مجدي ابراهيم"في صلاة الحب، تكفي ركعتان، ولكن الوضوء الذي يجعلهمـا مقبولتين، ينبغي أن يكون بالدَّم ..".

هذه عبارة قلبت تفكير أحد المستشرقين رأساً على عَقب وحوَّلت حياته كلها من النقيض إلى النقيض وأوْقفت نظره على مباشرة أذواق صاحبها يوم أن عَرَفَ لها معنى ومدلولاً، فأتحد بقائلها اتحاد عاشق، ثم لم يفنى فيه ويكتفي بالفناء بل توارى خلفه باحثاً منقباً عن آثاره ليظهر أسراره ويكشفها للذائقين .. العبارة للحسين بن منصور الحلاج؛ المتصوف الشهيد. أما المستشرق الذي حَوَّلت عبارة الحلاج حياته كلها فهو المستشرق "لويس ماسينيون" (1883- 1962) الذي غَرَمَ بالحلاج غرام الوالهين، فكتب عنه كتابة روح وبمداد جدٌ وكريم ..

وجد ماسينيون في عبارة الحلاج هذه، مُفَارقة غير أنها مفارقة بدت في نظره ظاهرية : فالدم العادي نجسٌ خصوصاً عند المسلمين، ولكن دم الشهيد ليس كذلك. الشهيد عند المسلمين يُدفن كما هو دون غسل، الشهيد لا يغسّل، فدَمَه طاهر؛ لأنه دم الروح، ودم الروح شهادة باقية ببقاء تلك الروح تحيا الحياة الأبدية.

إنّ شهادة الدم لدى المتصوفة ولدى أهل السّنة هى هى شهادة الحياة؛ حياة الروح .. وفي حياة الروح يجود الرجال بدمائهم قرباناً إلى تلك "الأقانيم العلوية" من فرط ما اشتعل في قلوبهم من محبة خالصة فلا يبالون إنْ لاقوا فيها حتفهم ومثواهم الأخير.

فمن كان على شاكلتهم أحبهم، وأحبَّ فيهم هذا التَّبتُّل العميق واكتفى بالسعادة التي ينتظرها على موعد من محبتهم، فإن محبتهم لهى السعادة عند من يحبهم، ويجد في هذا الحبّ وصلة وقُربة إلى الله.

فمن أوْصَلك إلى الله تعيّن عليك محبته. والذي يقرأ كتب الصوفية بعقل وتنكر لا يفهمها مطلقاً على حقيقتها، وإنْ فهمها فهو فهم من حيث الظاهر البرَّانيِّ لا من حيث العمق الجوَّانيِّ : أعني الظاهر الذي يعطيه العقل لا الباطن الذي يعطيه الذوق. والعقل حجاب، والمحجوب محروم. والمحروم لا يجدي نفعاً لنفسه، فما بالك بغيره أو لغيره؟

العقل شك وإدعاء ومعرفة نظريّة، العقل عكَّاز العاطلين، هو لا شيء بالنسبة إلى الطريق؛ لأن الطريق لسان صدق؛ والعقل كاذبُ، مفتعل، صاحب حيلة، أناني؛ يرى نفسه وتحجبه نفسه عن مواجهة "الحق" الذي ينشده الصوفية.

جوهر التصوف قائم على الحبّ، والحبّ عطاء وبذل وتضحية، وهى أمور لا تعرفها حسابات العقل. لا عقلانية ولا معقوليّة في الطريق ومواجهة الطرق بالعقل تفسده، ولكن المواجهة تكون بالتسليم لا بالإنكار، بالإقرار لا بالرفض، بالإذعان لا بالتأبِّي، بالخضوع والانكسار لا بالتكبر والاعتداد في غير موضع لاعتداد النفس ورؤية الأنا.

الطريق تكون "بالتّعرُّف" قبل النقد. وهل يصحُّ في منطق العقل نفسه أن ننقد شيئاً قبل أن نعرفه؟ هل يجوز في حكم العقل أن نضرب بالعقل في طريق لم يقم أساساً على العقل والمعقول؟!

الطريق لسان صدق، وبين العقل والصدق حدود وسدود وحواجز وقيود.

قد يقال : إننا نعرف الطريق حين نقرأ عنها، وها نحن أولاء قد قرأنا عنها الكثير فلم نستسغ ما فيها فرفضناها رفض العارف لا الجاهل ! وهذا غير صحيح؛ لأن القراءة وحدها لا تعرّف الطريق ولا تجعل منه مادة حياة ولا تبيّن مداخله ومساربه ومواطن قوته ومجاري التفكير فيه. ولو أنك قرأت التصوف من مجرِّب بعد أن تأخذه تجربة وحياة لتذوقته، وأحسست به وشعرت شعور الشاعرين بمدى صدق رجاله في كلماتهم الدالة على أحوالهم، عندها يظهر لك الفرق الفارق بين باحث يدرس التصوف من الخارج وهو معزول عن "النور" يتبدّى الذي يدرسه ظلمة ولو كان مغرماً بشذور العارفين، وبين يقين متحقق ذَاَقَ الطريق واستبان له نورها على يقين من ذلك النور.

التعرّف لمذهب أهل التصوف لا يتأتى بالمقروء وكفى، ولا تكفي القراءة فيه أن تجعل من القارئ عارفاً، هو علاقة لا قراءة؛ ولأن كتب القوم أحوال قلوب، وأحوال القلوب حياة، وحركة، وفعل، وإيجابية، وتلقي، وإلقاء، ولقاء بالحقيقة لقاء مباشراً يتعانق فيه الصوفي مع المطلق؛ ومعانقة الصوفي للمطلق، حبّ، وتبتل، وانقطاع، وشعور دائم بالمعيّة؛ وليس هو من قبيل إدعاء العقل بالمعرفة فما المطلوب إذن؟ ولماذا كل هذه التقريرات الصارخة بما يكشف عن معاداة العقل البشري المكرَّم سلفاً من عند الله؟

من الواضح أننا لا نعادي العقل ولا نخاصمه لمجرد المعاداة والمخاصمة، وكيف لمثلنا أن يعادي النعمة الإلهية الممدوحة من عند الخالق، جل وعلا، لكننا نفرِّق هنا بين عقليين: عقل منطقي استدلالي نظري محدود. وعقل غريزي عملي فطري مفتوح.

الأول؛ بإزاء التصوف مرفوض لأنه عاجزُ لا يَدُّل إلا على عاجز مثله. والثاني؛ مقبول لأنه يحيل إلى ما بعده، وإلى ما فوقه من مراتب الوعي والإدراك. الأول : ينكر التجربة الروحيّة ويسخر منها ويتندَّر عليها.

والثاني : يصدقها ويعمل على شرحها وتحليلها وبيان فوارقها في منبت الشعور وقرارة الضمير. المطلوب إذن أن تعرف شيئاً عن علوم القوم؛ فإذا عَرَفْتَ فألْزم : ألزم العمل، ودع عنك الجدل، وأدخل - إنْ أردت - هذا الرحاب العلوي الكريم بأدب الافتقار، والتسليم، وذُقْ مَذَاق القوم ثم انظر ... ماذا ترى ..؟

ألق عصاك وأترك عكازك : نفسك أو عقلك، ألق عصاك، فهذا جانب الوادي.

هذا الطريقُ مبنيٌ على أركان لا يتخطاها إلى عبث العقول : عبث العقول قد ينفع كثيراً في إفساد الحياة الدنيا، في ألاعيب السياسة والوصول إلى المناصب، في تحصيل الأموال وتكنيز الحطام، في التعالي على خلق الله والاغترار بالزائل من الدنيا، في أذيّة الناس وتدبير المكائد لهم بين دسيسة ووقيعة، في رؤية النفس وممارسة حظوظها؛ في كشوفات الشرِّ وتطبيقاته واختراع الأسلحة التدميرية وتغير خلق الله، في اغتصاب الأراضي والحقوق والشعوب، في حرق شعوب بأكملها واستعبادها ونهب خيراتها، وسلب حرياتها، وإبادتها إبادة جماعيّة. في العنف، في الإرهاب والإسترهاب، في ضيق الأفق وسطحية المفهوم، في التعصب للمذاهب والأفكار، في المصائب والكوارث الآدمية. في الغباء الإنساني والمطالب الترابية؛ في كل شيء .. كل شيء إلا طريق الله لا يصلح معه العبث من عقل أجوف فارغ من المطالب العلويّة وبليد!

العقل عكاز الغافلين .. وهذا الطريق العلوي الأكرم مبنيٌ على الحب، وعلى الوجدان، وعلى معاناة التجربة : سأل رجل أحد الأولياء أن يقرأ عليه تائية ابن الفارض، فقال له : دع عنك هذا! من جاع جوع القوم، وسهر سهرهم، رأى ما رأوا ...!".

ولما كتب ابن عطاء الله السكندري كتابه "التنوير في إسقاط التدبير"، تلوَّنت عباراته فيه بألوان الأدب الرفيع فجادت أنفاسه بكلمات حرة طليقة عبرت عن نفس المعنى السابق تقريباً حيث قال :" فإذا أردت الإشراق والتنوير، فعليك بإسقاط التدبير، وأسلك إلى الله كما سلكوا، تدرك ما أدركوا، أسلك مسالكهم وأنهج مناهجهم، وألق عصاك فهذا جانب الوادي ..".

ألق عصاك .. فهذا جانب الوادي ..! إنها لجملة مقطوعة قطعاً من نفس صاحبها : قطعة معاناة خالصة، فكأنما كتبها بكل ألوان المقاساة فيه، بكليته الإدراكية والروحية، بالدم لا بالمداد، تدعو إلى خوض غمار التجربة وتذوق علوم الحال وتفريغ المحل لما ينبغي أن يحل؛ إنها تعبير دقيق عن حياة الروح : الحياة التي يجود فيها الشهيد بروحه؛ فكما أن الشهيد يبذل دمه قرباناً لتك المعاني الوجودية الكبرى : معاني الفداء بكل معانيه؛ فكذلك المتصوف يبذل نفسه كلها وحياته كلها حين يخوض التجربة ليواجه عالم الروح قرباناً لمن يحبُّ ويدين له بالولاء.

حقاً .. إنّ بقاءنا كله إنْ هو إلا مجرَّد "لحظة" يتَّحد فيها المرء مع من يعشق، وما عليه مطلقاً إذا تجرَّد التجرُّد كله لينال حظوة البقاء في هذه اللحظة الكاشفة .. تلك اللحظة الخاصة المُخَلّصة التي تصيب جوهر الحقيقة لتقدر الزمن حق قدره، لا .. بل لترفع الزمن لتتواصل فوق حدود الزمان والمكان باتجاه السرمدية .. اللحظة التي ينفعل فيها الباطن الحي وتنشط فيها الحماسة الروحية إلى غايتها لهى هى اللحظة التي يبقى فيها الكيان الآدمي موصولاً بالملأ الأعلى من طريق التجربة ومواهب التوفيق .. ألق عَصَاكَ .. فهذا جانب الوادي؛ ففي الوقت الذي تدخل فيه وادي الأبرار، أنت لست في حاجة إلى عكاز العاطلين.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

ماجد احمد الزامليالأضرار التي يتركها الاستبداد الفكري كظاهرة قديمة هي قمع كل فكر مغاير أي ألإستبداد بالرأي، وهذا امر له اثار كبيرة على كافة المستويات السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والأخلاقية، لا بل، يؤدي الاستبداد الفكري إلى صناعة مجتمع خالي من المفكرين والمبدعين، وكل هذه الآثار تكون ذات مردود سلبي على المجتمع، وعلى الدولة، وعلى الفكر، مما يخلق طبقة متسلطة بافكارها لبسط ما تراه هي صحيحا. و عصرنا الراهن وبعد الثورة التكنولوجية الضخمة في الاتصلات السريعة والنقل السريع ووصول المعلومة بأسرع مايمكن، فإذا كانت السلطة في عصرنا تستطيع التضليل في نقل الخبر والتأثير في صياغته، فسيصبح الناس أسرى السلطة الاسبتدادية والموقف الأيديولوجي . ان الالتزام بالمحددات الفكرية المسبقة والمتوارثة عبر الزمن ومن خلال ثقافة الاباء والاجداد ينبغي ان تستبدل بفكرة الوطن والمجتمع. ان الدفاع عن الحريات الفردية ومقاومة أي استبداد تسلطي هو واجب كل فرد في المجتمع الحر. غير أن صفة الاستبداد لا تشمل فقط حكومة الحاكم، بوصفه الفرد المطلق الذي تولّى الحكم بالقوة والقهر، أو الوراثة، بل تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيَّد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً؛ ان المرونة الفكرية المطلوبة لا تفقد الفكرة الأساسية ثوابتها الأستراتيجية ولكنها تتيح لها فرصة المناورة والتفاعل مع الآخر بهدف اغناء تلك الفكرة وتعزيزها بما يخدم الواقع ويجد حلولاً لا متناهية له بفضل تلك المرونة. اما التعصب والأنغلاق الفكري فلن يكون مصيره الا الأستبداد والأنعزال والتقوقع على افكار جامدة وشعارات براقة ليس لها صلة بالواقع. فالاستبداد فكرة أحادية الجانب مهيمنة بذاتها، علي مُخيلة الحاكم، فلا هو يستطيع التخلي عنها ولا يستطيع العيش بدونها، صورة من صور القمع الفكري والتخلف السياسي والجهل الاجتماعي فهو يعتبر فكر التغيير والرأي المتعدد عدوه الأساسي، ولايريد ان يعرف قيم التسامح والمساواة التي يحملها الاخر.

الاستبداد الفكري الذي هو آفة الفكر، تتحول المجتمعات من خلاله إلي رفض الاخر وإلى التناحر والتشدد و إصابة المجتمع البشري بالهزيمة الدائمة. ان الاستبداد الفكري دفع إلى بروز حاجة ملحة في العقود الأخيرة من القرن الماضي لدى الناشطين في الحقل الحقوقي للبحث عن مرجعية فكرية للمفاهيم الدولية والتي تأتي حقوق الإنسان على رأس قائمتها. وفي هذا السياق لابد من الاتفاق على صياغة رؤية مستقبلية للنموذج الديمقراطي المعول عليه، بما يمكن استلهامه من التجارب الأخرى للتحول من الاستبداد إلى الديمقراطية، خلال الموجات للتحول الديمقراطي التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وما يمكن أن تضيفه النخب الفكرية والسياسية العربية على ضوء تجربتها خلال التاريخ المعاصر. وهذا كله يستحيل تحقيقه من دون حوار جدي تشارك فيه كل التيارات والنخب . وقد أكد جون ستيوارت ميل، إن الصلاح الذهني للبشر يتوقف عليه صلاح جميع شؤونهم الأخرى. ولا يتحقق الصلاح الذهني إلا عن طريق إطلاق حرية الفكر والمناقشة والتعبير عن الرأي، وتبريره لذلك هو أن ضرر قمع التعبير عن الرأي أكبر من ضرر السماح له. فإن كان الرأي حقاً فبمنعه نحرم الأجيال الحاضرة والقادمة فرصةَ معرفة الحقيقة، وإن كان الرأي خطأ فإننا نحرمها إدراكَ الحق والتمكن منه عندما يصطدم بالخطأ. إن أخطر ما في ظاهرة الأستبداد هي أننا لا نرى الأشياء على حقيقتها و بالتالي فإننا لا نعطيها حقها الحقيقي، ولكن نرى الأشياء بعيون غيرنا. الفساد السياسي و الوصول إلى سدة الحكم قهرًا، وزوال سيادة القانون، ومنع المشاركة السياسية، ومركزية القرار والحكم، والقضاء على ذوي الحنكة داخل الدولة، وتبني آليات الدولة البوليسية، وقمع حرية الرأي. ويخضع الخطاب العربي المعاصر منذ النّصف الثاني من القرن العشرين لسيطرة المسلّمة القائلة بالامتلاك التام للحقيقة ونفيها عن الآخر، وقد برزت مع هذا الاعتقاد صراعات عديدة بين المدارس الفكرية العربية المختلفة، ولعلّ إشكالية التّراث والحداثة هنا من أبرز دوافع هذه الصّراعات، "... فالحداثيون يرون الآخرين ظلاميين ورجعيين ومتخلّفين وماضويين وسلفيين وغير علميين...إلخ. ودعاة الأصالة على تعدّد مفاهيمها يرون الآخرين متغربين، وأنصار الاستعمار، وعملاء الإمبريالية، أو مرتدين أو كافرين أو جاهليين..إلخ.إن صلب المشكلة السياسية في أي نظام سياسي يتمحور حول أنه ما من إنسان إلا وفي طبعه درجة من الرغبة في التسلط على الآخرين، وإن تولي السلطة بما تتضمنه من احتكار لأدوات الإكراه في المجتمع يهيئ لتلك الرغبة إمكانية التعسف في استعمال السلطة، ومن ثم الوقوع في الاستبداد، وهنا تبرز المشكلة السياسية بمضمون قوامه ما مدى قدرة الفكر الذي يستند إليه النظام السياسي في التنظير للحيلولة دون الانحراف بالسلطة السياسية إلى الوقوع في الاستبداد. صنع من الأفكار الفردية تأثيراً لا يصل إلى الواقع ليكون ملموساً أو حتى قريباً من المجتمع، فالشخصنة عادة ما تقود إلى الاستبداد الفكري الذي من الطبيعي أن يُضعف ويُعرقل فاعلية الاحزاب والمنظمات ويحد من نشاطها، لأن التجديد والإبداع يتطلب جهوداً جماعية تخلق أفكاراً جديدة، فالاحزاب والمنظمات مدارس يتخرج منها كوادر مؤهلة تستطيع التأثير على المجتمع من جميع النواحي سواء من الناحية السياسية بنشر التوعية السياسية التي تعزز الفكر الديمقراطي عبر غرس أفكار تفعيل الشراكة السياسية بين المواطنين والسلطة بمفهوم التعددية الحزبية التي تجعل كل مواطن يشارك في تسيير السلطة العامة واتخاذ القرارات السياسية عبر النواب المنتخبين من قبل الشعب وأيضاً من الناحية الاقتصادية تقديم إحصائية البطالة وما يتبعها من فقر والمساهمة في وضع خطط استراتيجية تستهدف هذه الفئة من الناس، واجتماعياً عن طريق تكريس جهودها في نشر التوعية الأسرية وتناول العديد من المشاكل الاجتماعية. ومن خلال قراءة تأريخ المجتمعات البشرية ان زمن هيمنة قوى الأستبداد والفساد قد يطول ليكون مستوى تدميرها للمجتمعات واسعاً وعميقاً وقد يؤدي في لحظات التراكم التأريخي الحرج الى الأنهيار الكامل لكيانات بعض المجتمعات وشواهدنا على ذلك عديدة وفي مثل هذه اللحظات الحرجة يكون التفاعل الإجتماعي بين الموضوعي والذاتي أكثر تعقيداً وأكثر خطرا، ان عصر الأنوار في القرن الثامن عشر الذي ظهرت به حركة فكرية في أوربا و في فرنسا على الخصوص، اتخذت من الإنسان و حقوقه أساسا للمواضيع المتناولة سواء في الميدان العلمي أو السياسي أو الإنساني و جعل العقل حكما لرفض أو قبول أي شيء كان و العمل على إنشاء مجتمع جديد يقوم على الديمقراطية و الحرية و المساواة.

ينشأ الاستبداد الفكري حينما نتعامل مع ثقافة ترفض الأخر أولا تقبله، و الاستبداد الفكري في ظل سلطة جاهلة مستبدة سر ديمومتها وكيانها في ضعف تعليمها وسذاجة طروحاتها لذا فإن الديكتاتورية ترتبط أول ما ترتبط بتكميم أفواه مفكريها وكثرتهم في المنافي والمعتقلات. الاستبداد الفكري ينشأ حين يتحول العمل الثقافي إلى مشروع تجاري للتضليل يرفض أن تكون الثقافة معبرة عن واقع مجتمعها وصورته الحقيقية وإنما تبقى دائرة في فلك الفرضيات فتكون السلطة هنا تعمل على تنقية الأفكار فتختار منها ما يوافق مصالحها وتغتال أي محاولة لنقاش واقع المجتمع لأنها بنظرهم تهديد لقيم المجتمع وثوابت الدين وتتحول معها الثقافة إلى شعوذات يرفض أن يتعاطاها المثقف لأنها لا تعبر عنه. ان الفكر الانساني هو ثمرة ثقافتنا التي لا بد أن نؤمن بواقعتها وليس بمثاليتها فتسلط علينا اجهزة السلطة، من الطبيعي أن نرفض في هذه الحالة أن نتعامل مع هذه الثقافة الانتقائية لأننا نعيش الالام. لقد اصبح التعايش بين الافكار والاعراق والاديان والمذاهب السياسية، ضرورة لا بديل لها واصبح الانسان يعيش كما هو وليس كما يجب او ما تصوره طموحاته . عدم قناعة النخب الحاكمة في مجتمعاتنا بفكرة التغيير السلمي والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث أنه من المعروف أن الأصل في الدولة أن تكون محايدة ومستقلة كرابطة مدنية تحترم استقلالية الفرد الحر المتساوي مع غيره، والقادر على تسيير أموره بنفسه، وتحديد أهدافه العليا بإرادته. وأن الحكومات ينبغي أن تخضع للمراقبة والمساءلة، وأن الحكام بدورهم يجب أن يخضعوا للقانون والمحاسبة المستمرة، وأن الأمة هي مصدر السلطات وليس الفرد الحاكم المتهالك على السلطة والثروة. ان النتائج المباشرة لتطبيق السياسات الاستبدادية في مجتمعاتنا العربية، قد بنت إنسانا مشلول التفكير مسلوب ألإرادة وانتقالات سريعة من أزمات إلى أخرى، مما قاد إلى ما نحن عليه اليوم من انسداد كل أفق ممكن لإيجاد حلول ومعالجات مثمرة.إذن لابد من بذل الجهود المستمرة لتوفير الحماية للأمن الفكري،لكي لاتشكل الأصولية،عقبة كبيرة أمام بناء سهل لمجتمعات مدنية.

ليس من شك أن التخلف الذي تعيشه أمتنا له أبعاد نفسية وفكرية، وثقافية واقتصادية واجتماعية متشابكة، أن الإنسان العربي يعيش حالة هدر لإنسانيته، هدر ورعب، كما أن الإنسان العربي يعيش حالة قهر متراكمة، وعند النظر العميق في حالتي القهر والهدر الإنساني اللتين يعيشها المواطن العربي، سنجد أنه يعيش حالة دمار نفسي، وفتور عقلي، ويدخل تحت هاتين عدد هائل من صور الإحباط، والحماس والانفعالات غير الواعية، والدعوة إلى إصلاح الأوضاع بسرعة فائقة، وما لم يتم ذلك فالعنف والإقصاء هو الحل الأمثل، وهذا يعني عدم الوعي بالتركة الثقيلة التي خلفها الاستبداد. ويتعذر على الأمة أن تناقش أو تحاسب الدولة ممثلة بالحكومة دون أن يكون لها أحزاب تتولى مركز قيادة الأمة تجاه الدولة، لوجود صعوبات جمة أمامها، لا يذللها إلا وجود قيادة موحدة تتمثل في تكتل، لا في فرد، أو أفراد. ومن هنا كان لزاما أن يقوم في الأمة أحزاب سياسية حقيقية، عملها الوحيد حمل المباديء السامية في التحرر والانعتاق من الاستبدا، وطريقها الوحيد لحمل المباديء هو الطريق السياسي. و قيام هذه الاحزاب لا بد منه لأنه هو الوسيلة العملية التي تقود الأمة وتضمن بقيادتها لها قيام الدولة بمهمتها على أكمل وجه.

ان الاستدلال والتصور للحرية الفردية على انها مطلقة، حيث إنه تصور إيديولوجي لمفهوم الحرية الفردية لايمكن استباحة النظام العام، وأنه باسم النسبية والتطور والكونية، لايمكن مصادرة حق مجتمع كامل في التشريع والتقنيين والتنظيم وحماية النظام العام، وأنه تحت ذريعة وجود قوانين يمكن أن تكون متناقضة مع الحرية يمكن مصادرة حق الأغلبية في التقنين لأنها أغلبية غير واعية او غير مدركة للعمل السياسي، أن القوانين ينبغي أن تكون ضامنة للتعايش، وبحكم وجود مناضلين حقوقيين في المنتديات الدولية يناضلون ضد قوانين تكرس الظلم والاستبداد، ومنها ضمنيا كما هو مفهوم القوانين التي تضبط حرية الأفراد بعدم المساس بالنظام العام، يمكن للبعض وقد يكون أقلية لا اعتبار لها أن يفرض فهمه للحرية الفردية أي رفضه لقوانين المجتمع ونظامه وقيمه. وهذا ما أكده سقراط بقوله "إن أي خلل في سلوك الشعوب هناك دائما خلل في تفكيرها.

ان الأستبداد الفكري لا يمكن مكافحته الا بالمزيد من الديمقراطية بالمفهوم الحديث وقوة المراقبة، ذلك أن الاستبداد لا يمكن الحد منه ما لم يكن هنالك ارتباط في المسؤولية بين السلطات الثلاث . ومن أجل صياغة الإطار الأمثل لإنجاز هذا التحول لابد من إدراك مخاطر الهيمنة القسرية للحزب الواحد، حيث أنها كانت أداة قمع وتهميش للتعددية الفكرية والسياسية الحقيقية. ليس ذلك الإدراك فحسب، بل تنمية فكر سياسي ديمقراطي وتفاهم بين كل الأطراف الفاعلة من أجل إنجاز التحول الديمقراطي المنشود إن أغلب الأدبيات الغربية في مجال العلوم الاجتماعية تُجمع على منح فكر عصر الأنوار الأوربي دوراً أساسياً في تكوين مفهوم حقوق الإنسان لدى النخب العربية . وباستثناء قلة، فإن الباحثين في الغرب يفسرون ظاهرة تكون الوعي بحقوق الإنسان عبر دخول الأفكار المنفتحة التي تؤمن بالاخر.

 

د. ماجد احمد الزاملي

 

 

مجدي ابراهيملي أصدقاءٌ لدىّ أعزاء، يشاركونني الرأي، يوافقون ويعارضون، ويتبادلون معي النقاش حول ما أطرَحه، وأسعد السعادة كلها بما يقدّمُونه من وجهات نظر مختلفة تثير عندي الإعجاب قدر ما تثير دهشة التفكير والتأمل. وأختلفُ معهم أحياناً ويختلفون معي أختلاف محبة وتفاهم لا أختلاف بُغْض وكراهية، من هؤلاء زميلي الكريم الدكتور أشرف الدسوقي الأستاذ بجامعة العريش (مصر)، تخصّص في الأدب الإنجليزي، يُعلّق الصديق العزيز على ما ما أكتبه دائماً بوجهة نظر مغايرة داعية لإثراء الحوار في نقاش هادف وبنَّاء.

كنتُ نشرتُ في السابق مقالاً يتناول فكرة العنف الديني من حيث كونها لدىَ بعض الطوائف والحركات تُوظّف توظيفاً دينياً عن إيمان وتصديق، يعني عن قناعة بوجوب العنف كونه مفروضاً لا من واقع أنفسهم ولكن من جرَّاء أيديولوجية عقديّة، فدار بيننا إذْ ذَاَكَ حِوارٌ طويل، وأنا من جهتي لن أتدخّل فيما ذكره بحذف حرف واحد من كلامه تمهيداً لدفع هذا المقال لنشره بل أُبقي على التعليق كما هو بلفظه ومعناه ثم أعقّبُ عليه تباعاً، وقبل أن أذكر كلماته وَدَدَتُ لو أني أشرتُ لرؤيته التي أجملها هنا رادّاً عليها فيما بعد .

فهو أولاً؛ يُفرّق بين معاملة المجتمع الغربي للفرد ومعاملة المجتمع الإسلامي (وليس العربي!) لنفس الفرد، ويرى أن المعاملة الثانية تولد عنفاً والأولى تخلو من العنف بل تكرم الفرد وتحترم آدميته. وأن الثقافة الإسلامية كونها تدعّم العنف؛ فيها قطع يد السارق، وفيها حدّ الرجم، وفيها التمييز بين الإماء والحرائر، وفرض الجزية على المسيحيين وأهل الذمّة.

وهو ثانياً؛ يرى من الضرورة إعادة تشريع يتوأم مع المتغيرات فيما لا يجب أن نتقوقع داخل كهف مُظلم من التقديس الأعمى !

أنا شخصيّاً أفهم فقه الواقع وفقه الاختلاف في إطار فضاء النّص الديني، ولكني لا أفهم مطلقاً كيف نأتي بتشريع جديد، والنّص الشرعي يقول (وتلك حدود الله فلا تقربوها)، أفهم معنى أن نراعي المستجدات والمتغيرات مع التمسك بالنصوص الدينية لا إلغاء النّص في سبيل هذه المتغيرات.

هذا عندي مفهومٌ معقولٌ، ومعقولٌ كذلك أن نأخذ بالتأويل والاجتهاد فيما لم نجد فيه اتفاقاً بين الواقع والنص، لكن من غير المعقول ومن غير المقبول أيضاً أن يصادم الواقع المتغير نصاً من النصوص الدينية ثم نقول يجب إعادة تشريعه لا تأويله. وإذا كنا بحاجة إلى النظر النقدي لفحص بعض النصوص لتغيّر الزمن واختلاف الظروف ومسايرة العقل والعصر ففي التأويل والاجتهاد غنى وكفاية. على أية حال، هذا هو نصُّ كلام الصديق العزيز :

(إذا أذنب الفرد فى المجتمعات الغربية يتمُّ إعادة تأهيله نفسياً وإدماجه كفرد فاعل فى المجتمع من جديد؛ لأن الفرد (هناك) ما هو الّا حصيلة مكونات فكرية، ولكن فى الثقافة الإسلامية، يتمُّ العلاج بشكل أكثر عنفاً. خذ مثلاً : قطع يد السارق فى بعض الدول. قطع الرقاب، أو مثلاً حدِّ الرجم. الخروج عن مبادىء الدين (الإرتداد) القتل رغم إن المرونة مطلوبة والإقناع أفضل بكثير من التهديد بالعنف والقتل فى حالة عدم الاقتناع؛ فمثلاً : اعتبار المسيحين أهل ذمّة وفرض الجزية عليهم، أو مثلاً فرض الحجاب على المسلمة أمّا الأمَة فلا يجب أن تلبس لبس الحرائر، وهو نوع من التمييز .. مثلاً : الغزوات وتوزيع الغنائم من الأطفال والسبايا. وجعلهم ملك يمين .. وعدم الممانعة من ممارسة الجنس معهم ..كلُّ ذلك يحتاج إلى إعادة تفسير وإعادة تشريع يتوائم مع المتغيرات .. وعدم أخذ النصوص كما هى؛ فقد تكون متوافقة مع عصر يختلف عن عصرنا، وعدم التقوقع داخل كهف التقديس الأعمى بدون فهم ومرونة) .

أمّا ردي فيتلخص في الآتي :

ألاّ يوجد هذا التمييز في المجتمعات الغربية بسبب الدين؟

ما حدث في فرنسا قبل سنوات من منع بعض المسلمات من ممارسة شعائرهن الدينية خيرُ شاهد على ذلك .. أقول لك إنّ : العنصرية والتمييز موجودتان في كل المجتمعات المتقدّمة، لاحظ اليوم اضطهاد الأقليات المسلمة في بريطانيا والنظرة الدونيّة ومناصبة العداء لهم، بماذا تفسّر هذا ؟

إذا لزم أن تكون العنصرية في الشرق فالغرب فيها غرقان. وإذا لزم أن يكون العنف في بلادنا، فالغرب فيه وحلان، هو هو وليس من سواه مَنْ صدّر لنا الفتنة وصدّر العنف ووطّنَ التفرقة والتشرذم والخلاف. إذا كانت المعاملة سيئة عندنا فالذي عندهم أسوأ من كل سوء يخطر على بال .

مع أن صديقي يرى بحكم تعامله مع كثير من الأجانب الذين يهوون دراسة مقارنة الأديان، وفي نفس الوقت لديهم كثير من التساؤلات فيها وهو يستمتع بسماعها. ولا يعتبرها من وجهة نظره الشخصية تشكيكاً فى الدين بل يراها تساؤلاً من جانب العقل المفكر مشروعاً لأى انسان يحبُّ دراسة شيء ثم فهمه. وهو لا يقتنع كثيراً بردود الشيوخ لأنها تفتقد للمنطق وللعلم ولطريقة الاقناع، وتبدو له كترقيع غير منطقى لبعض القضايا الدينية. وإذا كان هناك مهمة لتجديد الخطاب الديني تلقي على عاتق أحد، فهى لا تُلقى على عاتق الشيوخ بمقدار ما تُلقى على عاتق الفلاسفة.  

فلئن كنتُ أتفقُ معه في تلك النقاط الأخيرة فأقول؛ إنّ صديقي في معرض الحوار يرى : إنّ دول الغرب، وليست الدول الإسلاميّة، هى التى فتحت أبوابها للنازحين المسلمين من مناطق الصراع والقتل والتدمير التي ينفذها مسلمون ضد مسلمين. ويرى إنه لو قال قائل : هذا بفعل الغرب نفسه، فالرَّدُ بطبيعة الحال جاهز : وهل كان العرب يتمتعون بكل هذا القدر من الغباء؟ ثم تأتي نقطة ثانية وهى، طالما نحن نتفاخر بتراثنا، فلماذا لا نجد قيمه (بكسر القاف وفتح الميم) مجسّدة فى أى دولة عربية إسلامية؟ إنّه لو قال قائل : المنهج يُساء تطبيقه، فالرّدُ بطبيعة الحال جاهز : وهل أخطأ الجميع ولم تفلح دولة واحدة فى تمثيل هذا المنهج؟ إذا كنتم تقولون : الإسلامُ صالح لكل زمان ومكان؛ فأين هو الدليل على ذلك من واقع المسلمين اليوم؟

مثل هذه التساؤلات تمّت بعد مناقشتها؛ الإجابة عليها من قبل سواء في القديم أو في الحديث؛ فهى ليست بجديدة كل الجدّة؛ فالمقارنة بين الشرق والغرب مقارنة قديمة، أو إنْ شئت قُلْ (المفارقة) لدرجة أن أحدهم صَرَّحَ بأن الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا. والفتنة بين العرب منطلقة من شرارة العزف على المذهبية والطائفية التي هى سلسلة أعمال استخباراتية قذرة، ظاهرها خلاف ديني، وباطنها الخبث الاستخباراتي لصالح إسرائيل والغرب معاً.

الوهم كله؛ في أن نتصوّر إن المسلمين وحدهم يختلفون حول عقائدهم ويصنعون ثقافة التنافر ولا يقبلون التعايش السلمي مع الآخر، وأنّ الخلاف العقدي يجري داخل الثقافة الإسلامية ولا يجري داخل العقائد الأخرى، هذا هو الوهم الذي لا يجيزه منطق مقبول. أما قضية التقدُّم والتخلف فهى موضوع آخر لا يخلو الغرب كله من أن يكون هو علة تخلفنا، منذ أن أطلق أحدهم شعار الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا. الصراع العقدي صناعة أمريكية. بن لادن وتنظيم القاعدة صناعة أمريكية غربية. داعش صناعة أمريكية غربية. الغرب يهمّه أن تكون منطقه الشرق الأوسط ملتهبة بنار الفُرْقة في توتر لا استقرار فيه. وكلنا يعلم المستفيد الوحيد من هذا الصراع العربي - العربي، (إسرائيل)؛ فلنراجع خريطة اليهودي برنارد لويس، وكتاب هيلاري كلينتون (خيارات صعبة)، ونحن نعرف من أن يأتي التخلف، ومن ذا الذي يبذر جرثومة الصراع في المنطقة العربية، ومن المستفيد؟ ولصالح من؟ .. ومع هذا كله، لا نعفى العرب طبعاً من المسؤولية مطلقاً. من أجل هذا؛ لم أشأ التوسُّع فيما دار بينى وبين صديقي من حوار لعلمي بقدم هذه المسائل التي يتجدّد فيها الحديث بين الناس أثناء فترات الضعف والتدهور؛ وبخاصة في الأزمات التي لا يخلو منها حديث الشارع العربي اليوم لكني طرحتُ عليه تباعاً للردود على تساؤلاته قولي :

هل تنكر إن للمسلمين حضارة وأن لهم إسهاماً فيها في السابق تعَلّم منه الغرب وأيقظ أوروبا من نعاسها ؟ هل تنكر مؤلفات ابن سينا والرازي والبيروني وابن رشد والخوارزمي وابن الهيثم وابن حيّان وغيرهم وغيرهم وترجمتها إلى جامعات أوروبا في وقت كان الغرب متخلّفاً؟ إذا كنت تقيس واقع المسلمين اليوم على ماضيهم فما أبخسه من قياس، ناهيك عن قياس هذا الواقع نفسه على تمثل النّص الديني؛ فما أبعدُ الفرق بين فهم النص والواقع الفعلي للمسلمين؛ فالإسلام في ذاته شيءٌ وأحوال المسلمين شيءٌ آخر.

ثم إنَّ الفرق كبيرٌ جداً بين الواقع العربي الذي نعيشه، واقع المسلمين، وبين الإسلام نفسه، قيمه ومبادئه وتعاليمه .. السؤال : هل أخَذَ المسلمون بهذه المبادئ والقيم وطبقوها على واقعهم الفعلي؟ الإجابة .. لا .. ومن هنا جاء التخلف، ومن هنا عَزَّ الإصلاح. ما ظَلَمَ الإسلامُ أحداً قدر ما ظلمته العقلية المتحجرة والحساسيّة الغليظة والوعي الأسود المأفون. وبذلك تجيءُ عبارة (الإسلام صالح لكل زمان ومكان) خالية من المعنى؛ لأن صياغتها بهذه الطريقة خاطئة، نعم! ليس الإسلام بصالح لكل زمان ومكان، ولكن صحة هى تلك العبارة : (يُصْلحُ الإسلام كل زمان ومكان) .

الأديانُ، يا صديقي، بريئةٌ من عنف الإنسان. الإنسان المريض نفسياً والفقير فكرياً وروحيّاً هو الذي يتخذ من العنف الديني سياجاً حافظاً لفقره ومرضه وتخلُّفه .. لكأنما الإرهاب قطعاً قصّةُ نفس ملوثة .. ألا ترى معي إن الغربيين إرهابيون بالعلم تماماً كما يكون الشرقيون إرهابيين بالدين؟ لا فرق عندي من جهة النفس الملوثة هذه، بين الغرب والشرق.

أمّا الإنسان السَّوي، بما إنه سوي، فيرتاح راحة الأبد إلى الحقيقة المطلقة، ويعيش في كنفها عيش السعداء .. لا يعنيه اختلاف الأديان؛ لأنها من أصل واحد، ومن إله واحد لكنه يعنيه السلام النفسي مع الآخر، والله وحده من سيحاسب الجميع يوم تقوم للخلائق موازين الحساب .. لكنه مع ذلك كله، هو أرحم بالخلائق من أنفسهم التي بين جنباتهم ..

ما قال لهم اقتلوا بعضكم بعضاً من أجلي !

وما قال لهم تعصّبوا وتعنّفوا بل قال تراحموا وتعاونوا وتعارفوا .

ما قال لهم أكرهوا الآخر المختلف معكم في العقيدة والدين، ولكن تسامحوا !

ما قال لهم تخلّفوا وتكاسلوا وانتظروا من الغرب صدقات المتسولين.

بل قال بالأمر (وقُلْ اعَملوا فسَيَرَىَ اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُوُلُه والمؤمنون ثمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئكُم بَمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوُنَ) .

الله جميلٌ، وكلامه جميلُ، والعنف شقاء الإنسان؛ لأنه مادة ترابيّة لم تختلط بجمال ما في الكون من مجالي الله .

قد يُقالُ : إنك أخَذْتَ صفات من الله وتركت صفات، أخذتَ صفات الجمال وتركت صفات الجلال .. والعنف والقتل والإرهاب وقطع الرؤوس والحروب والحرمان مجالي لتجليات الغضب الإلهي تماماً كما تكون النار ويكون الشر والقهر والبطش والعذاب الشديد، هذه تجليات صفات الجلال .. فهل خَرَجَ ما في الكون عنه؟

قد يُقالُ : أنت في منطق التوحيد الوجودي قد انحرفت ! .. نعم؛ لأنك قابلت العنف كمجلي إلهي جلالي بمجلى إلهي جمالي، وفرضتَ أن الأوَّلَ يخرجُ عن المشيئة الإلهيّة ليدخل في إرادة الإنسان ومشيئته، ونسبتَ إليه كل أخطاء البشر وأخلاق البشر، وهذا ممّا لا يجوز على الإطلاق؟

بالطبع، فمع من يرى هذا أو مثله كل الحق فيما يقول، لأنه أولاً نظر من جهة الحق واستبعد النظر من جهة الخلق؛ أي نظر من جهة المشيئة الإلهية ولا يخرح عن المشيئة مُشَاء. ولكن العلم بالمشيئة ليس يقع إلا لمن يشاء، أي ليس يقع إلا للّه الخالق العالم بمطلق خلقه ومطلق علمه، ومن هذه الجهة يكون هذا كله أو نحوه ليس حجة على الله الخالق العالم المُشاء، بل حجة على الإنسان. وما دام حجةً على الإنسان، فليس له أن يبرر عنفه وإرهابه وقتله وخطاياه .

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

علجية عيشإن عمل الجاسوس هو البحث عن المعلومات السرية دون أن يحس به أحد مثله مثل اللص الذي يتسلل إلى مكان ما ليسرق شيئا معينا ولأنه معرض للخطر المستمر من أجهزة مكافحة التجسس فهو في اثناء ذلك يفكر في أمنه وسلامته ووسيلة فراره، كما يكون قادرا على السيطرة على أعصابه، ولهذا تتصف أعمال الجاسوسية بالتعقد، والجاسوس أمامه عدو ضخم يتمثل في قوى مقاومة الجاسوسية بجميع أجهزتها وكثرتها وتخصصها، عليه تضليله وعدم السقوط في مخالبه، وهذه مهمة لا يستطيع تأديتها إلا من يسمونه بـ: الجاسوس النموذجي

كل دولة من الدول تقوم بأعمال سرية مستترة سواء كانت في وقت السلم أو الحرب، وذلك لضمان أمنها القومي، هذه الخدمة السرية ليست إلا معركة دهاء لها مراحلها الهجومية والوقائية وهي عبارة عن حرب خفية لها أساليبها وقواعدها، مما جعل هذه الكلمة تدخل في قاموس المصطلحات السياسية، حيث نجد أسماء جديدة مثل الحرب النفسية، وحملات السلام وحرب العصابات والحرب الأهلية وغيرها، فكل دولة الحق في أسرارها الخاصة وهي في نفس الوقت ملتزمة بالمحافظة عليها، كما لها الحق في أن تكشف أسرار الدول الأخرى، هذه الجملة قالها الجاسوس فرانزفون رنيلين وهو من أنجح الجواسيس الألمان في الحرب العالمية الأولى، فالجاسوسية تهدف إلى التفتيش السري على مجهودات الدول الأجنبية للتحقق من قوتها وحركاتها، ثم إبلاغ مثل هذه المعلومات إلى السلطات المختصة بواسطة طرق خفية، وهي تعدُّ واجبا مستقلا، فالجاسوسية قديمة قدم التاريخ عرفها الإنسان، ويعتبر الفراعنة أقدم من استخدم العمليات السرية، وكان طبيبا مصريا قد أرسل من طرف القائد المصري القديم سنوحي إلى بابل، وزوده بمقدار من الذهب ليباشر عمله كطبيب ويكتشف عن كثب خفايا شؤونها، في ذلك الوقت كانت سوريا جزءا من امبراطورية مصر، وكانت بابل وبلاد الحيثيين من أقوى الدول التي تهدد أمن مصر، وكذا بالنسبة لهانبال القرطاجي، فقد ستخدم هذا الأخير في حملة صقلية عميلا له فأرسله إلى صقلية متخفيا في ثياب جندي من أهل صقلية له تاريخ طويل في القتال وذلك للاستيلاء على صقلية، وبذلك ازدادت أهمية الجاسوسية وأخذت أساليبها تتطور، وهذا العمل يحتاج إلى قوة بدنية وذكاء خارق للعادة، كما يتطلب نفقات باهضة.

يثبت المؤرخ المعاصر أرنولد توينبي أن تسعة عشر (19) حضارة تقوضت من الداخل بواسطة شبكات التجسس والمخربين، فقد كانت هذه الأعمار وراء انهيار الإمبراطورية اليونانية والإمبراطورية الرومانية، ولعل الملك رمسيس الأول فرعون مصر أول من نظم شبكة جاسوسية، أما الإسكندر المقدوني فأول من استعمل البريد كوسيلة للتجسس، وعن المهلب أنه كان يوصي أولاده فيقول: عليكم بالمكيدة في الحرب فإنها أبلغ من النجدة، هكذا عرف العرب التجسس في الإسلام كشرط لتحقيق النصر على الأعداء، وسمّى العرب الجواسيس "عُيُونًا"، وكان من أشهر جواسيسهم نعيم بن مسعود الأشجعي الذي لعب دورا مهما في غزوة بدر والخندق، كما اخترق العرب الكتابة بالحبر السرّي من سائل البصل، كما استخدموا عصير الليمون كحبر سري، وفي هذا سبق كبير في فن وعلم التجسس، يقول الإمام الطبري عن الخليفة المنصور المؤسس الفعلي للدولة العباسية، أن المنصور كان يقول: الله توجني أن يكون على بابي أربعة أنفار: قاض لا تأخذه في الله لومة لائم، وصاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، وصاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية، والرابع.. ثمّ عضّ على سبابتيه ثلاث مرات، يقول في كل مرة آه..آه..آه، فقيل له ومن الرابع يا أمير المؤمنين؟ فقال : صاحب بريد يكتب إلي بخبر هؤلاء من الصحة.

أما الانطلاقة الحديثة للتجسس كانت من الغرب، وكانت على يد الكاردينال ريشيلو الذي جعل من الاستخبارات ركنا من أركان الدولة وقد سمّاها بـ: "الجاسوسية الدبلوماسية"، كما أبدى نابليون اهتماما خاصا بالجاسوسية وهو القائل: " إن جاسوسا واحدا في المركز الملائم هو أفضل وأقوى فعالية من عشرين ألف جندي في ميدان المعركة"، أما الإنجليز فقد أطلقوا على الجاسوسية اسم الخدمة الذكية intelligence service، وسمّاها الفرنسيون اسم المكتب الثاني bureau2، وانطلق الأمريكان في وكالة الاستخبارات المركزية ( c.i.a ) التي أصبحت أقوى وأخطر مؤسسة في العالم وكذلك السوفيات الذين سموا مصلحة استخباراتهم بـ: ( k.g.b ) دون إغفال جهاز الاستخبارات الصهيوني (الموساد)، وليس اليابانيون حديثي عهد بالجاسوسية، فلما قررت اليابان إعداد منظمة كاملة للجاسوسية، أنشأت معاهد لتدريب الجواسيس في أرض اليابان، وفي أرض الصين وفي كوريا، وظهرت هذه المنظمات على أنها معاهد للثقافة الرياضية ومعاهد للمصارعة اليابانية وما شابه ذلك من المنشآت.

والجاسوس كما تقول الدراسات نوعان: الأول هو الجاسوس الذي يتجسس لصالح بلده وهو "الجنديٌّ المجهول" الذي ترفعه أمته إلى مصاف العظماء، وقصة رأفت الهجان خير مثال، و الثاني هو الجاسوس الذي يتجسس لصالح دولة أخرى اي الذي يسرب أخبار بلده لدولة أخرى، وهو الخائن ويسمى بـ: "العميل"، وهذا النوع من الجواسيس هو علامة من علامات الإنحطاط التي يجب التصدي لها في كل الجوانب الإقتصادية، السياسية والثقافية، فكثير من المسؤولين لا يعيرون اهتمام للصفقات والاتفاقيات التي يبرمونها مع دول أجنبية تحت أسماء عديدة ، مثل الاعتماد على خبراء أجانب لإنجاز مشاريع ضخمة قد تدوم سنوات، أو اتفاقات التوأمة باسم التبادل الثقافي، وإيفاد وفود أجنبية بحجة تعلم اللغات الأجنبية وغيرها من الأمثلة، وفي حالة ما إذا كان الجاسوس في مهمة خارج بلده، فمن الضروري أن يكون له مساعدين، يسند إليهم في عمله، فهناك مثلا عميل اتصالات وهو ما يطلق عليه الفرنسيون اصطلاح agent de liaison، كما أن هناك عملاء واجبهم استضافة الجاسوس، ويعدون لهم عناوين إقامة أو يبقى عندهم بعض الوقت لتمويه تحركاته وسترها وليواجه كل المواقف الحرجة التي يمكن أن تواجهه.

والجاسوس أمامه عدو ضخم يتمثل في قوى مقاومة الجاسوسية بجميع أجهزتها وكثرتها وتخصصها، وهنا يمكن الحديث عن "الجاسوس النموذجي"، ولتسهيل المهام فقد استطاعت الإيديولوجية أن تلعب دورا كبيرا في استخدام "النساء" في عمليات التجسس، عملا بالمقولة التالية: "مخدع الرجل مقر أسراره"، فقد رأى مسؤولي الاستخبارات أن أفضل مكان لاستخراج أسرار الرجل هو مخدعه عندما يكون بين أحضان امرأة، والواقع أن هذه العبارة صحيحة إلى حد ما، لأن الرجال تحت التأثير المباشر للعلاقات الجنسية يفقدون القدرة على الواقعية والحكمة، حيث تطغى هنا قوة عاطفية توحي بالثقة بالمرأة، وهي ثقة ليست في محلها، إذ أثبتت حوادث التاريخ أنها اصطناعية، وقد تحدث التاريخ عن نساء كنّ في مستوى الجاسوس النموذجي، نساء من نوع خاص مارسن عمل الجاسوس عن طريق العلاقات الجنسية مع كبار المسؤولين وحتى الحكام، بحيث لم يعد السؤال أيّ نوع من الرجال تتطلبه أعمال الجاسوسية؟ بل النساء أيضا، لأنه ثبت أن النساء أكثر مهارة في عمليات التجسس، تضير بعض الدراسات أن الجاسوس لا يعرف هويته وقد يموت وهو مجهول الهوية، وتعمل بعض الأحزاب السياسية والجمعيات الشبانية والطلابية وكذلك المؤسسات، والشركات الصناعية وعلى رأسها شركات النفط ضمن شبكات التجسس، وهي متعددة الجنسيات، وقد تحمل جنسيات وهمية، ولها فروع في كل بلد بقبعات اقتصادية وثقافية.

 

علجية عيش

للمقال مراجع

 

نايف عبوشتعاقب الأجيال من السلف إلى الخلف ظاهرة اجتماعية، وحقيقة حياتية قائمة. وهي بموضوعية تواترها، احد حتميات سنن التطور في الحياة. إلا ان الملاحظ، ان الفجوة التي تحدث بين الجيل الحالي، وبين الجيل الذي يليه، تزداد اتساعا، وتترسخ عمقا، بشكل متواتر، وملفت للنظر، مع مرور الزمن.

ومع مفاعيل حركة الزمن، وبالتفاعل مع معطيات التطور، والإنجازات العلمية، والتقنية، التي تطالعنا بها الحداثة، يوما بعد يوم، فإن الكثير من القيم، والتقاليد الاجتماعية، باتت تتعرض للكثير من التغيرات. بل ان البعض منها، كاد يختفي من الوجود، حيث تحل محلها تقاليد، وعادات جديدة، تستولدها ضرورات التطور، ومسايرة الحال.

وفي الأجيال السابقة، كان الترادف قوياً بين الأجيال، وكان التواصل الاجتماعي الحقيقي التقليدي، ملتحما بشكل متماسك، بين الجيل السالف، والجيل اللاحق له، من الشباب. فقد كانت مجالس السمر قائمة، وعامرة في الدواوين، وفي مجالس الحارات، وفي المناسبات بكافة أشكالها، مع ما يرافقها من طقوس اجتماعية متوارثة. وقد كان جيل الشباب حريصاً على محاكاة الاسلاف في السلوك، من حيث تمثل قيم الرجولة، والشجاعة، والتمسك بالكرم، والامانة، والعفة، وغيرها. كما كان السلف يحرصون على تربية الشباب، على مناقبية الصدق، والفضيلة، واحترام القيم الاجتماعية، وتوقير الكبار، والتفسح في المجلس، وذلك من خلال النصح والإرشاد، وتداول الحكايات التراثية، وترديد القصائد التي تتغنى بتلك القيم. وحيث كانت وسائل التواصل الاجتماعي محدودة، وبطيئة السرعة، يوم ذاك، فإن تأثيرها، موجبا ام سالبا، على ظاهرة الترادف، كان بطيئا جداً، بل ولا يكاد يذكر.

على ان سرعة التطورات المادية، العلمية، والتقنية، للحداثة في العصر الراهن، كانت هائلة، ومن ثم فإن تأثيراتها بشقيها السالب، والموجب، جاءت فعالة. وقد افرزت تقنيات الشبكة العنكبوتية، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي الجديدة، منتديات جديدة بديلة للحوار، والتواصل، والدردشة، حلت محل مجالس السمر التقليدية، حيث أنتجت واقعا جديداً، من الواقع الافتراضي بكل ما فيه من تسهيلات، ومغريات، والذي أوشك ان يحل بالكامل، محل الواقع الحقيقي للحياة الاجتماعية، التي التي كنا نعيشها بسعادة، حتى الأمس القريب.

ومنذ ان أصبح الواقع الافتراضي الرقمي الجديد، حقيقة واقعة ، سارع الجيل الحالي للإنغماس فيه بالكامل، واخذ ينفصل تدريجياً عن واقعه الاجتماعي، بكل حلقاته التقليدية ، الأسرية منها، والاجتماعية، الأمر الذي خلق فجوة شاسعة، بين الجيل القديم من السلف ، وبين الجيل الجديد من الشباب، وبشكل أضعف حس الشباب بدفء الترابط، والتواصل الاجتماعي الحقيقي، مع بيئته الاجتماعية الفعلية، بعد ان اعتمد قيما، وتقاليد، بل، ولغة دردشة جديدة غريبة، عنها تماماً .

وهكذا أخذت العصرنة بوسائل الرقمية الجديدة، وبما افزرته من قيم، وسلوكيات طارئة، تفرض نفسها بإلحاح، على جيل الشباب، وتحد في نفس الوقت، من سلطة المجتع، وتهمش دور الجيل السالف، في ضبط سلوك الشباب، والحفاظ، على العادات، والتقاليد، والتراث.

ولذلك بات الأمرُ يتطلَّب الإنتباه الجدي، إلى خطورة الانفصام بين الأجيال، وضرورة الحرص على إدامة التواصل الاجتماعي الحقيقي التقليدي بين الأجيال، حتى بالحدود الدنيا، مع ممارسة التعامل مع الجيل الجديد، بأعلى درجات التفهم لمتطلبات العصرنة، دون التفريط بالقيم، والتقاليد الاجتماعية، والحث على التمسك بأصالة الهوية، والحفاظ على كل ما هو إيجابي من الموروث الشعبي،وذلك لتفادي الاستلاب، والضياع بمرور الزمن.

 

نايف عبوش

 

 

ماجد احمد الزامليلكل مرحلة زمنية من حياة المجتمعات، نمط وأسلوب محدد لطريقة وطبيعة حياة الإنسان والمجتمع حسب الظروف الاقتصادية ومستوى التطور العلمي والتكنولوجي في تعامل الإنسان مع بيئته، وهذه الأمور بدورها تحدد وتؤطر هوية الإنسان، وأن أي تغيير في هذه العناصر يؤدي به إلى أن يراجع نفسه وعلاقته ببيئته الاجتماعية وعلاقاته الاقتصادية والسياسية. وتتوسع آفاق رؤية الإنسان مع تطور إمكانياته التقنية للاتصال والإنتاج والسيطرة على الطبيعة، وبالتالي تتوسع رقعة تعامله مع الطبيعة والمجتمع، لأنه مع اكتشاف الالة بدأت رحلات الإنسان للأماكن البعيدة وإزداد معها احتكاكه واختلاطه بالآخرين وإنفتاحه أكثر على العالم الخارجي، و تزداد مع ذلك قدرة الإنتاج وطبيعته وتنشأ المدن الكبيرة.

ومن هنا يكتشف الإنسان هويته الفردية والجماعية، ويزداد المجتمع تعقيداً وتنوعاً، وتأخذ الدولة الحديثة مكان الاقطاعيات والامبراطوريات، وتظهر مفاهيم مثل القومية، الأمة، المواطنة، العقد الاجتماعي، والسيادة الشعبية، وحقوق الإنسان، والمشاركة السياسية، والديمقراطية... الخ. وتحل الهوية القومية محل الأنماط الأخرى السابقة للهوية مثل الهويات الصغيرة ماقبل القومية (القبلي، المناطقية والطائفية والمذهبية)، والهويات الواسعة . وفي عصرنا الراهن عصر الانترنيت وتوافر المواصلات السريعة والاتصال مرحلة انتهاء الحدود بين المجتمعات، وأصبحت الحدود القومية واهنة، وأصبح العالم مرة أخرى قرية كما كان في المرحلة الأولى، ولكن قرية عالمية واسعة وشاملة تتضمن كل البشرية معاً. إن المستوى التكنولوجي يؤثر في طبيعة العلاقات بين البشر ويحددها، وبالتالي يؤثر في هويتهم، وفي المرحلة الأولى حيث المستوى التقني متدني يصاحبها مستوى ضعيف من العلاقات والاتصال والسيطرة ضعيفة على الطبيعة، ونمط معين من الهوية (على المستوى الفردي والجماعي)، وفي مرحلة تطور التكنولوجيا وتزايد السيطرة على الطبيعة وتجاوز الإنسان الأطر الضيقة للهوية والعلاقات (الفردي والجماعي) وتنشأ الدولة الحديثة والأمة.

وﺗﻘﺮﻳﺮ اﻟﻤﺼﻴﺮ ﻓﻲ إﻃﺎر دوﻟﺔ ذات ﺳﻴﺎدة ﻣﻌﻴﺎرا ﻟﻠﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ اﻹﺛﻨﻴﺔ اﻟﻌﺮﻗﻴﺔ (واﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ) . اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ أﻹﺛﻨﻴﺔ اﻟﻌﺮﻗﻴﺔ، هي ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺗﻜﻮن ﻷﻓﺮادها ﺑﻌﺾ اﻷﺳﺲ اﻟﻤﺸﺘﺮكة ﻣﺜﻞ اﻷﺻﻞ، اﻟﻠﻐﺔ، اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ، اﻟﺘﺎرﻳﺦ وأﺣﻴﺎﻧﺎ اﻟﺪﻳﺎﻧﺔ. وهﺬﻩ اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ ذات هوﻳﺔ ﻣﺸﺘﺮكة، ﺗﻄﻤﺢ إﻟﻰ ﺗﻘﺮﻳﺮ ﻣﺼﻴﺮها . اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﺗﻮﺣّﺪ اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ وﺗﻤﻴّﺰها ﻋﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎت أﺧﺮى .ﻣﻦ هذﻩ اﻷﺳﺲ اﻟﻠﻐﺔ، اﻷﺻﻞ، اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ واﻟﺘﺎرﻳﺦ وأﺣﻴﺎﻧﺎ اﻟﺪﻳﺎﻧﺔ وهذﻩ ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ ﻻ إرادﻳﺔ .أي أن اﻻﻧﺘﻤﺎء إﻟﻰ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﺑﻨﺎء ﻋﻠﻰ هذﻩ اﻷﺳﺲ ليس ﺑﺈرادة اﻟﻔﺮد، ﻟﻜﻦ اﻹﻧﺴﺎن ﻳﻮلد ﻓﺮدًا ﻣﻦ أﻣﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ .وﻣﻊ ذك ﻓﺈن هذﻩ اﻷﺳﺲ اﻟﺘﻲ ﺗﻀﻤﻦ ﺑﻠﻮرة اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ اﻹﺛﻨﻴﺔ، ﻟﻴﺴﺖ اﻷﺳﺲ اﻟﻮﺣﻴﺪة اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﺒﻠﻮرة أﻳﺔ ﻗﻮﻣﻴﺔ. ﻣﻊ ﻣﺮور اﻟﻮﻗﺖ ﺗﺒﻴّﻦ أن ﺑﻠﻮرة اﻟﻘﻮﻣﻴﺎت اﻟﺸﻌﻮب (ﻧﺠﻤﺖ إﻟﻰ ﺣﺪ كبير ﻋﻦ ﺗﻜﻮن أﺳﺲ إﺿﺎﻓﻴﺔ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺧﻴﺎرﻳﺔ) . هذﻩ اﻷﺳﺲ - اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ واﻟﻘﻴﻢ اﻟﻤﺸﺘﺮكة ﺗﻮﺣّﺪ ﺑﺪورها اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ وﺗﺒﻨﻲ ﻣﻨﻬﺎ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﺻﺎدرة ﻋﻦ إرادة ﻣﺸﺘﺮكة وﻋﻦ ﺧﻴﺎر اﻷﻓﺮاد ﻟﺘﺠﻤﻊ ﺿﻤﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻗﻮﻣﻴﺔ ﻓﻤﺜﻼ، اﻷﻣﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺗﻜﻮﻧﺖ ﺑﻌﺪ اﻟﺼﺮاع اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ اﻟﺬي دار أﺛﻨﺎء اﻟﺜﻮرة اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ .هﺬﻩ اﻷﻣﺔ ﺗﺒﻠﻮرت ﻋﻠﻰ أﺳﺲ أﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ اﻟﺜﻮار اﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮا ﺑﻘﻴﻢ اﻟﺤﺮﻳﺔ، اﻟﻤﺴﺎواة واﻷﺧﻮة، وﻧﺎﺿﻠﻮا ﻣﻦ أﺟﻞ ﺗﺤﻘﻴﻘﻬﺎ، ﻓﻲ إﻃﺎر دوﻟﺔ ﻓﺮﻧﺴﻴﺔ .أﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ اﻟﺜﻮرة اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ اﻟﻤﺮﺗﻜﺰة ﻋﻠﻰ هذه اﻟﻘﻴﻢ أﺻﺒﺤﺖ ﻣﺤﻮرا ﻟﻠﺒﻠﻮرة اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ واﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ اﻟﻤﺸﺘﺮكة ﻟﻸﻣﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ . كذلك ﺗﺒﻠﻮرت اﻷﻣﺔ ألاﻣﺮكية ﺑﻌﺪ اﻧﻔﺼﺎﻟﻬﺎ ﻋﻦ اﻹﻃﺎر اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ اﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ وﺑﻨﺎء إﻃﺎر وﻣﺆﺳﺴﺎت ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﺟﺪﻳﺪة وﻣﺴﺘﻘﻠﺔ .هذه اﻟﻤﺆﺳﺴﺎت واﻟﺘﺮاث اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ اﻟﺬي ﺗﻄﻮر الى ماهو عليه الان.

الدولة الحديثة ظاهرة اجتماعية سياسية قانونية، وهي التجسيد القانوني والسياسي والثقافي لمجموعة بشرية ذات علاقة وثيقة بالهوية الجماعية لهذه المجموعة البشرية التي تجسدها و قد أثرت الدولة الحديثة لكونها نتاج ومنتج الحداثة والعصرنة، كثيراً في المجتمعات التقليدية وغيرت من تركيبتها وتكوينها وشكلها، من هنا فالهوية جوهر التفاعلات التي ينتجها عقد بين مكونات الدولة ولكافة مكوناتها الداخلية. الدولة إطار كلي، ينتج عن تمازج مجموعة من العناصر، الأمة المكونة للجماعة السياسية، والقيم والقوانين المكونة للنظام، والإقليم المكون للوطن، والمؤسسات الإدارية (المدنية والعسكرية) المكونة للسلطة، وروح وجوهر هذا الرابط والنظام الكلي المسمى بالدولة، وكلما تمازجت وتناغمت واتحدت هذه العناصر ببعضها البعض في الوعي والثقافة والتشريع والتطبيق، كلما تكاملت وتنظمت وترسخت أسسها؛ كلما قويت الدولة وتجذرت، ومن هنا فبقاء الدولة مرتبط بفاعلية الهوية وقدرتها على البقاء والتجديد والتطور. بناء الدولة عملية تتعلق بتأسيس، وإنشاء، وتقوية بنية المؤسسات، وقدرات الدولة، أي أن بناء الدولة يتم بصورة أساسية على المستوى المؤسساتي، ولكن هذا لا يكفي لأنَّه يحتاج إلى الاعتماد على الفاعل السياسي الذي يتوقف عليه تكوين ووجود هذه الدولة، ومن هنا نرى: بأن هذه العملية ترافقها عملية أخرى على المستوى الاجتماعي والثقافي وهي بناء الأمة، وهي عملية تهدف إلى خلق وإنشاء هوية جماعية لكي يستطيع جميع أفراد هذا المجتمع التماهي والتماثل مع بعضهم في الدولة. نشأة الدولة الحديثة أدت إلى إبراز مسألة وإشكالية الهوية الوطنية والهوية القومية مقابل الهويات التقليدية السابقة للجماعات البشرية، لأن مسألة الهوية الوطنية والقومية لم تكن ذات تأثير بالنسبة للمجتمعات داخل الإمبراطوريات الكبيرة والواسعة والأنساق السياسية السابقة على نشأة الدولة الحديثة.

لقد قادت التطورات الاقتصادية المعاصرة ونمو المدن والعولمة، وتزايد الهجرة والتقارب المتزايد بين المجتمعات في العالم المعاصر، الناس إعادة التفكير بهوياتهم وتعريفها بلغة مشتركة أكثر حميمية ودقة، فبدأت الهويات الثقافية والقومية الثانوية والمحلية تتقدم على الهويات الوطنية الأكثر اتساعاً، والناس ينتمون إلى أولئك الذين يشاركونهم الوعي الإثني المشترك والديني والتقاليد والأصل المشترك والتاريخ المشترك. وفي علاقة توسع القاعدة الجماهيرية لممارسة السلطات أي المشاركة السياسية والهوية، يقول (هنتنغتون) بأن الديمقراطية تعني في الحد الأدنى أن يختار الشعب حكامه، وبأوسع من ذلك، أن يشارك في الحكومة، وهكذا تصبح مسألة الهوية مركزية، إذ لا يستطيع الشعب أن يقرر إلى أن يقرر أحد من هو الشعب، وقرار من هو الشعب قد يكون نتيجة تقليد طويل الأمد. ويتقدم الجدل حول كيفية تعريف الهوية، ومن هو المواطن إلى الواجهة في مرحلة الانتقال من الحكومات الفردية إلى الديمقراطية وعندما تواجه الديمقراطيات كثيراً من المطالبين الجدد بالمواطنة، أي (المشاركة السياسية) والحقوق بصورة عامة، وبذلك ترتبط مسألة السيادة الشعبية، أي كون الشعب مصدر السلطات والشرعية في الحكم والدولة الحديثة بإشكالية الهوية الجماعية.

ويرى (فوكوياما) حول الدولة القومية، "لقد كان لنمو الدول القومية بعد الثورة الفرنسية عدة نتائج مهمة أثرت بصورة أساسية على الطبيعة السياسية الدولية، إذ أصبحت حروب الملكيات الحاكمة مستحيلة، تلك التي كان فيها الأمير يدفع، وبكل بساطة، بمجموعات من المزارعين من جنسيات مختلفة إلى المعارك لغزو المدن أو المقاطعات"(1 ).ويضيف بأنه كنتيجة للضغوط القومية سقطت الإمبراطوريات المتعددة الجنسيات كالهابسبورج، والعثمانية، وأن القوى العسكرية الحديثة، كالسياسة، قد أصبحت أكثر ديمقراطية بكثير لارتكازها أساساً على (الهوية الجماعية) للسكان، فتغدو أهداف الحروب، بفعل مشاركة هؤلاء السكان، متوافقة مع الصالح العام للأمة جمعاء وليس فقط مع طموحات أو بالأحرى نزوات فرد واحد ولو كان السلطان، ويعني هذا بأن القومية أصبحت كهوية جماعية، أساساً للهوية الوطنية أي هوية الدولة الحديثة. لقد برز نموذج -الدولةالأمة -ووصل إلى ذروته في القرن التاسع عشر، وأخذ هذا التألق شكل أسطورة للأمة وتعبيراً عنها كشخص فوق بشري، لذلك لم يعد ممكناً لأية جماعة أن تعتبر نفسها أمة أن تتصور وجودها دون -دولة أمة- على الطراز الأوربي، إذ أصبحت -الدولة الأمة- و بحكم تبلور النظام الدولي حولها كوحدة أساسية. وتقوم الدولة القومية بإنتاج نظام مؤسسي مركب جديد للهوية، وهذه وظيفة خلق أو بناء الأمة، الدولة والأمة تربطهما بشكل رئيس رابطة الأرض، فكل من الدولة والأمة تشتركان في التصاق كل منهما بعنصر المساحة التي تشغلها. علاقة الدولة الحديثة بالهوية يتجلى عن طريق إشكالية الهوية الوطنية، والهوية القومية كأنماط وأشكال حديثة للهوية الجماعية في المجتمعات الحديثة، إذ مرت هذه العلاقة الإشكالية بصعوبات كثيرة ومختلفة كانت على مرحلتين رئيستين هما: مرحلة نشأة الدولة الحديثة، وبلورة هويتها الوطنية، وكل ماصاحبها من صعوبات وتحديات، والمرحلة المعاصرة، ومايواجهها من تحديات تهدد هويتها الوطنية، وصراعها من أجل البقاء بتشكيلاتها السابقة، وبالرغم من أن الكثير من دول العالم لم تستطع أساساً تجاوز تحدياتها القديمة التي تعود إلى مرحلة النشأة، فقد أضافت الظروف الدولية والعالمية المعاصرة الراهنة إليها تحديات جديدة أثقلت كاهلها أكثر، وهددت وجودها كدولة.

ان مصدر الشرعية في جذر إرادة الدول القومية الدستورية و أساسها هو مبادئ ليبرالية أعلى من قوانين أو قرارات الدولة القومية( من وجهة نظر الامريكان). ويرى الأوربيون أن كون القرار اتخذ بحسب الإجراءات الديمقراطية لا يعنى كونه موافقا لتلك القيم الليبرالية. لكن الاعتقاد في مثل هذه القيم المجردة قد يكون هو نفسه سببا في سوء استعمال النخب لها لأنه سيعطيها الحق في أن تفسر إرادة المجتمع الدولي بحسب ما يروق لها. المشكلة الثانية بالنسبة للمفهوم الأوربي هي من الذي يملك قوة التنفيذ. إن المجتمع الدولي وهو لا حقيقة له في الواقع فيما يتعلق بقوة التنفيذ لأن هذه إنما تملكها الدولة القومية. قليلون الآن هم الذين يدافعون عن مبدأ السيادة بعد ان اصبحت السيادة غير مطلقة وتداخلت مصالح الدول وكذلك الدفاع عن حقوق الانسان . لكن القضية هي من الذي له أن يقرر انتهاك السيادة وعلى أي أساس. الأوربيون لا يقرون انفراد الولايات المتحدة بمثل هذا القرار ويرون أنه لا بد من إيجاد نظام عالمي قائم على قاعدة ومناسب مع ظروف عالم ما بعد الحرب الباردة. إنه يزعجهم إعلان الرئيس بوش عن مبدأ فضفاض للمبادرة بالهجوم ضد الإرهابيين أو الدول التي تدعم الإرهاب تكون الولايات المتحدة فيه هي وحدها التي تقرر أين ومتى تلجأ إلى استعمال القوة. هذا معناه أن الولايات المتحدة تطلب من المجتمع الدولي أن يفوضها هي وحدها في اتخاذ مثل هذا القرار لأنها لا تقبل أن تمارسه دولة كروسيا مثلا. يرى بعض المفكرين الأمريكان أن من أسباب هذا الخلاف أن الأوربيين بما أنهم أضعف من الولايات المتحدة فإنهم يرون أن من مصلحتهم التقيد بمعايير و بقواعد عالمية تكون ملزمة لأمريكا. أما أمريكا فترى أن من مصلحتها الانفراد بالقرار لأنها أقوى من غيرها سلاحا واقتصادا وتقنية.

 

 د. ماجد احمد الزاملي

......................

1) فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، م س ذ، ص25

 

 

رائد جبار كاظمـ (الدين كائن حي ينمو ويتطور ويمرض، وربما يصاب بسرطان مميت. فربّ ديانة منفتحة انغلقت، وربّ ديانة منغلقة انفتحت. من هنا تأتي الحاجةُ إلى تتابع النبوات، والضرورات الأبدية لإصلاح الأديان وتجديدها. فليس هناك ديانةٌ تحتكر المحبةَ والحرياتِ والحقوقَ واحترامَ كرامة الكائن البشري، وليس هناك تاريخُ ديانةٍ منزّهٌ من التعصب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان.) الرفاعي. في الايمانِ تتحدثُ الأديانُ لغةً واحدةً.

ـ (لا يمكننا تحديث التفكير الديني في الإسلام إلاّ بالخلاصِ من الأنساق اللاهوتية المتوارثة، التي يجري فيها خلط وتلبيس بين الله وتصور البشر لله، بين المقدس وتصور البشر للمقدس، بين الدين ومعرفة البشر للدين. وفضحِ العنف والظلم والتعسف والطغيان الذي ظلّ على الدوام يستغل صورةَ الله، ويمارس العدوان ويسفك الدماء باسمه.) الرفاعي. فلسفة الدين: رؤية موجزة لمفهومها واتجاهاتها ومباحثها

ـ (لقد تصدّعت الأخلاقُ في مدونة الفقه الإسلامي، ولم تكترث هذه المدونةُ بالنزعة الإنسانية في الدين، بعد أن ربطت كلَّ معنى أخلاقي وإنساني بالفقه، وشدّدت على الصلة العضوية بينهما، وكأن لا أخلاقَ خارجَ المدوّنة الفقهية، حتى صارت هذه القضيةُ واحدةً من المسلّمات المضمرة في العقل الفقهي، وذلك ما ضيّع شيئاً من معاني الأخلاق. ولم يقتصر ذلك على الفقهاء؛ بل لم يتخذ متكلمو الإسلام ومحدثوه ومفسروه من العقلِ الأخلاقي مرجعيةً في فهمهم للإسلامِ وتفسيرهم لنصوصه المقدسة.) الرفاعي. الأخلاقُ والمدونة الفقهية.

......................

يعد حقل ومبحث فلسفة الدين من المباحث الفلسفية المهمة التي ظهرت في الغرب في كتابات الفلاسفة في القرن الثامن عشر الميلادي مع عمانؤيل كانت وهيجل وفيورباخ وغيرهم، وقد أهتم بها معاصراً مجموعة من المفكرين العرب والمسلمين، ويتضح ذلك في مشاريع فكرية كبيرة قُدمت في هذا المجال من لدن مفكرين شغلوا حيزاً في الفكر العربي والاسلامي المعاصر، امثال محمد أركون وحسن حنفي ونصر حامد أبي زيد ومحمد أبي القاسم حاج حمد عربياً، وعبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وداريوش شايغان ايرانياً واسلامياً، وهناك من جمع بين الخطين أو بين هذين الاتجاهين بصورته العربية والاسلامية، او العربية والايرانية، وهو ما تجسد في فكر المفكر العربي الاسلامي العراقي عبد الجبار الرفاعي، الذي أحد ممثلي ورواد فلسفة الدين في الفكر العربي الاسلامي المعاصر، والذي أستفاد من التجارب الفكرية العربية والاسلامية في هذا المجال، وهناك منابع كثيرة كونت فكر وفلسفة الدين عند الرفاعي، يمكن أرجاعها الى ثلاثة مصادر هي :

1ـ المصدر العربي الاسلامي.

2ـ المصدر الايراني.

3ـ المصدر الغربي.

وهذه المصادر المعرفية أشتركت جميعها في تكوين شخصية الرفاعي الفكرية، بتنوع آداب وفنون وعلوم تلك المصادر المعرفية، من فقهية وكلامية وفلسفية وأخلاقية وصوفية وعرفانية ونفسية واجتماعية، ففي كل مرحلة عمرية وزمنية مر بها الرفاعي نجده ينسجم مع حقول معرفية معينة، يدرسها ويتعايش معها ويتقن فنونها ويتعرف على رجالاتها ويكتب ويترجم أعمالهم الفكرية، واذا كان للمصدرين الأول والثاني قوتهما وأثرهما في فكر الرفاعي في بداية تشكل ونمو مشواره الفكري والمعرفي، فأن المصدر الثالث بدأ يتكون مؤخراً لدى الرفاعي من خلال قراءته وترجمته لنصوص في الفلسفة الوجودية والتأويل وفلسفة اللغة، ويمكن وفق تلك المراحل الزمنية المعرفية وضع ثلاثة مراحل لتشكل فكر الرفاعي ومعرفته وهي :

1ـ مرحلة النشأة والتكون.

2ـ مرحلة النمو والتطور.

3ـ مرحلة الانفتاح والتكامل.

ويشبه الرفاعي من حيث تلك المراحل المعرفية بما مر به الفيلسوف الغزالي، مع الفارق الأيديولوجي، الذي أوضحه وطرحه الثاني بصورة مفصلة في كتابه (المنقذ من الضلال) وتنقله من ميدان الفقه الى الكلام الى الفلسفة وصولاً الى التصوف، الذي يشبه العلم الأخير الى حد ما موضوع فلسفة الدين اليوم الذي ولج الرفاعي ميدانه بقوة، لما له من تأثير وحضور ومنهج على الساحة الفكرية والفلسفية، والذي ينطلق منهجها من خلال العقل بعيداً عن هيمنة النص الديني والنقل، ورغم التنوع المعرفي والفكري والثقافي للرفاعي فهو يشبه الكثير من الفلاسفة والمفكرين والمتصوفة ممن وفقوا بين الفلسفة والدين سواء على الساحة العربية الاسلامية، أو على الساحة الغربية المسيحية، ولذلك كان الرفاعي مفكراً منفتحاً على منابع ومصادر معرفية وثقافية متعددة، محاولاً تقليد وتجديد كل ما يمر أمامه من فكر أو تيار أو أتجاه يَطلعُ عليه، ولكن الشيء المهم والهدف الجوهري الذي يبحث عنه الرفاعي في مشروعه الفكري هو الاصلاح والتجديد والنهضة والحداثة الفكرية للمجتمع العربي والاسلامي المعاصر، واذا كانت مرحلة رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الافغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد حسين النائيني ومحمد جواد البلاغي، تعد مراحل ممهدة للفكر الاصلاحي الديني الاسلامي الحديث، فأن مرحلة محمد اقبال وفضل الرحمن وشبلي النعماني وعلي شريعتي ومحمد باقر الصدر، تعد مرحلة متقدمة ومتطورة قياساً بالسابق من الأفكار والتيارات الدينية الاسلامية، ولكن هناك مرحلة متقدمة وجديدة قد تطورت جراء تلك الافكار وتحاورها مع بعضها بالاضافة الى التحاور والانفتاح على الفكر الغربي ومناهجه الحديثة والحداثوية تمثل في فكر محمد عابد الجابري ومحمد أركون وحسن حنفي ونصر حامد أبي زيد وجورج طرابيشي عربياً، وعبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وداريوش شايغان ايرانياً، والى هذه المجموعة الفكرية يمكن أن ينتمي الرفاعي، بعد أن مر بالمراحل المعرفية السابقة وأجتازها بنجاح للوصول الى المرحلة الأخيرة، مرحلة التحاور الحضاري والانفتاح الثقافي والتواصل المعرفي، وهنا يتضح التقدم والتطور المعرفي للرفاعي وهو يتبنى طروحات فكرية وثقافية متجاوزة للايديولوجيا، والتقليل من هيمنة المقدس، وأنسنة الدين وعقلنته، من خلال ثقافة حوار الحضارات وتواصلها وتعارفها، ومن خلال تبني أفكار ديموقراطية حديثة تؤمن بالآخر وبالتسامح والاختلاف ومحاربة افكار التطرف والكراهية والاصولية العالمية والاسلامية المتشددة، التي تكرس لغة العنف والارهاب بين الشعوب والبشرية برمتها، وعمل الرفاعي على تفكيك منظومة الدين وتحليلها ونقدها، ومحاولة اظهار الجميل والسليم والمنطقي والانساني من أفكار الأديان المختلفة في هذا العالم، من خلال قيام فلسفة دين رحمانية انسانية تؤمن بالمحبة والخير والسلام لجميع شعوب العالم دون أرهاب وكراهية.

وقد ساهم الرفاعي في نشر فكره وفلسفته من خلال طروحاته الفكرية والثقافية المتنوعة، والتي تتمثل في :

1ـ تأسيسه لمجلة قضايا اسلامية معاصرة، التي كانت منبراً حراً لنشر أفكار فلسفية ولسانية ودينية ومعرفية متنوعة، تؤمن بقيمة الانسان وأهمية الدين في حياة الناس والمجتمعات، من خلال لغة ومنهج وأسلوب متنور لكُتّاب وباحثين عرب ومسلمين وأجانب.

2ـ نشره لمجموعة من المؤلفات والكتابات والدراسات الدينية والاكاديمية، فقهية وكلامية وفلسفية وعرفانية، لكُتّاب أمتازوا بالتنوير والتجديد والخط الاصلاحي، من خلال دار الهادي للطباعة والنشر، التي كان الرفاعي يديرها ويحرر مؤلفاتها ويقدم لها.

3ـ مشاريع التحقيق والدراسة والترجمة التي أمتاز بها الرفاعي في مشروعه الفكري طوال فترات زمنية متعددة من حياته الفكرية، فقد حقق ودرس وترجم مؤلفات اسلامية كثيرة، على مستوى الفقه والتفسير والأصول والكلام والفلسفة والعرفان.

4ـ تأسيس الرفاعي لمركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وذلك بعد عودته من المهجر في ايران، بعد فترة قضاها هناك تقارب الربع قرن، وبعد عودته للعراق عام 2003 قام بتأسيس هذا المركز، حيث عكف الرفاعي فيه على تأليف ونشر وترجمة وتحرير كتابات ومؤلفات وموسوعات تختص في مجال علم الكلام الجديد وفلسفة الدين والفلسفة والتصوف.

5ـ المؤتمرات والندوات والمحاضرات والبحوث المتعددة التي حضرها الرفاعي، في العالمين العربي والاسلامي، وعلاقاته الفكرية والثقافية مع شخصيات عربية واسلامية متنوعة، كونت علاقة طيبة ومنفتحة مع هؤلاء المفكرين، شكلت أهمية كبيرة في حياة الرفاعي الشخصية والفكرية.

والشيء المهم الذي نود الاشارة اليه في هذا المقال هو التحول الكبير في طريقة تفكير الرفاعي خلال المراحل التاريخية التي مر بها وما رافق تلك السنوات من أحداث تاريخية ومنعطفات كبرى، والتي يمكن أيجاز هذه المراحل بالآتي :

1ـ بداية مشوار الرفاعي مع الحركة الاسلامية في العراق، مع حزب الدعوة الاسلامي، والتي سبقتها دراسته في حوزة النجف الأشرف والتأثر برجالات وفكر تلك المرحلة، وكان على رأسهم السيد محمد باقر الصدر ومشروعه الفكري وشخصيته الرسالية الملهمة.

2ـ تأثر الرفاعي بالثورة الاسلامية في ايران، وبمنجزات هذه الثورة وأفكارها الاصلاحية السياسية والدينية، من خلال دراسته في حوزة قم، ومحاولة دراسة وتقليد رجالات وفكر تلك المرحلة. ولكنه بعد ذلك قرأ وأحتك بالمشروع التحديثي في ايران على يد نخبة من المفكرين والباحثين الحداثويين الذين قدموا رؤية نقدية تنويرية جديدة على الساحة الفكرية في ايران والعالم الاسلامي.

3ـ استفاد الرفاعي كثيراً سواء في المهجر أو في سفره أو في بلده، من علاقاته المتنوعة التي أمتاز بها وأستفاد من توظيفها والتواصل معها في تنمية وتطوير مشروعه الفكري العربي والاسلامي، الذي لم ينعكس على اداء وفكر الرفاعي فحسب وانما أنعكس على اداء وفكر المفكرين والباحثين العرب والمسلمين أيضاً.

4ـ التغير السياسي والاجتماعي والفكري الذي طرأ على خارطة العالم، عربياً واسلامياً وعالمياً، وخاصة ما جرى من أحداث كبرى على مستوى العالم الغربي والاسلامي، والعلاقة بينهما، وأهمها أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي أثرت على وجه العالم عموماً، وعلاقة الغرب والمسلمين خاصة، خاصة بعد اتهام جهات اسلامية بالعدوان وتفجير برجي التجارة العالمي وما حدث في هذا التاريخ. فقد كان ذلك عاملاً مؤثراً في نقد وتصحيح ما طرح من أفكار سلفية أو أصولة أجتاحت العالم، ومنها ما قدمه الرفاعي من بحوث ودراسات في مجال فلسفة الدين، لابعاد شبح التطرف والارهاب والتكفير عن الفكر والواقع العربي والاسلامي، وتقديم رؤية فكرية تسامحية تؤمن بالآخر واحترام كرامة الانسان وكينونته على هذه الارض.

5ـ أثر ثورات الربيع العربي وما جرى من أحداث سياسية واجتماعية عربية على الدول والفرد والمجتمع العربي، فأحداث تلك الفترة قد شكلت عبئاً ثقيلاً ومضطرباً على الواقع العربي، ودخل فيه العرب في منزلقات خطيرة أدت الى بداية التشظي والانقسام السياسي والاجتماعي وبداية الخطاب الطائفي والايدلوجي المقيت. وهذا ما جعل مجموعة من المثقفين والمفكرين ومنهم الرفاعي في مشروعه الفكري، للنضال من أجل بيان أثر السياسة السلبي على بنية المجتمعات، ومحاولة تنقية واقعنا العربي من تلك الممارسات الخاطئة التي شوهت علاقاتنا العربية العربية، والعربية الاسلامية.

6ـ أثر الفكر السلفي والاصولي الاسلامي المتطرف الذي غذى الحركات الاسلامية المتشددة وما نتج عنه من تطرف وعنف وارهاب عالمي، وما جرى في المنطقة العربية والاسلامية والعراق تحديداً، دعا ذلك الرفاعي ومجموعة كبيرة من المفكرين والباحثين العرب والاسلاميين لتجديد الخطاب الاسلامي وتنقيته من التراث الدموي والعنفي المتطرف الذي أنعكس بصورة كبيرة على الواقع، وأدى الى تشويه صورة الخطاب والفكر والدين الاسلامي الذي كان يوماً ما فكراً متنوراً وحداثوياً اثر على أوربا والغرب في خروجها من عصرها المظلم ونزعتها الاصولية المتطرفة.

7ـ محاولة الرفاعي في مشروعه الفكري ومن خلال فلسفة الدين، اخراج المجتمع العربي والاسلامي من النفق المظلم ومن متاهات الجدل الكلامي والأيديولوجي والديني، ورسم مسار وخارطة طريق موحدة تحارب العنف والكراهية والارهاب وتدعو لبناء انسانية واحدة متعايشة فيما بينها، من خلال المحبة والاخلاق الانسانية المنفتحة التي تدعو لها الاديان عموماً والتي تتفق مع الذوق والوجدان والمنطق الانساني السليم.

ومما يحسب للرفاعي طوال مسيرته الفكرية والمعرفية هي تفانيه واخلاصه وصبره الطويل من أجل المعرفة والفكر والثقافة، والعمل الدؤوب لتقديم أفكار جديدة تحاول انقاذ المجتمع العربي والاسلامي من هيمنة الأيديولوجيا والمقدس والافكار المتحجرة، التي أعاقت حياتنا ووجودنا ومجتمعاتنا كثيراً، وجعلت منا شخصيات صنمية مقلدة لا تنتج ولا تتقدم خطوة نحو الامام، وهذا ما جعل الرفاعي ومجموعة من المفكرين والمثقفين السعي الحثيث والجاد لتقديم رؤى جديدة تنسجم والواقع الانساني المتغير، وأستطاع الرفاعي بمفرده خلال سنوات طويلة أن يعمل بهدوء وصمت وروية في خدمة الثقافة العربية والاسلامية، فهو بحق مؤسسة في رجل، كما وأستطاع الرفاعي أن يتقدم خطوات كبيرة على مستوى الفكر من خلال نقده لأفكاره أولاً وللتراث الثقافي والفكري العربي والاسلامي، وأن يتخلص من نزعته الأيديولوجية التي نشأ عليها شأنه شأن غيره من المثقفين والدارسين في بداية مشوارهم الفكري، ولكنه في سنواته الأخيرة أمتلك وعياً وفكراً متنوراً جعله يتحرر من نزعة الأدلجة والتكور داخل منظومة فكرية واحدة توجه الفرد نحو سكة واحدة وطريق منفرد يحتكر الحقيقة بأسم الدين أو المذهب أو الحزب أو المعتقد، وهذا لا يتوفر للشخص الا اذا أستطاع أن يحاور ويجاور الأفكار والمناهج والطروحات الفكرية الانسانية والعلمية الجديدة، والرفاعي أحدهم ممن يسير في هذا الطريق، وهو بحق كما يصفه الصديق والمثقف والمفكر الدكتور علي عبد الهادي المرهج بأنه قد (نزع الجبة والعمامة التي في داخله)، ليتحرر من قيود وهمية ومثالية قد علقت على عقولنا زمن طويل، وعشناها معاً تحت تأثير أيديولوجيا السلطة والدين والمذهب، ولا نستطيع التخلص منها الا بتمكين العقل من الغوص بقوة لكشف عوالم الزيف والخداع وتعرية الجهل المقدس الذي مورس علينا بوعي أو دون وعي منا، وعنديذٍ فقط نستطيع أن نحقق كينونتنا ومسؤوليتنا الحرة في هذا العالم.

يقول الرفاعي في كتابه (الدين والظمأ الأنطلوجي) كاشفاً عن المرحلة المزيفة التي يمر بها الدين اليوم، الذي خرج من اطار وظيفته الأخلاقية والاصلاحية الى اطار الارهاب والعنف والتكفير، حيث يقول : (أن الصياغة الأيديولوجية للدين تخفض طاقته المقدسة، بعد أن تهتك سحر العالم، وتطفىء شعلة الروح التي يتلمسها الانسان فيه، وتجفف منابع ما يؤلد معنى المعنى في مداراته، فيصاب الكائن البشري بالسأم والاحباط والضجر والغثيان، بع أن يموت كل شيء من حوله، ويفتقر الى ما يلهمه مزيداً من الطاقة...وضع الدين اليوم في مأزق تاريخي، هو ترحيله من مجاله الانطلوجي الى المجال الأيديولوجي)(1)

والمجال الأنطلوجي للدين هو ما يسعى الرفاعي لتحقيقه في فكره وفلسفته، ورؤية الرفاعي هذه ذات بعد صوفي ذوقي مثالي، تذكرنا برؤية متصوفة الاسلام كالحلاج وأبن عربي وأبن الفارض وغيرهم ممن سعى لاقامة فلسفة انسانية تبنى على المحبة ووحدة الأديان في تحقيق هدفها الاخلاقي والاصلاحي النبيل.

ولسان حال الرفاعي يردد ما قاله أبن عربي :

أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ      رَكائِبُهُ فالحُبُّ ديني وإيماني

وكما يقول الدكتور ميثم الجنابي في تحليله لفكرة وحدة الأديان عند متصوفة الاسلام ومنهم أبن عربي مبيناً جدوى وفلسفة هذه الفكرة ومغزاها الفلسفي الصوفي الانساني، يقول: (وفي الإطار العام لم يكُفر أبن عربي ولم يتهم أياً كان في اعتقاده ودينه. لقد فسح للجميع حق الوجود، وأعطى للأديان وحدتها في درجات التوحيد).(2)

ان الانفتاح الذي بشر به الرفاعي في فهمه لفلسفة الدين يحمل الكثير من الوعي والتجديد براهنية الواقع العربي والاسلامي وعلاقته بما يسود في العالم اليوم، من متغيرات سياسية واجتماعية وثقافية كبرى تتطلب منا التعامل معها ومع المنجز العلمي والعقلي الغربي بقبول حسن، شريطة تحقق الجانب الانساني السليم، حيث يقول الرفاعي : (ما تعد به فلسفة الدين، يتطلب الكف عن الموقف الارتيابي المسكون بالتوجس من فتوحات وأكتشافات عقل الآخر، والشفاء من الفوبيا "الخوف" من كل ما هو جديد في العلوم والمعارف البشرية...فلسفة الدين لا يمكن أن تستغني في دراسة النصوص الدينية، والتجارب الدينية، والتراث، عن : اللسانيات الحديثة والمعاصرة، والهرممنيوطيقا وعلوم التأويل، وفلسفة اللغة، وعلم نفس الدين، وعلم اجتماع الدين، وأنثروبولوجيا الدين...الخ. أنها مغامرة جسورة في عبور أنفاق الموروث، والانعتاق من تكرار الحواشي، والشروح وشروح الشروح)(3)

فعلاً دخل الرفاعي المغامرة بقوة وجسارة كبيرة لينعتق من تلك الثقافة التقليدية ومن العقل السكوني المسكون بهاجس التراث الفكري والموروث الديني الذي تشبعنا به لمدة طويلة من الزمن، ونحن نقرأه ونسير خلفه كأنه مسلمة دون نقد أو تمحيص، وهذا ما جعلنا نجتر التاريخ والماضي الى حاضرنا بقوة وأن نكون كائنات تراثوية ماضوية ونسخ جديدة لفكر ووجوه قديمة.

لقد توفر للرفاعي الجو الفكري والثقافي المناسب لكي يمر بهذا التغيير الكبير والتحول المثير للانتباه، والامكانات المعرفية ومنظومة العلاقات الواسعة التي تحصل عليها من مجموع اللقاءات والدراسات والكتابات والندوات والمؤتمرات التي جعلت الرفاعي أشبه بسفير معرفي وثقافي وفكري معروف في الاوساط الثقافية والفكرية العربية والاسلامية، يعقد الصلات والعلاقات الطيبة بين جميع فئات الناس الذين يتعرف عليهم، متخذاً من همه المعرفي الهم الأكبر في عملية البناء وتوطيد تلك الرابطة والتواصل الانساني النبيل، وهذا ما جعله مقبولاً وقديراً لدى فئة واسعة من المثقفين والباحثين العرب والمسلمين، وخير دليل على ذلك هو تكريمه من قبل مؤسسات وجمعيات عربية واسلامية وعالمية كبيرة فقد تم تكريمه من قبل (المعهد البابوي في روما) تقييماً لجهوده الكبيرة في ادارة واشراف وتحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة، فقد أصدر المعهد البابوي في سنة 2012 كتابه السنوي الذي تضمن نشر نصوص منتخبة من مجلة قضايا اسلامية معاصرة وترجمتها الى الايطالية والانكليزية والفرنسية، تحت عنوان (الاشكاليات الراهنة للتفكير الديني وفق مجلة قضايا اسلامية معاصرة).(4)

وفي عام 2013 تم تكريمه من قبل الحركة الثقافية بأنطلياس في لبنان عن جهوده الفكرية في اشاعة وتكريس قيم التعايش والتعددية والحوار بين الأديان والثقافات.

هذا بالاضافة الى التكريم الذي ناله الرفاعي مؤخراً في الدوحة في شهر كانون الأول من العام 2017، في جائزة الشيخ حمد للانجاز والتفاهم الدولي، تثميناً لمنجزه في التواصل والحوار الثقافي بين اللغات والثقافات وعن تراجمه الفكرية والبحثية عن الفارسية، وهي أحدى أهم المرتكزات الفكرية التي أستند عليها مشروع الرفاعي الثقافي الذي يعمل على اشاعة روح الحوار والتثاقف والتواصل بين الأمم، وتصحيح الكثير من المفاهيم الفكرية الخاطئة التي تم تغذيتها للفرد العربي والمسلم طوال التاريخ وما زالت حاضرة في واقعنا ومنظومتنا الاجتماعية والسياسية حتى اليوم.

 

د. رائد جبار كاظم. الجامعة المستنصرية. العراق.

.......................

الهوامش:

(1) عبد الجبار الرفاعي. الدين والظمأ الأنطولوجي. ط1. دار التنوير. بيروت ـ لبنان. 2016. ص 10.

(2) ميثم الجنابي. التصوف الإسلامي وفكرة وحدة الأديان. مقال في موقع الحوار المتمدن. العدد: 1061 – 28/12/2004.

(3) عبد الجبار الرفاعي. انقاذ النزعة الانسانية في الدين. ط2. مركز دراسات فلسفة الدين. بغداد ـ العراق. ص 123.

(4) ينظر: الكتاب التذكاري عن فكر الرفاعي. مجلة الموسم. العدد 105. أكاديمية الكوفة. هولندا. السنة 26. 2014. ص 754.

 

يعتبر الإنسان أسمى الكائنات، كونه يتسم بملكة العقل والتفكير وهو الوحيد الذي يجسد تفكيره في ممارساته اليومية بطريقة واعية ومنظمة، غير أن تطور التفكير البشري مر بعدة مراحل حيث أن كل مرحلة تحمل في أحشائها بذور فنائها الشيء الذي جعل الفكر البشري دائم التقدم والارتقاء باعتباره قائم على مبدأ هدم القديم وبناء الجديد، من هنا يمكن أن نطرح الإشكال التالي ما الذي يعني لنا أن نفكر بأنفسنا؟هذا الإشكال تتفرع عنه جملة من الأسئلة من قبل ما هو التفكير؟ ما هي أنواعه؟ وما هي أساليبه؟ ماهي موضوعات التفكير؟ هل يمكن الحديث عن عوائق التفكير في الذات؟ كيف تمكن الفلاسفة من الانتصار للتفكير العقلاني؟ .

إن التفكير في أعم تعريفه يعني جملة من العمليات العقلية التي يقوم بها الكائن البشري لحل المعيقات والمشاكل التي تعترض سبيله .يذهب لالاند في موسوعته الى تعريف التفكير " بنحو عادي أكثر يقال على كل الظواهر المعرفية (في مقابل المشاعر والمشيئات) عندئذ يكون الفكر مرادفا للعقل وللعاقلة . " كما يذهب جميل صليبا "أفكر في الأمر تفكيرا أي أعمل العقل فيه، أو رتب بعض ما يعلم ليصل إلى المجهول . وفكر في المشكلة اعمل الراوية فيها ليصل إلى حلها . والتفكير عند معظم الفلاسفة عمل عقلي عام، يشمل التصور، والتذكر، والتخيل والحكم والتأمل، ويطلق على كل نشاط عقلي" .

بناءا عليه فإن التفكير هو ذلك النمط الذي يستم به الكائن البشري عن باقي الكائنات الأخرى، أما فلسفيا فأن نفكر فهذا يعني أن نتفلسف، وقد اقترن التفكير عند اليونان بالدهشة لذلك تسببت في قلق الفلاسفة واندهاشهم ليتسائلون عن أصل الوجود وماهيتة

وتتنوع أنماط التفكير إذ نجد هناك التفكير الخرافي؛ ويعتبر نمط بدائي وساذج نظرا لقصور عقلية الإنسان البدائي عن إدراك الأسباب الحقيقية للظواهر ويرجع الفرد تفسير الظواهر الطارئة إلى علل غيبية تتمثل في تعدد الآلهة، ولحل المشاكل التي تعترضه عليه أن يقدم قرابين الإرضاء الآلهة؛ مثلا كان يتم تفسير البركان كظاهرة طبيعية بغضب الآلهة . وبالإضافة إلى هذا النمط نجد نمط أخر وهو النمط الديني؛ وهو الذي يفسر الظواهر بإرجاعها إلى قدرة الله؛ فمثلا سقوط المطر فهو من عند الله ـ تفكير إيماني ـ . لكن الفكر البشري حقق قفزة نوعية عندما اكتشف نمط التفكير الفلسفي؛ الذي يتميز عن غيره بالتأمل العقلي والتفكير الشمولي للظواهر،فهو يفسر الظواهر بارتباطها بالظواهر الأخرى في الوجود كله، حيث يرجعها إلى عللها البعيدة، وأسبابها الغير المباشرة، ولكل فيلسوف نسق عقلي خاص به يستخدمه في تفسير الوجود كله يسمى "المذهب الفلسفي "، الذي يختلف من فيلسوف لأخر وبالتالي فإن هذا الأسلوب تأملي، عقلي، ويتميز بالشمولية والتفسير الكلي . وفي الأخير نجد نمط التفكير العلمي؛ أو الوضعي (كما يسميه أوغست كونط) وهذا الأسلوب يفسر الظواهر بإرجاعها إلى أسبابها المباشرة، أوعللها القريبة التي يتوصل إليها عن طريق الحواس؛ من خلال الملاحظة والتجريب بغية الوصول إلى القوانين التي تفسر الظواهر للاستفادة منها في حياتنا العملية، بمعنى تفسيرها تفسيرا علميا بالكشف عن الاسباب والقوانين التي ادت الى بزوغ الظاهرة .

بناءا عليه يمكن القول أن أنماط التفكير تختلف من مرحلة لأخرى، ومن فئة إلى أخرى، وفي بعض الأحيان من فرد إلى فرد أخر داخل نفس المجتمع، فكلما كانت سيادة نمط تفكير معين في مجتمع الا وساد هذا الأسلوب على نمط تفكير أفراده، فمثلا في مجتمع ساد فيه التفكير الخرافي سيؤثر ذلك على طبيعة نمط تفكير أفراده، وإذا كان المجتمع ديني سيسود بالضرورة نمط التفكير الديني، وإذا عاش الفرد في مجتمع ساد فيه نمط التفكير العلمي فبالضرورة سيؤثر ذلك على أفراد المجتمع. وفي مجتمعاتنا العربية نجد مشكلة كبيرة ؛وهي أن هناك من المثقفين من يطلع على أخر ما أنتجه الفكر البشري في مجال العلوم، لكن يعيش في مجتمع ديني فيصبح المثقف في تناقض،أي بين مطرقة الدين وسنداد العلم .

لقد خاض التفكير الفلسفي صراعات شديدة خلال تاريخه المجيد ففي بلاد اليونان خاض صراع ضاري ضد الأسطورة، وفي العصور الوسطى خاضه ضد الوصايا المفروضة عليه من طرف السلطة الدينية، إذ شكل عصر الأنوار عصر التمرد، وإعادة الاعتبار للفكر البشري كفكر مستقل عبر رفض كل السلطة مفروضة على العقل، وكذا هدم القديم بهدف تأسيس لبديل جديد فأصبح الإنسان يفعل وفق ما تمليه عليه بصيرته، ووفق منطقه الخاص هذا ما يوضحه جون جاك روسو من خلال قوله: " إن المواطن الصالح هو الذي يعرف كيف يتصرف وفق حكمه الشخصي " بمعني أنه يجب أن يبني معياره الخاص به، الذي من خلاله يرفض ما يملى عليه من طرف أشخاص آخرين " أباء الكنيسة"، وأن يعمل بحيث أنه كائن عاقل له القدرة على التفكير الذي يؤطر به جميع ممارساته هذا ما يوضحه روسو حينما يقول: " أن الإنسان أشرف من أن يفرض عليه أن يكون مجرد وسيلة في خدمة غيره من الكائنات " إذن فممارسة التفكير الحر المبني على قواعد، وقوانين عقلية يعيد الاعتبار للذات الإنسانية باعتبارها ذات حرة ولها كرامة ومسؤولة عن ذاتها لكن كيف لها أن تحصل ذلك؟

يجيبنا ديدرو بأن الفلاسفة إذا أرادوا أن يحصلوا الكرامة، وأن يكونوا أحرار فيجب عليهم أن يرتقوا من مستوى العامة إلى مستوى الفلسفة التي تنبذ الأفكار الجاهزة، والمسبقة والعامية، وأن يمتلكوا سلاح النقد باعتباره السلاح الأمضى لرفض كل الأفكار البالية فيقول ديدرو: " وهو الفيلسوف الذي يزيل من أمامه كل فكرة مسبقة مثلما يزيل الأعراف، والمتفق عليه علما وسلطة، وفي عبارة واحدة كل ما يفتتن العقول، وبما هو كذلك فهو فيلسوف له الجرأة على الاعتماد على تفكيره الخاص ... إن كل الوقائع متساوية لكونها قابلة للنقد " .إن النقد البناء ميزة اتسم بها عصر الأنوار، فهو كذلك رفض جل الأفكار التي تقف أمام التفكير، وتجعله يعيش الوهم ويعتقد أنه حقيقة، فعصر الأنوار إذن عصر النقد بامتياز، هذا ما قاله كانط بكل صراحة ووضوح: " قرننا هو قرن النقد بآثم معنى الكلمة النقد الذي ينبغي أن يخضع له كل شيء " .

فقبل عصر الأنوار أنتزع العقل الإنساني من قيمته فلا يفكر إلا فيما تريده الكنيسة، ولا يفعل الإنسان إلا ما يمليه عليه رجال الدين، ولا سلطة تعلو فوق سلطة الدين، فغابت الجرأة و، سلبت الحرية، كان الإنسان مكبلا بالقيود، يذكر كانط في مقاله الأنوار: "بالحق الحرية مسألة من بين كل ما يمكن أن يحمل هذا الاسم، أعني حرية أن يستعمل المرء عقله علانية في جميع المجالات. لكنني أسمع الآن الصراخ من جميع الجهات: (لا تفكّر)! فالضابط يقول: لا تفكر بل نفَّذ! ورجل المال يقول: (لا تفكر بل ادفع!) والكاهن يقول: (لا تفكر بل آمِن!) ولا يوجد في العالم سوى سيد واحد يقول: (فكر قدر ما تشاء وحول كل ما تشاء، إنما أطع!) في كل مكان حد للحرية" يمكن القول بأن هناك "مؤامرة" ضد العقل والعقلانية. لكن مع مجيء الأنوار أصبحت للإنسان الجرأة على إعمال عقله، فكما قال كندرسيه: " ينبغي أن تكون لنا الجرأة على إعمال النظر في كل شيء وعلى نقد كل شيء وحتى على تدريس كل شيء " وهذا ما يدعمه قول كانط في مقاله المشهور ما الأنوار حينما قال " فلتكن لك الجرأة على استخدام عقلك أنت " .

بناءا على سلف نستنتج أن التفكير بالنفس يعارض التفكير من خلال الآخرين، ويرفض االدوغمائية، كما يرفض السلطة المفروضة على العقل،ويتجاوز القصور الذاتي الناتج عن الكسل والجبن، كما يعتمد في أساسه على الجرأة المبنية على تحصين الحرية واختراق المألوف.

لكن مهما استطاع الفكر أن يتحرر فلا يمكن أن يحقق هدفه وغايته إلا إذا نهج منهجا خاصا به، لذلك ذهب مجموعة من الفلاسفة لبناء منهج أنسب للتفكير بهدف الوصول إلى الحقائق اليقينية، التي لا يمكن الشك فيها، وأبرز هؤلاء الفلاسفة الذين أبدعوا هذا المنهج نجد روني ديكارت من خلال كتابه "قواعد المنهج" فما هي القواعد التي يرشدنا اليها روني ديكارت؟

ينطلق ديكارت في كتابه هذا من القاعدة الأولى التي يسميها بقاعدة البداهة: " ألا أقبل شيئا على أنه حق، ما لم أعرف بوضوح أنه كذلك، أي يجب أن أتجنب التسرع وألا أتشبث بالأحكام السابقة، ولا أذخل في أحكام إلاّ ما يتمثل لعقلي في وضوح وتميز يزول معهما كل شك" . إن هذه القاعدة نجد لها امتداد في الفلسفة اليونانية خصوصا عند الفيلسوف سقراط الذي يرشدنا إلى التخلي عن الأحكام العامية والمسبقة والجاهزة أما أفلاطون فيرى بأن العائق الذي يقف أمام عملية الفكر فهو الأفكار الحسية التي تبعدنا على طريقة التفكير السليمة والسديدة . ويذهب ديكارت في القاعدة الثانية التي يسميها بقاعدة التقسيم: "أن أقسم كل واحدة من المشكلات التي أبحثها إلى أجزاء كثيرة بقدر المستطاع، وبقدر ما يبدو ضروريا لحلها على أحسن الوجوه " تم تليها قاعدة التركيب : "أن أرتب أفكاري، فأبدأ بالأمور الأكثر بساطة وأيسرها معرفة، حتى أصل شيئا فشيئا، أو بتدرج إلى معرفة أكثرها تعقيدا، مفترضا ترتيبا، حتى لو كان خياليا، بين الأمور التي لا يسبق بعضها بعضا " وأخيرا قاعدة المراجعة : " أن أعمل في جميع الأحوال من إحصاءات ومراجعات شاملة ما يجعلني على ثقة أنني لم أغفل شيئا " .

إن قواعد المنهج نجد لها تجسيدا في كتاب "تأملات ميتافيزيقية" إذ نجد ديكارت قد شك في كل شيء إلا في كونه يشك في نفسه، فالشك عند ديكارت يعني التفكير والتفكر يعني بالنسبة إليه إثبات الوجود هذا ما يقصده من خلال عبارة الكوجيطو "أنا أفكر إذن أنا موجود" يوضح الكوجيطو أن مشروعية الشك ليست في نهاية الكلام سوى تبرير لطريق المنهج، وقد وضع ديكارت المنهج في خدمة المنطق والعقل والوضوح، فهذا الأخير الذي يعتبر "أعدل قسمة بين البشر" عليه أن يفكر في جميع المشاكل والأمور بشكل منظم ومنهجي حتى تصبح معقولية .

بناءا عليه فإن التفكير بأنفسنا معناه رفض كل الأوامر المفروضة على عقولنا، وكنس كل الأفكار الجاهزة والمسبقة البالية التي تشوش على عقلنا، ولا يمكن أن يتحقق التفكير الذاتي إلا إذا توفرت شروطه، ومن بين هذه الشروط نجد الاستقلالية حيث أن الفكر الفلسفي لا يمكن أن يعبر عن ذاته إذ لم استقل بنفسه، بالإضافة إلى مبدأ النقد؛ فالفكر إذ لم يكن ناقدا فبالضرورة سيصبح تبعيا، وبالتالي يسلب من حريته، ومهما كان الفكر حرا لا يمكن أن يحقق أهدافه إلا إذا امتلك منهجه الخاص الذي يتسم بالمعقولية والمنطق والوضوح، لذلك استطاع ديكارت أن يصل إلى الكوجيطو المشهور: "أنا أفكر أنا موجود " لكن سنكون أكثر واقعية إذا ما استحضرنا المنهج الفينومينولوجي الذي يرد من خلاله هوسرل على ديكارت بإعترافه أننا نفكر وهي مسألة يتفق فيها الإثنين غير أن هوسرل يرى بأن التفكير يعني دائما التفكير في شيء، ومن هنا يمكن أن أطرح إشكال ما فما موضوع تفكيرنا إذن؟

 

عبد الكريم نوار - طالب باحث

 

 

قاسم جمعةمهداة الى ارواح البحر الابيض الاسود القلب ..حيدر وزينب

في الوقت الذي يفر منه الملايين ويشرد الملايين ويقتل العشرات، قال نيتشه لقد حلقت شاربي لان الناس اعتقدوا اني من النظام الذي تزوج داعشية، فلم اعرف الفقراء وقيمهم متبعثرة يحيكها لهم اناس عرفاء يسكنون الجبل الذي ارهق زرادشت. وبوق الدين يزمر للفقراء بؤسهم، فلم بطونهم خاوية كعقولهم، انها ممتلئة بحكايا القادة الجدد..

اين يمكن لي اروج او اجد من يسمعني لكي أالقنه درسا في فقه الدين؟ مات اله الامان، وسكن في الحي اله جديد مروع يأكل اي شئ حتى قيل انه اكل اطفاله.!

خاف نيتشه من دعوته لئلا يكون مراقبا من كلاب حراس الحقيقة، التي ارهقت جيوبنا، وذهب هناك ..فالكل يشتهي المال وهو حق مشروع واماني للعيش الرغيد يسكن مسامات جسدهم الذي توارث عبق الكيمياوي من زبانية الموت..

فر راجعا الى حيث التيه، قائلاً: كيف جاز لي ان اقول ان الدين استعارة ميتة والاخلاق نتاج الضعفاء.

لا اعرف ماركس ولم اميزه الا عندما حلف لي بأنه ماركس لأنه كان حزين ولم يطلق لحيته كعادته، وانجلز كان يومها يرتدي عمامة بيضاء ..

سألتهم من اين اتيتم ؟ اجابوا: نحن هربنا من المانيا، فهو وطن يسكنه اشباح النازية، وهيدجر الذي اتعبته الكينونة، فهل تدلنا الى سكن لنرتاح من رائحة الزيتوني، الذي نقش ذاكرتي بوجع لا ينتهي، عندما كان هنالك اله يحكم بقلب القين كما ندم نيتشه ؟!..

رد ماركس بالقول: الدين لم يكن افيونا للناس، بل انه انت، انا ... اسف . انتظر لحظة يا اسمر، لأني كنت آنئذ ابيض البشرة ما الذي تقصده؟؟.

انا فعلا ندمت لأني كنت سببا لمقولة رددها الملايين: الدين افيون الشعوب.. الدين هنا يحرق ويهدى ويبيع ويشتري ما شاء لمن شاء وآلهة الحرب قلما يعنيهم رأس المال .

بكى انجلز لانه شعر بتفاهة ما قام به . وعرف ان اليسار انتهت حياته في عروق الشباب والعمال من قبل .. فلماذا اتينا الى العراق؟..

وفيه يباع الحب بسوق النخاسة الطائفي، وكيف سأنظر الى الناس بعدما مات تروتسكي مغدورا واحرق برونوا واعدم جيفارا وهو مكبل في المدرسة، واهلك السم سقراط الذي اختاره هربا من زوجته المملة ..

لا اعتقد بما سماه فرويد اللاوعي، انا سوف اعود الى الغابة السوداء لكي اكتب واندب فيها الموتى، الذي قتلهم البحر الاسود القلب ...

جاء دوري انا فرويد، انتم خفتم لان شبح الطفولة اقنعكم بان الاله هو الاب الذي قهركم .. فشد راحلا الى مهبط سومر ..واستقل باص نوع كيا ..انهم معاقون بداء الهوية عراقنا هو الذي يسكنهم، انصتوا قليلا هل تعرفون اوديب؟

خجل الركاب من اسمه، لانهم عرفوا انه يذكرهم بسفاح المحارم الذي يسفحه النت ويشرع اليوتيوب الفيس بوك بحليته، انا أسف يا ايها الفقهاء ..

انتم تعرفون اكثر مني، فلم اكن طبيبا لقد خدعتكم، ولا استطيع ان اكرر مقولة النواب يا (اولاد القحبة) في حضرتكم المقدسة.. فأنتم افيون نقي لوث الدين بحكايا فزع منكر ونكير وإله يحصي كل شاردة.

انتم فعلا تستحقون العيش لان من يسمعكم كان يردد مقولات كانت الذي خدع خادمه . انا أعتذر منكم يا سادة الريب، فلم اعد اميز بينكم، ولم افهم الشك الذي تعلمته منكم في مدرسة الحياة. ضحك الثلاثة وناشدوا (ميركل) لكي تعيدهم الى المانيا .. عسى ان يرددوا ما تعلموه من بلد تآكلت معالمه ولم يعد صالحا، الا لأمراء الحرب والموت، فبغداد راح يسكنها سبارطيين من ورق، تآخوا لكيلا يصحى سكان بلدتي.

 

د. قاسم جمعه

 

صالح الطائييحتاج بناء المجتمع وإعادة تقويمه وترسيخ قيمه ومبادئه، ولاسيما بعد الأزمات والنوازل التي يتعرض لها؛ مثل الحروب والفوضى والنزاعات الفرقية والمذهبية إلى جهد استثنائي علمي مخلص وصادق وجاد وغير نفعي ولا مصلحي أو تحزبي أو فئوي، فالمجتمع شرائح ومكونات تملك جميعها الحق نفسه، وعليها الواجبات نفسها، ويجب مساواتها والنظر إليها بمستوى واحد، كما يجب خدمتها والسهر على مصالحها وسعادتها، ولا أعتقد أن هناك جهة ما بإمكانها توفير هذه المطالب لشرائح المجتمع مثل الجامعة الناجحة. فعبر التاريخ العراقي الحديث كان السياسيون بمنأى عن الشعب، والشعب بمعزل عنهم، لا هم يصدقون مع انفسهم ومع شعاراتهم لينزلوا إلى المجتمع من بروجهم العالية، ويعيشوا معه همومه ومطالبه، ولا الشعب المغلوب على أمره يملك سلطة تفوضه الصعود إليهم، وطرح رؤاه ومشاكله عليهم.

بعد التغيير في 2003 وبعد تغير المعادلات والانفتاح الكبير، تخلص الشعب من خرسه، فلعلع صوته هادرا قابلا أو رافضا، مؤيدا أو معارضا، وأخذ يتطلع إلى أن تكون هناك مشاريع بناء حقيقية، تعوض عوزه التاريخي، ومطالبه المؤجلة، لا مجرد حبر على ورق وشعارات ووعود فارغة، ولكن الساسة، انشغلوا بمصالحهم، أو قيدتهم التبعية للمركز أو الاضطراب الذي أصاب ميزانية البلد، وأمور كثيرة أخرى لسنا بصدد الحديث عنها؛ عن خدمة الجماهير، ومن حاول أن يخدم، وجد الكثير من الموانع التي اعترضت مشروعه.

من هنا بدا الشعب يبحث عن منافذ جديدة ليعمل معها من أجل مصلحته وتحقيق بعض أحلامه الكثيرة المؤجلة، ولأن الجامعات في أغلب بلدان العالم هي التي تتولى القيادة الحقيقية للمجتمعات فكريا ونهضويا، وهي التي تأخذ على عاتقها تطوير المجتمع ثقافيا وزراعيا وصناعيا وعلميا وأدبيا وفنيا، فقد ارتأينا أن نتوجه إلى جامعة واسط لنطرح عليها رؤانا وتصوراتنا ومقترحاتنا ومشاريعنا، مع علمنا ويقيننا أن هناك بيننا وبينها جدارا وهميا يحول دون التواصل، ليس بسبب تقصير الجامعة التي تحمل على كاهلها وزر إعادة بناء المناهج التعليمية والتعاملية داخل أسوارها مع جيل من الشباب، بدأ يعشق التمرد، ويميل إلى العنف، ولا بسبب الشعب الذي وقف طويلا ينتظر مبادرة الآخرين، دون أن يبادر إلى مسك زمام الأمور فحسب، بل وبسبب الموروث التاريخي الذي رسم تلك الحيطان الوهمية وحولها إلى سواتر دفاعية يصعب اختراقها. وفي مبادرتنا التاريخية قررنا أن نجرب قرع أبوابها والبحث فيها عن سبل تزيح حيطان العزلة، وتحولها إلى قائد فعلي للمجتمع من خلال تعاون المجتمع معها، فحملنا همومنا، واخترنا مجموعة من الباحثين والأدباء والناشطين المدنيين والفنانين لنطرق بابها، فإذا بنا نجد بابها مشرعا على مصراعيه، ونجد رئيسها وبعض كادرها المتقدم يقفون بانتظارنا للترحيب بنا، بعد يوم العمل المجهد والطويل الذي عاشوه، والذي يبدو أنه يرفض الانتهاء حتى بعد حلول الظلام.

كان الاستقبال أكثر من رائع، وقد أصر رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور هادي دويج العتابي على عقد الاجتماع في القاعة نفسها التي تعقد فيها الجامعة جلساتها، ليعطيها بعدا تقييميا، ويضفي عليها نوعا من الرسمية المحببة. وابتداء من الساعة الثامنة مساء وإلى ما قبل منتصف الليل بقليل، كان النقاش محتدما، وفدنا من جانب، ووفد الجامعة ممثلا برئيسها الأستاذ الدكتور هادي العتابي والأستاذ الدكتور محمد السويطي والدكتور علي خيري من جانب آخر. الغريب والمدهش في هذا اللقاء أننا كنا نشعر وكأننا فريق عمل واحد، لأننا لم نجد الحواجز التي كنا نتصور وجودها، بل وجدنا انصهارا تحول بموجبه الجمع إلى وحدة واحدة، تبحث عن حلول لمشاكل قائمة. وكان السيد رئيس الجامعة يناقش كل نقطة نطرحها بعمق ودقة، ويطلب من مرافقيه تسجيلها ووضع الشرح لها، على أمل أن تتم دراستها والبت فيها، واتخاذ ما يلزم بشأنها لاحقا. وقد تم اختياري خلال هذا الاجتماع ممثلا للمجتمع المدني، وعضوا في مجلس الجامعة للمتابعة والتنسيق.

ولأننا في العراق تعودنا أن نسمع الكثير ولا نرى من التطبيق على أرض الواقع إلا النزر اليسير، فقد بقينا نترقب ما ستقوم به الجامعة، وننتظر أخبارها لنعرف مدى جديتها في التعامل مع مقترحاتنا وطروحاتنا. بعد أسبوعين من ذلك اللقاء الرائع، وتحديدا يوم 16/4 اتصلوا بي وأخبروني أن مقترحاتنا أدرجت ضمن جدول أعمال الجلسة التاسعة عشرة لمجلس الجامعة التي ستعقد يوم 17/4، ومطلوب مني حضور الجلسة للمشاركة في دراسة ومناقشة الموضوع.

وبالرغم من وجود عشر فقرات على جدول الأعمال؛ كلها في منتهى الأهمية، إلا أن السيد رئيس الجامعة، اقترح أن تتم مناقشة موضوع الانفتاح قبل مناقشة أي فقرة أخرى، وفعلا تمت مناقشة أغلب الفقرات التي اقترحناها، وأصدر السيد رئيس الجامعة إلى السادة عمداء الكليات وأمين سر الجامعة الكثير من الأوامر التي يجب عليهم اتخاذها لفتح أبواب كلياتهم أمام التعاون مع المجتمع الواسطي، والنزول إلى المجتمع والتعامل معه ميدانيا ليفيد من خبرتهم وتجاربهم وعلومهم.

لفت نظري في هذا الاجتماع المهم جدا، والذي استضافته كلية الهندسة مشكورة أن السيد رئيس الجامعة لم يكن المتحمس الأوحد لمشروعنا، فلقد وجدنا أن السادة عمداء الكليات البالغ عددها خمس عشرة كلية علمية وأدبية، لم يكن حماسهم بأقل حتى من حماسنا نحن أصحاب القضية، ووجدنا لديهم الرغبة الصادقة والحقيقية في فتح آفاق جديدة للتعاون، بل وأقترح بعض السادة العمداء نقاطا جديدة لم تكن مدرجة ضمن ورقتنا التي قدمناها للجامعة، وقد أشعرنا هذا الموقف الجليل والصادق والمسؤول من السيد رئيس الجامعة والسادة العمداء بالاطمئنان الكبير، وزرع في نفوسنا الأمل بان يتحول التعاون بين الجامعة والمجتمع إلى نواة للبناء والإعمار والإرشاد والتطوير الذي تسعى إليه واسط الخير.

فضلا عن ذلك أعلمنا السيد رئيس الجامعة أن هناك ورقة عمل أدرجت فيها جميع المقترحات، تعمل الجامعة الآن على إنجازها، لتتم مناقشتها بالاشتراك مع ممثلي المجتمع الواسطي للتأسيس لعلاقة جديدة بين الجامعة والمجتمع، تتولى الجامعة من خلالها قيادة المجتمع علميا والإسهام في تطويره وتنميته، لتكون جامعة واسط أول جامعة عراقية تضع خبراتها في خدمة شعبها ومدينتها.

 

صالح الطائي

 

 

علجية عيشلماذا لا تعترف ألمانيا بالإسلام كديانة؟

تصر ألمانيا على أن لا تعترف بأن الإسلام دين عالمي كبقية الأديان السماوية العالمية الأخرى (اليهودية والمسيحية)، وأن انتشاره بلغ المعمورة كلها، والإكتفاء بأنه إيديولوجية سياسية لا تتوافق مع الدستور الألماني، فقد صرح هورست زيهوفر وزير الداخلية الألماني الجديد أن الإسلام لا ينتمي إلى ألمانية، وأن ألمانيا بلد شكلته التقاليد المسيحية، وأضاف أن هذه التقاليد المسيحية تشمل الراحة من العمل أيام الأحد، والاحتفال بالأعياد الكنسية والطقوس الدينية، مثل أعياد الفصح والعنصرة والميلاد، وعلى المسلمين أن يعيشوا معنا وليس إلى جانبنا أو ضدنا، فقد تجاهل وزير الداخلية الألماني الجديد أن الإسلام كدين معترف به عالميا، واعتنقته غالبية الشعوب، له تقاليده أيضا، وأن المسلمين لهم أعيادهم وطقوسهم الدينية، بل يشتركون الشعوب التي على غير دين الإسلام أعيادها (اعياد الميلاد أو ؤاس السنة الميلادية) من باب التعايش، والعلاقات الإنسانية، وبقوله (أو ضدنا) أراد وزير الداخلية الألماني الجديد تحذير المسلمين بعدم الوقوف ضدها في علاقاتها مع الدول الأخرى، مثلما وقف الجزائريون مثلا ضد ألمانية في حربها مع فرنسا، من أجل نيل الاستقلال حسب الاتفاق المبرم بين فرنسا والجزائر وهو ما عرف بأحداث 08 ماي 1945، وهذا يعني أن ألمانيا تضع شروطا لكل من يرغب العيش فوق أراضيها، وهو أن لا يعمل بتقاليد الدين الذي ينتمي إليه، في محاولة منها ترويج فكرة "الإسلاموفوبيا" في الوسط الألماني، وقد وعد زيهوفر أيضًا باتخاذ إجراءات صارمة ضد من يرتكبون الجرائم من المهاجرين، والتعجيل بترحيلهم.

كما أن وزير الداخلية الألماني الجديد يلغي ما على المسلمين الألمان (الذين اعتنقوا الإسلام) أو المسلمين الحاملين للجنسية الألمانية من حقوق مدنية وسياسية، وكأنه يرفض فكرة السلام والتعايش، ونلاحظ هنا أن السلطة في ألمانيا تتفق مع المعارضة في بعض القضايا، خاصة إذا تعلق الأمر بالإسلام، الذي يرونه وكأنه شبح مخيف، ووجب حماية سكان ألمانيا الأصليين (المسيحيين) من أي اعتداء قد يهدد سلامتهم وسلامة التراب الألماني، فهذا بياتريس فون شتورخ عن حزب البديل من أجل ألمانيا يبدو أنه أكثر عدائية للمهاجرين، بحيث يدعو لحظر بناء المآذن وارتداء النقاب، يقول أن الإسلام ما هو إلا إيديولوجية سياسية لا تتوافق مع الدستور الألماني، في حين نجد أن مطلب الكنيسة يتمثل في تدريس الإسلام للتلاميذ المسلمين في جميع مدارسها الرسمية، وهذا من باب تطبيق مفهوم التعايش وحرية الأديان، كما تُصَوِّرُ ألمانيا المسلمين على أنهم الخطر القادم عليها، ولهذا فهي تحرص على أن يسود الأمن في البلاد، وإبطال الرؤية الدفاعية للمسلمين عن الإسلام والتوهم بأن الإسلام في خطر وفي ضرر.

فمخطط ألمانيا في نهاية المطاف هو تطبيق ما سماه الخبراء بـ: "الحبكة اللامبيدوزية"، وهي عبارة عن لعب استراتيجي تلعبه ألمانيا، في إطار الضغط على الجماعات، لتحريم جيل من المسلمين اكتساب الوعي بذاته ومكوناته، حتى يتسنى لها ترويج أفكارها وعقائدها، وجعل من الجالية المسلمة كالعبيد تخدم أسيادها، وكلما كانت الاستجابة قوية، كان الضغط أقوى جراء غياب الوعي والفهم والإحاطة لدى من بلعوا الطعم، ولهذا ترى ألمانيا مسألة "الهجرة" الحجرة التي تقف في حنجرتها، وتأبى أن تخرج، حيث ارتفع عدد أصوات الذين يطالبون بمنع دخول المسلمين ألمانيا، ولا يهم هنا أن تكون تصريحات المسؤولين الألمان متطابقة مع من سبقوهم، طالما قضية الهجرة واللجوء ما تزال تشكل محو نقاش على مستوى دولي في ظل التحولات التي يشهدها العالم وما تمر به الشعوب من ثورات شعبية وحرب أهلية أجبرت بعض السكان اللجوء إلى بلدان أكثر أمنا واستقرارا.

و حبكة لامبيدوز formule de lampedosa هي حبكة دعائية شرحها المحللون في جملة واحدة هي: "يجب أن نحرك شيئا ما، حتى تبقى الأشياء كلها في مكانها" il faut que quelque chose bouge pour que tout reste en place، ولهذا نجد كثير من القضايا تثير جدلا وتعطى لها صبغة سياسية أكثر ما هي دينية، مثل قضية الحجاب والنقاب وتطبيق الحدود، ثم أخيرا قضية إمامة النساء في المساجد، يقول بعض المحللين ان حبكة لامبيدوزا تدخل في إطار صدام الحضارات والأديان، وغالبا ما تحرك أيادي المخابرات هذه اللعبة لإعادة قراءة الأحداث، أخر التقارير تقول أن عدد المسلمين في ألمانيا بلغ 04 مليون مسلم بنسبة تمثل 05 بالمائة من إجمالي عدد السكان، وأن اغلب سكان ألمانيا اعتنقوا الإسلام عن حب وطواعية، وبعضهم أسلموا عن طريق التزاوج، كما يوجد حوالي 300 مسجدا ومراكز إسلامية تعمل في هذا الشأن، رغم ذلك فإن المسلمين في ألمانيا يعانون من أزمة عميقة في ممارسة شعائرهم الدينية.

 

علجية عيش

 

حيدر الحدراوييلاحظ في الآيات الكريمة من سورة النمل الشريفة (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ{38} قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ{39} قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ{40}) وجود ثلاثة أنواع من القوى العملية :

الاولى : "قوة العفريت" (قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ{39)، هذا العفريت من العفاريت المؤمنين والمقربين من النبي سليمان "ع"، لا توجد عنه معلومات كافية، سوى انه حامل البساط السليماني الشهير كما يعتقد، أو ربما يمثل أحد وزراء النبي سليمان "ع" البارزين، وأسمه (صخر الخي القهرماني) ويختصر بـ (العفريت القهرماني)، مما يروى بشأنه ان النبي سليمان "ع" حجزه لأسباب غامضة في مكان ما، ويمتاز بالقوة والامانة (وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)، وليس من المعلوم ولا من المؤكد انه سوف يستخدم قواه العضلية في جلب عرش بلقيس، بل ربما سوف يستخدم أحد تلك العلوم أعلاه، اما المدة المتوقعة لجلبه العرش فقد تكون :

1- عدة ساعات : إذا فسر قوله تعالى (قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ) بمعنى نهاية مجلس النبي سليمان "ع" الذي يعقده للقضاء صباحا، لمدة عدة ساعات من كل يوم.

2- او ثواني : إذا فسر قوله تعالى (قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ) بمعنى الوقوف والاستواء منتصبا .

الثانية: "علوم الوصاية" (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ{40})، صاحب هذا العرض هو وصي النبي سليمان "ع"، آصف بن برخياء "ع"، لكن أصبح من المؤكد انه سوف لن يجلب عرش بلقيس بقوته العضلية، بل باستخدام علم تعلمه من النبي سليمان "ع"، علم لا يزال غامضا، تفرد به الرسل والانبياء "ع" وأوصيائهم، قد يصطلح عليه بالاسم الاعظم الذي يتكون من ثلاثة وسبعون حرفا، كان آصف بن برخياء "ع" يملك منها حرفا واحدا فقط، بهذا الحرف استطاع ان يجلب عرش بلقيس بثواني او بأجزاء من الثانية .

الثالثة: "علوم النبوة" توارث الانبياء "ع" علوما خاصة بهم، لم يطلعوا عليها احدا، الا بإذن الله تعالى وأمره لبعض أوصيائهم وخاصتهم من المؤمنين، أصطلح على تلك العلوم بالاسم الاعظم، الذي به تأتي الخوارق من أي نوع كانت، كل نبي كان يملك جزءاً او عدة اجزاء منه، وبلغ عددها ثلاثة وسبعون حرفا، لا يعرف سراً لهذه الحروف وماهيتها، إن كانت من حروف الهجاء ام إن كل حرف يمثل علما مستقلا بذاته، بقيت طي الكتمان ولا زالت.

السؤال الغامض هو أياً من هذه العلوم يمكنها ان تمكن صاحبها أن يفهم لغات الكون ويتكلم بها ؟، وهل ذلك يدخل حيّز الامكان ؟، حول هذا الموضوع أنقل حادثتين ينقصهما التوثيق العلمي :

الاولى: عن رجل دين مسلم، ذو منزلة رفيعة، كان مقررا ان يلتقى بشخصية بريطانية سامية، أحد مرافقيه يعلم انه لا يتكلم الانجليزية ولم يتعلمها في أي مكان، وكذلك المرافقين الاخرين له، لذا رأى ان يتبرع أن يقوم بدور المترجم حال وصول الشخصية البريطانية، بعد برهة من الزمن، وصلت الشخصية البريطانية المنتظرة، وجرى اللقاء بينهما، غير ان رجل الدين فاجئ الجميع بتكلمه بلغة انجليزية مهذبة، الامر الذي دهش مرافقيه ما دفعهم للسؤال (كيف تكلمتم باللغة الانجليزية بهذه الطلاقة و لم يسبق لكم تعلمها؟!)، ابتسم رجل الدين وأجابه بأنه يملك علما أسماه (العلم اللدني)، وفسر له ان صاحب هكذا علم لا يحتاج ان يتعلم، بل يلقن تلقيناً ما يحتاج اليه من علوم ومعارف .

الثانية: كان مقررا لثلة من رجال الدين اليهود (حاخامات) أن يلتقوا بالسلطان العثماني، ليشرحوا له وضعهم المأساوي في أوربا، عسى ان يتمكنوا من استعطافه ويلين قلبه لليهود فيسمح لهم بالسكن في تركيا معززين مكرمين، حان موعد اللقاء، وقدم الحاخامات كبيرهم الذي يعلمون جيدا انه لا يعرف التركية قطعا، كما ويعلمون ان السلطان العثماني لا يتكلم سوى التركية، لذا ارتءوا او اقترحوا حضور مترجما، ذلك لم يثن الحاخام الاول بل مشى بخطوات واثقة نحو السلطان العثماني، ونطق باللغة التركية بلسان ذلق، ما دهش رفاقه وبهرهم ودعاهم ان يستفهموا الامر بعد نهاية اللقاء، فأجابهم بأن لديه شيطانا يترجم له ما يقوله السلطان العثماني ويلقنه ما يجب ان يقول باللغة التركية!.

بطل الحالة الاولى فسر الموضوع بـ (العلم اللدني) كي تتضح الصورة لمرافقيه، بينما بطل الحالة الثانية فسر الموضوع لمرافقيه بـ (الشيطان المترجم)، هكذا تمكن كل واحد منهما من إقناع مرافقيه وإزالة استغرابهم ودهشتهم، ولم يكشفا لهم اكثر من ذلك، على طريقة (حدث القوم على قدر عقولهم او على قدر فهمهم) .

الموضوع من منظور العلم الحديث:

ظاهرة النطق بلغات لم يتعلمها الانسان مسجلة وموثقة علميا في كثير من الجامعات ومراكز البحوث العالمية، الا انهم لم يفسروها بالشكل المقبول حتى الان، لهم في ذلك جملة من الآراء لم يقتنع اصحابها بها، لكن تبدو لهم هي الاقرب الى الحقيقة والى واقع الامر والحال.

وثقت الكثير من الحالات حول العالم، حتى وصلت الى درجة التصنيف والتبويب، وجمعت تحت عنوان "الكسينوغلوسيا"، وهو عنوان يشمل كل من ينطق بلغة لم يسبق له تعلمها، بل ويكتب بها ايضا، سواء كان ذلك تحت تأثير التنويم المغناطيسي او بدونه .

حالات مسجلة "موثقة":

1- الدكتور "موريس نثرتون"، اثناء عمله في التنويم المغناطيسي وأثناء اجراءه التنويم على فتى أوربي الولادة والمنشأ، تكلم الفتى بلغة غريبة لم يعهدها الدكتور "موريس نثرتون"، سجل صوت الفتى على شريط كاسيت، وذهب به الى جامعة كاليفورنيا، وهناك عرضه على بروفيسور مختص في الدراسات الاستشراقية لغرض استطلاع الامر، فتبين انها لغة صينية منقرضة منذ اكثر من الف سنة.

2- الوسيط الروحي الامريكي "جورج فالنتاين"، إستطاع ان يتحدث باربع لغات لم يسبق له ان تعلهما في أي مكان، وكانت (الروسية – الاسبانية – الالمانية – والويلزية "بريطانيا") .

3- "كارلوس ميرابيلي"، وسيط برازيلي، استطاع التحدث والكتابة بأكثر من ثلاثين لغة منها لغة دمشقية قديمة واليابانية، في حضور كوكبه من العلماء والباحثين وجمهور تجاوز الخمسة الاف شخص.

4- "بيلي موليغان"، نزيل السجن الاصلاحي في أوهايو (الولايات المتحدة) عام 1977 بتهمة الاغتصاب، شاع في السجن بأنه مسكون بشخصيتين غريبتين بالإضافة الى شخصيته الاساسية، كل شخصية من ذينك الشخصيتين تتلكم بلغة مختلفة، فيتكلم العربية ويكتبها بدقة متناهية ويسمي نفسه "عبدالله"، ثم يتكلم اللغة الكرواتية ويسمي نفسه "روغين"، مع العلم انه لم يتعلم هاتين اللغتين من قبل، ولا حتى حاول تعلمهما، وعندما عرض على أطباء نفسيين لم يجدوا تفسيرا سوى أنه مصاب بـ"إنفصام متعدد الشخصيات" !، تفسيرا لم يقتنعوا به الا انه أقرب ما يمكن لهذه الحالة.

5- فتى فليبين تكلم لغة الزولو الافريقية، من المستبعد جدا ان يكون قد تعلمها او حتى سمع بها.

6- الفتاة البريطانية "روزماري"، وثقت في دراسات "مجتمع البحوث الوسيطية" عام 1931، تكلمت لغة مصرية قديمة، واطلقت على نفسها اسم "تيليكا فينتو"، أدعت انها عاشت في مصر عام 1400 قبل الميلاد، وكتبت باللغة الهيروغليفية امام متخصص بالأثار المصرية البروفيسور "هاورد هيوم" .

هذه غيض من فيض، وهناك الكثير من الحالات التي لم توثق علميا، وأشباهها الكثير قدر لها ان تكون في مجتمعات لم تتفهمها وربما أتهمت بالجنون، فرحل أصحابها دون أن يعلم بهم احد.

علماء وثقوا لحالات مشابهة:

1- الدكتور "ايان ستيفنسون"، ألف كتابا وثق فيه كثيرا من الحالات المشابهة، حمل عنوان كسينولوجيا 1974م .

2- الطبيب النفسي الاسترالي "بيتر رامستر"، وثّق الكثير من الحالات وجمعها في كتابه "البحث عن أجيال سابقة" 1990م .

التفسيرات العلمية:

بين المؤيدين والمعارضين تقاطعت الآراء، لتظهر فئة ثالثة توسطت الطرفين، فامتزجت الآراء مع بعضها البعض، مع لحاظ انها جميعا لا تقدم تفسيرا موضوعيا او علميا لهذه الظاهرة، اللهم انها أقرب ما يمكن تصوره عنها، ومن بين تلك الآراء (لا على سبيل الحصر) :

1- انفصام الشخصية الحاد.

2- انفصام متعدد الشخصيات.

3- الكريبتومنيزيا : إعادة تذكّر لغة معيّنة كان الشخص يألفها في طفولته ثم انقطع عنها لفترة طويلة .

4- التخاطر : رأي مطروح، لكن لم يثبت علميا، فمن المؤكد ان لا احد تمكن من تعلم لغة ما عبر التخاطر .

5- الاحتيال : فقد يكون الاشخاص قد تعلموا تلك اللغات وأخفوها عن الباحثين، هكذا رأي لم يصمد امام النقد والاعتراض، كون الباحثين قد وضعوا امامهم كافة الاحتمالات، ولم يبتوا في الامر الا بعد التأكد التام والتدقيق الصارم.

6- الذاكرة الموروثة جينياً: وهذا الرأي لم يصمد أيضا، فلا ربط بين فتى أوربي وبين لغة صينية قديمة عمرها الف سنة، كما ولا ربط بين فتى فلبيني وبين لغة الزولو الافريقية كما تقدم.

7- التقمص: تقمص الروح او التناسخ او عودة الروح بجسد أخر، كعودة روح انسان صيني وتقمصها في جسد اوربي، هذا الموضوع مثار جدل بين رافض للفكرة من الاصل وبأدلة وحجج متينة وبين مؤيدين لها بحجج أقل متانة وقوة، كما ولم تؤكد الفكرة بشكل علمي او معقول حتى.

8- الحلولية : تعتقد بعض الجماعات الدينية بحلول الاله في جسد شخص ما، الامر الذي يمكنه من اتيان بعضا من الخوارق، كالتحدث بلغات لم يتعلمها، هذه فكرة دينية لم توثق او تثبت بشكل علمي، مع وجود معارضين أقوياء لها .

9- الطاقة : كل الاحداث والمجريات والظواهر ان لم يقم البرهان عليها مؤكداً تفسر بما هو أقرب للواقع كما هو الحال في جميع التفسيرات للظواهر الطبيعية الغريبة والتي لم تؤكد علميا ولم يتم التوصل الى دليل ثابت يكشف ما يريب فيها، فبالنهاية، لابد من تفسير أكثر منطقية وأقرب للواقع لكل ظاهرة، هكذا جرت سيرة العقلاء والباحثون أن لا يتركوا شيئا بدون تفسير او تحليل منطقي .

الطاقة هي ربما المرشح الاكبر والاقرب، حيث لا يوجد ما ينافيها او يعترض طريقها في الترشح، وأن وجد فهو ضعيف او غير منطقي، الاسباب الدافعة لتبني هذا الرأي كثيرة منها :

أ‌) الطاقة تجمع كافة الانفعالات النفسية، الايجابية كـ(الفرح، الانبساط، الارتياح، التفاؤل، الطموح وغيرها)، والسلبية كـ (الحزن، الكأبة، الانقباض، التشاؤم، الغضب وغيرها) .

ب‌) الطاقة قد تشمل التخاطر في أروع وأبهى وأعمق صوره، لكنها أوسع وأشمل منه بكثير.

ت‌) الطاقة هي نفسها في الانسان والحيوان والجماد وفي جميع العناصر، بل هي نفسها في الارض والنجوم والكواكب وسائر الكون، على اعتبار ان الكون يتكون من طاقة ومادة، فيمكن للطاقة ان تتحول الى مادة، كما ويمكن للمادة ان تتحول الى طاقة .

أما إذا أخذنا بنظر الاعتبار، إن الطاقة أكثر مرونة من المادة، الامر الذي يجعلها المرشح الوحيد دون منافس حتى هذه اللحظة.

 

حيدر الحدراوي

 

 

مجدي ابراهيمكثيرون من المنظّرين، أصحاب الرؤى والاتجاهات الفكريّة والمعتقدات العلميّة، يعرضون للتصوف قدحاً، وعلى غفلة، فيتعرّضون؛ في زعمهم، لأخطر ما فيه، فلا يرون منه - مع ما فيه من خطورة - إلا ما يشبه الهوس؛ يُحلق صاحبه بعيداً عن واقعات الحياة وفروضها، مع أن هذا الشيء الخطر ليس من التصوف في شيء، هو فقط من أدمغتهم، تحليلاً وتخريجاً : ومن أبخرة عقولهم الملوثة بلوثات الفكرة الأرضية.

فتارة ينسبون إليه ضعف التوجّه، وينعتون صاحبه بفقر القوة على ملاقاة الحياة الصاخبة بمتطلباتها اليومية، وتارة يضفون إليه الحيل الهروبية والانسحابية لهزال نفسي يمس تكوين الشخصية، وتارة يقارنون بينه وبين الابتكارات العلمية بغية إخضاعه عنوة إلى تطبيقات المنهج العلمي مع أنه ليس بعلم، وتارة يصفونه بالمرض العصابي يلم بأشخاص فقدوا تحقيق رغباتهم الدنيوية، فتمكن منهم المرض العضال فلم يجدوا سوى التصوف يريحهم من عناء الأزمات، وتارة ينسبونه إلى مصادر غير إسلامية : يونانية أو فارسية أو هندية أو مسيحية كما فعل قادة الفكر الاستشراقي، مع فارق في التخريج غير قليل، في نسبة الإبداع الفكري الإسلامي برمته إلى مصادر غير إسلامية؛ وهكذا دواليك : حالة غربية من الإسهال النظري المُدْلج لمعرفة كُنه الحقيقة الروحيّة بغير طرقها ومناهجها وأدواتها ووسائل الاتصال بها.

أقول، إنّ هذا الشيء الخطر هو توهم كشف حقيقة التصوف مع إن ما كانوا تعرضوا له ليس بتصوف، لأن الكلام عن التصوف شيء وحقيقة التصوف شيء آخر، وكذلك تجئ الكتابة عن التصوف شيء، والاتصال بالحالة الصوفيّة شيء آخر؛ تماماً كحلاوة العسل أو تجربة الحُب، أو لذة الجماع، كلها أمور مهما وصف لك الواصفون من شأنها، فلا تستطيع أن تتحقق منها ما لم تحصّلها بنفسك : تتذوقها، وتباشرها، وتعايشها حياة خالصة، وتجرّبها بنفسك غير خاضع فيها لرأي سالف ولا بمعرفة نظريّة سابقة على التجريب.

وهذا هو الفرق الفارق بين القراءة الأيديولوجية للنصوص الصوفية كونها مجرّد كلمات خاضعة لمشارط التحليل والنقد والتنظير، ثم لمناهج تستنها مدارس فكرية بعينها وتوظّفها توظيفاً حسب مقتضياتها وأهدافها فيما تراه، وبين التصوف في ذاته؛ كونه سلوكاً له قواعده النظرية غير أنها موقوفة على الاستشعار والاستبصار، والاستغراق في قلب هذه القواعد إلى حياة محققة في الواقع الفعلي.

فلن تكون متصوفاً مهما قرأت ألآلاف ألآلاف المصنفات الصوفية، أو كتبت في هذا الميدان بما لا يُحصى عدّه من المؤلفات، لن تكون متصوفاً على الحقيقة ما لم تضرب نفسك بأقدم حذاء وتتجرّع مرارة الصبر في غير تعبيس، وتأخذ الحقيقة من أهلها لا من عقلك أو من نفسك! أما العنجهية الفكريّة والصَلَف المعرفي والأيديولوجيات النظرية، فهى تخريج بليد فاسد ممجوج؛ يفسد أذواق النصوص الصوفية ويلقي بها في متاهات الأوهام.

كل ما كتب في التصوف أو عنه ليس بتصوف، إذا نحن عددنا التصوف هو :" الأخذ بالحقائق"، على حد تعبير معروف الكرخي المتوفى عام ٢٠٠ من الهجرة، والحقائق لا تدوّن في كتب، ولا ينظّر لها، ولا تكشف للباصرة النظريّة، أو للمعوان العقلي، ولكنها مع ذلك تكشف. إنما تكشف بتجليات باطنة تتجلى فضلاً من عون الله على قلوب الأتقياء، لذلك كان التصوف أمراً باطناً، لا يُطلع عليه، هو علاقة خاصّة مخصوصة بين العبد وربّه، هو الإخلاص وكفى.

مَن يودْلِج لهذه العلاقة دون أن يعرفها أو يشم منها رائحة، يضرب في واد غير ذي زرع، ثم لا يخرج بشيء إلّا كما يخرج غربال من بئر.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

ماجد احمد الزامليالحرب هي الوسيلة الأخيرة من وسائل الإكراه التي يلجأ إليها أطراف النزاع في حال فشل الوسائل السلمية لحلها. فعلى الرغم من كثرة الاتجاهات والدعوات نحو تفادي الحروب أو التقليل منها في أضيق نطاق، ألا أنه تبقى الحرب أمرا لا يمكن تجنبه في كثير من الأحيان، وأن السلام الدائم يبقى أملا لا يمكن تحققه . الدفاع الشرعي واجب الإنسان في حماية نفسه أو نفس غيره، وحقه في حماية ماله أو مال غيره من كل إعتداء حال غير مشروع وبالقـوة اللازمة لدفع هذا الإعتداء. وقد تطور مبدأ عدم الاعتداء بعد هذا في لوائح المحاكم الدولية في نورمبرج وطوكيو،التي تستند إلي القانون الدولي لا يحرم الحرب العدوانية فحسب وإنما يحرم أيضا الاستعدادات التي تجري من أجل شنها. و يعـد الدفاع الشرعي سببا من أسباب الإباحة أي أنه يسبغ على الفعل المجرم الـذي أقدم عليه الشخص الصفة الشرعية، ويخرجه من نطاق التجريم؛ أي أن النصوص القانونية للتجريم ليست مطلقة بل يرد عليها قيود تضيق من نطاقها، والمشرع يهدف من وضع هذه النصوص حماية مصالح إجتماعية معينة على جانب من الأهمية فينص على تجريم تلك الأفعال، لكنه قد يقدر أن المصلحة التي تعود على المجتمع في عدم العقاب تفوق المصلحة التي تعود عليه في حالة العقاب عليها في ظروف معينة، فيقرر إعتبارها مشروعة في مثل هذه الظروف على الرغم من خضوعها لنصوص التجريم؛ وأساس تبرير فعل الإباحة. أن الحرب غير المشروعة هي التي يكون القصد منها الهيمنة والاستحواذ على مقدرات الشعوب والرغبة في السيطرة . العلاقة بين الشرعية الدولية والقانون الدولي وبين المصالح والأهداف الوطنية لبعض الدول تختل بحيث تصبح هذه العلاقة علاقة التابع بالمتبوع وبالشكل الذي يؤدي الى إرتباط القانون والشرعية الدولية بالمصالح الوطنية. وتبعا لذلك تتعدد معايير الشرعية الدولية في التعامل مع القضايا الدولية المختلفة تبعا لوجهة نظر هذه الدول وتبعا لاختلاف مواقع وصفات أطراف هذه القضايا ما بين صديق أو عدو لها، فظهر مصطلح (المعايير المزدوجة) أو (الكيل بمكيالين) وفي نطاق تطبيق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بحيث تظهر هذه السياسة وكأنها انعكاس واضح لواقع النظام القانوني والسياسي الدولي والعلاقات الدولية المعاصرة. والإسلام يرى أن الحرب لا تكون مشروعة ما لم يكن الغرض منها الدفاع الشرعي أو الدفاع عن المصالح الضرورية كلما تعرضت للاعتداء، ويجب أن يكون فعل الرد متناسبا" مع حجم العدوان فأن تجاوز فعل الرد حدود الدفاع الشرعي سيحول الحرب المشروعة إلى حرب عدوانية غير مشروعة.

إن المجتمعات القديمة وما وصلت إليه من تطور حضاري فإنها كانت غالبا تلجأ إلى أسباب العنف واستخدام القوة لأسباب بسيطة جدا وان من أهم أسباب نشوب الصراع والتنازع هو غياب الاتصال بين هده المجتمعات واختلاف التطور الثقافي والفكري بينهما وأيضا من اجل التجارة وموارد المياه والموارد الأخرى والتي كانت تستبيح كل ما يملكه الجانب المهزوم ولكن في ظل غياب القانون وظهور الفوضى لم يترك المجتمع القديم استخدام القوة دون تنظيم ، ففي العهد الروماني كان مفهومهم يتحدد بالمشروعية الشكلية أي عن طريق حرب عادلة ، الحرب التي تبدأ بموجب قوانين وتحظي بموافقة الحكماء. وبعد اتساع نطاق الدولة الرومانية وأصبحت مترامية الأطراف وقد جسدت في وقتها مفهوم الدول صاحبة القرار فقد تحقق فيها السلام ولم يكن هدا السلام مبني على معاهدات ولا اتفاقيات بل كان عن طريق أساليب سيطرة الإجبار والخضوع والقهر هذا بالنسبة لعلاقاتها الداخلية . أما في علاقاتها الخارجية فكانت منظمة وفق اتفاقيات ومعاهدات ولقد وضع الرومان قواعد للحرب والصلح . و كان لهذه الفكرة تأثير قوي على أوروبا قبل العصر الذي سادت فيه فكرة توازن القوى وإدخال عنصر سيطرة وتحديد على الحرب لأنهم رأوا أن الحرب العادلة والسلام العادل هما وجهان لعملة واحدة . وهذا أدى إلى ظهور ما يسمي بفكرة الرد بالمثل بوسائل العنف والتي تقول أنه لابد إن يكون سبب عادل لنشوء استخدام القوة وان تعلن من أعلى سلطة فعلية وتطورت هده الفكرة إلا أن الحرب لا تكون مشروعة أو عادلة إلا بعد إصدار تحذير ملائم ولا يوجد طريق لاسترداد الحق إلا الحرب وأن حق إعلانها لا ينبغي أن يكون حكراً علي الإمبراطور بل ينبغي أن يعطي إلى كل رؤساء الدول على أن تكون قد أعلنت الحرب للدفاع عن حق مشروع أو لاسترداد حق مغصوب. وبعد التلاشي التدريجي لسيطرة الكنيسة في أوروبا وظهور الدول القومية بدأ مفهوم الحرب العادلة في التغير حيت ظهرت فكرة اعتبار أن الحرب عنصر مهم من عناصر سيادة الدولة وغايتها إزالة العدوان وأنها لابد أن تكون عادلة ولكن في حقيقة الأمر لم تكن لها علاقة بالعدالة ،وهكذا الحرب لا تشن إلا اعتقادا على أنها عادلة ونلاحظ في نهاية الأمر أن القيود التي وضعت لإعلان الحرب أو مباشرتها لم تكن قيودا مؤثرة. ولكن أرادوا أن يعيدوا مفهوم الحرب العادلة باعتبارها وسيلة للسيطرة على استخدام القوة . أن الأسباب العادلة للحرب هي معاقبة المعتدي على مواطني الدولة والدفاع عن النفس وحماية الممتلكات وأما الأسباب الغير عادلة هي التوسع الإقليمي وإخضاع الشعوب الأخرى و رغبة دولة ما في الاستقلال و الانفصال عن دولة أخري . وبعد انتهاء فكرة الحرب العادلة وبعد أن عقدت الدول الأوروبية معاهدة وستفاليا سنة 1648 وبها انتهت الحرب الدينية في أوروبا والتي أصبحت بموجبها تنظيم العلاقات بين الدول الأوروبية وكانت غايتها إنشاء نظام سلمي مستقر يأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي في أوروبا الذي كان يمثل توازن للقوة بين مختلف الدول ، ولقد بقي هدا النظام قائم وتم التخلي عن فكرة الحرب العادلة وإبدالها بفكرة ما يسمى أن الحرب ضرورة واقعية لسيادة الدول وفي وقت طهور هده الفكرة تعهدت الدول بالمحافظة على التزاماتها واحترام المعاهدات التي تعقدها والامتناع عن التوسع الإقليمي والتدخل في شؤون الدول الأخرى وعدم اختراق سيادتها واللجوء بدلا من ذلك إلى الوسائل السلمية لحل منازعاتها.

وفي نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر وفي ظل هده الفترة أعطي الحق لأي دولة اللجوء إلى الحرب استنادا إلى أنها دولة ذات سيادة وكما يجيز لها احتلال أي إقليم في ظل نظام توازن القوى، ولقد وجدت الدول انه من السهل عليها تحقيق غايتها إذا ما تخلت عن التمسك بفكرة المشروعية وهذا أدى إلى ظهور فكرة ألاَّ مشروعية في الحرب من قبل الدول في سبيل الحفاظ على أمنها والحصول على أراضي جديدة ولكن ذلك لم يمنع الدول من التمسك الشكلي بالحرب العادلة والادعاء بعدالة الأسباب المؤدية للحرب في سبيل تضمين الدول الأخرى وضمان عدم تدخلها في الحروب بجانب الأعداء وبهذا نرى أن الحروب أصبحت مشروعة ويمكن للدول اللجوء إليها . وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت أفكار تدعو إلى اعتبار أن الحرب أخر وسيلة تلجأ إليها الدول لنيل حقوقها وأخذت الدول تبذل اهتماما متزايدا إلى تبرير لجوئها لاستخدام القوة لأن الرأي العام أصبح قوة ،بالاضافة إلى انتشار الثقافة والأفكار التحررية وبعد التضييق على استخدام القوة لجأت الدول إلى طرق أخرى اكثر عنفا من الحرب و لا يمكن أن تعتبر حربا مثل الإكراه والانتقام وبعض أنواع التدخل والمعاملة بالمثل. أهم الظواهر تلك التي تتعلق بالولاية القانونية العالمية التي تمنح المحاكم وجهات التحقيق القضائي في بعض الدول صلاحية ملاحقة منتهكي حقوق الإنسان ومرتكبي جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية بصرف النظر عن أماكن وقوعها وهوية وانتماء مرتكبيها وضحاياها والولاية القانونية المحلية التي يخضعون لها. وهناك دول تحاول الظهور بمظهر إحترامها للقانون الدولي وتمتثل لأحكامه وهي تعمل في مجال تحريم استخدام القوة على تبرير سلوكها وإضفاء الشرعية عليه ولا توجد دولة من دول العالم تقول بشكل علني انها لا تحترم أحكام القانون الدولي المنظمة لاستخدام القوة وحتى عندما يعلن الساسة في بعض المناسبات أن دولهم لن تتحرى بعد الآن القيود التي يفرضها القانون الدولي على استخدام القوة في العلاقات الدولية فإن هذه الدول التي يمثلونها تكون حريصة على تقديم حجج داخل الأمم المتحدة تدعم موقفها من الناحية القانونية لكي تعطي التبرير المنطقي على أفعال المخالفة لقواعد القانون، وهذا ما يفسر أن القانون الدولي لم يتم وضعه إلا لخدمة الدول العظمى حتى تحافظ على وجودها وبقاء مصالحها على امتداد الكرة الأرضية لان المعركة لن تنتهي والصراع قائم ذلك أن الإكثار من استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية لن تكون له سوى نتائج متصلة بعدم الاستقرار وعدم التوازن وهي الحالة التي أصبح المجتمع الدولي يعيشها في ظل المتغيرات الدولية التي استطاعت أن تنعكس على واقع الفعل الدولي الذي أصبح يعاني من كثرة اللجوء إلى القوة العسكرية والتعسف في استعمالها على مستوى العلاقات بين الدول. هذا الأمر سوف يساهم في خلق مجموعة من التغيرات التي من خلالها سوف يعتاد المجتمع الدولي أن ينصت لخطاب التهديد والوعيد الأمريكي الموجه للدول بعينها إذا لم تمتثل لأمور معينة، ومن هنا تظهر الخطورة في الخطاب الأمريكي الذي يهدف إلى خرق السيادة الوطنية للدول وذلك من أجل السيطرة على مقدرات العالم والإمساك بزمام الأمور حتى لا يقف مبدأ السيادة الوطنية عقبة أمام الهيمنة الأمريكية وتوجهاتها وهذا مما يجعل الولايات المتحدة تركز على مبدأ التدخل بدعوى حماية حقوق الإنسان كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول. و في التسعينات من القرن الماضي بدأ اتخاذ إجراءات غير عسكرية وعسكرية باستخدام القوة عن طريق الأمم المتحدة ويمارس مجلس الأمن هذه السلطات لإعادة السلم والأمن الدوليين إلى نصابهما سواء بطريق مباشر أو عن طريق تفويض الأمر إلى دولة معينة. وعلى الرغم من أتفاق المؤرخين والكتاب والفقهاء والباحثين والدارسين والمهتمين بشؤون الحرب على الأصول العامة لها، إلا أنهم قد اختلفوا في تكييف مشروعيتها، الأمر الذي أنعكس أثره في عدم اتفاقهم على وضع تعريف جامع لها . أن وضع تعريف موحد للحرب على الصعيد الدولي أمر شاق، كون المجتمع الدولي تتنازعه نظريات سياسية متعددة وإيديولوجيات متنوعة وأفكارا" وتصورات متباينة، الأمر الذي قاد بالنهاية إلى تعدد تعريفات الحرب. أما فقهاء القانون الدولي العام فقد انطلقوا في تعريفهم للحرب من فكرة التنازع والتصادم بين القوات المسلحة للدول المتحاربة. فعرفوها بأنها نضال بين القوات المسلحة لكل من الفريقين المتنازعين، يرمي به كل منهما إلى صيانة حقوقه ومصالحه في مواجهة الطرف الآخر، أو قتال مسلح بين الدول بهدف تغليب وجهة نظر سياسية وفقا" لوسائل نظمها القانون الدولي.

أن هذه التعاريف وغيرها قد اختلفت في تحديد المفهوم الدقيق للحرب فمنها من أطلق وصف الحرب على كل نزاع مسلح حتى ولو لم يكن أطرافه دولا وبذلك أدخل ضمن مفهوم الحرب الحرب الأهلية والكفاح المسلح والمقاومة الشعبية المسلحة، في حين ذهب قسم من هذه التعاريف إلى تعريف الحرب بمعناها الضيق ليقتصر تعريفهم على الحرب الدولية دون أنواع النزاعات المسلحة الداخلية. وأيا" كان الفارق بين هذه التعاريف ألا أن مضامينها قد أتحدت من حيث استخدام القوات المسلحة بين الأطراف المتحاربة وبغض النظر عن أوصاف هذه القوة ما دام أن الغرض منها تغليب مصلحة احد الأطراف المتصارعة على مصلحة الطرف الآخر. تتمتع الدول بكافة الحقوق والمزايا الكامنة في سيادتها، سواء على الصعيد الدولي كإبرام المعاهدات الدولية، وتبادل التمثيل الدبلوماسي والقنصلي وإثارة المسؤولية الدولية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي أصابتها أو تصيب رعاياها أو إصلاح هذه الأضرار. وعلى المستوى الداخلي فللدولة حق التصرف في مواردها الأولية وثرواتها الطبيعية، كما يمكنها اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة حيال الأشخاص المتواجدين على إقليمها بغض النظر عن صفتهم كمواطنين أو أجانب. أما مونتيسكيو فيقول إن حياة الدول مثل حياة البشر، فكما للبشر حق القتل في حالة الدفاع الطبيعي، فإن للدول حق الحرب لحفظ بقائها ، والمادة رقم: 33 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تلزم الدول بضرورة حل النزاع حلا سلميا عن طريق الوساطة، المفاوضة، التحكيم والقضاء. وإذا لم تنجح هذه الطرق تتجه هذه الدول إلى إعلان الحرب المقيدة بحالة الدفاع الشرعي، وقد إستخلص الفقهاء إستثناء الدفاع الشرعي من نص المادة: 19 التي تنص على " الدولة التي تلجأ إلى الحرب خلافا لما تقضي به التعهدات المنصوص عليها في العهد الدولي، تعتبر كما لو قامت بإرتكاب عمل من أعمال الحرب ضد جميع الدول الأعضاء.

لم يحظ الدفاع الشرعي بمكانة حقيقية إلا في ميثاق الأمم المتحدة، حيث نص على الأصل: عدم اللجوء إلى إستخدام القوة في المادة: 2/4 والإستثناء في المادة 51 وهو الدفاع الشرعي، إلا أن العرف الدولي قد سبق ميثاق الأمم المتحدة في مسألة شروط الدفاع الشرعي. فإذا كانت المنظمة الدولية هي التي تتولى – ممثلة في مجلس الأمن – إتخاذ إجراءات الأمن الجماعي لمواجهة حالات الإستخدام غير المشروع للقوة، فإن حق الدفاع الشرعي ينبغي أن ينظر إليه على أنه مكمل لنظام الأمن الجماعي، ذلك أنه إذا كان نظام الأمن الجماعي لا يستطيع منع الإعتداء أو حالات الإستخدام غير المشروع للقوة من قبل دولة ما، ضد دولة أخرى فإنه لا يقبل أن يلزم الميثاق الدولة المعتدى عليها بعدم رد الإعتداء، وإنتظار إجراءات الأمن الجماعي التي تتخذها المنظمة الدولية، خاصة في الفترة ما بين وقوع الإعتداء وإتخاذ إجراءات القسر الجماعية، وهي فترة كفيلة لإنزال الضرر بالدولة المعتدى عليها، لذا فإن حق الدفاع الشرعي أصبح في ظل الأمم المتحدة إستثناء على المبدأ العام، مما يتعين معه ألا يلجأ إليه إلا في حالة الضرورة المتمثلة في دفع الضرر الذي يترتب على الإعتداء في الفترة ما بين تحقق وقوعه فعلا وإتخاذ إجراءات الأمن الجماعي، حيث أن الضرورة تقدر بقدرها.

وتعد الحرب العالمية الثانية نقطة تحول بارزة في تاريخ القانون الدولي ومسار العلاقات الدولية بسبب الخسائر الفادحة المادية والبشرية لتلك الحرب حيث بدأت الدعوة لمراجعة الأفكار والقيم السائدة (كالسيادة الكاملة للدول علي الصعيد الدولي دون قيد - وكحق الدولة المطلق في شن الحروب والعدوان) مما ادي إلي وجود قواعد جديدة كالحد من سيادة الدولة علي الصعيد الدولي وتقيد سيادتها بحدود القانون وكذلك تعديل كثير من قواعد القانون الدولي التقليدية كحق الدولة المطلق في شن الحروب حيث بات الاصل حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية والاستثناء هو استخدامها كحالة الدفاع الشرعي مع تقييده بالعديد من القيود – كما رفعت قاعدة شرعية الاستعمار فقضي بعدم شرعيته وحكم بتصفيته والغائه – كذلك مراعاة الابعاد الإنسانية والاجتماعية في أحكام القانون الدولي – وكذلك الاهتمام بالإنسان حيث وجدت الجرائم ضد الإنسانية ومنع التمييز العنصري وخطف الطائرات وحماية التراث المشترك للإنسانية وشرعية حركات التحرر الوطني وحق تقرير المصير ،كما ظهرت المنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسيات وحركات التحرر الوطني.

ويمكن القول بأن أخطر انتهاكات حقوق الإنسان والحريات الأساسية، غالبا ما يتم تبريرها من قبل الحكومات على أنها ضرورية لحماية الأمن القومي . و في معظم البلدان ينصب القادة السياسيين أنفسهم مسؤولين عن تحديد "المصلحة الوطنية" أو "التهديدات الأمنية"، واعتمادا على اعتقاداتهم أو بالاحرى تحقيقا لمصالحهم يبدؤون في انتهاك حقوق الإنسان. "وحتى في الديمقراطيات الليبرالية، يمكن للتصورات غير الدقيقة الخاصة بتهديد الامن القومي وانعدام الأمن ان تضعف و تزعزع دعم المواطن للقانون الدولي والقيم الديمقراطية. " هذه التعريفات لـ"الأمن القومي" كثيرا ما تكون غير واضحة. وعلى نفس القدر من الأهمية، نجد مسألة "تحقيق الأمن على يد من" حيث أن السلطة التنفيذية عادة ما تستبعد السلطات الأخرى من المشاركة في اتخاذ مثل هذه القرارات.

أن التحولات العالمية في مطلع عقد التسعينيات وما رتبته من تهديدات، مثل الحرب في يوغسلافيا وكوسوفو، مثلت تحديا لحلف الناتو، ومن ثم كان قرار الحلف بالتدخل في تلك الأزمات. من ناحية أخرى، فقد سعى حلف الناتو لانتهاج استراتيجية جديدة ما بعد انتهاء الحرب الباردة تستجيب ومعطيات البيئة الأمنية العالمية المتغيرة، ومنها منطقة جنوب المتوسط والشرق الأوسط. إذ شهدت قمة الحلف في روما، عقب انتهاء الحرب الباردة، التوصية بصياغة استراتيجية جديدة للحلف، مفادها أنه يتعين علي الحلف إيلاء السياسة الأمنية للدول المتوسطية أهمية خاصة، انطلاقا من أن تحقيق الاستقرار والأمن علي الحدود للدول الأوروبية يعد أمرا مهما لأمن الناتو. ومن ثم، فقد تمثلت معضلة الحلف في تحقيق الاتساق بين ميثاقه الذي لا يتيح التدخل خارج أراضيه ومواجهة التهديدات الأمنية التي تهدد مصالح أعضائه.

 

د. ماجد احمد الزاملي

 

 

مجدي ابراهيمللتنظيمات الإرهابية أيديولوجية مُغلقة تستندُ إلى تراث ديني دموي موبؤ، مُوغل في التعصب والعنصرية والأصولية الظلاميّة والتخلف الفكري بكل معانيه، هذه الظلامية نفسها تحمل خصائص الفكر الرجعي العدائي الاستبدادي المُنحرف، وتدعو إليه بمختلف الوسائل التي تملكها أو لا تملكها إرساءً لتلك الخصائص وتدعيماً لأفكارها الرجعية المتبلدة التي حافظت عليها من طريق التقليد والإتباع .

هذه الرجعية الكاسدة كانت رفضت كل صنوف محاولات العقل التأويليّة، حتى إذا هى اجتهدت فأوّلت اختارت العنف؛ فأقامت عليه دعائم التأويل ليصبح عنف التأويل الديني نصَّاً مقدَّساً هو الشغل الشاغل لكساد الحياة الفكرية لديها، ولينقلب "المقدس" من فوره تحت دعائم العنف المُأدْلَج إلى "مدنّس". وبالمثل؛ كانت رفضت كل الدعوات المستنيرة التي حَمَل مشاعلها دعاة التنوير ورعاة الوعي الروحي والفكري في ثقافتنا العربية والإسلاميّة؛ فهى بحق : نقطة سوداء في جبين العقل العربي على التعميم.

باسم الدين أصبح العنف يرسم صورة دمويّة لله هى نفس الصورة القديمة لآلهة الحرب، والتي كانت غارقة في الأساطير تحت غطاء الحروب المقدسة؛ فالجماعات الإرهابية وثنية حديثة تجدّد الحواشي القديمة لآلهة الحروب، ولغة الخطاب الخاص بها يقطر دماً ويفضي لا محالة إلى الموت؛ فمن يتأمل مصاصى الدماء الجُدد، المتشددون باسم الدين سيعلم أن متعلقات الإله الذي يعبدونه ليست إلا السّهام والسروال الحربي والعيون الغاضبة والجباه الناريّة والأطراف المنتصبة والمبارزات الفتاكة : تجسيد غرائزي قبيح لتشوُّه الحب المفقود في آله قتل وتدمير ليعود النص الديني أسطورةً حول إله دموي بمجمل المعاني العنيفة، لا إزاء الآخر فحسب، بل تجاه الأنا كذلك.

على أن التفرقة بين الله والإله ظاهرة بوضوح؛ فالله مفهوم ديني كتابي توحيدي متعالٍ مُنَزَّهُ عن لوثات البشر وتأويلات البشر، ولا يعرف الله على الحقيقة إلا الله كما في مقولة أبي بكر الصديق التي عليها يستند الصوفية. أمّا الإله فهو مقولة ثقافيّة قديمة ترجع جذورها إلى رسوم ونقوش وأخيلة حول المقدّس، وهو بهذه الدلالة يرتبط بوجود الإنسان في أزمنته المختلفة؛ فكل مِنّا يتملك إلهاً نتصوّره من موقعنا الثقافي لكننا لا نمتلك الله بحال. لقد أعاد الإرهاب الديني اليوم تشغيل ماكينة الأساطير القديمة التي ربطت الآلهة بالحروب العنيفة وتمَّ اعتبار الإله "تقنية عدم"؛ تؤسس لأشكال الموت والإقصاء والبتر في المجتمعات الإنسانيّة، ومن هنا صارت آلهة الحرب صورة ثقافية قديمة بمضمون فلسفي.

من البحوث الممتازة التي تناولت هذا الموضوع بعمق وجديّة بحث قدَّمَه الصديق العزيز الدكتور "سامي عبد العال" أستاذ الفلسفة بآداب الزقازيق (مصر)، وناقشه مُؤخراً في مؤتمر "الفلسفة في مواجهة العنف". عرض فيه لفكرة العنف التأويلي للدّين واستعادة آلهة الحرب في العقائد القديمة؛ إذْ رَسَمَ المجاهدون الإسلاميون باسم الله دور "حَفَّاري القبور"، وذلك بعدما غاب تأويل ثري لمعاني الإله بأساليب غير إقصائية، في الوقت الذي حَضَرت فيه تأويلات ملوثة بإجابات قاطعة، وبفضل شيوع صورها العدوانية تذهب به إلى المقابر.

وتَمَزَّق مفهوم الله (الاسم الإبراهيمي بامتيازه التوحيدي المتعالي) إلى مجموعة آلهة متناحرة، وكل جماعة إسلاميّة اختلقت إلهاً يقف في جانبها حاملاً سلاحه منافحاً عن كيانها؛ فالدواعش ينشدون إلهاً، والقاعدة تحدِّد لها إلهاً آخر، والسلفيّة الجهادية يعتبرونه مغايراً، والسلفية التقليدية تضع مواصفات غير هذا وذاك، وكل يُوقّع باسمه تحت ما كان أختار لنفسه من مفهوم الإله الذي على هواه، بينما يشتركون جميعاً في تحويل العالم إلى سَاحَات حرب.

يتعدّد مفهوم الإله بمعطياته المختارة، ويستعيد فكرة تعدد الآلهة في الثقافات القديمة؛ فهناك إله السلطان، وإله العدو، وإله الجهاد، وإله الخوف، وإله القربان، وإله الخلافة، حتى ليستولي هذا الوضع الخطر على فكرة الإلوهيّة لتجيء في صورة صنم عابد. أضْحَتْ دلالة الإله في الثقافات الجهادية التقليدية المعاصرة ثقباً أسود يمتص طاقات التسامح ورغبة الحياة، أو ربما كانت نموذجاً يعوض عجزنا عن اليقين والفعل العام، وقد تصبح انفتاحاً خطيراً على مستقبل الإنسان، ولكنها تظل مع ذلك مبرراً غيبياً غامضاً لأفعال قتل تجاه الآخرين.

وإزاء الدين تجدرُ التفرقة بين مستويين : مستوى الإيمان، وهو التجربة الذاتية المُرْتَهنة باليقين الشخصي والسّر الإلهي تجاه المُقدّس. ومستوى تصوري، وهو الموقع الثقافي الذي يحتله الإله في ثقافة بعينها ليرتدي تصورات نوعيّة خاصَّة بالأفكار السائدة ثم يصبح هذا التصوّر مفروضاً بموجب العنف المُقنن داخل تأويل المعاني المحيطة به. إنّ هذا المستوى الثاني لهو أكثر فاعلية من الأول، أكثر واقعيّة يُمارس في مستوى الفعل بالواقع العملي مشروطاً على شرطه وفي خلال تصوراته النوعيّة، وهو الذي يُفْرَض بقوة الحقائق العنيفة داخل المجتمعات .. ثمَّةً تغطية مقصودة نصيَّاً لمعاني الله في حركة الثقافة تتجنب زواياها الإنسانية لترسّخ هيمنة التأويل التقليدي للفكر الديني؛ فمقولة الحلاج المتصوف الشهير "ما في الجُبَّة إلا الله"، لربما تشير بجانبها السِّري إلى زَيْف الواقع الثقافي وصوره وأساليبه التي تزعم امتلاكاً لله، وتدَّعي احتكار حقيقته.

فالعبارة تُعلن إمكانية حصر مدلوله المفتوح في هيئة بشرية كانت سلاحاً في أيدي الغوغاء ورجال السُّلطة تاريخياً. وقول "الواسطي" كذلك "أعمال الشريعة كفر"؛ بمعنى أنها ستر وتغطية، وحجاب أيضاً فيما لو طلبت لذاتها ولم يتجاوزها طالبها إلى حيث البلوغ بها إلى مقام التوحيد، إلى الله مباشرة؛ لأن الشريعة في ذاتها خارج الذات الطالبة، والذات الطالبة تطلب مقصودها الله لا عمل الشريعة، فكما أن العلم نور، فكذلك سرعان ما يصبح ظلمة غاسقة فيما لو طلب لذاته ولم يتجاوزه صاحبه من ظاهر إلى باطن ليرحل من كونه إلى مكوِّنه، والشريعة علم متى تمَّ الانشغال به عن الله في غير توصيل إلى الحقيقة الإلهية ليصبح عملاً من خارج الذات وهمَّاً من هموم الدنيا الصاخبة يعكس واقعاً ثقافياً زائفاً بشتى الصور المقلوبة وبشتى المقاصد الملتوية المنقوضة التي أخطأت طريقها إلى التوحيد كما أخطأت من قبل ممارسته، فهو هنا قد صار حجاباً، والحجاب كما تقدَّم ستر وتغطية وخروج عن المطلوب؛ لأنه يعمل في المستوى التصوري، مستوى الموقع الثقافي التأويلي التقليدي، فهو ها هنا ثقافة ليست سّراً إلهيّاً تجاه المقدس بل كفران ..!

وفي الثقافة العربية الإسلاميّة من يمتلك الله هو من يقول؛ وفعل القول تخريجٌ على هامش المقدّس، يُشْبِه أن يكون بذاته مُقدّساً لمجرّد نسبته إلى الله. كانت الذهنية العربية في منشأ المجتمع الإسلامي ذهنية حسيّة، الخيال يُرادف الحسّ إلى درجة التوحُّد؛ وربما كان هذا رابضاً وراء منطق البرهان التمثيلي في القرآن، لكأنما هناك تأويل تقليدي وتأويل تجديدي للفكر الديني، وكلاهما يتوقف على ذهنية مَنْ عَسَاهُ يمتلك، في حضور أو غياب، عناصر التأويل. التأويل التقليدي ينتج عنه العنف بالضرورة؛ لأن ذهنية صاحبه لا تتوقف عن غسق التلقيد فتوؤل ما من شأنه أن يظهر لها من خلاله، ولا تأخذ بمنطق التجديد، ولا تمتلك عنصراً واحداً من عناصر التأويل وأهمها : إعمال العقل فيما هو فارقٌ بين الثقافة والتجربة.

ولمَّا كان مفهوم "الإله" في الأقوام البدائية قد تجسَّد في صورة ماديّة أو مثال مُفَارق خارج الواقع كما أتخذ صورة تجسيديّة كالآلهة الوثنية التي رَمَزَتْ إلى القداسة؛ كان كائناً مُخيفاً حقيقةً يشكل مصدراً للتحريم والرهبة شأن "الطواطم" في المجتمعات البدائية. أصبح خيالاً متجمّداً في وضع المفارقة؛ من حيث اعتباره مقدّساً وفي نفس الوقت له تَعَيُّنُ مادي، له بعدٌ أثريٌ كنوع من الحضور المضاعف، وهو بذرة نابتة في أحشاء الأساطير والسرديات الكبرى عن الكون وعن أنفسنا وعن الوجود الخَفي، وبحكم تعريفه كان متعدداً في وجوده القديم، إمّا بجوار آلهة آخرين، وإمّا في أشكاله من مجتمع لآخر. لقد أحيت الجماعات الإرهابية هذه الصورة الرعويّة للإله فلم يعد الخيال الديني لديها سوى مادة مُحمَّلة بكثافة لأرشيف العنف وسفك الدماء وقتل الأبرياء وتفزيع الآمنين.

فلئن كان الإله بمثابة الموقع الأعلى للإيمان فهو ليس إلا موقعاً تأويليّاً يوظَّف العنف بدرجات متباينة؛ ولأجل تناحر الأفكار والمنظومات الدينية أصبح موضوعاً للحروب الرمزية ناهيك عما أظهره الإرهابيون من قابليته للتملك الخاص، وبجانب هذا تشتعل الصراعات الاجتماعية باسم (الإله) على صعيد الحياة اليومية؛ فكل منَّا يدفع عن الإله الذي يتبنّاه، ويتقرّب إليه كما كان يتقرب الهمج الرعاع بالبغاء المقدس وسفك الدماء حتى إنّ قتلاً مقدساً لا ينتهي دون إبطال كل التصورات الجارية على محيطه.

تعني آلهة الحرب كل أشكال الموت والدمار، فيستعيدها الإرهابيون اليوم من بطن كهوف التاريخ المظلمة ليكون الموت مُقدَّساً لآلهة مدنسة. أما الله في الأديان الكتابية فيعني الحب والتسامح والرحمة المرسلة من قِبَلِه للعالمين.على ناصية الموت أصبح العنف مادة يتخذها المتشددون باسم الدين ليستمر نباحهم كما الكلاب في وجه المجتمع بمقدار ما يتنطع بشكل ديني قميء لدى "داعش" و"القاعدة" حتى بات سمّة عالمية. وقد عرى العنف ليس الأبنية الثقافية للمجتمعات فقط بل كيان الإنسان كموجود متربص على الدوام : تربص للانقضاض، للتفجير، للتفخيخ، للإفناء؛ فماذا بقى منه للآخر؟ لا شيء .. لا بل الموت والتدمير. أصبح الموت بديلاً عن الحب، وأصبح العنف ملتصقاً بالغرائز الأوليّة فيخبو في اللاوعي ليكون مسرحاً لأشباح تاريخية تحضر مرة بعد أخرى.

قارن - إنْ شئت - هذه الدمويّة التي تُكَرِّس للعنف وتستحضر آلهة الحرب، بصورة أخرى راقية، وداعية في الوقت نفسه للمحبة والتسامح والإيثار كما عُرِفَت في التصوف؛ فالموت يكشف تحوّل هذا العنف، هذا الحُلم الآدمي القديم في ثمار شجرة الحياة، وهل هناك حياة أكثر أبديّة من الجنة ؟

فإذا كان المتصوف يصل إليها بوحدة العناصر الطبيعة ومعها الإنسان، فالمتطرِّف لا يجد بداً من الوصول إليها بزفاف دموي بالأكفان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

حاتم حميد محسنفي عام 300 قبل الميلاد استجوب سقراط تلامذته بتوجيه الأسئلة لهم، هو أصر بانه حقا لا يعرف أي شيء، لكن مهاراته في الاستجواب سمحت للآخرين بالتعلّم من خلال الفهم المتولد ذاتيا. افلاطون (428-348 قبل الميلاد) كان تلميذا لسقراط، وهو الذي كتب الحوارات التي شغلت المفكرين لأكثر من الفي سنة. اطلق افلاطون على هذه العملية بالديالكتيك.الاستعمال الحالي للديالكتيك هو ليس كما كان شائعا لدى سقراط. حاليا يشير الديالكتيك الى حوار بين شخصين او اكثر لهم آراء مختلفة ويرغبون بالوصول الى الحقيقة من خلال الاتفاق في الرأي.اما سقراط فقد استعمل الديالكتيك بطريقة مختلفة لأنه اعتقد ان المعرفة لدى الانسان هي فطرية تأتي معه منذ الولادة ولذا فمن الممكن اطلاقها بوسائل الاستجواب الذكي.

من حوار غيرجس Gorgies لإفلاطون يمكننا استنتاج عدد من القواعد للديالكتيك السقراطي التي تتمثل بالتالي:

1- يجب ان تكون الأجوبة قصيرة. عندما يوجّه سقراط سؤالا الى غيرجس يجيب الاخير بكلام طويل، لذا يطلب منه سقراط ان يجعل اجوبته قصيرة (448e).

2- كلا المتحاورين يجب ان تتوفر لديهما الرغبة بفهم موضوع النقاش، بهذه الطريقة هما سوف يطوران النقاش ويدفعانه للأمام (453b).

3- كلا طرفي الحوار يجب ان يدركا بأن الطرف الذي يطرح الاسئلة انما يتحدث لمصلحة المشاهدين او المستمعين الذين ربما الكثير منهم يخجل من الحديث. باختصار، المستجوب لا يهتم فقط بمصلحته الشخصية وانما بمصلحة الناس عموما (455d).

4- كلا المتحاورين يجب ان تتوفر لديهما النية الحسنة والثبات.اذا اختلف المتحاوران في هذا، يجب انهاء النقاش.واذا وقع الجواب في حالة من التناقض (aporia) وهي كلمة يونانية تعني "لا مجال للخروج"، فلا يجب ان يصبح المجيب غاضبا. الوقوع في تناقض ليس عارا، اذا كانت اجوبة المخاطب صائبة فهي في الحقيقة نعمة، لأنه اصبح الآن يدرك ان ما كان يعتقد به هو غير صائب.، يقول سقراط من المؤكد ان لا احد يريد ان يكون مخطئا(457d).

5- كل محاور يسعى ليجعل المحاور الآخر شاهدا على ما يقول، شاهدا على حقيقة ما قيل، لأنه اذا لم يتم التوصل الى اتفاق، سوف لن يُنجز اي شيء(472b,474b,475).

6- عندما يتم التوصل الى اتفاق، سيكون المتحاوران في صداقة.الحقيقة لها القوة في توحيد الناس ضمن صداقة، لكن الخطأ والاكاذيب لن تحقق ذلك(473a).

7- يجب ان يكون الحوار بين شخصين اثنين فقط. الممارس للحوار يجب ان يتحدث مع شخص واحد فقط (474b).

8- التناقض يضمن ان ما قيل ليس حقيقيا، اذا كان هناك خيار بين ما هو متناقض وما هو غير متناقض، فان ما هو غير متناقض يجب ان يكون صادقا مهما كان سخيفا(480e).

9- هناك ثلاثة شروط مسبقة للشخصية الفكرية للانخراط في الحوار:(ا) المعرفة: كل مشارك يجب ان يعرف شيء ما، اي، هو يجب ان يميز حينما تكون الكلمات مطابقة للواقع، (ب) النية الحسنة اي ان كل مشارك يجب ان يجادل لأجل الحقيقة وليس لأجل الانتصار، (ج) كل طرف يجب ان يتحدث بحرية، اي يقول ما هو في ذهنه وليس ترددا او على شكل دفاع مراوغ.

10- كل مشارك يجب ان يكون مدركا ان التكرار لا يبطل الحقيقة.لا يهم كم هي الحقيقة مألوفة للمشارك، لا يهم كم تبدو البديهية تافهة، هو يجب ان يعترف بصدقيتها، وان لا يبحث عن شيء مختلف بسبب الرغبة في التجديد (490e).

11- الصدق ضروري لدى كل محاور:كل طرف يجب ان يقول ما يؤمن به والاّ فان العقد الضمني في المحادثة الديالكتيكية سينهار(495a).

12- الانخراط في الحوار هو الخير الأعظم للحياة، لأن هذا هو انخراط في الفلسفة (500c).

13- كل الناس ومن خلال هذا الحوار يجب ان يتنافسوا في السعي نحو الحقيقة، لأن الحقيقة تبرز فقط من خلال المنافسة الصادقة والمتواصلة، وان الحقيقة هي الخير المشترك والعام للبشرية (505e).

14- اذا كانت الحجة صادقة، يجب على المرء النظر بما يترتب عليها. بكلمة اخرى، الحوار يجب ان يستمر، لا يهم الى اين يقود (508b).

 

حاتم حميد محسن

.....................

من الملحق B)) من افلاطون:غيرجس، ترجمة James A.Arieti and Roger M.Burns، مطبوعات فوكس 2007.

 

علي الربيعيالكتابة عن عبد الجبار الرفاعي كشخصة فكرية يعني النظر في قراءة حداثية للدين، وتأويل منتفتح على تمعينيًة إنسانيًة، روحيًة، وجدانية، أخلاقية، معيارية، رمزية، نوارنية، ذاتية له . فالإشكاليًة الأساس التي يدور حولها تفكيره هي تحديث تأويل الدين، تأويل الدين بوجه أنساني، بـقصد أجتراح أفق تأويلي جديد لفهم الدين وهو يواجه عالما معاصرا معقدا، لا يعيش به الإنسان في بحر من السعادة .

ينظر الرفاعي الى الدين في صلته بالإنساني في سياق العصر، فهو – أيً الدين يحوي لؤلؤءاً في بطن الصدفة ران عليها طبقات من الزبد .

ليس المقام بحثا أكاديميا، ولا تدقيقا معرفيا، ولا تحقيقا علميا، ولا توثيقا تاريخيا عن المدارات الكثيرة في مقالة الرفاعي، وهو صاحب مقالة فعلا، لكننا في مورد الاشارة وبالأمارة الى محور القضية، قضيته: "الدين والتمعين".

اينما وليًت وجهك قارئا نصوصا رفاعية، فثمة سؤال كبير تجد تفكير الرفاعي يدور حوله، وهو السؤال المحوري : ماذا يعني ان نفكر في الإسلام راهنا ؟ أنه السؤال الذي يوجه رؤيته، والإستراتيجية التي تحدد مسار تطبيق منهجيته . التفكير في الإسلام راهنا عنده يعني العودة الى البدء بالمعنى الهيدغري، العودة الى البدايات العظيمة، والذي يعرفها مفكرنا هي أن " يغور في الأعماق، مستلهمة المضامين الروحية الغنية في النص، ومستوحية رؤيته الرمزية، مثلما فعل المتصوفة والعرفاء والفلاسفة الاشراقيون،"، العودة للبدايات الخارقة للعصور، والخالقة للاصول .

التفكير في الإسلام اليوم من ما يعني في دلالته– أن ينبجس من أعماق الاسلام نزعة انسانية تطابق روح العصر، ويتسع نطاقها ليشمل البشر كل البشر بما هم بشر، عابر لكل محدداتهم الإجتماعية التاريخية . أنها نزعة تتجلى بها القيم الروحيًة والأخلاقية . ومن هنا نجده يكتب نصا تمعينيًا بأمتياز عن تجربة ذات تطوف في فضاء مذهب العشق عند جلال الدين الرومي، الذي يعده – الرفاعي، يفتح الروح على تمعيًـن الوجود بوصال المطلق، واللافت هو تمتزج روح الرفاعي بفيض مولانا الرومي فتصير روحه موًارة.

السؤال ماذا يعني الإسلام اليوم؟ " يعني عند الرفاعي أن الإسلام يُفهم أولا بوصفه " يمر باوضاع تمعينية دائماً في مسار التجربة التاريخية ولأثر المتلقين بإختلاف ظرفياتهم، مما يدفع الى أهمية الإعتراف بتاريخية ونسبية النتاج الفكري للعقل الإسلامي، ومن هنا الأختلاف عنده مع كل قراءة أستنساخية، قارة على تفسير واحد، ونمط تاريخي ثابت . فالإسلام اليوم، كما تفصح عنه نصوص الرفاعي، زحزحة للمعنى في ثبوت المبنى، لا تتعين حدوده بالتمسك بمقولات الكلام القديم ولا مدارسه المعروفة، ولا حتى مناهج الفقه عندما يكشف عن ما يسميه: " البنية العميقة والمضمرات والقبليات والمسبقات والمسلمات والمرجعيات الأعتقادية، الثاوية والمستترة في الذهنية الفقهية عند الأستنباط". وأصوله القائمة على آليات النظام المعرفي وعموم المقولات الأخرى الناشئة والمحكومة بحدودها التاريخية ومنها التعددية .

والتفكير في الإسلام عند الرفاعي ياتي أيضا من موقع رؤية أنسيًة مغايرة للقائم، مفارقة للحاصل، لا متساوقة مع السائد وللماضي عائد، تتجاوز طبقات الموروث وإستعادته صراطيا اذ يرى في هذا قد "استحال التدين الى اعصار عاصف يجتاح الحياة، ويحطم كافة المكاسب التمدينية والحضارية والمعرفية للبشرية" فيبحث عن معرفة مطابقة لروح العصر ومتطلبات الانسان المعاصر، يقول الرفاعي : "ان تشكيل معرفة دينية موائمة للعصر يتوقف على إعادة بناء لاهوت جديد، أو فلسفة دينية تحدد لنا مكانة الانسان في العالم، ونمط العلاقة بينه وبين الله، أو حقيقة الدين، وحدوده، ومجالات التدين، وطبيعة الظاهرة الدينية".

انَ من يتفحص نص الرفاعي يجده مهتما بنقد العقل الدوغمائي / الأرثوذكسي / اليقيني / الوثوقي / الواحدي، من أجل أعلاء أهمية التعددية، تعدد التـاويلات، و حق صراع التفسيرات – على رأي ريكور، لتعدد فهوم حقيقة الدين. أنَ تَفَكره في / و بحثه عن تأسيس أرضية فكرية للتعددية هو الذي جعله يهتم بفلسفة التاويل بوصف العملية التأويلية تسهم في تقويض واحدية المعنى واحتكار الحقيقة، إنها تخليص للفكر من سلطة التفسير الواحدي والمطابقة التامة بين اللفظ والمعنى، إنها سبيل لإنفتاح العقل وتوسيع حدود الفهم، وتجبرنا على الإعتراف بالنسبية وإننا محكومين بالصيرورمة التاريخية.

33 حنفي اركونمع حسن حنفي                         مع محمد اركون

بوصف التاويل، في طيًات أقواله وتصرحات مقالاته، عمليًة معرفية، منهجية تسهم في تقويض واحدية المعنى واحتكار الحقيقة، إنها تخليص للفكر من سلطة التفسير الواحدي والمطابقة التامة بين اللفظ والمعنى، إنه، يعده، سبيلا لإنفتاح العقل وتوسيع حدود الفهم وتجدده . ان أحد أبعاد غاية قوله، لا كل الأبعاد في نصه متعدد الأبعاد، أن لا يوجد من بين البشر مهما علا شأنهم في مسالك التدين من له القدرة أو يدعيها: معرفية بُرهانية صارت، أو بيانية كانت، أو عرفانية دارت، أن يؤكد بما لايدع للشك والريب مجالا أن تصوره عن الدين هو جوهر ذلك الدين المطابق لحقيقته الربانية المطلقة .

ما يشغل وعيً الرفاعي هو تحديث فهم الدين في زمن الحداثة، وفي مجريات قراءت نصوصه عن هذا وتأولها تبرز في ذهن قارئه عديد السـؤال لتعدد المقال، والرفاعي كثير المقال وكثيفه في مايفكر فيه، والتفكير معه – أيً الرفاعي - ســهميا – كما ينصحنا الطالبي بوصف السهميًة منهجا – أيً توضيحا الأنطلاق من نصه كأساس للتفكير وقاعدة تضبط البنية المعرفية للتفكير، واتجاه مسـار سهم التفكر معه، تستثير أسئلة متجددة تستثير مُـقرض نصوصه هي – مثلا – ماذا تعني الحداثة في سياق فهم الدين تحديدا في فكر الرفاعي؟ ماذا تعني العقلانية الدينية بوصف العقلانية مقوم أساس للحداثة ؟ ماهو نمط العلاقة بين مذهب العشق الموًار في قلب الرفاعي والعقلانية الحداثية في صلتها بالدين معاصرا ؟

يرى الرفاعي في التعددية نقدا للذهنيًة السلفية التي تزعم بالعودة لإسلام " أصيل"، " نقي"، عابر للعصور لكنها- السلفيًة - في عين الحق، في حقيقتها تسجنه، تسيجه، تحبس داله بمدلول عصر بعينه، مما يفقد " الإسلام " إسلامها قدرته على أن يفيض بمعنى على تعدد الإجتماع وتاريخه، وأختلاف حاجات الوجدان في كل عصر .، وعن هذا الرفاعي يقول : "ان التفسير الفظ الساذج يفترض وجود فهم واحد للنص، هو الفهم الذي قالت به الجماعة ألأولى من السلف، ولا يحتمل النص أيً تأويل أو تفسير يخرج عن ذلك الفهم، ويعلن رؤية مغايرة له، ذلك أن مواقف وفهم السلف تمثل المشروعية المقدسة .

أن من يقرا نص الرفاعي يجده يعطي للدين وظيفة انتاج المعنى، أو الدين يفيض على الذات معنى، فيتحد الذاتي / الرمزي، ودور تنوير المنيًر، اضاءة المظلم من حياة الانسان، و كشف الجمال في الوجود؛ فالدين يملأ روح الانسان بالمبادئ الرفيعة التي تدفعه الى مواصلة الحياة بكل علاقاتها وأبعادها، أي أنه يقدم له معنى لحياته ووجوده؛ كذلك يقدم جهازيً تفسير وتأويل؛ يخترق مجال الخيال، فيشكله ويصيغه ويعيد تكوينه، بوصف حياة الانسان كلها رمز وعلامة، والدين يمنح هذا فيستقي منه المتدين سلسبيلا لا تنضب من المعاني لوجوده ووجود العالم، ويجد عن سؤال الانطولوجيا جوابا لمَ كان الوجود أصلا .

يؤيد الرفاعي الراي، أن التدين حالة أنثروبولوجية، ترضي عن الانسان توقا روحيا، بوصف الإنسان متدين بالفطرة، و هذا ما تؤكده دراسات علم النفس والاجتماع والتاريخ البشري؛ فالدين يضفي المعنى على ما لامعنى له، المهمة المحورية للدين تمعًـين الحياة . وعلى الرغم من أن الدين يحمل بين طياته هذه الأبعاد المعنوية والجمالية التي تحفز على مواصلة الحياة بالأمل، الا أن من يوظفه أيديولوجيا حوّله الى مجرد عربة في قطار السياسي، فغُـلبت الجوارح على الجوانح، واصبح سياسة، ومناسبة لبعث الكراهيات وأعادة انتاجها بين الناس.

لتفادي مخاطر الوقوع في براثن تسنين العقيدة على الطريقة القادرية وللافلات من هذا المصير، دعى الرفاعي الى النقد والتفكير للانتقال الى عصر جديد، باثارة اسئلة حائرة، جريئة، كبرى؛ فالتفكير ينبغي أن يكون تساؤليا للوصول الى ماهو ممنوع التفكير فيه. ومن هنا دعوته الى النقد، تعني الحاجة الى مثقف نقدي منهمك بتفسير العالم، ويتغلب على سجون الايديولوجيات بالتحرر من الأحادية والجرأة على الاحتجاج على الواقع لنقد الموروث وتقديم مفاهيم ورؤى جديدة على كل الاصعدة .

يتحدث الرفاعي بلغة التنوير الكانطي فيقول: ان الحرية ليست رخصة بل هيً مسؤولية، إذا كنت لا تستطيع الأمساك بزمام تلك المسؤولية فسيأخذها أحد ما بالنيابة عنك ..عندها تبدأ عبوديتك، المهمة التنويرية التي نلمسها عنده لا تتطابق ضرورة مع مفهوم التنوير الغربي وتجلياته في تجربته التاريخية، ولا في طريقة تناوله الظاهرة الدينية، ولكن باتأكيد تجده يستلهم النسغ الحيً من منجز التنوير في بعده الأنساني، ومن هذا تأتي دلالة نقده للذهنية التي تتقبل الطاعة بدون تمحيص عقلي، فيرى من المهام المطروحة على "التنوير الإسلامي" اليوم هيً تغيير هذه العقليه وتهذيب هذه النفوس التي تعودت الطاعة، وايضا نقده الصارم والقوي للنفس الجمعية المرضيه التي تسعى الي استعباد الاخر وجعل الدين هو اداه لجرائمنها الكبرى . إنقاذ العالم الغارق في فوضى التقاتل باسم الدين يدعو إلى إحياء النزعة الإنسانية التي هي أساس الدين، عن طريق إحياء التجارب الإيمانية الشفافة، والتي يمثلها رمزيا المتصوفة أحسن تمثيل .

أنَ ما يلفت النظر في فكر الرفاعي، من جملة اللافت، هو أهتمامه بقضية غياب مبحث الأخلاق في الفكر الإسلامي، الأخلاق هنا لا من منظور العادات والتقاليد التي تُـتبنى في المجتمعات التقليدية على النواهي و الأوامر، ولكن، طبقا لرؤيته، الأخلاق بالمعنى الذي يبحث في الشأن الإنساني، إنطلاقا مما يميزه أصلا وفطرةً كإنسان، فيرى أن الأخلاق كعلم مستقل تأخر ظهوره عند المسلمين كثيرا، ولم يبدأ الا في القرن الرابع للهجرة مع مسكويه، و لكن لم يشهد تأسيسا حقيقيا وجهودا متواصلة، حتى في هذا العصر، لقد ظل هذا العلم مهملا، على الرغم من حاجة المجتمعات المعاصرة الغارقة في فوضى المعتقدات، إلى جهود و اجتهادات تمد الأنسان بالقيم الاخلاقية والمعنوية للتخفيف من حدة آلامه .

ينظر الرفاعي الى النقد بوصفه عمليًة تفكير تعتمد بشكل اساسي على المراجعة والتقويم، وهو علامة التفكير بحرية، وأن النقد هو جوهر الفلسفة والفكر الحديث والمعاصر .. من أعمق الاراء التي يطرحها الرفاعي هو إعتباره ان ليس هناك فكر يرافقه النقد، لكن الفكر هو النقد، فالعمليًة النقدية غير منفصلة عن الفكر . بالإضافة الى موقفه أو تصوره لمهمة المثقف أو دوره ووظيفته . أنه يعينه بــ "المثقف النقدي، الذي ينشغل بتفسير العالم، ... ويتحرر من رؤية العالم بمنظور أحادي، ... مهمته المحورية هيً التنوير". وها هو الدكتور / المفكر الرفاعي يقوم بممارسة ما يضعه نظرا. والحقيقة أن هذه القوة الخلاقة لمفاهيم النزعة الإنسانية والتسامح، والتفسير التنوير والنقد في فكره فتحت الباب أمامه ووضعته في أعلي مراتب المثال العلمي والأخلاقي .

 

د.علي الربيعي، باحث عراقي مقيم في لندن، متخصص بالفلسفة الحديثة.

 

 

قاسم جمعةالعلماء يقتلهم الدين عندما يقتربون من محظوره

واهل الدين يقتلهم الساسة اذا مسهم شئ من نفاقه ..

واهل السياسة يتقدسون اذا ما امتلكوا عنق الاله..

نحن نتلذذ بقتل الحياة والعلم وتنتابنا نشوة الزهو لاصطياد الحب ونحن نقف على تل التراث ننبشه ونختبره فلا نجد سوى صدى لقراءات تصطدم بغيرها ..من نحن وما نريد وكيف السبيل لما نريد..؟؟

قتلوه واحرقوه لا يكفي لابد ان نجعله رمزا لكي تغتفر الذنوب علي والحسين وغاندي قُتلوا لكي يرمز اليهم فيما بعد ..

شُرد الاحرار لكي تنعم حياة الظلم؟ امر عجيب القاتل يقدس ما قتله..

هكذا تحدثنا الاساطير والحياة التي نعيشها. اقتل من تحب لكي تحب من تقتل .

الفن والفلسفة والدين وكل ما اراده الانسان ليكون، راح يجسده عنفه، عله يكون مثلما اراد ان يكون ..قتلنا العلم وعشنا على تراب الجهل ..

غاليلوا برونوا من هولاء امام ما نريد ..الدين دوما في خطر كما صرح احدهم لي ذات يوم . والحق يقال اننا في خطر مادام هذا الرجل ينطق بهذا اللسان .النساء هن في كل العصور مثلما الظلم والقمع والعنف..

الاطفال ترضع من ثدي الحقد ونتوسل اليهم ان يكبروا بسرعة ليرثوا امراضنا.

انت لا تعرف شيئا، قال لي مرة شخص اقتنع ان الاخرين هم رعاع لان الههم احتضر في معبد الجهل ..

مالذي يجعل محطم الاصنام ومزعزع الثوابت وابو الفيزياء الحديثة براي اينشتاين غاليلو غاليلي (1564-1642) ان يسارع الى القول بأنه نادم لأنه اختار طريق البحث وهو الذي افنى عمره في سبيل ارساء العلم .

جلبوه على حصير ليمتثل امام اله عصره وتردد في حيرة من امره مثلما تردد برونوا من قبله، ما الذي دعاه الى ان يكون عالما الا تعرف انك عندما تعرف لابد لك ان تدرك ان ما عرفته لا يعادل ما تجهل .!

السلطة لا تخيف فحسب بل انها قدر الحرية ونحن لا نريد الا الاغلال. المحاكمة هي ذاتها والمدن هي هي لا فرق بين المدن العتيقة وبين المدن العملاقة .

ان الارض لا تغاير في جوهرها الاجرام الاخرى وهي لا تشكل الا كوكبا عاديا والاجسام ينبغي ان تدرس عبر الرياضيات، والاليات المجهرية المكبرة والمصغرة لقد خرج غاليلوا وبرونوا (كما نطمح نحن ) من برج اللاهوت واطاح بسذاجة التفكير وشرفية الاجسام وقدسيتها واضحينا نسكن كوكبا ليس بالشريف من حيث المكانة والجوهر.. لا تفرقنا عنه لا هوية او لغة فالأشياء لا تتغاير بجوهرها .. والكون مليء بالألغاز والخرافات والسحر عدو العلم..

وباتت الاجرام في متناول الرؤية وهو الامر الذي قاله من قبل جيوردانو برونو (1548-1600) الذي سجنته ايادي تصافح الاله يوميا لأعوام انتهت بحرقه كقربان للجهل المرعب. وسواء ان صحت واقعية المحاكمة او لا، من خلال التشكيك في اصل المدونات والارشيف المتروك في خزائن محاكم التفتيش، الا ان غاليلو ينقل عنه انه ذكر لهم انها لا تدور يقصد الارض باعتبارها كوكبا يتمحور حول الشمس، فان الذي ذكر يدلل على ان المدن لا تتيح الا ما ترغب به وما تقتات عليه جبروتها.

ما يقوله كوبرنيكوس برأي اللاهوت فرضية وما تفترضه الكوبرنيكسية واقعة علمية ومن هنا حصل التصادم. وتدحرجت صخرة سيزيف الملقاة على عاتق الفكر المتحرر من اوهام الخوف. فالجزويت المسيحيون اقل تطرفا من الدومنيكان وعلى العلماء ان يحترسوا من مزالق التمذهب كما ننشد نحن وعندما نختار عدم الاحتماء خلف جدار الطوائف المقيت. تردد غاليلو لأنه اختار ان يكون حرا في مدن القمع، مدن العلم، مدن النسق. وينبغي عليه ان يطيع اولي الامر كما سار خلفه ديكارت واتباعه. وكما تكرر في الادبيات الاسلامية ..

شاءت الاقدار اللامفكر بها ان تجمع غاليلو مع برونو في القمع والتحرر. لأن السلطة التي حاكمت برونو بالحرق هي نفسها التي حاكمت غاليلو لكنهما ورغم اختلاف العقوبة اجتمعا على قول الحقيقة والتجروء بها علانية مع الاحتفاظ بنسبية القول لا المرواغة .

توهم الفلاسفة ان الدين ممكن ان يتيح لهم حرية الفكر وتناسوا ان الدين بيد كائنات تعشق خلق الاتباع.. ولا يمكن لك ان تكون حرا في بيئة يقتنصها العقل الديني ويلاحقك حتى في احلامك ولبسك ووعيك وانتمائك وعوالمك الصغيرة ولسانك ولا يبقى لك الا ان تكون تابعا لا غير لاحدي اركان القهر والتزمت. لهذا كتب غاليلو كتابه (حوار حول انظمة العالم الكبرى) في صيغة ادبية حوارية بين شخصية التزمت وشخصية الانفتاح. بين الدين والعلم (سيمبلسيو وسلفياتي) حتى غلاف الكتاب كان مثيرا في رمزيته فهو مزين بصورة لدلافين ثلاثة متعانقة عبر ذيل كل واحد منهم؟؟.

وبعد انقضاء اربع قرون اعترفت الكنيسة بانها اساءت (للمؤمن) غاليلو ! اي في عام 1992 .الامر الذي تكرر في حالة برونو الذي اصبح مكان حرقه مزاراً تلتحف بظله العشاق.. سجن ونفي وعفوا واعتراف.. وموت على فراش الوجع والنسيان.

اما برونو شهيد الكنيسة الكاثوليكية والمزعج والحزين وقت الفرح والفرِح وقت الحزن كما يحب ان يسمى، فقد ظل مهمشا ولم يحظ باهتمام رغم عظمته وشهرته .. فقد طورد وحبس واحرق. رغم روحانية فلسفته وعمق بعدها الصوفي. وهو ما يخالف طرح غاليلو الميكانيكي.

انتهت به الكنيسة الى التراجع كصاحبنا غاليلو الى الرجوع عن افكاره الا انها لم تقدر عن العفو عنه ولم ترتاح الا بحرقه حيا. فيلسوف (الحمار الذهبي) حارب الحمارية في كل مجال في العلم والدين والتربية وبالتالي فهو يرفض القطعية والاطلاق في التفكير وهي صفة حمارية لا شك فيها..فكل شيء مهما بدا مؤكدا وواضحا امام المرء يتضح عند مناقشته انه قابل للشك ويتسم بالمبالغة والمعتقدات المثيرة للضحك كما كان يردد.

طورد برونو وقضى حياته مشردا من مكان الى اخر الى ان انتهى به الامر ماثلا امام السلطة الدينية متهما بثمان تهم منها التجديف، واعتقاده بان الكون لا نهائي، وان الدين لابد ان يتخلص من الاوهام والخرافات الخ، والغريب بالامر انه سلم للقضاء المدني واحرق بقرار من المدنية الغربية .. وصاح بقضاته .. ربما كان خوفكم من اصدار هذا الحكم اعظم من خوفي من قبوله..

لماذا تطرد المدن الناس وتعيش على موائدها الغرباء وترعى تشرد أبناؤها ،بينما ترفل في النعيم قحاب مثلما قال نزار قباني ذات مرة؟

والمدن لماذا تحولت من الايواء الى التشرد؟ . وعلى انقاض التساهل بنينا عقلنا الفلسفي ونحن ندرك انه كلما اتسعت دائرة العقل الحر كلما كشفنا مناطق جهلنا الذي يسلمنا الى التطرف ونقائض الوعي الفلسفي. نحن نحتفل في يوم الفشل لكي نكرر انتحار الفلسفة امام السحر والخوف والجهل والجوع والفقر والتسليم والتقديس . الفلسفة تتوسل اليقين وتنقد الزيف وترعى بشروط العيش السليم بالعكس من المدن فانها تبقى تطحن توابل التقاليد واعراف السلف لكي تعيش امنة وجهلها هو ما ينبغي تحطيمه لإقامة مدن جديدة تحتفي بالفلسفة علما وبالإنسان غاية .

 

د. قاسم جمعة

 

 

مجدي ابراهيمالمؤمن الصادق، الصادق، والداعي إلى الله على بصيرة، مع كل ما أُوتىَ من فضل الله؛ ليس يقيد وعيه المفتوح باتجاه، وليس يغلُّ شعوره بأغلال الكراهية لخلق الله؛ إذْ إن فضل الله هذا؛ ليسمح له بالانفتاح على الأخر، ومحبة الآخر، وإذكاء شعور التفاهم والتقارب مع الآخر، والبحث معه عن مجالات مشتركة ومتضامنة .. فلو كان هذا الداعي علي بصيرة ترك ذاته على ما استوعبت لكان شأنه شأن كبار الروحانيين، مفكرين وعارفين، علامة مضيئة في تاريخ البشرية لا تتعَنْصَرْ ولا تنغلق: يطلقونها وثبة حيوية علوية مباركة، ويندفعون بها إلى محبة الإنسانية كلها، قاطبة، الصغير فيهم قبل الكبير، والحقير فيهم قبل العظيم، والبعيد فيهم قبل القريب . والإسلام دين الإنسانية، وهى جزء لا يتجزأ من أصل دعوته، سماحته تتسع ولا تنقبض عن لقاء ما في الإنسانية من سماحة التعاليم، وأظهرها الرحمة بالإنسان من حيث هو إنسان .

إنّ الدعوة إلى الله يلزمها الحب ولا يلزمها العَسَف والإرهاب. هذا الحب الذي يتناغم مع أجزاء الكون كله، ومع حركة الحياة كلها، ومع نبضات الوعي الروحي الشاعر باحترام الحياة في كل حي على هذه البسيطة: احترام الحياة التي أودعها الله في الكائن الحي ولم يحرمْه هذا الحق أبداً، أعني "حق الحياة"؛ لأنه هو المخلوق على الصورة بأتقن صفات الخلق المنوطة به إدراك هذا الحق لمن يدرك عن الله ويفهم حكمه وحكمته في الأشياء والأحياء؛ ولأنه هو المخلوق بالنفخة الإلهية المُكرًّمة من قبيل الخالق جلَّ شأنه .

إن لحظة الإدراك هذه؛ لهى اللحظة الكاشفة. هذه "اللحظة" التي تمسك بالحقيقة وتقبض عليها واعية ليست لحظة تفكير عقلي ولا نظر فكري، ولكنها لحظة كشف قلبي وفتح روحيِّ مؤسس على المحبة، وعلى عشق الحياة في الكائن الحيِّ، قائم على استجماع القوى الباطنة في تذوق ما للحياة من مواهب إلهية عجيبة وليس في التحجير والتضييق بفروض ولوازم سنها العقل البشري بحدوده المنهجية ليقول للناس كافة إنها من عند الله، منهج الله، من أطاعها وعمل بها فقد أطاع الله ورضىَ عنه الله، ومن عصاها وأختلف معها فقد عَصَىَ الله وسخط عنه الله، وهى في الحق - لكونها اتجاهاً - من حصيلته العقلية وتصورات الذهن لديه على أكثر الفروض وأرجح التقديرات .

لسنا نحن المسئولون بمحاكمة "عيال الله" بمنهج الله، حتى لو كنا على الحقيقة فهمناه، ولكن المؤكد إننا نتصوَّره نحن من عندياتنا وتكشفه أنفسنا لأنفسنا على ما في نفوسنا من ضيق ووهن وغفلة وكنود وتحجير، إنما الله وحده هو المسئول، وما نحن سوى أطفال في حجره، موتى بين يديه، لا إرادة لنا إلا فيما يريده فينا، ومنا، ولنا، فالتسليم له أولى من النظر إلى النفس وإتباع حظوظها، مع اختيار مواطن قوتها ومكامن ضعفها. ولكن هل يجدي الإدِّعاء نفعاً فيما لو زعمنا امتلاك النواصي واقترحنا على الله ما تصوِّره لنا نفوسنا في أن يعطي هذا ويمنع ذاك، يعاقب هذا ويثيب ذاك، يُدخل هؤلاء الجنة ويجرَّ أولئك إلى النار، يفعل بأولئك الشرِّ وبهؤلاء الخير، إلى آخر ما تصوّره لنا نفوسنا وتزينه عقولنا المحدودة بحدود ما تدرك وما تتصور ..؟!

اقتراحنا على الله غباء آدمي لا يُفسَّر بالغيرة على منهج الله مقدار ما يفسر بالجهل بالله؛ ولو كنا في أنفسنا مع الإدعاء، من أعلم العلماء بأحكامه ومنهاجه وفروضه، ومن أقدر القدراء على توصيل هذا كله للناس.

الله غنيُّ عنَّا، وعن خزعبلاتنا، وعمَّا تصوره عقولنا باسمه تحت إعلاء كلمته وبحجة تطبيق شريعته غناه عن عبادتنا، وأعمالنا، وأقوالنا، وأفعالنا، وتوجُّهاتنا، إلا أن يكون ذلك كله، لا بعضه، مخلصاً، خالصاً لله ربِّ العالمين .. والمخلصون مع ذلك كله على خطر عظيم !

نعم ! إذْ ليس للنفس في الإخلاص نصيب؛ لأنه ليس لله إلا الدين الخالص:" قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالمَيِنَ. لا شَرِيِكَ لهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِين" (الأنعام: الآيتان 162- 163). الله غني عن العالمين، وهو كذلك أغنى الأغنياء عن الشريك، كما جاء في حديث أبي هريرة بلفظه أن رسول الله، صلى عليه وآله وسلم، قال:" قال الله تبارك وتعالى:" أنا أغني الشُّركاء عن الشِّرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشِرْكه" (صحيح مسلم: طبعة دار الغد الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1428هـ - 2007م؛ ص 1053).

هذه النقاط المتقدِّمة ليست في جملتها نقداً للخطاب الديني؛ فكما أن لهذا الخطاب سلبياته التي ترتدُ في المقام الأول إلى أصحابها، فصحيحُ الدين كذلك هو أيضاً خطاب، لكنه خطاب إلهي، يكون من اللغط الأجوف المنفِّر أن تمتد إليه يد العبث والتخريب تحت دعوى النقد والتصحيح؛ فمقولة "نقد الخطاب الديني" هذه، قد يستخدمها الناقد وفي حوزته هدم الصحيح والزائف، وتنحية الدين برمته عن شئون الحياة، وإقصائه بالمرة عن الوجود الإنساني، وهو عندي من المستحيلات التي يتوهَّمَها أدعياء النقد لهذا الخطاب.

وقد يستخدمها الناقد ليعطي كل ذي حق حقه بميزان معتدل قائم في تقديري على ذوق البصيرة لا على غيبة المفاهيم ابتداءً، أو على محاولة طمس الحقائق الواضحة بذاتها ليصبح الدين عرضة للتشكيك الدائم كيما يكون في معزل عن حياة الأحياء !

فمثل هذا المقصد لا يقوم به إلا مخبول لا يعرف ما له وما عليه، ولكن الذي يجرِّب الدين، ويمارسه سلوكاً، وفعلاً، وحركة، ومراقبة، وموافقة، وحياة، لا يلبث في أطواء التجربة وفي خضم المغامرة المعرفية أن تنقلب الحقيقة التي يطلبها أو يزعم لنفسه امتلاكها عليه، لتقيده بمنهجه وتلزمه بنتائج مقولاته فلا يجد بداً في النهاية من الاعتراف ضمناً أو تصريحاً بأن ما ظنه "حقيقة مطلقة"، إنما هى حقيقته هو نفسه، هى هى التي أجابته وألزمته وقيَّدته وكبلته بقيودها وأغلالها؛ كما عَبَّر عن هذا المعنى أحد كبار العارفين بالله، وهو الإمام أبو المواهب الشاذلي؛ صاحب كتاب " القانون في علوم الطائفة" حيث قال:

مَثِّل لنَفْسَك بَيْتاً أَنْتَ سَاكنِـَـــهُ مِنْ المرَايا وَأثبِتْ قُطبَ مَرْكَزَكا

وَقُلْ لَهُ يَا أنَا هَل كُنْتُ قَطُ أنَا فمَا يُجيِبَكَ إلَّا أنَـتَ عَنْـــكَ بـِكَ

ومن هنا؛ فتصور امتلاك الحقيقة أو القبض عليها هو من الأوهام الشديدة التي لا يستطيع أحد الفكاك منها مهما أُوُتى من جهد الممارسة والتتبع والتحليق. من أجل ذلك؛ جاءت هذه النقاط السابقة في جملتها ليست نقداً لذات الخطاب الديني الذي يحمل الحقيقة في مصدريها الرئيسيين: الكتاب الكريم والسنة النبوية المشرفة، ولكنها معالم في طريق هذا الخطاب؛ يضعها "الداعية" في اعتباره لو أراد، إذْ ليس بمقدر أحد أن ينزِّه نفسه عن الخطأ والنقص والقصور، ليدَّعي على الغفلة أو الجهالة امتلاك الحقيقة المطلقة بمقتضى هذا الخطاب أو ذاك، فضلاً عن تنزُّهها عن" التظاهر بالدعوى"؛ فإن أشدَّ ما تلاقيه النفس بعداً عن الله تظاهرها بالدعوي.

والمقصود بالدعوى هنا هو كل ما للنفس فيه من حظ وفتنة وهوى، فهى تشمل كل ما ليس لله فيه حق: حق ينبغي أن ترعاه ولا ترعى غيره من حظوظها وأهوائها؛ إذْ الدعوى علامة حجاب، وكل مدَّعي محجوبُ بدعواه عن شهود الحق؛ لأن الحق شاهدٌ لأهل الحق، فكيف بالدعوى من قِبل الخلق؟ .. ولماذا؟!

إن معرفة الله تقتضي مواجهة دعاوى النفس بقوة، وبعنف، وبإخلاص يلزمها الحياء من ربِّ العالمين؛ وأهم سنن الحياء إخلاصاً: إخراج الخلق عن معاملة الرَّبِّ، ومن عَرَفَ نفسه عَرَفَ رَبَّه، واستحيا منه حق الحياء: خرسه لسانه عن التظاهر بالدعوى. وبناء على ما تقدم؛ فإذا نحن أردنا تصوّر الخطاب الديني فضلاً عن تمثله حتى الرمق الأخير، فإننا هنا لا نستطيع أن نتنبَّه إلى الأخطاء التي تلاحقنا في طريقها من جانب أنفسنا ما لم نكن في أنفسنا أعرف بأنفسنا من غيرنا، وأقدر على مواجهتها بما يكرهها على استقامة الطريق لتصبح ملاحقة أخطاؤنا من جانب أنفسنا هو أقوى ما في الداعية من عناصر العزم والتصحيح، بُلْه الإخلاص. فإذا لم يكن هذا الجانب فيه واضحاً وبارزاً، سقطت آثاره وانعكاساته فضلاً عن سقوط جانب القوة فيه بدايةً، وملاحقة نفسه، وغيره، بما يقرِّبُه من الخطأ ويبعده عن الصواب .

الخطابُ الديني ليس مقدَّساً؛ وإنما المقدَّس هو الخطاب الإلهي. وحين يكون الخطاب الإلهي تفكيراً وتعبيراً على ألسنة الناس وأفكار البشر؛ لا يصبح مقدَّساً، ولا يجوز- من ثمَّ - لأحد أن يقدَّس فكراً وتعبيراً جرى على ألسنة البشر. بيد أن البشر أنفسهم هم الذين يضْفُون عليه طابع القداسة، يقدِّسون أنفسهم بأنفسهم، ويحولون الخطاب المقدس الصادر عن الله إلى خطاب مقدس صادر عن البشر؛ ليس فيه قداسة ..!

قد تهدي الخطابات البشرية إلى ما هو إلهي .. نعم! وقد يستشعر "المتلقي" فيها ما يمسُّ شعوره القلبي، ويعجب لذلك، ويملأ أحاسيسه روعة بالإيمان، ويعجب لذلك. ومع ذلك، فإذا هو افترض فيها القداسة خرج عن نطاق الإيمان ودخل من حيث لا يشعر في دائرة الشرك، لم يتنبه إذْ ذَاَكَ وهو في حمية الشعور ودفقة العاطفة بوجوب التفرقة الحاسمة بين حق الله تعالى وهو (المقدَّس)، وحق البشر وهو (الإعجاب) الذي لا يخضع للقداسة، ولا ينبغي أن يخضع بحال .

هنالك فرق؛ وفرقُ كبير، بين الاحترام والتقدير من جهة؛ وبين التقديس الذي لا يحق لمخلوق أن يمنحه لأحد إلا للخالق عز وجل، من جهة ثانية. الاحترام أو التقدير قد يجيء بغير شك للعالم ولغير العالم من خلق الله، لأنه أدبُ يتحلى به المؤمن المتأدِّب بأدب الإسلام. أما التقديس؛ فهو ليس للأشخاص، ولا لما يَصْدُر عن الأشخاص من أفكار وتعابير أو رؤى واتجاهات، وإنما هو لله سبحانه وتعالى. وإذن؛ فالمساحة التي تسمح بالاختلاف؛ وبالنقد، وبالاستدراك من خلال إثارة محاور النقاش لمجموعة من القضايا لا يمنعها الاحترام ولا يحجبها التقدير للأشخاص، فأنا أحترمك، وأعزك، وأقدِّرك، بيد أني لن أقدسك، لكنني أناقشك وأختلف معك، لأنني لا أؤمن بك إيماناً مقدساً؛ فهذا الإيمان المقدس إنما هو للخالق العزيز، لله وحده الواحد الأحد الذي منعني بموجب هذا الإيمان نفسه أنْ أقدِّس غيره ممَّن خلق، وإلا أشركتُ به. فلا قداسة من ثم َّإلا لله الواحد الأحد دوناً عن سواه. فهل يبقى - من بعدُ - أحد يحتكر لنفسه خطاباً ليعبر عن "الحقيقة المطلقة"، فضلاً عن إدِّعاء تملكها ثم تجهيل غيره - إنْ لم يكن تكفيره!- إذا هو لم يأخذ برأيه فيها، ولم ينهج منهجه في سبيلها، ناهيك عن تكفيره وخروجه بالمرة عن الملة ؟!

والجواب: نعم ! يبقى ما دامت هنالك غيبة في العقول، وحُجْبَة عن المعارف، وغلظة في الأفهام، وكزازة في الطباع، وبلادة في المدارك، وظلمة في التصورات، وغفلة في الضمائر والقلوب .

 

د. مجدي إبراهيم

 

بارق شبرتحاول هذه الورقة تحليل الاسباب التي مهدت لاتخاذ الادارة الامريكية قرار التدخل العسكري المباشر وتغيير النظام السياسي في العراق في عام 2003 وليس في عام 1991 وما هي خلفياته الاقتصادية؟

يوجد بين المحللين السياسين شبه اجماع على ان التدخل الامريكي لتغيير النظام في عام 2003 لم يأتِ لسواد عيون العراقيين وانقاذهم من ظلم النظام الشمولي السابق بل وفي تقديري كنتيجة لحسابات ومصالح جيواستراتيجية امريكية جديدة في منطقة الشرق الاوسط، تختلف تماما عن التي كانت سائدة في اعقاب حرب الكويت في عام 1991. لقد سجل التاريخ الهزيمة الشنيعة لجيش النظام السابق بعد مغامرته في الكويت والانتفاضة الشعبية العفوية التي بدأها الجنود المنسحبين من المعركة الخاسرة في البصرة، والتي انتشرت بسرعة البرق إلى باقي المحافظات الجنوبية والشمالية وبتشجيع من الرئيس الامريكي في حينه جورج بوش الاب، عندما القى خطابا شجع العراقيين على الاستمرار حتى اسقاط صدام حسين. لقد مثلت هذه الانتفاضة العفوية الفرصة الاخيرة للتغيير من الداخل، ولكنها اجهضت بسبب عوامل اقليمية تتعلق في المقام الاول بمصالح اقتصادية لبعض الدول العربية التي كانت متحالفة مع الولايات المتحدة ولأسباب طائفية في المقام الثاني.

الاحداث التاريخية تشهد لنا كيف غيَّر الرئيس الامريكي آنذاك خطابه بـ 360 درجة بعد فترة وجيزة من خطابه الاول، حيث أصبح يردد يوميا في الاعلام بأن امريكا لا تتدخل في الشؤون الداخلية للعراق وان مهمتها انتهت بتحرير الكويت، مما أرسل رسائل واضحة لرأس النظام السابق بأن امريكا تخلت عن قرارها باسقاطه وفتحت الطريق امامه للانقضاض على المتنفضين في جنوب العراق وشماله وتصفيتهم بأبشع الطرق.

يتوجب على المحلل السياسي الرصين اثارة السؤال التالي: ماذا حدث خلال هذه الفترة القصيرة مما جعل رئيس أكبر دولة في العالم يكسر كلمته وبشكل فاضح؟ الاحداث تشهد لنا بحدوث جولات مكوكية بين الرياض وواشنطن لمستشار بوش الاب للأمن القومي برنت سكوكروفت والتي مهدت لتغيير موقف الرئيس الامريكي من الانتفاضة الشعبية في جنوب وشمال العراق. واعترف بوش الاب ومستشاره للامن القومي في كتابهما المشترك بعنون "العالم المتحول" (A World Transformed) والذي صدر في عام 1998 بان عدول امريكا عن تحريك جيشها صوب بغداد لإسقاط نظام صدام حسين جاء لعدم رغبة الدول الحليفة في المنطقة لإسقاط الدولة العراقية، وبسبب قلق الولايات المتحدة من تغيير موازين القوى في رأس الخليج (الفارسي) العربي وعدم رغبة امريكا في احتلال العراق وحكمه.

هذا التبرير يتضمن مغالطات واضحة اولها ان القوات الامريكية لم تكن بحاجة إلى الزحف إلى بغداد لإسقاط الدكتاتور لان الانتفاضة انشرت بسرعة البرق إلى 14 محافظة من مجموع 18، وسقوط بغداد على ايدى المنتفضين كان مسألة وقت فقط. أما المغالطة الثانية فهي ان امريكا لم تكن بحاجة إلى حكم العراق كمحتل وكان العراقيون قادرون على حكم أنفسهم بعد فترة انتقالية قصيرة تحت وصاية الامم المتحدة.

المفارقة الكبيرة هي ان نفس الحزب الجمهوري وبقيادة ابن الرئيس السابق نفذ كل هذه الخطوات التي اراد جورج بوش الاب تجنبها. وهذا يثير التساؤل عن اسباب تغيير الموقف الامريكي من نظام صدام حسين والقرار بإسقاطه بعد معاناة طويلة تحت ظروف الحصار المزدوج على الانسان العراقي من الخارج بفعل العقوبات الدولية ومن الداخل بفعل تقييد حرية المواطنين من قبل النظام الدكتاتوري.

لم يأتِ تغيير الموقف الامريكي بالصدفة بعد هجوم تنظيم القاعدة الارهابي في 11 سبتمبر 2001 على اهداف اقتصادية وامنية امريكية في نيويورك وواشطن ذات رمزية وحساسية عالية أحدث صدمة كبيرة في الادارة الامريكية. وكان لمشاركة عدد كبير من السعوديين في تنفيذ هذه الهجمات تأثير واضح على زعزعة الثقة بين الولايات المتحدة والممكلة العربية السعودية. وكان قد سبق هذا الحدث مواقف سياسية لولي العهد السعودي آنذاك الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود المنتقدة بشدة للسياسة الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين، مما أزعج اللوبي الإسرائيلي ذو النفوذ الواسع في امريكا وفي ادارة جورج دبليو بوش الابن من المحافظين الجدد.

بعض الزملاء والاصدقاء لربما يتذكرون اطروحتي في الحوارات معهم بأن القرار الامريكي المتأخر لاسقاط النظام السابق في عام 2003 لم يأتِ لنصرة العراقيين من الظلم والجور وانما أتى نتيجة الثقة المتزعزعة مع السعودية وكعقاب لسياساتها المناصرة للقضية الفلسطينية من جانب ولتبينها الاعمى للمذهب الوهابي المتشدد الذي تفرخت منه الحركات الجهادية الارهابية من امثال القاعدة من جانب اخر.

لقد ظهر هذا جلياً مع اعلان عقيدة بوش والمحافظون الجدد بأن سبب بروز الحركات الجهادية الارهابية في الشرق الاوسط هي النظم السياسية الاستبدادية وتقييد الحريات. لذلك ينبغي من وجهة نظرهم نشر الديمقراطية في هذه البلدان وجعل التجربة العراقية الجديدة نموذجاً يشع على جميع دول المنطقة. اذن فإن الهدف المعلن لعقيدة بوش كان ادخال الديمقراطية إلى العراق ولكن الهدف الاقتصادي غير المعلن كان هو تأهيل العراق كأكبر مصدر للنفط في الشرق الاوسط وكبديل للسعودية التي كانت تمثل الحليف العربي الرئيس لها في تنسيق السياسات النفطية وضمان امدادات الطاقة إلى منظومة الدول الرأسمالية، سيما وان السعودية كانت أكبر دولة منتجة في الشرق الاوسط وأكبر مصدر للنفط دوليا في ذلك الحين.

القرار الامريكي لإسقاط نظام صدام حسين كان يحمل في قناعتي الرسالة الضمنية إلى حكام السعودية التالية: "لقد نفذنا طلباتكم بالابقاء على نظام صدام حسين في الحكم في عام 1991 ولكنكم طعنتونا من الخلف من خلال تورطكم ولو بشكل غير مباشر في هجمات 11 سبتمبر، وان كنتم تعتقدون ان بامكانكم استعمال الورقة النفطية ضدنا فأنتم واهمون، فهناك بدائل لكم وهو العراق الجديد."

نشرت مجلة دير شبيغل الالمانية الواسعة الانتشار والمعروفة بشبكة علاقاتها القوية بمراكز القرار الحكومية والاستخبارية في عددها رقم 19 الصادر 5 ايار 2003 تقريرا استقصائيا بعنوان " العراق وكسر الهيمنة السعودية" عن التوجهات الامريكية نحو تأهيل قطاع النفط العراقي ورفع الانتاج إلى 6 مليون برميل في اليوم حتى عام 2007 لإرجاعه إلى سوق النفط الدولية كلاعب رئيسي يكسر الهيمنة السعودية. كما يشير التقرير إلى ان المستشارين الامريكيين طرحوا فكرة خصخصة القطاع النفطي امام العراقيين ولكنهم جوبهوا برفض شديد مما دعاهم على التخلي عنها مبكراً. الشكل التالي يوضح الخطة الامريكية للنهوض بالقطاع النفطي العراقي من ناحية رفع الانتاج بالمقارنة مع الانتاج السعودي.

المصدر: مجلة دير شبيغل الالمانية

ومن الواضح لمتابع الاحداث من هي الدول المستبدة التي كانت مقصودة بعقيدة بوش الابن وفي مقدمتهم الدول الخليجية والتي فهمت هذه الرسالة على الفور وبدأت بالتصرف على عدة جبهات واولها الجبهة الدبلوماسية، حيث بذلت جهوداً حثيثة في تقديم التنازلات تلو التنازلات والولاء المطلق لادارة بوش ونجحت في نهاية المطاف في اعادة الثقة مع ادارة بوش الابن ثم اصاب العلاقات الثنائية بعض الفتور خلال فترة اوباما، ولكن حدث تطور كبير بعد وصول دونالد ترامب إلى كرسي رئاسة الجمهورية والامير محمد بن سلمان إلى كرسي ولي العهد السعودي والذي فهم ماذا تريد امريكا وبالتحديد عقلية الرئيس الامريكي الجديد المركنتالية، واشترى منه الثقة المفقودة بمبلغ سخي يقدر بأكثر من 300 مليار. دولار ولا استبعد وجود علاقة بين اعتقال مجموعة الملايارديرية السعوديين بحجة الفساد وضرورات تمويل صفقة محمد بن سلمان مع دونالد ترامب. ويجب هنا الاعتراف بالأمر الواقع، الا وهو اغلاق ملف 11 سبتمبر بشكل نهائي وزوال المخاطر على موقع السعودية في السوق النفطية الدولية. ومع ازالة الخطر العراقي على موقع السعودية النفطي في السوق الدولية، تسمح الدبلوماسية السعودية لنفسها، ومن موقع الاخ الكبير القوي، ان تمد يدها للعراق للتعاون الاقتصادي والتجاري، سيما وان السوق العراقية اصبحت ذات شأن كبير لصادرات دول الجوار إيران وتركيا وتطمح الصناعات السعودية الصاعدة إلى ضمان حصة فيها، مما برز للعيان الحضور السعودي الكبير في معرض بغداد الدولي الاخير.

أما الطبقة السياسية الجديدة في العراق فلم يفهم معظم ممثليها في سدة الحكم الاستراتجية الامريكية الجديدة في المنطقة واهدافها بسبب فقدانهم إلى البصيرة والحنكة السياسية وضلوا حبيسين لافكارهم القديمة والتي يتغلب عليها الطابع الايديولوجي وانعدام التفكير البرغماتي. وظهر ذلك في مواقفهم المتأرجحة وانعدام التوازن في العلاقة مع الولايات المتحدة من جانب ومع الجارة إيران من جانب اخر. وتجدر الإشارة إلى ان الحكومات العراقية المتعاقبة اهملت بناء مراكز بحث علمي وتنمية كوادر بحثية متخصصة في علاقات العراق الدولية والبينية مع دول مهمة مثل الولايات المتحدة الامريكية والتي كان بالامكان ان تساعد في التحضير للقرار السياسي الرشيد والذي يحفظ المصلحة الوطنية.

كما فشلت هذه الطبقة، وبسبب انشغالها بالصراعات على توزيع الغنيمة وضعف خبراتها وحنكتها السياسية، في احتواء ردود افعال دول الجوار المتشنجة (باستثناء إيران المحنكة) على مشروع التغيير في العراق والمنطقة ومحاولاتهم الحميمة لإجهاض مشروع بوش لدمقرطة المنطقة، ليس من خلال مواجهة امريكا بشكل مباشر، ولكن من خلال دعم العمليات الارهابية وما كان يسمى "بمقاومة الاحتلال" على الارض العراقية بهدف زعزعة الامن والاستقرار السياسي، ومن اجل افشال التجربة الديمقراطية الفتية والنهوض بالاقتصاد العراقي. يمكن القول بأن غياب البصيرة والحنكة السياسية للحكام الجدد تسبب في اضرار اقتصادية مادية وبشرية جديدة شملت هجمات ارهابية ممنهجة على المنشآت النفطية وخطوط نقل الكهرباء وغيرها من البنى التحتية، فضلا عن الخسائر البشرية الكبيرة والتي كان بالإمكان تلافيها لو تصرفت الحكومات السابقة مع دول الجوار المعادية بحكمة وبعد نظر. وقد اشار الاقتصادي والسياسي العراقي الراحل د. مهدي الحافظ بحق إلى الخطأ التاريخي في عدم انتخاب السياسي العراقي المخضرم عدنان الباججي الذي يتمتع باحترام دولي عام وخليجي خاص، وشدد بالقول " لوكان قد تم ذلك لتغير مجرى التاريخ السياسي في العراق."

الحكم على مدى نجاح أو فشل الطبقة السياسية الجديدة في العراق في مواجهة التحديات بعد 9 نيسان 2003 ومنها مواجهة نشاطات دول الجوار العربية المعادية للتجربة العراقية الديمقراطية الفتية ومهمات النهوض بالاقتصاد العراقي المخرَّب على مدى أكثر من عقدين، وكذلك تقييم مدى الاستفادة من الفرص التي توفرت للعراق بعد هذا الحدث التاريخي المفصلي لتحقيق امنيات المواطن العراقي في تحسين مستوى معيشته، سيكون موضوع بحثي القادم حول المحصلة الاقتصادية للتغير السياسي منذ 9 نيسان 2003 ولحد هذا اليوم.

 

د. بارق شُبَّر

مستشار اقتصادي دولي سابق ومؤسس شبكة الاقتصاديين العراقيين