أي مقعد. وتحالف السيد اياد علاوي الذي حصلت قائمته على اعلى الأصوات في انتخابات 2010واغلب المقاعد في البرلمان مع السيدين سليم الجبوري وصالح المطلك.وشهد التيار المدني خروج الحزب الشيوعي الذي كان حليفه في الانتخابات السابقة .. ووصل عدد القوائم الانتخابية التي تحمل شعار المدنية الى اربعين حزبا وكيانا سياسيا من مجموع 204 سجلتها مفوضية الانتخابات .. وتصاعدت حمى الهوس لتطلق بعض الكيانات على نفسها مسميات من قبيل:(تجمع القلعة)، (عراق الأرض)، (التيار الوطني العشائري)، (برلمان الشعب)، .. و(ثأر الله!).

فماذا يعني هذا الهوس واللهاث على السلطة، وهذا العدد الذي يفوق عدد الاحزاب التي ترشح للأنتخابات في دول الاتحاد الأوربي مجتمعة؟!

بدءا نقول انه ما من احد، باستثناء الحكماء والزاهدين من رجال الدين، لا يحب كرسي السلطة لأنه يجلب الرفاهية له ولعائلته، ويمنحه اعتبارا اجتماعيا ومكانة مرموقة .والاختلاف بين الساعين الى الفوز في الانتخابات يكون في تغليب مصالح الوطن على المصالح الشخصية، او العكس.

واستنادا الى التحليل السيكولوجي، فان عقل السياسي العراقي في السلطة(أكرر .. في السلطة) تبرمج عبر اربع عشرة سنة على ان السياسة في العراق هي لعبة مصالح شخصية وليس برامج وطنية، وان الشاطر فيها هو من يتحالف مع اشخاص او كتل تضمن له البقاء في الحكم والاستمتاع بالثروة ولا يعنيه فقر الناس وخراب الوطن.فضلا عن ان انتخابات 2018 اثبتت حقيقة سيكولوجية كنا اشرنا لها هي ان حب الاستفراد بالسلطة يؤدي عبر الزمن الى التنافس حتى بين الاشخاص الذين ينتمون الى كيان او حزب واحد، والى تغيير معتقدات ان تطلب الأمر، دليل ذلك ما حصل الآن في احزاب الاسلام السياسي الشيعي والسني، وتحول قيادات سياسية من (اخوانية) الى (مدنية).

ويختلف الرهان على الفوز من تحالف الى آخر ومن قائمة الى أخرى.فكتلة السيد العبادي تراهن على وعده بالاصلاح ومحاسبة الفاسدين وتحقيقها النصرعلى الارهاب، وتحالفه مؤخرا مع كتلة بدر وقيام كتلتيهما بتغيير اسميهما من (النصر والاصلاح) و(الفتح المبين) الى (نصر العراق) .. ليضمن بذلك ولاية ثانية تحظى بتأييد اميركي وقبول ايراني معا، فيما يراهن السيد نوري المالكي على رصيد حزب الدعوة وتاريخه الذي يمتد الى اكثر من ستين عاما وما حققه في ولايتيه من اعمال يعدها انجازات.وابتعد السيد عمار الحكيم خارج السرب ببرنامج يلفه الغموض مراهنا على كسب الشباب بوصفهم الشريحة الاوسع جماهيريا والأكثر معاناة من البطالة، الى مساء الأحد (14 الشهر الجاري) حيث اعلن فيه التحاقة بكتلة السيد حيدر العبادي التي صارت تضم (18) حزبا وشخصيات من التحالف الوطني .. لغاية الأثنين (16 الجاري) وفيها حصل ما صار سخرية، حين اعلن (التحالف المبين) انسحابه من كتلة (نصر العراق) لم يدم يومين وكأن التحالف كان (عقد زواج على ورقة طلاق!). والمفارقة ان هذا التحالف الذي مات ساعة ولادته تعود اسبابه الى انه تجاوز الـ(30) تشكيلا سياسيا وأننا لا نسمح لأنفسنا ان نكون جزءا من منظومة الفساد وفقا لأكتشاف كتلة (الفتح)، في اتهام صريح للسيد العبادي، فيما يرى آخرون ان السبب يعود الى خلافات على الرقم الأول في القائمة.

وعلى ايقاع آخر يراهن السيد اياد علاوي على الفوز في الانتخابات بتحالف يضم شخصيات شيعية وسنية وتكنوقراط واكاديميين بتشكيلة يراها محللون انها واقعية وعملية، برغم وجود اشخاص فيها متهمون بالفساد، وهي حالة تكاد لا تخلو منها القوائم الخمسة والخمسين.

اللافت ان تحالف الذي يضم التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي، كلاهما يلتقيان في هدف واحد هو انتشال الدولة من افسد حكومة في تاريخ العراق والمنطقة، فالصدريون رفعوا شعار (قلع شلع) ونظموا تظاهرات مليونية، واحتلوا المنطقة الخضراء وارعبوا الفاسدين، فيما الحزب الشيوعي العراقي مشهود له بالنزاهة وقيادته للتظاهرات منذ شباط 2011 ولغاية الان .. وهي ظاهرة صحية بتغلّيبهما مصلحة الوطن والمواطن على ما يحملانه من فكر وتنظير ومعتقدات متضادة، وتقاربهما ايضا بأن ضمت قائمة حزب الاستقامة كوادر أكاديمية وشخصيات تكنوقراط مستقلة، بتحالف حمل عنوان "السائرون نحو الإصلاح"، الذي يضم ايضا التجمع الجمهوري برئاسة سعد عاصم الجنابي الذي لم يحصل في الانتخابات السابقة على أي مقعد .وفاجأ السيد مقتدى الصدر مؤخرا (الأحد 14 الجاري) بتوجيه نقد شديد للسيد حيدر العبادي لتحالفه مع قائمة السيد هادي العامري واصفا التحالف بأنه "بغيض وطائفي مقيت" معزيا الشعب العراقي لما آلت اليه التحالفات.

وعلى ايقاع مقارب فان التحالف المدني الديمقراطي برئاسة علي الرفيعي الذي يضم تجمع من اجل الديمقراطية، وبصمة العراق، والمبادرة الوطنية لغسان العطية يضم ايضا شخصيات وطنية واكاديمية وتكنوقراط ويهدف في برنامجه الانتخابي الى اقامة دولة مؤسسات مدنية.

ومع هذا الهوس والفوضى والغموض والانشقاقات والارباك في احزاب السلطة تحديدا، فان ما يؤسف له ان محللين سياسيين أخذوا يشعيون عبر الفضائيات (سيكولوجيا التيئيس) بأن نتائج الانتخابات ستاتي بنفس الفاسدين، دون ان يدركوا انهم بعملهم النفسي هذا يرتكبون خطيئة وطنية، ولا يدركون ان وسائل اغراء وخداع الناخب العراقي (قطعة ارض، بطانيات، موبايلات، فلوس ..) ما عادت تجدي الفاسدين نفعا، مع علمنا بعدم عدالة قانون الانتخابات ومحاولة الفاسدين الدخول في قوائم بمساومات (تزكية).

ونصيحة من شخص قضى نصف عمره في (السيكولوجيا) .. ان ارتباك المشهد السياسي الآن هو لصالح المواطن ان توقف المثقفون عن اشاعة ثقافة الأحباط واجاد الآكاديميون والكتّاب السياسيون فن اقناع الناخب بأن زمن سقوط السياسيين الفاسدين قد بدأ، وان 2018 ستشهد تشكيل محكمة لمقاضاة الفاسدين تنقل احداثها الفضائيات لتعيد احياء الضمير الاخلاقي الذي اماته قادة احزاب الاسلام السياسي الذين اعتبروا الوطن غنيمة لهم فنهبوه، وافقروا شعبه وأذلوه .. وليثبتوا من جديد بأن تاريخ العراقيين يؤكد بأنهم ما استسلموا لضيم وما رضخوا لظالم ولا انبطحوا لسلطة، وسترون بأن الاحداث ستثبت .. ان غدا لناظره قريب.

 

بين أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

فاجأتنا الاخبار التربوية من ايران بحضر تدريس اللغة الإنكليزية في المدارس الابتدائية وبوصف الموضوع بأنه "غزو ثقافي". وذُكر في صدد تبرير القرار ان وزارة التربية الإيرانية "تهدف الى تعزيز مهارات اللغة الفارسية، والثقافة الإسلامية الإيرانية للتلاميذ في المرحلة الابتدائية". يبدو أن الوزارة الإيرانية لم تتعلم درساً من الدكتاتور الليبي معمر القذافي الذي سبقها في مثل هذا القرار المدمر قبل سقوطه المدوي والمهين بأعوام، أو من قرار الغاء تدريس اللغة الإنكليزية في مصر بعد ثورة يوليو 1952 وما جلبها هذان القراران من أضرار على الشعبين الليبي والمصري. ويبدو ان ايران لا تعتبر اللغة الإنكليزية هي احدى اهم خمسة مهارات عالمية، وان معظم أطفال العالم يدرسون اللغة الإنكليزية وبضمن ذلك 93% من أطفال المدارس الابتدائية في اوربا، وان المغرب قد ادركت أهمية تدريس اللغات الاجنبية في مقتبل العمر فأدخلت اللغة الإنكليزية جنبا الى جنب اللغة الفرنسية في مناهج الدراسة الابتدائية.

ما اثار قلقي ليس في ماذا يحدث في ايران من أخطاء، فهي لا تقتصر على دولة دون غيرها. اخطاء النظام الايراني تستمد من حرصه الدائم للسيطرة على النظام التعليمي وتوظيفه لتدعيم مواقعه وبث أيديولوجيته وتوجهاته السياسية والثقافية والدينية وسعيه الدائم ليكون التعليم أداة لتدجين الطلبة، وتلقينهم وجهة نظر محددة تُقدم كحقائق ومسلمات غير قابلة للنقاش أو النقد، ومحتوى المناهج المدرسية احد مظاهر تسييس التعليم. ما اثار قلقي هو احتماليات تأثير النفوذ الإيراني في العراق وعدوى الآراء والمواقف والبيدوغوجيات التربوية الدينية والقومية المتطرفة على النظام التربوي الفاشل في العراق.

ودرئا لما قد يحصل من قرار مشابه في العراق، ولعواقبه الخطيرة على التعليم، ارتأيت ان أوضح في هذه المقالة الأهمية القصوى لتعلم اللغة الأجنبية خصوصا الإنكليزية للأطفال وحديثي السن. وكما قال جوته، "أولئك الذين لا يعرفون شيئا من اللغات الأجنبية لا يعرفون شيئا عن أنفسهم".

تكمن أهمية تدريس وتعلم اللغة الأجنبية في الآتي  (المصدر الرئيسي: PandaTree.com):

1- تتعمق الاتصالات والتفاهم مع العالم الخارجي عندما يمكنك التحدث إلى الناس بلغتهم الخاصة. تعلم لغة أجنبية كطفل ولديك العمر كله للاستفادة من الصداقات عبر الثقافات وفرص أوسع للعمل، واستمتاع بالسفر، وتّعرف على رؤية الآخرين للعالم. تعلم لغة الماندرين ويمكنك التحدث مع أكثر من مليار شخص في جميع أنحاء العالم. تعلم الهندية ويمكنك التحدث إلى 650 مليون شخص آخر. وتعلم الإسبانية فستستطيع التحدث الى ما يقرب من 420 مليون آخر. اما إذا كنت تتحدث اللغة الإنجليزية بالفعل، فستتمكن من التحدث إلى نصف سكان العالم تقريبا!

2- أظهرت الدراسات أن الناس الذين يتكلمون بلغتين هم  أفضل في تنفيذ المهام المتعددة الواجب والاهتمام والتركيز من المتكلمين بلغة واحدة. وتظهر عمليات المسح الذهني لدى المتكلمين بلغتين وجود مواد رمادية اكثر في مناطق الدماغ التي تسيطر على الوظائف التنفيذية. الفرضية تكمن في أن الجهد الذي يبذله الاشخاص لاختيار اللغة الصحيحة في الوقت المناسب يوفر "جمباز عقلي" للغة الثانية مما يعطيهم قوة إضافية لتركيز اهتمامهم. وتظهر هذه الفوائد في وقت مبكر، حيث تبين البحوث الحديثة أن الرضع الذين تقل أعمارهم عن سنة من العمر والذين يتعرضون الى لغات متعددة تظهر أنماط معرفية متطورة في ادمغتهم مقارنة مع الرضع الذين يسمعون لغة واحدة. في الواقع، يرى بعض الباحثين أن أفضل طريقة لجعل الأطفال أكثر ذكاءا هو تعريضهم إلى لغات متعددة في صغرهم.

3- وجدت دراسات لعشرات الآلاف من طلاب المدارس الثانوية في أمريكا أن أداء الطلاب الذين درسوا اللغات الأجنبية أفضل في "اختبار الكلية الأمريكية" (ACT) للغة الإنجليزية والرياضيات. وقد وجدت دراسات إضافية أن درجات (SAT) اللفظية تتحسن مع ازدياد طول فترة دراسة اللغة الأجنبية. لذلك إذا كنت تريد طفلك ان يأخذ اعلى الدرجات في الاختبارات فعليك تعليمه لغة اجنبية.

4- قبل سنوات اعتقد الناس أن تعلم لغة ثانية من شأنه أن يشوش تعلم الطفل، وناهض تعليم اللغة الأجنبية في العالم العربي عدد من المربيين والتربويين في العالم العربي منهم عبد العزيز القوصي وساطع الحصري. الآن، تظهر الأبحاث أن أداء الأطفال الذين يدرسون لغة أجنبية أفضل في لغتهم الأم من الطلاب أحادي اللغة. وقد أظهرت بحوث أخرى أن الأطفال الذين يتعلمون لغة ثانية تبدأ القراءة عندهم في وقت متقدم. بالإضافة إلى ذلك، الأطفال ثنائي اللغة أفضل في معرفة الجمل غير الصحيحة من الناحية اللغوية من أحادي اللغة.

5- الأطفال كالاسفنج في تعلم اللغة. تبين البحوث أن هناك "فترة حرجة" لتعلم اللغة عندما يكون الدماغ مستعداً للتعلم اثناء الطفولة، وبعد سن البلوغ تنخفض القدرة على اكتساب اللغة الثانية. وتبين البحوث التي أجرتها الدكتورة باتريشيا كوهل في معهد التعلم وعلوم الدماغ في جامعة واشنطن أن الأطفال في بيئة اللغة الواحدة من الذين تتراوح أعمارهم بين 8-12 شهرا يركزون على الأصوات التي هي بلغة الأم، ولا ينتبهون للأصوات باللغات ألاخرى. اما إذا كان الأطفال معرضين للغة ثانية فإنهم يحتفظون بالقدرة على تمييز الأصوات الأجنبية. في خلال سن 7 أو 8 أعوام، يمكن للأطفال تعلم التحدث بلغة ثانية مع فهم قواعد اللغة بطلاقة وبدون لهجة. بعد هذه الفترة الحرجة تنخفض القدرة على إتقان لغة أجنبية تدريجيا.

6- قامت الدكتورة كاثرين كينزلر، في جامعة كورنيل، باختبار الأطفال أحادي اللغة وثنائي اللغة في مهمة تتطلب منهم النظر من منظور شخص آخر لفهم معناها. كان أداء الأطفال في بيئات ثنائية اللغة أفضل من الأطفال في بيئات أحادية اللغة. وكما توضح الدكتورة كاثرين فأن "الأطفال في بيئات متعددة اللغات لديهم تجارب اجتماعية توفر ممارسة روتينية في معرفة وجهات نظر الآخرين أي انهم يفكرون في من يتحدث تلك اللغة والى من يفهم محتواها وكذلك في الأوقات والأماكن التي قد تختلف فيها معاني اللغة".

7- أظهرت بعض الدراسات أن الناس الذين يتكلمون بانتظام لغة ثانية تتأخر فيهم اعراض مرض الزهايمر، وغيره من أنواع الخرف بنسبة 4.5 سنة. الفرضية هي أنه من خلال تحسين الوظيفة التنفيذية للدماغ عند ثنائي اللغة يتطور "الاحتياطي المعرفي" الذي يساعد على تأخير أعراض الخرف.

8- أظهرت الدراسات أن المتحدثين باللغات النغمية، مثل الماندرين والكانتونية الصينية  كانوا أفضل في تحديد النغم الموسيقية من المتحدثين باللغات غير النغمية مثل الإنكليزية والفرنسية.

9- أحد الأسباب المهمة لرغبة العديد من الآباء في أمريكا واوربا من اصل اجنبي في تعليم أطفالهم لغة اخرى هو لكي يتمكنوا من التحدث إلى أفراد الأسرة في لغتهم الأم. ليس فقط يمكن بتعلم اللغة تحسين التواصل وانما يأتي جنبا إلى جنب مع قدر كبير من البصيرة الثقافية التي يمكن أن تساعد الأطفال على تفهم وجهة نظر عائلتهم. في المجتمع المغلق عندما يتقدم الأطفال في السن، غالبا ما يتعلمون أنهم يستطيعون العيش من دون لغة اجنبية، ونتيجة لذلك فإن المجتمع يفرض على نفسه حصارا ثقافيا مما يزيد من التطرف والتزمت واتخاذ القرارات الخاطئة.

10- بالتأكيد، هناك سعادة  تأتي من القدرة على التحدث مع الآخرين في لغتهم الأم - ناهيك عن شعور الإنجاز. ولكن جزءا من متعة تعلم لغة أجنبية هو اكتشاف الاختلافات في كيفية نظرة الناس إلى العالم. انها متعة للتفكير على سبيل المثال لماذا  ينطق الكلب "ووف ووف" في اللغة الإنجليزية، و"وانغ وانغ" في الماندرين الصينية و"كوا وا" باللغة الإسبانية و"هوهو" بالفرنسية و"عوعو" باللغة العربية  بالرغم من ان للكلب نباح واحد. ما هي الكلمة الصحيحة؟  انها متعة اكتشاف الكلمات في لغة أجنبية والتي لا وجود لها في لغتك الأم.

ارجو ان تكونوا قد اقتنعتم بضرورة تعلم اللغات الاجنبية في مقتبل العمر، وبأن قرار الاستغناء عن تدريس اللغة الإنكليزية في ايران قرار غبي، راجيا عدم الاقتداء به مهما كانت الأسباب والمسببات.

 

أ.د. محمد الربيعي

 

 

الدولة كيان اعتباري، وشخصية معنوية، تعبر افضل تعبير عن انسانها؛ فالانسان الفاشل ينتج دولة فاشلة، والفاسد يقدم دولة فاسدة، والمدني ينتج دولة مدنية؛ وذلك لان الدولة بناء فوقي تعبر عن حراك اجتماعي وفعل انساني؛ لان الانسان يشكل البنية التحتية للدولة. قبل الحديث عن دولة ايا كان لونها، لابد ان تكون البداية من الانسان؛ لانه هو البداية وهو الغاية والهدف.

 المدنية والحضارة

قبل الحديث عن مدنية الدولة او حضاريتها، لابد من تحرير محل النزاع - كما يقولون - ولابد من تحديد المصطلحات، لكي تكون الامور جلية واضحة . مفردات: المدنية والحضارة والبداوة مفردات مرتبطة بالمكان، فالمدني ساكن المدينة، والحضري منسوب الى الحاضرة، والبدوي من يعيش حياة الصحراء التي لاتعرف الهدوء ولا الاستقرار؛ ولذلك فالاقلاع نحو المدنية والحضارية اقلاع من المكان .

تعريف المصطلحات وتحديدها

لا يوجد تعريف ماهوي للحضارة والمدنية والثقافة؛ ولذلك وقع الاختلاف في التعاريف بين الباحثين . والتعريفات - كما يقول المناطقة - على ثلاثة اقسام:

1- التعريف بالذاتيات: كتعريف المناطقة للانسان؛ فقد عرفوه بالجنس والفصل، وقالوا بانه: " حيوان ناطق"؛ لان الجنس والفصل " الحيوانية والناطقية " من ذاتيات الانسان .

2- التعريف بالعرضيات: كتعريف الانسان بانه: ضاحك، وهذا ليس تعريفا بالذاتيات وانما بامور عرضية كالضحك، الذي هو عرض، او خاصة كما يقولون.

3- التعريف بالمثال اواللفظ، كما لوقلت: " الضيغم اسد، فهذ ليس تعريفا بالذاتيات ولابالعرضيات، وانما فقط استبدلت لفظا بلفظ.

وتعريف هذه المفردات، هو من القسم الثالث؛ لذلك وقع الاختلاف في تعريفها بين الباحثين.

 هناك من يقول ان الحضارة تعبر عن الافكار والمعتقدات والفنون والعادات والتقاليد، والمدنية تعبر عن الجانب المادي، وهناك من عكس الامر، وهناك من جعل الحضارة جامعا وناظما للعناصر المعنوية والمادية.

والذي اميل اليه، ان المدنية هي الجانب المادي، والمكتسبات المادية للحضارة، والثقافة هي الافكار والمعتقدات والجوانب المعنوية، والمركب الجامع بين الاثنين هو مانسميه الحضارة .

الانسان المدني والانسان الحضاري

وبعد وضوح المفردات والمصطلحات نستطيع ان نقول: ان الانسان المدني: هو الانسان الذي يستخدم، ويحسن استخدام مكتسبات الحضارة المادية، فالانسان الذي كان يركب الجمل، واليوم يركب السيارة، نقول عنه: انه متمدن، ولانقول متحضر

فكل المجتمعات البدوية اليوم تستخدم الهاتف النقال، والسيارة والطائرة، والانترنت، وهذا يجعلها متمدنة، لامجتمعات حضارية. اما مفردة الثقافة: فهي التعبير عن الرقي في الافكار والفنون والذوق الادبي، وهذا هو الجانب المعنوي من الحضارة

فالانسان الذي يستخدم التكنولوجيا، ومكتسبات الحضارة المادية، انسان مدني؛ لانه ليس بالضرورة كل من يستخدم مكتسبات الحضارة المادية من تكنولوجيا ووسائط نقل حديثة، ووسائط اتصالات، يحمل ذوقا رفيعا، وثقافة عالية، وقيما سامية .

 نعم: الانسان المدني خطوة مهمة للوصول الى الانسان الحضاري، الذي هو الانموذج الامثل الذي يتطلع اليه انسان اليوم، الغارق في مشكلاته وازماته وحروبه وجشعه.

هناك منظمات المجتمع المدني، وهي خطوة مهمة باتجاه صناعة الانسان الحضاري، ولكن ليس من الضروري ان يكون كل من انخرط في منظمات المجتمع المدني، هو انسان حضاري، فهناك اناس يدعون الى المجتمع المدني، ولكن يفتقدون الاسلوب الحضاري في حواراتهم . المدنية استخدام لمنتجات الحضارة المادية، والحضارية هضم وتمثل لقيم الحضارة، ومعانيها النبيلة، من احترام الراي الاخر، وقبول الاختلاف.

 الدولة المدنية والدولة الحضارية

الانموذجات للدول المدنية في الغرب، ساهمت في تمدين الانسان، والارتقاء بتعليمه، ونمو معارفه ، وتدريبه على قيم التسامح، والحرية، ولكن يبقى انموذج الدولة الحضارية، هو الانموذج الذي يسعى اليه الانسان اليوم؛ لان الدولة الحضارية هي دولة الانسان بغض النظر عن لونه ودينه ومعتقده.

زعيم الخيرالله

 

 ومضة: (بين العقيدة الدينية والعلم هناك دوما صراع، يستعر حينا ويخمد حينا أخر، ولكن الغلبة دوما للعلم، أي للعقل .. كاتب البحث)

الموضوع:

ظل كتاب 2007 Die syro-aramäische Lesart des Koran: Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache (2000) لعالم فقه اللغة، الألماني وبروفيسور اللغات السامية والعربية القديمة كرستوف لوكسنبرغ . الخاص في فقه اللغة التاريخي والمقارن "philology "، والذي يعمل على فك أسرار اللغة القرآنية، هو الكتاب الأبرز في فك طلاسم بعض المفردات اللغوية القرانية الغامضة، والذي أحتار الكثير من المفسرين / حتى الصحابة، في حل معنى قصدها ّوتفسيرها، سابقا وبموضوع ذات علاقة بالأمر، قد أكتسبت اللغة الأرامية بلهجتها السريانية أهمية ملحة في حقبة " قبل وبعد كتابة القرأن " و" حقبة الحياة التي عاشها الرسول "، لأسباب منها:

1. كانت هناك أهمية ثقافية ولغوية للغة السريانية المكتوبة في نظر العرب عامة وفي نظر نساخ القرآن . ففي زمن الرسول محمد لم تكن العربية بعدُ لغةً مكتوبة ؛ فقد كانت السورية–الآرامية أو السريانية هي لغة التواصل المكتوبة في الشرق الأدنى، بدءًا من القرن الثاني للميلاد وحتى القرن السابع . وكانت السريانية، وهي لهجة آرامية، لغة مدينة–دولة الرَّها في أعالي الرافدين، وهي المتداول بها مجتمعيا، وهكذا ظلت السريانية، حتى بزوغ القرآن، هي وسيط التواصل الأوسع وأدات نشر الثقافة عند الآراميين والعرب .

 2. وهذه اللغة هي التي أبدعت، بنفس الوقت، النتاج الأدبي الأغنى في الشرق الأدنى، بدءًا من القرن الرابع، حتى تم استبدال العربية بها في القرنين السابع والثامن . ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن الأدب السرياني–الآرامي، بما هو الرحم اللغوي التي وجدت فيها هذه الثقافة، ويكاد أن يكون مسيحيًّا حصرًا . ويُظهِر جزءا من دراسة كوستوف لوكسنبرغ، حول أن التأثير السرياني على أولئك الذين أوجدوا العربية المكتوبة كان ينتقل عبر وسط مسيحي وأن تأثير هذا الوسط كان حاسمًا ومؤثرا .

3. والأمر لا يمكن أن يكون غير ذلك لأن تلك الآداب كانت السوابق الأدبية للعربية المكتوبة . وقد وضع لوكسنبرغ دراسته لاختبار صحة الفرضية التالية: بما أن السريانية المكتوبة كانت لغة العرب المكتوبة، وبما أنها كانت تشكل الوعاء الثقافي للشرق الأدنى، مثلها كمثل الآكادية التي سبقتْها أو العربية التي تلتْها، فإن من الأرجح جدًّا أن تكون السريانية قد تركت بعض الأثر على الذين طوَّروا العربية المكتوبة . ويمضي لوكسنبرغ مفترِضًا أن هؤلاء العرب كانوا متنصِّرين ومشاركين في الليتورجيا (*1) المسيحية .

 4 . وقد تنبَّه الدارسون الغربيون، منذ القرن التاسع عشر، إلى تأثير اللغات الأجنبية، ولاسيما اللهجة الآرامية المسماة بالسريانية، على مفردات القرآن . وقد جمع لوكسنبرغ كل ما يمت إلى هذا المنحى من البحث، وصولاً إلى فحص منهجي عن عربية القرآن بغية تأمين حلٍّ شامل لصعوباته النصِّية العديدة . وقد استندتْ النتائج التي استخلصها حول أصل القرآن، وقصة انتقاله من محمد إلى عثمان، والثيمات (*2) المضمَّنة فيه، إلى حجج مشتقة من أدلة جُمِعَتْ وفُحِصَت من خلال أدوات مناهج الاشتقاق والقراءة النقدية للنصوص . فلا يستند أيُّ جزء من هذه المنهج على القبول الأعمى للافتراضات الدينية والموروثة، أيًّا كان نوعها ../ (*3) .

أضاءة:

 قد بين (البروفيسور الألماني كريستوف لوكسنبرغ) في كتابه المشار أليه في أعلاه، أنه هناك أيضاً إمكانية، " أن حرف سيرياني عن طريق الخطأ كُتب بنص عربي"، وقد قام لوكسينبيرغ بفحص أكثر فقرات القرآن غموضاً، منها: فبعد أن ولدت مريم عيسى في القرآن العربي، يقول لها الملاك (أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)، ولكن في نسخة لوكسينبيرغ يبين تفسيرا أخر: (أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ وَضعَكِ شَرعِيّا)، أولا، دعنا نفسر معنى، الأية السابقة / 24 من سورة مريم، ثم سأبين قرأتي الخاصة للموضوع عامة، .. فقد جاء في تفسير أبن كثير ((قرأ بعضهم (من تحتها) بمعنى الذي تحتها . وقرأ آخرون: (من تحتها) على أنه حرف جر . واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره، عن ابن عباس (فناداها من تحتها) جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وعمرو بن ميمون، والسدي، وقتادة: إنه الملك جبريل، أي: ناداها من أسفل الوادي . وقال مجاهد: فناداها من تحتها قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها . وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير: أنه ابنها، قال: أولم تسمع الله يقول: فأشارت إليه) مريم: 29) ؟ واختاره ابن زيد، وابن جرير في تفسيره وقوله: (ألا تحزني)، أي: ناداها قائلا لا (تحزني، قد جعل ربك تحتك سريا) قال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: قد جعل ربك تحتك سريا، قال: الجدول . وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السري: النهر . وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه . وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية . وقال سعيد بن جبير: السري: النهر الصغير بالنبطية .وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية . وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير . وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز .وقال وهب بن منبه: السري: هو ربيع الماء .وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير . وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني:حدثنا أبو شعيب الحراني: حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله يقول: إن السري الذي قال الله لمريم: قد جعل ربك تحتك سريا،" نهر أخرجه الله لتشرب منه " وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه . وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف . وقال أبو زرعة: منكر الحديث . وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث، وقال آخرون: المراد بالسري: عيسى، عليه السلام، وبه قال الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عباد بن جعفر . وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر، ولهذا قال بعده .. / نقل بتصرف من موقع:  quran.ksu.edu.sa/.../sura19-aya2)) .

القراءة:

أولا – أن جهد ودور "أبن كثير" وغيره، لم يرشدنا الى تفسير معين محدد، بل هو ينقلنا من فرد الى أخر، ومن قول الى أخر، ومن رأي الى أخر، ومن تفسير الى أخر، ومن حديث الى أخر، كلها أجتهادات ومحاولات، فتفاسير وأراء ! (العوفي، ابن عباس، سعيد بن جبير، والضحاك، وعمرو بن ميمون، والسدي، وقتادة، عبد الرزاق، سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، علي بن أبي طلحة .. وصولا الى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم)، يمنحوك تفسيرهم وأجتهادهم في هذا الصدد !، ولم يمنحوك نافل القول وحقيقة المعنى، ودقة المراد من الأية، وصدق المعنى منها، أما لعدم الأطلاع، أو للنقص في الفهم اللغوي لمفردات القرأن، وكيفية كتابته، وهذا الأمر وقع به أيضا اللغوين والمفسرين المعاصرين وحتى الحداثويين .

 ثانيا - أن التفاسير بعضها تشذ عن الاخرى، ويوجد بها نوعا من التباعد والخلاف والأختلاف، وهذا يجعلنا أن نبتعد عنها جميعا، فبينما البعض يقول مثلا أن السري هو " النهر أو ماءا للشرب "، يذهب الاخر بخياله ويفسر السري بأنه " عيسى بن مريم عليه السلام، وبه قال الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عباد بن جعفر " . لأجله أرى أن هذين التفسيرين غير منطقيين ! .

ثالثا – أما التفسير الأول، الذي يعتبر أن السري هو نهرا لتشرب منه العذراء مريم أم عيسى، فهو أيضا يبتعد عن العقلانية والقبول، فهل من المنطق أن الله تعالى يفجرا نهرا لأجل أن يشرب منه أمرءا واحدا أو أثنين !، ولماذا يربط النص شرب الماء بقوله للعذراء مريم (أَلَّا تَحْزَنِي) ! .

رابعا – (أن بعضا من علماء المسلمين في الماضي كانت لديهم الثقة في فهم الكلمات الدخيلة / الأجنبية في القرآن، ففي القرن العاشر الميلادي " الطبري " أحد أهم المفسرين، حدد كلمات عبرية، لاتينية، أغريقية، فارسية، حبشية وسيريانية في القرأن . لكن الفرق أن كرستوف لوكسينبيرغ يدعي (وجود معاني جديدة لم تكن مطروحة سابقاً)، ومبدئيا حتى الطبري أراه أكثر جرأة وعلمية من مفسري ومن شيوخ أسلام الزمن الحالي، لأن رجال الأسلام الحاليين، هم كالنعام، رأسهم في التراب وأجسادهم ظاهرة للعيان، والاكثر من هذا أن أجسادهم عارية !، لأنهم بعيدون عن البحث العلمي التام !، خوفا من التجاوز على صنمية النص ! .

 خامسا – تبين الكثير من المواقع الأسلامية ومنها مركز الفتوى وأسلام ويب وغيرها حول تعلم "زيد بن ثابت" للغات عدا العربية، ففي موقع قصة الأسلام islamstory.com/ar / نقل بتصرف ((وحين بدأ الرسول في إبلاغ دعوته للعالم الخارجي، وإرسال كتبه لملوك الأرض وقياصرته .. فقال الرسول لزيد "تعلّمْ كتاب يهـود، فإنّي ما آمنهم على كتابي ". ففعلتُ، فما مضى لي نصف شهـر حتى حَذِقْتُـهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأتُ له . وعن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله: "أتحسن السريانية ؟ " قلت: لا. قال "فتعلمها فإنه تأتينا كتب ". قال فتعلمتها في سبعة عشر يومًا . قال الأعمش: كانت تأتيه كتب لا يشتهى أن يطلع عليها إلا من يثق به، من هنا أطلق عليه لقب " ترجمان الرسول " ..))، مما سبق وهو مؤكد أن زيدا يتقن العبرية والأرامية بلهجتها السريانية، أضافة للغته العربية .. شخصيا: أرى أن هذا الأمر، قد يجعل كاتب الرسول وموثق وحيه وترجمانه، أن يختلط الأمر عليه لغويا في كتابة النصوص القرأنية، خاصة أن اللغة العربية كانت لا تلبي الغرض الكامل لها عمليا في الكتابة وذلك لما بها من نقص في التنقيط والتشكيل والتحريك، لهذا كانت بعض المفردات كتبت بلغة أخرى غير العربية، لأن الأخيرة قاصرة في صياغتها اللغوية لبعض التعابير والمفردات .

سادسا – أن الأمر الذي لم يأخذه المفسرون بعين الاعتبار، هو تأثير ودور اللغات الأخرى / غير العربية، في تفسير النصوص . " لأجله راعى البروفيسور كرستوف لوكسبيرغ معنى جذر الكلمة في اللغة السيريانية، أو أمكانية قراءة خاطئة للكلمة في حالة كون النص منقط أو مشكل بشكل خاطئ " . سابعا – أرى أن كتابة الأية حسب نهج لوكسنبيرغ " أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ وَضعَكِ شَرعِيّا "، يدل على أن الله أكرمها بولادة المسيح عيسى بن مريم، دون دنس وأصبح بذلك وضعها شرعيا، لأنه جاء بأرادة ربانية ألهية، لا تقبل الشك، وبرئها وطهرها الله أمام العالمين من أي خطيئة . ثامنا – أضافة لكل ما سبق وما قيل وما يقال وما سيقال، أن بعض المفسرين أنفسهم أعترفوا بوجود صعوبة في تفسير بعض المفردات، وأعترف وقال بعضهم بملأ فيه أن بعض المفردات سريانية .. (حيث قال مجاهد أن السري: هو النهر بالسريانية، وقال الضحاك أن السري: هو النهر الصغير بالسريانية)، ولا أرى من قرينة أو حجة أثبت مما ذكره هؤلاء المفسرين من أن القرأن به تعابير وكلمات وتعابير سريانية ! . تاسعا – وحتى أقرب الصحابة للرسول، أبو بكر الصديق، والذي كان مرافقا له بغار حراء، والذي نزل بحقه نصا قرانيا، (إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ / سورة المائدة 40)، كان هو أيضا جاهلا ببعض المفردات القرأنية، وهو الذي عاصر القران من بدايته حتى نهايته، فقد ورد في الموقع التالي

 https://forums.alkafeel.net/showthread.php

ما يلي (في ارشاد المفيد رحمه الله، وروى أن أبا بكر سئل عن قول الله تعالى " وفاكهة وأبا /31 سورة عبس " فلم يعرف معنى الأب من القرآن، وقال: أي سماء تظلني أم أي أرض تقلني أم كيف أصنع ان قلت في كتاب الله بما لا أعلم ..)، وبموضوع ذات صلة، يتعلق ب " أبو بكرالصديق وعمر بن الخطاب " معا، وجهلهما ببعض الكلمات الواردة في القرأن، فقد ورد في / موقع يا حسين، ما يلي (.. وأخرج البيهقي وغيره عن أبي بكر أنه سئل عن كلمة " الكلالة " الواردة بالنص التالي ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ .. / 176 سورة النساء) ؟ فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان: أراه ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمربن الخطاب، قال: إني لأستحي أن أرد شيئاً قاله أبوبكر ..) . عاشرا – في نهاية الجزء الثاني من البحث لي تساؤل، بخصوص أبو بكر الصديق وعمربن الخطاب، بصفتهما من أقرب المقربين للرسول ومن العشرة المبشرين بالجنة (*4)، وأشارة " للفقرة تاسعا " الواردة في أعلاه، فهما من المؤكد قد سمعا تلاوة ما سبق من أيات وقت نزولها، / ومنها ما ذكر في أعلاه، ومن المفروض أنهما يعرفان حتى " سبب النزول "، فألم يسألا الرسول عن معنى هذه المفردات في حينه !، أم كانا يسمعان فقط، غير مكترثان بالمعنى ! . ختام: أذا أبتعدنا عن هالة قدسية النص، فلا أرى أن موضوع " قراءة أرامية للنص القرأني "، به أنتقاص أو تشكيك أو أهانة للنص القرأني، خاصة أذا نظرنا للقضية علميا من الناحية اللغوية، لأنه من الجلي وجود تأثر وتأثير لغوي بالمفهوم المطلق، أو المفهوم المحدد، لأي نص من قبل باقي اللغات التي رافقت أو تعايشت مع القرأن نطقا أو كتابة، والعربية واحدة منها، والنص القرأني لا يخرج عن هذا النطاق أو الحدود، وأن المكتشفات لكثير من الرقائق والصفائح والوثائق، أضافة للتطور التقني اللغوي والفحص الأشعاعي الرقمي المتقدم للنصوص القديمة .. جعل من الباحثين، خاصة الغربيين منهم / مثل البروفيسور كرستوف لوكسبيرغ، أن يكون لهم السبق في هذا الصدد، وبقى العرب متأخرين بقرون في هذا المضمار، لأجله أرى أننا لا زلنا نعيش حالة من التغييب الفكري بشأن البحث والتمحيص ومن ثم تحليل، لغة وكتابة وبنية النص القراني ! .

يوسف تيلجي

........................

(*1) الليتورجيا: كانت هذه الكلمة تعني في اليونان القديم وخاصة في أثينا أي عمل عام أو خدمة عامة تعود بالفائدة على الشعب ولمصلحته . ومن ثمّ أخذت هذه النقطة مدلولاً دينياً فأخذت تعني أيّة عبادة شعبيّة أو خدمة للآلهة . أمّا في العهد الجديد، فكلمة (Liturgein) – (Liturgos)- (Liturgia): قد وردت بمعنى أوسع ممّا سبق وذكرنا، فهي ترد أوّلاً معبّرة عن الخدمة الدينيّة اليهوديّة (لو 1: 23) و(عب 10: 11) . كما ترد عانية عمل المسيح الخلاصي الذي سبق وعبّر عنه برموز في العهد القديم (عب 8: 2 – 6)، وهوذا الرسول بولس يستعمل كلمة ليتورجيا قاصداً أيّ عمل رسولي أو خدمة روحيّة (فيليبي 2: 17)، وكذلك أيّ عمل محبّة ورأفة مسيحيّة (رومية 15: 27، 2 كور 9: 12، فيل 2: 25 و30) . كما يدعو نفسه خادماً (Liturgos) ليسوع المسيح في الأمم (رو 15: 16): “ لأكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم ” .. نقل بتصرف من الموقع التالي almoutran.com .

(*2) الثيمات: كلمة من اللفظ اللاتيني (تايما) ويعني الشيء الذي نضعه، أما الكلمة نفسها فتعني الفكرة الأساسية أو التكوين الرئيس للجملة أو النص، ويمكن أن تشير إلى مجموعة كلمات تنتمي إلى حقل واحد لإعطاء دلالة معينة، فمثلا قد يكون النص موحيا بالحزن ويسيطر على الرواية أو القصيدة جوا من الأسى فنقول إن التيمة هنا هي تيمة الحزن والأسى، أو الفرح أو اليأس وهكذا .. / نقل من موقع شبكة الفصيح .

(*3) أستنبطت بعضا من هذه الأسباب من مقال، في موقع دروب ثقافية بعنوان " كريستوف لوكسنبرغ، قراءة سورية -آرامية للقرآن " المبنية على وحي من كتاب 2007 Die syro-aramäische Lesart des Koran: Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache (2000) للبروفيسور الألماني كريستوف لوكسنبرغ .. مع أضافات الكاتب .

 (*4) العشرة المبشرين بالجنة: في رواية عن أبي داود وغيره عن سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: أشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: العَشْرَةٌ فِي الْجَنَّةِ:النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَلَوْ شِئْتُ لَسَمَّيْتُ الْعَاشِرَ، قَالَ: فَقَالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ، قَالَ: فَقَالُوا:مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ .رواه الترمذي وصححه الألباني / نقل من الموقع التالي

 www.almrsal.com/post/328714 .

 

 

juotyar tamerظهر الاسلام في بداية الامر كما هو معلوم في الجزئرة العربية، وفي مكة بالذات، وبعد ان هاجر نبي الاسلام الى المدينة، واسس هناك الدولة الاسلامية، بدأ العمل على دعوة الاقوام الاخرى وفق رؤية عالمية الاسلام التي تندرج ضمن اولويات الدولة، وبعد وفاة النبي وتسلم الخلفاء الراشدين السلطة ترجمت تلك الرؤية الى واقع، حيث ارسال الجيش وفق منظومة الدعوة الى الاسلام الى باقي الامصار ومحاربة الاقوام التي لاتدخل ضمن الايديولوجية الاسلامية، فكان الاصطدام المبكر بالبيزنطينيين والساسانيين، باعتبار ان تلك الدولتين كانتا تسيطران على اغلب المناطق المحيطة بالدولة الاسلامية انذاك، وكوردستان كانت خاضعة بالتمام لهاتين الدولتين، على هذا الاساس سنحاول تتبع الصيرورة التاريخية لمعرفة اولى المناطق التي وصل الاسلام اليها سواء أكانت تحت السيطرة البيزنطية او الساسانية.

1- معركة جلولاء وبداية وصول المسلمين إلى كوردستان

استمرت حروب الساسانيين والعرب المسلمين في عهد  الخليفة عمر بن الخطاب (13-24ه / 634-644م) لفترة طويلة، وكان  لهزيمة الساسانيين في معركتي القادسية والمدائن ومقتل روستم قائد الجيش في سنة 16 هـ / 637 م ،   اثر واضح على كيفية سير الاحداث التي ساهمت بشكل واخر في استمرار المسلمين للعمل على مشروعهم التوسعي بحيث طاردوا بقايا الجيش الساساني في كل مكان، وحين اعاد الساسانيون تنظيم انفسهم في جلولاء وحالوا استرجاع بعض الاراضي التي فقدوها امام المسلمين، حول الجيش الاسلامي انظاره الى " جلولاء" ، حيث كان يعيش فيها ويسكنها الكورد، ومنذ تلك الفترة تحولت اغلب المدن والمناطق الكوردستانية الى ساحة قتال بين الساسانيين والعرب المسلمين، واستخدم الطرفان الاقاليم الواقعة تحت سيطرتهما لتحريك جيوشهما لاسيما في اقاليم أذربيجان والجبال وفارس وغيرها، والتي كانت اصلا مكاناً لتجميع القوات،  ولقد استمرت المناوشات بين الطرفين في مناطق حلوان وجبالها (كوردستان) حتى وصلت لخانقين ، وبدأت المواجهة الكبيرة في جلولاء وقد اختلفت الروايات التاريخية حول السنة حيث ذكر خليفة بن خياط (ت 240ه/854م) ان المعركة بدأت في سنة 17ه/638م ، وذكر البلاذري (ت 279ه/892م) انها وقعت في سنة 16ه/637م ، وذكر اليعقوبي (ت 284ه/897م) بان المعركة وقعت في سنة 19ه/340م، الا انهم جميعاً اتفقوا على ان المعركة وقتها حسنت لصالح المسلمين، وتفرق الجيش الساساني في انحاء الامبراطورية الفارسية وقتها.(تاريخ خليفة بن خياط، ص127؛ فتوح البلدان، ص264-265؛ تاريخ اليعقوبي، 2/104).

2- السيطرة على حلوان وماسبتان و شهرزور وكه رميان:

بعد سيطرة المسلمين على جلولاء استمروا في عملياتهم بقيادة جرير بن عبدالله البجلي وتوجهوا إلى حلوان وخانقين وحاربوا بقايا الجيش الساساني وسيطروا أيضاً على مندلي وقصر شيرين وبأمر من الخليفة عمر بن الخطاب هاجمت قوة أخرى مناطق  كسيروان وبعد  عدة معارك مع اهالي المنطقة وبقايا الجيش الساساني استطاع الجيش الاسلامي من السيطرة على  مسبتان ووسط سيروان،(ابن الجوزي، المنتظم، 4/216)، أما حلوان فقط دخلها المسلمون بعد السيطرة على المناطق السابقة وذلك بعد عقد اتفاق بين قادة الجيش واهالي المدينة:

1- على اهالي حلوان أن يدفعوا الجزية للمسلمين .

2- أن لا يتعرض الجيش الاسلامي لاهالي حلوان .

3- أن لا ينهب المسلمون الأموال وأن يعطى الحرية لمن يريد أن يخرج من المدينة .

اصبحت حلوان مركزاً للقوات الإسلامية ومنها انطلقت نحو المدن والقلاع والقرى التابعة لكرميان وشهرزور حيث سيطروا على الاولى من بعد معارك طويلة اما شهرزور فقد ظلت تقاوم حتى ان الجيش الاسلامي لم يستطع السيطرة على جميع قلاعها المتينة وقراها الا بعد ست سنوات (16 - 22 هـ / 637 - 643 م). حيث اضطر أهل شهرزور على الاستلام مقابل شروط تركزت على عدم قيام الجيش الإسلامي بالنهب والسلب والقتل ، مقابل أن لا يقوم أهالي شهرزور باية اعمال عدائية ضد المسلمين .(خليفة، تاريخ خليفة، ص148؛ البلاذري، فتوح البلدان،ص ص 300-305، 328-329؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ، 3/31)

3- معركة نهاوند (فتح الفتوح) وفتح أقليم الجبال

بعد هزيمة الساسانيين بثلاث سنوات قام يزدجر الثالث (631-652م) مرة أخرى بإعادة تنظيم جيشه وطلب المساعدة من أغلب المناطق التابعة لهم واجتمعوا في نهاوند وفي المقابل اجتمع المسلمون ومعهم أغلب قياداتهم أمثال النعمان بن مقرن المزني وحذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وغيرهم وأصبحوا تحت قيادة والي البصرة أبو موسى الأشعري . (تاريخ خليفة،148؛ فتوح البلدان،ص300-305).

وتذهب الروايات الى ان المعركة بدأت في سنة   19 هـ / 640 م  ورواية اخرى  سنة20 هـ / 641 م و انتهت في سنة  - 21 هـ / 642 م  واعتبر ذلك الانتصار "فتح الفتوح" لانه بعدها لم تستطع القوات الساسانية المتفرقة ان تصمد امام العرب المسلمين حيث تم فتح - ماستيان - ماستيزان – وقعت باقي مناطق سيروان  تحت سيطرتهم، ومن المعلوم ان العديد من تلك المناطق دخلت عنوة في الاسلام وبعضها دخلت تحت الحكم الاسلامي بالاتفاق والمعاهدات كما في حالة مدينة دينور،حيث تم السيطرة عليها بعد حصار  دام (5) أيام  ثم تم الاتفاق مع ابو موسى الأشعري على: .

أ-  ان يدفع اهالي دينور خراج الأراضي الى المسلمين .

ب- عدم قيام الجيش الاسلامي بممارسة اي نوع من انواع الظلم والاعتداء على اهالي دينور .

ج-  عدم  قيام الجيش الاسلامي بالقتل والنهب والسلب . (الدينوري، الاخبار الطوال، ص1260129؛ الطبري، تاريخ الطبري، 4/114-136)،

4- فتح خوزستان / الأهواز

- في سنة 17 هـ / 638م بدأت محاولات المسلمين لفتح خوزستان واستمرت محاولاتهم حتى سنة 22 هـ / 643م وبعد معارك طويلة وصل أبو موسى الأشعري في سنة 23 هـ / 644م  الى مناطق خوزستان، وكان اهالي المنطقة في انتظارهم حيث جرت مواجهات ومعارك بينهم حتى أن أحد قادة الجيش العربي الاسلامي كان قد أرسل إلى عمر  بن الخطاب رسالة يقول فيها ان في خوزستان (عدداً من الأكراد والمشركين) . واستمر المسلمون في فتح تلك المناطق عنوة  إلى عهد عثمان بن عفان (24 -35 هـ / 645 - 656م) .(الطبري، 4/186-190)

5- فتح داسن وهكاري وأربيل

يُقصد بداسن وهكاري (بادينان وشمزينان) على حدود  كل من الموصل و اقليم الجزيرة، حيث بدأ فتح هذه المناطق منذ 620 هـ / 641م  بقياد القائد الاسلامي عتبة بن فرقد وكانت عملية الفتح تتم وفق مراحل حيث بدأ بمناطق (برده ره ش – كه له ك - باعدرى - سيميل - دهوك ...)، ومن ثم مناطق (بارزان وميركه سور...) وغيرها من المناطق ، ويتضح من خلال الروايات التاريخية ان الجيش الاسلامي لم يواجه اية صعوبات تذكر في فتح هذه المناطق. (البلاذري، ص328؛ ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 2/577).

6- السيطرة على الجزيرة (اقليم  الجزيرة):

تم تقسيم تلك المناطق  الى فترات زمنية  تولى في كل فترة احد القادة في فتحها فقد كان ابو عبيدة الجراح قاد الجيش الاسلامي خول السنوات  (17 هـ / 638م ، و 18 هـ / 639م ، و 19 هـ / 640م) ، وفي سنة   20 هـ / 641 م بكان عياض بن غنم  هو القائد الاسلامي التي تولى فتح باقي المناطق بدون معارك تذكر لاسيما (شنكال "سنجار"- ميافارقين - ماردين - بوتان - آمد - بدليس - ارزن - خلات ) حيث رضوا بدفع الجزية مقابل الحفاظ على أموالهم وأسرهم ، ودفع الجزية يعني اما انهم بقوا على ديانتهم القديمة ولم يسلموا على الرغم من وصول الاسلام اليهم ، او انهم وقعوا تحت السيطرة الاسلامية ومع ذلك قام المسلمون وقتها باخذ الجزية منهم لان المسلمين كانوا وحسب الروايات التاريخية يأخذون الجزية من غير العرب حتى ان اسلموا. (تاريخ اليعقوبي، 2/103-104؛ ابن شداد، الاعلاق الخطيرة ،3/10).

7- السيطرة على اقليم اذربيجان

بعد معركة نهاوند 21 هـ / 642م دخل بقايا الجيش الساساني  إلى اذربيجان، ولذلك طاردهم المسلمون وبعد القضاء على الساسانيين اصطدم الجيش الاسلامي باهالي اذربيجان، وبعد معركة كبيرة مع والي اذربيجان (ميرزبان) توصل الطرفان الى اتفاق نذكر اهم ماجاء فيه:

1- على أهالي اذربيجان دفع8000 درهم (عيار ذهب) في السنة للمسلمين .

2- عدم قيام المسلمين بالقتل والنهب والسلب وحرق البيوت الزرادشتية.

3- عدم قتل الكورد في مدينتي  شجلان وسبلان ، لانهم قاوموا المسلمين بشدة.

4- فتح المجال أمام أهالي (شيز) المدينة المقدسة للزرادشتية للقيام بطقوسهم الدينية وعباداتهم الخاصة.

5-الحفاظ على المعابد الزرادشتية واعطاء الحرية الكاملة لهم باحياء احتفالاتهم الدينية.

ولقد استمر العمل جاء في هذا الاتفاق  إلى سنة  24 هـ / 645م حيث قام المسلمون بعدها بالهجوم على باقي مناطق اذربيحان وسيطروا خلال سنوات /  26 هـ / 647م و   28 هـ / 649م و 29 هـ / 650م على اغلب اراضي اذربيجان.(فتوح البلدان، ص321-327، الكامل في التاريخ،2/481).

وباخضاع الجيش الاسلامي لاذربيجان تم السيطرة على كوردستان باكملها، وباتت كوردستان جزء من المنظومة الاسلامية الادارية وقتها حيث قسمت مناطقها وفق النظام الاداري انذاك واصبحت ضمن اقاليم الدولة الاسلامية لاسيما اقليم الجبال واقليم خوزستان واقليم الجزيرة واقليم اذربيجان.

(للمزيد عن هذا الموضوع ينظر: زرار صديق، كورد وكوردستان ..... (هه ولير:2010)، ص ص10-25

 

 

mutham aljanabi2لقد تغلغلت الثقافة الشفوية في شرايين الذاكرة الحبيسة لطه حسين. وكانت تحتوي بقدر واحد على مكون وجودي (انطولوجي) وآخر ذهني (ثقافي). الأمر الذي جعل من الثقافة الشفوية أو ما يمكن دعوته بثقافة الحكاية والرواية الأسلوب الأكثر رسوخا في بنيته الذهنية. من هنا كثرة الحشو والتكرار وضعف الحصانة الرزينة في الموقف من المواقف النقدية نفسها. لاسيما وان هذه الصفة لها تقاليدها الخاصة في الثقافة المصرية على امتداد قرون، أي ثقافة التأليف، والجمع، والتصنيف، والشروح، والتعليقات، والحواشي، والحواشي على الحواشي. وهي ثقافة بلغت ذروتها في أوج مراحل الانحطاط "المستنير" في كثرة وتفشي الاهتمام المبالغ فيه والجميل لحد ما بالحكايات والروايات مثل ألف ليلة وليلة، وعنترة، والظاهر بيبرس، والأميرة ذات الهمة، وسيف بن ذي يزن، والهلالية وغيرها.

فقد كانت ثقافة الحكاية والرواية شائعة الانتشار في أزقة القاهرة ومقاهيها منذ القرن الثامن عشر. أنها ساهمت في بلورة الخيوط الخفية للاستعداد الذهني المصري للقبول بالرواية والحكاية على أنها "علم الأوائل" مع ما فيه من هيبة ورهبة خاصة في الضمير الاجتماعي والذوق العام. ونعثر على هذه الظاهرة لحد الآن في انتشار وغلبة "الشخصيات المحاكمة" و"المنبوذة" و"المكفرة" بين الشخصيات المصرية، أي كل أولئك الذين يتلذذون بهذا المصير من اجل الحصول على شهرة لا تفعل في نهاية المطاف إلا على صنع ثقافة الرغبة العجولة بالحصول على رجولة مشهورة وفحولة مقهورة في ميدان المواجهة والعلم! مع أن اغلب الكتب التي جرت "محاكمتها" و"تصفية الحساب" مع شخصياتها لا تتعدى كونها مؤلفات صغيرة ومسطحة بمعايير العلم والمعرفة الدقيقة. لكننا نعثر فيها وفي "مصيرها" ونتائجها بقدر واحد على الصورة الفعلية لضعف وتسطيح الوعي الناقد والمنقود. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لهامشية المعرفة في كل هذا الرصيد المثير للغط والبهرجة المزيفة. ومن الممكن العثور عليه أيضا لحد الآن في النزعة السائدة في الثقافة الصارخة للوعي المسطح كما هو جلي في أغلب ما يسمى بالكتابات "العلمانية" النقدية المنتشرة بين الكتاب المصريين واتباع اليسار التقليدي، كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر في كتابات السيد القمني، وسابقه فرج فوده وكتابات نصر حامد أبو زيد النقدية، على خلاف كتاباته الأكاديمية المتعلقة في ميدان التراث. رغم أن الطابع العادي لهذه الكتابات من حيث مستوى تأسيسها النظري. وذلك لانها تبقى في نهاية المطاف مجرد كتب مدرسية وبالتالي لا تتميز بعمق معرفي ويغلب عليها الحشو المعلوماتي أيضا.

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام نماذج لا حياة فيها بالمعنى الدقيق للكلمة ولا حداثة، وذلك لان حقيقتها أو مضمونها اقرب إلى أساليب الدغدغة الحية والمشاكسة لحد ما لمشاعر العوام المبهورة بكل ما هو مسطح و"غريب". وليس مصادفة أن تلاقي هذا الاستحسان المشبوب بالزعيق والتصفيق بين أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين من ممثلي "اليسار" و"العلمانية"، أي أطراف وهامش المسار الفعلي للمعرفة العميقة والوعي النقدي الفعلي.

إن الرؤية النقدية لطه حسين في اغلبها نقدية بهرجة ومحكومة بتقاليد الحكاية والرواية. الأمر الذي يعطي لي إمكانية الحكم على شخصيته، باعتبارها شخصية حكواتية تقريرية خطابية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات فيها. كما انه سر بقاءها العائم على سطح الوعي العادي، واستمرار بقاءها مصدرا للرؤية الكسولة والعقول المكسورة أمام مهمة المواجهة الحية والتحدي الفعلي لإشكاليات المعرفة والحقيقة كما هي من جهة، وفي ميدان التراث من جهة أخرى، أي مواجهة إشكاليات المعاصرة بمختلف ميادينها ومستوياتها.

إن اغلب ما كتبه طه حسين من مؤلفات يتصف بغلبة الرواية والحكاية والعرض والاستعراض الممزوج برؤية تسعى لتمحيص بعض الأخبار وتدقيق بعض الأحكام إضافة إلى محاولة تحقيق بعض المفاهيم بطريقة عقلية ونقدية كما هو الحال على سبيل المثال في الموقف من السبئية وشخصية ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) وأمثالها في (الفتنة الكبرى)، بمعنى النظر إليها باعتبارها شخصية مخترعة بأثر الجدل والتشويه بين "أهل الجماعة" والشيعة، كما يقول طه حسين[1]. بل لا يخلو من غلبة الحكاية والرواية والتسطيح المعرفي أيضا حتى أشهر كتبه العلمية مثل كتبه عن أبي العلاء المعري بما في ذلك كتاب (المعري في سجنه)[2]. ولم يكن ذلك معزولا عن الحقيقة القائلة، بأن الكتابة النثرية عن الشعر لا قيمة لها في الأغلب ما لم يجري تجاوز الشعر أو ما لم يجر دمجه في منظومة لها همومها الكبرى، أي مندمجة في نسيج الرؤية النقدية والعلمية المستقبلية. أما عند طه حسين فإنها مجرد حكاية ورواية وذكرى ومقارنة شخصية. من هنا تفككها وطيرانها الخفيف في أجواء الأحاديث واللغو. وينطبق هذا أيضا على محاولته الغوص في أعماق النفس المضطربة لأبي العلاء. بمعنى اتسامها بالطابع الوصفي الخارجي. وذلك لأنها ظلت محكومة بذكرى وتصور وحكم وتقرير ومقارنة وإسهاب ضعيف وتكرار عنيف من اجل الرجوع إلى فكرة بسيطة أو تقرير لأشياء معروفة ومعلومة ومشهورة. الأمر الذي جعل منها، كما هو الحال بالنسبة لأغلب كتاباته بهذا الصدد أشبه ما تكون بغوص في بركة صغيرة!

ومع انه أشار في أكثر من مرة إلى انه يكره أنصاف الحقائق، ويؤثر العلم والتاريخ على كل شيئا آخر[3]، فان ذلك لا يغير من الحقيقة القائلة بان أقواله هذه هي مجرد تقرير شخصي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن اغلب ما كتبه من كتب علمية ومشهورة كانت في بدايتها، كما أشار في جميع "المقدمات" التي كتبها لهذه الكتب، من اجل "التسلية" و"القضاء على الوقت" و"التلهية" و"الاستمتاع". كما نعثر عليها أيضا في كثرة العبارات المنتشرة فيها، التي تعكس ما يمكن دعوته بسيادة "فرضيات" الخيال التائه أو المتشبه بولع الحكاية والرواية، مثل "لا اعرف إن كان..." و"من يدري.." و"لعل الأمر كان...".

وفيما لو جرى إهمال هذه الجانب، فان اغلب ما سطره بهذا الصدد كان اقرب إلى أنصاف الحقائق واجتزاء للتاريخ بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. وذلك لأنه لم يتعامل مع التاريخ بمعايير وعي الذات وبدائل المستقبل، كما أن حقائق العلم تبقى سائبة ضمن سياق المزاج الأدبي والذوق الفني للعبارة والمعنى. وبالتالي لا علاقة لها بتأسيس الرؤية التاريخية ولا تراكمها العلمي النوعي في الفكرة. فنراه يتكلم عن إقامة "أبو العلاء في سجنه الفلسفي هذا نحو خمسين عاما"[4]. والقضية هنا ليست فقط في أن الفلسفة لا تصنع سجنا، بل وأن البحث عن "سجن فلسفي" أو اكتشافه في أبي العلاء من خلال البحث في أبي العلاء لا أساس فيه أو له. ولا يغير من ذلك شيئا كون طه حسين كان يقصد بكلمة السجن سجن الجسد (بفعل آفة العمى) وحرية الروح بفضل الأولى. وذلك لأنهما كلاهما بديهة! كما نعثر على ذلك في موقفه من المتنبئ وبشار بن برد (في معرض المقارنة بابي العلاء)، وبالأخص في إشارته إلى انه يحب ويكره فيهما أشياء. ووجد في المتنبي مغامرا طلب ما لم يخلق له[5]! في حين أن النظرة العلمية الدقيقة وما يترتب عليها في ميدان الرؤية الأدبية عادة ما تتجنب المقارنة بمعايير الأخلاق خصوصا حالما يجري انتزاعها عن قيم المرحلة وأنماطها ومرجعياتها الكبرى. والشيء نفسه ينطبق على موقفه من أن بشار بن برد أثار الإعجاب لكن إبداعه لا قيمة له بالنسبة للأخلاق والعقول، بل هو اشد إساءة[6]!! أما مثال المتنبي فلا يحتذى به بالنسبة لتقويم العقل والأخلاق! انه نموذج الغرور[7]! وكلا الحكمان تائهان في مزالق الأخلاق المجردة أو بصورة أدق الأخلاق الظاهرية والتقليدية. إذ لا يرى طه حسين البعد الدفين والأعمق والأصدق والأكثر حقيقة في مواقفها وسلوكهما وشخصيتهما بوصفها نماذج متنوعة للحرية والتحرر والخروج على المألوف وجوهرية الأنا والفردية المبدعة. وان الشخصية المبدعة الكبرى لا ينبغي حصرها بمعايير "الأخلاق العامة" وذلك لان الفضيلة والرذيلة فيها كلا واحدا.

وعموما يمكننا القول، بان قيمة هذا العمل وما سبقه وتلاه عن أبي العلاء المعري هو نتاج لإدراك قيمة وأهمية هذا الرجل على مستوى الحياة الشخصية والفكرية وإبداعه العقلي والروحي والفني. وما عدا ذلك فحكاية ورواية. وهو النقص الجوهري الذي لازم اغلب كتابات وروايات طه حسين. بمعنى أنها لا تؤسس لفكر ولا تخلص إلى نتيجة ولا تقوّم رؤية بالمعنى الدقيق. فاستعمال كلمة فتنة على سبيل المثال في تفسير التاريخ (الإسلامي الأول وصراعه الداخلي) انطلاقا منها لا ينم عن رؤية تاريخية. كما أنها تفتقد إلى أي بعد فلسفي قادر على التأسيس للقيم والمفاهيم والوعي الذاتي القومي. وليس مصادفة أن ينتهي كتابه عن تاريخ الفتنة بفكرة تقول، بان كل ما جري ويجري يمتلك حكمة أقامها الله في وجود الأشياء وانه بالغ أمره فيها[8]! إذ ينتهك هذا الاستنتاج اللاهوتي (اليقيني) كل معنى الشك العقلي والنقد المعرفي والبحث العلمي. لكنه في الوقت نفسه نتيجة لما يمكن دعوته بشخصية طه حسين العلمية، التي أفصح عنها الرجل في أماكن وحالات عديدة، لعل أكثرها نموذجية العبارة التي قال فيها مرة عن نفسه ما يلي: "أنا لم أتكلف في هذا الكلام مشقة ولا جهدا. فانا رجل أحب القراءة، وأحب القراءة المختلفة المتنوعة، اقرأ في الأدب العربي القديم والحديث (ونفس الشيء على الأوربي) لكن الهمّ كان عربيا. أنا دوما اسأل نفسي هل موجود هذا في العربية، هل يتلاءم معها، هل تستجيب العربية له، وهل أنا قادر على أن ألائم بينهما"[9]؟ ومع انه لا يجوز تعميم هذا التقييم على كل ما كتبه إلا انه يعكس بصورة نموذجية الصفة الجوهرية لتي ميزت ولازمت كتاباته منذ البداية حتى النهاية.

وليس مصادفة أن تمتلئ كتاباته بالحشو. ومن الممكن التدليل على ذلك من خلال تناول اغلب كتبه الشهيرة مثل (على هامش السيرة) و(مرآة الإسلام) و(في الأدب الجاهلي) و(تجديد ذكرى أبي العلاء) وغيرها. إذ نعثر في مؤلفه (على هامش السيرة) على كتاب "لم يكتب للعلماء والمؤرخين" كما يقول طه حسين[10]، أي انه مجرد تأملات سريعة على هامش كتاب وقراءة. وفي أفضل الأحوال هو مجرد استعادة جديدة أو حديثة لنماذج الهوامش. والشيء نفسه يمكن قوله عن الجزء الثاني منه[11]. إذ لا يتعدى كونه مجرد محاولة بائسة لقصص الخيال وذلك لأنها تكلف. ولم يكن هذا الانهماك في السيرة أو استعادتها بالطريقة التي كتب بها طه حسين سوى الوجه الآخر لذوقه المعرفي، أي الحكواتي الروائي. من هنا نراه يسمح لنفسه بالخيال والحكايات المنافية للعقل وما شابه ذلك لأن العقل ليس الملجأ الوحيد للمعرفة أو راحة الناس، كما يقول! وهو تقييم مسطح للعقل والمعرفة. فالعقل هو دوما الملجأ الوحيد للمعرفة الحقيقة، بينما يمكن للعقل أن لا يكون الملجأ الوحيد للروح الإنساني أو العقلانية. وهذه أشياء مختلفة.

لقد أراد جعل قصص السيرة جزء من قصص الرواية بحد ذاتها. وهذا آمر لا بأس به، لكنه موجود ولا جديد فيه. انه لم يصنع حكاية جديدة بل أعاد ما هو موجود منها. ولا يغير من ذلك شيئا إقراره بالحقيقة التاريخية عن الهام السيرة النبوية المؤرخين والقصاص القدماء، ومن ثم إقراره بإمكانية تحويلها إلى مصدر للإلهام الأدبي الحديث[12]. ولا خلاف حول سلامة هذا الموقف، لكنه لا يؤسس لفكرة الإلهام والإبداع. وذلك لان القضية ليست في السيرة أو إمكانية استلهامها، بل في ماهية الإبداع الحديث. فالإبداع الحقيقي محكوم بهمومه الحقيقية، كما أن الإبداع الجديد محكوم بالجدة والتجديد. أما الماضي فهو تجربة قابلة للتأمل. أما (مرآة الإسلام) فهي رواية بسيطة وجيدة لحياة محمد المعروفة والمألوفة ولكن من خلال استعراضها على القرآن. غير أنه استعراض ظاهري ومباشر. والقيمة الوحيدة فيه هو توسيع مدى الرؤية الاجتماعية والعقلية  وغيرها من القرآن، كما نعثر عليه في العبارة التالية "القرآن الأشد والأعمق والأكثر قراءة وتقويما للحياة واللسان"[13]. وانه قد "قيل في القرآن ومعجزاته الكثير، إلا أن كل ما قيل لا يستنفذ ما فيه من روعة وجمال وبهاء"، ولعل من بين أهمها هو إعادة خلق العرب خلقة جديدة[14]. أما كتاب (في الأدب الجاهلي) فمدرسي خالص لطلبة السنة الأولى والثانية لكلية الآداب[15]. لكنه لا يخلو من بعض الأفكار السليمة والدقيقة مثل أن الشعر يقاس بما فيه من قوة أدبية وذوق جمالي. وانه وثيق الارتباط بزمانه. وان معاداة القديم باسم الحديث هو غلو يعادل معاداة الأجنبي لأنه أجنبي[16]. كما يدافع فيه عن تقاليد الشعر العربي. وانه شعر غنائي. لا تمثيل ولا قصص فيه[17]. وأن الشعر الغنائي باقي والأخر ذاهب للزوال.

والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب (تجديد ذكري أبي العلاء). بمعنى انه يسير ضمن تقاليد الحكاية والرواية، التي تعيد من حيث الجوهر ما سبق وان ذكره في كتبه السابقة. وحالما ينتقل بين الحين والآخر إلى ميدان الفكر النظري، فانه يقع في زلات وهفوات كبيرة، كما نراه على سبيل المثال لا الحصر في موقفه من التصوف. فما كتبه هنا عن "الفلسفة الصوفية" سطحي وبسيط ولا علاقة له بالعلم وتاريخ الفلسفة والتصوف. وينطبق هذا ليس على الفكرة العامة والمنهج بل والجزئيات، كما هو جلي على سبيل المثال في موقفه من أن جذور التصوف الفلسفية ترتبط بالفلسفة اليونانية وفكرة وحدة الوجود عند الرواقيين[18]. وان التصوف مرتبط بأصول هندية من جهة وبأصول يونانية من جهة أخرى (فكرة الإشراق)[19]. وان ربط هذه الأصول والجذور ببعض مفاهيم الإسلام أدى إلى ظهور التصوف (كالحلاج والجنيد وغيرهم). وأن التصوف اقرب إلى التشيع منه إلى السنة[20]. وانه اتخذ الأباطيل والإباحة ومخالفة الدين والحشيش للوصول إلى الله[21]، وما شابه ذلك من ترديد لما كان يكتب آنذاك في بعض الأدبيات الأوربية الشائعة الانتشار بعد خلطها بالخرافات الشائعة في العالم الإسلامي آنذاك وبقايا الصدى الصدأ لمراحل الانحطاط!

لم تكن الرواية والحكاية السائدة في أسلوب طه حسين معزولة عن هيمنة نمط الكتابة الاجتماعية. فقد كان هذا النمط من الكتابة هو الغالب عليه بما في ذلك في بحوثه التاريخية والأدبية والتراثية. وقد يكون (حديث الأربعاء) و(حديث المساء) هو من بين أكثر ها شهرة وتمثيلا لهذا النمط. كما نعثر عليه في أفضل ما كتبه مقارنة بأعماله الأخرى، كما هو الحال في سلسلة البحوث والمقالات التي دونها عن أبي العلاء المعري. ففي عناوين (حديث المساء)[22]، كما هو الحال بالنسبة لأغلب ما كتبه عادة ما تتكون من كلمات مفردة فقط، أي بلا فكرة ولا إشكالية. أنها تعبير عن انطباع وحكاية ورواية، أو بصورة أدق أنها نموذج للكتابة الاجتماعية والسياسية والثقافية العامة، التي يمكنها المساهمة البسيطة في تربية الذهنية الاجتماعية على قيم النقد الايجابي والبناء والحر. وبمجموعها فضيلة دون شك لكنها ليست قادرة على تنظيم الفكر والفكرة. من هنا مراوحتها في المكان. بل حتى فكرة التجديد لأبي العلاء التي ترمي من حيث الإعلان إلى تجديد الرؤية النقدية الحرة والإنسانية والعربية والإسلامية من خلال تجديد الفكرة الفلسفية والأدبية والروحية والأخلاقية والعقلية الإنسانية كما وجدها عند أبي العلاء، لم تتعد في الواقع أسلوب التنوير البسيط. الأمر الذي جعل بحوثه بهذا الصدد عادية بمعايير الرؤية العلمية. انه يحاول بلورة رؤية علمية وموثقة عن حياة أبي العلاء وإبداعه، تأثره وتأثيره بالمدارس والثقافة العربية والإسلامية والعالمية كما في تقييم العام القائل، بان "أبو العلاء ثمرة من ثمار عصره، قد عمل في إنضاجها المكان والزمان، والسياسة الاجتماعية، والدين"[23]. بمعنى تقرير أمور عادية. وهو شيء جلي أيضا في كون الكتاب من حيث الجوهر استعراض وتلخيص تاريخي بسيط للحالة السياسية والاجتماعية. وحالما ينتقل إلى ميدان الفكر فانه لا يحتوي إلا على أحكام عامة وغير دقيقة وحشو، مثل موقفه من الفلسفة الإسلامية بأنها دون اليونانية، وأنها مجرد تقليد وما شابه ذلك[24]. بل ويضع فلسفة أبي العلاء المعري ضمن ما اسماه بفلسفة التصوف، بعد إشارته إلى ما اسماه بوجود ثلاثة أنواع من الفلسفة (الخالصة والدينية ويقصد بذلك علم الكلام، وفلسفة المتصوفة ويدرج ضمنها فلسفة أبي العلاء[25]. هذا جهل بالاثنين وعدم دقة في الفكرة والعبارة والرؤية والتقييم.

مع ذلك كان هذه النمط من الكتابة والتفكير شديد التأثير في بيئة كانت تتصف بقدر هائل من الرؤية التقليدية. وفي هذا مأثرتها النسبية. فقد أثارت تلك الظاهرة، رغم عنفوانها وتأثيرها الملهم والمزري أيضا، حفيظة رجال الفكر والفقه وشهية العوام، لما فيها من استثارة متميزة للروح والجسد والعقل والذاكرة. وذلك لما فيها أيضا من مزاوجة بين الرؤية الموضوعية والنقدية من جهة والبقاء ضمن الماضي من جهة أخرى. غير أن الحصيلة المترتبة على هذه الأبحاث لم يكن بإمكانها أن تصنع عقلا موضوعيا ونقديا، وذلك لأنها محكومة بتقاليد الرواية. ومن ثم صعوبة إدراجها من حيث الجوهر في إشكاليات المعاصرة رغم كل دعوتها للعصرية والتجديد. إما القيمة النسبية الوحيدة لها فتكمن في نزوعها الاجتماعي وطابعها التنويري الجزئي والنسبي. وذلك لأنها كانت من حيث مقدماتها المنهجية وأسلوب تفكيرها ومستوى تحليلها وكيفي نقدها تنويرية نقدية وشكوك تنويرية. ومن ثم خلوها مما يمكن دعوته بالتنوير المنهجي. بمعنى طابعها السطحي وقدرتها على إثارة الوعي العادي أي وعي العوام غير الناضج، وغير المتربي بقواعد المعرفة المنظومية ومرجعيات الثقافة القومية والعلمية. وليس مصادفة أن يتحول ديكارت المبسط إلى شخصية محورية أو مصدر لرؤية النقدية لطه حسين. فقد كان هذا النزوع النقدي التنويري مقرونا عنده بالرجوع إلى ديكارت! مع انه لا رجوع إلا بالمعنى الزمني أي التقليدي وليس المعرفي. من هنا تحول النقد والنزعة النقدية إلى ميدان الإثارة والاستثارة مع ما فيها من تنوير محتمل. وهي الصفة التي ميزت عموم تيار عقلانية الشك واليقين والنقد والتطمين.(يتبع.....)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] طه حسين: الفتنة الكبرى، علي وبنوه، دار المعارف، القاهرة ط13، ص90-93. والأدق القول بين الأموية ومعارضتها.

[2] إن ذلك لم يكن بدوره معزولا عن الحافز القائم وراء اهتمامه الشخصي بشخصية أبي العلاء. فقد كان طه حسين متربيا في بداية الأمر على كراهية المعري. لكنه سيكتشف لاحقا سخافة هذا الموقف. وهو تحول يعكس طبيعة الانقلاب النقدي في ذهنه وتفكيره وشخصيته، بوصفها القيمة الكبرى والوحيدة لحد ما في كل فكر وتفكير وشخصية طه حسين. الأمر الذي يعطي لي إمكانية القول، بان الاهتمام بابي العلاء لم يكن محكوما عنده بفكرة متسامية أو منظمة فكرية بقدر ما يعكس الرغبة الخفية والدفينة في حب الأنا. وهذا شيء قيم بحد ذاته ومثمر من حيث نتائجه ولا يقلل مما أراده قوله وفعله.

[3] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص105

[4] طه حسين: المعري في سجنه، ص51.

[5] طه حسين: المعري في سجنه، ص73

[6] طه حسين: المعري في سجنه، ص74

[7] طه حسين: المعري في سجنه، ص74

[8] طه حسين: الفتنة الكبرى، علي وبنوه، ص249

[9] طه حسين: جنة الشوك، القاهرة، دار المعارف، ط13، 1986، ص19

[10] طه حسين: على هامش السيرة، دار المعارف، القاهرة، ط 31، 1987، ج1، ص ج، ه.

[11] طه حسين: على هامش السيرة، ج 1، ص12

[12] طه حسين: على هامش السيرة، ج1، ص ح.

[13] طه حسين: مرآة الإسلام، دار المعارف، القاهرة، 1959، ص157-159.

[14] طه حسين: مرآة الإسلام، ص153.

[15] طه حسين: في الأدب الجاهلي، مطبعة فاروق، القاهرة، ط3، 1933، المقدمة.

[16] طه حسين: في الأدب الجاهلي، ص336- 337.

[17] طه حسين: في الأدب الجاهلي، ص340-342.

[18] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1963، ص78

[19] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص79

[20] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص80

[21] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص80

[22] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983

[23] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص16.

[24] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص77.

[25] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص78.

 

 

ali mohamadalyousif1. مشاعية الجنس والتملك: منذ عصور الحضارة اليونانية القديمة نعثر على عبارة افلاطون، في دعوته الى مشاعية النساء والثروة، حتى لا يكون القتال من اجلهما و تنشب الحروب بسببهما.

من الواضح ان النساء والثروة كانت مسألة تحظى بأهتمام الفلاسفة اليونانيين الزاهدين بهما، في محاولتهم وضع قوانين وتعليمات دستورية ملزمة تنظّم حياة المجتمع وتنأى به عن المنازعات والاقتتال خاصة بين كل من أثينا وأسبارطة، كما حدث في حرب طروادة التي خلّدها هوميروس في الالياذة، وتسببت بها امرأة (هيلينا) زوجة ملك اسبارطة التي احبت (باريس) ابن ملك طروادة وهربت معه وكان ما وقع من حرب وسفك للدماء بسببها.

وفي تقصّينا معرفة صحة وصواب دعوة افلاطون لمشاعية الجنس والثروة في عصره، نجد انه كان من مميزات حضارة اليونان تقبّل مثل هذه الدعوة التي نعتبرها نحن الآن من مخلفات وارث المجتمعات البدائية الوحشية المتخلفة. في ان يكون جميع النساء وبلا استثناء زوجات مشتركات للرجال بحيث لا يكون لكل واحد منهم زوجة واحدة خاصة به، ولا لكل امرأة زوجا واحدا خاصا بها، ويكون الاطفال مشتركين بالنسب لا يعرف الولد اباه ولا يعرف الاب ابنه لذا كان الى مرحلة متقدمة من الحضارة الانسانية تؤصل الانساب بين القبائل البربرية على أمومة المرأة وانتساب المولود للأم لا للأب غير المعروف.

وبالعودة الى عصور البدائية الحجرية، وبالتحديد الى عصر الصيد والالتقاط، الذي يسبق عصر بداية صنع الانسان للحضارة في اكتشافه الزراعة والري وتخزين الحبوب وتدجين الحيوانات. نجد ان النساء والتملّك المشاعيين لم يكونا بنفس الاهمية في التجمعات البشرية البدائية المشاعية. ولم يكونا متكافئين كسبب مباشر باحتمال نشوب النزاعات بين الرجال والاقتتال على الاستئثار بهما. وانهما بالنتيجة كانتا عاملين في هدرهما اخلاقيات تلك التجمّعات المتنقلة، هذا في حال جاز افتراضنا ان انسان تلك المرحلة (الرجل) كان متواضعا مع غيره من الرجال على عرف اخلاقي في ابسط معانيه واشكاله ان جاز التعبير، عرف مشاعي ينظم امتلاك الرجال للنساء، علما ان الانسان المشاعي الوحشي البدائي لم يكن يعرف التواصل باللغة الشفاهية، ولا يعرف الكتابة التي هي من اختراع السومريون في بلاد ما يسمى ميزابوتوميا (ما بين التهرين)، بعد آلآف السنين من مغادرة عصر الصيد المشاعي، كما ان المرجح ايضا عدم معرفة الانسان البدائي لادنى قيمة اخلاقية ابتدعها الانسان في مراحل تاريخية حضارية لا حقة نشأت مع ظهور الاديان السماوية والوثنية، ولم يكن هناك ماهو اخلاقي في الحياة البدائية الاولى.

اذن المرأة والتملّك المشاعي لم يكونا عاملي استثارة للمنازعات والاقتتال بين الرجال. وان الدراسات الانثروبولوجية (علم دراسة الانسان) التي تعتمد التنقيبات الاثرية في اطلاق فرضياتها التخمينية، تذهب ان الانسان البدائي لم يكن يعرف معنى اقتران الرجل بأمراة واحدة معينة لا غيرها، ولا المرأة تعرف معنى اقترانها برجل واحد دون غيره ايضا. لا في صيغة تملّك الرجل ولا في صيغة اتفاق تعاقدي بين الرجال والنساء عموما. واكثر ترجيحا ان المرأة والرجل كلاهما لم يكونا مدركين ان الجماع الجنسي هو وسيلة التكاثر وحفظ النوع الا في مراحل تاريخية متقدمة من ممارسة الجنس والانجاب بشكل عفوي ناتج عن ممارسة الجنس.

اما الثروة فانها تشكل مرتبة ثانوية بالأهمية على اعتبار انها ملكية متواضعة جدا حتى في مقاييس تلك الازمنة، وليست ملكية استغلالية مجحفة تستحق التنازع عليها.

فهي ملكية بسيطة لا تتعدى الطعام وادوات الصيد والكهف والجلود وما تجود به الطبيعة . فهي لا تشكل عامل احتراب وتصفية بين الرجال، والثروة الطبيعية لبساطتها صعبة التملك الانفرادي الاناني لتكون عامل فتنة قتالية الا في مراحل متقدمة جدا على مجاوزة العصور الحجرية الكهفية المتوحشة، حين اصبح التملّك قيمة استغلالية في امتلاك الاراضي الزراعية الشاسعة وامتلاك قطعان الحيوانات الداجنة ووسائل الانتاج الاخرى والاستئثار بها دون الاخرين.

ويمكن القول ان المشاعية الجنسية والتملك كانتا سببا مهما في بقاء الجنس البشري الذي كان يتهدده الانقراض من قبل الوحوش الكاسرة المفترسة من جهة، وقسوة الطبيعة التي لا ترحم من جهة اخرى، كانت المرأة ملكا مشاعا لكل الرجال في الحفاظ على الانجاب والتكاثر وتوّحيد الرجال ضد الاخطارالمحدقة بالانسان كنوع. لقد كان الانسان البدائي يحرص على عدم فقدان اشخاص من نوعه في ظروف معيشية صعبة كان فيها الانسان البدائي يقتات الجيف والحيوانات النافقة في ندرة وقلة الحيوانات التي كان يصطادها بصعوبة، كما نشأت في مرحلة لاحقة قبائل أكلة لحوم البشر. فرجل تلك العصور لم يكن يعرف اهمية ان يمتلك هو دون غيره لافي الجنس ولا في التملّك الطبيعي.ثم من العسير جدا اعتبار الانسان البدائي مجردا من عاطفة الحب والاناسة الاجتماعية مع غيره من البشر، فهو يأنس بتلك العلاقة الاجتماعية مع غيره من نوعه ويتأنسن بهذه الرابطة ككائن نوعي اجتماعي بالطبيعة والفطرة. وفي غير ذلك محال ان لايكون انقراض الانسان حاله حال انقراض الماموث والديناصورات.

اذا تقدمنا مراحل طويلة من عمر وعصور البشرية البدائية، وبعد معرفة الانسان للعائلة والقبيلة، ووضعنا رحالنا في عصور ماقبل التاريخ عند السومريين والاكديين والبابليين والاشوريين. نجد ان مشاعية الجنس قد اخذت صيغة البغي والدعارة المنظّمة لدى السومريين ابتداءا، فقد كانت المرأة الراهبة في المعبد والمرأة في المجتمع كلتاهما يمارسان الدعارة كتعبير اخلاقي وطقسي مقدس من قبل الكهنة ورعايتهم له، وتعتبر تلك الرعاية الوثنية المقدسة للدعارة بمثابة ميثاق ديني اخلاقي متواضع عليه ووجوب ممارسته مجتمعيا. وقدسيته تنسحب ايضا على دلالة الخصب الطبيعي في تجدد الحياة والنماء المستمر المبارك حسب معتقداتهم. وان اول بيت للدعارة في التاريخ البشري كان من ابتداع السومريين واطلقوا عليه اسم (ميثقديم).methikdeam

اذن كان الكهنة الوثنيون ينظّمون تلك الاباحية الجنسية بالقداسة التي ابتدعوها ولم تكن في معايير عصرهم تشي باي نوع من التسفيل الاخلاقي والعمل المشين اجتماعيا، خاصة في تزكيتهم تلك الدعارة كهنوتيا وثنيا، اذ وصل الحد الى الألهة عشتار البغي التي كانت تمارس الجنس مع عبد اسود تختاره كل مرة لتروي ظمأها الجنسي بعد اذن الملك زوجها في قضاء حاجتها مع العبد الذي يصارلاحقا الى حرقه حيا في طقس وثني، وانتقام سادي غامض.كما ان راهبات المعبد كنّ يمارسن البغاء مع الزوار الاجانب ايضا.

2. المشاعية في المفهوم العصري:

في المجتمعات الرأسمالية تقلصّت الى ابعد الحدود ليس مشاعية الثروة و المال فحسب، بل و حتى مشاعية توزيعها الاشتراكي العادل من اجل رخاء الناس كل الناس .

وباتت هذه التطلعات الاشتراكية من (يوتوبيات) عصور الانقراض التي عفا عليها الزمن و تجاوزها التاريخ، ليحل محلها في الاولية الاباحية الجنسية و انحلال الاسرة

وانحدار الاخلاقيات الجنسية الى مراتب حيوانية . علما انه لا توجد مشاعية جنسية حيوانية الا في فترة محدودة هي موسم التكاثر، وممارسة الحيوان للجنس عنده ليس بافضل منها لذّته بالاكل فقط ، بعكس الانسان الذي يجد متعة الجنس افضل من متعته بالاكل، لذا تعتبر مشاعية الجنس عند الحيوان حتى و ان لم يدرك ذلك أعلى مرتبة في نظامها الطبيعي من اباحية الجنس الآدمية المبتدعة في المجتمعات الغربية الرأسمالية ، بأسم ممارسة حرية الجنس كحق مكتسب في الاباحية وفي ازالة حواجز التحريم الجنسي نهائيا في زنا المحارم والديوثية وغيرها من انواع الجنس الشاذ والجنسانية.

كما ان المجتمعات التي نادت قبل قرن من الآن باشتراكية الثروة تراجعت لديها اباحية الجنس، و بقيت تلك المجتمعات متمسكة بأهمية بقاء الأسرة و تنظيم الجنس بالزواج، علما انها لا تعترف باخلاق الدين مصدرا لذلك، و انما تعتمد على اخلاق الانسان المتحضر وسناتي عليها لا حقا.

السؤال الذي تتناسل عنه عشرات الاجوبة الجاهزة، هو لماذا انحلّت الاسرة في المجتمعات الغربية ولم يحصل ذلك مع الشعوب الشرقية؟ هل بسبب حصانة الدين وحده ام مؤثرات اخرى؟

هل تتحمل المرأة مسؤولية انحلال اخلاقيات الجنس في الغرب، وما دور الرجل بذلك؟

هل لعبت المرأة دورا تخريبيا، شأنها شأن الثروة المتراكمة في جيوب حفنة من الاغنياء المليارديرية والمليونيرية، وفي مؤسسات احتكارية عملاقة؟.

هل المرأة والثروة متلازمتان كسبب انحلال الاسرة اجتماعيا، وصولا الى تدمير اخلاقيات المجتمع المتواضع عليها ؟

ولماذا نقصر اخلاقيات الدين في قيمومتها والوصاية على اخلاقيات المجتمع في تماسكه الاسري؟ وكيف يمكننا الاحتكام في تقييمنا اخلاقيات المجتمع مع الاقرار بادانة ان النساء والثروة سببا التدمير الاسري والاخلاقي الاجتماعي؟

واذا سحبنا النقد الاخلاقي الينا، ألم يكن في مجتمعاتنا قيل وبعد الاسلام خروقات جنسية فاضحة ودامغة تبدا بخليفة المسلمين والامير والسلطان والقائد الذي يملك كذا عدد من المحظيات والجواري والغلمان وما ملكت ايمانه ممن لا ينالون حظوة الجماع والنكاح معه مرة كل عام؟ ما عدا الزوجات الاربعة اللواتي يجري عليهن تدوير حكم الطلاق للهروب من فضيحة المخالفة الشرعية، في سحب الدين غطاءا للمستور في ظهور الالتزام بتعاليم الشرع والدين ان الزوجات الاربع كاف لا اكثر.اليس في هذا مشاعية جنسية انثوية في مضاجعة كذا عدد من النساء لرجل واحد يتشدق بالذكورية المالكة والمتسلطة على الانثى وهوعبد شهوته التي يعجز من اشباعها؟

3. الاباحية الجنسية بين النظامين الراسمالي والاشتراكي:

هل كان من المفروض ان النظام الاشتراكي الشيوعي مقدرا له بعد ان ينجز بنجاح توزيع الثروة توزيعا اشتراكيا منصفا عادلا، ان يرافقه انحدار مغاير في الوصول الى نوع من الاباحية الجنسية تقوّض الاسرة واخلاقيات المجتمع كما حصل في مجتمعات النظام الراسمالي حتى من غير توزيع عادل للثروة.

بما يتعلق بهذا التساؤل قبل الدخول في تفاصيل، أشير الى معلومة لست متأكدا من صحتها، انه على خلاف المتداول عن مشاعية الجنس في النظام الاشتراكي الشيوعي، ان ماركس انكر المشاعية الجنسية واستهجنها من منطلق تقويضها البناء الاسري وتماسك العائلة والمجتمع، وبذلك وضع حدا فاصلا بين مشاعية الثروة التي يسعى النظام الشيوعي في مراحل متطورة من تطبيق النظام الشيوعي ضرورة الوصول لها وبلوغها كحتمية تاريخية مهمة، وبين مشاعية الجنس التي تستهدف نظام الاسرة بمقتل يتوجب الاحتراز منها وعدم الانغماس بها.وليس مؤكدا عندي ايضا ان كان فريدريك انجلز قد ذهب في مؤلفه الشهير(اصل العائلة) نفس المنحى ام لا؟ حول مشاعية الثروة ومشاعية الجنس.

ولتوضيح هذه المسألة الهامة على قدر المامي المتواضع بادبيات الفكر الماركسي اجازف بتحليلي واقول ان النظام الشيوعي بحسب اهتدائه بالنظرية الماركسية ومنهج المادية التاريخية، اعتبر الشيوعية آخر مراحل تطور الامبريالية الراسمالية يعقب افولها وانهيارها الحتمي، وبعدها سيمضي النظام الشيوعي الى مراحل متطورة من تعزيز الاشتراكية وتطويرها قبل وصولها الى حتمية تطورية تاريخية معقدة جدا تشي بانحلال الدولة، ليتولى الشعب ادارة شؤونه بنفسه وربما بمساعدة مؤسسات بديلة لا تمثل الدولة بمفهومها الحديث.لكن سوف لن يبقى هيمنة لسلطة ومؤسسات دولة فاقدة لمبرر وجودها اصلا في تمثيلها مصالح طبقة، وقتها سينعدم اي تملك فردي لتحل محله مشاعية مالية وامتلاك شعبي مباشر للثروة. لكن الاهم من كل ذلك ان هذه المراحل النظرية الافتراضية لن تشهدها اجيال عمرية محصورة بمئة سنة من الحياة على ابعد التقديرات المستقبلية في توقع اطالة معدل عمر الانسان ليشهد مراحل من الحياة تحتاج كذا الف عام..في تطور النظام الشيوعي ووصوله مراتب عليا في التطور الذي سيشهد انحلال الدولة. وهو ما لايتاح لاحد اليوم الجزم بان هذه الافتراضات النظرية ستحصل ام لا؟

لكن الآن اصبح من الموجبات الاقرار ان النظام الشيوعي الاشتراكي كان يتهدده التفكيك الاسري قبل الغرب الراسمالي ليس في مشاعية الجنس وحده، ولكن في مشاعية تردي الاوضاع المعاشية التي شهدها النظام الاشتراكي قبل انهيار مركزيته في تفكك الاتحاد السوفييتي القديم بداية التسعينيات.الذي كان بالضرورة يترتب عليه انهيار المنظومة الاخلاقية المجتمعية وهو مالم يحصل.

في المقابل بقي النظام الراسمالي في متاجرته بالاباحية الجنسية كواحدة من حقوق الانسان التي يغيض بها النظم الاشتراكية، وتكدس المال الاحتكاري الاستغلالي بطبقة ثرية متخمة ومجموع يعيش ضياعه في الاباحية الجنسية وانحلال النظام الاسري في تفشي الاستهلاك الجنسي غير المقّيد باية موانع او محرمات تضفي عليه نوع من الانسانوية الاخلاقية التي اعتادتها العصور البشرية.

واجد ان هناك استدراك لا بد من التلميح له حول تجربة النظام الاشتراكي مع اخلاقيات الجنس والتماسك الاسري، بان المجتمعات الصينية والنظام الذي يعيل ويقود اكثر من مليار ونصف المليار في حياة يشبع فيها الفرد والمجتمع جميع حاجاته الاساسية في حياة كريمة في التامين الغذائي والصحي والتعليم ومستلزمات الحياة الاخرى، من ضمنها توفير الكرامة الاخلاقية الجنسية في منحيين، الاول منحى عدم التفريط بالبناء الاسري ماديا وجنسيا، والمنحى الثاني عدم هدر اخلاقيات المجتمع بنوع من الاسفاف الجنسي المبتذل التي تتمشدق به الراسمالية المتغوّلة اقتصاديا والمنخورة اخلاقيا وجنسيا في ما لابراء منه الا في انحلال الراسمالية ومغادرتها مسرح التاريخ المعاصر.

4. العاملان الاقتصادي والديني في البناء الاسري:

اصبح من المتعذر جواز ربط الاباحية الجنسية التي يشهدها العالم على مستوى الفرد ومستوى الجماعة من غير ما ربط ذلك بفلسفة النظام السياسي الكلّية. وان الربط الاباحي الجنسي بحرية الفرد الشخصية وحقوق الانسان انما هو لعبة استغفالية يعمد لها النظام الراسمالي للتستر على نهجه الاستغلالي اللاانساني المقيت المدان.

النظامان الاشتراكي والراسمالي يفترقان في تفسيرهما المختلف حول انحلال الاسرة وتدهور اخلاقيات المجتمع في شيوع الاباحية الجنسية، واهمية ربطهما بفلسفة النظامين كلا على حدة، فالاباحية التي يصورها الغرب واحدة من الحريات الشخصية وحقوق الانسان لا يلغي الطابع الاستلابي المقيت للمجتمع الغربي اقتصاديا وسياسيا واخلاقيا. وهذا لا يلغي تاشير حقيقة البناء الاسري في المجتمعات الاشتراكية والتمسك بالاخلاقيات العامة، وكانه قد اعدم امامه فرص الحياة في حقوق الانسان وممارسة الحرية الشخصية المتداخلة مع الحرية العامة المكفولة في النظام الاشتراكي.

من بين عشرات الاجوبة الجاهزة في معالجة اشكالية تفكك الاسرة وتفشي الاباحية الجنسية يبرز العامل الديني المنقذ من الضلال على حد تعبير الغزالي، على انه حامي الاخلاق في الماضي وسندها في حاضرها وامانها في مستقبلها وفي هذا تعميم غير منصف، بدليل انه يلغي التعددية الدينية وفلسفتها الدينية المميزة المتفردة، ويلغي ايضا رابطة ووصاية ايديولوجيا النظم السياسية على الدين وتبعيته لها، فنظرة المسيحية للاباحية الجنسية هي غيرها نظرة الاسلام او البوذية وهكذا.

لا اعرف بالضبط اين قرات معلومة تفيد ان من مجموع سبعة مليارات نسمة تستوطن الارض عام 2017 من بينهم ست مليارات انسان يؤمنون بالدين ووجود الخالق الله، ولكنهم لايؤمنون باخلاقيات الدين تقود الحياة، وان المليار الباقي واعتقد انا اكثرمن ملياري انسان يتوزعون بين ملحد وغير مؤمن لا يؤمنون ايضا باخلاقيات الدين تقود الحياة .

وهنا يبرز امامنا النفاق البشري ازاء مهمة الدين في اصلاح اخلاقيات المجتمع والحفاظ على مستقبلها.عندما نجد الخرق الجنسي- الديني ياخذ صفة التطرف في استهدافه معاقل المقدسات الدينية في تحد سافر لسلطة ايديولوجيا الدين.ومثاله التطرف الجنسي الشاذ الذي لا يتوقف عند الزنا بالمحارم والديوثية، يعطينا مؤشرا واضحا انه لا العامل الاقتصادي وراء المشكلة ولا رغبة الدين معالجتها، فهي حرية جنسية وحق من حقوق الانسان الذي يلجم الجميع كما تذهب له المجتمعات الغربية.

5.تسليع الجنس؟:

تسليع جسد المرأة وارتهانه بالمتعة واللذة لا يحيلنا الى سبب معيشي او اقتصادي، يتخفّى وراءه الدافع الغريزي غير المعلن في الرغبة الشديدة تكسير المتواضعات الاخلاقية التي كانت سائدة بصرف النظر عن كونها مستمدة من خلفية دينية او مستمدة من اعراف مجتمعية سائدة، هذا ما تشهده المجتمعات الغربية.

واذا اجرينا مقارنة بسيطة بين دخل الاسرة في مجتمعاتنا الشرقية وتحديدا العربية الاسلامية، نجدها اوطأ كثيرا عنها في معظم بلدان العالم –باستثناء دول الخليج العربية – ونجد المفارقة في تسليع الجنس غربيا لا يقوم على دعامة دخل الفرد او الاسرة والذي كثيرا مايأخذ مقوماته من اشباع حاجات الانسان الضرورية المؤمنة للجميع تقريبا لكن بمستويات متفاوتة، مع ذلك نجد الممارسات الاختراقية الجنسية المتطرفة بشذوذها واستباحة كل الاخلاقيات الطبيعية ذات المصدر الديني او المجتمعي على السواء وعبور جميع حواجز المنع والمحرمات الجنسية هي سيدة الجنس.وهنا ينتفي ان يكون لمستوى دخل الاسرة اي دور في الموضوع في تفشي الاباحية الجنسية في الغرب.

اما في مجتمعاتنا الشرقية العربية الاسلامية يكون انحدار كسر المحظورات الاخلاقية في ممارسة الدعارة والبغاء مبعثه في الغالب العوز المعيشي والحاجة لتوفير مستلزمات الحياة الصعبة، لكنه يبقى محصورا في نطاق ضيّق اجتماعيا بعيدا عن التاثير المباشر العام الذي يجعل من السقوط في الانحراف الجنسي بديلا لاخلاق المجتمع المتعارف على حمايتها بشكل عام .وهي بهذا تكون مختلفة جدا عن الاباحية الجنسية المتداولة اجتماعيا عن مؤثرات واسباب المعيشة، وتكتسب مشروعيتها الزائفة في التمرير على انها حق لحرية الجنس المكفولة كحق من حقوق الانسان فيما يجسده الواقع الغربي ان الاباحية الجنسية هي الاخلاق الجنسية ان لم تكن المرتكز الوحيد لها.

على عكس ما نجده في مجتمعاتنا الشرقية ان الجنس مرتكز المحافظة على الاخلاقيات المجتمعية الطبيعية في بقاء الاسرة، وان العوز والحاجة رغم اهميتها في الحياة الصعبة، لكنما نجد ان الهاجس الذي ينتظم السلوك العام هو الحفاظ على تماسك الاسرة من الانحلال الذي هو عماد بقاء المجتمع كيان موحد غير ممزق تسوده اخلاقيات الطبيعة السوية في الزواج والانجاب الاسري.

 

علي محمد اليوسف / الموصل

 

 

mohamad abdulkarimyousifمقدمة: يقول الحكماء أن المتحدث الجيد مستمع جيد  ومن لا يحسن الإصغاء لا يحسن الحديث. ومن هذا المنطلق فقد ميز قدماء اليونان بين السماع والإصغاء فصاغوا كلمة يصغي Listen بمعنى (السماع بقدر كبير) أو (السماع الحاد) أما كلمة السمع Hear فتعنى حاسة السمع فقط. وذهبت التعريفات الحديثة إلى أن الإصغاء هو (العملية التي يتم من خلالها تحويل اللغة المتكلم بها إلى معنى ما في العقل، وعندما يفهم الإصغاء على هذا النحو فإنه يشمل الإحساس، التفسير، التقييم والاستجابة) .

الإصغاء عملية سيكولوجية تشمل الحدة السمعية والإحساس السمعي أي القدرة على السمع والتمييز بين الأصوات .

التفسير هو عملية الفهم الذي يبدأ مع الإصغاء وعن طريقه يستطيع المستمع تفسير الرسائل التي سمعها .

التقويم عملية دمج المعاني الواردة في عمليتي الإحساس والتفسير إلى جانب تنظيم مكونات الرسالة بصورة جيدة، والمقارنة بين المصادر العديدة للمعلومات.

الاستجابة هي المرحلة الأخيرة من عملية الإصغاء وفيها يستطيع المستمع الجمع بين المعرفة والشعور مع القدرة على تقيم المناقشات والحوارات التي سمعها على نحو كامل فيتذوق اللغة وقوة الرسالة إلى جانب الاتحاد العقلي مع المتكلم  .

أهمية الإصغاء

فن الإصغاء هو الحصول على معلومات من المتحدث أو الآخرين مع التزام الهدوء وعدم إصدار الأحكام المسبقة وإشعار المتحدث بالاهتمام مع التعليق بصورة موجزة ومحددة على ما يقوله المتحدث، شريطة محاولة تدعيم أفكاره وآرائه، ويعرف الإصغاء أيضا بأنه (مهارة لا يستطيع أن يمارسها كل إنسان بل تحتاج إلى تدريب وخبرة وممارسة حتى يكتسبها الفرد، حيث إن الاستماع في حد ذاته فن وليس مجرد أصوات تسمعها الأذن وتستجيب لها، إنما هي أصوات تحتاج إلى ترجمة المعاني والرموز التي تعبر عنها محتوى الرسالة   فالإصغاء الفعال يقتضي ضمنا الانتباه اليقظ  للرسالة وفهمها فهما عميقا، وكلما كانت الرسالة موجزة وواضحة كانت الاستجابة صادقة وخالية من التكلف، كما أن الاستماع يعد وسيلة أساسية للنمو اللغوي وتوسيع مدارك الإنسان وزيادة قدرته على الفهم، كما يمكن أيضا عن طريق الاستماع اكتساب المعلومات الجديدة وخلق العلاقات الاجتماعية مع الناس مما يسهل عملية تأثير التفاعل المتبادل بين الناس .  تعرف الجمعية الأمريكية لمهارات التواصل الاستماع على أنه (عملية استقبال واستيعاب الأفكار والمعلومات من الرسائل الشفهية المنطوقة، أما الاستماع الفعال فيتضمن الفهم النقدي والواقعي للأفكار والمعلومات التي نحصل عليها عن طريق اللغة الشفهية)  .

يعد  الإصغاء أحد الوسائل الهامة لتبادل المعلومات بين المتحدث والمستمع، ويساعد على تركيز الانتباه بالنسبة للطرفين، كما يشجع المتحدث على الاستمرار في الحديث، ومن مميزات الاستماع تدعيم الانطباعات والصراحة بين الأخصائي والعميل إلى جانب المساعدة في اكتساب الخبرات والمعلومات عن طريق التعلم من الآخرين إلى جانب القدرة على قراءة ما بين السطور.

أنواع الإصغاء:

للإصغاء ثلاثة أنواع يمكن إيضاحها بما يلي:

أ) الإصغاء الذاتي: هو الإصغاء الداخلي لعملية التحدث مع النفس أو التفكير التأملي الباطني لاختيار الأفكار والآراء التي تستحق أن تقدم للآخرين ولهذا يعد الإصغاء الظاهري في كثير من المواقف ليس إصغاء مطلقا بل هو إصغاء ظاهريا في كثير من المواقف  لا يعكس ما بداخل الإنسان من انفعالات وأحاسيس ومشاعر، ولذلك فأن الشخص في حاجة للمواءمة والتناغم بين عمليتي التفكير الشعوري واللاشعوري في عملية الإصغاء.

ب) الإصغاء بين شخصين: يحدث أثناء تبادل الحديث بين طرفين في أمور الحياة المختلفة، ويتبادلان الحديث بتلقائية وود بعيدا عن الكلفة أما عندما يكون التحدث بين متحدث ومستمع فإن عملية الإصغاء تتجه نحو فحص المشكلة وسبر غورها، فهي تختلف عن المحادثة بين الرئيس والمرؤوس، أو القائد وأتباعه فأن الحديث يأخذ شكل الأوامر والنواهي والانصياع التام للرئيس والقائد.

ج) الإصغاء الجماعي: يكون بين الفرد والمجموعة مثل المحاضرات، الندوات، المؤتمرات، ويهدف هذا النوع إلى التأثير في المستمعين وتزويدهم بالمعلومات والمهارات والاتجاهات التي هم في أمس الحاجة لها.

أغراض الإصغاء:

يمكن تصنيف أغراض الإصغاء ومستوياته وفقا لما يلي:

1- الإصغاء العارض: هو استماع غير إرادي وغير هادف وينفذ مباشرة دون تدخل العقل والإرادة كأصوات الحيوانات، والطيور وخرير المياه والرياح فهذه تفرض وجودها على إذن الإنسان دون عقله.

2- الإصغاء التعليمي والتثقيفي: يهدف إلى نقل المعلومات والأفكار والمهارات الجديدة لمن هم في حاجة إليها، ويتم ذلك بأشكال متعددة كالدروس، والمحاضرات، والاجتماعات أو عبر وسائل الاتصال الجماهيري ففي هذه الحالات يعتمد الاستماع على محاولة فهم الرسائل التي تحوي المعلومات والحقائق المراد توصيلها للمستمعين.

3- الإصغاء التوجيهي: يستهدف التوجيه والإرشاد من أجل التأثير على المستمعين وفي الغالب يمثل هذا النوع حديث المدير أو الرئيس، أو الواعظ، أو المعلم، الأخصائي الاجتماعي، أو رب الأسرة كل لمستمعيه.فينصب اهتمام المتحدث إليه أو العميل على نقاط التوجيه والإرشاد أو التعرف على التعليمات والأوامر المراد تنفيذها.

4- الإصغاء الترفيهي: يهدف هذا النوع من الإصغاء إلى الترفيه عن المستمعين أو الاستماع بوقت الفراغ فضلا عن إراحة الأعصاب وإدخال السرور للنفس، ويمثله الإصغاء للموسيقي والشعر والغناء أو المسرح أو السينما... الخ.

5- الاستماع التقييمي: يعتمد على محاولة تقييم حديث المرسل الذي يحاول فيه التأثير في اتجاهات وتصرفات مستمعيه، فيتم الإصغاء بطريقة تقيميه أي إمعان الفكر والتخيل لما يقال بغرض التمكن من إصدار أحكام منطقية عن مثل هذا النوع من الرسائل، مثال ذلك دائما في الاجتماعات التفاوضية أو الخطب السياسية أو حتى الإعلانات التلفزيونية  .

الاستماع والإصغاء

هناك فرق كبير بين الاستماع والإصغاء ويجب أن نميز بين المصطلحين لأنهما قد يتداخلا في الكثير من المواقف: 

1- المستمع المصغي: وهو الذي يستخدم الأذن والعقل معا ويقبل نحو محدثه بكل حواسه، ويتجاوب مع إيماءاته الرسائل التي يتم عن هذا التجاوب بكل حواسه، ويتجاوب مع إيماءاته بنقل الرسائل التي تنم عن هذا التجاوب.

2- المستمع المدعي: وهو الذي يصغي بأذنه وحواسه دون عقله، ويتمثل ذلك في عدم الاهتمام والشرود الذهني وعدم المبالاة الذي نلحظه عند بعض المستمعين.

3- المستمع الذاتي أو الأناني: هو الشخص الذي يحب نفسه ولا يستمع إلا لما يوافق اهتماماته ولا يتقبل النقد أو الرأي الآخر، فهو ينتقي دائما ما يوافق اهتماماته الذاتية فقط.

4- المستمع المحدود الاهتمام: هو خليط بين المصغي والمدعي بمعنى أنه يستخدم أذنه وعقله في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى يصغي بأذنه وحواسه دون عقله، فهو شخص يتصرف في الغالب بحساسية ضد المتحدث، ويفسر إيماءات المتحدث تفسيرا خاطئا.

5- المستمع الفضولي: هو الذي يستمع دون هدف ويركز في الغالب على ما يود معرفته ويتجاهل ما سوى ذلك كما يفسر ما يسمعه وفقا لأهوائه وقد يضفي رتوشا لتلوين المعلومات التي حصل عليها  .

تطوير مهارة الإصغاء

يمكننا تطوير مهارات الإصغاء والتدرب عليها يوميا حتى نتمكن من إتقان الإصغاء بشكل جيد ومن هذه التمرينات المفيدة في عملية التدرب على الإصغاء التالية:

1- توقف عن الكلام: فأنت لا تسمع وأنت تتكلم.

2- حاول أن تريح المتحدث: أعطيه الفرصة أن يتكلم، شجعه لكي يعبر عن نفسه.

3- أظهر له أنك تود الاستماع إليه اجعل تعبيرات وجهك وتصرفاتك توحي أنك مهتم بالاستماع إليه، استمع لكي تتفهم الموقف لا لترفضه.

4- لا تشوش على عملية الاستماع بأن تقرأ أوراقك أو تعبث بأصابعك.

5- ضع نفسك مكانه: تصور أنك المتكلم حتى تتعاطف معه وتحس بمشكلته.

6- كن صبورا: بأن تعطي المتحدث وقتا كافيا ولا تقاطعه ولا تهم بتركه كأن تتجه إلى الباب وهو يتحدث إليك.

7- احتفظ بهدوئك فالشخص الغاضب يقع في خطأ المعاني ويتصيد الكلمات السيئة للمتحدث.

8- تقبل المناقشة والانتقادات: فأن ذلك يؤدي إلى هدوئه، ولا تجادل فالجدال خسارة للطرفين.

9- اسأل: فهذا يشجعه ويظهر له أنك مستمع جيد مما يمكنك من الحصول على معلومات أكثر ورؤية واضحة.

10- توقف عن الكلام . إذا أردت أن تسمع فلن تستطيع إن كنت تتكلم  .

الإصغاء والصمت:

هناك فرق بين الصمت والإصغاء ويمكننا التفريق بين المصطلحين من خلال مراجعتنا لأنواع الصمت التي نلخصها بما يلي: 

1-  صمت الغضب وهو الذي لا يعبر فيه الإنسان بالكلمات بل يعتمد الصمت كأسلوب لتوصيل الرسالة.

2- صمت الإحباط والخيبة: وهو الذي يعبر فيه الإنسان عن خيبة أملة بالصمت المطبق كأسلوب لإيصال رد فعله .

3- صمت الاستماع لحديث أو محاضرة: في هذا النوع يحاول المستمع فهم الأفكار والآراء والاتجاهات التي يعرضها المتحدث ومحاولة تلخيصها بغرض الاستفادة منها في واقع حياته.

4- صمت الملل: هو تعبير عن الانسحاب أو الانصراف عن الموقف نتيجة  للتقييم السلبي لما يجري، ويتحين المستمع الفرصة للانصراف قبل انتهاء الحديث.

5- صمت عدم القدرة على استيعاب الموضوع المطروح للنقاش: أما لصعوبته أو عدم فهمه أو غموضه.

6- صمت التأهل أو التقدير أو الاحترام: وهو يمثل نمط من أنماط الإعجاب والانبهار بالمتحدث.

7- صمت الاختلاف: حول ما يثيره الطرف الآخر من أفكار وأراء  .

وهناك بعض الأسباب التي تدفع الناس  للصمت وهي كما يلي:

1- في حالة الإجهاد الفكري لكثرة الأسئلة، أو طول فترة المقابلة، أو محاولة تنظيم الحديث، أو محاولة تلخيص الأفكار، ففي جميع هذه الحالات يلجأ العميل للصمت.

2- في حالة الثرثرة والخروج عن الموضوع بالتعرض لبعض القضايا التي لا طائلة منها.

3- قد يصمت بعض الناس وينتظرون من المتحدث بدء الحديث خاصة في بداية تكوين العلاقة المهنية أو المقابلة الأولى.

4- قد يصمت الإنسان بسبب العجز عن التعبير كما في حالات الخوف، المرض، أو تداخل الأفكار، أو في حالة الإصابة بعاهة تعيقه عن التحدث، ففي جميع هذه الحالات يلجأ العملاء للصمت.

تطوير تجارب الصمت

اكتساب مهارة الصمت ليست حكرا على كبار السن بل يجب تعليم الأطفال كيفية اكتساب مهارة الإنصات الجيد، وهناك خمس نصائح لتحسين مهارة الصمت لدى الأطفال:

1- استمع للطفل حتى النهاية واسمح له أن يعبر عن أفكاره دون مقاطعة، لتنمية روح المبادرة والدافعية لديه مع تشجيعه على ذلك.

2- استمع بتركيز لما بين السطور من حديث ومحاولة فك الرموز التي يستخدمها الطفل بغرض الوصول إلى المعنى الذي يقصده الطفل.

3- كن صبورا ولا ترفض ما لا تريد سماعة حتى إذا استغرق الطفل وقتا أطول في الوصول إلى ما يقصده من معنى.

4- لا تركز على عواطفك الذاتية ولا تقفز للاستنتاجات بل حاول أن تتفهم وجهة نظر الطفل أولا وأخيرا.

5- تجنب عوامل تشتت الذهن وحاول بإمعان فهم رسالة الطفل من خلال أقواله وإيماءاته  .

إن مهارة الصمت والإصغاء من أكثر المهارات فائدة بالنسبة للطفل وأنت بكل تأكيد قدوته ومثاله الأعلى وعندما يجدك تتمتع بهذه المهارات سيقلدك بكل ما يمتلك من قوة .

كيف نحقق الإصغاء الجيد:

يمكننا تحقيق الإصغاء الجيد عبر تطبيق خطوات محددة وتجريب التدرب المستمر عليها  نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الأمثلة التالية:

أولا: التزم بالإصغاء الجيد وتوجيه الأسئلة في الوقت المناسب مع إتاحة حرية التعبير عما يشعر به المتحدث .

ثانيا: التعليق في الوقت المناسب يساعد على تنشيط عملية التفاعل الاجتماعي وتكوين العلاقة المهنية والإنسانية .

ثالثا: استخدم التعليق لتشجيع المتحدث للاسترسال والإفاضة في الحديث.

رابعا: التعليق يساعد المتحدث على الشعور بالتقبل من قبل المستمع الاجتماعي وينعكس ذلك على تقديره لذاته.

خامسا: يجب عدم استخدام التعليقات إلا بعد الإلمام بقدر كافي من المعلومات والحقائق عن مشكلة المتحدث.

سادسا: يجب أن يكون للتعليق هدف مسبق يود المستمع تحقيقه عن طريق التعليق.

سابعاً: يجب أن يتضمن التعليق التوضيح، أو الإيحاء، أو التلميح بفكرة يود المستمع من المتحدث أن يتبناها.

ثامنا: التعليقات غير المدروسة أو العشوائية تثير القلق وتربك المتحدث فيلجأ للحيل الدفاعية.

تاسعا: يجب أن يكون التعليق قصيرا وواضحا.

عاشرا: وأخيرا لابد من استخدام اللغة والكلمات التي تناسب المستوى الثقافي للمتحدث   .

عوائق الإصغاء الجيد:

قد تنشأ عوائق تمنع المستمع من الإصغاء الجيد للمتحدث خاصة وأن المتحدث الجيد يصنع دائما مستمعا جيدا ويمكن أن نلخص العوائق بما يلي:

1- سطحية الحديث قد يكون بسبب سوء الأعداد أو تفاهة الحديث، لأن المتحدث نفسه غير متحمس لحديثه.

2- فقدان الهدف يمكن في الشعور بعدم الفائدة، أو أن الحديث لا يضيف جديدا ولا يساعد على توضيح المشكلة.

3- التشويش: ينقسم إلى قسمين: تشويش ميكانيكي مثل الضوضاء الخارجية، ضعف حاسة السمع، الإصابة بالأمراض، أو الاستماع لأكثر من شخص واحد يتحدثون في وقت واحد  و التشويش الآلي يكون بسبب وجود أسباب خاصة بالمتحدث مثل عدم انتباهه أو انشغاله بقضايا خارجية.

4- الشرود: نوع من أنواع التشويش العقلي ويحدث عندما يكون المتحدث مشغولا أو مشوشا عاطفيا غارقا في تخيلاته، مما يشكل صعوبة لمتابعة ما يجري حوله من حديث.

5- اللامبالاة: هي شكل من أشكال عدم الاهتمام إما لتحامل الأخصائي على العميل، أو لعدم قناعة العميل بالأخصائي الاجتماعي، أو عدم احترامه له.

6- عدم الصبر: ويتمثل في المستمع القلق أو المتعجل للانصراف، فهو لا يهتم بالحديث بل يركز على مقاطعة المتحدث وقد ينصرف قبل نهاية الحديث.

7- الميل للانتقاد والسخرية: يتمثل في الشخص الذي يمتلكه السلوك النقدي والعجرفة، ويوجه جل اهتمامه نحو النقد أكثر من الإنصات، ويتحين الفرص لإظهار أكبر قدر ممكن من الانتقادات للمتحدث  .

8- عوائق جسمية: تتمثل في الإعاقة السمعية واللفظية أو الإصابة ببعض الأمراض التي تعوق القدرة على التركيز والإنصات.

9- الشعور بالملل وينشا عندما يكون الإنسان مجبرا على الاستماع فيميل إلى الشرود الذهني وفقدان الانتباه والاهتمام.

10- ضعف الصوت قد يكون المتحدث خفيف الصوت خلقيا مما يتطلب الانتباه والتركيز الشديدين من المستمعين وهذا الوضع يؤدي إلى الإرهاق الذهني وصعوبة الاستمرار في عملية الإصغاء.

11- الأنانية وهي الميل إلى تلقي المعلومات التي تنفق وميول المستمع ورغباته واتجاهاته فهو يفهم تلك المعلومات بصورة مشوشة ويحاول تفسيرها بما يتفق مع آرائه ويتجاهل الآراء التي لا تتفق معه.

12- محتوى الحديث: قد يكون مضمون الحديث ومحتواة لا يشجع على الاستماع مثل عدم أهمية الموضوع وسطحية الأسلوب ولجوء المتحدث لاستخدام صيغة الأمر أو النقد، أو الكلمات المنفرة وغير مألوفة 

خاتمة:

يعد الإصغاء أحد الوسائل الهامة لتبادل المعلومات بين المتحدث والمستمع، ويساعد على تركيز الانتباه بالنسبة للطرفين، كما يشجع المتحدث على الاستمرار في الحديث، ومن مميزات الاستماع بإصغاء تدعيم الانطباعات والصراحة بين المتحدث والمستمع إلى جانب المساعدة في اكتساب الخبرات والمعلومات عن طريق التعلم من الآخرين إلى جانب القدرة على قراءة الأفكار وما بين السطور فيكون الإنسان قاب قوسين أو أدنى من التفاهم الخلاق .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.................

* محاضرة في دورة إدارة المفاوضات التجارية، الشركة السورية لنقل النفط، 2014

 

 

alaa allami2ضربة قاصمة لأطماع تركيا المائية، وجهتها اتفاقية المياه الجديدة للأمم المتحدة، فلماذا لم يستفد منها العراق حتى الآن ويتحرك لإنقاذ دجلة والفرات؟ هل هو التواطؤ أم الجهل أم الجبن؟! وجهت الأمم المتحدة "الجمعية العامة" قبل سنتين ضربة غير مباشرة ولكنها قاصمة فعلا لأطماع تركيا المائية ولتعريفها لنهري دجلة والفرات القائم على اعتبارهما (نهرين تركيين عابرين للحدود (Transboundary) وليسا نهرين دوليين). الاتفاقية القانونية الدولية الجديدة اسمها الرسمي (اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية)1 واسمها الكامل بالانكليزية:

(Convention on the Law of Non-Navigational Uses of International Watercourses).

وبموجبها لم يعد قائما أي اسم أو مفهوم من قبيل نهر تركي أو غير تركي عابر للحدود، بل هناك اليوم مفهوم (المجرى المائي الدولي) الذي يقع في عدة دول وتكون السيادة عليه للدول المتشاطئة عليه. ولا يوجد نهر "وطني" إلا إذا كان داخل حدود دولة واحدة منبعا ومصبا.

حين كتبتُ هذا الفصل وهو التاسع ص 152 من كتابي " القيامة العراقية الآن..." قبل أكثر من خمسة أعوام، كانت مسودة هذه الاتفاقية القانون قد أقرت من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21/5/1997 بأغلبية 104 دولة ومعارضة ثلاث دول هي تركيا والصين وبوروندي. ولكن لم تصادق عليها في ذلك الوقت إلا 21 دولة من مجموع 35 دولة يجب أن تصادق عليها بصكوك خاصة. وهي اليوم مصادق عليها من العدد المطلوب من الدول، وقد دخلت في إطار الاتفاقيات الدولية وقيد العمل والتحكيم والمرجعية القانونية الدولية. (لقد اكتمل العدد المطلوب من وثائق التصديق والقبول والموافقة على الاتفاقية والبالغ خمسةٌ وثلاثون صكاً، في شهر حزيران من سنة 2014، بعد أن أودعت دولة فيتنام صك موافقتها على الاتفاقية يوم 19مايس -مايو عام 2014. بهذا أصبحت فيتنام الدولة الخامسة والثلاثين، وهو العدد المطلوب بموجب الاتفاقية. وعليه فقد بدأ نفاذ الاتفاقية في 17 أغسطس عام 2014، أي بعد تسعين يوماً من تاريخ الصك الخامس والثلاثين، كما تقضي بذلك الاتفاقية) كما يخبرنا الخبير السوداني بشؤون المياه د. سلمان محمد أحمد سلمان. وطوال ثلاثة اعوام لم تتحرك الحكومة العراقية لمقاربة هذه الاتفاقية الدولية وتستخدمها في الهيئات والمحاكم الدولية للدفاع عن الرافدين دجلة والفرات!

ولكي تكون لديكم صورة واضحة عن هذه الاتفاقية أخترت لكم هذه الفقرات من الفصل التاسع حولها من كتابي سالف الذكر2:

* قفزة نوعية في القانون الدولي للمياه: في سنة 1972، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا، أوصت فيه بمباشرة "لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة" بدراسة وضع إطار قانون دولي يخص استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية، لاسيما وأن المشاكل حول المياه الدولية كانت قد بدأت تتصاعد دون وجود قانون دولي واضح بهذا الشأن. وفي سنة 1976 وضعت اللجنة الصيغة الأخيرة لمشروع القانون وعند تقديمه للقراءة الأولى اعترضت عليه مجموعة من الدول، ولدراسة طلبات التعديل والحذف وتحفظات هذه الدول، وأخذها بنظر الاعتبار، قررت لجنة القانون الدولي الاستمرار في أعمالها للوصول إلى نتيجة يتفق عليها المجتمع الدولي.

* عرضت الاتفاقية للقراءة الثانية في سنة 1994، وقدم عدد من الدول، مرة أخرى، اعتراضات واقتراحات بالتعديل أو الحذف أو الإضافة لبعض المواد، أو تعديلات للصيغ. وقررت لجنة القانون الدولي إحالة مجموعة المقترحات بكليتها إلى لجنة الصياغة لتشرع بالنظر فيها، واستناداً إلى تقرير لجنة الصياغة، اعتمدت لجنة القانون الدولي النص النهائي للاتفاقية.

* ويخبرنا الباحث العراقي، فؤاد قاسم الأمير، أنَّ (سوريا كان لها دور كبير في مناقشة القراءتين، واقترحت في القراءة الثانية إضافة مادة جديدة يكون نصها كالآتي (إنَّ قيمة المياه تعادل قيمة الأرض، ومن يعتدي على الحصص العادلة والمعقولة من استخدامات المجرى المائي الدولي، فسوف تطبق بحقه العقوبات المناسبة، والمنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة). وما تعنيه سوريا هو تطبيق البند السابع لميثاق الامم المتحدة بسبب الاعتداء على أراض دول مجاورة، وهذا الاقتراح للأسف الشديد لم تتم الموافقة عليه آنذاك. ولكنْ، ونظراً لأنَّ العصر القادم، سيكون عصر "حروب المياه"، كما يتوقع كثيرون، فمن المرجح أن يصبح هذا الاقتراح السوري مطروحا بقوة على بساط البحث والتفاوض في الهيئات الأممية في المستقبل.

* أما موقف تركيا في اجتماعات اللجنة الدولية، فكان موقف التحفظ والاعتراض دائماً، حتى إذا كان دون مضمون أحياناً وبقصد العرقلة والتشويش ليس إلا وكما يفعل البلطجي بالضبط! ومن هذا القبيل ما صرح به ممثلها في إحدى الجلسات حيث قال إنَّ تركيا (ترى أنَّ سيادة الدولة على مواردها الطبيعية، بما في ذلك المياه لم يؤخذ به بالقدر الكافي من الاعتبار، وهي تؤيد قصر تطبيق القانون - موضوع النقاش -على المياه السطحية دون المياه الجوفية) ثم ما لبث أن تراجع حتى عن هذا الموقف ورفض القانون برمته.

* أما ممثل العراق في الجلسة نفسها، فقد أكد على (أهمية أخذ نوعية المياه الداخلة لأي دولة من دول المجرى المائي عند تحديد الكمية المنصفة والمعقولة) وهذا مطلب معقول يؤيده العلم إذْ أن المياه الملوثة تحتاج إلى المزيد من المياه النظيفة والعذبة لإزالة ما تخلفه التلوثات في حوض النهر.

* إنَّ ست دول عربية فقط صادقت آنذاك على الاتفاقية علما بأن مواد هذه الاتفاقية لصالح العراق وسوريا، وحتى لصالح دول عربية يقع جزء من أراضيها ومياهها الجوفية في حوض دجلة كالمملكة العربية السعودية التي تغذي حقول مياهها الجوفية الأجزاء الجنوبية من حوض الفرات.

* من المواد المهمة في اتفاقية "قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية" يمكن تسليط الضوء على تعريف "المجرى المائي". فالاتفاقية تعرفه بأنه "شبكة المياه السطحية والمياه الجوفية التي تشكل، بحكم علاقتها الطبيعية بعضها ببعض، كلاً واحداً وتتدفق عادة صوب نقطة وصول مشتركة". أما المجرى المائي الدولي، فهو " مجرى مائي تقع أجزاؤه في دول مختلفة".

* وعُرِّفَت الدولة الواحدة من دول المجرى المائي بأنها "دولة طرف في هذه الاتفاقية، يقع في إقليمها جزء من مجرى مائي دولي، أو طرف يكون منطقة إقليمية للتكامل الاقتصادي يقع في إقليم دولة أو أكثر من الدول الأعضاء فيها جزء من مجرى مائي دولي".

* وبفعل هذا التعريف تلاشت التعريفات الجزئية والناقصة وغير العلمية وبخاصة المصطلحات التركية من قبيل "النهر العابر للحدود" و"الأنهار الحدودية"... الخ وأصبح لا قيمة قانونية دولية لها.

* إنَّ هذه التعريفات في الاتفاقية الدولية تقترب كثيراً من تأكيد وضمان حقوق العراق في مياه الحوضين "حوض دجلة وحوض الفرات" اللذين تصر تركيا على المطالبة باعتبارهما حوضاً واحداً لتسهيل سيطرتها على مياه الحوضين ولتعويض ما تستولي عليه من مياه أحدهما بمياه الآخر.

يتضمن الباب الثاني، للاتفاقية مجموعة من المواد المهمة، والتي تتعلق بحقوق دول المجرى المائي والتزامات هذه الدول. فالفقرة الأولى، من المادة الخامسة، قررت، ضمن عنوان "الانتفاع المشترك"، (أنْ تنتفع دول المجرى المائي، كل في إقليمها، بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة، مع مراعاة مصالح دول المجرى المائي المعنية، على نحو يتفق مع توفير الحماية الكافية للمجرى المائي).

* أما الفقرة الثانية، فزادت الأمر وضوحاً حين نصَّت على أنْ (تشارك دول المجرى المائي في استخدام المجرى المائي الدولي وتنميته وحمايته بطريقة منصفة ومعقولة، وتشمل هذه المشاركة حق الانتفاع بالمجرى المائي وواجب التعاون في حمايته وتنميته على النحو المنصوص عليه في هذه الاتفاقية).

واضح جدا، أن هذه الاتفاقية الدولية النافذة تعتبر وبحق سلاحا فعالا ومرجعية رصينة وقوية يمكن للدولة العراقية استعمالها والاستناد إليها في دفاعها عن حقوق العراق المائية ومصالحة الحيوية والتي بلغت اليوم خيار الحياة أو الموت بالنسبة لشعب العراق. فهل ستهتم الدولة العراقية والنخب وما يسمى بالمجتمع المدني العراقي بهذا الموضوع ويتم وضع خطة عمل سريعة وطارئة لمواجهة كارثة احتجاز تركيا لمياه نهر دجلة في الربيع القادم؟

ولماذا لم تهتم الحكومة العراقية والوزارات ذات العلاقة بالموضوع بهذه الاتفاقية حتى الآن، وبعد ثلاثة أعوام تقريبا على بدء نفاذها القانوني الدولي، فتلجأ إلى الهيئات والمحاكم الدولية لتشكو العدوان المائي التركي على العراق وأنهاره ولتقاضي الدولة التركية والمسؤولين فيها على ما ارتكبوه حتى الآن؟

وليس أدل على هذا الإهمال البالغ درجة التواطؤ تلك التصريحات المرتجلة والسطحية التي يدلي بها بعض النواب والمسؤولين العراقيين. ففي هذا السياق يمكن القول لو أن بعض الساسة -وخاصة النواب- سكتوا، ولم يدلوا بأي تصريح  لكن ذلك أشرف وأروح وأنظف لهم ولنا.

ففي الوقت الذي يذوي ويموت الرافدان دجلة والفرات أمام أنظار الجميع، وتعترف أوساط عراقية ودولية بخطورة مئات، نعم مئات السدود التركية على النهرين، وفي وقت يستعد فيه العراقيون لاستقبال أكبر كارثة مائية بعد ثلاثة أشهر مع بدء تركيا بقطع نصف مياه دجلة تقريبا وتحويلها الى خزان سد أليسوا العملاق خلال ثلاث سنوات، في  هذا الوقت المتأزم، تتطوع النائبة التي عملت كمهندسة في سنوات الاحتلال الأولى ضمن الفريق الهندسي في عهد الحاكم الأميركي بريمر، السيدة  شروق العبايجي، لتبرئ تركيا من مسؤولية الكارثة وتلقي بها على الدولة العراقية. تقول النائبة إن (السبب الاساسي -لأزمة المياه - هو التجاوزات الكبيرة على الحصص المائية من قبل المتنفذين بالدرجة الاساسية، هناك 30 الف حالة تجاوز على الحصص المائية حسب معطيات وزارة الموارد المائية.) بل تعلن بصراحة أن سد أليسو ليس هو السبب، وأن الأزمة (ليست وليدة لعوامل خارجية مباشرة، برغم النقص في الايرادات المائية في نهر دجلة لأسباب طبيعية) فالمسؤولية كما تريد النائبة أن تقنعنا تقع على الدولة العراقية التي لا تمنع التجاوزات في توزيع الحصص أولا وعلى الطبيعة ثانيا)، لحسن الحظ قالت "الطبيعة" ولم تقل كلمة أخرى3!

لا يمكن نفي التجاوزات التي يقوم بها متنفذو الأحزاب الطائفية والقطط السمان من محدثي النعمة على الحصص المائية الداخلية، ولكن هذه التجاوزات ليست هي السبب المباشر، ولا الأهم في الأزمة المائية الخانقة، والتي ستتحول إلى مذبحة حقيقية للعراقيين مع بدء تشغيل سد أليسو، فأنت حين تحرم العائلة من نصف الغذاء الخاص بها، لا يمكن لك أن تعلل المجاعة بأن بعض أفراد العائلة سرقوا من حصص غيرهم! هذا ما يقوله المنطق والعقل السليمان أما العقل المضروب والمشبوه فله رأي آخر بكل تأكيد!

وقد يقول قائل، إن النائبة المذكورة تحدثت عن أزمة المياه قبل بدء الحكومة التركية بقطع المياه عن دجلة! ولكن هل أزمة المياه الداخلية في العراق جديدة؟ وهل هي سببها الطبيعة كما تقول العبايجي؟ ألم يفقد الفرات أكثر من نصف مياهه حتى الآن بسبب السدود التركية؟  ألم يفقد دجلة كميات هائلة من مياهه بسبب المشاريع الإيرانية على روافده، وسيفقد نصفها تقريبا ولمدة ثلاث سنوات مع بدء تشغيل سد أليسو قريبا؟ ثم لماذا وضعت العبايجي تصريحها في سياق الحديث عن الكارثة المنتظرة، وذكرت سد أليسو بالاسم وبرأته مسبقا من المسؤولية؟ أي معنى لهذه التصريحات الساذجة والتبريرية والمشبوهة والتي تفوح برائحة التواطؤ؟ إذا كان هؤلاء النواب لا يحسنون الكلام فلماذا لا يكرمون الناس بسكوتهم؟

النائبة العبايجي تتباهي على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي قبل يومين بأنها قدمت اقتراحا للبرلمان بأن ينضم العراق لدول اتفاقية هلسنكي للمياه ولم يوافقوا على الاقتراح! فماذا تقصد النائبة باتفاقية هلسنكي؟ هل تقصد دليل الارشادات الذي وضعته رابطة القانون العالمي في عام 1966، وهي منظمة مدنية غير حكومية وضعت لاحقا لائحة تسمى ب (معاهدة هلسنكي المائية) لاستعمال المياه في نطاق عالمي؟ أم تقصد محكمة المياه الدولية في مدينة (امستردام) الهولندية وهي (محكمة غير حكومية وغير معترف بها، وليس للمحكمة أية قوة في تنفيذ قرارها، ولكن لها تأثير أعلامي تأسست سنة1981من قبل منظمات حماية البيئة) كما يخبرنا الباحث الهولندي بيوار خنسي؟5 .

وما قيمة الانضمام إلى هذه المنظمة وترك الأمم المتحدة واتفاقيتها القانونية الخاصة بمجاري المياه الدولية لأغراض غير ملاحية والتي تكرست وأصبحت نافذة المفعول منذ سنة 2014 ويمكن للعراق الاستناد عليها في مقاضاة تركيا أمام المحاكم الدولية كما يمكنه استصدار قرارات من الأمم المتحدة تؤكد حقوقه المائية وتسهل عليه نيلها؟ أم أن النائبة المهندسة لا علم لها بذلك وماتزال على معلوماتها القديمة التي كتبتها في مقالة لها في جريدة "المدى" بتاريخ 23/2/2013 حول الموضوع؟  إنني من حيث المبدأ لست ضد الانضمام الى منظمات مدنية ومحاكم شعبية إعلامية لا قرارات ملزمة لها كمنظمة هلسنكي واتفاقيتها البيئوية، بل أرى ضرورة ووجوب وراهنية ذلك، ولكني أتساءل لماذا تترك قوانين دولية ملزمة ويركض أمثال النائبة العبايجي خلف الوهم والإعلام والفرقعات؟ هل هو الجهل أم التواطؤ أم شيء آخر؟

إن هذه النائبة وأمثالها من مدنيين وإسلاميين -فهم سواء بل ويتنافسون في البؤس والدوس على حقوق العراقيين وفي التبعية للأجنبي-إنهم لا يريدون أن يسمعوا ما يقوله الخبراء والمتخصصون والسلطات الرسمية ومن ذلك مثلا ما نشر في الإعلام قبل عامين وأكثر:

* ذكر الدكتور حامد الدباغ رئيس جامعة المستنصرية العراقية سابقا (أن استئثار تركيا بكميات كبيرة من مياه نهري دجلة والفرات، لن يعرض مشاريع الري وتوليد الطاقة الكهربائية في سوريا والعراق لأضرار بالغة فحسب، بل يعرضهما لخطر الجفاف وحلول الكوارث أيضا)4.

* ذكر مصدر في وزارة الموارد المائية العراقية (أن وارد نهر دجلة الطبيعي من المياه عند الحدود التركية والبالغ نحو 20.93 بليون متر مكعب سنويا، سينخفض عند إنشاء السد (سد أليسو) إلى 9.7 بليون متر مكعب سنويا من المياه. كما أن السد سيحرم 696 ألف هكتار من الأراضي الزراعية العراقية من المياه).

وفي الختام نتساءل: هل ننتظر من حكومة العبادي التي سكتت حتى الآن على الوجود العسكري التركي بدباباته ومدفعيته وجنوده قرب مدينة بعشيقة، رغم كل الضجيج الدبلوماسي الذي قامت به، أن تتحرك وتستخدم القانون الدولي الجديد ضد تركيا؟ قطعا لا يُنتَظَر منها ذلك وبهذا فستتهم هذه الحكومة بارتكاب جريمة التواطؤ أو في الحد الأدنى بعدم القيام بواجباتها وتفريطها بالأمن القومي والمائي العراقي تحديدا!

ولماذا لم يتحرك العراقيون الرسميون وغير الرسميين للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، هل أن مياه القناني المستوردة من دول الجوار الصحراوية والمصنعة في محطات تحلية مياه البحر أمست كافية لإطفاء ظمأ الحكام ومحدثي النعمة السحت وليذهب فقراء العراق إلى حيث؟!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

.....................

هوامش:

1- رابط النص الكامل (اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية):

http://www.albadeeliraq.com/node/906

2- رابط الفصل التاسع من كتاب" القيامة العراقية الآن":

http://www.albadeeliraq.com/node/907

3- رابط تصريح النائبة شروق العبايجي:

http://aletejahtv.org/permalink/194544.html

4- رابط تصريح د. حامد الدباغ ووزراة الموارد المائية العراقية:

http://www.alquds.co.uk/?p=384513

5- مقالة للباحث الهولندي بيوار خنسي حول اتفاقية هلسنكي :

http://www.gov.krd/a/d.aspx?a=4511&l=14&r=84&s=010000

 

 

mutham aljanabi2لقد حدد مبدأ التدرج في الإصلاح الذي تغلغل في كل مسام الرؤية الإصلاحية لمحمد عبده إلى مقدمة التأسيس المنهجي للأبعاد الاجتماعية في الفكرة الإصلاحية. فالفكرة الإصلاحية عند محمد عبده ليست دينية من حيث الجوهر، بل منظومة متكاملة. من جوهرية الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية فيها. وليس مصادفة أن تكون الأبعاد الاجتماعية فيها بارزة في كل مواقفه بلا استثناء. بل ويمكننا الحديث عن توسع وتعمق لهذه الأبعاد مع كل تطور كمي ونوعي في تأسيس الفكرة الإصلاحية. إذ نعثر على إبرازه قيمة الأبعاد الاجتماعية في القضايا التي تناولها من وجهة نظر مهمة إصلاحها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار انه لم يترك جانبا من جوانب المجتمع والدولة دون الخوض فيه، من هنا يمكن تتبع مسار الأبعاد الاجتماعية في فكرته الإصلاحية. وهو أمر جلي حالما نتصفح مقالاته العديدة تجاه مختلف القضايا. فهو لم يترك لجوانب الاجتماعية حتى في حال مناقشته لإصلاح حال القضاء والقضاة.

فعندما يتناول قضايا القضاء والقضاة، وحجاب القضاة، والدفاتر، وأسلوب التقييد فيها والمتابعة، وكيفية تشكيل المحاكم، والمرافعات، والتوكيل في المخاصمات، وجلسات المحاكم، وحضور الخصوم، والشهادات، والأدلة، وكيفية الحكم، وتنفيذه والحبس والتفتيش والمحامي ودوره وغيرها، فإننا نعثر فيها بصورة واضحة وجلية على أبعاد اجتماعية مهمتها تنظيم وتحرير الفكرة الحقوقية وأجهزة القضاء وأساليب عمله من ثقل التقاليد الاجتماعية البالية، كما هو جلي على سبيل المثال في مقالاته النقدية اللاذعة والعميقة من مسألة حجاب القضاة والشهادات والأدلة ومعارضته لحجاب النساء في جلسات القضاء وغيرها. انه أراد الكشف عما في هذه الظاهر الخربة من إمكانية توسيع مدى الرذيلة والغش والسقوط الأخلاقي.

بعبارة أخرى، انه أراد القول، بأن فكرة القانون والعدالة تفترض تحرير المرء للدفاع عن حقوقه كما هو ومواجهة القانون بمعايير القانون وليس العرف الاجتماعي والتقاليد الميتة. من هنا تقديمه مضمون ما اعتبره جوهر الدين وتقاليد الإسلام الأولى على أنها قضاء على العادات القديمة السيئة. وبالتالي اعتباره محاربة التقاليد السيئة قاعدة دائمة وجوهرية في الفكرة الإسلامية. من هنا نراه يحارب أسلوب وتقاليد الحجاب المتحجرة، عندما أكد على انه لا يوجد في القران نصا صريحا بالحجاب السائد حاليا[1]. وإن الحجاب المغلق فيه انتهاك للحقوق وأسلوب للسرقة والحيلة والغش، أي انه احد مصادر الرذيلة، مثل حضورها في المحاكمات والبيع والشراء والزواج[2]! كما نراه يحارب كل نماذج وأشكال التقاليد الخربة مثل الصياح وراء الجنائز والمآتم، والقذارة والخرافات[3]، أي انه يضع في آن وان واحد ومستوى واحد تقاليد "العزاء" المزيف والقذارة المرمية في الأزقة. كما نراه ينتقد استعمال المخدرات بوصفها مناهضة لمتطلبات الجسد والعقل والأخلاق وكثير غيرها.

في حين نراه يخصص مقالات عديدة جدا لقضية المرأة بما في ذلك من خلال تطويع كل الرؤية النقدية والعقلانية والتاريخية والأخلاقية في التفسير من اجل تقديم نموذج إصلاحي إنساني للموقف من المرأة، بوصفها إحدى المرايا الكبرى التي تنعكس فيها حالة التخلف والانحطاط المادي والمعنوي أو بالعكس، أي حالة الرقي والتمدن. وبالتالي لم يكن تركيز محمد عبده عليها سوى الأسلوب الحسي والباطني في الوقت نفسه لنقد إحدى اشد القضايا حساسية بالنسبة للذوق الإسلامي آنذاك.

وانطلق في تقرير فكرته الإصلاحية بهذا الصدد من المقدمة العامة القائلة، بان حقيقة الإسلام في موقفه من المرأة يقوم على مبدأ الإقرار بحريتها ومساواتها بالرجل. من هنا محاولاته تفسير الأبعاد الفعلية مما يسمى بتعدد الزوجات من وجهة النظر التاريخية بوصفها إصلاحا لما قبلها، وباعتبارها مقدمة الموقف الإسلامي الحقيقي من المرأة كما ينبغي فهمه ضمن سياق الرؤية الإسلامية العامة. وحقيقة الرؤية الإسلامية بهذا الصدد يمكن رؤيتها من خلال الموقف من الزواج، أي من طبيعة العلاقة الشرعية بينهما بوصفها علاقة وجدانية.

بعبارة أخرى، إن حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة بالنسبة لمحمد عبده تقوم على أسس وجدانية وجودية طبيعية. من هنا موقفه المعارض أو الناقد لتصورات وأحكام الفقهاء الجافة عن الزواج التي تعرفه بعبارة "عقد يملك به الرجل بضع المرأة". إذ وجد في هذا الحد فكرة جافة وجزئية ولحد ما غريبة عن حقيقة الفكرة الإسلامية. وذلك لان هذا التعريف يرجع طبيعة وحقيقة العلاقة إلى جعل المرأة مادة لرغبات الرجل الذكورية. بينما أفضل تعريف لها، كما يقول محمد عبده، ما هو موجود في القرآن (من آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". ذلك يعني انه أراد إبراز نوعية العلاقة الطبيعية بينهما بوصفها علاقة نابعة من أسس وجودية واحدة مهمتها بناء الرحمة والمودة، أي الحب والاحترام، بوصفها الصيغة المثلى والنموذجية للعلاقة بينهما.

وطبق هذه الرؤية على مواقفه النقدية من فكرة الزواج بالطريقة التقليدية. إذ وجد من الضروري معرفة الرجل بامرأة التي يرغب الزواج بها، انطلاقا من أن الزواج يفترض معرفة. فالمرء لا يشتري خروفا دون أن يراه، فكيف له بالزواج دون رؤية، كما يقول محمد عبده[4]. وطبق موقفه هذا تجاه الطلاق. بمعنى انه تعامل مع قضية الطلاق بمعايير المنفعة والأخلاق والراحة الإنسانية، بوصفه الوجه الآخر أو الحالة الأخرى للموقف من الزواج نفسه.

كما عمق هذه الرؤية من خلال رفعها إلى مستوياتها الاجتماعية والثقافية عندما اعتبر الموقف من المرأة هو نتاج لمستوى تطور الأمم أو انحطاطها. كما انه مؤشر على مستوى تطور الناس العقلي. من هنا ملاحظته، بان الرجال العقلاء يحترمون زوجاتهم ويكتفون بواحدة[5]. ووضع هذه النتيجة في موقفه من تعدد الزوجات بحيث نراه يعتبر تعدد الزوجات مصدر خلل وانتهاك للحقوق والأخلاق. والقبول به من بعض النساء نابع من قصورهن في فهم الحقوق الشخصية، بوصفها متاعا للرجل كما كان الناس يعتبرون أنفسهم متاعا للحكام المستبدين[6]. بعبارة أخرى، انه أراد الكشف عن طبيعة العلاقة السرية والعضوية بين الاستبداد السياسي والاجتماعي، من خلال مقارنة تعدد الزوجات بوصفهن متاعا للرجل تماما كما يتحول البشر والمجتمع إلى متاع للمستبدين.

إننا نقف هنا كما هو الحال بالنسبة لكل مواقفه الإصلاحية أمام تأسيس باطني لمبدأ البناء الذاتي الشامل، أي إن الإصلاح الحقيقي يفترض استناده إلى مبدأ جوهرية البناء الذاتي الشامل، بوصفه الوجه الآخر لنفي التقليد الداخلي والخارجي، العقلي والاجتماعي، الثقافي والمعرفي. الأمر الذي أعطى للفكرة الإصلاحية بعدها الذاتي التلقائي. وقدم الكثير من المقارنات بهذا الصدد. ففي مجرى تناوله تاريخ الرقي والتمدن الأوربي الحديث، فانه كشف عن أن أصول الإصلاح الديني النصراني كانت نتاجا للتأثير الإسلامي الفلسفي والعلمي والثقافي والحياتي، وساء جرى ذلك عبر الحروب الصليبية وبعدها أو من خلال تأثير الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية. وقرر هذه الفكرة من خلال الشواهد التاريخية والمعطيات الحسية البسيطة والمباشرة عن عيش الكثير من نخب المجتمع النصراني والناس العاديين بين المسلين فترات زمنية طويلة تأثروا بنمط حياتهم وأفكارهم، أي كل ما شكل الدافع الأساسي لنقد الواقع والخروج من ثقل التقاليد النصرانية المتحجرة. من هنا استنتاجه القائل، بأنه حالما نتأمل النصرانية البروتستانتية، فإننا نرى اغلب آراءها ومبادئها مأخوذة من الإسلام. وأن الاختلاف في العبادات لا غير[7].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن الفكرة الإصلاحية النصرانية المتطورة التي أثرت بصور كبيرة على عملية التمدن الأوربي ما هي إلا احد أوجه الإسلام الحقيقي. وضمن هذا السياق طوع كل موسوعيته في التفسير ورؤيته العقلانية واصطلاحيته في المواقف من اجل إبراز حقيقة الإسلام بوصفه دين الإصلاح كما نراها في هذا الكم الهائل من تفسير الآيات[8]. وهو تفسير يختلف و"يشذ" عما كان سائدا، وذلك لنحوه صوب إصلاح الروح والعقل والجسد الفردي والاجتماعي والقومي من خلال مطابقة الفكرة الإصلاحية مع حقيقة الإسلام، أو من خلال جعل الإسلام دين الإصلاح الدائم. من هنا ارتكاز التفسير الذي قدمه لمختلف آيات القرن وسوره على مبادئ ووحدة العقل والعقلانية والروح الأخلاقي والرؤية الواقعية المتسمة بنزوع إصلاحي شامل. الأمر الذي جعل منه تفسيرا أقرب إلى تفسير "روح المعاني"، ولكن من خلال جعل القرآن أسلوبا لفهم حقائق المعاصرة كما هي. بمعنى تحويل الآيات إلى أسلوب منهجي في فهم إشكاليات الواقع التاريخي. والنظر إليها ليس بعيون التمني الباكية على أطلال الماضي، بل بعيون الرؤية النقدية والواقعية العاملة من اجل تغيير الواقع بوصفه جوهر ومضمون الفكرة الإسلامية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التأثير الخفي لتقاليد الروح الصوفي المتسامي واثر الأفغاني العملي الفعال في جمع هذه المكونات التي تتراءى من خلالها عقلانية الكلام وحنكة الفلاسفة وأدب التصوف الرفيع وأخلاقهم النبيلة.

بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذا النوع من التفسير على نقل روح التصوف وأخلاقيتهم المتسامية إلى ميدان الرؤية الواقعية والاجتماعية والسياسية ومستقبل الدولة والأمة. بمعنى تفعيل الروح الأخلاقي والعقلي في مواجهة إشكاليات الحاضر من خلال إبداع صورة عملية لما في اجتهاد الغزالي القديم. ووضع هذه الرؤية في المبدأ القائل، بان "التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". ذلك يعني أن المهمة الأولية للتفسير تقوم في أبعاده عن تقاليد الأموات واللاهوت السحري، عبر إرجاعه إلى تيار الحياة وإشكالاتها. ولهذا السبب نراه أيضا يقف بالضد من أساليب التأويل الباطني المتطرف. من هنا رفضه لهذا النوع من التأويل الذي وجد انعكاسه فيما ينسب إلى ابن عربي (كتاب تأويل القرآن) مع انه كتاب القاشاني، كما يقول محمد عبده. ومن هنا أيضا فكرته من أن الجوهري بالنسبة له في التفسير ليس "الأحكام العملية" بل "التهذب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة". لهذا نراه يدعو كل شخص (جاهل وعالم) أن يفهم القرآن بقدر طاقته. ووضع في هذا المبدأ أسلوب ما اسماه بتفسير القرآن بحسب المعنى الأولي، وحسب ما جاء في القرآن نفسه وبما يتوافق مع المعنى في الآية. والغرض من ذلك تحرير الرؤية من ثقل التقاليد المذهبية والحفظ الميت واسترجاع تقاليد الأسلاف، أي البقاء ضمن بطون الكتب المليئة بغبار الماضي. (يتبع....).

 

ميثم الجنابي

................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص105.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص107.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص114-158.

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص68-70.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص82.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص83.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص467-268. وقد كتب أمين الخولي عام 1935 كتابا بعنوان (صلة الإسلام بإصلاح النصرانية).

[8] يمكن الرجوع إلى ذلك في الجزء الرابع والخامس من الأعمال الكاملة لمحمد عبده.

 

 

hasan zayedكانت الخطوة الأولي ـ بعد التقدم خطوة والتراجع خطوات ـ هي السؤال عن مفتاح العصر، الذي بحث عنه الكثير من مفكرينا علي مدار عقود من الزمان، هل نحن نملك مفتاح العصر؟. هل وقعت عليه أعيننا، فأدركنا وجوده، ووضعنا أيدينا عليه، وأمسكنا به، وأدرناه، فانفتح لنا العصر علي مصراعيه، ودخلناه من أوسع أبوابه؟ . أم أن قضية عثورنا علي مفتاح العصر، مجرد أضغاث أحلام، أفقنا من نومنا الكهفي، لنجدنا خارج العصر، وأننا لم نلج من بابه بعد؟ .

الواقع أننا أمة لم تعثر علي مفتاح العصر بعد، ويرجع ذلك إلي علل، حالت بيننا وبين البحث عنه من الأصل . وأولي هذه العلل حالة انخداع النفس التي مارسناها علي أنفسنا، أو مارسها غيرنا علينا، ودفعتنا إلي التوهم بأننا أمة قد بلغت من أوج المجد سنامه، وتغنينا بالمجد التليد، فلنا من الحضارات التي ملأت الأرض علماً وثقافة ونوراً، وقت أن كان غيرنا يغط في نوم عميق، وفي سبات أقرب إلي سبات الأموات في الليل البهيم . فلدينا الحضارة الفرعونية، والحضارة البابلية، والحضارة الآشورية، وهي بحق حضارات تدعو للفخار والتغني . والعلة في عدم البحث عن مفتاح العصر ليست فيها، وإنما في الخلط الذي وقع فينا بمعوله، فجعلنا نندفع دون أن ندري، إلي عدم القدرة علي التفرقة بين ما كان من مجد قديم، وما كان يجب أن يكون من مجد جديد، ورغم إدراكنا أن ما كان  لا يغني ما هو كائن، عما يجب أن يكون، إلا أننا ركنا إلي ما كان، في الإستغناء عما  يجب أن يكون، وظننا ظن السوء أن ذلك في ميزان الأعمال يكفينا .

وثاني هذه العلل أن غالبية أصحاب الرأي فينا، من مفكرين وكتاب ومثقفين ومبدعين، يكتفون بما يردده العوام فينا، سواء عن العصر الحالي أو العصور الغابرة . ويكتفون بالإقتيات علي ما تخلفه حضارة اليوم من قشورفتات علي موائد الثقافة والفكر . ولم تتولد لديهم الرغبة بعد ـ عجزاً أو كسلاً أو تآمراً ـ في البحث عن مفتاح العصر، في محاولة دؤبة  لإيجاده، واستخدام مشرط الجراح  لاستكشاف  مخابئه، واستئصال ما يعوق استخراجه، ومداواة الجراح، واستشفائها . ثم الذهاب به إلي بوابة العصر، وإدارته في قفلها، كي تنفتح البوابة علي مصاريعها، ويتقدم أصحاب الرأي والمشورة  الصفوف في الولوج منها، إلي باحة العصر ودهاليزه، فيجري استكشافه، والمشاركة الفاعلة فيه، مشاركة حية متحركة نشطة . حتي يمكننا الذهاب باطمئنان إلي القول بأننا أبناء هذا العصر .

وثالث العلل التي ساهمت بقسط وافر، في الحيلولة بيننا وبين محاولة البحث عن مفتاح العصر، أننا بالنظر إلي حياتنا، والحياة من حولنا، وحياة غيرنا، لوجدنا أنه لا فارق يكاد يذكر بين حيواتنا جميعاً . حيث تنغمس تلك الحيوات إلي أذقانها، في صنوف الأدوات والمعدات والآلات والأجهزة،علي اختلافها كماً وكيفاً وعدداً، وتنوعها تنوعاً يفوق الحصر، ويتعدي حدود التصور، فيما تنتجه من سلع وخدمات، ضرورية، وترفية، وترفيهية، وفوق ترفيهيه، نشترك في استهلاكها  والإستفادة منه جميعاً، بدرجات متفاوتة، لا تنفصم معها عن العصر من هذه الزاوية .

وما دمنا كذلك ـ توهماً وانخداعاً ـ فنحن نعيش العصر، ونملك ناصيته، مثلنا في ذلك مثل غيرنا . ولا حاجة بنا إلي مفتاح قصر نحن بداخله، والبحث عنه نوع من العبث الذي لا لزوم له، ولا ضرورة تقتضيه، أو تلجئنا إليه . ومثلنا في ذلك، مثل من يري في نومه حلماً، يعيشه واقعاً حياً متحركاً في منامه، فإن استيقظ وجد نفسه ملقاً به علي قارعة الطريق، عارياً بغير غطاء يستر عورته .

وذلك لأننا قد نسينا في غمرة الأحداث، وخضم الحياة، أننا نعيش مظاهر العصر، وأن هذه المظاهر صنيعة غيرنا، لا صنيعتنا، وأن العلوم المتجسدة فيها تطبيقاً، هي علوم غيرنا، لا علومنا . وإن كان لنا من فضل في تجسيدات العلوم تطبيقاً لها، فهو في شراء منتجات أو خدمات ما تسفر عنه هذه التطبيقات . وإن كان لنا من فضل في تلك العلوم، فلا أكثر من حفظها ـ إن حفظناها ـ عن ظهر قلب، ورددناها ترديد الببغاوات لما تعيه أذنها، وجري اختبارنا في هذا الحفظ، وأصبح معياراً للنجاح والتفوق، والإنتقال من سنة إلي أخري، ومن مرحلة تعليمية إلي مرحلة أخري .

وللخروج من هذا المأزق، والوقوف حتي علي باب العصر دون دخوله، لابد أن نضع أيدينا علي مفتاح العصر، والتخلص من تلك العلل التي تكبلنا بالأغلال، فتحول بيننا وبين السير في ذات الطريق المفضي إلي هذا العصر . ولا ريب أن الطريق المؤدي إلي العصر بالضرورة، هو الطريق الذي يبدأ بالقراءة الصحيحة لمفردات هذا العصر، وتغيير منهج الرؤية، والزاوية التي نطل من خلالها علي تلك المفردات، ونقرأ الكون وكائناته باللغة المجدولة من هذه المفردات . فهل نحن فاعلون؟ ! .

 

حـــســـــــــن زايـــــــــــــــد

 

ومضة: (بين العقيدة الدينية والعلم هناك دوما صراع، يستعر حينا ويخمد حينا أخر، ولكن الغلبة دوما للعلم، أي للعقل .. كاتب البحث)

أستهلال:

انها سلسلة مقالات يمكن أن تقرأ منفردة أو متكاملة، والموضوع / البحث، من جانب ثان لا يمكن قرائته بطريقة متكاملة وصائبة، دون أن تقرأ أجزائه كاملة، لأجله أن أي قراءة جزئية للموضوع، تضعنا على طرف يجعلنا أن نلقي الضوء على جانب معين دون الأخر، فتكون الفكرة قد تمحورت في ذهن القارئ ولكن غير تامة كمثل قراءة الأجزاء كاملة، ولكن هذا لا يعني أنعدام الفائدة الفكرية في حالة قراءة أي جزء من الأجزاء ..

" وودت أن ابين أن بعض النصوص نقلتها مترجمة عن الألمانية والانكليزية، وقد تكون حبكتها العربية ليست كما يجب، ولكن المعنى والقصد أعتقد مفهومين، لأجله أقتضى التنويه " .

المقدمة:

دفعتني بعض الأيات القرأنية / التي تدلل على أن لغة القرأن هي العربية حصرا، لأتساءل هل حقا أن اللغة التي كتب بها القرأن في بداية تدوينه، هي لغة عربية خالصة، أم عربية – أرامية / سريانية، مع مفردات فارسة وحتى يونانية، مثلا (أستبرق، سندس / فارسية، قنطار، درهم / يونانية)، أم هي " خلطة لغوية "، وبالرغم من وجود عدد من الأيات التي تؤكد على عربية لغة القران، كقوله تعالى (الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)1- 2 سورة يوسف، و(وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها) 7سورة الشورى، و(وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) 192 – 195 سورة الشعراء .. وغيرها، وهذا التساؤل أراه نهجا مشروعا ولكن ممكن أن يكون شائكا، لكني سلكته، ولأستكمال بحثي، كان هناك حيزا أخرا، يتجه عكس المألوف، ومثيرا للجدل، هو أطلاعي على الكتاب الخاص لبروفسور اللغات السامية والعربية القديمة كرستوف لوكسنبرغ (*1) وبعض البحوث والمقالات، وبعض المقالات ذات العلاقة، للبروفسور الألماني " بون " وغيرهما، فبحثي هذا مبنيا على أسس وقرائن وحجج ما كتب في هذا الصدد، مضيفا الى كل ذلك أن سردت قراءتي الخاصة للموضوع ولكل جزء، التي تضم بعض المؤشرات الخاصة بلغة النص القرأني .. وأرى أن الأمر برمته يؤثر على مفهوم البحث الديني، وسيلقي بثقله على النشاط الفكري التنويري لرجال البحث والفكر والتأريخ وعلى المسلمين عامة !، وقد أعتمدت على عدد من الهوامش في البحث من أجل أستكمال بنية البحث الخلفية والمرجعية، وبنفس الوقت من أجل الأستزادة والأطلاع والمعرفة .

الموضوع: أن الذي حفزني لكتابة هذا البحث / أضافة لما سبق ذكره في أعلاه، هو عدم وجود تفاسير منطقية لبعض النصوص القرأنية (*2)، ووجود كلمات أو عبارات أو مقاطع غير عربية، أرامية الأصل، وهو الذي أكده البروفيسور كرستوف لوكسنبرغ، كما أن القرأن بداية كتب دون نقاط وتحريك (علامات التشكيل التي توضع فوق وتحت الحروف) . حيث يمكن للحرف الواحد أن يُقرَأ بعدة طرق مختلفة وذلك أعتماداً على موضع الحركة والنقطة، أن كان التشكيل فوقه أم تحته (*3)، هذا الأمر يجعل من الكلمة ومن ثم الجملة أن يكون لها أكثر من مفهوم وأكثر من تفسير ومعنى، فمثلا الفعل " كتب " يمكن أن يقرأ بأختلاف مواضع التنقيط الى (كبت، كنت ..)، وكذلك كلمة (عنب) ممكن أن تقرأ (عتب، عيب ..)، وفعل (فر) ممكن أن يقرأ (قر، فز)، وهذا الأمر خلق أشكالية كبرى، في قراءة النصوص، وأن الأمر ينطبق على الكثير من الحروف التي تشكل موضع التنقيط فيها أختلافا تاما في المعنى، مثلا حروف (الباء والتاء والثاء / والجيم والحاء والخاء / والراء والزاي/ والسين والشين / والعين والغين / والفاء والقاف / الدال والذال / والصاد والضاد / والطاء والظاء / النون والياء ..)، كل هذا من ناحية، ولكن الجانب الأخر، وهو الأهم، هل أن القرأن كتب بلغة عربية خالصة، كوحدة كاملة ! .. وأنا في هذا المقام لست بصدد نقد أو تأكيد كتاب البروفيسور كرستوف لوكسنبرغ، ولكني دلوت بدلوي، وأخذت بعضا من فقراته أو مقاطعه أو عباراته وبينت نقدي لها، هذا ما أود أن أبينه في قراءتي المتواضعة والخاصة للبحث، علما أن كلمة " القرأن " كلغة، موضوع البحث نفسها مثيرة للجدل (*4) . القراءة: (أولا –) أنزوى القرأن بعيدا عن كل نقد أو مس من الناحية العقائدية أو اللغوية أو البنيوية أو التحقيقية أو التفسيرية، أو حتى من ناحية تأريخية النص .. مهما ما كان ذلك النقد بسيطا أو شكليا، والذي يدخل في هذا المجال يتعرض للقتل، كما حصل مثلا مع، محمود محمد طه (*5)، الذي أعدم، ومع د . فرج فودة الذي أغتيل (*6)، ونصر حامد أبو زيد (*7) الذي هجر، والكثير غيرهم، ك (أحمد القبانجي ود. كامل النجار ود . سامي الذيب ود. سيد القمني وأسلام بحيري / الذي سجن، وفاطمة ناعوت ..)، بينما من جانب أخر، نقدت كل الكتب المقدسة ! والأغرب من هذا كله لا يوجد أي مسؤولية عقابية أو قانونية ولا حتى أدبية، لمن ينقدها ! ولم يخرج من الملة أذا كان الناقد مسيحيا / مثلا، والأعجب من كل هذا أن بعض المواقع المسيحية / مثلا، نفسها هي التي تنشر النقد ! . ففي موقع / الأنبا تكلا - هيمانوت الحبشي القس: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – الإسكندرية - مصر / URL: http://St-Takla.org، وهو موقع مسيحي، يبين مدارس النقد ((يتكلم عن مدارس النقد للكتاب المقدس ويعدد بعضها: مدرسة الألحاديين، مدرسة النقد الكتابي / وتضم أربع مذاهب " المذهب الطبيعي: (1761-1851م) والمذهب الأسطوري: (1808-1834م) والمذهب الاتجاهي: (1792-1860م) والمذهب النقدي " وأخيرا مدرسة المدَّعين ..)) .

(ثانيا –) سأبدأ من هذه النقطة بعرض بعض مقتطفات من بحوث البروفيسور كرستوف لوكسنبرغ، حيث بين البروفيسور" بوين " الأتي حول موضوعة "حور العين" الذي تناولها البروفيسور لوكسنبرغ ((.. هناك فقرة في القرآن تذكر الحور العين، والتي تقول: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ)، هذا هو الفهم التقليدي لهذه الآية، ولكن إن تغير التنقيط في الكلمات فسينتج: (كَذَلِكَ وَرَوَّحنَاهُمْ بِحُورٍ عِنب يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ)، فالمفجر الانتحاري في عقليته يأمل بالحصول على 72 عذراء في الجنة، ففي " ترجمة لوكسبنبيرغ "، يخالف هذا المفهوم، حيث يحصل على قطف من العنب .. الدراسات الألمانية المتمحورة حول المسيحية، مضمونة بالطريقة التي تم بها دراسة الإنجيل، الإنجيل والقرآن ليسا نفس الشيء، ولكن هناك صلة يصنعها لوكسينبيرغ بالرمزية المسيحية، وذلك تحريضي للبعض، وحجة مقنعة للبعض الآخر، هناك لوحة جصية من القرن الخامس في دير في مصر تصور الملائكة تستقبل الأرواح في الجنة، كل ملك يحمل عنب في يد، وفي الأخرى أرواح الصالحين، الذين تمت مكافأتهم بأقطاف العنب، أن كل الوعود المتعلقة بالمسيح لأتباعه في العشاء الأخير أنه لن يشرب مجدداً من فاكهة نبيذ العنب إلى أن يشرب مجدداً مع والده " مرة أخرى عنب في الجنة " .. أشارة للنص أعلاه، فحتى لو كانت الكلمة سيريانية، فيجب أن تفهم بالطريقة وبالعقلية وبالأيحاء التي فهمها بها العرب في عهد الرسول، ليس كعنب، بل كحور، شريكات في الجنة، أعتقد أننا جميعنا نفهم، أنها مجرد إشارة رمزية، ويجب أن ننظر خلف الصور، الطريقة التي ننظر بها إلى الجنة على سبيل المثال، نحن لسنا بلهاء لنفكر بها بطريقة ضئيلة، نحن لا نعرف، ما سوف يكون جميل لنا، فهو أكبر من تخيلاتنا، أعمال لوكسينبيرغ استدعيت للمناقشة من أكاديميين لامعين وإثارته للجدل بسبب نشرها، هو يؤمن أن عمله يفتح الباب لتشجيع علماء اللغة والآثار والتاريخ ليستخدموا التقنيات الحديثة في أعمالهم ..)) / الدكتور الألماني (بوين) عالم وخبير في القرآن، في تسجيل تلفزيوني لمحاضرة له بعنوان " دراسة ألمانية جريئة عن القرآن " YT/WDEDFeN0t3o، نقل بتصرف، مع أضافات الكاتب وحسب مقتضيات النص .. ولي شخصيا نقدا لهذه الفقرة:

1 - في هذه النقطة، سأترك جانبا العلاقة بين اللغات العربية والسريانية / الأرامية، ولغة القرأن، وذلك لأنها حقيقة لغوية لا مناص منها، وليس من جدوى في مناقشتها، لأنها أمر واقع .

2 - أن " حور العين " ذكرت في الكثير من الأيات، منها (سورة الدخان 54) (سورة الطور 20) (سورة الرحمن 72) (سورة الواقعة 22) . أذن هناك تأكيد على هذا الموضوع، وهناك ذكر لها أيضا في الكثير من الأحاديث النبوية، منها الأتي: ((.. ما ما ورد في الصحيحين، فحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا . رواه البخاري ومسلم . وحديث أنس بن مالك عن النبي قال: لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قيد ـ يعني سوطه ـ خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها .. رواه البخاري . وحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة: ومثل له شجرة ذات ظل، فقال: أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها ... وساق حديثا، وفيه: ثم يدخل بيته فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت، رواه مسلم ./ نقل بتصرف من موقع أسلام ويب)) .

3- وبالرغم من الوصف المقرف والمقزز والمثير للأشمئزاز لحور العين، حسب وصف أبي هريرة " .. لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون .. "، أرى أن واقع وجود حور العين مؤكد عليه حسب ما قرأنا من نصوص وأحاديث نبوية .

4- الخلاف الوحيد الذي أختلف به المفسرون أو الرواة هو في عدد حور العين، فهم يفسرون حسب عقليتهم ووفق نظرتهم الزمنية والمكانية للنص (وقد ثبت في السنة الصحيحة أن لكل رجل في الجنة زوجتين، وقد ثبت في بعض الأحاديث أن الزوجتين من الحور العين، وأن منهم من ‏يزوج بسبعين من الحور العين وهم الشهداء، وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قال القارئ: والأظهر أنه تكون لكل أمرئ زوجتان من نساء الدنيا، وأن أدنى أهل الجنة من له اثنتان وسبعون زوجة في الجملة يعني ثنتين من نساء الدنيا وسبعين من الحور العين .) / نقل بتصرف من ملتقى أهل الحديث .

5 – هناك بعض المؤشرات التي تؤكد وبشكل مجازي أو ضمني من أن الجنة لا وطأ بها، وهذا ما ذهب أليه مثلا الدكتور أنور ماجد عشقي / رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستيراتيجية والقانونية، حيث قال (.. أن الحور العين ليسوا للمتعة الحسية وذلك لأن الدوافع الجنسية غير موجودة في الجنة وآدم لم يغادرها إلا بعد انكشاف سوءته، وأن الاستمتاع بالحور ليس جنسياً بل هو معنوي لا ندرك مداه بعقولنا الدنيوية) / نقل بتصرف من الموقع التالي babalyemen.com، وهنا يبرز تساؤل وهو " ما جدوى الشباب الذين وعدوا بحور العين، والذين خدعوا دينيا بتفجير أنفسهم أذا أنعدمت الأعضاء الجنسية في الجنة ".. ولكن أجمال هذا القول / أي عدم وجود وطأ في الجنة، يتقاطع مع قوله تعالى " قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً [الواقعة:35-36] مهما وطأها الرجل ترجع بكراً.. عُرُباً أَتْرَاباً [الواقعة:37] نفس السن: لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:38] أي: لأهل الصلاة، لأهل الذكر، الذين صبروا عن الحرام، وغضوا أبصارهم عن الحرام "... وتساؤل حول النصوص أعلاه، ما جدوى قوله " ترجع أبكارا " أذا أنعدم الجنس في الجنة ! .

(ثالثا) وأذا أردنا أن نغوص أكثر في الموضوع، فنتساءل .. هل من رواية أو رؤيا في الحياة الدنيا، عن أي شهيد أنه كان يتمتع جنسيا ب 72 من حور العين في الجنة كما تزعم النصوص القرأنية اليوم !، الجواب الأكيد لا، أذن كل ما قيل أو كتب هو نصوص كتبت في ظروفها الزمانية والمكانية !!، ولم يتحقق منها، كما أنه لا يمكن التأكد من ذلك أبدا !، ولكن الملاحظ أن الخطاب الديني هو المبرمج والمسوق لهذه النصوص / الأفكار، وذلك عن طريق ثلة من الدعاة والشيوخ الذي يتمحور هدفهم في دفع وحث شباب المسلمين الى الجهاد .

أضاءة:

تأسس لدينا مما سبق، في موضوعة حور العين، عدة محاور، المحور الأول: أن المرأ والشهداء خاصة لديهم حور عين في الجنة للوطأ، أختلف المفسرون في أعدادهم، المحور الثاني: وحسب تفسير البرفيسور كرستوف لوكسنبرغ، ووفقا للغة السريانية التي كتبت بها بعض نصوص القران، لنقل بعض سور القرأن، أن الشهداء يستقبلون ب " أقطافا من العنب " حسب الترجمة العربية للسريانية، المحور الثالث: الأختلاف في تفسير مدى الوضع الجنسي في الجنة ! لأن هذا الأمر هو الذي يحفز الرجال على الجهاد، والرسول في حينه كان يؤكد عليه من أجل الغزو ونيل الغنائم وأمتلاك ووطأ السبايا، المحور الرابع: نصوص أسلامية / سور وأحاديث، تؤكد على حور العين بالمفهوم الجنسي لها، .. من كل ما سبق نكون أمام معضلة، وحقا مستعصية، لأن أي تحزب للمحاور السابقة سيوقعنا في مشاكل عقائدية ودينية ! ولكن رجوعا لقرأن صنعاء / حسب محاضرة البروفيسور بون المشار أليها سابقا: ((.. في عام 1972 خلال عملية الترميم في الجامع الكبير في صنعاء / اليمن، العاصمة شمال اليمن، اكتشف العمال الكثير من المخطوطات بين الجدران الداخلية والخارجية، المخطوطات كلها تم وضعها في حوالي 20 كيس بطاطا، وبقيت مخزنة لمدة 7 سنوات حتى وصول أحد العلماء وهو الدكتور الألماني (بوين) عالم وخبير في القرآن، " بوين " أدرك مباشرة أهمية هذا الاكتشاف، وبالعمل مع فريق محلي فحص المخطوطات بعناية وأخذ آلاف الصور الفوتوغرافية.. ظهر أربعة اجزاء شدت اهتمام " بوين " (يظهر أن النص القديم تم محيه وإعادة الكتابة عليه) بينما أن النص المخفي لا يكشف أي معاني متناقضة، الكلمات تم تغييرها، آيات وأجزاء كاملة تم إعادة ترتيبها، اذا كانت البحوث صحيحة فهذا يشير إلى أن القرآن لم يكن جزء واحد من كيان واحد راسخ في عام 650م لكن في الحقيقة تطور في وقت متأخر جداً بدءاً من بدء تراكم مقدار المواد المكتوبة ..)) .. أني أرى أنه حصل الكثير من التغيير في النص القرأني، والدليل على هذا محو / محي، بعض الأجزاء من القرأن وأعادة كتابته فوق الكتابة القديمة، والكتابة الجديدة، تختلف عن ما كان موجود، وهذا هو سبب المحي، وهو دليل على أن ما بين أيدينا قد يجوز أن تكون نصوصا ليست هي التي كانت مكتوبة سابقا، أما قول أن القرأن محفوظ في صدور المؤمنين، (.. بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف، كما قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر .. / نقل بتصرف من موقع أسلام ويب)، النص السابق ليس كله منطقيا، فعبارة " محفوظ ومقروء " العبارة ممكنة ومقبولة، ولكن عندما " كتب في الصحف " حدث التباين والأختلاف وظهرت الفروقات، لأختلاف وتعدد اللغة التي كتب بها ! قديما ولاحقا، وما تبعها من تشكيل وتحريك / تنقيط، وهذا الأمر ظهر جليا، على سبيل المثال وليس الحصر، في موضوعة حور العين ! .

 

يوسف تيلجي 

......................

(*1) 2007Die syro-aramäische Lesart des Koran: Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache (2000) هو كتاب لعالم فقه اللغة الألماني وبروفيسور اللغات السامية والعربية القديمة كرستوف لوكسنبرغ . يأخذ هذا الكتاب طريقة بحثية في فقه اللغة التاريخي والمقارن "philology "، ويعمل على فك أسرار اللغة القرآنية، وناقدة للنص في دراسة القرآن ويعتبر كتاب أساسيا، وفي نفس الوقت مثير للجدل، في مجال فقه التاريخي للغة القرآن . أثار هذا الكتاب جدلا عالميا حول تاريخ وفقه اللغة التاريخي والتفسير الصحيح للقرآن وقد تلقّى تغطية كبيرة في وسائل الإعلام الرئيسية وبشكل غير معتاد لكتاب في فقه اللغة التاريخي والمقارن (الفيلولوجيا) .. / نقل بتصرف من الويكيبيديا .

(*2) أوضح كريستوف لوكسنبرغ في كتابه، ما يلي: في البداية أودّ أن أقول أنّ الباحثين والعلماء الغربيين كانوا يعرفون تمام المعرفة ومنذ مدّة طويلة أنّ هناك بعض الآيات الغامضة وغير المفهومة في القرآن . وهذا يتوافق مع بعض تفسيرات وتأويلات المفسّرين العرب . على أية حال، كانت هذه الآيات أو العبارات الغامضة هي النقطة التي انطلقت منها خلال عملي هذا . أمّا المحاولات السابقة في تفسيرها فكانت معتمدة على التخمينات والافتراضات أكثر من كونها مؤسّسة على أرضية فلسفية . لكنّ التخميات لا يمكنها ولم تكن قط أن تكون أساسات صلبة لمنهج علمي متماسك . وأنا أحاول أن أستخدم أساليب فلسفية لتوضيح وتفسير هذه الآيات . والقاموس السيرو آرامي قد تبيّن أنه أفضل وسيلة لتحقيق ذلك / نقل بتصرف من " جدال حول القرآن " وهو حوار مع كريستوف لوكسنبرغ - مقال لأبراهيم جركس، موقع الألحاد العربي .

(*3) فإن نقط الحروف وتشكيلها وتجزئة القرآن إلى أجزاء وأحزاب وأرباع وأثمان على الكيفية التي بين أيدينا: هي من وضع التابعين، وتسمى في اصطلاح أهل علوم القرآن: بالضبط، فيقال: ضبط التابعين، فينسب إليهم، كما ينسب الرسم للصحابة ـ وأول من وضع النقط في المصحف هو التابعي الجليل: أبو الأسود الدؤلي من أصحاب علي ـ فشكل المصحف بالنقط، فجعل النقطة أمام الحرف علامة على الضمة، وفوقه علامة على الفتحة

وتحته للكسرة، واستمرت الكتابة على هذا إلى أن جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي فوضع ضبطاً أدق من ضبط أبي الأسود، فجعل النقط لإعجام الحروف، وجعل ألفاً مبطوحة فوق الحرف علامة على الفتح، وتحته علامة على الكسر، وجعل رأس واو صغيرة علامة على الضمة . وأما وضع الأجزاء والأحزاب: فقد جاءت بعد ذلك على يد نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر بأمر وإشراف من الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق من قبل الخليفة عبد الملك بن مروان، وكان هذا في عهد التابعين ـ أيضا.. / نقل بتصرف من موقع أسلام ويب .

(*4) كلمة قرآن هي نفسها مشتقّة من " قريانا " (بكسر القاف) وهو تعبير سرياني من الطقسيات أو الليتورجيا liturgy السريانية والذي يعني " كتاب الفصول lectionary"، كتاب القراءات الطقسيّة . الكتاب (القرآن) يعتبر كتاب فصول آرامي سوري، يحتوي على تراتيل واقتباسات من الكتاب المقدس، خلق للاستعمال في الطقوس المسيحية .. كما أن " حور العين "، التي لطالما فسرت بأنها تعني عذراء واسعة العين (والتي ستخدم المؤمنين في الجنة)، هي في الحقيقة تعني أعنابا بيضا . / من الكتاب المشار أليه في أعلاه .

 (*5) محمود محمد طه مفكر ومؤلف وسياسي سوداني 19091985. أسس مع آخرين الحزب الجمهوري السوداني عام 1945 كحزب سياسي يدعو لإستقلال السودان والنظام الجمهوري وبعد اعتكاف طويل خرج منه في أكتوبر 1951 أعلن مجموعة من الأفكار الدينية والسياسية سمى مجموعها بالفكرة الجمهورية . أخذ الكثير من العلماء مختلفي المذاهب الكثير على الفكرة الجمهورية وعارضوها ورماه بعضهم بالردة عن الإسلام وحوكم بها مرتين أعدم في أخراهما في يناير 1985 في أواخر عهد الرئيس جعفر_نميري. عُرف بين أتباعه ومحبيه بلقب (الأستاذ) . مازال الحزب الجمهوري ينشر فكره وما زال معارضوه ينشرون الكتب والفتاوي المضادة. . / نقل بتصرف من الويكيبيديا .

 (*6) د . فرج فوده كاتب ومفكر مصري . ولد في 20 أغسطس 1945 ببلدة الزرقا بمحافظة دمياط في مصر . وهو حاصل على ماجستير العلوم الزراعية ودكتوراه الفلسفة في الاقتصاد الزراعي من جامعة عين شمس، ولديه ولدين وإبنتين، أغتيل في 8 يونيو 1992 في القاهرة . كما كانت له كتابات في مجلة أكتوبر وجريدة الأحرار المصريتين . أثارت كتابات د. فرج فودة جدلا واسعا بين المثقفين والمفكرين ورجال الدين، واختلفت حولها الأراء وتضاربت فقد كان يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويري أن الدولة المدنية لاشأن لها بالدين . / نقل بتصرف من موقع

www.goodreads.com/author/.../2852901.

(*7) نصر حامد أبو زيد 10 يوليو 1943 - 5 يوليو 2010 أكاديمي مصري، وباحث متخصص في الدراسات الإسلامية ومتخصص في فقه اللغة العربية والعلوم الإنسانية، له كتاب في نقد الخطاب الديني، وله نظرية الهرمنيوطيقا، مصطلح الهرمنيوطيقا مصطلح قديم بدأ استعماله في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني خصوصا الكتاب المقدس. ويشير المصطلح اليوم إلى نظرية التفسير ويعود أقدم استعمال للمصطلح للدلالة على هذا المعنى إلى عام 1654م وما زال مستمرًا حتى اليوم خاصة في الأوساط البروتستانتية. وقد اتسع مفهوم المصطلح في تطبيقاته الحديثة . / نقل بتصرف من الموسوعة الحرة .

 

mohamad aldamiحري بالحرف الحر المخلص والكلمة الصادقة أن يوجها عناية الحكومات والمجتمعات إلى حال مؤسفة تعاني منها أغلب المجتمعات العربية سوية مع مجتمعات ما يسمى بـ”العالم الثالث” سابقا، وهي حال تلاشي العقول العبقرية والأذهان الذكية الوقادة التي خدمت، أو تخدم حياتنا الفكرية والثقافية والسياسية وتدورها دون أن تحظى بما يكفي من تقدير المجتمع أو تقييم الدولة لها. لا ريب في أن الأمم الحيوية المتقدمة التي تحترم كينوناتها وتراهن على مستقبلها لا يمكن أن تسمح بمثل هذا الهوان والنكران أن يستمرا، الأمر الذي يفسر حرص الحكومات والأفراد والمؤسسات في مثل هذه الدول المتحضرة على تكريم أساطين الفكر ورموز الثقافة فيها، اعترافا بجميل العبقريات على المجتمع وثقافته، وتشجيعا للمزيد منها على التبرعم والازدهار.

لا تنطبق هذه الظاهرة الحضارية المشحونة بالمعنى على العديد من بلداننا العربية والإسلامية لبالغ الأسف، حيث تذوي العبقريات بصمت، ثم تغادر بلا ضجة بينما تبقى عوائلها ضائعة بين الاستذكارات والحسرات وسوداوية الرؤية التي تنبع من شعور شبانها بأن طريق الثقافة والفكر، إذا ما سلكه المرء، لن يؤدي إلى ما يستحق من تقدير مادي واعتباري، درجة أن بعض أبناء مثل هذه الرموز يعزفون عن تكرار تجربة آبائهم المبرزين، بدليل أن أحدهم حاول في الصبا أن يكتب الشعر، فنهره والده على سلوك هذا المسلك لأن “الشعر لا يصرف في السوق”. ويبدو أن حال الخذلان هذه لا يمكن أن ترد إلى ضعف تقدير المجتمعات العربية نحو العبقريات ورموزها ونتاجاتها الفكرية والثقافية الكبرى، بدليل أن تاريخ الثقافة العربية الإسلامية قد أظهر بأن العرب والمسلمين عامة كانوا من أوائل المجتمعات التي كرمت مفكريها ومثقفيها وعلمائها، متجاوزة بذلك جميع الحضارات العالمية الأخرى على الإطلاق طوال العصر الوسيط. لقد كانت ثقافتنا العربية الإسلامية هي الرائدة في ابتداع ما يسمى بـ”موسوعات الأعلام” بسبب ذلك الاهتمام بالإعلام، الذي توصلت إليه الثقافات الغربية بعد قرون، حيث انتقل كتّاب السيرة وتواريخ ومؤرخو حياة الأعلام من خدمة البلاط فقط إلى الجمهور عامة، متخلين عن حكر التورخة على حياة الملوك والأمراء والقادة العسكريين، إلى كتابة سير العلماء والشعراء وأفذاذ الفلسفة والفقه، من بين سواهم في جميع حقول الثقافة والعلم الرئيسة الأخرى، وبضمنهم حتى الموسيقيين والمثّالين وأصحاب الحرف اليدوية. وللمرء أن يخمن كم هي المسافة الفاصلة بيننا وبين أجدادنا متسعة، وهم هؤلاء الذين اتخذوا من حياة كل واحد من الأعلام نبراسا تربويا للأجيال.

إن العصر المظلم الذي دفعت إليه المجتمعات العربية الإسلامية بعد سقوط بغداد على أيدي هولاكو خان (1258م) (ونتيجة لتواتر وتتابع الغزوات الأجنبية، تواصلا حتى بداية عصر الإمبراطوريات الأوروبية) قد ترك آثارا سلبية مزمنة في طرائق ومنظورات تعاملنا مع أعمدة ثقافتنا وفكرنا المستنير. هذا، لا ريب، جزء من تركة حقب طويلة من الهيمنة والوصايات الأجنبية التي خصت ثقافتنا وفكرنا بنظرة دونية. أما بعد أن حققت أغلب الدول العربية والإسلامية الاستقلال السياسي، فإن ظاهرة تجاوز العبقريات الفذة، غبنا ونكرانا، مردودة في أنحاء عديدة من عالمنا هذا. ربما يرد تواصلها المؤسف إلى تقديم “رجل السيف” على “رجل القلم” لأسباب مؤقتة، للأسف.

لذا نخدم اليوم “شهود عيان” على هذا الهوان وهذه التركة الثقيلة في دول غالبا ما تتشبث حكوماتها بوراثة العصور الذهبية للحضارة العربية الإسلامية. إن البينات والدلائل كافية لإدانة الإهمال الذي خصت به الشواخص الفكرية، ولدينا، في بعض الدول العربية على سبيل المثال لا الحصر، نماذج كثيرة لهذا النوع من تقديم الحال الزائلة على التراثية الثابتة، إذ لفظت عبقريات كبرى أنفاسها الأخيرة دون أن يشار إليها حتى بخبر صغير في الصحف أحيانا، بينما ارتقت أرواح نجوم فكرية لامعة إلى الرفيق الأعلى بعد حياة زاخرة بالفقر والتعفف والحاجة. أما إذا لم يتناغم رجل الفكر مع آيديولوجية الحاكم، فإنه ربما يموت تحت التعذيب أو في السجون، أو ربما يتعرض حتى إلى إسقاط الجنسية، كما حدث لشواخص فكر فذة. لهذا السبب أدار أعمدة الفكر والثقافة في العديد من الأقطار العربية والإسلامية ظهورهم للدولة وللمجتمع، أما عن طريق الاستمتاع بــ”فضائل العزلة”، أو عن طريق البحث عن فضائل “الغربة” عاليا في أبراج عاجية.

إن ظاهرة هجرة العقول العبقرية إلى المنافى الاختيارية في عواصم الدول الغربية إنما تشكل إدانة ضمنية مؤلمة لثقافة محلية لا ترقى إلى تكريم أساطينها: حيث يجد العقل الذكي ملاذا له وتربة خصبة لإبداعه في أرض غير أرضه وبين أناس لا يمت لهم بصلة لا عضوية، ولا ثقافية. لقد لاحظ أحد الكتّاب العرب، قوة الإدانة الغربية لثقافتنا بسبب هذا الاغتراب والتشرذم الذي يبتلي به عمالقة الفكر والثقافة والفنون عبر كتاب مهم صدر عام 1998 تحت عنوان (بلاط الأحلام العربية)، إذ تنهار رؤى الفكر. الطريف هنا هو أن هذا الكتاب قد خدم واحدا من المطبوعات التعريفية الأولية التي تأبطها الصحفيون متابعو الأوضاع العربية من الأميركيين والغربيين، بوصفه عملا يقدم صورة بانورامية مأساوية لـ”اغتراب العقول العربية”: إنها أوديسا جيل منسي، كما يندب ذلك عنوان الكتاب.

حاولت بعض الأنظمة العربية عبر العقود الماضية أن تقدم الدلائل على رعايتها وتكريمها لرموز الفكر والثقافة عن طريق تأسيس الجوائز السنوية والاحتفالات الشكلية، بيد أن هذه الحالة بقيت حبيسة توجهات هذه النظم السياسية وانتقائية القائمين على الجوائز والاحتفالات والتكريمات، لذا ظهرت هذه الجوائز مضمخة بالأيديولوجية الحكومية السائدة وبالانحياز، الأمر الذي زاد من البون بين الرموز الثقافية والفكرية، من ناحية وبين ولاة الأمر، من الناحية الثانية. كما حاولت بعض المؤسسات الحكومية أو الخاصة تكريم مثل هذه الرموز عن طريق إقامة احتفالات شكلية للــ”المكرم” من أجل قراءة بعض “الشهادات” على إنجازاته، لينتهي هذا الإحتفال بـ”درع” الثقافة المصنوع من الخشب أو إلى ميدالية نحاسية توضع على صدر المكرم الذي لا بد وأن يقول في دخيلته: “هل أفنيت حياتي لأمة تريد أن تخلدني بقطعة صغيرة من الخشب المنقوش؟”

إن هذا ليس بخلل اجتماعي أو حكومي أو تنظيمي فحسب، بل هو خلل فكري وسياسي كذلك، ذلك أنه ينطوي على معنى مؤلم يتمثل في غياب الرموز الحضارية والفكرية عن عقل صانع القرار السياسي، إن كان هو قصير النظر. لذا ينبغي أن تلاحظ هذه الظاهرة وتعالج كي يكرم المتبقون الأحياء من شواخص الفكر والثقافة والفنون قبل رحيلهم، وكي يكرم الراحلون منهم كذلك، ذلك أن تكريم الراحلين يشكل أنموذجا للأجيال الصاعدة لترى بوضوح أن العبقريات لا تتبدد على نحو لا مجد.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

 

abdullah alfifiبادئ ذي بدء، لا بُدَّ من التفريق بين مفهوم «التأليف الموسوعي»، ومفهوم «الموسوعة، أو دائرة المعارف Encyclopedia»- بمعاييرها المدرسيَّة، المحفوظة عن الغرب- من جهة، ثمَّ بينهما وبين «المسرد Bibliography» من جهةٍ أخرى. ولا بُدَّ كذلك، حين النظر إلى المفهوم الشامل للتأليف الموسوعي، من التخلُّص من جموديَّة النمط، وَفق قوالب تقليديَّة، منتزعة عن التركيبة الموسوعيَّة الغربيَّة، في صورتها الكُبرى وهيئتها النهائيَّة. ذلك لأن الجمود على معايير ثابتة لما يُسمَّى «موسوعة» فيه حرقٌ للمراحل السابقة لتطوُّر الموسوعة في القرن العشرين، وسيقف في وجه تطوُّرات الموسوعة الحديثة، بتشعُّبها، واختلاف آفاقها، واهتماماتها، وتقنياتها. ومن ثَمَّ فربما ألغت تلك النمطيَّةُ الجامدة- في المقابل- الموسوعةَ الإلكترونيَّةَ، احتكامًا إلى طرائق التأليف في ما سلف من موسوعات ورقيَّة.

وعليه، فإن ضروبًا من التأليف الموسوعي يجب أن تندرج تحت مظلَّة عامَّة باسم (موسوعة)، شريطة أن تلتزم بمنهاجٍ علميٍّ، سنذكر اشتراطاته لاحقًا.

أمَّا «المسارد»- وهي تلك المتعلِّقة بالتعريف بالكتب أو المخطوطات ووصفها، يُعِدُّها مؤلِّفٌ أو مؤلِّفون أو دار نشر- فلا علاقة لها بمفهوم الموسوعة، إنْ هي وقفت عند هذا الحد من المحتوى. لكنها حين تشمل تراجم مؤلِّفين، وتفصيلات في جهودهم، وإثباتًا لنماذج من إنتاجهم، وعرض صورٍ متعلِّقة بالموضوعات، مع إحالاتٍ إلى مراجع بحثيَّة، مراعيةً الشموليَّة في موادِّها، فإنها تُغدو عندئذ ضربًا من التأليف الموسوعي، لا من «الببليوجرافيا».

ــ 2 ــ

وينشأ التأليف الموسوعي عادةً في ظِلِّ حاجات قوميَّة مُلِحَّة، دِينيَّة، أو تاريخيَّة، أو وطنيَّة، أو ثقافيَّة، تدعو إلى لَمِّ شتاتٍ يُخشَى أن يضيع. فقد بدأ هذا الاحتفاء الموسوعي في تراثنا العربي- على نحوٍ لافت- عقب انهيارات تاريخيَّة وحضاريَّة وسياسيَّة عظمى، ولاسيما إثر الغزو المغولي والصليبي للعالم الإسلامي. وهو ما جعل القرن السابع للهجرة والقرن الثامن قرنَي الموسوعات العربيَّة القديمة. فظهرت المعاجم اللغويَّة ذات الطابع الموسوعي، مثل «لسان العرب المحيط»، لابن منظور (-711هـ= 1311م)، وظهرت موسوعات التراجم المتعدِّدة، في المشرق الإسلامي والأندلس، وظهرت كُتب الثقافة الموسوعيَّة، كـ«نهاية الأرب في فنون العرب»، لشهاب الدِّين النويري  (-733هـ= 1332م)، و«صُبح الأعشى»، لأبي العباس القلقشندي (-821هـ= 1418م). وصارت المكتبة العربيَّة، إلى وقت قريب، من أغنى مكتبات العالم في هذا الضرب من التأليف.(1)

ولقد كان المؤلِّف الواحد في تلك الحِقَب هو من يحمل عبء ما اضطلع به من تأليف، محسوبًا له التميُّز ومحسوبًا عليه التقصير. واستمرَّ ذلك إلى القرن التاسع عشر والعشرين الميلاديَّين. ومن نماذج ذلك، على سبيل التمثيل: «دائرة المعارف»، للمعلِّم بطرس البستاني (-1300هـ= 1883م)، و«الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين»، لخير الدِّين الزركلي (-1396هـ= 1976م)، و«موسوعة المستشرقين»، لعبدالرحمن بدوي (-1423هـ= 2002م)، ونحوها من ضروب الموسوعات. حتى إذا آذن نجم أولئك المؤلِّفين المجتهدين بالأفول، اتَّجه العمل الموسوعي العربي- محاكاة لأساليب التأليف الموسوعي الغربي الحديث- إلى تكوين فِرَقٍ لإعداد الموسوعات بمواصفاتها الحديثة. في عصرٍ لم يعد من سبيلٍ إلى اضطلاع الفرد بإعداد موسوعة، بما يحمله هذا المصطلح من معنى، والمعلومات تتفجَّر من بين يديه ومن خلفه، وقنوات الاتصال تتسع بصور شتَّى، وتتعدَّد آفاق التعبير، والإنتاج، بدرجةٍ لم يسبق لها مثيل في التاريخ.

ــ 3 ــ

في هذا العصر- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي- بات من المُفترض في العمل الموسوعيِّ أن يتصف بالحصافةُ العلميَّة التامَّة، من حيث الإحاطة والموضوعيَّة. وعلى محكِّ هذين المعيارَين، يتحتَّم أن تبرأ الموسوعة من داءين خطيرين مزمنين: داءِ التحيُّز، وداءِ القصور عن الإحاطة. ولقد يتداخلان في موسوعةٍ رديئةٍ واحدة.  على أنها لم تخل موسوعة في العالم من أن تعتورها ملامح قصورٍ من قِبَل أحد هذين المعيارَين، أو من كليهما. ذلك أن لكلِّ عملٍ موسوعيٍّ أهدافًا معلنة، وأخرى ضِمْنية. وفوق هذا وذاك يبقَى تحدِّي التأليف الموسوعيِّ تحدِّيًا ضخمًا، لا يقوم إلَّا على كاهل فريقٍ واسع من المتخصِّصين. ولعلَّ أهم الشروط لإعداد موسوعةٍ علميَّةٍ معاصرةٍ تُجْمَل في الآتي:

1- العمل بروح فريقٍ علميٍّ واحدٍ متكامل.

2- قيام جهازٍ إشرافيٍّ عِلْميٍّ دقيق، يحتكم إلى معايير عِلْميَّة، لها صفة الحياد (النِّسبي)؛ لكيلا تطغَى توجُّهاتٌ خاصَّة أو ميولاتٌ صارخة، تُفسِد مصداقيَّة العمل لدَى جمهرة المتلقِّين.

3- توافُر المحرِّرين الأكفياء، من أصحاب الخبرات الواسعة في هذا المجال.

4- تحديد معايير ثابتة صارمة، تُطبَّق على جميع الموادِّ في الموسوعة؛ كي لا تخضع للارتجال، أو التشكُّل بأمزجة الباحثين الثقافيَّة، أو اتجاهاتهم العِلْميَّة، أو أهوائهم الاعتقاديَّة أو الفكريَّة.

5- تصنيف المواد في أحجام متكافئة، وبمقاييس متوازنة، دون إسرافٍ في الإطالة، ولا إخلالٍ في الإيجاز.

6- تدقيقُ المعلومات، مع تحديثها، في زمنٍ المعلومةُ فيه متجدِّدةٌ كلَّ صباح أو مساء، بل ربما كلَّ ساعة.

ولا ريب أن الموسوعات في مجالات العلوم البحتة، أو ذات الطبيعة المعلوماتيَّة، هي أقرب إلى تحقُّق تلك الاشتراطات والتزام تلك الحدود من الموسوعات الثقافيَّة والأدبيَّة.

[وللحديث بقيَّة].

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

...................

ورقة بحثٍ قُدِّمت في ندوة «موسوعات سُعوديَّة: قراءة تحليليَّة»، ضمن فعاليَّات معرض الرِّياض الدولي للكتاب 2007م، مساء الأحد 14 صفر 1428هـ= 4 مارس 2007م.

 

 

mutham aljanabi2كانت عقلانية طه حسين (1889-1973) هي الأخرى نزوعا نحو التحرر أكثر مما هي تأسيسا فكريا لها. وليس مصادفة أن نعثر على مذاق الحرية والدفاع عنها بمختلف صورها وأشكالها ونماذجها في كل ما كتبه. بحيث يمكننا القول، بأن دفاع طه حسين عن الحرية ينبع في الوقت نفسه من دفاعه عن فكرة الحرية وإدراك قيمتها وأهميتها وأثرها الفعلي بالنسبة لصيرورة الإنسان والمجتمع والدولة والثقافة. بعبارة أخرى، إن الدفاع عن الحرية نابع من كونها فكرة عميقة ودائمة في تفكيره ومواقفه. وقد تكون كلمته عن أن "الكلمة الأخيرة ستكون دوما للحرية" هي احد النماذج الجلية بهذا الصدد. ومن هنا استكماله إياها بعبارة "النار مهما كانت ملتهبة لا يمكنها أن تحرق كتابا"[1]. ومن ثم لا يمكنها أن تحرق الذاكرة والذكرى المتعلقة بمصادر الحرية المتنوعة، تماما بالقدر الذي تجعل من مختلف أشكالها ومستوياتها ونماذجها صورة معقولة ومقبولة بحد ذاتها. والسبب يكمن في كون الحرية مصدر الإبداع العظيم كما أنها الصورة المثلى للوجود الإنساني، أي القوة القادرة على صنع العدالة والسعي الدائم من اجل إيجاد صيغها المقبولة. فقد أدرك طه حسين إشكالية العدل والحرية المعقدة. وأشار بهذا الصدد إلى أنها مشكلة قديمة رغم ظهورها الجلي في القرن التاسع عشر والعشرين. وإذا كان التاريخ القديم والحديث لم يحل هذه القضية على مستوى الفكر والممارسة، فان الأمل يبقى في أن يجري حلها من خلال إيجاد الصيغة المعتدلة[2]. وليس هذا بدوره سوى الإبقاء على فكرة الاحتمال بوصفها توليفا بين الحرية والعقلانية، أي البحث والاجتهاد عن صيغة ممكنة ومحتملة.

ومع إن طه حسين لم يكن ضليعا في ميدان التفكير الفلسفي وفكرة الاحتمال العقلانية، إلا انه كان منهمكا في التعبير الحر عن حرية الفكر والتفكير لما لها من اثر وقيمة بالنسبة للعدل والحق. ففي مجرى تحديد موقفه من "ثورة الزنج" نراه يشير إلى ما اسماه باستنادها إلى تقاليد الخوارج[3]. وبغض النظر عن ضعف دقة هذا الربط، إلا أن من الممكن رؤية بواعث الدفاع عن فكرة العدل كما هي. وهذه بدورها وثيقة الارتباط بالحرية. من هنا قوله، بأن تناول ثورة الزنج وأمثالها في التاريخ الأوربي لا يعني الأخذ بها بقدر ما تعني الإشارة إلى ما في تراثنا من تقاليد عريقة في الدفاع عن العدل الاجتماعي من جهة، وأهميتها بالنسبة للأدباء من جهة أخرى، أي أهمية استلهامها في الإبداع الفني والأدبي[4]. والشيء نفسه يمكن ملاحظته حالما نراه يتكلم عن الحب والعشق في مجال الأدب والشخصية من خلال ربطه بالتحرر العقلي وفكرة الفن. بحيث نراه يجري مقارنة بين ستندال وابن حزم بصدد قضية الحب والعشق، بينما نراه يفرد لعشق اوغست كونت صفحات عديدة توصله في نهاية المطاف إلى القول، بأنك ترى الإنسان ساذجا وهو شديد التعقيد[5]. وبالمقابل نراه يدافع عمن يدعوهم بالشخصيات الحرة العقلية ويتناول فيمن يتناوله شخصيات متنوعة مثل بول فاليري[6] ويزيد بن المفرّغ[7].

إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي معقل الثبات بسبب ارتباطها الجوهري بالعقل والمعرفة. بعبارة أخرى، إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي حرية مدركة. وسواء سار هو بطريق تحديد الحرية بمعايير الضرورة المدركة أم لا، فإن مما لا شك فيه هو انه جعل منها مصدر الإبداع الأدبي الرفيع والارتقاء الشامل للفرد والمجتمع والدولة. من هنا نراه يشدد على أن "الحرية لا تستقيم مع الجهل. والدعامة الصحيحة للحرية الصحيحة إنما هي التعليم الذي يشعر المرء بواجبه وحقه الفردي والاجتماعي"[8]. ووضع هذه المقدمة أيضا في صلب دعوته عن حاجة مصر إلى ما اسماه بسلوك طريق "تكوين العلماء الأحرار المستقلين". وفي حال عدم قيامها بذلك فإنها ستبقى عالة على أوربا وتخدع نفسها بالأوهام والاستقلال في العلم[9]. وإذا كانت هذه العبارة لا تخلو من بقايا أو فاعلية الاستلاب الثقافي المميز لطه حسين، إلا أن مضمونها العملي يبقى سليما من الناحية المجردة. وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم مظاهر المراهقة الثقافية في أحكامه من فكرة الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان. إذ نراه يجعل من بروز هذه الفكرة (الحرية والعدل والمساواة) جزءا مما اسماه بالارتباط الضروري بأوربا وتقاليدها. من هنا دعوته إلى ضرورة تحقيقها من خلال التربية والتعليم السليم، مع ما يترتب عليه من مهمة توظيف الأموال من اجل بلوغ الرقي والاستعداد للدفاع عن الحرية والاستقلال[10].

إن تلازم وتعايش الرؤية الموضوعية والاستلاب الثقافي والمعرفي كان النتاج الملازم للطابع التأملي والجزئي لتوليف العقلانية والحرية. وهذا بدوره لم يكن إلا الوجه الآخر لأثر وثقل التراكم البطيء لفكرة الحرية، ونمو الوجدان، ووعي الذات القومي، والتجديد، والفكرة النقدية، والتنوير، وثقل الضغوط الأوربية الكولونيالية آنذاك، أي ذلك الخليط الهائل الذي أراد طه حسين أن يصهره في بوتقة صغيرة. من هنا طفح الخليط واستحالة صبه في قوالب مناسبة. ولم يكن ذلك معزولا عن كمية ونوعية المتناقضات المبتورة في فكره وتفكيره ومواقفه. لكنها كانت تعمل في الوقت نفسه ضمن إطار توسيع الرؤية العقلية النقدية، والإثارة المعرفية، والتجديد المبهور بكل شيء بما في ذلك بصغائر الأشياء والأمور والأحداث. غير أن هذه النتيجة المبعثرة لكمية التجارب التاريخية كانت في الوقت نفسه الثمن الضروري لفكرة الحرية.

لقد نظر طه حسين إلى الحرية باعتبارها الحافز الأكبر والغاية العظمى القائمة وراء كل إبداع حقيقي، ووراء حقيقة الإبداع نفسه. لهذا كان يكرر بين الحين والآخر عبارات عن "تقديسه للحرية"، بما في ذلك السياسية، والاجتماعية. وإذا كانت هذه الحرية مرتبطة وثيقة الارتباط في آرائه بحرية الرأي، فلأنه أراد من وراء ذلك تحويل اللغة والأدب إلى أن "تدرسا لذاتها"، أي هدم أسس الأيديولوجية التقليدية في تحويل الأدب العربي إلى وسائل لتدعيم الدين والتخلف. ومن هنا دعوته لاستقلالية الأدب ومطالبته برفع هذه الاستقلالية إلى مصاف "العلم الطبيعي"، أي عدم إخضاعه للهيمنة الأيديولوجية والسياسية. واستند في موقفه هذا إلى رؤية منهجية عن موقع الأدب ووظيفته في الوعي الاجتماعي الثقافي. وهو السبب القائم وراء معارضته "للرؤية السياسية" في لأدب. وبالتالي رفضه لفكرة أن تكون السياسة معيارا لفهم تاريخ الأدب وحقائقه، رغم تأثيرها الكبير في تطوره وتنوع مدارسه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على موقفه من "الرؤية العلمية" التي حاولت أن تجعل من الأدب علما يتطابق مع العلم الطبيعي. رغم ما لهذه الرؤية من أهمية في تدقيق المعرفة التاريخية بالأدب وشخصياته وإبداعها. وجعله ذلك يركن، في نهاية المطاف، إلى ما اسماه بالفكرة الوسط، أي اعتبار الأدب وسطا بين العلم والفن. وكان يقصد بذلك أن يكون الأدب محببا للناس ومفسرا في الوقت نفسه للظواهر. ومن هنا لم تكن مساعيه الرامية إلى مساواة استقلالية الأدب باستقلالية العلم الطبيعي، سوى الصيغة المناسبة لتحريره من سطوة الهيمنة التقليدية واحتكارها للروح الثقافي، أي كل ما كان يعمل على تحنيط الأدب العربي كما وصل إلينا الآن. وكتب بهذا الصدد يقول: "فما لي ادرس الأدب لأعيد ما قاله القدماء؟ ولا اكتفي بنشر ما قاله القدماء. وما لي ادرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنّة وذم المعتزلة والشيعة والخوارج، وليس لي في هذا كله شأنا ولا منفعة ولا غاية علمية؟[11]. من هنا دعوته إلى ما اسماه بضرورة تحرير الأدب واللغة من التقديس[12].

لقد كانت دعوته إلى حرية الأدب بذاته تعني بالنسبة له أيضا الأسلوب المناسب لتحرير جيله. لهذا أكد على أن جيله المعاصر لا يمكنه أن ينتج تاريخا للآداب العربية بمعناها المعاصر ما لم يحرر نفسه، تماما بالقدر الذي لا يمكنه أن يحرر نفسه من دون أن ينتج آدابا عربية حية[13]. وقد كانت هذه الدعوة قائمة في صلب مشروعه العقلاني النقدي، المتعلق بإدراكه الجديد لمهمة الأدب. فهو يضع في مهمات انتقاده للتيارات التقليدية الأزهرية في مواقفها من الأدب مهمة رفعه إلى مصاف الأدب الحي. بمعنى تخليصه من وظيفته التقليدية كخادم وضيع للاهوت. وبالتالي تحويله إلى أدب مرتبط بمشاعر الناس وحياتهم وقضاياهم[14]. ووضع هذه الفكرة في أساس موقفه من مهمة الأدب بوصفها مهمة الارتباط بالحياة الفردية والاجتماعية والوطنية والقومية بمختلف مظاهرها. بحيث نراه مرة يقول، بأن "الأدب متصل دائما بالحياة الواقعية. وكلما تصبح الحياة شعبية كلما يكون الأدب شعبيا. وهو مسار الحياة الأدبية، لأنه مسار حياة الشعوب"[15].

وليس مصادفة على سبيل المثال أن يقول، بان مهمته دراسة الأدب العربي وتاريخه هو لما فيه من ضرورة بالنسبة للوعي القومي والتاريخي. ومن يجهله ويزدريه لا يحق له الحكم فيه أو عليه. وضمن هذا السياق أشار إلى أن الغاية من وراء جمع المقالات التي كتبها عن حافظ وشوقي تقوم في إثارة "الميل القومي إلى درس الأدب والاعتناء به، وتقوية الذوق الفني وتوجيهه صوب الحياة ومشاكلها ومثلها العليا"[16]. ومن الممكن العثور على التوجه والتوجيه في الحافر القائم وراء قصة (ما وراء النهر) وغايتها[17]. فمع أنها لم تكتمل، لكنها تسير ضمن سياق القصة الاجتماعية، وضمن سياق أفكار ومفاهيم وقيم ومواقف طه حسين الاجتماعية. بمعنى وضع الأدب في خدمة المجتمع والعدالة والحق. وسوف يقول طه حسين في وقت لاحق إلى ثورة يوليو لم تكن معزولة عن اثر الأدب الإصلاحي، وإن للأدب دوره ومكانته فيها. ونعثر على ذلك على امتداد كتابات الأدبية والاجتماعية. فنراه يؤسس لفكرة العدل والدفاع عنها ولكن بمعايير الحكاية والخطابة كما هو الحالة على سبيل المثال في (المعذبون في الأرض). إذ نعثر فيه على انتقاد متنوع لحالة البؤس والخراب المادي والمعنوي في مصر، عبر انتقاد الواقع[18]. ومع أن "قصص" (المعذبون في الأرض) واقعية فنية إلا أنها تتبخر في مجرى القراءة كما لو أنها لا شيء. والشيء الوحيد الباقي فيها هو رغبتها في إيصال فكرة، شأن كل تلك الروايات الحماسية لفرح انطون وأمثالها التي لا يمكن قراءتها الآن إلا من جانب حثالة الفكر اليساري المتعصب أو نصف الجاهل والمولع (بالأيديولوجية). وليس مصادفة أن يحتوي الكتاب على قصص عن صالح وقاسم وخديجة والمعتزلة (مع أن العنوان لا علاقة له بفرقة المعتزلة بقدر ما يرتبط بعائلة بائسة[19]! لكنها تصب في مسار المهمة السياسية والاجتماعية للأدب كما فهمها طه حسين.

لقد أدت غلبة "المهمة" الاجتماعية والسياسية على القيام بما لا يرغب القيام به من الناحية المجردة. من هنا يمكن فهم قوله بأنه "أكثر من بنفر من إلقاء دروس الوعظ والإرشاد وتنبيه الغافلين وما شابه ذلك إلا انه مضطر لذلك انطلاقا من إدراكه لواجبه الوطني الصادق والكرامة الإنسانية[20]. وأن يقول في حالة أخرى، بأنه "لا يحب الديمقراطية المحافظة ولا المعتدلة، ولا اقتنع بالاشتراكية الفاترة، وإنما أياسر إلى أقصى ما أستطيع". ولا علاقة لهذا "الغلو" بغلو الراديكالية السياسية أيا كان شكلها ومحتواها بقدر ما أنها مؤشر على بعض معالم الرؤية النقدية الأدبية والاجتماعية التي تشطح بين الحين والآخر، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار خلو فكر وتفكير طه حسين، شأن كل رعيل وممثلي عقلانية الفطام التاريخي من رؤية منظومية. والشيء الوحيد القادر على تنظيم هذا الخلل أو التعويض عنه هو مزاج الرؤية النقدية وتجانسها في ميدان المواقف والأحكام الأدبية والاجتماعية والسياسية لحد ما. ومن الممكن العثور على سبيل المثال في موقفه من التربية والتعليم نموذجا على هذه الحالة. فهو يدعو للفكرة الديمقراطية في التعليم، على أن يجري من خلال تعليمها[21]. كما يدعو إلى أن "تكفل الديمقراطية للناس الحياة. ويجب قبل كل شيء أن تكفل لهم القدرة على الحياة"[22]. ويستكمل ذلك بفكرة توحيد المناهج وإعلاء فكرة الوطنية والعلم والطابع الاجتماعي، مع إقراره بان ذلك لا يتعارض مع التنوع والاختلاف لكن بشرط وجود الحد الضروري من المناهج والبرامج التي تكفل "تكوين الشخصية الوطنية في نفس التلميذ. ويركب في طبعه الاستعداد لتثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال"[23]. من هنا مطالبته بحصر التعليم بيد الدولة، أي أن توكل للدولة إلى أمد بعيد.على أن يبنى ذلك على أساس "التنظيم الدقيق والإشراف القوي والملاحظة المتصلة"[24]. بل ونراه يجعل من الدولة بداية ونهاية القوة الحاكمة في "تكوين العقلية المصرية". وكتب بهذا الصدد يقول بأن "الدولة هي المسئول الأول، والمسئول الأخير عن تكوين العقلية المصرية تكوينا يلاءم الحاجة الوطنية الجديدة.... إنها تنحصر في تثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال"[25].(!)

إن هذا التناقض الجلي والعميق و"المستقبلي"، أي الخطر بالنسبة لمستقبل الثقافة في مصر ينبع أولا وقبل كل شيء من ثقل المرحلة وثقل فكرة المهمة الاجتماعية والسياسية وصهرهما في كل واحد. وهذا بدوره ليس إلا النتاج غير المباشر لانعدام الرؤية المنظومية مع ما يترتب عليه من ضعف أو انعدام تنظيم الأفكار والمواقف والأحكام والبدائل. والقضية هنا ليست فقط في استحالة تثبيت الديمقراطية في دولة خديوية وبالأخص بعد أن يجري تحويلها إلى المسئول الأول والأخير عن صنع"العقلية المصرية"، بل وبما فيها من خطورة مستقبلية. بعبارة أخرى، إن هذا الغلو هو الوجه الآخر للرغبة العميقة في تمثل الإمكانات الواقعية في الدولة والمجتمع من احل تجاوز الهوة الواسعة بين الواقع المصري والصيغة النموذجية التي وجدها آنذاك في أوربا. الأمر الذي طبع اغلب أفكاره بصدد التربية والتعليم بطابع سليم وعملي رغم الثغرات المنتشرة في نوعية تفكيره وتأسيسه للمواقف والأحكام. ومفارقة الظاهرة هنا تقوم في أن مصدر هذا الخلل يكمن في تعايش وتنافر الرؤية النقدية والواقعية والمستقبلية. وذلك لان الغاية التي كان يسعى إليها بهذا الصدد تقوم في الدعوة لإعارة الاهتمام الأكبر بالتعليم وصرف الأموال من اجله وتحريره وتوسيعه والاهتمام بالتلاميذ من الناحية المادية والمعنوية والصحية[26].

النزعة المصرية – وطنية ضيقة أم قومية مبتورة؟

فقد وجد طه حسين في مصر آنذاك كيانا مريضا. ونستطيع تلّمس ورؤية وسماع معاناته وحسّه الوطني والإنساني العميق والعقلاني أيضا في الموقف من حالة مصر وعلاقتها بأوربا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص. وليس مصادفة أن نعثر في كتاباته الاجتماعية آنذاك على كتلة من المواقف المتناقضة والاغتراب بسبب التاريخ الحديث. لهذا نسمعه يقول، بأنه وأمثاله بذلوا الغالي والرخيص من اجل حرية مصر وتطورها ونجاحها، بينما يروها معقودة اللسان والأيدي وفاقدة الحركة، على خلفية إصابة مصر آنذاك بمرض الكوليرا. من هنا ظهور السؤال: ما هو الشيء الذي تجاوزته مصر؟ أنها مازالت تعاني من مختلف الأمراض (الكوليرا وما شابه ذلك). انه مؤشر على بقائها ضمن حيز التخلف رغم كل ما قيل ويقال. ويختتم المقال بسؤال بسيط: بأي طريق تسير مصر؟ طريق الحياة أم طريق الموت[27]؟ انه سؤال المثقف الكبير في مواجهة إشكاليات العصر والنفس ولكن دون الوقوع في حالة اليأس والقنوط.

وقد تكون الفكرة المصرية، أو الوطنية المصرية المرفوعة إلى مصاف الرؤية القومية احد نماذج الغلو الواقعي آنذاك في إدراك وتأسيس مهمة الأدب الاجتماعية والسياسية والوطنية. من هنا نراه يقول بوجود "صورة جديدة للقومية والوطنية قد نشأت في العصر الحديث[28]. ولم تكن هذه الصيغة الأولية في الواقع سوى الشكل الجديد لنمو الفكرة القومية الجديدة التي لم تع ذاتها بعد بمعايير المستقبل، رغم أنها تتكلم عنه. وذلك لأنها كانت محكومة بثقل التقاليد المصرية المتراكمة والمشوهة لحد ما من تفاعل السيطرة الأوربية المباشرة وغير المباشرة على الوعي الاجتماعي والسياسي والأدبي الجديد، أي المنبهر بتقاليد الغريب القريب، وهيمنة التقاليد الغريبة والقريبة لماليك العائلة الخديوية.

لهذا نراه يظهر بصورة الوطني المصري الحر المدافع عن الاستقلال السياسي والاجتماعي والمعرفي[29]. وكذلك في شخصية المدافع عن المجتمع وحقه في إدارة شئونه الذاتية بنفسه، ومن ثم معارضة فكرة الوصاية على المجتمع كما لو انه قاصر[30]. بل ويتعدى ذلك إلى مجال الدفاع عن مظاهر الاحتجاج والمقاومة الاجتماعية السياسية الوطنية (المصرية) والبحث عن القيم الجميلة والنبيلة فيها والانتماء إليها[31]. وان يضع هذه المواقف في صورة نقدية ساخرة عندما كتب مرة يقول "فليهنأ الأزهر برضا الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضا الأمة وغضب الوزراء"[32]. وعندما ينتقد حالة الإدارة المصرية، فإننا نراه يتناولها مقارنة بحالة العراق أيام زياد بن أبيه! انطلاقا من أن الشيء بالشيء يذكر[33]. والشيء نفسه يمكن قوله عن محاولاته تحديد ماهية النزعة المصرية وتأسيسها. بمعنى الانطلاق من الواقع من اجل تلافي الخلل فيه. وانطلق هنا من مقدمة خطابية مقبولة بمعايير الخطابة الاجتماعية تقول، بان "الله هو الوحيد القادر على خلق كل شيء من لا شيء. أما الإنسان فعاجز". من هنا فان "مصر لن تبتكر ابتكارا ولن تخترع اختراعا، ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة، وبأن مستقبل الثقافة في مصر لن يكون إلا امتدادا صالحا راقيا ممتازا لحاضرها المتواضع المتهالك الضعيف"[34]. وهي فكرة سليمة من حيث تأكيدها على وحدة الماضي والحاضر بالنسبة للمستقبل. لكنها فكرة مبتورة حالما يجري وضعها ضمن سياق الفكرة الوطنية والقومية وذلك لطابعها الخطابي. وذلك لأنها تجمع كل ما يمكن جمعه من وقائع ودقائق وحقائق في خواطر اقرب ما تكون إلى خطاب يدغدغ الوعي المسطح لا العقل النقدي. وانطلق في تأسيس فكرته هذه من مقدمة تقول، بان الدين واللغة ليست قواما وأساسا للوحدة السياسية وتكوين الدول. وان تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد على الدور الذي يمكن أن تقوم به "وحدة الدين" و"وحدة اللغة" بهذا الصدد[35]. والمسلمون أنفسهم قد تخلوا عن هذا المبدأ منذ زمن طويل. وأقاموا سياستهم على المنافع العملية[36]. بل إن تجربة الخلافة والإسلام دليل على ذلك. وكتب بهذا الصدد يقول، بان المسلمون فطنوا إلى جوهرية المنافع العملية وليس الدين واللغة. وهو أساس الحياة الأوربية، أي المنافع الزمنية (يقصد الدنيوية) لا على الوحدة المسيحية ولا على تقارب اللغات[37]. وبغض النظر عما في هذا التصوير التاريخي من ضعف شديد للرؤية التاريخية، بمعنى انه ينظر إلى حصيلة التطور الأوربي بمعزل عن تاريخه الفعلي، أي ينسى تاريخ هذه العملية، بحيث تصبح أوربا بالنسبة له كائنا جوهرانيا قائما بذاته ولذاته منذ القرن التاسع عشر. إلا أن هذا الخلل الذي هو جزء من نمط الخطابة الفكرية، كان يهدف في آراء ومواقف طه حسين إلى تأسيس أهمية وفكرة الوطنية والقومية (المصرية) الحديثة. من هنا محاولته استرجاع الماضي بطريقة تجعل من مصر كما يقول "أول من استرجع شخصيته القديمة التي لم ينسها في يوم من الأيام"(!!). ولم تهدأ في محاولاتها هذه إلا حالما استعادت نفسها في ظل ابن طولون(!!)[38]. بل إن تاريخ مصر مليء بالسخط والتذمر زمن السيطرة الأجنبية (الرومانية الغربية والشرقية). والشيء نفسه يمكن قوله عن "السلطان العربي" والسيطرة التركية.

إن هذا الخلط الفكري في المواقف كان نتاجا لتمازج الرؤية النفسية والعقلية الساعية إلى إبراز أولوية النزعة المصرية بوصفها نزعة وطنية. بمعنى أنها كانت تخلو من أبعاد الرؤية القومية العربية رغم أنها تتضمنها بصورة منفية. وهو خلل يعكس أولا وقبل كل شيء خلل التطور التاريخي أو بصورة أدق زمن التجزئة وانعدام التاريخ السياسي الموحد للعالم العربي. الأمر الذي جعل من الممكن الحديث عن "ثبات" مصر زمن "السلطان العربي" ومقارنة ذلك بغيره من "الثبات" أمام الغزو الخارجي. كما انه الخلل الذي جعل من الممكن إدراك الكل في الجزء وليس بالعكس. وبالتالي لم تكن هذه الهفوة المنطقية سوى الزلة العقلية في متاهات ودهاليز الانحلال السياسي والتجزئة الثقافية التي وقع فيها العالم العربي لعدة قرون بحيث جعلته أجزاء مبعثرة أمام مختلف أشكال ومستويات وقوى الغزو الخارجي، ومن ثم تحوله إلى فلك من أفلاكها أو طرف على حواشيها بعد إن كان مركز العالم الحضاري ومصدر الثقافة الكونية.

من هنا يمكن فهم بواعث هذه الرؤية المتناقضة من حيث مقدماتها وغاياتها والمتجانسة من حيث مواجهتها لحالة التجزئة والخراب المادي والمعنوي الذي حاولت مصر، قبل غيرها من الأقطار العربية، الخروج منه. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه من حالة مصر والعالم العربي ككل بعد ما اسماه بالغزو التركي، الذي لعب من الناحية الثقافية نفس الدور الذي لعبه البرابرة في قتل الثقافة اليونانية والرومانية، كما يقول طه حسين. إلا أن مصر "ثبتت أمام غارة الترك. إنها آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد"، فما بال "قوم ينكرون على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث"[39].

إننا نعثر في هذه العبارات على صدى الرؤية الوطنية والنقدية والتنويرية في الوقت نفسه، رغم تأسيسها الخاطئ. والقضية هنا ليست فقط في أن هذه المواقف والأحكام تحتوي على تضخيم لا علاقة له بالتاريخ الفعلي، انطلاقا من إن "الحفاظ على الثقافة اليونانية والإسلامية" لم يكن من النصيب الأكبر لمصر،  بقدر ما كان من نصيب العراق وسوريا والأندلس، بل ولخطئها الثقافي وخطيئتها القومية. لكنها كانت تتمثل ثقل التقاليد النفسية والخطابية المصرية آنذاك. بعبارة أخرى، إنها كانت تتمثل في غلوها ملامح الوطنية المصرية الصادقة بوصفها مرحلة من مراحل الوعي الذاتي الثقافي والقومي أيضا. وفي هذا كانت تكمن فضيلة هذا الغلو أيضا. وذلك لان الجذر الثقافي لتفكير طه حسين وميدان نشاطه الفكري ظل من حيث الجوهر حبيس الثقافة العربية والإسلامية.

فإذا كانت النزعة المصرية تطالبه بالقول بأن اللغة والدين ليسا مقومات جوهرية بالنسبة للدولة والأمة، فإن جذوره الثقافية وثقلها الكاسح في هويته وكينونته كانت تفرض عليه قول العكس. وهو تناقض نسبي وجزئي كان يتغلغل في كل ما كتبه طه حسين، شأن كل التناقضات الكثيرة في فكره ومواقفه. وذلك لأن هذه التناقضات الجزئية كانت محكومة بغياب الرؤية المنظومية والفلسفية. لهذا نراه يدافع دفاعا شديدا عن اللغة العربية قائلا عنها بأنها "لغتنا الوطنية، ومقوم شخصيتنا القومية"[40]. ويقف موقف المعارض والناقد لمحاولات الأزهر احتكار سطوته "الروحية" على اللغة العربية. إذ اعتبر العربية لغة الحياة كلها بالقياس إلى أصحابها، فيجب أن يكون شأنها شأن مرافق الحياة جميعا. لهذا لا بأس أن تأخذ الدولة على عاتقها مهمة الاهتمام والإعداد لها التعليم[41]. كما نراه يقف بالضد من محاولات جعل العامية لغة. وبالمقابل يدعو ويعمل لتعليم العربية الفصحى، باعتبارها "لغة القرآن والحديث ولغة أسلافنا وآدابهم. أما العامية فهي مجرد لهجة مليئة بالفساد من حيث الوضع والشكل"[42]. بل ونراه يطبق ذلك على الموقف من النصارى (الأقباط)، الذين "يتلون صلواتهم في لغة عربية محطمة اقل ما توصف به أنها لا تلاءم كرامة الدين.... الأقباط مصريون فيجب أن يتثقفوا في أمر دينهم ودنياهم كما يتثقف المصريون. واإن العربية هي اللغة الوطنية لمصر فيجب أن يتقنها الجميع بغض النظر عن الدين"[43].

لم تكن هذه الأفكار معزولة عن تجربته الحياتية وأيامها المريرة كما صورها في كتاب (الأيام)[44]، والتي عكست بصورتها الخاصة وضعية العالم العربي واختلاجاته الداخلية بشكل عام، والمصرية بشكل خاص، رغم خلو (الأيام) من الأبعاد الدرامية واقترابها من النص التقريري. بمعنى مظهرها الأدبي وضعفها الفني. الأمر الذي جعل منها معاناة تاريخية اجتماعية أكثر مما هي معاناة فكرية شخصية. لكننا نعثر فيها على صدى مرحلة الانكسار والصعود العربي - المصري في الوقت نفسه، أي انكسار التقاليد القديمة وصعود الثورة، وانكسار الثورة وصعود الوعي المتشكك، وانكسار التشكك وصعود العقلانية الايجابية. وإذا كانت هذه الصيغة شكلية في مظهرها، فإنها تحتوي في مضمونها على واقع العملية التاريخية المنعكسة في تطور النزعة النقدية الأدبية لطه حسين وقيمتها العقلانية بالنسبة للثقافة العربية الحديثة ككل، أي كل ما حدد بدوره مفارقة إبداعه العلمي والثقافية. وهذا بدوره كان وثيق الارتباط بشخصيته.

إن المفارقة الكبرى لشخصية طه حسين تكمن في جمعه بين أضداد حية وأخرى ميتة، كما لو انه يتمثل بصورة دقيقة أنساق التناقض المبتور بين الشك واليقين والنقد والتطمين الذي هيمن عليه بقدر يتكافأ مع هيمنته على أسلوبه في التفكير والمواقف والأحكام. إذ يمكن وضع كل فكر طه حسين في عبارة واحدة تقول: "إنني اجزم لكنني اشك"! وما بينهما يتراوح كل تفكيره ومواقفه وأحكامه. لهذا يسهل السير معه إلى النهاية، تماما كما يستحيل الاطمئنان والركون إلى ما فيه. ومع كل يقين شك يوازيه دون أن يرتقيا إلى مصاف المنظومة. من هنا تعايش مختلف الأفكار والأحكام المتضاربة. والثبات الوحيد هو للقيم. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن تجربته الفردية وشخصيته العلمية والاجتماعية والوطنية والثقافية. لكنها شخصية لم تتكامل بمعايير الرؤية المنهجية، بقدر ما كانت تسرح وتمرح بقوالب متناقضة.

فعدما وصفوه مرة بأنه كاتب برجوازي أجاب: "لست كاتبا برجوازيا، وما أحببت أن أكون برجوازيا، وإنما رجل شعبي المنشأ والتربية، وشعبي الشعور والغاية أيضا". كما يمكن للمرء "أن يوصفني بما يشاء ولكني لست ارستقراطيا ولا برجوازيا". وعندما وصفوه مرة بالفوضوي في الأدب، فانه قبل هذا التوصيف استنادا إلى فكرته عن أن لا يستطيع رؤية الأدب وتصوره على غير هذه الحالة، بمعنى اعتماده على الحرية المطلقة بلا قيود ولا تخضع لنظام أو قانون[45]. ووسع هذا المدى على مواقفه الاجتماعية والسياسية والثقافية العقلية منها والوجدانية. ومن المكمن رؤية ذلك على أمثلة كثيرة يمكن العثور عليها في كتاباته العديدة. كما يمكن الكشف عنها على سبيل المثال لا الحصر في مثال نموذجي عندما نراه ينتقد حالة "الضمير الأدبي" أي انفصام الشخصية وخضوع كل شيء لاعتبارات ثانوية[46]. لهذا نراه يتناول في احد أحاديثه (مقالاته) قضية "نزاهة الأدب" مقابل قضية "نزاهة الحكم"[47]. بمعنى الصيغة التي تتزاحم فيها وتتراكم الشخصية الفكرية والاجتماعية والسياسية والأدبية على أساس وحدة العقل والوجدان. لكنها صيغة أشبه ما تكون بما في ذلك من حيث مظهرها بأولئك القصاصين الكبار الذين كانوا يملئون الجوامع والمساجد والمحلات والأزقة في العهود السالفة، كما نراها على سبيل المثال في كتاب (من أدب التمثيل الغربي)[48]. والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب (الفتنة الكبرى) وغيره من كتبه المشهورة. (ينبع.....)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] طه حسين: ألوان، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1981، ص231 (وقد تكون هذه العبارة ترجمة ير دقيقة عبارة التي نطق بها بوشكين والقائلة، "إن المخطوطات لا تحترق".

[2] طه حسين: ألوان، ص250

[3] طه حسين: ألوان، ص165

[4] طه حسين: ألوان، ص167، 187.

[5] طه حسين: ألوان، ص148-163

[6] طه حسين: ألوان، ص 51-64

[7] طه حسين: ألوان، ص 66-75

[8] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993، ص78

[9] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص208.

[10] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص126.

[11] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، بيروت، دار العلم، 1978، ج1، ص55.

[12] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص55.

[13] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص54.

[14] طه حسين: من تاريخ الأدب العربيج1، ص15-16.

[15] طه حسين: ألوان، ص205.

[16] طه حسين: حافظ وشوقي، القاهرة/ مكتبة الخانجي، المقدمة.

[17] طه حسين: ما وراء النهر، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1986

[18] طه حسين: المعذبون في الأرض، القاهرة، الشركة العربية للطباعة والنشر، العدد 6، 195، ص8. وليس مصادفة أن تجري مصادرة هذا الكتاب ومنعه حالما طبع بعد أن جرى جمعه من مقالات متفرقة.

[19] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص64.

[20] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص118.

[21] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص60-61.

[22] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص76.

[23] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص69-70.

[24] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص60

[25] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص75.

[26] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص82-108

[27] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص151

[28] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص74.

[29] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983، ص 36-46.

[30] طه حسين: حديث المساء، ص 50.

[31] طه حسين: حديث المساء، ص76.

[32] طه حسين: حديث المساء، ص94.

[33] طه حسين: حديث المساء، ص100

[34] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص12.

[35] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص18.

[36] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[37] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[38] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[39] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص27-28.

[40] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص224

[41] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص227.

[42] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص231.

[43] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص347.

[44] طه حسين: الأيام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994. ففيها يتكلم طه حسين عن "الفتى" أي ليست بصيغة الأنا. وتعكس هذه الصيغة الوحدة الخفية لفقدان الفردية من جهة وطوفان  الموضوعية من جهة أخرى. لكنها مليئة بالحشو، شأن كل ما كتبه طه حسين. بعبارة أخرى أنها لا تخلو من دراما شخصية شأن كل رواية حية وصادقة، لكنها تبقى ركيكة. وذلك لان التجربة الحياتية لطه حسين تبقى تجربة محصورة. من هنا دورانها حول الثقافة والتحصيل العلمي، أي اقرب ما تكون إلى تقرير علمي حياتي بصيغة أدبية. لو قيل أنها لشخص آخر لم يقرأها احد. أي أنها بلا جمال ولا جلال. إن مأثرتها ليس فيها (لأنه لا فكر فيها ولا أصول) بل بسمعة مؤلفها.

[45] طه حسين: حديث الأربعاء، دار المعارف، القاهرة، ط 12، 1993، ج3، ص208

[46] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص217-218

[47] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص224-230

[48] طه حسين: من أدب التمثيل الغربي، دار العلم للملايين، بيروت، ،1983.

 

جاء في ألقرأن ألمجيد {لاأكراه في ألدين؛ قد تبين ألرشد من ألغي؛ من شاء فليؤمن ومن شاء فاليكفر..}؛ وفي آيات أخرى{ولو شاء ربك لأمن من في ألأرض كلهم جميعا؛ أفأنت كره ألناس حتى يكونوا مؤمنين...ألخ}. لاتوجد نصوص قرأنية تشير ألى وجود دولة دينية؛ بل جاء { لاأكراه في ألدين؛ أن ألدين عند ألله ألأسلام}.وأمرهم شورى بينهم !!ويقصد عموم ألمؤمنين؛ ونفى ألنبي{ص}أن يكون ملكا أوسلطانا؛ بل جاء في ألقرأن ألمجيد {وماأنا ألا بشر مثلكم يوحى ألي....}. وجاء أيضا{وأمرهم شورى بينهم ...}أي بمعنى أن أدارة ألدولة ألأسلامية تدار بالتشاور ولاتعود لقبلية أو عشيرة؛ أوطائفة معينة؛ وهي ملك للجميع؛ ولاوصاية لعرق أو لون أو مكون على جموع ألمؤمنين؟. أن نشوء دول تحكمها عشائر أو قبائل يخالف بما جاء في ألقرأن وألسنة .فالدولة ألأموية وألعباسية وألعثمانية دول عشائرية وليست دينية؟؟لأنها فرضت سلطتها بالسيف وهي لاتختلف عن ألأمبراطوريات ألتي نشأت في بقية ألقارات فيما بعد؟؟.ومما تقدم أن ألدول ألعشائرية لاتختلف عن ألدول ألدكتاتورية في عصرنا ألحالي؟؟ أن أستخدام ألشعارات ألدينية في ألوصول ألى ألحكم؛ قد أهان ألدين وأعلى مكانة ألمستبد!!.لنستعرض ألجرائم ضد ألأنسانية ألتي أقترفتها ألمكونات ألتي تدعي أنها تحكم بأسم ألله وشريعته .ألدولة ألأموية دولة فاشية وهي لاتختلف عن ألدولة ألعباسية أو ألدولة ألعثمانية؛ لأنها وصلت بالسيف؛ وهي تشبه ألأمبرطوريات ألوضعية كالرومية والفارسية وألأنكليزية وألفرنسية؛ فبأسم ألسيد ألمسيح وألدين ألمسيحي؛ فرضت شرعيتها بالمدفع وألدبابة وألطيارة!!.وسحقت ألشعوب وأستعمرتها بحد ألسيف؟؟.بينما ألدول ألوضعية{ألعلمانية }؛ أستطاعت أن تلائم بين ألشعور ألديني وألوطني؛ بحيث سمحت للمواطنين؛ بحرية ألتعبد وأختيار ألعقيدة ألتي تناسبها{سماوية أو وضعية}؛ فمثلا ألهند؛ ألتي تتألف من قوميات وديانات سماوية ووضعية يزيد عددها على مئات وربما ألوف ألمعتقدات سمحت بحق ألأعتقاد ألحر؟؟؟؛ ورغم عدد سكانها ألذي وصل ألى أكثر من مليار من ألبشر؛ فأنها لم تتعرض ألى حروب دينية أوسياسية؛ فحرية ألتعبير وألتعبد مصانة؛ بينما نلاحظ باكستان ألمجاورة لها وألتي أنفصلت عنها بعد ألأستقلال؛ مكوناتها في حالة أحتراب دائم على أسس مذهبية أوعرقية؟؟لأن رجال ألدين لايريدون للناس أن يعيشوا بسلام؛ بل يريدون أن يتبعوهم كعبيد قن؛ ليحافظوا على مكاسبهم ألدينية وألدنيوية معا .فالحروب ألصليبية أهلكت ألملايين فيما بينها وخاصة بين ألكاثوليك وألبروتسنات؛ وكانوا يحرقون ألناس وهم أحياء في ألكنائس ودور ألعبادة؟؟ أما أليهود فقد كانت حروبهم ضد بقية ألشعوب ألتي تعتنق ديانات أخرى عبر ألعصورلاحد لها؛ ويطلقون على أنفسهم شعب ألله ألمختار؛ وبغطاء ديني؛ قاموا بغزو فلسطين وأبادة شعبها؛ ومطاردتهم حتى خارج حدود ألمناطق ألتي أستولوا عليها.أن ألمأساة ألتي تعيش فيها ألمنطقة ألأسلامية وألعربية جراء ألفكر ألديني ألأقصائي؛ فاق حدود ألتصور؛ فقتل ألأطفال وأغتصاب ألنساء؛ وتدمير ألبنى ألتحتية وألمؤسسات ألخدمية وألصحية وألأنسانية؛ يعتبر بالنسبة لهم جهاد في سبيل ألله؛ تدعمهم حكومات عشائرية فاسدة ترفع شعارات دينية للبقاء على كراسي ألحكم الى يوم ألدين؛ وكما جاء في ألحديث ألشريف {لاطاعة لمخلوق في معصية ألخالق..} فهل قتل ألناس تقربا ألى ألله تعالى؟؛ ولا غرابة أن يقول ألشاعر{ألدين للديان جل جلاله لوشاء ربك وحد ألأديانا}؟؟؟. فالفكر ألوهابي ألتكفيري؛ يحلل قتل ألأبرياء ألذين يخرجون عن طاعة ألحاكم؛ فمن خرج على أمام زمانه وجب قتله {فهل ألعائلة ألفاسدة في نجد وألحجاز تحكم بدين ألله؛ أم بدين ترامب ونتنياهو}؛ وكما جاء في ألقرأن ألمجيد؛{ومن يتخذ أليهود وألنصارى أولياء من دون ألله فلست منهم......} فالدولة ألدينية عار على ألدين وأهله؛ لأنها تحلل ألحرام وتحرم ألحلال؟؟؟}فولاية ألفقيه وتقليد ألمراجع وأطاعة رجال ألدين تتعارض مع شرعة ألسماء؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية ألخالق وكما جاء في ألقرآن ألمجيد {انا خلقنكم من ذكر وأنثى؛ وجعلنكم شعوبا وقبائل لتعارفوا؛ أن أكرمكم عند ألله أتقاكم ....ألخ}؛ فهؤلاء يسخفون عقول ألناس بأفكار طوبائية متخلفة متحجرة؛ بزيارة قبور ألأولياء؛ وبناء جوامع وكنائس ومساجد؛؛ تكلف ألمليارات سنويا؛ معظمهما فارغة؛ أو يؤمها مجموعة قليلة من ألناس؛ لأن ألشعوب سأمت من سخافاتهم ودجلهم ودعمهم للحكام ألفاسدين .بينما يفتقر معظم ألناس {من مختلف ألأديان وألطوائف}ألى سكن ورعاية أجتماعية وطبية وأنسانية؛ ونسبة ألفقر في ألدول ألتي تدعي ألتدين تصل ألى 60% أو أكثر؛ وكما جاء في حديث للرسول {ص}؛ {لحياة أمرئ مسلم أكرم عند ألله من كعبته هذه !!؛ واشار بسبابته ألى ألمسجد ألحرام}.تصرف ألمليارات على ألحروب العبثية؛ بينما تنخر ألأمراض أجساد ألفقراء ؟؟في مشارق ألأرض ومغاربها؛ كما يحدث ألآن في أليمن وغيرها من ألشعوب ألمخدرة بشعارات دينية؟؟

 

د. عبد ألحميد ذرب         

 

 

rajiy alawadiاحببت ان اتناول السلطة الدينية لا بوصفي سياسي منتمي لحزب ولا رجل دين مختص، بل من المهتمين بالدين ومن خارج المؤسسة الدينية، فبدءت بالقران الكريم كمصدر اول للتشريع فبحثت فيه عن مفردات لها علاقة بالحكم والسلطة، فكلمة الدولة لم ترد في القران الكريم الا مرة واحدة (...َكيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ:7 الحشر) والخلافة لم ترد فيه مطلقا، اذن من اين جاء اصطلاح الخلافة الاسلامية او الدولة الاسلامية ؟! اما كلمة سياسية فلم فهي الاخرى ترد في القران الكريم فقط وردت في الحديث النبوي مرة واحدة من جهة المعنى لا اللفظ عن طريق ابو هريرة (كانت بنو اسرائيل تسوسهم الانبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وانه لا نبي بعدي) وطالما ثبت عدم وجود اصل في التشريع الاسلامي القران والسنة لمفاهيم دولة – خلافة – سياسة، اذن لا سياسية في الدين ولادين في السياسية، ومن يسيس الدين او يدين السياسة فهو صاحب غرض شخصي يستغل الدين لاغراض سياسية ويخضع الدين للسياسية .

ان الخلافة التي رضخ لحكمها المسلمين حتى وان كانت سالبة بانتفاء الموضوع، فقد كانت اسلوبا وليس نظاما بدليل كل خليفة طريقة تنصيبه يختلف عن الاخر، اما من يقول كانت الخلافة عن طريق الشورى فهذا الكلام فيه تدليس وجفاء للحقيقية، فالخلافة كما يراها الفقهاء غير ملزمة من حيث نتائجها بدليل هي معلمة وليست ملزمة، ولو كانت كذلك لما تحول الحكم الاسلامي الى وراثي على غرار نظام هرقل وكسرى،حتى اصبحت وسيلتها السيف وليس الشورى، وقد وجدنا يعض الخلفاء وبطانتهم من الفقهاء كنزوا الذهب والفضة واتخذوا الجواري والغلمان عبيدا لهم، اذن لا يوجد مفهوم اسلامي موثوق يبين كيفية الوصول للسلطة .

هذا الواقع الذي تحدثت به بايجاز يمثل الفترة منذ وفاة النبي الاعظم محمد (صلى) والى اليوم حتى ان المؤرخ الطبري قال (عندما توفى النبي (ص) كان المسلمون كالشياه في الليلة الممطرة لانهم فقدوا القيادة ) نعم فقدوا القيادة الى يومنا هذا، فكل من تصدى للمسؤولية فيما بعد كانت مرحلته حروب دامية وازهاق للارواح وتحديات مصيرية.

اليوم الحدود والعقوبات الدينية اصبحت ليس لها مكان في العصر الحديث،فاي دولة تدعي الاسلام قول لهم كيف تتعاملون مع السارق ؟ سيقولون لك العقوبة بيد القاضي اذن رجعنا الى حكم الدولة العلمانية لا الاسلامية، واسالهم ماذا تفعلون لشارب الخمر والزاني ستكون اجابتهم كالاولى، ولهذا فاكثر دول تمارس المحرمات فيها من زنا وخمر ومخدرات هي الدول الاسلامية، اذن اين الدولة الاسلامية وتطبيقاتها الشرعية ؟! فحتى من طبق العقوبات في صدر الاسم بعضها لازالت مقززة للنفس كحادثة ام قرفة (فاطمة بنت ربيعة) التي شرخت نصفين بجرها بفرسين متعاكستين واهداء ابنتها الى سلمى بن الاكوع، طبعا تهمتها الارتداد عن الدين .

اننا نرى الناس بحاجة الى سلطة مدنية لا تتعارض  مع الاعتقاد بالتدين شرط احترام التعددية الدينية والثقافية وعدم إقصاء أحد بحجة الاختلاف في الدين أو الفكر لأن المجتمع المدني يقوم على أساس التعددية وحرية الاختلاف في الرأي والمعتقد، اما محاولة فرض رؤية واحدة أو عقيدة واحدة يخرج المجتمع من إطاره المدني إلى الديني المنغلق وهذا ما يروج له رجال الدين يعيشون في الماضي اكثر من الحاضر ولهم الاستعداد بابادة الرافضين لمعتقدهم، فاشاعوا مقولة (لحوم العلماء مسمومة) وهذا تهافت عقلي وارهاب فكري وتكمميم للافواه التي تنتقدهم، والحقيقية الدين غايته عظيمة ولكن وسيلته مخيبة للامال بسبب رجال دين مسيسين خدعوا الناس البسطاء، فاشاعوا الاساطير والاوهام لبلوغ غايتهم الدنيوية لا الدينية.

 

راجي العوادي - اكاديمي وكاتب عراقي مستقل

 

 

hashem aboudalmosawiبالرغم من أنّ تخصصي الدقيق في الهندسة المعمارية هو في حقل بيئات العمارة، ولكن في سنين مضت، تم تكليفي من إحدى الجامعات العربية بتدريس مُقرر تاريخ العمارة القديمة والذي كان يتضمن حضارات وادي الرافدين، وحضارة وادي النيل، وثم الحضارة الإغريقية(*) وبعدها الحضارة الرومانية..

وكان عليّ في كل وصلة من وصلات هذا التاريخ القديم الذي يمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، أن أتعرف على الاتجاهات العامة لتلك الحضارات (سواء في معرفة الأوضاع والقيم الاجتماعية أو التيارات السياسية والاقتصادية، أو غيرها) والتي أثرت بشكلٍ عميق على وضائف وأشكال المباني في تلك العصور..

وعند قيامي بدراسة عمارة الإغريق، كان عليّ أن أدرس حقبة من حياة المجتمع الإغريقي والتي تصلح أن تكون بداية تساعدني على دراسة تلك الحضارة ومخلفاتها العظيمة من العمائر التي أثرت بشكلٍ كبير على ما جاء بعدها من فنون عمارية لشعوبٍ أخرى.

وعند توغلي إلى حقل مهم من حقول الثقافة الإغريقية، ألا وهو التراث الأدبي الذي خلفته تلك الحضارة .. وجدتُ نُصب عيني شخصية أدبية بارزة، جَمَعَ صاحبها كُلَّ ما كتبه الشعراء قبله، كمحصلة لتطوير مستمر على مدى طويل. حيث كان كل شاعر يُضيف فيه إلى سابقيه شيئاً جديداً في هيئة مقطوعة أو أنشودة يتغنى فيها بحدثٍ أو أسطورة تحمل معالم الوقت الذي عاش فيه..

تلك الشخصية المهمة في تاريخ الثقافة والأدب والفن، هو الشاعر الإغريقي (هوميروس)، صاحب أهم ملحمتين في تاريخ الفن والأدب، ألا وهما: (الإلياذة) و (الأوديسية). وقد وجدتُ نفسي مسحوراً بإبداع هذا العبقري، فسجلت كل ما كُتِبَ عنه وعن إبداعهِ. متخطياً بذلك هدفي الأساس الذي خططت له في دراسة عمارة الإغريق.

وضمن ما استفدت منه من نتاجات هذا الشاعر الفذ، هو وصفه لنشأة المدن وحلول التقاليد الجديدة التي واكبت ظهورها. وازدهارها مع ظهور نمط جديد من التجمعات البشرية والذي أصبحنا نسميه اليوم بـ (دولة المدينة) كنظام سياسي ومدلول حضاري عام.

ومن الغرابة التي وجدتها في ما كتبه الإغريق نفسهم عن شاعرهم العظيم هذا هو أنه كان أعمى، وكان يُنشد شعره أمام سامعيه من الإغريقين. وخاصةً في قصور ملوكهم ونبلائهم .. على نحو ما كان يفعل غيره من الشعراء المتنقلين الذين كانوا يحملون شعرهم وإنشادهم من مكان إلى آخر. ولكن هوميروس كان في نظر الإغريق غير بقية هؤلاء الشعراء، فهو سيدهم بلا مُنازع، وهو شاعر فيه صدق المعلم وأكثر من لمحة من الوحي الإلهي. اعتقد الإغريق ذلك ولم يشك فيه حتى كبار مفكريهم وأدبائهم الذين اتخذ بعضهم من شخصيات الملحمتين أو حوادثها مادة لما كتبوه من مسرحيات، تُمثل الخلفية التاريخية المستمدة من الواقع والحقيقة في عملهم الأدبي.

هكذا كانت قناعة الإغريق ومن ثم كان كل ما قدمه هوميروس في الإلياذة والأوديسية يُشكل في نظرهم تاريخاً حقيقياً لأحداث ومواقف وقعت وحدثت ووُجِدَتْ فعلاً في حقبة سابقة من حياتهم.

ومنذ أن كتب هوميروس ملحمتيه الخالدتين، كان يلجأ في الوصول إلى تفاصيله بكل الوسائل التي يُمكن أن تصل إليها مهارة الأديب، سواء أكانت الوسيلة ذكريات عن الماضي يرويها أبطال الملحمة أو تنبؤات عن المستقبل أو مقاربات حوادث وقعت بين أشخاص أو جماعات من الناس. وبين عادات كل منهم أم استطرادات وضعها الشاعر على لسان أبطال الأخيين أو على لسان الآلهة، أو يقوم بها هو ذاته واصفاً أو معلقاً وهو يضع كل هذا خلفية من العصر المبكر الذي تصوره الإغريق ورسموه في أدبهم وفي كتاباتهم عصراً للأبطال. ويتحدث فعلاً عن بعض هؤلاء الأبطال مثل هراكليس (هرقل) Herkales كما يُشير إلى ما دار في ذلك العصر من حوادث رئيسية اعتمد الإغريق في وقوعها مثل (حرب السبعة الأشداء ضد طيبة) وهكذا.

أتمنى أن تسعفني الظروف كي أكتب عما جمعته وقرأته وحللته عن إبداع (هوميروس) في ملحمتيه الخالدتين.

 

د. هاشم عبود الموسوي

....................

* ملاحظة: تعودت عندما أكتب عن الحضارة القديمة التي وجدت على أرض اليونان الحالية، أن أطلق عليها كلمة (الإغريقية).

 

saleh altaei2أسهب المفسرون في شرح قوله تعالى: {وإذا النجوم انكدرت} الآية الثانية من سورة التكوير، وسيكون حديثنا عن معنى (انكدرت) تحديدا لأن رؤاهم لم تكن إلا محض خرافة تتعارض مع العلم والمنطق، بما يعني أننا بحاجة ماسة لأن نعيد النظر بموروثنا الإسلامي لتنقيته من الخرافات والاسرائيليات والآراء الشخصية والاجتهادات.

ولنأخذ بداية المعنى اللغوي للكلمة (انكدرت)، حيث جاء في مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني قوله: "الانكدار: تغير من انتثار الشيء.. وأنكدر القوم على كذا: إذا قصدوا متناثرين عليه" وفي قواميس اللغة: انكدر المتسابق في سيره: أسرع. وانكدر عليه القوم: انصبوا عليه. وانكدرت النجوم: تناثرت. وانكدرت النجوم: أظلمت، وذهب نورها.

بمعنى أن لانكدار النجوم معنيين وليس معنى واحدا، الأول: تناثرت، والثاني: أظلمت وانطفأ توهجها. والمعنى الثاني يتساوق كليا مع تفسيرهم آية (إذا الشمس كورت) بقولهم: معنى ذلك: إذا الشمس ذهب ضوؤها، فتكون النجوم مثلها قد ذهب ضوؤها هي الأخرى، لكن حينما ترد عن أحد الأقدمين معان واقوال تصب في الاتجاهين فذلك هو الذي حفز البعض فاختار قولا وحفز غيرهم فاختاروا الآخر، ومن نماذج ذلك ما نقله الطبري في تفسيره، عن ابن عباس، قوله: (إذا الشمس كورت)، يقول: أظلمت. وفي قول آخر: (إذا الشمس كورت) يعني: ذهبت. وجاء التابعون فتأثروا بكلي الرأيين أو بأحدهما، ومن هؤلاء: إسرائيل ومجاهد وقتادة وسعيد والضحاك.

أما أبو صالح وربيع بن خثيم وابو يعلى، فقالوا: (إذا الشمس كورت) يعني: نكست، ألقيت، رمي بها. بمعنى أن النجوم والكواكب ستتبعها في المصير نفسه، فطفأ ويلقى بها. وهم إن لم يختلفوا كثيرا في معنى التكوير، فإنهم تطرفوا في حديثهم عن الانكدار وآليته، فقالوا في معناه:

الربيع بن خثيم ومجاهد: تناثرت. 

قتادة وابن زيد: تساقطت.

ابن عباس: تغيرت.

وكلها معان تصب في معنى واحدا لا غبار عليه، وهذا لا يخلق مشكلة تذكر، المشكلة الحقيقية كانت في آلية وقوع الحدث، سواء كان سقوطا أو تناثرا أو تغيرا، فقال أبو عبد الله المحاسبي في كتاب الوهم: قيل إنها تناثرت من بين أيدي الملائكة الذين كانوا يحملونها؛ لأنهم يموتون. وهناك من قال: إن الكواكب كل الكواكب معلقة بين السماء والأرض بسلاسل بأيدي ملائكة. من هنا، قال المحاسبي: "أصل الانكدار: الانصباب، فتسقط في البحار، فتصير معها نيرانا، إذا ذهبت المياه".

ولا أدري لماذا لم يأخذوا بقول ابن عباس مثلا، وهو قول الكاف الشاف، فذهب كل منهم مذهبا يجعل أفكار المسلمين سخرية للأمم الأخرى، ولاسيما في حديثهم عن السلاسل التي علقت بها الكواكب، وأنها سوف تسقط بسبب موت الملائكة الذين يحملونها، مع ان المنطق والعقل والعلم يرفض فكرة السقوط إلى الأسفل ويؤمن أنها سوف تتناثر في الفضاء في كل الاتجاهات إذا ما أمر الله تعالى أن تتناثر!.

 

صالح الطائي

 

 

mohamad aldamiبعدما استولى البعثيون على السلطة بانقلاب عسكري في 17 يوليو، 1968، فإنهم ما لبثوا أن سارعوا إلى منع الدعاية والإعلانات التجارية من البث في وسائل الإعلام الرئيسة، كالإذاعة والتلفاز، الوحيدان آنذاك. وقد كان هدفهم من وراء هذه الخطوة هدفا سياسيا بحتا، ذلك أن قياداتهم كانت على وعي دقيق بأهمية الإعلام في تمكين جماعتهم من الإمساك بمجريات الأمور بقبضة من حديد عبر العراق آنذاك، خاصة وأنهم قد قرروا توظيف الإعلام لخدمة (الإعلام الموجه)، كما كان يطلق على هذا النوع من الإعلام آنذاك.

كان جمهور المتلقين قد شعر بالتغير الذي فرضته السلطة الجديدة من خلال تغييب الدعاية والإعلانات التجارية بين ليلة وضحاها. بل إن القائمين على الإعلام حقبة ذاك قد تجاوزوا هذا الحد من التحديد، درجة إصدار قوائم رسمية (نشرت في الصحف) تسمي “الأغاني” الممنوع بثها في الإذاعة والتلفاز باعتبارها أغاني متدنية المستوى أو أقل ذوقية. وهكذا راح الجمهور العراقي يعتاد المنهج الإعلامي الجديد الذي كرس الإعلام 10% لخدمة سياسات الحزب الداخلية والخارجية، عبر البيانات والندوات الدعائية السياسية والخطابات الرنانة التي حلّت محل الدعايات والإعلانات التجارية.

وقد لاحظنا الفرق بين هذا النوع من الإعلام “المركزي” أو “الموجه” حال ذهابنا إلى دول أجنبية، حيث يحتل الإعلان التجاري والدعائي مساحة كبيرة جدا من أطوال البث الزمنية، الأمر الذي جعلنا نتذوق هذه الإعلانات والدعايات ونتمنى متابعتها. هل كانت السلطة الجديدة في العراق آنذاك على حق بمنع الدعايات والإعلانات التجارية؟ هذا استفهام يرد إلى ذهن كاتب هذه الأسطر على نحو ملح، وهو يحيا الآن في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعد الدعاية والإعلانات أهم حتى من المنتجات المراد الترويج لها، أحيانا، وبدليل تخصيص أكثر من ثلث الرساميل المستثمرة لإنتاج مادة معينة من أجل الترويج والدعاية.

وقد بالغ الأميركيون بهذه السياسة الرأسمالية المرتكنة على تقديم الإعلان على كل شيء درجة التسبب بالضجر والانزعاج، خاصة وأن المتلقي يشعر بأنه يعامل كرقم استهلاكي حسب، وبأن الإعلانات التجارية والدعائية راحت تحتل أكثر من ثلث مدة البث التلفازي وعلى جميع القنوات الأساسية، حيث يشعر المتلقي بأنه إنما ضحية للاستغلال. وهنا، يقدم اقتصاد رأس المال نموذجا تجاريا معاكسا لنموذج منع وتحريم الدعاية والإعلان التجاري الذي فرضته بعض الأنظمة الشمولية سابقا.

هنا يرتقي الاستفهام التالي إلى صدارة التنظير الإعلامي، خاصة في عالمنا العربي والخليجي: هل نتبع خطى منع الإعلان والدعاية التجارية بالمرة كما فعلت الأنظمة الشمولية، أم نحاكي النماذج الرأسمالية، الأميركية خاصة التي تضغط على أعصاب المتلقي حتى تدفعه لشراء ما لا يحتاج إليه؟

 

أ. د. محمد الدعمي

 

 

تهدف التنمية البشرية الى تحرير الافراد والشعوب من الرق والعبودية اعتمادا على مفهوم التنمية البشرية هو زيادة الخيارات المتاحة للافراد، وتُعرَّف التنمية البشريّة بأنّها العمليّة التي تهدف إلى زيادة كميّة الخيارات المتاحة للنّاس وحجمها؛ عن طريق زيادة المهارات والمُؤهّلات البشريّة، وفي المقابل نجد ان مفهوم العبودية هي توفير خيار واحد، وحاضرنا وماضينا القريب والبعيد فيه من الشهود كبيره عن حجم العبودية التي عاشها الشعب العراقي .

والكثير يعتقد ان  التنمية البشرية هي نفسها  تنمية الذات، بالحقيقة ان  تنمية الذات من مكوّنات التنميّة البشريّة، والتنمية البشريّة أوسع في شموليتها ودلالاتها من تنمية الذات، ويقصد بتنمية الذات بأنّها تنمية مهارات الحياة العمليّة، مثل: مهارة الاتصال والتواصل، والقيادة، وفن إدارة الوقت.

والتنمية البشرية تركز على ثلاثة جوانب اساسية هي (توفير حياة صحيّة وبعيدة عن الأمراض، وزيادة انتشار المعرفة. ، وتوفير الموارد التي تُساهم في وصول الأفراد إلى مستوىً حياتيٍّ لائقٍ) .

وقد ظهرت الجذور الأولى للتنمية البشريّة في أمريكا، وتأثّرت بالسلوكيّات اليوميّة للنّاس، وتعد الفترة الزمنيّة من السبعينات إلى التسعينات: هي الفترة التي تراجع فيها التأثير الاقتصادي في التنمية البشريّة، وأصبح التأثير الاجتماعيّ هو المُؤثّر الرئيسيّ؛ حيث صارت المجتمعات الغربيّة تُحقّق تطوّرات ملحوظة في معيشتها، ولكنّها لم تُساهم في تحقيق السعادة للنّاس، وفي عام 1970م حرصت هيئة الأُمم المُتّحدة على إعادة دراسة مفهوم التنمية وتحليلها، وتوصّلت إلى أنّها تهدف إلى تحقيق الرفاهيّة وتوفير فوائدها لجميع النّاس؛ حيث تمّ التركيز على عنصرَين، وهما وصول التنمية إلى وضع أفضل من الوضع السابق؛ ممّا يُساهم في تحقيق الرّفاه للأفراد، والحرص على تفعيل العدالة بتوزيع النتائج الناتجة عن الناتج القوميّ (الوطني)؛ لتعميم فوائد التنمية لجميع النّاس.

وستكون نتائج التنمية البشرية على المجتمع العراقي كما يلي في حال تطبيقها بتخطيط سليم

1. ستوفير الوسائل التي تُسهّل حصول جميع العراقيين على التعليم،وسوف تحدد من انتشار الجهل والأميّة بين الأفراد.

2.  ظهور فُرَص العمل المُتزامِنة مع إنشاء ظروف تتناسب معها، سواء في المناطق الحضاريّة أو الريفيّة؛ وذلك للمساهمة في الحدّ من ظاهرة البطالة.

3. تطوير مستويات الرعاية الصحيّة، وتحديداً المُتعلقة بالأطفال الذين تقلّ أعمارهم عن خمسة عشر عاماً.

4. بناء المساكن المناسبة للأفراد من أصحاب الدخول المحدودة.

5. سوف تساهم في الحدّ من انتشار الجوع، والسعي إلى زيادة مُعدّلات التغذية بين النّاس.

6. القضاء على الفقر.

7. السعي إلى رفع دخول النّاس؛ لتحسين مستوى معيشتهم.

8. توفير جميع حاجات الأفراد.

9. توفير الحريّات؛ سواء في الاقتصاد، أو السياسة.

نلاحظ بعد الاطلاع على اهداف التنمية البشرية نجد اننا في العراق بحاجة ماسة  لتطبيق هذه النظرية لكي نتحرر من العبودية الامية والمرض والفقر والبطالة والجوع والسكن والحياة غير الكريمه والاجتماعية والسياسية والبنى التحتيه .

وقد يسئل احد القراء الكرام لماذا لا يتم تنفيذ هذه النظرية السحرية التي تستطيع  حل جميع المشاكل بسهولة مطلقه والتي عجزت عن حلها كل القوى السياسية ؟! اقول لا يمكن تنفذ التنمية البشرية في العراق الا بعد اتخاذ قرار شجاع  لحل المعوقات والمشاكل التالية .

1. المشكلات السياسيّة: التي نعاني منها هي الأساس لجميع مشكلات التنمية البشريّة، والتي ننتج عنها حصارات اقتصاديّة وحروب متنوّعة.

2. المشكلات الاقتصاديّة : ان تدهور الحالة الاقتصاديّة للعراق ؛ بسبب تراجع الحالة السياسيّة، والمشاكل الاقتصادية توثر بصوره مباشره على البُنى التحتيّة في العراق .

3. المشكلات الصحيّة: هذه المجموعة من المشكلات تؤثّر سلبياً في حياة الشعب العراقي ، وينتح عن التدهور وتراجع القطاع الصحي ، الفقر، وانتشار العديد من الأمراض والأوبئة.

4. المشكلات التعليميّة: هي غياب استقرار التعليم الناجح في العراق .

5. المشكلات الثقافيّة والاجتماعيّة: هي مجموعة المشكلات النهائيّة الناتجة عن جميع المعوقات السابقة؛ حيث تظهر في مجتمعاتنا (جماعات سكّانيّة متعصبة وجاهلة).

 

هيثم الحسني

 

 

zouhair khouildi2"لا يمثل العالم كلا مكتملا، بل هو تشييد في طور الاكتمال دوما، أي ليس له حقيقته التامة إلا كأفق"1

لقد بينت الفنومينولوجيا أن العلاقة مع العالم هي صلة تكوينية مع الوجود البشري، وعندما بذلت مجهودا فلسفيا في سبيل توضيح هذه العلاقة وجدت نفسها مضطرة إلى جعل مفهوم العالم ركيزة أساسية للوعي والنظر إليه بوصفه التعبير الإدراكي عن بنية قصدية أساسية تظهر بشكل مختلط في السياقات المختلفة التي تقوم اللغة الدارجة أو الكلام العادي بالاشتغال على  مختلف استعمالات المصطلح في الحياة اليومية.

إن المفهوم الفنومينولوجي للعالم يتعلق بالتجربة من حيث هي تجربة بشرية دالة ويتم تثمينه ومنحه قيمة ضمن التمفصل التكويني الذي يُقال به بصورة مجردة عن طريق الفهم التأويلي المغادر للموقف الطبيعي وللخطاب العلمي. بهذا المعنى ينتمي العالم إلى التوضيح الذي يسبق كل فعل وضعنة وتشكيل بالمقولات.

يرتكز الاشتغال على مفهوم العالم ضمن المقاربة الفنومينولوجية التي تقوم باستخراج  البعد الأساسي الذي تمثله التجربة السابقة عن التفكير للكائن البشري في بنته قبل التفكيرية من وظيفة الفكر الانعكاسي عينها.

تعمل الفنومينولوجيا مع أدموند هوسرل من حيث هي علم مضاد للعلوم الطبيعية ومنازع نوعي للنزعة الوضعية والمدرسة الريبية في ذات الوقت على خرق الموقف الطبيعي من أجل الانفتاح على الطابع الملغز الذي يتكون منه العالم والإصغاء إلى الظواهر والاندهاش من انعطاء ظواهر العالم في كليته.

يبدو عالم الحياة من حيث هو أساس المعنى المنسي من طرف علوم الطبيعة التي عملت على بناء عالم رياضي من النماذج المثالية وتعاملت معه بوصفه العالم الحقيقي وأهملت تجربتنا في عالم الحياة اليومية. .

يمكن إثارة المشكل الفلسفي حول العالم بالطريقة التالية: إن الإنسان الذي يعيش في هذا العالم ، من حيث هو أيضا باحثا في الطبيعة ، لا يقدر على إدراج في عالم الحياة جميع أسئلته النظرية ولا يتسنى له طرح كل المشاكل العملية التي تعترضه. إن عالم الحياة هو الأفق الذي يمنح كل استقراء يقوم به الإنسان معنى.إنه العالم الذي نعثر عليه من حيث هو عالم كل الوقائع المعروفة والمجهولة والذي نعيش فيه نحن أنفسنا بصورة متسقة مع نمط وجودنا أي في كل ما يلتصق بشخصنا حيث تغيب كل المثاليات الهندسية من فضاء هندسي وزمن رياضي ونعيش تجارب في العالم ونتصل به ونعيشه بكليتنا ولحمنا وعظمنا.

من هذا المنطلق يعمل هوسرل على استبدال النشاط المثالي الذي يقوم به الأنا بشكل منهجي بالنشاط الذي يتم مباشرة كواقعة.  يتم إعطاء عالم الحياة بقوة، وإصرار، الحقيقة التي تجعل من الطبيعة هي واحدة وفريدة ولا تقبل العبور.إن هذا العالم الطبيعي لا يعرف التغير، لأننا اقتصرنا على منهج فيزيائي مخصوص يرتبط بالمعالجة الهندسية. لقد قام العلم باللباس عالم الحياة ثوب الأفكار التي تأتي من الرياضيات والفيزياء، وان هذا الثوب من الأفكار العلمية هو الذي يجعلنا نعتبر كل ماهو منهجي أو خاضع لمنهج هو الأمر الحقيقي.

لا تبحث الفنومينولوجيا عن حقيقة العالم ولا تتعامل معه من حيث هو واقع ينقسم إلى ماهيات وجواهر وإنما تتخطى الإخفاق الديكارتي عند تنصيبه الأنا الأفكر في موقع متعال على صعيد المعرفة والوجود.

لهذا السبب تقوم بعملية قلب للموقف الإدراكي بحيث لا وجود للأنا بلا عالم والذات منغمسة في جملة من التجارب المعيشية في . كما تؤكد على الانفتاح على الحياة الجديدة وتعطي أهمية للمخيلة والزمان والذاكرة واللحم وتتخلى عن مثالية العالم وتعاليه وتقول بالمحايثة وتقر بأن العالم أرضية وأفق ونتيجة للتكوين الذي يقوم به الأنا عبر الحضور في الذات وتوسيع ميدان الحدس المقولي عن طريق الفعل القصدي والبيذاتية.

إن عالم الحياة هو وحدانية العالم وأن نسيان الحياة من طرف العلم قد تم تداركه بإعادة الاعتبار إلى العالم من حيث هو أرضية وأفق وتأسيس الحرية ضمن الذاتية المتعالية والنظر إلى العالم كامكانيات محضة.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..................

المصدر:

E. Husserl,  trad. fr. par G. Granel : La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, Paris : Gallimard, 1976. Hua VI, notamment S. 124, 127, 176 ; trad. fr., p. 139, 141 et 197.

 

abduljabar alrifai2علمُ الكلام الجديد مصطلحٌ تداولت استعمالَه مجلةُ قضايا إسلامية معاصرة، وخصّصت له خمسةَ أعدادٍ منذ ربع قرن تقريبًا، ومن قبلها استعمله بالعربية صديقُنا د. حسن حنفي في ورقة بعنوان: "تاريخية علم الكلام: نحو علم كلام جديد"[1]، قدّمها في الندوة الفلسفية الثالثة بالقاهرة، وبعد ذلك اتسع استعمالُه بعد أن استعاره بعضُ الباحثين، حتى بدأ يتوطن المجالَ التداولي بالعربية بالتدريج.

ويحرص باحثون أشدَّ التصاقًا بالتراث على استعمال مصطلح "علم الكلام الحديث" وغير ذلك من تسميات تستبدل كلمةَ "الجديد" بما يوازيها، في محاولةٍ منهم للخلاص من الحمولةِ الدلالية لمصطلح "علم الكلام الجديد"، وما تشي به من قطيعة مع معظم كلاسيكيات علم الكلام القديم، بدعوتها لإعادةِ بناءٍ شاملة لعلم الكلام، تتخطى المنطقَ الأرسطي لتنتقل للمنطق والفلسفة الحديثة، وتتحرر من سطوةِ الطبيعياتِ والدراساتِ الإنسانية والرؤيةِ القديمة للعالم بتوظيفِ مكاسب العلومِ والدراساتِ الإنسانية والرؤيةِ الجديدة للعالم، وتبعًا لذلك سيتحوّل منهجُ علمِ الكلام وبنيتِه، وتتبدّل الكثيرُ من مسائله، بل سيحدث تحوّلٌ في طبيعة وظيفته، فبدلًا من انشغالِه في الدفاع عن العقائد تصبح وظيفتُه الجديدةُ شرحَ وبيانَ وتحليلَ المعتقدات والكشفَ عن بواعث الحاجة للدين ومختلف الآثار العملية لتمثلاته وتحولاته في حياة الفرد والجماعة تبعًا لأنماطِ الثقافةِ وطبيعةِ العمران والاجتماعِ البشري. وبتعبير آخر تنتقل مهمةُ علم الكلام من كونها أيديولوجية، لا غرض لها سوى التدليل على المعتقدات ونقض حجج الخصوم، إلى مهمة معرفية لا تنشغل بنقض حجج الخصوم، بل يتمحور غرضُها حول تعريفِ المعتقدات وتوصيفِها وتحليلِها بالتوكؤ على الفلسفة والعلوم والمعارف الجديدة، والتعرف على منابعِ إلهامِها ومجالاتِ اشتغالها وأشكالِ فعلها في سلوك الفرد والجماعة.

في ضوءِ ذلك يتضح أننا أمامَ عِلمين لا عِلم واحد، فهما وإن اشتركا بالاسم، لكن توصيفَ "الجديد" يجعله مفارقًا للقديم بشكلٍ كبير، وإن كان يشترك معه في بحثِ جملة من الموضوعات نفسِها، لكنه يضيف موضوعات جديدة لم يعرفها علم الكلام القديم، مضافًا إلى أن طريقةَ بحثه ونتائجَه ومراميَه مختلفةٌ، ذلك أن كلًا منهما له منهجُ بحثه وأدواتُ تفسيره ومفاهيمُه المفتاحية وكيفيةُ رؤيته للعالم. وقد تحدّثنا عن ذلك بتفصيل أكثر في كتابات سابقة[2].

1203 jabar

ظهرت الإرهاصاتُ الأولى لعلمِ الكلام الجديد في الهند في العصر الحديث نهايةَ القرن التاسع عشر مع السيد أحمد خان (1817 – 1898)، الذي لم يكرّر ما هو سائدٌ من آراء في التفكير الديني في الإسلام، بل اجترح اجتهاداتٍ في تأويلِ القرآن، وتفسيرِ ماهية الوحي، تخرج على والمشهور والمتداوَل. ألّف أحمد خان كتباً عديدة، من أشهرها تفسيرُه للقرآن الذي اتخذ فيه منحىً تأويلياً، واهتم فيه بقراءةِ آياتِ القرآن في ضوءِ المعارف الحديثة، فقدّم في ضوء هذا المنهج فهماً بديلاً لبعض العقائد، واقترح في كتابه "تبيان الكلام" نظريةً جديدةً اصطلح عليها بـ"إنسانية الأديان".

لقد أشاعتْ آراءُ أحمد خان، ونظراتُه التأويليةُ للمفاهيم الكلامية، ودعوتُه للمذهب الطبيعي، عاصفةً من الجدل والمناظرات، أيقظتْ التفكيرَ الكلامي الساكن، وأقحمتْ العقلَ المسلمَ في شبه القارة الهندية في فضاءٍ يموج بأسئلة واستفهامات مختلفة، لم يألفها هذا العقلُ في متون علم الكلام الكلاسيكية، فانبرى للردّ على آرائِه أكبرُ حسين الإله آبادي، والسيدُ جمال الدين الأفغاني، وغيرُهم.

يرى أحمد خان أن نزولَ الوحي على النبي كان بالمعنى وليس باللفظ، أي إن المضمونَ الهي، أما اللفظُ فبشري، بمعنى أن النبيَّ محمد "ص" هو من صاغ مضمونَ الوحي الإلهي بألفاظ عربية هي القرآن. وهو رأي نسبه جلالُ الدين السيوطي المتوفى 911 ه في "الإتقان ﻋﻠﻮﻡ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ" لبعض المتقدّمين من علماء الإسلام.

وقد حاول بعضُ المفكرين المعاصرين توظيفَ هذا الرأي والإفادةَ من بعض منطلقاته، إذ تحدّث عبدُالكريم سروش في (بسط التجربة النبوية)، عن أن النبيَّ لا يتلقى الوحي على نحو يكون فيه ناقلاً سلبياً لما يصله، كما هو في معناه ولفظه، بل إن النبيَّ يتلقاه على نحو تفاعلي، تتجلى فيه شخصيتُه وبيئتُه ومحيطُه ونمطُ الثقافة السائدة فيها، وحسب سروش إن النبيَّ في تلقيه الوحيَ بمثابة النحلة التي تعيد إنتاجَ الرحيق عسلاً، لا بمثابة الببغاء الذي يكرّر ما يتلقاه كما هو.

وهكذا استلهم محمد مجتهد شبستري في "نظرية القراءة النبوية للعالم" شيئاً من عناصر فهم هذه المدرسة، التي دشّنها أحمد خان في تفسيره للوحي، واكتستْ صياغةً أعمق لدى محمد إقبال، ونضجتْ أخيراً في كلمات فضل الرحمن(1919م-1988م)، الذي ذهب إلى صياغةِ رؤيةٍ واضحةٍ لمفهوم الوحي في كتابه "الإسلام". يقول شبستري: (إن الوصول إلى اكتشاف حقيقة الوحي المحمدي مسألة "إيمانية"، أما كيف يمكن أو يجب فهم القرآن، فهي مسألة عقلانية .. إن دعواه تلخصت في أنه إنسان فذّ، وأن الله قد اختاره واصطفاه طبقاً لتجربته الشخصية، وأنه قد جعله قادراً على تلاوة القرآن من خلال الوحي. إن هذه القدرة تسمى في المصطلح القرآني "وحيا". يتضح من مجموع آيات القرآن أن دعوى النبي قد تركزت على أن ما يتلوه إنما هو ثمرة الوحي، بمعنى أنه بتأثير من الوحي يغدو قادراً على إبداع مثل هذه الآيات. الوحي في القرآن هو الإشارة والإنبعاثة التي هي فعل الله).

أما استعمالُ مصطلح "علم الكلام الجديد"، فيعود الى ظهورِه للمرّة الأولى عنواناً لكتاب شبلي النعماني (1878 – 1914). الذي أدرج فيه مسائلَ جديدةً، مثل: الدين والعلوم الحديثة،  حقوق الإنسان، مسألة الانتحار، حقوق المرأة، الإرث، والحقوق العامة للشعب، بموازاة مباحث: وجود الباري، والنبوة، والمعاد، والتأويل، وغير المحسوسات كالملائكة والوحي وغيرها، والعلاقة بين الدين والدنيا. ولا ندري هل مصطلح "علم الكلام الجديد" من ابتكار شبلي النعماني أم اصطاده من أحمد خان ولم ينوّه لذلك.

غير أن شبلي النعماني لم يشتق طريقاً بديلاً لما هو موروث في علم الكلام، ولم يجرؤ على تبني آراء سيد أحمد خان، ويطوّر طريقتَه في التفكير الكلامي، إذ توقف عند ابتكارِ العنوان شكلياً، من دون أن يجتهدَ في إعادةِ بناء المقولات، أو يشتق مفاهيمَ جديدةً في علم الكلام.

وكان محمد اقبال (1877م-1938م) أول من استأنف طريقةَ تفكيرِ أحمد خان، وترسّم نهجَه التأويلي، بمنطقٍ أعمق، ورؤىً أكثف وأبعد غوراً، فقد سعى لزحزحة علم الكلام القديم، وتمحورت جهودُه حول محاولةِ بناء فلسفة بديلة للدين، ليست مكتفيةً بذاتها، وإنما اغتنت بما استوعبته وتمثلته من معارف الآخر. وقد تنوّعت مرجعياتُ التفكير الكلامي عند إقبال، فهو تارة يستلهم مقولاتِ الفلاسفة، وأخرى يتعاطى مع خبرةِ اللاهوت المسيحي الجديد، وثالثة يستعين بعلماءِ النفس، أو الاجتماع، ورابعة ينهل من التصوف الفلسفي. وهو بذلك يتخلص من حالة الوجل والخوف حيال معطيات اللاهوت الجديد، والعلوم الإنسانية الحديثة، التي استبدّت بتفكير معظم الإسلاميين اليوم.كتب محمد إقبال "تجديد التفكير الديني في الإسلام"، وهو أولُ نصّ في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، لكن حضورَه وتأثيره مازال هامشياً في الدراسات الدينية بالعربية.

مقولاتُ هذه المدرسة- خاصة ما أنجزه محمد إقبال من فهمٍ للوحي، وختمٍ النبوة، والتجربةِ الدينية، و"الاجتهاد بوصفه مبدأ الحركة في الاسلام"- استأنفها أحدُ أبرز تيارات التفكير الديني في إيران، فبنى عليها وأعاد انتاجَها كلٌّ من: مرتضى مطهري، وعلي شريعتي، وعبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري.

وهكذا تواصلت رؤى محمد اقبال في تحديثِ التفكير الديني، بل تكاملت في مواطنه فضل الرحمن، الذي كان خبيراً بالتراث، بجوار تكوينه الأكاديمي واللغوي الخصب، واهتم بتطوير آراء اجتهادية جريئة، ومع أن آراءَ فضل الرحمن لم تبتعد عن الروح الحرّة لمحمد اقبال، لكنها لم تقلّده أو تحاكي تفكيرَه، أو تمسي صدىً لها في كلّ ما قاله، وانما تكرّست واغتنت آراءُ اقبال من خلال فضل الرحمن.

لم تحضر مدرسةُ (أحمد خان – محمد إقبال – فضل الرحمن) في التفكير الديني في المجال العربي، لأن نمطَ فهم الأخوانِ المسلمين للدين وغيرِهم من الجماعات الدينية ومنهجَهم في تفسير نصوصه، الواسع الانتشار والبالغ التأثير في المجال العربي لا يستسيغ منطقَ التفكير العقلاني العميق المركّب في فهم الدين، ولا يتذوق تأويلَ نصوصه، ولا يعرف اللغةَ الذي تتحدث بها أعمالُ هذه المدرسة في التفكير الديني الحديث في الإسلام. لذلك استعارت أدبياتُ الجماعات الدينية في المجال العربي مفاهيمَ أبي الأعلى المودودي، فنقلوها للعربية، لأنها كانت تتكلم اللغةَ التي تتحدّث بها هذه الأدبيات، وبوصفها ملهمةً لشغفهم باستعادةِ دولة الخلافة، ونبذِ مشروع الدولة الحديثة، كما نلاحظ ذلك بوضوح في كتابات سيد قطب، التي ظلّت تفكّر في مداراتها معظمُ أدبيات هذه الجماعات.

لكن تجلّت مدرسةُ (أحمد خان – محمد إقبال – فضل الرحمن) في التفكير الديني في أحد التيارات الشديدة الفاعلية والتأثير في المجال الإيراني، فوظّفت جماعةٌ من المفكرين الإيرانيين مقولاتِها وبنت عليها رؤىً محوريةً في فلسفةِ الدين وعلمِ الكلام الجديد، وعملت على إثرائِها وتطويرِها.

يعود ذلك إلى وجودِ سياقاتٍ دينية وثقافية مشترَكة للاجتماع الإسلامي في الهند وإيران، ففي الاجتماعِ الديني الإيراني والهندي تنوّعٌ موروث، وتركيبٌ يثريه تراكمُ تجارب الأديان وتلاقحُها. الأديانُ في هاتين البيئتن لا يقصي بعضُها البعضَ، تلك ميزةُ الاجتماع الديني الهندي والإيراني، الحافلَين بالتعدّد والثراء الميتافيزيقي. هناك تفاعلٌ وتأثيرٌ وتأثر متبادَل متواصل بين ثقافات الأثنيات والأديان في هاتين البيئتن، حتى إن الرموزَ والشعائرَ في هذه الأديان تتناغم فيما بينها.

وذلك ما تفتقر إليه السياقاتُ الدينية والثقافية العربية، خاصة الجزيرة العربية ومحيطها، لذلك ظلّ الاجتماعُ فيها يمثل البيئةَ الأمثل لنموِّ وترعرعِ التيار السلفي، الذي كان ومازال فقيرا ميتافيزيقيا كالصحراء في فهمِه للدين وتفسيرِه لنصوصه، وتوالدت فيه مقولاتُ وآراءُ وفتاوىً لا تنتمي لهذا العصر، ولا تحكي متطلباتِ حياة المسلم اليوم، ليس لأنها لا تستجيب لها، بل لأنها على الضدّ منها.

وغالباً ما أخفق علمُ الكلام الذي نشأ متأخراً عن عصرِ الوحي في تمثّل روح الوحي، وارتسمت فيه ملامحُ بيئةِ الصحراء الفقيرة ميتافيزيقاً، لذلك طالما لبث أسيراً للفهم التبسيطي للنصوص الدينية، وعجز عقلُه عن أن يرتقي بتأويلِ تلك النصوص، واستبصارِ آفاقها، والتوغلِ في مدياتها، وما يمكن أن تضيفه من دلالات جديدة، تبعاً لما يستجدّ من مقتضياتِ العمران، واختلافِ وتنوّع أنماطِ عيشِ الإنسان، والتحوّلِ في رؤيته للعالم.

 

عبد الجبار الرفاعي

...............

[1] الندوة الفلسفية الثالثة، كلية أصول الدين بجامعة الأزهر في القاهرة، يونيو 1991.

[2] الرفاعي، عبدالجبار. علم الكلام الجديد. ج 3 من: "موسوعة فلسفة الدين". بيروت: مركز دراسات فلسفة الدين، ط 1، 2016، ص 7 – 58.

 

anwar almosawiالمعنى: هو الحادث الأصيل الأول في الوجود هو قبل الكلمة واسبق من اللفظ وأكثر قدما من الدلالة. هو حادث وممكن في قبالة مسببه، بل هو منتجه الأول، إذ لا أول يكون قبله في (انتتاج المعنى). لكنه جوهر الحدوث وقلب الإنتاج ومصدر الكون وأصالة الوجود، وفي النهاية يرجع المعنى بسيطا بالحدوث ممكنا بالوجود إلى حيث مسببه.

التراكم الحاصل في المعاني واقصد هنا بالمعاني "الدلالات التي يشملها المعنى (كل المعاني) بمختلف حيثياتها أو أدوارها التي تؤديها وما يشملها اللفظ أيضا". لن احصر معنى في حيز القول المؤدي له، بل أنا اقصد كل ما قيل بل كل الكلمات والألفاظ وما تؤديها من وظيفة لمصداق المعنى أو لتقريبه أو لمجازيته. المطلق الوجودي هنا بكل ما يعنيه الأطلاق من مفاهيم ذات معاني وألفاظ دالة على المعنى.

ستجد هنا تركيبة جذرية أصيلة وهي التي أعنيها بـ "المعنى" المعنى هو أصل الاشتقاقات كلها، الحاجة إلى المعنى هي ما أدت إلى الحاجة إلى التفسير والى التعبير والى التأويل. سير البشرية منذ الأزل كان بالأصل هو البحث عن جذرانية المعنى، لذلك وجدت أشباه معاني كانت تدل في شيء منها إلى المعنى الأصل لكنها لم تكن هي عينه. حتى السلسة التطورية للإنسان في عبادة الاله المتعددة والبحث عن التسميات المختلفة لتلك الإلهة هي كانت نتيجة الحاجة لكن الحاجة إلى ماذا؟ الحاجة إلى المعنى الذي هي متعطشة له. كل ذلك ما كان إلا محاولة التشبث بادراك ذلك المعنى. كل ما خرج من تطور كان يفسر على أسس اختلفت في انطلاقاتها ومشاربها لأصل الوجود وأزليته أو حدوثه أو صناعته كما شئت عبر، وفقا لأي نظرية ممكن أن تقرأها أو تتبناها ماهي إلا امتدادات فرعية لمعنى جوهري انطلقت منه كل تلك النظريات.

انه المعنى الأصل الذي تراكمت من حوله "أبنائه من الأفكار والفلسفات المختلفة" وأنتج منه اللفظ والقراءات والنظريات، التي أسست بعدا فلسفيا وفيزيائيا لكل ما موجود هنا، كان ذلك من أصل جذر المعنى المغيب باللفظ والأثبات، الحاضر بالوجدان والتفكير دون وعي له.

كل الامتدادات التي طورت حقل البشرية كانت مستندة على جذر غير مقروء أو مسموع، لكنه نبضي فعال في الذاكرة خارج عن اللفظ "داخل في الوجدان" متأصل في العقل بل هو نواة ذلك العقل الذي وصل إلى ما وصل اليه اليوم من تطور وإمكانيات.

انه المعنى الذي أفاض بلا لفظ على الألفاظ بلا دلالة على كل الدلالات بلا حس على كل الماديات بلا اشتقاق على كل الاشتقاقات. المعنى هو الذي أنتج لهيغل ولكانط ولنتشه ولباسكال ول ديكارت ولديدرو لماركس الديالكتيك ولبروليتاريا والمادة وللتوحيدين الروح والجسد كلهم كانوا يدورون في فضاء ذلك المعنى وانبثقت منه التراكمية العقلية والكلامية والميتافيزيقية فشكلت طبقات تراكمية من الألفاظ والمعاني الأخرى جذرانيتها في المعنى الأصيل.

المعنى ليس محصور في أزمة زمن ولا في حدود عقل واحد ولا في جهة دون أخرى انه لغة الأبدية التي تراكمت حولها كل القراءات وخرجت منها كل الألفاظ.

اللامتناهية "الوجودية" في المعنى والذي ولدت كل هذه التجارب وبنت هذه الطبقات الأحفورية من الكلام والتنظير والمفاهيم المادية منها، والروحية القطعية منها، والظنية. المعنى أب لكل هؤلاء. هو الذي أنتج المعرفة وأنتج اللغة وأنتج التفاهم وأنتج الفلسفة والتفكير بل هو الملازم الوحيد للعقل بل هو أقدم رتبة حتى من العقل فلو لم يكن معنى لم يكن هناك دور للعقل. هو ملازم للعقل في تيهه وهو المرشد له في تساؤلاته. هو ليس معان متعددة بل هو واحد متفرد حسي وجداني لا يمكن أن ينذكر بوصف أو نقف عليه بدلالة، نحن نستدل على أذرعه التي خرجت منه نستدل على مجمل اللغة من الجذر الذي فاض على الوجود (الدارونية وتجاربها، والتصميم الذكي استدلالاته، وعلى العشوائية والوثوقية والقدرية كل ما استنتجه العقل).

نحن الأن في عصر تراكمية كل المعاني، تشابكت الآراء والنظريات فيه، تطورت وأخذت تتمحور كل صنف في حيزه ويعمل وفقا لمدلولاته القطعية. ساترك الأمر هكذا يسير تنازليا ابتدائيا من الأن وحتى الأنسان الأول أو البدائية الأولى أو المشاعية أو ما شئت عبر لا يهم. فالنتيجة عندي ستكون واحدة سواء كانت هيغيلة أو ماركسية أو كانطية أو دارونية أو توحيدية. الطبقات التي تكونت نتجة المعنى الأصيل الذي خرجت منه كل تلك النظريات، تعني لي شيئا واحدا أن كل شيء بات في "قبضة الأصل الذي انطلقت منه كل الألفاظ والأفكار والإيمان والإلحاد". إن المعنى على درجة عالية من اللاحدودية، إلى درجة انه يسمح أن تتشكل من حوله كل المتناقضات الفكرية واللغوية واللفظية والفلسفية والإنتاجية فهو ملهم يتجلى إلى كل المعاني المجازية التي واكبت سير البشرية وأقوال الفلاسفة ونظرياتهم وتجليات الوجود وتشعباته.

المعنى الأصيل أو الجوهر النقي للمعنى، لا يحتوي شكلا محددا في اللفظ ولا يحتوي على دلالة معينة ولا إلى مضمون محدد، بل هو إطلاقة جوهرية.

ومضة وجود، فأفاضت اللغة وأفاضت التعبير وأفاضت الحاجة وأفاضت الدلالة وأفاضت التفكير وأفاضت الابتكار وأفاضت النظريات وأفاضت التفسيرات وإفاضة المنطق والكلام والفيزياء والعلوم وأفاضت الأديان بمختلقها. حتى الإلحاد هو من ذلك المعنى، إذ انه جزء من الفيوضات التي خرجت من جذرية الجوهر المعنوي الأصيل. المعنى يحتضن (الديالكتيك نفسه، المعنى يحتضن التوماس الأفلاطوني، والمعنى نفسه يحتضن الإرادة ورغبة الاعتراف لدى هيغل، المعنى يحتضن الماركسية ويحتضن الملحدين ويحتضن التوحيديين، المعنى هو الذي اشتق كانط كل ما امتلك من رؤى، والمعنى نفسه هو الذي انتج لفولتير الحكم، وهو نفسه الذي مكن دولباخ من كل هذا رغم انه شتته في النهاية)، وشتت الكثيرين مثله. لان في "لامحدودية جوهر المعنى" (حدود عندما تصل إلى عمق معين فيها تصطدم لديك المتناقضات والإشكالات الوجودية أو الوهمية وحيث أنت ليس كالمعنى الأصيل الجوهري لذلك من المؤكد اجتماع الأضداد في معانيك المجازية واللفظية وطرق المقاربات التي تحصل عليها من التفكير الذي هو ناتج من أصل ذلك المعنى الأحفوري سوف لن تتحملها تعيش التيه والتساؤل وكأنك ترجع إلى مبغاك الأول في الانطلاق! وهذا حال الكثير من الفلاسفة وليس دولباخ على نحو الحصر).

الطبقات الجيولوجية للمعنى ماهي إلى مجاز المعنى الأصيل، كل ما خرج من تأسيس وجودي ما هو إلى فيوضات فرعية عن ذلك المعنى.

العلم والتكنلوجيا والفن والمسرح والأدب والمجتمع والحضارات وكل شيء ما هو إلا نتاج المعنى.

المعنى ليس جمع وليس مفرد المعنى ليس كلمة وليس فعل المعنى ليس شكل وليس لفظ المعنى ليس "إله وليس الله" المعنى جوهر أصيل تنازلت كل الحروف عن توصيفه أو شرحه لأنه بلا معنى واصف له. لكنه السر الذي أنتج كل ما ترى على امتداد البشرية وحتى نهاية الإنسان الأخير.

لا أتكلم هنا عن المعنى بوصفه إله، أنا أتكلم عن وجودية وحادثيه المعنى في الميتافيزيق وليس الوظيفة الوجودية. فالأمر مختلف من حيث الحدوث ومن حيث الوظيفة التي قام بها المعنى في الوجود، فهو هنا لا متناه ضمن حدود الإمكان، الجوهرية للمعنى هي التي تقودنا إلى الخالق كونها بكل تلك الإطلاقات، لكنها في قبالة الأطلاق السرمدي مفتقرة وناقصة الكمال، حيث نستدل على معلوليتها من خلال رجوعها إلى أين؟ فتلك نتيجة جميلة أنها ترجع إلى لامتناه أوسع منها أكثر سرمدية وإطلاق. لكنها الصادر الأول. فلابد من منتج أزلي بحدود (القلة المفردة واللا عددية لذلك المعنى) ترابط ممكن أزلي بينه وبين خالق، انفصل بالإرادة وشكل الوجود. ومنه تشكل ما بعده. أفاض المعنى على كل شيء، تلك الحيوات المتعددة وتلك الأفكار والتطور والنضج. المسؤولية هنا هي مسؤولية المعنى وإرادة المعنى وتصرف المعنى وتأويلات المعنى وصراع المعنى ومادية المعنى والطبيعة الكونية لكل شيء هي من أصل المعنى الذي خرج منه كل شيء وتأسس على فيضه كل شيء فهو الحادث الوجودي الأول وهو الجامع الأخير لكل ما نتج منه.

بل حتى الوحي في الدلالات الدينينة ما هو إلا أحد أذرع المعنى. والكتب السماوية وماوصلت اليه الديانات التوحيدية بجمملها هي اذرع المعنى، التوراة اذرع المعنى، الانجيل اذرع المعنى، القران والسنة احد اذرع المعنى المجازية النسبية.لم يكن فيها كل شيء بل هو شيء مما افاضه المعنى من كلياته العميقة.لذلك لامعنى حقيقي بل ما نتوصل اليه او ما يصلنا هو مجازات واشكال وصور متعددة للمعنى الأصل، للمعنى الجوهر فحسب.

الطبقات:

لكل منطلق أو فرع من المعنى الأصيل الجوهري الذي تم من خلاله الوجود، أصبحت هناك طبقات جيولوجية من المعاني لكنها رغم عمقها فهي مجازية في قبالة الأصل (المعنى) لأنها ليست هو، بل أحد أشكاله، نظرياتها مجازية أفعالها نسبية نتائجها لا مطلقة حتى الكيمياء والفيزياء...الخ وكل هذا الكون بكل ما فيه ما هو إلا مجاز صوري للجوهر الأصيل الذي انطلقت منه هذه الإنجازات.

نحن أمام تراكم فرعي كبير للمعنى وليس أمامنا إلى أن نتيقن أن الشمولية الجامعة لهذه النظريات ولهذه الإشكاليات ماهي إلا فرضيات دون الواقع، بل نسبية الدلالة، وان كانت اليوم مطلقة. لكنها فرعية عن أصل جذري جوهري. كل تلك الأفكار والاختراعات بل ما أعنيه هنا بكل شيء هو وليد المعنى الأصيل الجوهري. هنا في حيز المعنى المجازي تبتعد كل الدلالات والأفكار والجدليات وتتصارع ويقتل بعضها بعضا وتتغالب فكريا في اغلب الأحيان.

إنها متناقضة لا يمكن جمعها ومن المستحيل جمع الأضداد مثل الأيمان والإلحاد مثلا، أو مثل المادية والتوحيدية.

إلا ما ندر وفي سياقات اغلبها رمزي. لكنها تجتمع في صوت ذلك المعنى الذي خرجت منه. في لحظة انعتاق زمني ستتوحد التناقضات وكل شيء في تلك اللحظة المفصلية في عالم ما بعد المجاز. انه عالم الصمت عالم اندماج وتوحد الفروع بالأصل عالم رجوع كل اللغة واللفظ والفكر والتناقض والتضاد والاختراع والإبداع ... الخ إلى أصله إلى جوهره، وهو المعنى الكبير الجوهر الأصيل الذي سيحتضن كل شيء مثلما خرج منه سيرجع اليه، ولا عقاب على النظريات أو الأفكار أو الطروحات أو التبني لأنها فروع ذلك المعنى التي رجعت متحدة مع الأصل.

نحن أمام انتقاله مفصلية في توحيد رؤية البشرية أمام ميثولوجيا جديدة أو رومنطيقية حديثة، لكنها مختلفة عن صياغة ما نعرفه، إننا أمام توحيد المتناقضات وتوحيد الأفعال وأشراك الأضداد ودمج الفكر بالفكر والعقل بالعقل والايدلوجيا بالايدلوجيا المقابلة. إنها لحظة تحرر الاختلافات وتفسير التطور والتحول إنها لحظة المعنى، التي سيذوب بها كل ذلك وتمتزج معها الفروع لترجع إلى أصالتها البسيطة. لا عقاب في المعنى لا إثر مترتب بتوبيخ المستخدمين لفروع المعنى وتفويضاته لأنه هو من أصدرها.

تجليات المعنى:

كما أشرت سابقا فان الوجود هو من أصل المعنى وكل ما نتج من الوجود هو كان انبثاقه فرعية لذلك المعنى الأصيل الجوهري، أما تجليات المعنى فهي تأخذ مسارين.

الأول: مسارمن سنخية ذلك المعنى واحد أذرعه وفروعه اللفظية والكلامية والسجالة والعقلية وهو مسار العقل

الثاني: مسار الفعل لتجليات ذلك المعنى وفروعه وما خرج منه، هنا وقع (الشر والخير) في مسار الفعل لأنه احتمل الإرادة والتطبيق، ومنه حصلت الكوارث ومنه اشتقت العقلانية. مسار الفعل في الخير وإرجاعه إلى حيث الجوهر الأصيل في المعنى، أما مسار الشر لدى البشرية فهو المسخ المشوه لجوهرانية ذلك المعنى. الإرادة الأنانية المتعلقة بالمعاني هي من انتتجت الشر ووظفت أدوات المعاني الأخرى لصالحها فصممت مسخا للمعاني وارتكزت عليها في الإنتاج لكن الحقيقة أنها ليست من المعنى الجوهري في شيء، هي معاني مشوهة من تصميم الإرادة الأنانية للبشر من خلال توظيف مدلولات فرعية المعنى، لكن بعد مسخها وتحويلها إلى أدوات للصراع.

تجليات المعنى الجوهري الأصيل والتي تأخذ المساريين التي سبق ذكرهن وبكل ما تحويه من فروع وانشطارات، تتمحور في (لعقلانية في اللفظ والعقل أو في الفعل والإرادة فهي نهاية المطاف هي أخر عقلانية لصور ذلك المعنى، هي الفعل الأخير والإرادة الأخيرة لمجمل الوجود وكينونته، المسار النهائي للمعنى في طريقه بهذا الوجود. لكن بعد أن يصل المسارين إلى ذروتهما العقلية والفعلية في الصراع والاشتباك بالمفاهيم، وتغالب الإرادات الجمعية لدى البشرية، وحتى نهاية ذلك المطاف والطواف حول كعبة المعنى الجوهري، وحول مسوخه المتشكلة، ستولد العقلانية النهائية الأصيلة. عندها سينتهي كل شيء وقد تكون هذه العقلانية النهائية هي نهاية كل شيء أو لا يوجد عندها شيء!

 

انور الموسوي 

 

hasan zayedتعد قضية النزاع بين الأصالة والمعاصرة من القضايا المهجورة علي المستوي الفكري، الموجودة حية متحركة فاعلة علي أرض الواقع المجتمعي في المجتمعات الإسلامية . ذلك النزاع / الصراع الذي شهدته مصر في القرن التاسع عشر، الذي يمثل بدايات المد التنويري، والذي يحلو للبعض أن يطلق عليه المد التغريبي ـ نسبة إلي الغرب ـ  وظهور الخصومة، ومظاهر الإشتباك بين التوجهين، مع بدايات القرن العشرين . وقد كانت هناك العديد من المؤلفات، التي صدرت لمعالجة هذه المعضلة في الشخصية المصرية، ولم تنته هذه المؤلفات إلا لحلول توفيقية تلفيقية، فشلت في المزاوجة بين التراث والمعاصرة، ولم تقدم خطوة في سبيل الحل، وإن كانت قد أسهمت علي نحو أو آخر، في تأخرنا خطوات . لأنها في الأصل فشلت في تشخيص الداء، ووصف ما يناسبه من دواء . ومعظمها كان يلف ويدور حول القضية لشد الإنسان في الجهة المنشودة، دون علاج حقيقي لحالة الفصام التي تعانيها هذه الشخصية، والتي كانت لها أصدائها في أرض الواقع . مثل تلك الكتب التي تتحدث عن الإقتصاد الإسلامي، والمحاسبة الإسلامية، والإدارة الإسلامية، وعلم النفس الإسلامي، والتي كنا حين نقرأها لا نجد فيها سوي كونها أفكاراً عصرية، تم إلباسها زياً إسلامياً، من باب التلفيق، والتلبيس علي الناس خدمة لتوجه معين . أما كتب التنويريين فقد كانت مدفوعة بطبيعتها، ومطاردة استناداً إلي فكرها، المضاد لفكر الدين، علي المستوي النفسي علي الأقل .

وقد نتج عن هذا الفصام تقسيم المجتمع إلي ثلاث فئات فكرية :

 الفئة الأولي : وهي تلك الفئة التي تتبني توجه يقتضي ترك الماضي وراء ظهورنا، بما يحمله من أعباء تراثية تثقل الأقدام، وتعيق التحرك إلي الأمام في محاولة لاهثة لمواكبة العصر . وتواجه هذه الفئة بنكران دعوتها، واتهامها بالكفر والزندقة، ومحاولة التحلل من الدين الإسلامي . وهذه الفئة تجد سندها فيما حدث في عصر النهضة الأوروبية، وعصور التنوير، حيث جري إقصاء الدين عن معترك الحياة، وحصره داخل الكنائس، وجعله فقط علاقة بين العبد وربه، لا علاقة للمجتمع به، ولا علاقة له بالمجتمع .

وهذه الدعوة تجد مقاومة، أو بعض مقاومة، من مجتمعاتنا، لأنها لا زالت تحمل في جهازها المناعي، ما يحول دون التحلل الأخلاقي، والإنهيار القيمي الثقافي الحضاري، الذي تحمله بذور هذه الدعوة . فضلا عن التشكك في نوايا الدعاة لهذه الفكرة، باعتبارها دعوات مشبوهة،لا تخلو من فيروسات الإستخراب ـ الإستعمار ـ القديم لمجتمعاتها وأراضيها .

الفئة الثانية : وهي تلك الفئة التي تتبني الدعوة إلي التشبث بأهداب الماضي، بما يحمله من أفكار تراثية، ونصوص دينية مقدسة، والعض عليها بالنواجز، لأنه لا صلاح لآخرهذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها، وأن هذه الأفكار التراثية، والنصوص المقدسة، قد جاءت، لا لتعيش مع العصر، ويعيش العصر معها، بل لمواجهة مستجدات العصر، والوقوف في مواجهتها وقوف المتربص بها، باعتبار أنها من الأمور البدعية التي مآلها في النهاية إلي النار، ويتعين تحذير الناس منها .

وتستهدف هذه الفئة إما جرنا إلي الخلف لنعيش عصر الصحابة والتابعين، ونتخلي عن العصر الحالي بمكتسباته، ومستجداته، وأفكاره وتوجهاته، ونتجمد في هذا الإطار، ويجري تثبيت الصورة عند هذا المشهد، دون تخطيه إلي مشاهد أخري، تخطاها العالم من حولنا، حتي وصل إلي المشهد الأخير . أو جر هذا الفصل التاريخي من الماضي، وإحضاره إلينا بمشاهداته الفكرية والسلوكية، حتي نعيش في كنف عصر الصحابة، بأدوات وأساليب الحياة المعاصرة .

ومبرر هذه الفئة في دعوتهم، مكمنه ذهابهم إلي القول ـ ونحن معهم ـ أن عصر الصحابة هو عصر الكمال البشري، فيتعين الذهاب إليه أو استدعائه . وكأننا نعجز عن إقامة هذا الكمال في أنفسنا بأنفسنا، كما أقامه الصحابة في نفوسهم بأنفسهم، مع أن ما كان بين أيديهم، هو ذاته ما بين أيدينا، مضافاً إليه التراكم المعرفي الذي تكون لدينا بفعل مرور الزمن، ولم يكن لديهم .

ونتج عن هذا الفصام النكد بين الفئتين، وجود من لا يعيش الإسلام إلا باسمه، ووجود من لا يعش العصر إلا برسمه .

والفئة الثالثة:وهي الفئة بين الفئتين، وهي تمثل فئة الراقصة علي السلم، التي لا هي التحقت بهؤلاء، ولا بهؤلاء . ولا وجدت لنفسها سبيلاً وسطاً تسلكه دون الفئتين الأخريين .

والإشكالية الفكرية في هذا الصراع في أن النظرة التنويرية التغريبية التي تري الحل في محاكاة الحضارة الغربية، محاكاة تفصيلية، حرفاً بحرف، وفعلاً بفعل، تفضي إلي إنسحاق كامل للحضارة الإسلامية، وإقصائها، وتحويلها إلي صورة كربونية ممسوخة شائهة للحضارة الغربية . وهذا ما يجد مشاعر دينية عدائية من مجموع العامة .

 والنظرة السلفية الماضاوية تري الحل في محاكاة مرحلة تاريخية معينة، وهي فترة الصحابة، محاكاة تفصيلية، حرفاً بحرف، وفعلاً بفعل، الأمر الذي يفضي إلي تكرار ذلك النموذج، حيث يعيد الخلف نموذج السلف أبداً، والوقوف عند مشهد التكرار نذير بالضعف، مهما بلغ هذا النموذج من كمال، لأن الكمال نفسه إذا تجمد عند مشهد بعينه، أصابه التآكل والنقصان والضعف، وربما أفضي الضعف بالضرورة بالحضارات المحاكية لسوابقها إلي الفناء .

أما الإشكالية الأكبر والأخطر، التي نواجهها، هي في انتقال هذا الصراع من المستوي الفكري، إلي مستوي الواقع المجتمعي، واستبدال سلاح القلم، بسلاح الكلانشيكوف، والمتفجرات، والأحزمة الناسفة .

فهل إلي الخروج من هذا المأزق من سبيل؟ .

 

حــســــــــن زايــــــــــــد

 

mutham aljanabi2إن الشخصيات الكبرى كبيرة أيضا بتناقضاتها. إلا أن لهذه المتناقضات مستوياتها وأنماطها. كما إن لكل منها مقدماتها ومصادرها. من هنا تنوع آثارها ونتائجها. ولعل مفارقة التناقضات المميزة لإنتاج طه حسين تكمن في ضعف فاعليته المعرفية. من هنا مفارقة شخصيته الكبيرة بحد ذاتها. بمعنى إننا نقف أمام شخصية كبيرة بمعايير الوعي العادي والمشهور، لكنها عادية بمعايير العلم الدقيق والمعرفة المحققة. من هنا تناقض أثرها الثقافي، وذلك لأنها مازالت تنتج وتعيد إنتاج تقاليد النقد المبهرج وأوهام الغفلة التاريخية التي طبعت تقاليد مرحلته ومازالت تطبع ثقافة "الإنسان العادي"، أي الأكثر انتشارا بين متعلمي المرحلة الحالية. وفي الوقت نفسه مازالت تحتل موقعها المتميز في كوكبة المرجعيات الفكرية للثقافة العربية الحديثة. الأمر الذي يجعل منها نموذجا كلاسيكيا لهيمنة الثقافة العادية وضعف الوعي النظري وخلل الفكر المنظم. وقد يكون استلابه الفكري والمنهجي والثقافي أيضا احد المصادر الكبرى لهذا التناقض العقيم!

وسوف اتخذ من مقاله الذي قدم به لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نموذجا للكشف عن هذه الجانب المهم في نقد تراث طه حسين، وبالأخص ما يتعلق منه بفهم مضمون تراث الأقدمين وكيفية تفسيره والنتائج المترتبة على ذلك فيما يتعلق بكيفية تأسيس الوعي الذاتي التاريخي والثقافي.

ففي هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان (في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) يتطرق طه حسين إلى شخصية الجاحظ. وفي معرض موقفه من تقاليد البيان العربي وعلاقته بالبيان الإغريقي، حاول "البرهنة" على إن تصورات الجاحظ كانت سطحية عن بلاغة الشعوب الأخرى، استنادا إلى فكرة الجاحظ نفسه، الذي جعل البلاغة للعرب لا لغيرهم.

إن سر الخلل في هذا الفهم والتقييم والتأويل يقوم في ما أسميته بالاغتراب الثقافي لطه حسين من جهة، وجهلة بتاريخ ومضمون الفكرة التي وضعها الجاحظ، من جهة أخرى. إذ لم يفهم طه حسين مضمون فكرة الجاحظ. من هنا اعتقاده، بان المقارنات التي يقدمها الجاحظ بين الشعوب والأمم و"تفضيل العرب" على غيرهم في مجال البيان (البلاغة) كان مجرد جزء من صفته المتميزة بحب المفارقة والإغراب وعلى حماسة متقدة صادقة في الانتصار للعرب على خصومهم من الأعاجم، تؤدي به إلى التناقض أحيانا[1]. أما في الواقع، فأن دراسة وتحليل شخصية الجاحظ وإبداعه الفكري الهائل، تكشف عن مدى سطحية وهشاشة هذا الحكم والموقف. إضافة إلى تعارضهما الصارخ مع الصفات الجوهرية التي تميز كتابات الجاحظ نفسه.

فقد كانت الجاحظ ابعد المفكرين والأدباء والمؤرخين والمتكلمين عن حب المفارقة والإغراب (على عكس طه حسين بالضبط)! كما انه لم يتميز "بالحماسة المتقدة والصادقة في الانتصار للعرب" وما شابه ذلك. إذ ليس هذا الحكم في الوقع سوى الصيغة المعكوسة للفكرة الشعوبية (العرقية المتطرفة). وبالتالي ليس موقف طه حسين هذا سوى الصيغة المقلوبة التي تستعيد بدون وعي أو بفعل التراكم الخفي للمدرسة الأزهرية، بقايا الاشمئزاز أو العداء الخفي للمعتزلة. ولم تستطع حتى شخصية مثل الشيخ الإمام محمد عبده من التخلص منها، رغم وضعه هذا الخلاف ضمن سياق الصراع التاريخي الفكري والثقافي بين المعتزلة والأشاعرة. لكننا نعثر على اندثار شبه تام له في منظومة الرؤية الإصلاحية والموقف من الإصلاح والشخصيات الإصلاحية كما وضعها في آخر رسائله (رسالة التوحيد). أما الصورة والصيغة الأولية المتطرفة للاتهام "بالشعوبية" (النزعة العرقية المتطرفة والعدائية)، فإنها تعود، من حيث تأسيسها النظري لابن تيمية.

وفيما لو تركنا جانبا هذه القضية، ورجعنا إلى قضية الجاحظ وتقييمه عند طه حسين، فان الشيء الأكيد والدقيق الذي يمكن قوله بهذا الصدد يقوم في أن الجاحظ كان مفكرا صادقا تجاه الحقيقة أولا وقبل كل شيء. وبالقدر ذاته كان الجاحظ متقدا في دفاعه عن العقل والإخلاص فيه حتى النهاية. إضافة إلى نزعته الإنسانية والنقدية الرفيعة. إذ ليس هناك من شخصية فكرية إسلامية دافعت عن مختلف الشعوب والأجناس والمهن وغيرها أكثر من الجاحظ. وتكفي هنا الإشارة إلى سلسلة الكتيبات والرسائل العديدة التي وضعها بهذا الصدد (عن الأتراك والسودان وأصحاب المهن والغواني وأصحاب العاهات وكثير غيرها). وهذه بدورها لم تكن نزوة عابرة مرتبطة بحب المفارقة والإغراب وما شابه ذك من اتهامات لا أساس لها، بقدر ما كانت نتاجا لعقيدته الفكرية والفلسفية. فقد كانت حقيقة الجاحظية بوصفها مدرسة معتزلية متميزة، مرتبطة بتأسيسها الخاص لفكرة الإرادة العقلية، وعقلانية النزعة الإنسانية وطابعها النقدي.

أما الموقف من "بلاغة العرب" كما وضعها الجاحظ، فانه كان جزء من تقاليد وعي الذات الثقافي التاريخي من جهة، وتطور الرؤية الانتروبولوجية الثقافية وتصنيفاتها التي تراكمت بفعل صيرورة وتدقيق مناهج البحث الموسوعي للأديان والفلسفات والأمم من جهة أخرى. بعبارة أخرى، إن عبارة "العرب أهل البيان" هي فكرة عامة مجردة نابعة من تراكم وتداخل الرؤية الانتروبولوجية الثقافية والموسوعية المتفحصة (النقدية) لتجارب الأمم بوصفها تجارب إنسانية متنوعة. لقد كانت هذه الفكرة جزء من تطور الرؤية المقارنة للثقافات والأمم، وتنوعها واختلافها من حيث النموذج أو المثال أحيانا، وليس حقيقتها الدائمة أو الثابتة. لكنها تحتوي بالقدر ذاته على رؤية تاريخية ثقافية ملموسة. فالصورة الشائعة عن مهارة أهل الصين في الصناعة والحرفة جعلتهم يتحولون إلى "ممثل" الصناعة والحرفة. ولا يعني ذلك انعدام الحرفة أو قدرة الأمم الأخرى على الحرفة والصناعة. فقد كانت الحرف والصناعات المتطورة آنذاك في عالم الخلافة، أي أنها كانت أكثر رقيا من الصينية بما في ذلك في البناء والعمران. ومن الممكن هنا الإتيان بالمقارنة التي يوردها الغزالي في كتاب (ميزان العمل) بين أهل الصين وأهل الروم. حيث نراه يصور الخلاف بينهما بالشكل التالي: "حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير بين يدي بعض الملوك. فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا، ويرخي بينهما حجاب بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه. فإذا فرغوا رفع الحجاب ونظر إلى الجانبين، وعرف رجحان من الراجح من الفريقين. فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر، ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ. فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين، بأنهم فرغوا أيضا. عندها قال أهل الروم:

- كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ ولا اشتغلتم بنقش؟

- ما عليكم! ارفعوا الحجاب وعلينا تصحيح دعوانا!

فرفعوا الحجاب، وإذا بجانبهم وقد تلألأ فيه جميع الأصباغ الرومية الغريبة. إذ كان قد صار كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء. فازداد حسن جانبهم بمزيد الصفاء، وظهر فيه ما سعي من تحصيله غيرهم"[2].

إننا نعثر في هذه المقارنة على بقايا الصيغة الشائعة (الانتروبولوجية الثقافية والرؤية الموسوعية) التي وظفها الغزالي كنموذج أو مثال لتبيان أساليب المعرفة المتنوعة، الظاهرية والباطنية عبر جلاء القلب وتحويله إلى مرآة الوجود. بعبارة أخرى، تعكس هذه المقارنة في رمزيتها أيضا تصورات الثقافة السائدة في أوساط المفكرين المسلمين، المترتبة أيضا على مركزيتهم الثقافية آنذاك. فقد كانت الثقافة الإسلامية آنذاك في مركز الكون التاريخي والثقافي العالمي، من هنا مركزية رؤيتهم، أي تحررها من أي شيء باستثناء ملاحظاتهم الدقيقة لنوعية تجارب الأمم وليس خصائصهم الثابتة. وضمن هذا السياق يمكن فهم الموقف المصنف لأهل الروم (بيزنطة) والصين باعتبارهم أهل حرفة وعلوم عملية. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن يعتبر الجاحظ أن اليونانيين علماء بينما الروم صنّاع. وقد دعاهم قبله ابن المقفع، بأصحاب البناء والهندسة. وإذا كان التوحيدي يعتبر أهل الروم "أهل العلم والحكمة" فلأنه كان يطابق في الواقع بينهم وبين اليونان. بينما اعتبرهم ابن صاعد الأندلسي "حكماء أجلاء وعلماء بالفلسفة".

مما سبق يتضح، بان الثقافة الإسلامية قد اتفقت في اغلب تقييماتها على إقرار صفة الروم العملية، أما إبقاءها صفة أهل الصين العملية، فقد كانت اقرب إلى بديهة لا تقبل الجدل. فقد دعاهم الجاحظ "بالصناع"، ووصفهم ابن المقفع بعبارة "أصحاب أثاث وصنعة"، بينما وضعهم ابن صاعد الأندلسي ضمن صنف الأمم العملية لا العلمية (الفلسفية) مشددا على "حذاقتهم الصناعية". وإذا كانت هذه الأحكام دقيقة ضمن سياقها التاريخي، فان ما هو جوهري بالنسبة للغزلي، على سبيل المثال، كان يقوم في رمزية المقارنة لا طبيعتها الواقعية. ذلك يعني إننا نقف أمام صيغة ومستويات متنوعة بما في ذلك من حيث توظيفها ضمن معايير وموازين الثقافة وتقييماتها آنذاك.

والشيء نفسه يمكن قوله عن فكرة "العرب أهل البيان" وكثير غيرها مما جرى وصف الأمم به، باعتبارها الصيغة التي أبدعتها الثقافة الإسلامية في محاولاتها تصنيف وتقييم تجارب الأمم والحضارات. وهو أمر جلي في إبداع ونتاج الثقافة الإسلامية في موسوعاتها النظرية الكبرى المتعلقة بتاريخ الأديان والأفكار (علم الملل والنحل) والأمم (طبقات الأمم). فكما تلازمت فيها الصيغ القائلة، بان أهل الروم والصين أهل صناعة وحرفة وعلوم، أي اقرب إلى العلوم العملية، تلازمت أيضا صيغة كون العرب هم أهل بلاغة وخطابة وبيان. في حين أن الإغريق أهل فلسفة وعلوم، والفرس أهل أدب وسياسية، والترك أهل فروسية وشجاعة.

وبغض النظر عما في هذا التصنيف من حدود لم تعد مقبولة في الظرف الراهن، إلا أنها تعكس مذاق الثقافة ونوعية إدراكها آنذاك، بوصفها تجارب تاريخية. والأحكام التاريخية ليست منطقا ولا بديهة. وهي الفكرة العظمى التي وضعتها الثقافة العربية الإسلامية في محاولاتها استكناه وإدراك حقيقة الحكمة وحدودها، أي تقديم خطابها بمعايير البيان الثقافي الذاتي وليس بعبارة البيان المتغرب عن أصوله الثقافية، أيا كان شكله ومحتواه.

بين بلاغة الاستلاب وبلاغة الوعي الذاتي

إنني أسعى هنا لإجلاء الضعف الفكري في الأحكام السريعة والعجولة التي يطلقها طه حسين في مختلف الميادين، أي فقدان أحكامه وتقييماته إلى أسس علمية ونظرية دقيقة. وكذلك للكشف عن أن السبب الجوهري القائم وراء كل ذلك يكمن في تداخل وتفاعل الخلل المنهجي والاستلاب الثقافي.

فالأحكام التي يطرحها طه حسين بصدد شخصية الجاحظ وتاريخ وماهية البيان العربي، تكشف عن احد النماذج الجلية بهذا الصدد. وذلك لأنها تكشف عن نوعية الذهنية والمنهج بقدر واحد. وعموما أن الشخصية الكبيرة واحدة من حيث الجوهر، باستثناء مرحلة التراكم الأولية. وما أتناوله هنا هو نتاج مرحلة النضوج الكبرى.

فقد توصل طه حسين في مجرى تأملات السريعة وأحكامه الجازمة الى ما اسماه بجهل الثقافة العربية الإسلامية لمضمون البيان والبلاغة والخطابة اليونانية كما بلورها أرسطو في كتابه (الخطابة). وضمن هذا السياق توصل الى القول، بأن الجاحظ هو احد نماذج وعصارة هذه الجهل الذي جعله يقول بان "العرب أهل البيان". وقد برهنت في المقالات السابقة عن خلل هذا الحكم وسطحيته من الناحية الفكرية والنظرية والتاريخية والثقافية.

واستكمل في هذا المقال توسيع وتعميق هذا النقد من خلال الكشف عن الأسس النظرية والفلسفية والثقافية القائمة وراء هذه الفكرة بوصفها جزء من تطور ذهنية التصنيف الملازمة للمركزية الثقافية الكونية بشكل عام والعربية الإسلامية بشكل خاص. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن صيرورة الثقافة العربية الإسلامية وتنوع تجاربها بهذا الصدد.

ففي مجرى الجدل التاريخ الثقافي والفكري عن "الأمة" توصلت التجربة الدينية للإسلام عن الأمة في أحد نماذجها الرفيعة إلى فكرة وحدة الأديان. أما تجاربها الدنيوية فقد أوصلتها إلى إبداع نماذج عديدة عن الأمم شكلت مساهماتها العلمية معيارا لتحديد هويتها الحقيقية.

وفيما لو أجملنا حصيلة هذه التجارب النظرية (الدنيوية) في تحديد الأمم، فأننا سنعثر على خمسة أنماط كبرى. وبالاستناد إليها جرى تقسيم الأمم على أساس جغرافي، وآخر إبداعي، وثالث ذهني، ورابع مذهبي، وخامس علمي - فلسفي.

إذ أدرجت في التقسيم الجغرافي نوعان، الأول مبني على أساس تقسيم العالم إلى أقاليم سبع الجوهري فيه إظهار ما أسموه باختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن. أما التقسيم الثاني فقد وضعته بحسب الأقطار الأربع التي هي الشرق والغرب والشمال والجنوب الجوهري فيه إظهار ما أسموه باختلاف الطبائع وتباين الشرائع.

أما التصنيف الذي وضعوا فيه معيار "الإبداع المتميز"، (وهو التصنيف الذي ينبغي فهم عبارة "العرب أهل البيان" ضمنه، كما دافع عنها الجاحظ) فقد انطلقوا فيه من تقرير حجم المشاركة الجدية للأمم الحضارية الكبرى آنذاك، في التاريخ الإنساني. لهذا قال البعض مثل ابن المقفع، بان كبار الأمم الأربعة هي العرب أهل الفصاحة والبيان، والعجم أهل السياسة والأدب، والروم أهل البناء والهندسة، والهند أهل العقل والسحر. وقد شاطر الجاحظ هذه الفكرة بإضافة أهل الصين إليها باعتبارهم أهل الأثاث والصنعة، وكذلك تقسيمه أهل الروم إلى قسمين الأول أهل يونان وهم العلماء، والروم أهل الصنائع. في حين اعتبر أبو حيان التوحيدي الفرس أهل السياسة والأدب والحدود والرسوم، والروم أهل العلم والحكمة، والهند أهل الفكر والروية والخفة والسحر، والترك أهل الشجاعة والإقدام، والزنج أهل الصبر والكد والفرح، والعرب أهل النجدة والوفاء والخطابة والبيان.

أما التقسيم حسب الحالة الذهنية فانه تضمن نوعان، الأول هو ذهنية أولئك الذين يتميزون "بتقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية" كالعرب والهنود، والثاني ذهنية أولئك الذين يتميزون "بتقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية" كالفرس والروم.

أما التقسيم حسب آراء الأمم ومذاهبه فمبني على أساس عقائدي مرتبط بدوره بوجود فرق (دينية) وأخرى غير دينية في نمط تفكيرها حول إشكالات الملكوت (ما وراء الطبيعة) والوجود الاجتماعي والأخلاقي، كما نراه عند الشهرستاني.

وأخيرا تقسيم الأمم حسب معيار ما إذا كانت أمة علمية أو غير علمية، كما نراه عد ابن صاعد الأندلسي في (طبقات الأمم). فقد انطلق الأندلسي من أن الأمم وإن كانت نوعا واحدا في إنسانيتها إلا أنها تتمايز بثلاث أشياء وهي الأخلاق والصور واللغات. وان أهم الأمم الكبرى في التاريخ هي الفرس والكلدانيون (ومنهم السريانيون والبابليون ومن هؤلاء العبرانيون والعرب) ثم اليونانيون (والروم والفرنجة والجلالقة ويتبعهم البرجان والصقالبة والروس والبرغر) ثم القبط (أهل مصر والسودان من الحبشة والنوبة) وأجناس الترك (الكيماك والخزر وجيلان وغيرهم) وأهل الهند وأهل الصين. والفرق الجوهري بينهم يقوم بمدى اهتمام كل منهم بالعلوم الفلسفية بالأخص. فالأمم العلمية ثمان وهي الهند والفرس والكلدانيون والعبرانيون واليونانيون والروم وأهل مصر والعرب. أما الأمم الأخرى فهي أمم لا تهتم بالعلم (الفلسفة بالأخص). فالصينيون، كما يقول الأندلسي، أكثر الأمم عددا وأفخمها ملكا وأوسعها دارا، وحظهم من المعرفة إتقان الصنائع العملية وإحكام المهن التصورية. فهم أكثر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة التعب في تحسين الصنائع. والأتراك أمة كبيرة العدد وفضيلتهم التي برعوا فيها أحرزوا خصلتها معاناة الحروب ومعالجة آلاتها. ونفس الشيء يمكن قوله عن الأمم الأخرى(غير العلمية). وارجع الأندلسي سبب ذلك إلى عم استعمال هذه الأمم لأفكارهم في الحكمة، ولا راضوا أنفسهم تعليم الفلسفة. وبنى استنتاجه هذا على معايير ثلاث في تقييم الأمم، الأول هو أن تنال الأمة درجات النفس الناطقة والزهد بالنفس الغضبية، والثاني تعلمها وتعليمها للفلسفة، وثالثا موقع العلوم الطبيعية عندها.

مما سبق يتضح، بأن تعمق الرؤية التاريخية عن الأمم يتناسق مع تراكم العناصر الثقافية المتناغمة مع الوحدانية الإسلامية. إذ لا تعني الوحدانية الإسلامية من الناحية التاريخية والاجتماعية سوى وحدة النوع الإنساني ومثالها في الواحد(الله). أنها كالحقيقة واحدة بذاتها متنوعة بالصور والتجليات. والتنوع فضيلة في حال سعيه للخير العام وهي فكرة سبق وان بلورها القرآن في فكرة تقول: "إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا. إن أكرمكم عند الله اتقاكم". أي أن للتعددية منطقها الطبيعي والتاريخي، باعتبارها واقعا، ومنطقها الماوراطبيعي والمثالي، باعتبارها واجبا. وكل منهما يعكس مستوى من الإدراك لماهية الأمم، أحدهما ديني(الأمة الدينية وآخر دنيوي(الأمة الحضارية).

لقد أدت منظومة المرجعيات الكبرى في الثقافة العربية الإسلامية إلى رؤيتين متناسقتين عن نفسها والآخرين لا استعلاء فيهما ولا استكبار. حيث تجلت بأسمى وجوهها في إقرارهما بتنوع الرؤية الثقافية ذاتها عن الآخرين. فجميع التقسيمات المذكورة أعلاه (الجغرافية والذهنية والإبداعية والمذهبية العقائدية) هي تقسيمات وتقييمات ثقافية. إذ لم تبحث الثقافة الإسلامية في التقسيم الجغرافي عن صفات جوهرية غير اثر الجغرافيا على الطبائع والأنفس(اللون واللسان) والشرائع (القوانين ونمط الحياة)، أي عن العناصر الطبيعية والعقلية لوجود الأمم. ذلك يعني أنها لم تبحث ولم تؤسس لعناصر اللاعقلانية في وجود الأمم. وحتى في حال اعترافها بوجود بعض منها، فإنها نظرت إليها باعتبارها نتاجا لضعف النفس الناطقة ولهيمنة النفس الغضبية. ومن ثم اعتبرتها صفات زائلة. وهي نظرة عقلانية وإنسانية في مساعيها وغاياتها.

حددت هذه الرؤية الانعتاق الحضاري للثقافة الإسلامية. فهي لم تقر بتنوع الحضارات فحسب، بل وأسست مواقفها من هذا التنوع على أساس تمايزهن بالفضائل. فعندما حاولت المطابقة، على سبيل المثال، بين حضارة الأمة وخصلة من خصالها مثل اليونان مع الفلسفة، والروم مع العمارة، والفرس مع السياسة، والعرب مع البيان، والصين مع الصناعة، والترك مع الحرب، والهند مع العقل والشعوذة، فأنها لم تسع في الواقع إلا لإظهار تمايزهم في الفضائل، لا بمعنى افتقادهم لغيرها من الفضائل. إنها حاولت إظهار فضائل الأمم من خلال تأكيد تنوعها، وبالتالي قيمتها بالنسبة للتاريخ الإنساني ككل. لهذا أكد أبو حيان التوحيدي على أن "لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل منها في صناعتها كمال وتقصير". وتعكس هذه الصيغة قبول الثقافة الإسلامية لإمكانية تعدد الأنواع وتنوع اجتهاداتها الثقافية في ظل انتمائها للكل الإسلامي. بمعنى إمكانية توليف "مميزات" وفضائل الأمم من فصاحة وبيان وأدب وسياسة وغيرها في كيانها الثقافي. وهي تعددية وانفتاح يتساويان مع إدراك جوهرية وقيمة الفضائل. لهذا لم تضع الثقافة الإسلامية نفسها وشعوبها فوق الآخرين ولا تحتهم، بل طالبت نفسها والآخرين بادراك وتجسيد القيم العقلانية – الأخلاقية للتكافؤ والمساواة.

إن إقرار الثقافة الإسلامية بتعدديتها (وتنوعها الداخلي) يعني أيضا إقرارها بالتعددية الخارجية. وبالتالي بإمكانية بناء حضارة إنسانية كبرى ذات ثقافات متنوعة. مما يعني احتواءها على معارضة القهر الثقافي و"الهيمنة القطبية" في الحضارات. إذ لا يستلزم تطور الحضارات وازدهارها بمعايير العقلانية – الأخلاقية صراعها واحترابها، بل تنافسها في الإنسانية. لان المعيار الحقيقي لها كما صاغته الثقافة الإسلامية في تقييمها "العلمي" للأمم، حسب عبارة الأندلسي، يقوم في "نيل فضائل النفس الناطقة الصانعة لنوع الإنسان والمقومة لطبعه، والزهد في أخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوى البهيمية". إذ حتى للنفس الغضبية "نظمها ومدنها السياسية" كما يقول الأندلسي، إلا أنها نظم ومدن شبيهة بنظم ومدن النمل من حيث العدد والإتقان. ولكنها تبقى "مدنية النفس الغضبية والبهيمية" لا مدنية العقل الأخلاقي، الذي هو قوام "نوع الإنسان" أو حقيقته.

لا منظومة ولا منهج

إننا نقف هنا أمام تنوع واضطراب في المواقف نابع أساسا من ضعف الرؤية المنهجية وتناسقها الداخلي. مما جعل من أفكاره قوى متضاربة ومتداخلة وعاجزة عن تأسيس فكرة مستقبلية بما في ذلك بالنسب للثقافة في مصر نفسها. والشيء الوحيدة الذي بلغته فكرة طه حسين هي الحلم بحالة لم يتحقق منها شيئا. فقد كتب في خاتمة كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) عن أمله ورغبته وحلمه عن مستقبل الثقافة المصرية بالشكل التالي:"أنا فرح إلى أقصى غايات الفرح، مبتهج إلى ابعد حدود الابتهاج، سعيد إلى أقصى درجات السعادة، لأني أرى شجرة الثقافة المصرية باسقة، قد ثبتت أصولها في ارض مصر، وارتفعت فروعها في سماء مصر، وامتدت أغصانها في كل وجه، فأظلت ما حول مصر من البلاد وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة، فيها ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح. وهم يسعون في هدوء واطمئنان وثقة إلى هذه الغصون النضرة الوارفة، فيستمتعون بمنظرها، ويأوون إلى ظلها ويستمتعون بثمراتها المتشابهة لأنها تصدر عن شجرة واحدة هي ثقافة مصر المختلفة".... نعم أرسل نفسي على سجيتها في هذا الحلم الرائع الجميل فأرى مصر وقد بذلت ما دعوتها إلى بذله من جهد في عد ثقافتها بالعناية الخالصة والرعاية الصادقة، وارى مصر وقد ظفرت بما وعدتها بالظفر إنجاب عنها الجهل وأظلّها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعا، فاخذ بحظه الغني والفقير والقوي والضعيف والنابه والخامل والناشئ ومن تقدمت به السن، وتغلغلت لذتها حتى بلغت أعماق النفوس، وانتشر نورها حتى أضاء القصور والدور والأكواخ، وشاعت في مصر كلها حياة جديدة وانبعثت في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله في أرضه حقا يسكنها قوم سعداء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها. وأصبحت مصر كنانة الله في أرضه حقا يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة وإنما يفيضون على غيرهم منها"[3].

ففي هذا الحلم نعثر على خاتمة متناقضة هي عين التعبير النموذجي عن انعدام المنظومة الواقعية والعقلانية فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في انه لم يحصل شيئا من هذا الحلم، بل على العكس. إننا نقف أمام رجوع قهقري إلى الوراء بمقاييس المعاصرة والمستقبل. وفي كلها تعكس ملامح التناقض الحاد بين النزعة الوطنية والقومية والإنسانية الرفيعة لطه حسين وطوباوبة الحلم. والسبب يكمن أيضا في النزعة الخطابية وتبلبل الرؤية الناتج عن انعدام الرؤية أو المنهج الفلسفي في تفكيره، مما جعل من مواقفه وأحكامه متبدلة غير ثابتة. فيها شيء من كل شيء. وفي هذا تكمن خطورة هذا النوع من الفكر لأنه يجعله مبلبلا[4]. وقد أدى ذلك من حيث الجوهر إلى تفتح "مرجعية" لا تخلو من بلادة مستقبلية يمكن وضعها بعبارة: "بذروا بذور الشك في ارض كانت تحتاج إلى يقين، ودقوا مسمار اليقين في نعش الفكر والتفكر" مع ما كان ليلازمه بالضرورة من إخماد وحدة الشك واليقين الضروريين لصنع البدائل. الأمر الذي أدى إلى عجز الرؤية النقدية لطه حسين عن بناء ذهنية علمية وعصرية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. كما أنها كانت عاجزة عن تأسيس وتربية مرجعيات العقل النقدي، بما في ذلك في الموقف من التراث الذي جعلت منه في الأغلب محور اهتمامها. والسبب الجوهري كان يكمن في خلل رؤيتها التاريخية ووعيها الذاتي، وبالتالي خللها تجاه حقيقة الرؤية القومية والرؤية المستقبلية. كل ذلك يكشف عن أن مهمة تأسيس الذات الثقافية تفترض الارتقاء من مكوناتها الذاتية والبقاء فيها وضمنها ما لم ترتق بجذورها إلى مصاف السماء، عندها يمكن توزيع الاظلة والثمار. وما عدا ذلك مجرد خطاب لا يختلف اليقين فيه عن الشك، فكلاهما مجرد ذرات طائرة في عماء. وهو العماء المحبب لسباحة الثقافة المستلبة والمحبة للتقليد، أي كل ما بإمكانه صناعة لسان عربي مبين وعقل إفرنجي عنين!

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص2.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص40-41.

[3] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص380-381.

[4] تعكس كتابات طه حسين في اغلبها هذا النمط من التفكير. بمعنى إن اغلبها تجميع متفرق لمواقف متفرقة تفتقد للتنظيم والتخطيط. وقد أشار هو إلى ذلك في اغلب مقدماته لهذه الكتب. واكتفي هنا بالأجزاء المشهورة في (حديث الأربعاء). وقد يكون عنوان "حديث" الأربعاء أو الخميس أو أيما يوم آخر مجرد إضافة عرضية لا قيمة لها بحد ذاتها. لهذا نجده يشير في المقدمة إلى أنها ليست "مقدمة" بالمعنى الدقيق أو المتعارف عليه في حال التقديم لكتاب. وكتب بهذا الصدد يقول: "أنا لم أتصور فصوله، ولم أضع له خطة معينة ولا برنامجا واضحا، إنما هي مباحث متفرقة، فلست تجد فيها هذه الفكرة القوية الواضحة المتحدة...". (حديث الأربعاء، ج1، ص5.)

 

 

الاستعراب هو النظام العلمي الذي يختص بدراسة كل من اللغة والثقافة العربية المستخدمة في اللغات الأخرى.

اللغة العربية لها وجود ملحوظ في بعض اللغات الأوربية، لاسيما تلك التي تسمى اللغات الكلاسيكية القديمة مثل اللاتينية، اليونانية واللغات الحديثة مثل الفرنسية، الإنكليزية، الألمانية والإيطالية.

لاشك ان اللغة العربية تركت بصمة في اللغات الأوروبية هي حقيقة من السهل العثور عليها اليوم، لاسيما في المجالات ذات الصلة العلمية ونحن الباحثين من أصل عربي ومتكلمين باللغة الأسبانية, ينبغي أن يكون لدينا اثر في توضيح التقارب والترابط الثقافي، الذي يربط أسبانيا بالعالم العربي، الذي يتمثل بالثقافة الأسلامية بمعنى الثقافة القرآنية على وجه الخصوص، وإظهار الجذور العميقة لتأريخ الحضارة المشتركة، و إسناد التحليل المنطقي لكشف الخطأ ألتأريخي الذي يقول لم يترك العرب في أسبانيا الا أسطورة سوداء كانت ثمرة التعصب القومي، بل على العكس أذ كان للعرب دور مشرق أسهم في تكوين التراث الثقافي ليس لأسبانيا فقط، بل شمل جميع المستعمرات الأمريكية التي تمثلت في (أمريكا اللاتينية)

أسهمت اللغة العربية في تشكيل بعض اللغات الأوروبية، وخصوصا الاسبانية فقد استوطن العرب المسلمون في شبه الجزيرة الأيبيرية في سنة (1492-711) وتركوا أثارهم الفنية والثقافية واللغوية، إذ إن التأثير العربي أعطى اللغة الإسبانية لهجة ونبرة شرقية، وأغناها بفحوى معنوي ولفظي لبعض الأصوات والتعابير العربية.

إن هذا التأثير لم يكن تأثير عابر بل امتد إلى إلى بلدان أخرى مثلا فرنسا إيطاليا و ألمانيا، تركوا بعض الكلمات العربية في مجال الطب والزراعة والصناعة.

إن تاريخ اللغة العربية في أوربا بدأ في بدايات القرن السابع عندما هيمنت هذه اللغة على الإمبراطورية الواسعة التي امتدت من الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط الى كل من أفريقيا وأسبانيا وصقلية و مالطا. وبعد مضي قرون دمجت العربية في أرث الحضارات الشرقية القديمة حاملة في جوهرها بقايا الأدب اليوناني وأصبحت اللغة العربية لغة لعدد كبير من الكتاب والعلماء الذين كان لهم اثر في تكوين الثقافة الحديثة.

الحضارة العربية الإسلامية هي الحضارة الأولى التي نقلت إلى أوربا مشاعل العلم والمعرفة في وقت كانت أوربا تعيش تحت وطأة العصور المظلمة، وهذا يكمن في المقولة العربية القديمة المتبناة من الغرب التي تقول: (العلم يتألق، في العقل الأوربي واليد الصينية واللسان العربي). ونستشهد بكلمات المؤرخ الاسباني السيد كلاوديو سانشز ألبورنوز don Claudio Sánchez Albornoz el señor:

لم يعد من الممكن الحديث عن ظلام العصور الوسطى كما كان من قبل، ولكن من غير الممكن أنكار أنه في الوقت الذي كانت فيه أوربا تحتضر، فإن عرب اسبانيا صنعوا حضارة وأقتصادا" رائعا". إن الأساتذة المعاصرون المختصون في مجال الاستعراب يدهشوننا كل يوم بمعلومات عن نطاق الثقافة الإسبانية الأسلامية وعمق تألقها اذا برهنت على تطور الفن والفلسفة والعلوم والشعر في ثقافة أوربا الوسطى. واظهروا ان هذا التأثير امتد إلى الفكر المسيحي في القرن الثامن عشر الذي تمثل في المفكر سان توماس ودانت.

هذا يؤكد على إن أعظم إسهامات العرب في الحضارة العالمية كانت اللغة العربية نفسها، ليس بسبب كونها الرابط المشترك بين ملايين المسلمين، ولكن لأنه خلال العصور الوسطى كانت اللغة المستخدمة من قبل العرب والفرس والأتراك، واليهود والأسبان، إذ كانت بمثابة وسيلة لنقل المعرفة المتنوعة من العصور القديمة الكلاسيكية أو الشرقية إلى الغرب عن طريق ترجمة العربية إلى اللاتينية والرومانية. كانت إسبانيا الإسلامية حزام نقل العلوم والفلسفة اليونانية في جميع أنحاء الغرب المسيحي وكان العرب قد استعادوا المعرفة الكلاسيكية وسهلت ترجماتهم إلى أعمال أرسطو وجالينوس وأبقراط على نشرها في القرون الوسطى في أوروبا. وبرزت أهم أعمال الثقافة العربية العلمية والأدبية.

من العوامل التي ساعدت على انتشار العربية الإسلام تمكن الإسلام في البداية من تأسيس نفسه من خلال الفتوحات العسكرية، ورافقته العربية في كل مكان اللغة العربية وهي اللغة التي كتب بها القرآن. وعلى الرغم من إن اللغة العربية لم تكن لغة الأديان الأخرى ولم تحل محل اللغات المستخدمة في تلك المناطق التي ظهر فيها الإسلام ولكن استخدمت العربية كلغة يتحدث بها المتعلمون وأيضا كلغة دينيه.ان العرب الفاتحين سمحوا للشعوب المسيحية بأعتناق الإسلام وتبنوا لغة الفاتحين إذ تولى الفاتحون مهمة تعليمهم العربية، وبمضي القرون تمكنا الفاتحون من تعريب الجزيرة الاسبانية وفي نهاية القرن العاشر بدأت العربية تكون لغة الأغلبية من شبة الجزيرة الابيريية.

إن الغزو القوطي لم يتمكن من فرض لغته على المستعمرين، بينما تمكن العرب من جعلها العالمية في الأماكن التي أقاموا بها بدلا من الاشورية والاغريقية والبربر ونفس الشى حدث في بلاد الفرس منذ وقت طويل على الرغم من الولادة الجديدة لفارسية، واصلت اللغة العربية أن تكون لغة الوحيدة المستخدمة في الكتابة والقراءة لجميع الأدباء؛ ولهذا السبب فإن جميع أعمال اللاهوت والعلوم المعروفة في بلاد فارس، مكتوبة بنفس اللغة، وهكذا احتلت العربية في هذا الجزء من آسيا موقعا مماثلا لوضع أمريكا اللاتينية في أوروبا خلال العصور الوسطى. وكذلك اعتمد الأتراك أنفسهم، الذين كانوا الغزاة لعرب،على العربية في كتاباتهم، وفي تركيا كل شخص متعلم قادر على فهم بسهولة القرآن الكريم.

نشر اللغة العربية من المستشرقين خلال القرن الثالث عشر والذي يعود إلى عاملين الأول الهواية الاستشراقية للإمبراطور فدريكو الثاني (125-1194) والثاني تمثل في الرحلات المنظمة من السفراء الأوربيين إلى أسيا في منتصف القرن. ان الإمبراطور فدريكو الثاني أحاط نفسه بعدد من المستشرقين مثل ميغل سكوتو الذي كرس جزءا" من حياته كمترجم في طليطلة ولم يكتفِ بذلك فقد حافظ على المراسلات العلمية والفلسفية بين علماء الشرق والغرب الإسلامي اذ طرح مجموعة من الأسئلة على الخليفة الموحد محمد رشيد (1232-1242) وهذا كان رده على الموضوعات الصقلية التي تدور حول الخلود في العالم، وحول أسس اللاهوت والروح وسموها.

في نهاية القرن الحادي عشر بدأ العلماء بترجمة الاطاريح العلمية في العصور القديمة من العربية إلى اللاتينية اذ وجدت الكثير من الأعمال الأصلية المكتوبة بالعربية وهكذا كان إلى جانب الترجمات اليونانية القديمة كانت العربية ولهذا الغرض أسست مدرسة المترجمين في طليطلة عام 1130 تحت رئاسة. رئيس الأساقفة رايموند سوابتا الذي أصدر مجموعة من المؤلفات الترجمة للاعمال قديمة أغريقة لاتينية وإعمال عربية حديثه اسند مهمة الترجمة إلى المستعربين في طليطلة الذين كانوا يتقنون العربية وأيضا رجال الدين في الكاتدرائية الذين كانوا يتقون اللاتينية وهكذا الترجمة كانت تتم من العربية إلى الرومانية ومن الرومانية إلى اللاتينية وكذلك كان لمدرسة المترجمين في طليطلة دور مهم في ترجمة العلم و المعرفة التي نقلت من الحضارة الاسلامية إلى بلدان المسيحية في أوربا. كما أشار كونزالس بلنثياGonzale Palencia  في طليطلة في القرن الثاني عشر العلم الذي تلقاه الأسبان في اللغة العربية نقل إلى أوربا عن طريق الترجمة.

أما من أهم ملامح التأثير العربية في اللغة الأسبانية

1- تشابه النطق الصوتي للأحرف الأسبانية مع الأحرف العربية مثل: الحرف (ا) ويقابله a  وb  ويقابلها في الاسبانية (ب).

2 - جميع الأفعال والصفات والاسماء الأسبانية التي تبدأ بمقطع (al) مشتقة من أسماء عربية معرفة ب(ال)  مثل: alargarse, alberca, almohada, alfajor, albóndiga

3- جميع الصفات الأسبانية التي تدل على نسب أو أصل تنتهي بحرف(ί) هي نفس نهاية الصفات العربية التي تنهي بحرف (ي) مثلا:ίiran أيراني،عراقي ίiraqu، فاطمي ίfatim

4 - حرف (a) في اللغة الأسبانية يسبق الأفعال ويقابلها الحرف  (أ) في اللغة العربية الذي يضاف إلى جذرا لفعل مثلا: حزن، أحزن.ahzana, hazina

5- تحتوى اللغة الأسبانية على التركيب اللغوي الذي يتكون من (حرف جر+ ضمير) الذي يعطي قيمة التملك وهو نفس التركيب اللغوي العربي الذي يطلق عليه (شبه جملة) لأجلي para mí و لك atí.

6- أركان الجملة في القواعد الأسبانية نفس أركان الجملة في القواعد العربية وهي:الفعل والفاعل والمفعول به وهذا أكدته الدراسات اللغوية الأسبانية عبر الأزمنة.

7- بعض التعابير والصفات الأسبانية مقتبسة من اللغة العربية مثلا:

• أن شاء الله si Dios quiere ,الله يحفظك Que Dios mantenga، بارك الله في الأم التي أنجبتك bendita sea la madre que te parió 

• أبن +أسم التي تعطي تعريف أكثر الى الأسماء مثلا″: أبن الليل (اللص)hijo de noche ، أبن ثروة(الغني).hijo de riqueza

• لله التي يقابله في الأسبانية ( (oleوهي صيحة تشجيع وحتى بمعنى hasta)) و صفات مثلا: فلان.fulano ، مسكين mezquino، بلدي  baladí

• أسماء البلدان والأنهر في شبه الجزيرة الأيبيرية ذا أصل عربي مثلا″:القلعة  Alcalá, مدينة Medina , النهر الكبير Guadalquivir , نهر الذئب Guadalupe, جبل طارق monte de Tariq, البرج Alborg , وادي الحجر Guadalajara, مدينة سليم ciudad de Selim, قلعة حبيب Castillo de Habib

8- ان الاستعراب في اسبانيا أدى إلى نشوء ظاهرة ثنائية اللغة بلينغو(bilingüismo) اذ استخدمت اللغة الرومانسية إلى جانب اللغة العربية الكلاسيكية في الإدارة وبين طبقة المثقفين الشعراء و العلماء والمترجمين مثلا على ذلك الأدب العجمي (لخمياد aljamido  وهو الأدب الرومانسي المكتوب بحروف العربية مثل قصيدة يوسف التي توضح قصة يوسف من وجهة النظر الإسلامية مع بعض الآيات القرآنية ويقال انها كتبت من قبل مسلم مجهول من منطقة اراغون وقصيدة الفونسو التاسع حاكم قشتالة كانت بلغة القشتالية وكتبت بحروف عربية وأيضا الموشحات.

الاسم: م. د. انتظار علي جبر

 جامعة بغداد - كلية اللغات قسم اللغة الأسبانية

 

 

karima nooresawiمقدمة: من سنن الله في خلقه تعدد اللغات. قال سبحانه وتعالى: « وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ»[1]. غير أن هذا التعدد لا يتعارض في الوقت نفسه مع الدعوة المباشرة إلى التعارف والتفاهم والحوار بين أبناء المجتمع الإنساني. ومن هنا كانت الترجمة هي الأداة الأساسية لتحقيق هذه الغاية. ولقد تنبه القدماء إلى هذا الأمر فلم يترددوا في ترجمة ما يحتاجون إليه من معارف إلى لغاتهم الأصلية. وينطبق هذا القول على العلماء المسلمين وعلى غيرهم. وإذا كانت ترجمة بعض الحقول المعرفية من لغة إلى أخرى قد تفتح بابا واسعا للتثاقف، وقد تكون وسيلة مثلى للتلاقح بين الحضارات فإن النص الديني حينما يُنقل من لغة إلى أخرى يكون محملا أحيانا بخلفيات إيديولوجية وعقدية. وهذا ما سيتجلى في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة العبرية. فما هو المسار الذي قطعته هذه الترجمات عبر تاريخ يمتد من ما قبل القرن العاشر الميلادي حتى الآن؟ وما هي أهم خصائصها؟

ترجمة الكتب الدينية ما بين الحاجة والواجب

عرفت الكتب الدينية، منذ ظهورها، ترجمات عديدة إلى غير اللغات التي كُتبت بها في الأصل. وكان ذلك في الغالب استجابة لظروف سياسية ودينية معينة. ولا شك في أن ترجمة التوراة إلى لغات أخرى كانت تعكس بشكل ملموس التحولات التي طرأت على اللغة العبرية، والتي انتهت بتراجعها أمام اللغة الآرامية، وتوقفها تماما عن الاستعمال. فقد تبنت الدولة الأخمينية اللغة الآرامية لغة رسمية للبلاد، الأمر الذي أدى إلى اتساع مجال استعمالها لدى اليهود بما في ذلك يهود مصر الذين تبنوا حسب وثائق إلفنتين ( Eléphantine ) في القرن الخامس الميلادي اللغة الآرامية، واستعملوها للتواصل مع إخوانهم في فلسطين. و ليس صدفة أن تُكتب بها أعمال دينية مثل حكمة أحيقار، وسفر أخنوخ (Apocryphe de la genèse Le testament de Lévi )، إلى جانب نصوص أخرى تم العثور عليها ضمن مخطوطات قمران.

 وبدأت قصة ترجمة التوراة من العبرية إلى الآرامية أو ما يُعرف بالترجوم في الكنائس اليهودية حيث جرت العادة أن يقرأ الربي التوراة باللغة العبرية، وأن تُصحب هذه التلاوة بترجمة شفوية باللغة الآرامية تكون موجهة لأولئك الذين يجدون مشقة وصعوبة في استيعاب وفهم معاني التوراة في لغتها الأصلية. واشتهرت هذه الترجمة بحرفيتها. إلا أنها تعدت في المقابل ترجمة النص الأصلي إلى شرحه وتأويله . إنه شرح وتأويل يعبر، حسب أحمد شحلان، عن نظرات وتأملات صبغها الأحبار بواقع الحال[2].

أما أقدم ترجمة للتوراة، فهي تلك التي كانت بأمر من ملك مصر بطليموس فيلادلف. وقد أسهم في إعدادها، كما تُخبرنا بذلك بعض المصادر التاريخية، اثنان وسبعون حبرا من يهود مصر في سنتي 282 و283 قبل الميلاد[3]. ومن هنا سميت بالترجمة السبعينية. وقد توالت بعدها ترجمة التوراة إلى لغات أخرى، مثل اللغة اللاتينية والآرامية والسريانية والعربية.

وكان حظ الأناجيل من الترجمة كبيرا، خاصة بعد تحول المسيحية - على يد بولس - من ديانة خاصة ببني إسرائيل إلى ديانة عالمية. واكب هذا التحول الحاسم انتشارا واسعا لهذه الديانة في حوض البحر الأبيض المتوسط، سرعان ما أدى إلى بدء ترجمة الأناجيل من الآرامية والسريانية إلى اليونانية، ومن اليونانية إلى اللاتينية، فباقي اللغات الأخرى.

وأمام هذه الترجمات الكثيرة التي عرفتها في وقت مبكر الكتب الدينية لكل من اليهودية والمسيحية يحق لنا أن نتساءل ما السر وراء عدم ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات الشعوب التي كانت خاضعة لحكم الدولة الإسلامية، أو تلك التي كانت معادية لها كتلك التي كان ينعت إليها في التصور الإسلامي بدار الحرب أو الكفر.

القرآن الكريم والترجمة

يتبين لنا من خلال استقراء تاريخ الإسلام أن القرآن الكريم، أو على الأصح معاني القرآن الكريم، لم يُترجم بشكل كامل إلى أي لغة من اللغات قبل سنة 1143م. وكان ارتباط ترجمة القرآن الكريم ببداية الاستشراق بمفهومه الحديث (بذرة الاستشراق) واضحا وجليا بحيث لا يمكن التنكر لذلك. ومن المهم الإشارة إلى أن مدرسة طليطلة كان لها الفضل في تعريف الغرب المسيحي بالثقافة العربية الإسلامية من خلال اعتناء علمائها بترجمة أشهر المؤلفات الفلسفية وغيرها إلى اللغة اللاتينية. غير أن أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية كانت على يد بطرس المبجل Peter the Venerable رئيس دير كيلاني (1092- 1157) بمساعدة الراهبين روبيرت الشستري أوالكيتوني (Robert of Chester أوالكيتوني Robert of Kettonو هيرمان الكارينثي أو الدلماتي Herman of Carinthia.

وإذا ما تساءلنا عن الدوافع الخفية وراء هذه الترجمة فلن نتردد في القول بأنها ترتبط بانهزام الصليبيين في موقعة إيدسياس أمام قوة المسلمين، فكان تأثر المقاتلين الصليبيين بحضارة المسلمين وتقاليدهم ومعيشتهم في حلبات الفكر سببا مباشرا لترجمة معاني القرآن الكريم. وقد خرج بطرس المبجل، حسب يوهان فوك، بقناعة مفادها أنه لا سبيل إلى مكافحة هرطقة محمد بعنف السلاح الأعمى، وإنما بقوة الكلمة، ودحضها بروح المنطق الحكيم للمحبة المسيحية[4]. لكن تحقيق هذا المطلب كان يشترط المعرفة المتعمقة برأي الخصم أولا. وهكذا وضع خطة للعمل على ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية. الشيء الذي يبين أن الغاية المبتغاة من ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية لا تتطابق مع الغاية من وراء ترجمة كل من التوراة والإنجيل، إذ أن وجه الاختلاف الجوهري يتمثل في كون ترجمة الكتب الدينية لكل من اليهودية والمسيحية كانت تحركها دوافع أخرى.

 بالنسبة للمسيحية كان ظهور أي ترجمة جديدة يعبر عن حاجة المسيحيين الجدد إلى نص ديني مترجم إلى لغة يفقهونها جيدا. وكثيرا ما تكون الترجمة مندرجة في إطار تبشيري محض يتناسب مع تطلع المسيحية إلى الانتشار في أصقاع مختلفة من العالم. أما بخصوص اليهودية، فإن ترجمة التوراة من العبرية إلى لغات أخرى فقد اقتضتها ظروف استقرار اليهود في هذه المنطقة أو تلك.

أسباب تأخر ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات أخرى

لم تترجم معاني القرآن الكريم كاملة قبل سنة 1143م حيث كانت هناك ترجمات جزئية لبعض آياته لا يسع المجال لذكرها، لكن يمكن أن نجمل أسباب تأخر ترجمة القرآن الكريم إلى لغات أخرى، وخاصة العبرية، فيما يلي:

أولا: اختلاف الفقهاء بخصوص مسألة تحليل أو تحريم ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى. فقد انقسم العلماء المسلمون إلى مؤيدين للترجمة ومعارضين لها. فالفريق الثاني عارض فعل الترجمة على اعتبار أن الأولين لم يقدموا على ترجمة القرآن الكريم إلى لغات البلدان التي فتحوها حتى لا يتم هجران اللغة العربية من قبل مسلمي الدول المفتوحة، وبإحجامهم عن الترجمة، انتشرت اللغة العربية على نطاق واسع، بل ونجحت حركة التعريب في كل من مصر والشام والعراق وشمال أفريقيا. هذا بالإضافة إلى قصور الترجمة، مهما بلغت دقتها، عن تبليغ المعاني الكثيرة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بنظم عربي معجز.

ويقول ابن قتيبة بعد أن ذكر خصائص كلام العرب : "وبكل هذه المذاهب نـزل القرآن؛ ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة، كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية، والرُّومية، وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله تعالى بالعربية؛ لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب»[5].

 ويفصل النووي في ذلك قائلا : « مذهبنا أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب، سواء أمكنته العربية أو عجز عنها، وسواء كان في الصلاة أو غيرها، فإن أتى بترجمته بدلاً عن القراءة لم تصح صلاته، سواء أحسن القراءة أم لا، هذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء منهم مالك وأحمد وداود…». ويستمر قائلا: «… ترجمة القرآن ليست قرآناً بإجماع المسلمين ومحاولة الدليل لهذا تكلف، فليس أحد يخالف في أن من تكلم بمعنى القرآن بالهندية ليست قرآناً، وليس ما لفظ به قرآناً، ومن خالف في هذا كان مراغماً جاحداً، وتفسير شعر "امرئ القيس" ليس شعره، فكيف يكون تفسير القرآن قرآناً …»[6].

أما مؤيدو الترجمة من العلماء المسلمين فيقولون بضرورة ترجمة معاني القرآن الكريم لنقل روح القرآن وأهدافه - ما أمكن - لمن لا يحسنون، أو لا يعرفون اللغة العربية.ومادام الأحناف قالوا بصحة تلاوة ترجمة القرآن في الصلاة، فهم - ومن باب أولى - يجوزون ترجمته باعتبارها تفسيرا ونقلا لمعاني القرآن وأحكامه.

ثانيا: عدم معرفة العرب للغات الأجنبية، ولاسيما اللغة العبرية جعلهم لا يقبلون على الترجمة بشكل عام، والتي كان يقوم بها، إذا دعت الضرورة إلى ذلك، السريان. أما ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة العبرية من قبل علماء اليهود فلم يكن هناك أي مبرر لها لأنهم كانوا عربيي اللسان. ناهيك عن صعوبة ترجمة القرآن الكريم إلى لغة مثل العبرية التي كانت تشكو كثيرا من ضعف واضح في رصيدها اللغوي.

ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة العبرية

نميز في تاريخ ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة العبرية ما بين الترجمات الجزئية والترجمات الكاملة.

1- الترجمات الجزئية

على الرغم من الانخراط المبكر لليهود في الثقافة العربية الإسلامية، وتأثرهم الكبير بها، وإسهامهم المتميز فيها كتابة وتأليفا فإننا لا نعثر، كما ذهب إلى ذلك أحمد شحلان، على أي أثر يُعنى بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم سلبا أو إيجابا. كما أنهم لم يسعوا أبدا إلى ترجمة معاني القرآن الكريم إلى العبرية[7]. ويُضيف أحمد شحلان قائلا: «وإن النصوص القرآنية المترجمة التي وصلتنا ضمن التراث العربي الإسلامي الضخم الذي نقلوه إلى العربية، ونُقل بواسطتهم إلى الغرب، كلها تنبئ عن جهل بلغة القرآن، وعن غياب نص عبري مترجم كانوا يركنون إليه في نقلتهم العلمية.»[8]. ويبدو أن إلمامهم باللغة العربية التي كانوا يحررون بها مؤلفاتهم جعلتهم يتقاعسون عن ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة العبرية، فقد كانوا يرجعون إليه في لغته الأصلية متى دعتهم الضرورة إلى ذلك، ولاسيما ضمن كتابات الجدل الديني اليهودي للرد على الإسلام، والطعن فيه مثلما هو الحال مع شمعون بن تسيمح دوران في كتابه "القوس والمجن" קשת ומגן. ويمكن القول بأن ترجمة أجزاء من الآيات والتعبيرات القرآنية إلى اللغة العبرية كانت ظاهرة لافتة للانتباه حيث كان اليهود يحرصون على إضافتها إلى أشعارهم. ومن أشهر هذه الأشعار العبرية قصائد موسى بن عزرا – شموئيل هاناجيد.

 ومن المؤكد أنهم حينما كانوا يترجمون بعض الآيات التي لا يخلو منها أي مؤلف مكتوب باللغة العربية فإن هذه الترجمات كانت تتسم في الغالب الأعم بعدم دقتها. وسيزداد الأمر سوءا مع اليهود الذين لم تعد اللغة العربية لغتهم الأم، وسيصبح المعجم هو ملاذهم الأول والأخير في الترجمة. لهذا ليس غريبا وكما يذهب إلى ذلك الكثير من الباحثين، أن تُترجم بعض الاستشهادات القرآنية إلى اللغة العبرية، وأن يحذف بعضها، وأن يُعوض قسم منها بنصوص توراتية أو تلمودية أو مأثورات يهودية. ويسري هذا الأمر على مؤلفات ابن رشد والغزالي وغيرهما.

2- الترجمات الكاملة

تُعتبر ترجمة الحاخام يعقوب بربي اسرائيل هليفي، وهو من سلونيكا في القرن السادس عشر للميلاد أول محاولة لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة العبرية. ولا تزال هذه الترجمة مجرد مخطوط لم يحظ حتى الآن بالتحقيق والطبع، وهي محفوظة بقاعة الآثار الشرقية بالمتحف البريطاني. ولم تتم هذه الترجمة عن الأصل العربي، بل أخذت عن لغة وسيطة هي اللغة الإيطالية المنقولة ذاتها عن ترجمة لاتينية[9]. وفي مقدمة هذه الترجمة وجه الحاخام يعقوب بربي يسرائيل هليفي نقدا لاذعا للقرآن، مرددا للآراء اليهودية المتطرفة ضد الإسلام والمسلمين، وناعتا الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بأبشع النعوت.

وفي سنة 1857م صدرت في ليبزيج ترجمة ثانية للمستشرق اليهودي الألماني تسفي حاييم ركندورف بعنوان: אלקוראן או המקרא נעתק מלשון ערבית ללשון עברית ומבואר (القرآن أم المقرا نقل من اللغة العربية إلى اللغة العبرية مشروحا).

ويتجلى من خلال العنوان أن المقرا أو التوراة هي الأصل، وأن القرآن الكريم لا يعدو أن يكون حسب هذا التصور فرعا لها، هادفا من وراء ذلك الادعاء بأن الأفكار الواردة في القرآن الكريم مقتبسة كلها من أسفار العهد القديم، مقتفيا في ذلك النهج الذي سار عليه كبار المستشرقين المعاصرين له، والسابقين على عصره من أمثال ماراتشي وجورج سال وجوستاف فايل[10]. وعلى الرغم من أهمية هذه الترجمة بسبب اعتماد صاحبها على النص الأصلي مباشرة دون النقل عن لغة وسيطة، إلا أنها اتسمت باستعمالها للأسلوب التوراتي الخالص. وهو الأمر الذي حال دون تجاوب الكثيرين معها. وبالإضافة إلى أنها تعكس الخطاب الاستشراقي الذي كان سائدا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والذي تميز بروح العداء الذي كان يكنه للإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم. وهو ما يظهر في المقدمة الطويلة التي خص بها هذا الموضوع فإن المترجم لم يكن يتردد في إسقاط العديد من المفردات والآيات القرآنية.

أما الترجمة الثالثة لمعاني القرآن الكريم فقد صدرت في فلسطين عام 1936م على يد المستشرق اليهودي يوسف يوئيل ريفلين بعنوان: אלקוראן – תרגום מערבית (القرآن: ترجمة عن اللغة العربية). وهي ترجمة مشكولة، صدرت منها حتى الآن أربع طبعات. كان سعي المترجم واضحا في تفادي الوقوع في الأخطاء التي سقط فيها سابقوه. إذ لم يتعرض في مقدمة كتابه إلى نقد القرآن الكريم أو الإسلام[11]. غير أن يوسف يوئيل ريفلين حرص، مع ذلك، على إبراز التأثيرات اليهودية في القرآن الكريم من خلال الهوامش الكثيرة التي لا تخلو أي صفحة منها. ونظرا لما اكتسبه من مهارة استمدها من ترجمته للسيرة النبوية لابن هشام بين عامي 1932 و1933 فقد بذل قصارى جهده لكي يقترب من فصاحة النص القرآني وبلاغته. لهذا فإن دائرة المعارف اليهودية ذهبت إلى القول بأن هذه الترجمة هي الأقرب إلى الترجمة الحرفية لمعاني القرآن الكريم.

في حين صدرت الطبعة الأولى للترجمة الرابعة لمعاني القرآن الكريم، على يد أهارون بن شمش سنة 1971م بعنوان: הקוראן – ספר הספרים של האשלאם תרגום מערביתת (القرآن المقدس، الكتاب المقدس للإسلام، مترجم من العربية). كما صدرت طبعة ثانية منقحة سنة 1978م بعنوان القرآن كتاب الإسلام الأول[12]. وتميزت هذه الترجمة بأسلوب جديد وغير معهود بحيث أنه لم يقم بترجمة كل آية من آيات القرآن الكريم على حدة وبالترقيم الخاص بها، بل إنه تصرف بحرية أكثر عامدا إلى ضغط كل خمس آيات قرآنية مترجما إياها في شكل آية واحدة دون أي التزام بالأصل.كما اختلف الترقيم لديه عن الترقيم المتعارف عليه في آيات القرآن الكريم. وهي بانتهاجها لهذا الأسلوب تُصنف ضمن الترجمة التفسيرية. وعلى غرار ما درجت عليه الدراسات الاستشراقية في نظرتها إلى القرآن الكريم فإنه لا يرى فيه سوى صياغة عربية لتوراة موسى. أما لغة هذه الترجمة فهي عبرية مبسطة تسعى بكل السبل لخدمة أهداف استخباراتية في إسرائيل تتمثل في توفير معلومات عن الإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم.[13].

وفي سنة 2005 صدرت الترجمة الخامسة لمعاني القرآن الكريم بتل أبيب على يد أوري روبين بعنوان: אלקוראן תרגום מערבית (القرآن الترجمة من العربية). وقد نالت هذه الترجمة أهميتها لسببين: فقد جاءت استجابة للحاجة الملحة لترجمة عبرية جديدة للقرآن الكريم من شأنها أن تًصحح وتُنقح الترجمات السابقة لها والإضافة عليها. والسبب الثاني فيكمن في أنها صدرت في ظل متغيرات سياسية ودولية متعلقة بأوضاع المسلمين في العالم لا سيما عقب أحداث 11 سبتمبر، وظهور نظريات سياسية وفكرية تتحدث عن الصراع بين الحضارات والأديان وتصادمها[14].

خاتمة

على الرغم مما لحق ترجمات معاني القرآن الكريم من العربية إلى العبرية من انحراف بسبب انخراط هذه أغلب الترجمات في متاهات الخطاب الديني الاستشراقي فإن الكتابات العربية الحديثة لم تتعد حدود نقد هذه الترجمات إلى مستوى السعي إلى إعادة ترجمة القرآن الكريم على يد باحثين عرب ومسلمين يملكون ناصية اللغة العبرية، ويُلمون بخصوصية النص القرآني، وينتمون إلى مؤسسة بحثية مستقلة قادرة على تمويل هذا المشروع الحضاري.

 

د كريمة نور عيساوي

.......................

 فهرس المراجع

- القرآن الكريم

- إبراهيم أنيس :دلالة الألفاظ، مكتبة الأ نجلو المصرية، القاهرة، 1963.

- أحمد شحلان: ترجمات القرآن إلى اللغة العبرية، المجلة المغربية لدراسات الترجمة، مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، وجدة، 2014.

- أحمد صلاح أحمد البهنسي: الترجمات العبرية لمعاني القرآن، الكريم، التاريخ والأهداف والإشكاليات، المجلة المغربية لدراسات الترجمة، مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، وجدة، 2014.

- عامر الزناتي الجابري: سورة طه في الترجمات العبرية لمعاني القرآن الكريم، دراسة نقدية، ندوة القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية، 9 المدينة المنورة - 11- 2006.

- علي عبد الواحد وافي: اليهود واليهودية، دار نهضة مصر، القاهرة، .2002

- محمد أحمد صالح حسين: أثر الصراع العري الإسرائيلي في حركة الترجمة من العربية إلى العبرية، عالم الفكر، مج 63، ع 3، يناير مارس 2008.

- محمد محمود أبو غدير: ترجمة أوري روبين لمعاني القرآن الكريم بالعبرية، عرض وتقديم، ندوة القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية، المدينة المنورةـ، 9- 11- 2006.

- يوهان فوك: تاريخ حركة الاستشراق، ترجمة عمر لطفي العالم، دار قتيبة، بيروت ودمشق، 1996.

..........................

هوامش

[1] سورة الروم الآية 22

[2] أحمد شحلان: لغة موسى وهارون ورسالتهما، لغات الرسل وأصول الرسالات، ص 64

[3] علي عبد الواحد وافي: اليهود واليهودية، ( دار نهضة مصر، القاهرة، 2002،) ص 19

[4] يوهان فوك: تاريخ حركة الاستشراق، ترجمة عمر لطفي العالم، (دار قتيبة، بيروت ودمشق، 1996،) ص 15

[5] تأويل مشكل القرآن، ص21 .

[6] المجموع شرح المهذب 3/379- 380 .

[7] أحمد شحلان: ترجمات القرآن إلى اللغة العبرية، المجلة المغربية لدراسات الترجمة، مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، وجدة، 2014، ص 11

[8] أحمد شحلان، مرجع سابق، ص 11- 12

[9] عامر الزناتي الجابري: سورة طه في الترجمات العبرية لمعاني القرآن الكريم، دراسة نقدية ضمن ندوة القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية، 9- 11- 2006، ص 10

[10] المرجع السابق، ص 11

[11] المرجع نفسه ، ص 14

[12] محمد محمود أبو غدير: ترجمة أوري روبين لمعاني القرآن الكريم بالعبرية، عرض وتقدي ضمن ندوة القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية، 9- 11- 2006، المدينة المنورة، ص 9

[13] محمد محمود أبو غدير: مرجع سابق، ص 9- 10

[14] أحمد صلاح أحمد البهنسي: الترجمات العبريبة لمعاني القرآن، الكريم، التاريخ والأهداف والإشكاليات، المجلة المغربية لدراسات الترجمة، مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، وجدة، 2014، ص 159

 

 

mudhir mohamadsalihتفيق الحياة الاقتصاية اليوم  من دون استثناء لتمتحن تياراً اقتصادياً بدأ  يتخطى حواجز المدرسة النيوكلاسيكية منذ العام 1979 والتحول الى مايسمى بعلم الاقتصاد السلوكي الذي يعتمد نظرية التامل والتصور  في اتخاذ القرارات الاقتصادية.اذ عدت تلك النظرية كمفترق طرق في دمج العوامل السلوكية النفسية في النماذج والموديلات الاقتصادية المتصلة بالقرار الاقتصادي. فالاطار التقليدي لعملية صنع القرار التي تعتمدها التيارات الرئيسة او السائدة كالاقتصاد النيوكلاسيكي على سبيل المثال تنصرف الى تبني خيارات بين مختلف البدائل المتاحة اعتماداً على النتائج المرجوة منها وعبر الاهداف التي يتطلع اليها صانع القرار نفسه والتي يلخصها علم الاقتصاد الرياضي بصورة دالة منفعة في الغالب.

وتستمد نظرية القرار الاقتصادي على وصف الشروط التي يمكن ان  تحقق الخيار (والمقصود هنا الخيار الامثل وتحديد خصائصه) .فعندما يكون هنالك خطر اقتصادي (ونعني به الخسارة) فان البديل المتاح لكل خيار سيوفر توزيع احتمالي عن امكانية تحقيق النتائج التي يقوم من خلالها صانع القرار باختيار افضل التوزيعات الاحتمالية  **.

وبغض النظر عن هذا وذاك في التصدي  الى مسالة صناعة القرار في التيارات الرئيسة لعلم الاقتصاد ،فقد جاءت المباديء الاساسية لنظرية التامل وبناء التصورات مرتكنةً الى مباديء خمسة منذ ولادتها في العام 1979.اذ قاد هذا التيار في علم الاقتصاد السلوكي كمدرسة جديدة في العلوم الاقتصادية  رواد امثال دانيال كانمان  وريتشارد ثيلر اللذان حصلا على جائزتي نوبل في الاقتصاد في العامين 2002 و2017 على التوالي.

وبهذا يقودنا استجماع الافكار لكي نلخص المباديء الخمسة الاساسية لنظرية التامل والتصور  عند متخذي القرار الاقتصادي وعلى وفق الرؤية التي جاء يها دانيال كانمان وغيره وعلى النحو الاتي :ينصرف المبدا الاول الى فكرة ان اتخاذ القرار الفعلي في العمل الاقتصادي يستجيب (للتغيرات في الثروة) بدلاً من الثروة نفسها، اي التغير في القيمة الكلية لصافي موجودات الفرد الواحد واصوله .وياتي هذا المبدا على عكس التيارات التقليدية السائدة في علم الاقتصاد التي ترى ان اتخاذ القرار ياتي استجابة لقضيتي (الربح والخسارة).

اما المبدأ الثاني الذي تتصدى اليه نظرية التامل فيتمثل (باختلاف المواقف ازاء المخاطر) اي درجة الاختلاف في تحمل المخاطر ولاسيما مواجهة الخسارة. اذ يتحقق الاختلاف حتى داخل النقطة الزمنية نفسها و تعتمدعلى قوة التشخيص لدى متخذ القرار فيما اذا كانت الخسارة قائمة حقاً ام لا؟ وهذا يتطلب القدرة على تشخيص السياقات المتعلقة بتجنب الخسارة حيث تختلف اهمية تجنب الخسارة باهمية تشخيص السياقات .وياتي المبدأ الثالث قائماً على ظاهرة مايسمى( بالتحسس المتناقص) ازاء الارباح والخسائر. اذ يحتاج التحسس المتناقص الى مدى دقيق يقوم على تقديرات تاتي طبقاً للسياقات المختلفة للافراد من متخذي القرار. ويلحظ في المبدأ الرابع ان متخذي القرارات الاقتصادية وصناعها لايبنون في نظرية التامل خياراتهم على نظرية الاحتمالات كما تذهب اليه المدرسة النيوكلاسيكية في الاقتصاد، ولكن يعتمدون على مايرونه انها فرصة نجاح متاتية، اي توافر عنصر التفاؤل. وهي الحالة التي ينظر اليها على انها (حالة التحول في الاحتمالات). وهنا تختلف نظرية التامل عن نظرية الاحتمالات عند صناع القرار ولاسيما في الاحتمالات الضعيفة التحقق او القليلة، والتي عادة ما تكون مغالى جداً في قيمتها او في بعض الاحيان تبخس قيمتها جداً او حتى تهمل.فالاحتمالات الاكثر موضوعية هي بحاجة الى (التحول او التبدل) مما يقتضي الحال حصرها وتاشيرها.

واخيراً، يلحظ ان نظرية التامل التي يتصدى اليها علم الاقتصاد السلوكي هي مازالت في طور النشوء .لذا فان الاساس الغالب في صناعة القرار يقوم على مبدأ مصاحب للتامل يسمى (بالتصور). اذ تخضع التصورات لنوعين من الخيارات وهما: الخيار الواسع او عكسه الخيار الضيق ،حيث يطلق على الاخير اي الخيار الضيق في التصور بظاهرة قصر النظر في اتخاذ القرار .ولكن تبقى التصورات مهمة في صناعة القرار وتظل الحاجة اليها مستمرة كقوة تقديرية طالما تظهر نظرية التامل بانها ذات اهمية فائقة في بناء القرارات.

 ختاماً، فقد اظهرت المدارس الاقتصادية الرئيسة في علم الاقتصاد ،كالمدرسة النيوكلاسيكية والمدرسة الكنزية الحديثة ،تحفظاً قوياً في استعمال نظرية التامل في اتخاذ القرارات الاقتصادية ذلك لسببين رئيسيين اولهما: ان التوقعات هي قابلة للتعديل  بسبب تحول الاحتمالات والثاني، ان نقاط الاستدلال او النقاط التاشيرية التي تستدل بها نظرية التامل مازالت غير مكتملة وتعاني من نقص في التوصيف عند اتخاذ القرار في العالم الحقيقي. وبهذا فان تطور الفكر الاقتصادي في ظلال الثورة التكنولوجية الرابعة او العصر الرقمي الراهن جاء متاثراً  بالنظرية البايولوجية او الاحيائية في النمط السلوكي الاقتصادي للقرن الحادي والعشرين والابتعاد عن قوالب التفكير للنمط الفيزيائي وثوابته الذي قادته الثورتين التكنولوجيتين الثانية والثالثة ابان القرن العشرين.

 

د. مظهر محمد صالح

....................

(*) المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الوزراء العراقي

(**) فاذا كانت الاحتمالات تعني مقياساً كمياً في تحقق حدث ما يصورة عشوائية معبر عنها بالرقم صفر الذي يعني استحالت تحقق الحدث  والرقم واحد الذي يعني تحقق الحدث تماماً.في حين ينصرف التوزيع الاحتمالي للمتغير العشوائي الى التشخيص الذي يستطيع بمجبه ذلك المتغير العشوائي ان يأخذ اي قيمة او مدى من القيم.

 

 

jafar alhakeemنستكمل في هذا المقال تتبع تفاصيل قصة ولادة يسوع في المصدرين الوحيدين اللذين تطرقا لهذه القصة (انجيلي متى ولوقا) مع محاولة عرض تفاصيل القصة على الشواهد التاريخية وكذلك سنحاول مطابقة تفاصيل القصة في المصدرين المذكورين.

انجيل(متى) كان هو المصدر الاول والاقدم زمنيا لقصة الولادة، حيث يبتدأ ذكر تفاصيلها من الاصحاح الاول، ويستمر بها الى نهاية الاصحاح الثاني، ومن متابعة سرد القصة في هذا الانجيل، تتبين لنا عدة امور ذكرها الاشخاص (المجهولين) الذين كتبوه وهي:

ان والدي يسوع كانا يسكنان في مدينة بيت لحم، وقد ولد يسوع فيها (متى 1/2)

ولد يسوع ايام حكم الملك هيرودس، بعد ذلك يصل رجال مجوس من الشرق، إلى أورشليم حيث يسألون عن مكان ملك اليهود المولود توا، والذي رأوا نجمه وهم في الشرق!

يستوضح الملك هيرودس الأمر من رؤساء وكهنة اليهود، فيخبره العلماء اليهود أن ثمة نبوءة بظهور ملك يولد في بيت لحم، يرسل الملك هيرودس الرجال المجوس ليذهبوا ويجدوا الطفل المولود ثم يعودوا ليخبروه عن مكانه!

يذهب المجوس الى بيت لحم، ويقودهم النجم المتحرك في السماء مرة أخرى!

يتوقف هذا النجم فوق البيت الذي يسكنه آل يسوع. يقدم الحكماء هدايا من أجله ثم يحذرون (في حلم) من العودة إلى الملك هيرودس كما قد طلب منهم،فيسلكون طريق آخر عند عودتهم إلى وطنهم!

يصاب الملك هيرودس بالغضب والهلع خوفا من الطفل الذي سيسلبه ملكه، فيرسل جنوده ليذبحوا كل طفل ذكر من سن عامين فما دون في بيت لحم وما حولها. لكن الملائكة تنذر يوسف في (حلم) رآه، فيهرب ومريم ومعهما يسوع من المدينة قبل أن تبدأ المذبحة ويسافرون إلى مصر.

يبلغ يوسف فيما بعد وهو في مصر في (حلم) أن هيرودس قد مات، وأن بمقدورهم العودة، لكنهم حينما يكتشفون أن أرخيلاوس، ابن هيرودس، هو الحاكم على اليهودية، يقرران ألا يعودوا الى (مكان سكنهم) بيت لحم، ويذهبوا عوضا عن ذلك إلى الجهة الشمالية من الجليل، إلى مدينة تدعى الناصرة. وهناك في هذه المدينة يترعرع يسوع!

من تفاصيل قصة انجيل(متى) نعرف ان والدي يسوع كانوا يسكنون مدينة بيت لحم، وبعد رحلتهم الى مصر لم يستطيعوا العودة اليها، فتوجهوا بدلا عن ذلك الى مدينة الناصرة!

ان القصة التي سردها السادة كتبة انجيل (متى) امتازت بأمرين لافتين، لا يمكن لأي باحث اغفالهما !

الامر الاول:

هو عدم معقولية بعض الاحداث، والتي لا تتسق مع المنطق السليم، مثل، طلب الملك هيرودس من الرجال المجوس الذهاب والبحث عن الطفل المولود ثم العودة اليه لاخباره عن مكان الطفل، وهو جالس ينتظر!

فهذا التصرف الساذج، لا يمكن تخيل صدوره عن ملك حاسم، حذر، وماكر وكثير الحيلة، كما تصفه المصادر المسيحية!

فهل كان هيرودس عاجزا عن ارسال جنوده مع المجوس، او على الاقل مراقبتهم عن بعد، وتتبع (النجم) الذي تطوع ليكون دليلا للمجوس، كي يرشدهم لبيت المولود الجديد؟!

ومثال آخر، وهو رد الفعل الباهت والغير مكترث من رؤساء و كهنة اليهود حول خبر ولادة المسيح الموعود!

فكما هو معلوم، ان اليهود كانوا ينتظرون بفارغ الصبر ولادة المسيح المخلص لهم، والذي سيشيد لهم مملكتهم ويخلصهم من نير ظلم الامم، والاحتلال الروماني، ومع ذلك، نجد قصة انجيل(متى) تذكر ان اليهود ورغم تأكيدهم لهيرودس نبوءة ولادة الطفل في بيت لحم، لكنهم لم يكلفوا أنفسهم ويعملوا اي شئ ليتحققوا من صحة خبر ولادة مخلص شعب اسرائيل!

رغم انه كان يكفيهم مجرد رفع رؤوسهم الى السماء ومتابعة النجم الذي يسير امام المجوس!!

الامر الثاني:

هو ان الكتبة المجهولين لانجيل (متى) وعلى طريقتهم المعتادة في هذا الانجيل، كان تركيزهم منصبا على ربط احداث القصة بنبؤات من العهد القديم، ليثبتوا ان كل مجريات الاحداث، انما هي تحقيق لتلك النبوءات!

ومن اجل ذلك قاموا باقتطاع عبارات وجمل من العهد القديم، واخراجها من سياقها، واحيانا اخرى قاموا بفبركة نبؤات مكذوبة ليس لها وجود في نصوص العهد القديم!

فمثلا، نجد الانجيل يذكر النبوءة التالية :

(أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ) سفر ميخا 5

ورغم ان هذا الكلام الوارد في سفر (ميخا) يتحدث عن زمن سابق في فترة حروب الاشوريين، ولا علاقة لها بزمن ولادة يسوع، مع ذلك، هذه النبوءة اصلا لم تتحق بيسوع، الذي اقتاده بنو اسرائيل الى الموت صلبا، بدلا من ان يتسلط عليهم كما ينص صريح الكلام في النبوءة !

ولم يكتف كتبة الانجيل بذلك، بل قاموا باختراع قصة حدث مكذوب لا وجود له بالتاريخ، ولم يذكره او يشير اليه اي مصدر تاريخي، بل ولا حتى بقية اجزاء العهد الجديد، واعني، حادثة مجزرة أطفال بيت لحم ( المزعومة) والتي امر بها هيرودس حسب ادعاء انجيل (متى)

هذه الحادثة المفبركة، سطرها كتبة الانجيل لغرض ربط قصة الولادة مع عبارة وردت في سفر ارميا تتحدث عن بكاء (راحيل) على اولادها، ليجعلوا من هذه الجملة نبوءة اخرى !

(صوت سمع في الرامة نوح و بكاء و عويل كثير راحيل تبكي على اولادها و لا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين)

وكذلك نجد كتبة الانجيل قد اوردوا جملة مبتورة من العهد القديم ليوهموا القارئ، انها نبوءة اخرى تتحدث عن يسوع!

(وكان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني) متى 15/2

بينما نجد ان هذه الجملة في العهد القديم تتحدث عن اسرائيل(يعقوب) الذي بتر كتبة الانجيل اسمه من الجملة!!

(لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي) سفر يهوشع 11/1

واخيرا قام الكتبة المجهولون باختتام القصة، بنبوءة مفبركة لا اصل لها و لا وجود في العهد القديم، ليربطوا من خلالها سبب توجه العائلة المقدسة الى مدينة الناصرة بعد عودتهم من مصر !!

 ( واتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالانبياء انه سيدعى ناصريا) متى 23/2

وعندما نذهب الى المصدر الثاني الذي تطرق الى قصة الولادة، انجيل (لوقا) نجد ان هذا الانجيل يتحدث عن صدور قرار من الإمبراطور الروماني أغسطس بوجوب أن يتقدم كل فرد في الإمبراطورية للاكتتاب العام من أجل التعداد، وقد جرى هذا الاِكْتِتَابُ حين كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيا على سُورِيَّةَ. وكان على كل فرد أن يعود إلى وطنه الأصلي لكي يتم الاكتتاب. ولأن أجداده كانوا من بيت لحم(، اضطر يوسف الى السفر برفقة مريم خطيبته من المدينة التي يسكناها (الناصرة) إلى مدينة اجداده ( بيت لحم) وبينما هما هناك، تلد مريم وليدها يسوع، فتقمطه بقطع من الأقمشة واضجعته في مزود

(إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي النزل)، بعد ذلك بثمانية أيام يختن يسوع. وبعدها يقدم يسوع إلى الرب في الهيكل ويقدم والداه الأضحية التي عينتها الشريعة الموسوية من أجل هذه المناسبة، وبعد تأدية كل ما طلبته منهما شريعة الرب فيما يتعلق بميلاد الابن البكر، يعود يوسف وزوجته مريم الى مدينتهما (الناصرة) حيث سيتربى يسوع (انظر لوقا 2)

ومن هذه القصة نلاحظ، عدم وجود اي ذكر لاي نبوءة سابقة حول الطفل الموجود، ولا يذكر الانجيل شيئا عن هروب العائلة الى مصر، وليس هناك ذكر للمجزرة الفظيعة التي أمر بها هيرودس، وبدلا عن ذلك نجد ان كتبة هذا الإنجيل يخترعون قصة الاكتتاب الذي امر به الامبراطور، وهذا الخبر التاريخي لاصحة له، حيث لم تورد المصادر التاريخية التي أرخت للامبراطور اغسطس انه امر باي اكتتاب في الفترة الزمنية التي ولد فيها يسوع الناصري!

ان سبب اختراع قصة الاكتتاب، هو لغرض إيجاد مبرر لسفر يوسف ومريم الى بيت لحم، من اجل تجنب ذكر الحقيقة التي لا تخدم كتبة الانجيل، وهي ان الطفل يسوع قد ولدته مريم في مدينة الناصرة التي تسكن فيها مع زوجها!

وهذه النقطة بالذات ابرزت لنا تناقضا كبيرا، مع القصة التي سردها انجيل(متى)، الذي ذكر ان مريم ويوسف يسكنون في بيت لحم، وقد اضطرا لاحقا الى الذهاب الى الناصرة بعد العودة من مصر!

بينما انجيل(لوقا) يذكر لنا ان مريم ويوسف كانوا يسكنون في الناصرة، واضطرا للسفر الى بيت لحم للاكتتاب!!

ويذكر لنا انجيل(لوقا) تفصيلة مهمة ومثيرة في قصة الولادة، وهي ذهاب مريم وزوجها مع وليدهما الى اورشليم، لغرض إتمام الطقوس اليهودية الخاصة، بالمولود الجديد

(ولما تمت ايام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به الى اورشليم ليقدموه للرب) لوقا 22/2

ويحدد لنا الانجيل فترة سفرهما إلى أورشليم، وذلك بعد اكتمال (تطهر) مريم من النفاس

وهذه الفترة حسب الشريعة اليهودية محدودة بثلاثة وثلاثين يوما بعد الولادة، لأن جنس المولود ذكر!

(كلم بني اسرائيل قائلا اذا حبلت امراة و ولدت ذكرا تكون نجسة سبعة ايام كما في ايام طمث علتها تكون نجسة

وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته.ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوما في دم تطهيرها كل شيء مقدس لا تمس والى المقدس لا تجيء حتى تكمل ايام تطهيرها) سفر اللاويين 12/2

و يخبرنا الإنجيل ان مريم وزوجها و وليدهما، وبعد اكتمال الطقوس الخاصة بالمولود الجديد، قد قفلوا راجعين الى مدينتهم التي يسكنون فيها ( الناصرة)

(ولما اكملوا كل شيء حسب ناموس الرب رجعوا الى الجليل الى مدينتهم الناصرة) لوقا 32/2

وهذا يعني ان مريم وزوجها يوسف وطفلهما، قد ذهبوا الى اورشليم بعد فترة (ثلاثة وثلاثين الى اربعين) يوما من ولادة يسوع، قدموا القرابين الخاصة بالمولود، ثم رجعوا الى مدينتهم الناصرة

لكن، الامر الذي يثير العجب والاستغراب، ان انجيل (متى) كان قد اخبرنا ان مريم وزوجها وطفلهما، في هذه الفترة كانوا هاربين في مصر، لكي يتجنبوا المجزرة التي امر بها هيرودس لاطفال بيت لحم، كما قدمنا سابقا!

وهذا يعني ان عائلة يسوع كانت في مكانين مختلفين ومتباعدين، في نفس الفترة الزمنية!

من هنا يتضح لنا، استحالة التوفيق بين هاتين القصتين اللتين تضمنتا تفاصيل ينقض بعضها بعضا، وان التصديق بقصة انجيل (متى) يستلزم تكذيب قصة انجيل(لوقا) والعكس صحيح!!

واذا اضفنا الى ذلك الاحداث التاريخية المغلوطة، والتي لا يوجد لها اصل ولا حتى اشارة في المصادر التاريخية التي ارخت للامبراطورية الرومانية، مثل اكذوبة مذبحة اطفال بيت لحم، والاكتتاب العام في زمن الامبراطور اغسطس والحادثة الكونية الفريدة المتمثلة بالنجم السماوي الذي كان يسير مع المجوس، فسوف نجد ان كل هذه المغالطات والتناقضات تهوي بالقصة الى الدرك الاسفل من ناحية المصداقية و الوثوقية التاريخية !

 

د. جعفر الحكيم

حوارات في اللاهوت المسيحي 25

 

 

mutham aljanabi2للأفكار الكبرى ومشاريعها النظرية والعملية عن البدائل حالات تشاؤم وتفاؤل، وفعل وخمول، ونفي وإيجاب، وعقل ووجدان مع ما يلازمها بالضرورة من أحوال متنوعة ومختلفة ومتضادة، لكنها تسير في نهاية المطاف أما باتجاه تقوية وتهذيب الإرادة المعنوية والفعلية للانا الفردية والقومية وأما باتجاه الاندثار والتلاشي في هباء الوجود الساري للأمم.

وقد جسدت الفكرة الإصلاحية الإسلامية هذه الأحوال جميعا، كما وقفت في نهاية المطاف أمام المنعطف الكبير في التاريخ العربي الحديث دون أن تتغلغل في بنية نظامه السياسي أو تؤثر به بطريقة يجعل منها احد الأنساق الفاعلة في تنظيم الوعي والوجود الاجتماعي. وبالتالي إرساء أسس التطور الطبيعي والتلقائي للعالم العربي. وقد كانت تلك الدراما الأوسع والأعمق والأشد فاعلية لحد الآن في العقل والضمير العربي التاريخي. مع ما ترتب عليها من مسار مأساوي يتناقض مع ما فيه من كمون ضروري عن أولوية الفكرة المنظمة في ترتيب وجوده الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن انكسار التاريخ العربي الحديث بفعل انبعاث نهضته الثانية وهو بين فكي العثمانية المتهرئة والغزو الكولونيالي الأوربي. الأمر الذي كان يمزق كل المحاولات الجريئة و"المستقيمة" للفكر الحر، كما نراه على سبيل المثال في المصير التاريخي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده.

فقد جسّد محمد عبده في مصيره الشخصي الصيغة النموذجية لمصير الفكرة الإصلاحية. بمعنى بقاءها معلقة في سماء الإبداع النظري وتساؤلات الثقافة والتاريخ القومي. مع ما ترتب عليه من اغتراب نسبي عن الوعي الاجتماعي العربي الجديد. مما افقدها إمكانية التغلغل في بنية النظام السياسي بالشكل الذي يحدد آفاق تأثيره الديناميكي المنتظم على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والقومية والثقافة. لاسيما وان الفكرة الإصلاحية التي بلورها محمد عبده في مجرى عمله النظري والعملي قد بلغت مستوى التأسيس الواضح لما يمكن دعوته بفلسفة الإصلاح الإسلامي.

لقد تراكمت فلسفة الإصلاح الإسلامي عند محمد عبده في مجرى انتقاله العاصف من رتابة الحياة اللاهوتية في الأزهر إلى عالم الحياة الفكرية والروحية والسياسية التي جعلت من الشخصية "رهينة" الالتزام الفعلي أمام "العلم الإلهي". وشأن كل "رهينة" من هذا النوع عادة ما تصبح حياتها تجليا أو تمظهرا لما في "العلم الإلهي" من حقائق هي عين ما وضعه محمد عبده في علمه النظري والعملي تجاه مختلف قضايا الوجود التي واجهها. ولم تكن مواجهته الأولى إلا مع النفس، شأن كل كبار العقول والنفوس والقلوب. وإذا كان الأفغاني هو مقلّبها من طور الكمون إلى طور الوجود، فلأنها الصدفة الجميلة التي يصعب حدها بمعايير المنطق، رغم تمثلها لكل ما فيه، ولكن بمعايير الإخلاص للقيم الإنسانية الكبرى. ولم تكن هذه القيم بالنسبة لمحمد عبده، كما هو الحال بالنسبة لرجال الإصلاح الإسلامي ككل، سوى الحصيلة الصافية للثقافة الإسلامية بعد وضعها على لهيب المعاناة الفردية المتربية بإرادة التصوف، أي المتحررة من العبودية الكامنة في الغريزة.

فقد مر كل من الأفغاني ومحمد عبده على لهيب التصوف الأخلاقي. لكنه تصوف الروح المتسامي. من هنا التقائهما الدائم ووحدتهما الحية التي صهرها طور الارتقاء إلى إدراك أهمية وضرورة الإصلاح الديني. وإذا كانت البداية للأفغاني فلأنه أول من تمثل وسعى لتجسيد وتحقيق الفكرة الإصلاحية. بينما كان محمد عبده مستعدا لها. وليس مصادفة أن نعثر في عبارات محمد عبده على وصف "تاريخي" اقرب إلى صورة الغرائب الجميلة التي عادة ما تنطوي في ذاكرة الطفولة لتتحول مع مرور الزمن إلى ذكرى محفورة في الوعي والعقل والضمير. حيث يروي لنا في مذكراته كيف انه عام 1869 جاء رجل غريب، بصير في الدين عارف بأحوال الأمم، جرئ القلب هو جمال الدين الأفغاني(1). رجل أيقظ كلامه المشاعر وأثار انتباه العقول، وخف حجاب الغفلة. وبأثر آراءه ظهرت مقالات عن الحرية والفكر والنقد، بحيث عملت الدول الأوربية كل ما بوسعها لإقناع السلطة الخديوية بان مصدر القلاقل هو الأفغاني. لقد استطاع الأفغاني، كما نستشفه من تقييم محمد عبده، في مجرى عشر سنوات من تغيير الحالة الفكرية في مصر. بعبارة أخرى، إن مصر قبل الأفغاني مجرد خراب. والفكر معزول عن الواقع، والسلطة عن المجتمع، والنخبة لا علاقة لها بالماضي والمستقبل، والنظام السياسي متهرئ.  وأن كل ما قام به محمد علي باشا وأحفاده بقي معزولا عن المجتمع. والسلطة مطلقة فوق كل اعتبار(2).

إننا نعثر في مواقف وشخصية محمد عبده على بعد فكري سياسي تاريخي وروحي جديد يقوم في جعله شخصية الأفغاني فاصلا بين تاريخين في حياة مصر. مع ما ترتب عليه من موقف يتضمن الفكرة المقررة على أن التغير الكبير في مصر والعالم العربي لم يجر بفعل الدولة والسلطة و"الصدمة الفرنسية" بأثر غزوة نابليون، بل بأثر رجال الإصلاح الإسلامي. وهي فكرة سليمة وعميقة بقدر واحد. وبقدر ما ينطبق ذلك على حياة مصر، فانه ينطبق أيضا على حياة وشخصية محمد عبده نفسه من جهة، وعلى حياة الفكر والفكرة الإصلاحية نفسها من جهة أخرى. وقد وضعها محمد عبده في المقاطع المكثفة لسيرته الشخصية عندما جعل من شخصية الأفغاني وأثرها في تجربته الحياتية حدا فاصلا بين مرحلتين ما قبل الأفغاني وما بعده(3). فقد كانت حياته قبل لقائه بالأفغاني سلسلة حلقاتها لهو ولعب وفوضى واستعداد للمعرفة (بأثر التصوف) لكنه منذ عام 1287 (1871) نراه يلازم الأفغاني ثمان سنوات (1879) بحيث نسمعه يقول "أن أبي وهبني حياة يشاركني فيها على ومحروس. والسيد جمال الدين الأفغاني وهبني حياة أشارك فيها محمد وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين".

لقد نقله الأفغاني إلى ضرورة تمثل الوحدة الخفية والحيوية لعوالم الملك والملكوت والجبروت التاريخية والسياسية. إذ نراه "يجبره" بأثر الشخصية والمعرفة والإخلاص على تمثل حقيقة "الأنبياء والأولياء والقديسين" القائمة في استعدادهم للعمل من اجل الجميع. فإذا كانت حياة محمد عبده قبل الأفغاني انتقال بين عوالم الملك والملكوت، فان الأفغاني ربطها بحلقة الجبروت الضرورية، أي بفكرة الإرادة الواعية لمهمة الإصلاح. من هنا رده الجازم على تمّنع محمد عبده من الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي المباشر قائلا:"لو كان الناس مهديين لما كانوا في حاجة إلى أمثالك". وإذا كان الهدف السياسي الأكبر للأفغاني كما يقول محمد عبده هو "إنشاء دولة إسلامية قوية، تكنس الانجليز من الشرق" فمن الممكن توقع حجم المواجهة الخفية التي كانت تعتمل في شخصية محمد عبده وتاريخه اللاحق.

لقد وقف محمد عبده أمام مهمة "الهداية" والكفاح من اجلها في ميدان الدولة والأمة والوعي، متأثر بشخصية الأفغاني التي وجد في ذهنها عبقرية هائلة، بحيث بلغ بها "أقصى ما يبلغه إنسان من غير الأنبياء". ولا تعني هذه العبارة في عرف اللغة التي تطبع عليها محمد عبده وتغلغلت في أعماقه الوجدانية والإدراكية، سوى بلوغ حالة الكمال الإنساني الطبيعي. بحيث نرى محمد عبده يتتبع هذا الكمال في كل شيء، من أخلاقه حتى ملامحه الظاهرية. فقد صوره بصورة بليغة ودقيقة عندما رسم لنا ملامحه الأخلاقية قائلا، كان الأفغاني سليم القلب، حليم أواب وأسد وثاب، كريم أمين قليل الحرص على الدنيا، بعيد عن الغرور، ولوع بعظائم الأمور عزوف عن صغارها. بل أن مظهره وشكله عربي حجازي كما لو انه يتمثل ويستعيد تاريخه وأصوله! كما انه كان جميلا ميال في مصر إلى إتيان المباحات مثل الجلوس في المتنزهات وما يزيل كرب المحزونين(4). إننا نقف أمام شخصية تتسم بقدر كبير من الإشكالية والتحرر، وتحتوي بالقدر نفسه على وضوح في الرؤية والوسيلة والغاية. ومن هذه الكتلة المثيرة تفجرت براكين الفكرة الإصلاحية عند محمد عبده، كما نعثر عليها في إحدى رسائله للأفغاني عندما كتب يخاطبه "ليتني كنت اعلم ما اكتب إليك وأنت تعلم ما في نفسي كما تعلم ما في نفسك. صنعتنا بيديك، وأنشأتنا في أحسن تقويم. بك عرفنا أنفسنا والعالم. كنت أظن قدرتي بقدرتك غير محدودة. إنني منك في ثلاث أرواح لو حلّت إحداها في العالم بأسره وكان جمادا لحال إنسانا كاملا. فصورتك تجلت في قوتي الخيالية، وامتد سلطانها على حسي المشترك، ومعي رسم الشهامة وشبح الحكمة وهيكل الكمال"(5).

لقد رفع محمد عبده شخصية الأفغاني إلى مبدأ ونهاية الوجود الروحي والعقلي كما لو انه صورة الكمال الأبدي. من هنا مخاطبته أيضا بعبارة "نحن على سنتك إلى انقضاء الآجال". بل واعتبره في احد مواقفه "حقيقة كلية" تتجلى للناظرين كل على قدر ما فيه. وليست هذه الذروة في الواقع سوى الوجه الآخر أو الباطني لحقيقة محمد عبده. بمعنى إننا نعثر في رسم شخصية الأفغاني وتصويره في آراء ومواقف محمد عبده على شخصية محمد عبده نفسه. وذلك لان رفع الشخصية إلى هذا المستوى يعني بالقدر ذاته إدراك ما فيها والتحلي بصفاتها. وليس عبارة "نحن على سنتك إلى انقضاء الآجال" سوى إننا على طريقتك في إعادة صنع الإنسان والمجتمع والروح. فإذا كان الأفغاني هو الذي نقل محمد عبده من أخوة الجسد إلى أخوة الروح، ومنها إلى التكامل بأحسن تقويم، فان رجوع محمد عبده إلى الأفغاني كان يعادل حقيقة الرجوع إلى النفس. من هنا لا تعني فكرة محمد عبده عن بقاءه على مكونات الأفغاني في مكوناته الجسدية والروحية والعقلية سوى السير "إلى انقضاء الآجال" بمعايير الرؤية الإصلاحية. الأمر الذي وجد انعكاسه المتميز في خصوصية الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده التي جمعت في أعماقها المتوحدة مبادئ رفض التقليد، والتدرج في الإصلاح، وتوسيع وتعميق أبعاده الاجتماعية، وجوهرية البناء الذاتي الشامل، وأسلوب التربية والتعليم في تحقيقها.

يستند مبدأ رفض التقليد في فلسفة محمد عبده الإصلاحية إلى ما يمكن دعوته بالرؤية النقدية الشاملة. بمعنى إن رفض التقليد بالنسبة له ليس مبدأ جزئيا أو عرضيا بقدر ما يشكل الأساس المنهجي والمنطقي للفكرة الإصلاحية نفسها. من هنا تناسق وتجانس مواقفه الرافضة للتقليد تجاه كل موضوعات الفكرة الإصلاحية وقضايا وإشكالاتها. بعبارة أخرى، إننا نعثر على ملامح ومظاهر وتطبيقات مبدأ رفض التقليد في كل مواقفه بوصفها المقدمة الضرورية والملازمة للإصلاح.

وليس مصادفة أن تحتل فكرته عن رفض التقليد الأعمى للثقافة الأوربية مركز الصدارة في فكرته الإصلاحية. فاثر المآثر الأوربية الكبرى التي رفعها محمد عبده إلى مصاف الانجاز التاريخي والثقافي والعلمي الأكبر في التاريخ الحديث لم يجعل منه أسير لمعطياتها أيا كانت. على العكس! لقد وجد في ذلك خروجا على حقيقة الانجاز الأوربي. انطلاقا من أن الثقافة الأوربية هي حصيلة تطورها الذاتي. وبالتالي فان قيمتها في "رمزيتها" وانجازاتها المجردة. من هنا نراه يقول، بان خطأ العقلاء يقوم أحيانا في محاولات نقلهم ما يقرءوه وتطبيقه على واقعهم. وهو خطأ مريع. وذلك لان الأمم كالأشخاص لها تاريخها وإمكانياتها كما يقول محمد عبده. وبالتالي فان الأمم بحاجة إلى معرفة نفسها كما هي والانطلاق من هذه المقدمة لمعالجة ما فيها من أمراض(6). ووجد في تاريخ الثقافة الأوربية نفسها تجسيدا حيا لهذه الفكرة.

اعتقد محمد عبده بأن التطور الحديث لأوربا يعود لتأثرهم بحياة المسلمين بعد الغزو الصليبي. إذ علمتهم الحروب الصليبية إدراك الأسباب القائمة وراء الانحطاط والتخلف. ووجد في هذا الإدراك المقدمة الضرورية للاستفادة ووضع المشاريع الناجحة(7). من هنا استنتاجه القائل، بان التقليد لا يصنع تمدنا ولا رقيا. وتجربة مصر خير دليل. على عكس تجارب الأوربيين معنا. ووضع هذه المقدمة في استنتاجه الأكثر تدقيقا ونقدا بهذا الصدد عندما كتب يقول، بان محاولات "جلب" الحضارة الأوربية بالمظاهر دون معرفة مقدماتها وتقاليدها وكيفية إنتاجها أشبه ما يكون بسلوك الدجاجة التي شاهدت بيض الاوز فرغبت في أن يكون بيضها كبيرا(8)! فالتقدم الحقيقي من وجهة نظر محمد عبده ليس في تشييد مظاهر الرفاه، بل في إرساء أسس الحقوق ورعاية الثروة وتنميتها بالعمل والإنتاج(9). وينطبق ذلك بقدر واحد على الانجازات المادية والروحية للحضارة الأوربية. من هنا قوله، بان الحرية لا تنتشر من خلال نشر عبارات الحرية. إذ لا يتعدى ذلك كونه مجرد ترديد وتكرار لمفاهيم وعبارات لم يجر فهم حقيقتها. لهذا نراه يصف هذا النوع من الحرية "حرية بتراء"(10). بل ووجد فيها عين الرق والاستعباد.

لقد أراد محمد عبده الكشف عما في هذه الحرية البتراء من انعدام لحقيقة العقل بوصفه صانع الحرية. فالحرية لا تقليد فيها لأنها عمل حر وعقلي خالص. ذلك يعني انه وجد في نقل الأفكار وتقليدها اقرب ما تكون إلى "حرية عقلية" بلا عقل. إضافة لذلك أن الحرية هي فعل تاريخي تلقائي له نظامه وأخلاقه الخاصة النابعة من تاريخ الأمم نفسها. لهذا نراه يورد مرة مثال الاحتيال على الحرية وفكرة الحرية عندما أشار في مقال (الإصلاح والأجانب) إلى ما اسماه بدور الشبان الإسرائيليون (اليهود) الأجانب في تأسيس جمعية (مصر الفتاة). إذ نراهم يدعون للحرية لكنهم اشد قسوة على الفلاحين بالربا. والشيء نفسه ينطبق على ما عملته فرنسا سابقا وانجلترا لاحقا بهذا الصدد. بمعنى أن كلما قاموا به بهذا الصدد كان يعادل الوقوف ضد كل إصلاح(11). وتوصل إلى استنتاج دقيق بهذا الصدد يقول، بان فالتقليد لا يفيد، والبدء من الخارج أو من غير المقدمات الضرورية يؤدي إلى نتائج معاكسة. وسلوك من هذا القبيل يؤدي إلى آثار مخربة ومدمرة، ليس فقط من وجهة نظر هباء ما يقومون به، بل ولإمكانية ارتداده بالعكس تماما. ولا يعني ذلك موقفه المعارض للتعلم من التجارب الأوربية، بقدر ما يشير إلى كيفية ونوعية ومستوى التعلم.

ولم يكن هذا الموقف معزولا كما هو الحال بالنسبة لكل مشاريعه النقدية والبديلة عما يمكن دعوته بتأسيس مهمة الاعتدال العقلي والعقلاني والثقافي والعملي في الفكرة الإصلاحية. من هنا جوهرية مبدأ التدرج في الإصلاح، بوصفه الأسلوب الأمثل لترسيخ مقدماته في الوعي والضمير الاجتماعي. من هنا فكرة محمد عبده القائلة، بأن ما هو مهم ومثير للاحترام والتقدير في انتخاب وسلوك رجال الدولة في أمريكا لا يمكنه أن يكون أو يحدث في أفغانستان. لأنه يؤدي إلى نتائج معاكسة ومخربة(12). (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

(1) محمد عبده: الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة. الطبعة الأولى، دار الشروق، بيروت – القاهرة، 1993، ج1، ص529.

(2) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص527-528.

(3) الأفغاني يمتد بنسبه إلى الترمذي والإمام الحسين بن علي. ولد 1838. تلقى مختلف العلوم كالعربية ونحوها وصرفها ومعانيها وبيانها ثم علوم الشريعة والفقه وكلام والتصوف، والعلوم العقلية من فلسفة وسياسية وتهذيب وعلوم طبيعية. ثم انتقل للدراسة في الهند. ثم رحل إلى الحجاز ثم عاد إلى بلده واشترك في حياته السياسية. ثم جرى ترحيله إلى الهند وعبرها إلى الأستانة. وهناك أخذت المؤامرات ضده من جانب فقهاء السلطة! فاضطر للمجيء إلى الشام عام 1871. جرى إبعاده بأثر عمل الانجليز إلى الخروج من مصر، ومنها إلى الهند، وبعدها إلى لندن، ثم إلى باريس حيث مكث فيها ثلاث سنوات. وفي باريس كلفته جمعية العروة الوثقى في دفاعها عن الخلافة الإسلامية بإنشاء مجلة. فصدر منها 18 عدد لم يكن لغيرها أثرا هائلا في الوعي أكثر منها. اقرب إلى الحنفية في المذهب لكنه ليس مقلدا وميالا للتصوف.

(4) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص 236-245.

(5) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص626.

(6) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص324.

(7) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص327.

(8) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص329.

(9) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص330.

(10) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص333.

 (11)محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص539.

(12) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

 

qasim husansalihنشر فريق من الأطباء النفسيين من داخل العراق وخارجه دراسة بعنوان:

)The Iraqi National Study of Suicide: Report on Suicide Data in Iraq in 2015 and 2016(

شارك فيها كل من الدكاترة : ( محمد جمعه عباس، نصيف الحميري، عماد عبد الرزاق، شاكر نعوش، وباحث بريطاني).

 وتمثل هذه الدراسة جهدا علميا كبيرا يستحقون عليها الشكر والثناء والتقدير كونها استهدفت اخطر ظاهرة تعرض لها الشباب والشابات بوصفهم اهم وأوسع شريحة اجتماعية في العراق.وتمتاز هذه الدراسة بالمنهجية العلمية العالية والدقة في تحليل البيانات الأحصائية، فضلا عن الجهود الكبيرة التي بذلها فريق البحث للحصول على المعلومات، والصعوبات التي واجهوها من مصادرها المتمثلة بالسلطات القضائية ومراكز الشرطة وعوائل المنتحرين.

 ولأن الدراسة منشورة باللغة الانجليزية في مجلة علمية متخصصة(Journal of Affective Disorders )، ما يعني ان العالم سيأخذ فكرة عن (الانتحار) في العراق من فريق علمي متخصص ومعتبر، فان الصادم فيها انها خرجت باستنتاج رئيس هو أن نسب الانتحار في العراق اقل منها عالميا (the suicide rate in Iraq is lower than the global rate)!.. ما يعني ان العراق بخير اذا ما قورن بنسب الانتحار في السويد او النرويج مثلا.

 لنقدم اولا عرضا مركزا لخلاصة دراسة زملائنا الأطباء النفسيين المشهود لهم بالخبرة والمستوى العلمي الراقي والمهنية المنهجية.

 تبدأ الدراسة بالقول بأنه لا يعرف الا القليل عن الانتحار في العراق،، وانها اعتمدت في بياناتها على سجلات الشرطة وتقارير عائلية واخرى خاصة بتحليل حالة الانتحار، وانها شملت ثلاث عشرة محافظة من وسط العراق وجنوبه.

 وتوصلت الى ان هنالك (647 ) حالة انتحار في العراق لعام 2015، بمعدل حالة واحدة لكل 100000، وبمعدل (1، 21 للذكور, و 0، 97 للأناث )، مقابل (1، 31 للذكور و 1، 07 للأناث) للعام 2016، وان 67,9% كانت بين الاعمار 29 سنة فما دون.وتوصلت الى ان وسائل الانتحار الأكثر شيوعا كانت هي الشنق ( 41%) تليه قتل النفس برصاصة ( 31%)، تليهما الحرق بنسبة ( 19%).وان (54%) منهم لم تكن لديهم محاولات انتحار سابقة. واشارت الى ان 24% منهم يعانون اضطرابات متعلقة بالطب النفسي psychiatric disorders، وان الأضطراب الأكثر شيوعا بينهم هو الاكتئاب بنسبة( 54% )، فيما كانت نسبة الانتحار لسبب اقتصادي ( 12%).

ظاهرة الانتحار..اكبر من ان تستوعبها دراسة

 لا يمكن لأية دراسة علمية ان تقدم صورة كاملة لظاهرة الانتحار لاسيما في المجتمعات الشرقية والاسلامية، ليس فقط لتعقد أسبابها بل ولأن الباحث فيها لا يمكن ان يصل الى حقائق تخفيها عنه عوائل المنتحرين وأصدقاؤهم ومراكز الشرطة والمؤسسات الطبية المعنية بالأمر.ولا يعنينا هنا الجانب العلمي للدراسة الذي استوفى شروطه المنهجية، انما الذي دعانا الى كتابة هذه المقالة هو ان دراسة زملائنا الأطباء النفسيين نشرت بمجلة اجنبية، وان منظمة الصحة العالمية والمنظمات المعنية المرتبطة بالأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني العربية والعالمية، والقاريء الأجنبي بمن فيهم الأطباء النفسيون..سيخرجون بانطباع ان الانتحار في العراق اقل من معدلاته في اوربا، وان أهله لا يحتاجون الى مساعدات اقليمية ودولية للحد منه، بل ان الحكومات العراقية بعد التغيير ستعتمدها شهادة من علماء الطب النفسي بان معدلات الانتحار في زمنها هي اقل حتى من بلدان عربية تتمع بالاستقرار.. وهي بالضد تماما من حقيقة ان ظاهرة الانتحار في عراق ما بعد 2003 تعدّ كارثة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخه.

 ومن خبرتنا في البحوث العلمية تأكد لي وجود نوعين من الباحثين، الأول (نصّي) يلتزم بالأرقام وما يقوله الأحصاء، والثاني..يعتمد الأحصاء ايضا ولكنه يحكّم المنطق ويأخذ بما يقدمه الواقع من حقائق.والمأخذ على هذه الجهد العلمي ان دراسته الـ(quantitive study ) تعاملت مع الأرقام بطريقة (حنبلية).. اعني انها قيدت نفسها بمقارنات احصائية، ونأت عن واقع يناقض تماما تلك النتيجة الصادمة بان معدلات الانتحار في العراق هي اقل من معدلاته في العالم، التي هي صحيحة رقميا ولكنها غير صحيحة واقعيا.والمؤسف ان التزامها الحرفي بالارقام دفعها الى ان تقول انها لا تمتلك ارقاما عن معدلات الانتحار في العراق قبل 2003 لتحكم ما اذا كانت قد ارتفعت معدلاته بعدها، وهو تبرير صحيح ايضا لأن الانتحار في العراق ما كان يشكل ظاهرة، فيما المنطق والحقائق ومصادر حكومية وتقارير تتمتع بالمصداقية ودراسات جامعية عراقية تؤكد ان معدلات الانتحار في العراق تضاعفت بعد 2003، اليكم نماذج منها:

• نشرت مفوضية حقوق الأنسان تقريرا عن معدلات الانتحار في العراق حددتها بـ(439 )حالة مسجلة بشكل رسمي خلال عام واحد فقط أغلب ضحاياها من الشباب توزعت بواقع 119 في ذي قار و76 في ديالى و68 في نينوى و44 في بغداد و33 في البصرة و16 بالمثنى و15 في ميسان و12 في واسط،، فيما كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام الجاري وحتى نهاية شهر آيار بلغت 17 حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن 25 سنة (السومرية نيوز، ايار 2013).

• اشارت إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أنها سجلت في العراق 633 حالة إنتحار خلال عام 2013 لوحده، بزيادة وصلت 60 في المئة عن عام 2012.

• خلية ازمة الانتحار في محافظة ذي قار، كشفت عن تسجيل مناطق المحافظة 26 حالة بشكل عام منذ بداية عام 2017، فيما سجلت احصائيات العام 2016 حالة انتحار واحدة اسبوعياً، وأن معظمهم من المتعلمين.

• سجلت جمعية "الأمل" لحقوق المرأة في محافظة كركوك، 20 حالة انتحار خلال شهر واحد داخل المحافظة.

• افادت وزارة حقوق الإنسان بأن أحد الباحثين أجرى في 2015 دراسة عن الظاهرة لمدة 11 شهراً سجل خلالها أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار في مدينة كربلاء غالبيتها بين الفتيات الشابات والمراهقات،

• في عام 2016 سجلت دائرة النجدة 251 حالة انتحار، منها 128 حالة في بغداد وكانت نسبة انتحار النساء أكثر من الرجال.

• شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً في نسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين( الحياة، كانون الثاني 2016)

• نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بواقع 199 حالة في 2013(القدس العربي).وفي تصريح حديث للقضاء العراقي فان بغداد وكربلاء وذي قار تصدرت حالات الانتحار للعام الماضي بواقع 22، 23، 38 حالة على التوالي(الحرة عراق، 5/7/2017).

• اثارتزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات في محافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية إلى التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحدّ من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد) المدى).

• حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الإنتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة (غوغل).

• وسام (25) سنة خريج كلية، احرق نفسه ليلة تزوجت حبيبته من رجل ميسور!، و(س) في الثامنة والثلاثين، انهى حياته بطلقة من مسدسه في مدينة الشطرة، و(ص) في التاسعة والثلاثين القى بنفسه من فوق منارة مسجد في مدينة البطحاء!، و..عشرة شباب انتحروا بشهر واحد في ذي قار! (الشرقية 31 تموز 2017).

تلك نماذج من حقائق تؤكد ان معدلات الانتحار في العراق شكلت ظاهرة اجتماعية خطيرة في عراق ما بعد 2003.

تغييب الفقر والبطالة ومحنة النازحين

وملاحظتنا النقدية الرئيسة على الدراسة والتي نهدف منها الى لفت انتباه الرأي العام العالمي لمحنة شباب العراق بشكل خاص، انها افادت بأن نسبة العامل الاقتصادي بوصفه احد اسباب الانتحار كان Financial problems 12.4%، فيما الواقع يقول ان البطالة في قطاع الشباب، والفقر (الشعبي)، والنزوح تعدّ أهم ثلاثة أسباب للأنتحار ينفرد بها شباب العراق لدى مقارنتهم بشباب دول اوربا التي يعزى الانتحار فيها لأسباب سيكولوجية بالدرجة الأولى. فالتقارير الرسمية العراقية وتصريحات مسؤولين تعترف بان معدلات البطالة بعد التغيير سجلت ارقاما قياسية على صعيد العراق والدول العربية والشرق الأوسط، حيث بلغت في ذي قار (34%)، وأن الاوضاع الاقتصادية ازدادت سوءا لتسجل هي الأخرى ارقاما قياسية حيث تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر سبعة ملايين عراقي، وان هنالك ما بين اربعة الى خمسة ملايين عراقي نزحوا من بيوتهم وسكنوا المخيمات.

 والتحليل النفسي يوصلنا الى ان توالي الخيبات والتعرض الى الأحباط عبر اكثر من عشر سنوات والضائقة المالية التي يعاني منها الشباب لاسيما المتزوجين منهم تجعلهم عاجزين عن مواجهة الضغوط الحياتية والمتطلبات الأسرية، وشعور المواطن بانه غريب في وطنه، واحساسه بانعدام المعنى من وجوده في الحياة..دفعت بعدد كبير منهم للإنتحار في ظل غياب المعالجات الحكومية الحقيقية لمشكلة البطالة.

 وهنالك قضية اجتماعية خطيرة شكلت سببا رئيسا للأنتحار ولم تتعرض لها الدراسة، هي نزوح خمسة ملايين عراقي ليعيشوا حياة قاسية في مخيمات بائسة، فضلا عن تعرضهم الى اهانات واعتداءات على كرامتهم الانسانية.ولكاتب هذه المقالة دراسة وثقت حالات او محاولات انتحار لعشرات الفتيات من عوائل النازحين في المخيمات.

 ختاما:

 نعيد التوكيد بأننا نقدّر عاليا الجهد العلمي الكبير لزملائنا الاطباء النفسيين، وأن الهدف من هذه المقالة هو تصحيح الفكرة التي سيأخذها القاريء الأجنبي، والهيئات الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، والمنظمات المعنية بحقوق الانسان بأن انتحار الشباب في العراق لا يشكل مشكلة لأن نسبته اقل منها عالميا، وتعريفهم بان معدلات الأنتحار بين شباب العراق تضاعفت بعد 2003، وانهم مهددون بالمزيد ان لم يتم معالجة اوضاعهم الاقتصادية بالدرجة الأولى، والقضاء على الفساد الذي يؤمن القضاء على الفقر (الشعبي) في بلد يمتلك كل مقومات الرفاهية لشعبه.

ملحوظة:

 سيتم ترجمة هذه المقالة لنشرها في المجلة الانجليزية ذاتها.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

saleh altaei2حينما تتفتح أبواب التسامح والقبول في مجتمع ما، تتهدم السدود والحدود الوهمية التي يضعها البعض أمام المعرفة، فيضوع عطر المعرفة، وتطيب النفوس بالعلم، فمن علمني حرفا، صيرني عبدا، ومن هنا نجد أن الانفتاح الذي عاشه المسلمون والعرب في حقب مفصلية ومهمة من تاريخهم، أسهم في دفع رجال الأديان الأخرى للإسهام في صنع الحضارة العربية؛ التي نفخر بها اليوم، ونتمنى لو نحقق مثلها، أو أقل منها بعد أن صار تخلفنا مضربا للمثل، وأنى لنا ذلك ونحن بنينا حدودا وسدودا، تفصلنا عن أقرب الناس إلينا، وحتى من هم من جلدتنا وديننا، ثم اتجهنا إلى الآخرين نتهمهم مرة بالكفر، وأخرى بالتآمر، وثالثة بالغربة، مع علمنا الأكيد أنهم موحدون، مخلصون بدلالة النص القرآني، وهم ملح أرضنا بدلالة التاريخ، سكنوها قبلنا، وأنشأوا فيها حضارات قبل حضارتنا، يعبدون الله مثلنا، ويحبون أرضهم مثلنا، ولهم مكارم مثل مكارمنا، نشاركهم ويشاركونا سماتنا وصفاتنا وعاداتنا وتقاليدنا!.

من تلك الديانات التي حاول البعض أن يضع بيننا وبينهم سدا من خرافة، ديانة الصابئة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ثلاث مرات، لا قدح ولا تكفير فيها:

الأولى: في الآية 62 من سورة البقرة: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

الثانية: في الآية 69 من سورة المائدة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

الثالثة: في الآية 17 من سورة الحج: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}

لكن المفسرين والمتكلمين وأصحاب الرأي والمتفيقهين، فضلا عن الجامدين على النص والمتمسكين حرفيا بموروثٍ، هو ليس أكثر من نتاج عقول رجال يصيبون ويخطئون، شرقوا وغربوا علهم يجدون ستارة واهية، حتى ولو من نسيج خيط عنكبوت ليجعلوها حائلا بين المسلم وأخيه الإنسان من أتباع باقي الأديان التي توحد الله الحنان المنان الحي العظيم.

لكن بالرغم من كل تلك الأقوال التي رافقتها أحيانا الأفعال والقيل والقال، أبى الآخرون إلا ان يبذلوا ما لديهم؛ كرماء نجباء، فقدموا للمسلمين وللعرب وللعالم وللإنسانية خدمات خلدها التاريخ، وأفاد منها المسلمون أنفسهم، ولا زلنا ننهل من عطائها ونتعظ بشهد حكمها، وسأتكلم هنا عن نماذج محددة من المبدعين من أتباع ديانة الصابئة الذين خدموا الإنسانية بعلومهم.

من هؤلاء المبدعين الخالدين الحكيم العظيم ثابت بن قرة، الذي تُوفى ببغداد عام 288 هجرية. ومنهم أبو إسحاق الصابي إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حيون الصابي المولود ببغداد سنة 313، والمتوفى فيها سنة 384 هجرية. عرف ثابت بن قرة بمراسلاته وصداقته مع الشريف الرضي. ومن تراثه الذي تركه: كتاب التاجي في أخبار بني بويه، رسالة إلى أبي سهل الكوهي. ولمن يعتقد أن هؤلاء عملوا لمصلحتهم أو رغبة بالعطاء، أقول: يروى عن أبي إسحاق أنه أنشأ في أواخر عمره مرصدين فلكيين مهمين في بغداد، وقام بصناعة عدة آلات منها الاسطرلاب والزيج، فماذا يريد أن يجني من يصنع هذا الجميل في آخر عمره؟!.

ومن هؤلاء المبدعين أبو الحسن هلال بن المحسن بن أبي إسحاق إبراهيم بن إبراهيم بن زهرون بن حيون الصابي الحراني، الملقب بالصدر الأوحد المولود سنة ٣٥٩ والمتوفى سنة ٤٤٨ للهجرة. كاتب ومؤرخ وأديب من بيت اشتهر بالأدب والفضل، فأبوه المحسن الصابئ المتوفى سنة 401 هجرية، كان من أصحاب أبي سعيد السيرافي. وأفاد من رواياته ياقوت الحموي في كتبه، ولقّبه ابن خلكان بالرئيس، وشهد له الخطيب البغدادي أنه كان ثقة صدوقا، وشهد له بحسن السيرة والبلاغة والأدب كثير من أقرانه، فولِّي ديوان الإنشاء ببغداد زمنا. كان أديباً شاعراً من صابئة بغداد، ومن أسرة عريقة أديبة، فجده إبراهيم أبو إسحاق صاحب الرسائل البديعة.

من مؤلفاته الشهيرة كتاب الذيل على تاريخ ثابت بن قرة من وقائع سنة 364 إلى سنة ٤٤٧ هجرية، وكتاب الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والإحسان في الأخبار والنوادر.

وهذا يعني أن الأمة العربية لا يمكن أن تنهض من كبوتها الطويلة إلا بالعودة إلى جذور التسامح التي دعا لها الإسلام، وتركها المسلمون، تأثرا بأقوال ما أنزل الله بها من سلطان، وأول خطوات طريق التسامح هي نبذ عقيدة تكفير الآخر، والنظر إلى الناس وكأنهم سواسية كأسنان المشط، فخير الناس من نفع الناس، لا من كفرهم وحقرهم وقتلهم وهجرهم، دون أن يملك دليلا على صحة ما يفعل!.

 

صالح الطائي