عدنان عويد

مدخل: الانطباعية مدرسة أدبية وفنية، ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في فرنسا، ترى في الإحساس والانطباع الشخصي الأساس في التعبير الفني والأدبي للأديب او الفنان، وليس المفهوم العقلاني في النظر للوقائع. ويرجع ذلك إلى أن أي عمل فني لا بد من أن يمر بنفس الفنان أولاً، وعملية المرور هذه هي التي توحي بالانطباع أو التأثير الذي يدفع الفنان إلى التعبير عنه، فالانطباعية من هذه الوجهة هي محاولة للتعبير عن الأحاسيس الفورية للعالم والأحداث، دون الوقوف عند بعدها الطبقي أو الاجتماعي او السياسي ولا حتى الأخلاقي.

كان لنشأة الانطباعية ظروفها الزمنية والمكانية، وهي مواكبة عصر التطورات والاكتشافات العلمية التي اجتاحت أوربا في كافة الميادين، وخاصة تطور نظريات الفيزياء والضوء، التي أثرت كثيراً على مجموعة من الفنانين الفرنسيين الذين حاولوا تجاوز المدارس السابقة التي كانت تنحصر رسوماتهم داخل المرسم، ليخرجوا بالمدرسة الانطباعية أو التأثيرية إلى  الطبيعة والشارع والمقهى. هذا دون أن ننسى التأثير الكبير للحربين العالميتين على الحركة الفكرية والسياسية والدينية والفنية والأدبية بشكل عام، حيث نتج عن ذلك تغير واضحٌ في الطريقة التي كان يتم بها تناول الأعمال الفنيّة وتغير مفهوم الفن ذاته بين الجماهير والرسامين والنُقّاد.

المدرسة الانطباعية وبداية تاريخ الفن الحديث:

لقد انطلقت الانطباعية في البداية كمدرسة في التصوير ترى أن الرسام يجب أن يعبر في تجرد وبساطة عن الانطباعات التي ارتسمت فيه حسيّاً، بصرف النظر عن كل المعايير العلمية، وبخاصة في ميدان النقد الأدبي، فالمهم هو الانطباع الذي يضفيه الضوء مثلاً على الموضوع لا الموضوع نفسه. لذلك فقد قوبل معظم فناني الانطباعية بهجوم شديد من جانب النقاد الفنيين في عصرهم. وعندما بدأت الانطباعية تنتقل للأدب كان هجوم النقاد أقل ضراوة على هذا الاتجاه، حيث كانت انطباعية الرسم قد أفسحت في المجال واسعاً لتوجه الانطباعية في  الأدب.

أسلوب الانطباعيين في الرسم:

لقد ركز فنانوا الانطباعية في رسوماتهم على تصوير الحياة الحديثة والناس العاديين بطريقة فيها كثير من الحرية، مع محاولة رسم ما يرونه حقيقة في واقعم المعيوش، لا رسم ما تأمرهم به عقولهم ومواقفهم الأيديولوجية، ولا رسم ما اتفق عليه من سبقهم من فنانين، أي التجرد عن المدارس السابقة وكل المواقف الفكرية المتعلقة فيها، مستخدمين الأسلوب الأكاديمي في الرسم.

إذاً إن الأسلوب الفني للانطباعية في الرسم، يعتمد كما أشرنا أعلاه على نقل الواقع أو الحدث من الطبيعة مباشرة وكما تراه العين المجردة بعيداً عن التخيّل والتزويق، وفيها خرج الفنانون من المرسم ونفذوا أعمالهم في الهواء الطلق. لقد أعجبوا بالحياة اليومية العادية لعامة الناس فصوروهم في الأسواق، والمنتزهات، والمقاهي، لقد صوروا أهل عصرهم أصدق وأدق تصوير، وبطريقة تتسم بالمرونة والحيوية وعدم الاكتراث بالتفاصيل الدقيقة لكل ما يرسمون.  لقد كانوا يلهثون وراء حركة الضوء بما تتركه هذه الحركة من تغير في شكل الأشياء التي يقع عليها هذا الضوء في كل لحضه، مما دعاهم إلى الإسراع في تنفيذ العمل الفني قبل تغّير موضع الشمس في السماء وبالتالي تبدّل الظل والنور. وعلى أساس هذا التوجه في متابع حركة الضوء،  سميت مدرستهم بهذا الاسم لأنها تنقل انطباع الفنان عن المنظر المشاهد بعيداً عن الدقّة والتفاصيل.

وبكلمات أخرى: كان التفكير لدى الفنان الانطباعي هو محاولة قبض لحظة واقعية متحركة في الحال، والتي تتبدل حقيقتها وظهورها مع أي تغيير في الضوء. لذلك كان بعض الفنانين يرسمون المشهد ذاته مرات عدة بناءً على تغير ضوء الشمس ما بين الشروق والغروب.  لذلك لم يكن للفنان أية صلة بالموضوع، حيث أن المسألة كانت في كيفية إخراج الموضوع في ذلك الحيز من الضوء، وتسجيله كدرجات لونية مختلفة.

الاسلوب الفني الذي امتازت بها المدرسة:

قلنا في موقع سابق بأن الانطباعيين قد تأثروا بالحياة الجديدة في مظهرها وفي اكتشافاتها العلمية في سائر المجالات، ولعل أهم ما تأثروا به من أشياء هو نظرية (الضوء والألوان)، فقد أدت دراستهم إلى رؤية أثر الألوان المتجاورة مع بعضها بطريقة لم يلحظها الفنانون السابقون للانطباعيين. ولعل أهم مظاهر التجديد الأسلوبي عند الانطباعيين أثناء الرسم، هو ترك آثار الفرشاة أو لمساتها واضحة على اللون وعدم مسح الألوان ودمجها وكانت هذه الطريقة هي التي جعلت أعمالهم تتصف بالخفة والحيوية.

ومما تميز به الانطباعيون أيضاً الاهتمام بالظلال. فالمنطقة المظللة كانت عند أغلب من سبقهم من فنانين تملأ بلون داكن فقط أما الانطباعيون، فقد اهتموا بتعدد الظلال، وبينوا انعكاسات الألوان على بعضها رغم عدم اندماجها وخاصة (ألوان القوس قزح) التي تتم فيها. كما أهملوا الخطوط الخارجية للأشكال.

المضمون الفكري والفلسفي والسيكولوجي للمدرسة الانطباعية:

لا شك أن الانطباعية هى مدرسة أدبية فنية ترى في الإحساس والانطباع الشخصي كما بينا سابقاً الأساس في التعبير الفني والأدبي، لا المفهوم العقلاني لمعطيات الواقع من أشياء أو احداث. ويرجع ذلك إلى تأكيدها على أن أي عمل فني لا بد من أن يمر بنفس الفنان أولاً، وعملية المرور هذه هي التي توحي بالانطباع أو التأثير الذي يدفع الفنان إلى التعبير عنه. فالانطباعية من هذه الوجهة هي محاولة للتعبير عن الأحاسيس الفورية للعالم والأحداث.

وبما أن الواقع المعاش والملاحظ متغير وغير ثابت، وفي حالة جريان دائم، فهذا يعني عند المدرسة الانطباعية غياب الهدف، وبالتالي فإن الغموض الذي ظهر في أعمال الانطباعيين، انعكس بالضرورة على ألوان لوحاتهم ذاتها التي ظهر فيها تركيب الضوء والألوان معتماً. وبناءً على ذلك،  كان لزاماً على الانطباعيين، لكي يقدموا تفسيراً للواقع المتغير، أن يقدموا تجارباً في التقنيات الجديدة التي جاءوا بها، والبحث عن عمليات جديدة تقدّمْ الظاهرة الطبيعية المرئية، وخصوصاً ضوء الشمس وتردداته اللونية، وطرق انكساره.

أساليب الرسم التي ظهرت في المدرسة الانطباعية:

الأسلوب التنقيطي:

هو أسلوب يعتبر رسم اللوحة بكاملها عن طريق النقاط الملونة المتجاورة، ويشبه هذا الأسلوب إلى حد كبير المشاهد التي نراها على شاشة التلفزيون الملون عندما تتحول الصورة إلى نقاط كثيفة متجاورة، وخاصة في تلفاز (الأسود والبيض)، لعدم ضبط الهوائي، أو لبعد محطة الإرسال ورداءة الأحوال الجوية.

الاسلوب التقسيمي:

يعتمد هذا الأسلوب على تقسيم سطح اللوحة إلى مجموعة ألوان متجاورة صريحة، دون أن يمزج الألوان أو يخلطها، فالأصفر هو الأصفر وكذا حال الأزرق والأحمر، وهكذا تظهر الألوان  نقية صافية كقوس قزح.

الأسلوب الثالث:

وهو الذي يعنى برسم الأشكال أكثر من مرة في لحظات متغيرة من النهار، كأن يرسم الفنان منظراً للطبيعة في الصباح، ثم يعود ليرسمه في الظهيرة، ثم يرسمه في المساء عند غروب الشمس. انطلاقاً من ايمان الانطباعي بالحركة اكثر من الهدف.

اهم سمات وخصائص الانطباعية:

1- التحرر من القواعد الطبيعة الجامدة التي أكدتها الواقعية والبحث عن الحركة، والحركة فقط في الطاهرة المُشتغل عليها .

2- اعتبار الطبيعة هي منبع الجمال.

3- ان العلم لا ينفصل عن الفن، وخاصة ابحاث نيوتن في الضوء وتحليل الطيف الشمسي. وكذلك أبحاث هيليم هولتز ونظريته الفسيولوجية في البصريات.

4- ان ذات الانسان وانفعالاته ينبغي ان تسجل لحضة بلحضة بالفن .

5- اللون في الانطباعية:

لقد جاءت ألوانهم زاهية ونقية وصافية، عنيت بتسجيل المشهد بعين عابرة، ولحظة إحساس الفنان في مكان وزمان واحد.  اضافة الى تعمد ترك أثار الفرشاة على  اللوحة، وتعمد اهمال الخط، والاهتمام بالمساحة اللونية المكونة من ألوان صافية غير ممزوجة مع بعضها البعض، لغرض الحصول على التأثير البصري على الاشكال في وقت معين من النهار، فقد جرّبوا تقنيات مختلفة بخصوص تخفيف الألوان وتكسيرها، وتأثير ضوء الشمس على الأجسام والأشكال حيث يعتبر الضوء أهم عنصر في اللوحة، وقاموا بحذف الظلال السوداء التي ليس لها وجود في الطبيعة واستبدلوها بألواناً مكملة للموضوع بالظلال.

كما عرف الانطباعيون أيضاً أن الظلال ليست غياب للألوان في الطبيعة، ولكنها كثافة مختلفة للون نفسه مع ظل بنفسجي غائم. وكان نتيجة ذلك أن استبعدوا فكرة أن اللون الأسود «ليس عديم لون» واستعملوه على أنه لون في وضعه الخاص مثله ومثل اللون الأحمر أو الأزرق. وعلى أساس ذلك اعتبر بعضهم اللون الأسود هو أمير الألوان». وبعد استبعادهم استعمال طريقة توزع الضوء والظل في اللوحة بطريقة أكاديمية تقنية، عمل الانطباعيون على استعمال اللون فقط لملء المساحات والحدود بين الصور والتي لم يعد يتم تقسيمها بالخطوط.

الضوء في الانطباعية:

أدرك الانطباعيون بوضوح أن ضوء الشمس العادي ليس وحدة واحدة فقط، بل مجموعة من الألوان المتألقة والتي لا يتم خلطها في لوحة الفنان، ولكن يتم تطبيق ذلك مباشرة بواسطة ضربات الفرشاة حتى يتم أفضل تمثيل لترددات الألوان.

ملاك القول

إن الفنانين الانطباعيين بشكل عام، كان جل تركيزهم على المشاهد المرئية في حركتها المباشرة والعفوية، ورسمها كما هي في الطبيعة والابتعاد عن تصوير الاحساس بما نراه أو نريده من أجل التغيير وبناء الإنسان بناءً عقلانياً، وإنما هو إحساس  بالموضوع المشاهد، والاهتمام بشكله الخارجي وليس بمضمونه، من خلال اللعب بالألوان والأضواء المركزة الصافية.

يتابع في الحلقة القادمة عن المدرسة الانطباعية في الآدب.

 

د. عدنان عويّد

 

حسن العاصيتتحدد شخصية الأمم بهويتها الثقافية بشكل أساسي، والتي هي جزء من المكون العام الموروث والمكتسب للمجتمعات الإنسانية. إضافة إلى المكونات الأخرى المرتبطة بالدين والعرق واللغة والتاريخ والجغرافيا. وعلى الرغم من أهمية كافة مكونات الهوية، إلا أن المكون الثقافي هو الأقدر على إحداث التوازن وضمان ديمومة الجوهر الحقيقي لشخصية الشعوب وعراقتها، ويحمي تراثها وأصالتها، ويشكل درعاً واقياً للأمم يتيح التفاعل الجدلي الحي مع الثقافات المختلفة، وفي ذات الوقت يحمي الشخصية من الانفصال عن هويتها الأصيلة، وهذا ما يؤكده التاريخ الإنساني في أن المكون الثقافي والحضاري الفاعلين كانا دوماً يظهران في حياة الأمم.

في هذا العصر الذي شهد انهيارات للحدود بين الدول، ونشوء الشركات الصناعية العملاقة عابرة القارات، وتطور هائل في تقنيات وسائل الاتصال والتواصل، أدى إلى كسر الحواجز الفاصلة بين الدول العظمى والدول النامية، جعلت من عملية التبادل المعرفي والعلمي والاقتصادي والتجاري أمراً يسيراً.

هذا الانفتاح الكوني سوف يؤدي إلى سيادة ثقافة الأقطاب الاقتصادية العالمية الكبرى على ثقافات الأمم الأقل تطوراُ، ويجعل من أنماط الحياة الغربية تهيمن على الشعوب التي تحكمها أنظمة ما زالت تعاني من أمراض النمو، ومنها مجتمعاتنا العربية. وعولمة الرأسمال ستؤدي إلى تكدس الثروات الفاحشة بين عدد قليل من الناس، وفقر للبقية، كما أن التقنيات التي أصبح الناس ينعمون برفاهيتها تحولت إلى أسلحة فتاكة، بدأت بقضم خصوصية الفرد وأدت به إلى الاغتراب. إن الصراع بين القوى الكبرى على النفوذ والسيطرة سوف يحول القرن الواحد والعشرين إلى قرن القتل الناعم والخشن في آن.

مفهوم الهوية

تكمن إشكالية الهوية الثقافية بظني كونها تنطوي على مصطلحين هما الهوية والثقافية، وكل مصطلح منهما يعد قضية إشكالية جدلية لدى الفلاسفة والمفكرين، ويصبحان أكثر تعقيداً إن انعطفا نحو الأبعاد الدينية أو السياسية أو الأيديولوجية أو التاريخية، أو جميعهم سوية.

فيما يتعلق بمصطلح الهوية، يظن الفرد أنه يعلم ماهية الهوية، لكن سرعان ما يتفاجأ أنه لا يعرف عنها شيئاً. وذلك يعود في أحد جوانبه إلى تعدد المشارب والاتجاهات المعرفية والفلسفية لمفهوم الهوية. مثلاً مفهوم الهوية في علم المنطق مختلف عنه في علم الميتافيزيقيا أو الأنثروبولوجيا أو في علوم السيكولوجيا والسوسيولوجيا.

فقد جاء في معاجم اللغة العربية أنها البئر عميقة القعر، وللإنسان فهي تعني حقيقته المطلقة وصفاته الجوهرية. وفلسفيا فإنها تعني حقيقة الأشياء، والمكونات التي تميز شيئاً أو شخصاً عن غيره. والأنثروبولوجيا تعتبر الهوية نمط حياة، أو منظومة قيم. ثقافياً فإن الهوية عبارة عن خيال يمنح العمق النفسي والبعد الاجتماعي نموذجاً منتظماً، وتمثل تعبيراً جوهرياً للأفراد. وتتصف الهوية بحالة من التعقيد والتشابك في أبعادها وتأثيراتها، تنتج عن عملية التفاعل المتواصل بين الإنسان والمنظومة الاجتماعية التي يعيش فيها.

الفيلسوف الإنجليزي "جون لوك" يرى أن أساس هوية الفرد هو الإحساس الذي يدفع الإنسان لتحريك ذاته وبناء معرفته بنفسه على نحو دائم، فيصبح هذا الفرد هو ذاته بالرغم مما يلحق به من تغير لاحقاً.

أما الفيلسوف الألماني الإشكالي "مارتن هيدغر" اعتبر أن لكل كائن الحق في ذاته والتوحد مع ذاته، فأين يكون الفرد أو الجماعة تسمع سؤال الهوية، الذي يعتبره هيدغر إنه سؤال الوجود، فالهوية عنده هي تماثل انتماء مشترك بين الفكر والوجود.

لا شك فإن سؤال الهوية هو سؤال شائك، لأن الهوية ذان بنية تشكلها عناصر متعددة مثل الدين والعرق واللغة والجغرافيا والتراكم التاريخي من جانب، ولأن الهوية لا تتشكل ذاتياً إلا في وجود هويات أخرى مختلفة من جانب آخر، إضافة إلى السياقات التاريخية والاجتماعية التي تسهم في بناء هذه الهوية.

قد تكون الهوية عاملاً مفصلياً لتمتين تماسك روابط النسيج الاجتماعي، وقد تكون كالقنبلة الموقوتة في مجتمعات أخرى، وتحمل بين طياتها بعداً مدمراً. بعض الهويات تتقصد إقامة الجدران الفاصلة بينها وبين الآخرين لحماية نفسها من تهديد متخيل. وبعض الهويات تصاب بالغرور والنقاء وقد تتحول إلى حالة عنصرية عدوانية. في الحديث عن الهوية تستحضرني هنا مقولة الفيلسوف اليوناني "هيراقليطس" الذي قال يوماً إنك لا تستحم في النهر مرتين "، التي تعني أن الكون واحد لكن داخل وحدته يوجد التغير والاختلاف.

مصطلح الثقافة

فيما يتعلق بالثقافة كمصطلح ومفهوم، فقد جاء في المعاجم العربية أن الثقافة هي العلوم والمعارف التي تتطلب حذقاً، فحين يكون الإنسان مثقفاً يكون حاذقاً. وفلسفياً فإن الثقافة هي العلاقة الوثيقة بين مختلف المعارف والفنون والعلوم والأديان والقوانين والقيم الأخلاقية والعادات التي يكتسبها الفرد من مجتمعه. وتعتبر الثقافة واحداً من أبرز معايير تصنيف المجتمعات والأمم، نظراً لما تتضمنه الثقافة من خصائص ودلالات ذات أبعاد ذاتية وجمعية وإنسانية. وقد تنوعت وتعددت تعريفات الفلاسفة والمفكرين للثقافة. فالمفكر الإنجليزي المتخصص بعلم الأنثروبولوجيا "ادوارد تايلور" اعتبر أن الثقافة هي الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة والعقائد، والفن والأخلاق والقانون، وغيرها من القدرات والمهارات والعلوم التي يكتسبها الإنسان باعتباره فراداً في المجتمع. أما عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر "روبرت بيرستد" فيرى أن الثقافة هي ذاك المركب الذي يتضمن كل ما نفكر فيه، وكل ما نقوم بفعله أو نمتلكه كأشخاص في المجتمع.

ويعتقد بعض علماء الأنثروبولوجيا أن الحضارة هي نوع راق من الثقافة، إذ أن من خصائص الثقافة تمايزها واستقلالها عن البشر الذين يمارسونها، لأن مكونات الثقافة يكتسبها الفرد من المجتمع بصفتها إرث اجتماعي متراكم يتبلور في شكل التقاليد والعادات. ومن جهة أخرى فإن للثقافة خاصية الاستمرار وقدرتها على الانتقال عبر الزمن من جيل إلى جيل. والثقافة يمكن لها أن تلعب أدواراً مهمة في توفير مناخات إيجابية للتغيير الاجتماعي، ولها مقدرة على مساعدة البشر لفهم العالم وطبيعته وإثراء معرفتنا بهويتنا.

إذن الثقافة هي طريق معيشة البشر وما يملكون وما يتداولون فيما بينهم، وفيما بينهم وبين الآخرين على الصعيدين الاجتماعي والبيولوجي. وهي أيضاً ثقافة العقل ومجموعة القيم والعادات والسلوكيات الاجتماعية، وكذلك التراث الفكري والفني والأدبي والعلمي. هي أنماط التفكير والشعور، ومنظومة المثل الشائعة في مجتمع معين.

هكذا يمكننا القول إن الثقافة بمعناها العام عنصر هام ومقرر وضرورة لفهم الأحداث في الحياة البشرية، وكذلك أهميتها في التنبؤ بإمكانية وقوع هذه الأحداث، والثقافة تحتل مكانة في المجتمعات، تشبه المكانة التي تحتلها الجاذبية في الطبيعة.

عولمة ضد الإنسانية

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة في نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن العشرين، أطل مصطلح العولمة برأسه كمفهوم بحلة جديدة في اسمه وقديماً في ظاهرته. يسعى مفهوم العولمة الاستعماري إلى جعل العالم مدينة كبيرة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، والسيطرة على الشعوب بواسطة التكنولوجيا الحديثة لوسائل الاتصال، وأساطيل الشركات الصناعية والتجارية متعددة الجنسيات العابرة للقارات. حيث تفرغت الرأسمالية الغربية من مواجهة البروليتاريا، التي استمرت في الفترة الممتدة من انتهاء الحرب العالمية الثانية لغاية انهيار المنظومة الاشتراكية، وبدأت بمرحلة جديدة في مظهرها وأدواتها، وقديمة في مضامينها، الهدف منها هو إقامة دكتاتورية الرأسمال العالمي وأطلقوا عليها تسمية العولمة.

إن العولمة بوجهها الخيّر كانت حلماً راود خيال الكثير من الفلاسفة والمفكرين، في سياق انشغالهم بتوحيد القيم الإنسانية لخلق مجتمعات العدل والمساواة. لكن هذا الحلم وأدته مصالح الشركات العملاقة، وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة المتنقلة، وذوي النفوذ الاقتصادي والسياسي، وكذلك الثورة التي تحققت في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وتطور وسائل الإعلام، كل هذه الأدوات كفيلة بقلب الدول فوق رؤوس الشعوب بهدف السيطرة عليها في عالم مفتوح اقتصادياً وثقافياً وبلا جدران.

العولمة الرأسمالية تبشر بعالم شبيه بالعصور القديمة، حيث كان البشر منقسمين إلى طبقتين، طبقة الإقطاع وهم القلة، وطبقة العبيد والأجراء والعامة وهم الأغلبية الساحقة. وتشير الكثير من التقارير الصادرة عن منظمات دولية أن النظام العالمي أغنى بخمس مرات مما كان عليه في بداية التسعينيات من القرن العشرين، فترة انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاشتراكية، لكن الأمر المفزع أن خمس سكان العالم يعيشون بدولار واحد في اليوم. وأن هذا الخمس الأكثر فقراً من سكان الكرة الأرضية كان يملك حوالي 2,5 بالمئة من الموارد المالية في بداية سبعينيات القرن العشرين، فأصبح يملك 1,6 في المئة من تلك الموارد في بداية التسعينيات. ثم انخفضت فيمة ما يملكون إلى حوالي 1,2 في المئة بمنتصف التسعينيات، ثم تقلصت النسبة إلى حدود الواحد في المئة في الألفية الثالثة.

المفارقة أن خمس سكان الأرض الأكثر ثراء كانوا يملكون حوالي 68 بالمئة من الموارد المالية العالمية في بداية السبعينيات من القرن العشرين، فأصبحوا يمتلكون حوالي 83 في المئة في بداية التسعينيات، ثم 87 في المئة في منتصف التسعينيات، ثم حوالي 90 في المئة في الألفية الثالثة.

هذا أعمق تناقض طبقي في العصر الحديث تفرزه العولمة في سياق تحولات ديمقراطية يشهدها العالم، وتشير إلى ازدياد رفاهية الاقطاع الحديث، وتحول معظم سكان الكرة الأرضية إلى عبيد، وهي بذلك تكون عولمة القهر والحرمان للشعوب والدول الضعيفة بمسميات تبادل الموارد. المرعب في الأمر أنه من المتوقع خلال هذا القرن ألا يحتاج الاقتصاد العالمي سوى 20 في المئة من القوى العاملة، فيما سيتحول ما يقدر80 في المئة من الناس إلى عاطلون عن العمل، يعيشون كفقراء على هامش العولمة.

إنه عصر تكديس الثروات في خزائن الأقلية، وعصر الإفقار والتهميش للأغلبية. في العالم حالياً حوالي 1842 مليارديراً بحسب دراسة أعدتها شركة (PwC) للإشراف الاقتصادي والخدمات الاستشارية بالتعاون مع بنك (UBS) السويسري في العام 2017، حيث أظهرت زيادة في عددهم تقدر بنسبة 17 بالمئة، حيث وصلت ثروة هؤلاء إلى حوالي 8,2 تريليون دولار، يملكون شركات تشغل حوالي 27,8 مليون إنسان على مستوى العالم. ويمتلك أغنى 20 إنسان ثروة تقدر 1,3 تريليون دولار، أي ما يعادل الناتج القومي لبلد مثل المكسيك مثلاً. فيما يمتلك حوالي 360 مليارديراً ثروة تضاهي ما يملكه حوالي 2,6 مليار نسمة من سكان الكرة الأرضية.

القرن القاتل

تميز القرن التاسع عشر باعتباره قرناً شهد الصراعات بين الأنظمة المحافظة والإقطاعية والحركات الليبرالية التحررية والقومية، التي قادتها البرجوازية. والقرن العشرين يعتبر قرن الحروب والصراعات الدموية، وقرن التحرر من الاستعمار، القرن الذي شهد التطور التكنولوجي الهائل، قرن الثورة الرقمية والمعلوماتية. فيما القرن الحادي والعشرين هو قرن عولمة الاتصالات والبيانات والرأسمال العابر للقارات دون منازع. عصر تكديس الثروات، وسقوط متزايد للملايين في قاع العوز. لكنه يشهد أيضاً بظني تصاعد لافت وفاعل للحركات المتشددة بوجهها الثقافي القومي اليميني في أكثر من مكان، وأخرى ذات ميول انفصالية.

لغاية القرن التاسع عشر كان الناس ينتقلون بحرية ويسر بين الدول، ولا تعترضهم حدود ولا مراكز جوازات سفر، وكانوا يستخدمون وسائل نقل وطرق بدائية، ويمتلكون حرية العمل والتعاقد. وفي الفترة التي شهدت الحرب العالمية الأولى، كانت الثورة الصناعية الأولى قد وصلت مرحلة متطورة، حيث تم اختراع وسائل المواصلات التي تعتمد المكننة لتحل محل الجياد والعربات البدائية، وتم كذلك وضع الحدود السياسية بين الدول. مع انتهاء الحرب العالمية الثانية كان العالم أكثر تعقيداً، حيث نشأ نظام ثنائي القطب، وتعايش العالم مع مركزين يحكمهما توازن الرعب، في واشنطن وموسكو. انتهى هذا النظام العالمي مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وبدأت تتشكل ملامح نظام عالمي جديد.

أهم ملامح هذا النظام هي العولمة التي أسهم في انتشارها الثورة التقنية والتكنولوجية الثالثة في الاتصالات والمواصلات، وثورة المعلومات التي اعتمدت على استعمال الشبكة العنكبوتية لربط مئات الملايين من البشر دون وسيط، ودون اعتراض لا من حدود ولا حواجز أمنية، ومكّنت جميع سكان الأرض من الوصول إلى المعلومات بطريقة سهلة وحرة، ليس ذلك فحسب، بل منحت الناس الفرصة والقدرة على التدخل المباشر في صناعة الأحداث والتأثير على مجرياتها وتغييرها.

مع كل هذا التطور الهائل في وسائل الحياة عموماً الذي أنهى عصر الجُزر المتناثرة، وأرسى مرحلة التداخل والتشابك والتبادل في العلاقات والمصالح والمعارف. لكن السؤال الأهم هنا، هل جعل هذا التطور الناس في وضع أفضل وعلاقات أجود ومعيشة أثرى؟ الإجابة كما أتلمسها هي بالطبع لا.

إن كافة القفزات العلمية التي حققتها البشرية عبر العقود المتتالية، ورغم التقدم التكنولوجي، إلا أن هذا لم يتمكن من القضاء على الجوع والفقر، ولا التخفيف من حدة الصراعات والحروب، بل على العكس جعلتها أكثر دموية وهمجية بسبب التطور في صناعة الأسلحة المدمرة. وكل التطور بتقنيات وسائل الاتصال لم يستطيع إنهاء الكوارث والأزمات العالمية، بل أن جشع الإنسان المعاصر قد يدمر النظام العالمي- الأزمة المالية العالمية في العام 2008- وظاهرة التغير المناخي-.

كل التقنيات المعلوماتية، والثورة الرقمية التي اجتاحت حياتنا لم تقدر على وقف الخوف والقلق السائدان لدى البشرية. بل لقد تعاظمت الأزمات العالمية، وأصبحت قضايا الأمن الوطني والقومي، والتعايش بين الحضارات والأديان والأعراق والطوائف والمذاهب، هي أزمة الأزمات المعاصرة.

كذلك نلاحظ أن التطور التقني في كافة مناحي الحياة لم يتم توظيفه لسعادة ورخاء البشرية. بل على النقيض أصبح الإنسان المعاصر يفقد مقدرته في السيطرة على واقعه ومصيره وخياراته، التي تتحكم بها نظم مركزية ووسائل الإعلام الحديثة ومصالح الشركات الكبرى.

أصبحت الحواجز السياسية أعلى مما سبق، والتجمعات القومية تبحث عن حماية نفسها بسدود متعددة. ضاقت المسافات وتزايدت القيود على النقل والتنقل، بحيث أصبح البشر يشعرون أن كافة المكاسب التقنية التي تحققت عبر العقود الأخيرة أخذوا يفقدونها بفعل القرارات والقوانين الإدارية، وصار البشر يبحرون في محيط بلا شواطئ وبلا بوصلة.

كل هذا التطور في الألفية الثالثة أفضى إلى أزمات عميقة للإنسان المعاصر، الذي أصبح أكثر ضعفاُ وهشاشة، وقابلاً للعطب أكثر من أي وقت مضى، رغم رفاهية الأشياء بظاهرها من حوله. لقد أصيب الإنسان بأزمات مرتبطة أساساً باختلال التوازن الذي أصيب به، وفقد معه القدرة على التكيف الثقافي والبيولوجي مع واقعه، لذلك نقول إن الاغتراب والقتل والإفقار والثراء الفاحش هم سمات العصر.‎ ‎

تحديات أمام الثقافة العربية

بات مؤكداً أن العولمة بصفتها انفتاحاُ كونياً تتسبب في تهميش الثقافات الوطنية، وإحلال ثقافة القوى الكبرى، وهيمنة الرأسمال الاستعماري. وعلى الرغم من أصالة الثقافة العربية وجذورها وامتدادها، إلا أنها من دون ريب تواجه تحدياً كبيراً في التقليل من حجم الخسائر التي تلحق بثقافتنا، وهي مسؤولية المثقفين والمفكرين والأدباء العرب بصورة أساسية، كونهم نبض الأمة الباقي في مشهد الحالة العربية التي وصلت مقداراً وضيعاً من الانحدار والسقوط.

الثقافة العربية وصلت سابقاً إلى مشارق الأرض ومغاربها، والتقت الحضارتين العربية والغربية في الأندلس بداية، ثم حملها معهم المهاجرين العرب إلى دول أمريكا اللاتينية. وحين نتحدث عن أهمية مواجهة المحاولات التي تجري لتهميش ثقافتنا، في ظل التحولات العالمية المستمرة، فهذا لأننا نمتلك خصوصية وعلينا إبرازها للآخر الغربي، وهذه الرؤية لا تتصادم مع الخطاب الكوني، ذلك أن الحضارة هي مكون عالمي، بينما الثقافة هي مكون خاص.

لكن وزارات الثقافة العربية والهيئات والمنظمات الثقافية في الواقع العربي تتعاطى مع الثقافة ببعدها الوظيفي الروتيني، وليس باعتبارها مؤشراً هاماً يعكس حركة المجتمع المرتبطة به عضوياً، فالثقافة تحدد كينونة وصيرورة الأمم اجتماعياً وسياسياً. حتى الأطر الثقافية العربية غير الرسمية عاجزة عن إحداث أي تغيير جدي، فهي ساقطة في مستنقع الصراعات الداخلية والتنافس على الزعامة، والحسابات الضيقة ومشاكل التمويل، وتلاحظ حضور كل شيء في هذه الأطر إلا الثقافة، فهي الغائب الوحيد.

هذا على الرغم من أن معظم المفكرين يؤكدون على أن الهويات الثقافية سوف تكون صاحبة الكلمة الأولى في القرن الواحد والعشرين، وأنها المحرك الرئيسي للأحداث السياسية مستقبلاً. إذ أن الهوية الثقافية حلت مكان الهويات الطبقية والقومية والاقتصادية، في الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة.

إن تكنولوجيا المعلومات والثورة الرقمية هما أهم دافع للعولمة الثقافية، لأنهما يختزلان الزمان والمكان في التبادل المعلوماتي والمفاهيم والمعارف والعلوم. وكما العولمة الاقتصادية وعولمة رأس المال اللذان يقتحمان الأسواق الناشئة دون أن تتمكن الحكومات الوطنية من فرض سيطرتها على الأسواق ومراقبتها، فإن العولمة الثقافية تقتحم المجتمعات البشرية وتهدد خصوصيتها. وهي أدت فعلا إلى انتشار الكثير من المظاهر التي لا ترتبط بالهوية الثقافية العربية، لعل أبرزها بظني هي انحسار اللغة العربية لصالح انتشار اللغات الأخرى -رغم فائدة تعلم اللغات الأجنبية بالطبع-، إضافة إلى تحول الثقافة العربية إلى وسيلة للكسب والتسلية، وإثارة الملذات الحسية والغرائز، على حساب المضامين الجادة والرزينة. كما أن العولمة الثقافية أسهمت بصورة فعالة في تراجع دور القيم المجتمعية، ودور العائلة في حياة الفرد، وحولت مجتمعاتنا إلى أسواق استهلاكية نهمة.

لا مفر من الإصلاح

مطالعة التاريخ تعلمنا أن هناك شعوباً وأمماً شنت الحروب الدموية لأسباب تتعلق بالهوية والعرق، والانتماء إلى أمة دون سواها أمراً بالغ الأهمية وحيوياً بالنسبة للبشر، ذلك أن الثقافة تعبير عن الهوية والكينونة والشخصية التي تميز أمة ما عن سواها، حيث تتشابك مكونات الهوية بالثقافة الوطنية بالجغرافيا والتاريخ واللغة والدين ليصبغا سمات أمة محددة. فالهويات الثقافية تحتل مكانة بارزة في السياسات الدولية، لأنه تشكل اساس الدولة والأمة.

من هنا يمكن إدراك أهمية البعد والعمق الثقافي الذي يحدد صورة الدول في المستقبل، ولا يمكن الحديث عن تطوير الإنسان العربي وتقدمه حضارياً وتحديث وعيه، دون اهتمام الدول العربية بالثقافة ذات الابعاد المتنوعة والمتعددة.

وهذا لا يتم إلا بأن نكون أصحاب مشروع ثقافي نهضوي إصلاحي تجديدي ليبرالي تنويري، يراعي خصوصيتنا، ويشرع النوافذ للتفاعل الإيجابي مع ثقافات الشعوب والأمم الأخرى، التي تؤمن بالتعايش الإنساني والحوار الحضاري بصورة متكافئة، بعيداً عن الهيمنة والتسلط.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

وليد كاصد الزيديتلقيت رسالة من صديق يطلب فيها مساعدته بإبداء النصح والمشورة في تأليف كتاب، فسألته بداية: هل سبق لك وان كتبت مقالة أو بحثاً، أو حتى خاطرة ؟ فأجابني بالنفي. قلت له: حسناً، كم كتاباً قرأت، فرد بأنه لم يقرأ كتاباً بأكمله بل قرأ أجزاءا من عدة كتب ولم يكمل أحدها، مبرراً ذلك بأنه أنهى دراسته الأولية تواً ولم يكن لديه الوقت الكافي للقراءة.

فقلت له: ياصديقي لن تستطيع تجاوز كل عتبات السلم بقفزة واحدة لتصل الى العتبة الأخيرة. نصيحتي لك هي أن تقرأ كثيراً لكي يكون لديك أولاً خزين معرفي وفكري، ثم تبدأ بكتابة مقالة لترتقي بعدها عتبات سلالم الكتابة الواحدة  تلو الأخرى، حينها قد تصل الى مرحلة تأليف كتاب كما تطمح اليوم.

وذكرت له كيف أن أحد الشعراء الجاهليين أرشد شخصاً جاء يسأله كيف باستطاعته أن يصبح شاعراً لامعاً، فأجابه :  إذهب واحفظ قصائد المعلقات ثم إرجع لي بعد ذلك، فلما عاد اليه وقد حفظها عن ظهر قلب، قال له إذهب ثلاث سنوات وأنس ما حفظت ثم عد إليّ، فلما عاد اليه ونفذ ما أمره به، قال له باستطاعتك الآن أن تذهب لتكتب الشعر.

ليس هناك كتابة تأتي من فراغ، كل الكتابات العالمية ولاسيما المشهورة أُسست وبُنيت على تراكمات معرفية وانجازات فكرية سابقة. معظم الكتابات وُلدت من تراكم الثقافات ولا شيء ظهر من لاشيء.

 الكتابة لا تأتي من فراغ، فهي بحاجة الى قراءات واسعة، هذه الاخيرة أشبه بادخار رصيد في بنك، والكتابة هو ما تسحبه من الرصيد، فإذا لم يكن لديك رصيد كاف في مصرف مالي فإنك لن تستطيع سحب المبلغ الذي تحتاج اليه، اما اذا استمريت بالسحب فستجد نفسك مفلساً في يومٍ ما. هكذا هي الكتابة خزين فكري يسطره الكاتب على الورق.

وإذا ما ذهبنا الى سؤال: لماذا الحاجة الى الكتابة؟ سنجد أن دار نشر غاليمار في باريس كانت تتلقى قرابة عشرة آلاف مخطوطة  للنشر في السنة قبل عدة عقود، وهذا يعني أن هناك كمٌ كبيرٌ من البشر يشعرون بالحاجة إلى الكتابة، فما هي دوافعهم؟

لم يتوانَ الشباب لويس أراغون وأندريه بريتون وفيليب سوبو، في مجلتهم التي أسموها على سبيل التورية الساخرة (أدب)، عن إعداد استبيان سنة 1921، بعنوان: " لماذا تكتبون؟" كانت الاجابات إما استفزازية، أو مبتذلة، أو خالية من أي معنى.

أما ج.ب. بونتاليس، ذو الموقف التقليدي أكثر، فقد ذكر في حوار له مع مجلة اللحظات الأدبية بالأهداف الرئيسة: " لكي أكون محبوباً بحسب رأي فرويد، ولكي أحظى بالنجاح لدى النساء كما يريد موباسان، ولشدة محبتي لفاليري، كل هذا ليس له مصداقية كبيرة. نجد الإجابة الخامسة لدى سامويل بيكت: "لا أصلح لغير ذلك" أي لا أصلح إلا للكتابة.

وفي نفس السياق والتساؤل، نجد رولات جوسلار يقول : " يبدو أن هنالك أناساً يكتبون في البداية من أجل ذواتهم، لأن هذا يتيح لهم التنفس بشكلٍ أفضل".

وبالنسبة لفولكنر، تبدو الكتابة ضرورة لا يمكن تفسيرها ولا تقبل الجدل في موضوعها: " الأمر الأول، هو أن يقع الكاتب تحت سلطان شيطان الكتابة، والآخر أن يكون مجبراً على الكتابة دون أن يدري لماذا، وأحيانا قد يرغب في التملص من هذا العمل إلا أنه يجد نفسه مكرهاً ".

في حين يقول روجيه غرييه لم أكن وحيداُ لأجبر على الكتابة، بل أنني بحثت عن الوحدة لكي أكتب. أما الشاعر الألماني الفذ غوته يفسر سبب حاجة المرء الى العزلة التي توفر أجواء الكتابة بقوله :" لا بد للمرء أن ينعزل لمدة من الزمن لكي يسبر أغوار نفسه".وعندما يحصل ذلك يتجه الى الكتابة إذا ما إمتلك مقوماتها.

وفِي نفس سياق الكتابة في ظل الوحدة ولكن بتوجه مغاير، يقول أورهان باموك:"...أكتب لأكون وحيداً ".

خلاصة القول ان الكتابة ليست قراراً مزاجياً يتخذه المرء فيذهب ليكتب، بل الفكرة التي تولد من رحم المعاناة هي من تستدعيه غالباً للكتابة . وهو ما يقوله روجيه غرينييه في نفس كتابه (قصر الكتب): " مجرد الشروع في الكتابة يتطلب وجود سبب ينبع من أعمق أعماق الكاتب. ولابد لي أن أذكر هنا فلوبير أيضاً الذي يتكلم عن الحزن الذي دفعه للشروع في كتابة سالامبو".

لذا فلا غرابة أن نجد أفضل كُتاب الرواية والقصة كتبوا من المعاناة وإتون قسوة الحياة مثل ماركيز وديستوفسكي وكامو وكافكا وشوبنهاور وغيرهم.

أما أنا، فأكتب أولاً لكي أدون أفكاري المتزاحمة في عقلي على الورق، وثانياً لكي أشارك - ولو بشكلٍ متواضع- في تغيير الواقع المزري الذي نعيشه منذ خمسة عقود، وذلك عبر إيصال أفكاري الى القارىء، وإن لم تُغير شيئاً كبيراً، فهي على أقل تقدير ستكون بمثابة رمي حجر في بركة ماءٍ راكد، وما لا يدرك كله لا يترك جله.

 

د. وليد كاصد الزيدي

 

 

الحسين اخدوشفي محاضرة له في "ليالي مؤسسة التعليم الاقتصادي" في شتنبر سنة 2005، تتبع عالم الاقتصاد الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل لسنة 2002 فرنون سميث خطوات نمو الثروة البشري عن طريق انتشار الأسواق، حيث بيّن أنّ الرأسمالية العالمية في شكلها المعاصر تؤدي إلى تحسين أحوال البشر.[1] لكن في اتجاه تؤدي هذه الرأسمالية الجديدة إلى تحسين أوضاع وأحوال البشر؟ وإلى أي حد يمكن أن يمثل الرفاه الاقتصادي معيارا لقياس سعادة الناس؟

جوابا على مثل هذا السؤال، حاول فيلسوف الاقتصاد المعاصر إريك إنجنر،[2] في مقال بعنوان: "سياسات السعادة: المقاييس الاقتصادية والذاتية باعتبارها مقاييس للرفاهية الاجتماعية"، أن يبيّن المعايير الاقتصادية للسعادة بما هي مجرّد تطبيقات للوظيفة النفعية للرفاهية الاجتماعية، كتلك التي تعتمد معيار المنافع الفردية عن طريق تحقيق المنفعة والرغبات لقياس سعادة الأفراد في مجتمع استهلاكي معيّن. ولقد عمد بعض رجال الاقتصاد إلى وضع مجموعة من المعايير تسمح لهم بقياس وتحديد مدى رفاهية الأفراد وسعادتهم انطلاقا من تحقيق نسب نمو مضطردة؛ وكان من أهمّ هذه المعايير:[3]

أوّلا؛ معيار الدخل القومي، وهو معيار صاغه بداية المفكر الاقتصادي "بيكو" (1877- 1959) في كتابه الصادر سنة 1920 تحت عنوان "اقتصاديات الرفاهية" (The Economics of Welfare) يقترح فيه أن يصبح "الربح القومي" أو "الدخل القومي" مقياس الرفاه على اعتبار أنّه يمثّل الجانب الخاص من الدخل الواقعي للمجتمع. فبحسب هذا المعيار، فإنّه كلما توفر ناتج كبير للنمو الاقتصادي، إلاّ وأدى ذلك إلى إشباع رغباتنا وحاجاتنا إلى أقصى درجة.

 ثانيا؛ معيار فائض الإنتاج والاستهلاك، لقد استعمل مفهوم "فائض الإنتاج" أوّل مرة مع المفكر الاقتصادي "جوليس ديبوت" الذي سعى إلى تحديد الشروط التي تجعل الأشغال العامة (مثل بناء القناطر والجسور) تحقّق منفعة عامة. وقد قام "ألفريد مارشال" (1890- 1920) بتطوير أفكار "ديبوت" وتعميمها فيما بعد، فعرّف بفائض استهلاك منتوج أو سلعة معينة بأنّها مقدار الزيادة في السعر الحقيقي الذي يوّد المستهلك أن يدفعها بدلا من عدم قيامه بشرائها، وهكذا يصبح السعر الذي يدفعه أعلى من سعرها الحقيقي.

وكان فائض الاستهلاك مؤشرا سائدا في قياس رفاهية المجتمعات المعاصرة، وهكذا تم استخدام "فائض الإنتاج" و"فائض الاستهلاك" بشكل كبير ومتسع قصد تقييم نتائج السياسات العامة. غير أن البعض سرعان ما رفض استعمال هذين المفهومين لتقييم نتائج الرخاء ورفاهية الناس لصالح ما يسمى في أدبيات اقتصاد السوق الجديد بـ"الفائض الكلي"، وذلك بدعوى أن رغبة الأفراد المستهلكين في دفع أية قيمة لشراء سلعة معينة هو ما يعكس قيمتها الحدّية، أي مدى قيمة هذه السلعة بالنسبة إليهم. فما هو مبدأ هذا المعيار؟

 ثالثا؛ معيار الفائض الكلي، ويقوم هذا المعيار على أنّ أية زيادة في فائض الإنتاج فهي تطابق من الناحية الصورية زيادة في قيمة المنفعة. فإذا ما افترضنا أنّ فائض الاستهلاك يطابق المنفعة الفردية، فإنّ ذلك يعني في النهاية أنّ المقياس النفعي للرفاهية الاجتماعية يتضمن تطابقا بين "الفائض الكلي" وتحقيق الرفاهية الاجتماعية للناس. كذلك، يوجد هنالك معايير أخرى جديدة اخترعت لقياس مدى الرخاء والرفاه الاجتماعي الذي ينجم عن النمو الاقتصادي الذي يتحقّق في المجتمع، مثل:

ثمّ، رابعا، معيار معاملي التعويض والتكافؤ الذي أسّسه الاقتصادي البراطاني جون هيكس (1904- 1989) سنة 1943 بعدما لاحظ تلك الصعوبات التي تواجه تطبيق معيار الفائض في الإنتاج والاستهلاك. وبخصوص معيار التعويض هذا، فالذي يقصد به هو حساب مقدار النقود الذي قد يسلب من الفرد بعد حدوث تبدل أو تغيّر اقتصادي معيّن، دون أن يتأثر مستوى عيش هذا الفرد كما كان يعيش قبل حدوث هذا الطارئ. بينما يقصد بمعامل التكافؤ مقدار النقود الذي قد يُدفع لفرد معين جراء سياسة الدعم، حتى وإن لم يحدث لديه ذلك تغيّرا اقتصاديا ملحوظا، وإن|ما يجعله ذلك يعيش فقط نفس مستوى استهلاكه السابق.

تم استخدام معيار معاملي التكافؤ والتعويض في عدة سياقات لتقييم مقدار التغيرات في الرفاهية ومدى تحقيق السعادة. فمثلا، استعمل هيكس ما كان يسمى  بحاصل الجمع لمعاملات التعويض أثناء تحليله لمقدار التكاليف والأرباح في اقتصاديات الرفاهية مع مجموع الرغبات في الدفع لقياس مدى رفاهية وسعادة الأفراد. وقد توصل في الأخير إلى أن حاصل الجمع بين معاملي التكافؤ والتعويض وقيمته الايجابية يعد دليلا على حصول التحسن الاجتماعي وزيادة الكفاءة الاقتصادية.

تقييما لهذا المعيار الجديد، طرح فيلسوف الاقتصاد إريك أنجنر السؤال: هل يتعيّن علينا أن ننظر إلى المعايير السابقة (حاصل مجموع معاملات التعويض، التكافؤ) باعتبارها مقاييس  للرفاهية الاجتماعية؟ وقد استنتج في مناقشته لذلك أنّ الدافع الأساسي لاستخدام مقاييس هيكس، مثلا، هو أنّ البديل الملموس القابل للملاحظة، عند قياس مدى تفضيل الأفراد لنظام اقتصادي على آخر، يكمن في كميّة النقود التي يرغب الفرد في دفعها أو قبولها لكي يتحقّق له أن ينتقل من وضعية اقتصادية معيّنة إلى أخرى.

إنّ تحقيق المنفعة والربح المادي هو ما ينصبّ الاهتمام عليه في إطار هذا المقياس المادي؛ وقد استخلص أنجنر من هذا الاعتبار مجموعة من الملاحظات المهمة الكاشفة عن محدودية المعايير الاقتصادية لقياس السعادة والرفاه لدى الأفراد، نجملها فيما يأتي:

يحقّق كل معيار من هذه المعايير الرفاهية طالما أنّ الرفاه هو ذاته مقياس لرفاهية وسعادة الفرد وحده، ولا يكون لأيّة قيّم من مثل الحقوق والواجبات وغيرها أيّ تأثير على رفاهية الأفراد الاجتماعية إلاّ وفق تأثيرها على المنافع الفردية.

يحقّق كل معيار من هذه المعايير نتائجه المرجوة طالما أنّ كل منفعة تحقّقت من النتائج هي ما يهم وما يتم الاهتمام به. كما لا يكون للطريقة التي ضمن بها الأفراد حزمة البضائع أو النتائج المرغوبة أي تأثير على قدر المنفعة المحصّلة.

يحقّق كل معيار من هذه المعايير التقدير الكلّي طالما أن مجموع المقاييس يتم الحصول عليه بإضافة أو تجاوز مستويات المنفعة الفردية. لذلك ليس هنالك أيّ تأثير لعملية توزيع المنافع على الرفاهية الاجتماعية طالما أن مستوى المنفعة أو معدلاتها ثابتة.

وبالنسبة للرؤية الناقدة، فإنّ هذه الملاحظات غالبا ما تكشف عن حقيقة يراد التمويه عنها، ومفادها أنّ المعايير الاقتصادية لقياس رفاهية مجتمع معيّن، ليست في حقيقة الأمر سوى تطبيقات حسابية للوظيفة النفعية للرفاهية الاجتماعية كما يراها الاقتصاديون. بالتالي، فهي ستواجه نفس الانتقادات التي عادة ما تطال تلك التصورات النفعية المادية المحدودة لمعيرة السعادة والرفاه الاجتماعي. وإنّها لتنطوي على نواقص عديدة، من مثل:

نقيصة الحياد بالنسبة لتوزيع الثروة غير المتكافئة بين الأفراد والفئات.

نقيصة إهمال الاهتمامات والجوانب الأخرى غير المادية والنفعية، مثل الجوانب الروحية والأخلاقية.

نقيصة اختزال الرفاه الاجتماعي في بعد واحد ربحي ومادي نفعي.

نقيصة إهمال المساواة والعدل والحقوق وجودة البيئة واستدامتها.

نقيصة الاحتكار الفئوي للرفاه الاقتصادي والتنعم بالخيرات.

الحاصل بالنسبة للتصوّر الناقد للنزعة الاستهلاكية، أنّ النواقص التي تعتري نهج القياسات المادية لمؤشّرات النمو ومعيار المنفعة في تحديد مستوى الرفاه الاجتماعي، إنّما يفضي بنا إلى القول بأنّ المعايير السابقة هي اختزالية بطبيعتها الكمية؛ وإنّها لتردّ الرفاه الاجتماعي، وكذا السعادة الإنسانية، إلى مجرّد مؤشرات مادية خدّاعة.

إذاً؛ يمكننا نقض هذه المعايير، بشكل سهل، متى وقفنا على تهافت معادلة الإنتاج / الاستهلاك غير المحدودين في نسق اقتصاد السوق الذي لا ينضبط بحدود أخلاقية واضحة. بالتالي، فالمعايير الكمية لقياس النمو، في علاقته بالرفاه الاجتماعي، هي مجرّد قياسات ورّطتنا فيها المؤشرات الاقتصادية المحضة المعتمدة في تحليل وقياس نسبة تأثير النمو الاقتصادي على درجة رفاه مجتمع معيّن. هكذا، يتحصّل لدينا أنّ الرؤية الاقتصادية البحثة، لمسائل التنمية والرفاه، كلّها تبقى اختزالية غير ذات جدوى، ما لم يتم تطعيمها برؤى أخرى، ثقافية وأخلاقية يمكنها المساهمة بتحقيق التوازن في تقسيم الثروة بين أفراد نفس المجتمع.

 

الحسين أخدوش

..........................

[1]  أنظر كتاب "أخلاقية الرأسمالية" ل: "توم جي بالمر"، ترجمة محمد فتحي خضر، مراجعة محمد إبراهيم الجندي، منبر الحرية، القاهرة، ط الأولى، سنة 2013. ص 131

[2]  إريك إنجنر: "سياسات السعادة: المقاييس الاقتصادية والذاتية باعتبارها مقاييس للرفاهية الاجتماعية"، ورد في كتاب: السعادة والفلسفة، إعداد: ليزا بورتولوتي، ترجمة أحمد الأنصاري، مراجعة حسن حنفي. المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 2013.

[3]  أنظر "سياسات السعادة" ل "إريك إنجنر"، مأخوذ من المرجع السابق،  ص 256

 

محمد الدعميأحاول في كتابي الجديد (باللغة الإنجليزية) The Orientalist Mind، “العقل المستشرق” أن أسحب خطا واضح المعالم بين الاستشراق كما رصده وبحثه الأستاذ الفلسطيني الراحل “إدوارد سعيد”، وأطلقت عليه تعبير “الاستشراق السعيدي”، من ناحية، وبين الاستشراق الذي أدرسه في الكتاب أعلاه، بوصفه استشراقا ليبراليا، رومانسيا يأبى الخضوع والانتظام في السياق الوظيفي الذي حدده سعيد، بالنظر إلى أنه استشراق لا مصلحي، وغير موظف لخدمة مشروع كولونيالي على العصر الذهبي للكولونياليات الأوروبية الذهبي الزائل.

لذا، فالتمييز أعلاه يمكن أن يعطي أكله، في نصوص الاستشراق، خصوصا العربي الإسلامي، بأقلام رجال أدب، من شعراء وكتاب نثر خياليين، لا صلة لهم بأي مشروع كولونيالي البتة.

وقد ساعد تخصصي الدقيق بالأدبين الإنجليزيين والأميركي في حملتي طوال أكثر من ثلاثة عقود للتنقيب عن النصوص التي يمكن أن تدرج تحت عنوان، سوى “الاستشراق السعيدي”. وقد وجدت ضالتي في نصوص لا يمكن للفكر العربي والإسلامي تجاهلها في صفقة تبادل فورية مع الاستشراق السعيدي. لذا، برزت أمامي نصوص توماس كارلايل Carlyleـ ووليام موريس Morris وهاريّت مارتنو Martinuea ، من بين آخرين، في بريطانيا الفكتورية، نماذج لا يمكن أن تمر، دون ملاحظة وتحليل كافيين. لذا، صدر كتابي الأول (بالإنجليزية) في نيويورك بعنوان (مرايا عربية وكهنة غربيون) سنة 2002، ثم (الاستشراق: الاستجابة الثقافية الغربية للتاريخ العربي الإسلامي)، بيروت، 2006.

الأساس في الكتابين أعلاه هو هذا التوق لعدم الانجراف في تيار تهمة، الاستشراق، خادما للإمبريالية، الجارف الذي أطلقه إدوارد سعيد (رحمه الله).

أما في كتابي الجديد المنتظر صدوره بالإنجليزية خلال أشهر بعونه تعالى، فأضطلع بتكريس منظوري أعلاه، من خلال انتقاء المزيد من النصوص الثقافية الدالة التي تؤيد صحة ما أذهب إليه، ليس في بريطانيا بناء الإمبراطورية فقط، ولكن كذلك في الولايات المتحدة الأميركية على عصر تأسيسها كجمهورية فتية تمثل “العالم الجديد”، ولكنها جمهورية ترنو إلى استلال كل ما يفيدها من كنوز وتجارب “العالم القديم”. وعلى هذا المبدأ، انطلق أبو الأدب الأميركي بتأليف تاريخ الإسلام والخلافة، تحت عنوان كتابه الفذ (محمد وخلفاؤه) بمجلدين كبيرين. ناهيك عن أعماله الأخرى عندما بقي في إسبانيا سفيرا للجمهورية الجديدة بمدريد.

والحق، فقد منحه البقاء في الأندلس فكرة نادرة، وهي أن دائرية الأرض لم تكتمل إلا بإبحار كولومبس (الأميركي الأول) إلى “العالم الجديد. ولكن من أين؟ من إسبانيا نصف مسيحية ونصف مسلمة ليغرز بيرقه على مرتفعات “العالم الجديد”، موهوما، حتى تلك اللحظة بأنه قد وصل الهند!

 

ا. د. محمد الدعمي

 

 

هناك فرق جوهري بين المؤرخ، وفيلسوف التاريخ. فالمؤرخ يرصد الاحداث، ويسجلها، وينقلها كما وقعت. مهمة المؤرخ الرصد والتسجيل والنقل. اما مهمة فيلسوف التاريخ فمختلفة، فليست مهمته ان يرصد الحوادث التاريخية، ويسجلها وينقلها لنا. مهمة فيلسوف التاريخ هي: ان يبحث في اعماق الحوادث والوقائع، ليكتشف القوانين التي تحكم هذه الظواهر.

وعلى ضوء هذا التحديد لمهمة المؤرخ، وفيلسوف التأريخ، نستطيع ان نصنف الطبري وابن الاثير والمسعودي بانهم مؤرخون، ولكنّنا لايمكننا تصنيف ابن خلدون في خانة هؤلاء المؤرخين؛ فهو فيلسوف حضارة، وعالم اجتماع، درس الحوادث، واكتشف السنن التي تحرك التاريخ، وتنشيء الدول، وعوامل سقوطها.

ابن خلدون فيلسوف تاريخ، وكذلك الامر مع المؤرخ الالماني فيشته، لم يكن مجرد مؤرخ يقرا التاريخ، ويسجّل وقائعه، بل كان يقرا خلفيات الحوادث التاريخية بعقلية الفيلسوف، ونلحط كل ذلك في كتابه (ملامح العصر الحاضر الاساسيّة)، والمسألة لاتختلف مع (شلنغ)، ومع الفيلسوف الالماني هيغل، الذي كتب في تاريخ الفلسفة كتابا اسماه (محاضرات في تاريخ الفلسفة)، وله كتاب تحدّث فيه عن فلسفة التاريخ، اسماه (فلسفة التاريخ). هؤلاء فلاسفة تاريخ، وليسوا مجرد مؤرخين رصدوا حوادث التأريخ ووقائعه. وكذلك الامر مع المؤرخ البريطاني (توينبي)، الذي عرف في قانونه (التحدي والاستجابة) في تفسيره لنشوء الحضارت وسقوطها. وفي هذا السياق نقرأ الماديّة التاريخية على انها فلسفة للتاريخ، لاتاريخا يرصد الحوادث؛ لانها محاولة لاكتشاف الوانين المحركة للتأريخ، سواء اتفقنا معها ام اختلفنا معها.

وفرنان بروديل لم يكن مؤرخا فحسب، بل كان واعيا للروح التي تحرك الحضارات، في حديثه عن دور الدين في الحضارة حيث يقول: (ان الدين هو السمة الاكثر قوة، اذ يتموقع في قلب الحضارات، وهو ماضيها وحاضرها). (برودويل، قواعد لغة الحضارات، ص 75).

وفي هذا الاتجاه يسير غوستاف لوبون في حديث عن المباديء التي تؤثر في الحضارة، يقول لوبون: (اهم المباديء التي تؤثر في الحضارة هي المباديء الدينيّة، واعظم حوادث التاريخ نشات من المعتقدات الدينيّة). (لوبون، السنن النفسيّة لتطور الامم، ص 157).

وهذا الاتجاه ينسجم مع النظرة القرانية للتاريخ، فالقران الكريم لايقدم لنا التاريخ معزولا عن السنن والقوانين التي تحركه، ولايقدم القصة معزولة عن العبرة، وخلاصة القول، نحن نحتاج الى فلاسفة تاريخ، يقرؤون خلفيات الاحداث، ويكتشفون قوانينها، اكثر من حاجتنا الى راصدين للحوادث التاريخية فقط، ولااريد ان اقلل من عمل المؤرخ في كلامي هذا. وفي الختام اختتم المقال ببعض الايات التي تشير الى السنن التي تحكم التاريخ:

(ان الله لايغيّر مابقوم حتى يغيّروا مابانفسهم). (الرعد: الاية: 11).

(سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا). الفتح: الاية: 23.

(قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين). ال عمران: الاية : 137.

 

زعيم الخيرالله

 

530 بازاجلياالسرياليون، أولئك الذين عاثوا في الحياة شغباً، بتوقهم للحرية بأوسع معانيها، بنفورهم الشديد من كل قانون وقاعدة وضعت يوماً لتفيد الإنسان، ثم صارت أشبه بحبل مشنقة يحرمه من تنفس هواء الحرية، إنهم هم من تناولوا في إحدى بياناتهم، المثيرة للجدل، في العام 1925 موضوعة مفصلية في حياة الإنسان المعاصر، كانت مندرجة في بيان موجه أصلاً لمدراء المصحات النفسية، كتبوه بلغة مباشرة، وفي غاية النبل والإنسانية، والذكاء الاجتماعي بكل جدارة. جاء في البيان قولهم: "غداً صباحاً، حين تزورون المرضى وتحاولون أن تتواصلوا مع هؤلاء البشر دون الاستعانة بأي معجم، تذكروا واعرفوا إنكم حين تقارنون أنفسكم بهم فأنتم ستبدون أرفع منزلة منهم، ولكن بناحية واحدة: النفوذ". إن السرياليين، برسالتهم هذه، يذكرون أطباء النفس إن المرضى النفسيين هم أولاً، وقبل أي شيء آخر، (بشر)، بل أن الأطباء الذين سمحوا لأنفسهم أن يمارسوا النفوذ على حرية المرضى هم الأدنى منزلة؛ لأنهم فضلوا التفرد بذلك (النفوذ) الظالم.

لم تحصل استجابة كبيرة لهذا البيان، فبالرغم من إن اندريه بريتون نفسه - أبرز مؤسسي السوريالية - كان طبيباً نفسياً إلا أن السورياليين لم يُؤخذوا على محمل الجد من قبل الأطباء، هذا إن لم يكونوا محل سخرية وتندر. وبقيت تلك الرسالة مهملة منذ منتصف عشرينات القرن العشرين حتى منتصف الستينات، حين جرى إحيائها من قبل أحد مدراء المصحات النفسية في ايطاليا، وهو فرانكو بازاجليا (1924-1980) الطبيب النفسي الايطالي الذي كان يعمل مع كادر صغير نسبياً - يضم زوجته - في إدارة إحدى المصحات.

أراد بازاجليا أن يقوم ببعض الإصلاحات، فأمر بالتخلص من القيود المستخدمة لتحديد حركة المرضى، وبالتخلص من الجدران والبوابات العالية للمصحة ومن القضبان التي تشبه قضبان السجون، ثم طلب من المرضى أن يعقدوا اجتماعات دورية يديرونها بأنفسهم، ويكون الحضور إليها بلا إكراه. كانت تلك الاجتماعات مخصصة لمناقشة أوضاعهم، وحال خدمات المصحة النفسية، كونهم هم المستفيدون من تلك الخدمات أصلاً، وبذلك نشأ ما سمي وقتها بـ (الطب النفسي الديمقراطي). ثم راحت أفكار بازاجليا تتطور شيئاً فشيئاً، إلى الحد الذي سمح فيه للمرضى بالخروج من المصحة في بعض الأحيان. ولنا أن نتصور أهمية هذا الفعل الأخير إن أخذنا بعين الاعتبار أن بعض المرضى كان قد قضى خمسين سنة داخل جدران المصحة بشكل دائم. وهنا كتب بازاجليا موضحاً كيف إن بعض المرضى انتابتهم الحيرة، للوهلة الأولى، بعد أن تيقنوا من أن في إمكانهم مغادرة المصحة النفسية بعد سنين من الرقود فيها، وها هو يقول حرفياً: "لقد دمرت المصحات حياتهم" وصار بازاجليا ينادي بإغلاق المصحات النفسية بشكلها القديم، وإستبدالها بردهات نفسية صغيرة ضمن المستشفيات العامة.

بازاجليا الثوري بطبعه - هو عضو في الحزب الشيوعي الإيطالي - ظل يحاول أن يسمع صوته فشارك في مؤتمر للطب النفسي في بريطانيا عام 1965، وقدم ورقة بحثية بعنوان مثير هو: (تدمير المصحة النفسية) ونجح وقتها في إثارة النقاش بين المختصين، ونشر كتاباً بعنوان (نكران المصحة) عام 1968 ليتكلم عن أفكاره وتجاربه.

بالطبع أن كثيرين قد عارضوا تلك الأفكار، إذ كيف يجوز في العرف الطبي الشائع والمتعارف عليه ترك المريض النفسي بلا قيود، أفلا يشكل ذلك صعوبة في السيطرة عليه؟ ألن يكون هناك أخطار تنتج عن خروج المرضى من المصحة؟ أخطار على الناس، وعلى المرضى أيضاً، بل إن تلك الفكرة في أن يعمل المرضى النفسيون اجتماعات يناقشون فيها حال المصحة تبدو فكرة غير واقعية بالمرة، إن لم تكن كوميدية أصلاً.

بقي نقاش هذه الأمور منحصراً بين المختصين فقط، فأراد بازاجليا وفريقه أن يُسمعوا أكبر عدد من الناس ما يريدون قوله، وأن يهزوا المشاعر بشكل أقوى فقاموا بدعوة مصورَين فوتوغرافيين لالتقاط صور للمرضى داخل ثلاث مصحات في ايطاليا ليوضحوا معاناة المرضى، وبالفعل صدرت تلك الصور في كتاب أسموه (أن تموت بسبب طبقتك الاجتماعية) نشر عام 1969 وكتب بازاجليا وزوجته تعليقات على الصور، وضمنوه كذلك بعض النصوص الأخرى في السياق ذاته. ثمة ملاحظة كتبها بازاجليا وزوجته على غلاف الكتاب، تحت عنوانه المثير، تقول ترجمتها: 

"إن المريض الذي يؤتمن في المصحة النفسية من أجل علاجه ينتهي إلى أن تنزع الإنسانية منه، وبالنهاية لا يعود موجوداً. إن القوانين تبتلعه فيذوب وجوده، إنه حالة قد انتهى أمرها تماماً. لقد جرى وصمه بطريقة يتعذر إلغاؤها، ولا يستطيع المريض بعد ذلك أن يمحي هذه العلامات التي تسمه، بوصفه (شيئاً) غير إنساني، ولم يعد المريض يستغيث، فانه فقد الأمل في الاستجابة".

 يكتب احد المصورين انه وزميلته حين دخلا في البدء للمصحة وأرادا تصوير المرضى قيل لهم إن عليهم أن يأخذوا الإذن من المرضى، وأن يشرحوا لهم سبب التصوير، فأحسا بالغرابة، فكيف للمريض النفسي أن يفهم طلبك في تصويره؟ لكن المصورين فوجئا أن المرضى يفهمون تماماً ما يقولانه لهم، بل ويساعدونهما فوق ذلك.

رفض بازاجليا الظهور في الصور، قائلاً انه لا يحب أن يبدو بـ(مظهر أبوي)، وشرع بالاتصال بمصحات أخرى، واستطاع إقناع إدارة مصحتين أخريتين لإجراء التصوير فيهما. وبعد أن تم التصوير، أقيم معرض لهذه الصور المأخوذة في المصحات الثلاث عام 1968، ثم راح هذا المعرض يتجول في المدن الإيطالية، قبل أن ينشر كتاب (أن تموت بسبب طبقتك الاجتماعية) في العام التالي بطبعته الأولى محتوياً على أغلب الصور مع نصوص مختارة.

لم تظهر في الكتاب الصور التي تمثل الإصلاحات التي قام بها بازاجليا، فقد ركز في التصوير على إبراز بؤس المرضى، وفقر الخدمات الموجهة لهم. لقد أريد لهذا الكتاب أن يكون صادماً وأن يظهر الانتهاكات التي كان مسموحاً باستمرارها لفترة طويلة. على أن بعضهم قد وجه انتقادات لهذا الكتاب، فحواها انه قد ركز على تصوير أسوء مظاهر المرضى النفسيين لخدمة أهداف من أنتجوه وليشكل دعاية لهم لا أكثر.

تكتب المصوًرة المشاركة في الكتاب عن تجربتها تلك قائلة: "أثناء العمل شعرت لأول مرة في حياتي بمحدودية كامرتي، فقد كان من المستحيل أن أوثق بشكل جيد تلك الحركات المكررة بشكل وسواسي، تلك الأصوات، تلك الصرخات.. لكن في الوقت نفسه فإن تأثير الصورة الجامدة هو أكثر من تأثير الصور المتحركة التي نشاهدها كل يوم من غير أن ندركها من على الشاشة الصغيرة".

كان النص الذي صاحب الصور في الكتاب مليئاً بأفكار بازاجليا الذي تأثر بمفكري الستينيات، ولا سيما بميشيل فوكو، وإرفن جوفمان، وفرانز فانون. فقد كتب بازاجليا في كتابه هذا عن معمار المستشفى وعن الاقفال والقضبان، والمرضى بصفتهم جزءا من (أثاث) المستشفى التي (يحكمها) الأطباء والممرضون. واحتوى على نصوص أخرى مثل رسالة السورياليين إلى مدراء المصحات، وختم الكتاب بنص استقالة الطبيب النفسي الفرنسي فرانز فانون من المصحة التي كان يعمل فيها في الجزائر إبان فترة الاحتلال الفرنسي احتجاجاً على سوء الخدمات. 

ولم تكن صفحات الكتاب مرقمة، ولم يكن له حقوق طبع في طبعاته الأولى، وكأن مؤلفيه يرفضون بذلك أي سلطة. كان كتاباً رافضاً غاضباً بامتياز، لسان حاله يقول: توقفوا!! هذا يجب أن ينتهي!! هذا غير مقبول!!

استخدمت التناقضات في الصور بذكاء واضح لتقوي من الرسالة المراد إيصالها، ففي إحدى الصور يظهر بوستر جراح القلب الشهير (كريستيان بارنارد) على الحائط مبتسماً عاقداً يديه على صدره، وقد برزت عبارة (اليدان المعجزتان) في إشارة إلى عمليات زراعة القلب التي كان هو رائدها، وتحت البوستر تجد ثلاث نساء حليقات الرأس ترتدي اثنتان منهما معاطف شبيهة بالبطانيات. يبدو أن ما تريد تلك الصورة قوله هو إن الطب الحديث بمعجزاته المثيرة لم يفعل شيئاً من اجل مساعدة هذه النسوة.

وتظهر التناقضات على مستوى آخر في الكتاب، ففي إحدى الصفحات نطالع صورة شباب أغنياء في حفل ما حول منضدة من الرخام ولوحات غالية الثمن معلقة على الجدران، بينما في الصفحة المقابلة لها نجد صورة مرضى في مصحة ممددين على الأرض حليقي الرؤوس، وبزي موحد. وصارت الصورة التي تمثل مريضاً حليق الشعر ماسكاً رأسه بين يديه رمزاً شهيراً لهذه الحركة الإصلاحية.

 وتمثلت أبرز أهداف هذه الحركة الإصلاحية في الطب النفسي في إدامة التواصل بين المريض والكادر الصحي بلا جدران وسلاسل، وأن تدمر الهرمية الصلبة للأدوار في المصحات النفسية، وأن ينهوا الصفة العقابية والقمعية للمصحة، واستطاعت هذه الحركة، بنشاطات روادها وبانضمام كوادر أخرى لهم، أن تؤثر في الرأي العام؛ فبعد تسع سنين تقريباً من ظهور كتاب (أن تموت بسبب طبقتك الاجتماعية) - أي في عام 1978- أقر البرلمان الإيطالي قانون الصحة النفسية والذي لم يكن من الممكن أن يأخذ له اسماً أفضل مما ظهر عليه، فكان أن عرف القانون باسم (قانون بازاجليا)، ومن بين ما نص عليه هذا القانون أن يجري التخلص من المصحات النفسية بشكل تدريجي، وأن يتم استبدالها بردهات الطب النفسي الأصغر حجماً التي تفتتح في المستشفيات العامة، وذلك بالضبط ما سعى له بازاجليا وجماعته، وأن يتم إجراء ذلك بخطوات تدريجية، بأن يمنع إدخال مرضى جدد لهذه المصحات، بشرط أن لا يتم إخراج المرضى من المصحات القديمة على نحو قسري، فقد احترمت رغبة بعض المرضى بأن يبقون راقدين فيها، فعولجوا فيها حتى العام 1998، حين أغلقت آخر مصحة نفسية في إيطاليا.

 بعد سنتين من تاريخ إقرار القانون الذي سمي باسمه، توفي فرانكو بازاجليا عن عمر 66 سنة، وبقيت زوجته التي صاحبته في رحلة الكفاح الطويلة تعمل في الميدان ذاته، بل أنها ترشحت للانتخابات البرلمانية في ايطاليا عن اليسار المستقل، وانتخبت عضواً في البرلمان لدورتين انتخابيتين (1984-1991)، وأثناء خدمتها البرلمانية ظلت تلح على ضرورة الاهتمام بالصحة النفسية، وبخدماتها وبأخلاقيات الطب وممارسته.

توفيت اونجارو عام 2005، لكن الايطاليين استمروا ليومنا هذا يفتخرون بان وطنهم  كان رائداً في إصلاح الطب النفسي، مشيدين بذكرى بازاجليا وزوجته وقوانين البرلمان التي حسنت من حال الخدمات النفسية.

بعد كل ما تقدم، لم يكن من المستغرب أن تلتفت السينما الإيطالية لهذا الطبيب النفسي العبقري، بشجاعته المهنية ونبله الإنساني، فخلدت حركته الإصلاحية بأفلام منها فلم (الظل الآخر) عام 2000، وفلم (يوماً ما كان هناك مدينة للمجانين) عام 2010، وحتى اللحظة لا تزال الصحافة الأوربية تشيد بقصة إصرار بازاجليا ومن معه.

ما هو عدد العرب الذين يجيدون الإيطالية ليتسنى لهم متابعة تلك الأفلام غير المترجمة للعربية للأسف، وإذا كان هذا حال الأفلام، فما بالك بالمشروع الأساس لـبازاجليا، المتمثل في كتبه التي تمت الإشارة إليها؟

متى ينهض أحد منا ليترجمها، أو حتى ليعرفنا بالكتب المهمة التي ألفتها زوجته أيضاً؟ لا أظن هذا اليوم قريباً؛ ذلك أن ما هو أبسط من هذا بكثير يبدو صعب المنال، فمن سيبحث في محركات البحث باللغة العربية في شبكة الانترنت لن يجد عن بازاجليا امرا كبير القيمة بحجم ما قدمه هذا الرجل الاستثنائي، في حين تعج مواقعنا الإلكترونية بهذر لا ينتهي.

 

سامي عادل البدري

 

حامد الحمدانيالمدرسة كما هو معروف هي تلك البيئة الصناعية التي أوجدها التطور الاجتماعي لكي تكمل الدور الذي مارسته الأسرة في تربية وإعداد أبنائها، ومدهم بالخبرات اللازمة لدخولهم معترك الحياة فيما بعد، فهي لذلك تعتبر الحلقة الوسطى والمهمة التي يمر بها الأطفال خلال مراحل نموهم ونضوجهم لكي يكونوا جاهزين للقيام بمسؤولياتهم في المجتمع مستعينين بما اكتسبوه من المهارات المختلفة والضرورية لتكيفهم السليم مع البيئة الاجتماعية الكبرى، ذلك لأن المدرسة ليس سوى مجتمع مصغر ومنزه، وخالي من جميع الشوائب التي تتعلق بالمجتمع الكبير لكي يتمرن فيها الأطفال على الحياة الفضلى، وعلى التعاون الاجتماعي، والإخلاص للجماعة وللوطن.

ولقد أصاب المفكر والمربي الكبير [جون ديوي] كبد الحقيقة عندما عرّف المدرسة بأنها [الحياة] أو أنها [النمو] أو أنها [التوجيه الاجتماعي] ورأى أن عملية التربية والتعليم ليست أعداد للمستقبل، بل إنها عملية الحياة نفسها، ودعا المربين إلى الاهتمام بثلاثة أمور هامة وضرورية لتربية النشء حددها بما يلي:

1 ـ تعاون البيت والمدرسة على التربية والتوجيه.

2ـ التوفيق بين أعمال الطفل الاجتماعية وأعمال المدرسة.

3ـ وجوب إحكام الرابطة بين المدرسة والأعمال الإنتاجية في البيئة.

ولقد أكد[ديوي] وجوب دراسة الطفل وميوله ورغباته، وضرورة جعلها أساساً في التعليم، كما أكد على التوجيه غير المباشر وغير الشخصي عن طريق الوسط الاجتماعي، وشدد على أهمية التفكير والتحليل، وفهم معنى الأشياء في حياة الطفل، وإتاحة الفرصة للأطفال لكي يجمعوا الحقائق ويرتبوها ويستنبطون منها النتائج ثم يمحصونها ويعرضونها على محك الاختبار حتى تنجلي وتظهر حقيقتها.

لقد قلب التطور الكبير لمفاهيم التربية والتعليم في عصرنا الحالي المفاهيم التي كانت سائدة فيما مضى رأساً على عقب، وبما يشبه الثورة في المفاهيم التربوية فبعد أن كانت المدرسة القديمة لا تهتم إلا بالدراسة النظرية وحشو أدمغة التلاميذ بما تتضمنه المناهج والكتب الدراسية لكي يؤدوا الامتحانات بها والتي لا تلبث أن تتبخر من ذاكرتهم، أصبحت التربية الحديثة ترتكز على وجوب اعتبار الطفل هو الذي تدور حول محوره نظم التعليم، وأصبح النظام في المدرسة يمثل الحياة الاجتماعية التي تتطلب المساهمة في الأعمال الاجتماعية، فالطفل لا يستطيع أن يكتسب عادات اجتماعية بغير الاشتغال في الأعمال الاجتماعية. والتربية في حقيقة الأمر هي عملية تكوين النزعات الأساسية الفكرية والعاطفية في الإنسان تلقاء الطبيعة، وتلقاء أخيه الإنسان.

ولقد صار لزاماً على المدرسة أن تشبع حاجة التلاميذ للأمن وتعطيهم الفرصة لإدراك وفهم أسرار العالم المادي، والعالم الاجتماعي، وتهيئة الفرصة لهم للتعبير الحر عن نزعاتهم المختلفة، التي تمكنهم من كسب المهارات العقلية، واللغوية والاجتماعية.

ولكي تؤدي المدرسة مهامها التربوية على وجه صحيح، كان لابد من ربطها بالمجتمع، وهو ما أخذت به المدرسة الحديثة، حيث أصبحت جزءً لا يتجزأ منه، لا تختلف عنه في شيء سوى كونها مجتمع مصغر، ومشذب، وخالي من الشوائب التي نجدها في المجتمع الكبير، وأصبح النظر إلى دور المدرسة في المجتمع هو النظر إلى الثقافة بمعناها الواسع، أي بآدابها وعلومها وفنونها وعاداتها وتقاليدها، بكافة نواحيها المادية والتكنيكية، وقد تطلّبَ ذلك إعادة بناء المدرسة بحيث تلعب دورين أساسيين في خدمة المجتمع الذي تنشأ فيه وهما:

1 ـ نقل التراث بعد تخليصه من الشوائب.

2 ـ إضافة ما ينبغي إضافته لكي يحافظ المجتمع على حياته أي بمعنى آخر تجديد المجتمع وتغييره وتطويره بشكل مستمر بما يحقق الخير والسعادة لبني الإنسان.

ولا بد لي أن أكد على سيادة مبدأ الديمقراطية في المدرسة، وفي الوسائل التربوية التي نعتمدها في الوصول إلى أهدافنا التربوية التي نسعى إليها ما دمنا نعتبر المدرسة هي الحياة وأنها صورة مصغرة من المجتمع.

كيف تستطيع المدرسة أداء مهامها:

لكي تستطيع المدرسة أداء مهامها التربوية على الوجه الأكمل يتطلب منها أن تراعي الأمور التالية:

1ـ ينبغي للمدرسة أن تكون المكان الذي يعيش فيه الأطفال عيشة حقيقية، ويكتسبون الخبرة الحياتية التي يجدون فيها ابتهاجاً ومعنى، وعليها أن تحول مركز الجاذبية فيها من المعلم والكتاب إلى الطفل وميوله وغرائزه وفعالياته بصورة مباشرة، فمهما يقال عما يدرسه الطفل من علوم وغيرها، فإن العملية التربوية الحقيقة لا يمكن أن تعطي ثمارها إذا لم يمارس التلميذ حياته فيها.

2 ـ ضرورة عدم تجاهل المدرسة لوضع الأطفال الفطري وميولهم، وأن تعمل على إشباع غرائزهم وصقلها بروح من المحبة والعطف والحنان لكي يحس الأطفال أنهم يعيشون الحياة حقاً داخل المدرسة، وأن أي أسلوب آخر في التعامل معهم، وخاصة أسلوب العقاب البدني، لا يؤدى إلا إلى عكس النتائج المرجوة.

3ـ ينبغي للمدرسة أن تسعى لأن يأتي الأطفال إليها بأجسامهم وعقولهم، ويغادرونها بعقل أغنى وأنضج، وجسم أصح، وهذا لا يتم بالطبع إلا إذا وجدوا في المدرسة ما يشبع ميولهم ورغباتهم، وتتاح لهم الفرصة لممارسة ما تعلموه من خبرات خارج المدرسة.

4ـ ينبغي للمدرسة أن تحول غرفة الصف إلى ورشة حقيقية يستطيع الأطفال من خلالها إشباع حاجاتهم وميولهم وتجعلهم جزء من المجتمع، ويتعلمون العيش المباشر، وتجهزهم بدافع حقيقي، وتعطيهم خبرة مباشرة، وتهيئ لهم الاتصال بالأمور الواقعية.

كما ينبغي تنظيم جلوس الأطفال داخل الصف بالشكل الذي يشعرهم أنهم يمارسون عملاً مشتركاً، ولا تقيدهم بالجلوس على الرحلات أو المقاعد الضيقة والمنعزلة التي تجعل الطفل يشعر بالملل والسأم ينتظر بفارغ الصبر نهاية الدرس والتحرر من مقعده الممل.

5ـ ينبغي إشراك أولياء أمور التلاميذ في إعداد الخطط التربوية، والاستعانة المستمرة بهم في معالجة وحل كل المشاكل التي تجابه أبنائهم، وأن تكون المدرسة على اتصال دائم بهم سواء عن طريق اللقاءات الشخصية، أو الاتصال الهاتفي أو عن طريق الرسائل، ذلك لآن الآباء والأمهات على معرفة كبيرة بكل ما يتعلق بسلوك أبنائهم، ويتمتعون بالخبرة في التعامل معهم. وفي الوقت نفسه تستطيع المدرسة أن تقدم لذوي الطلاب، أباء وأمهات، الكثير من الخبر والتجارب التي تعينهم على التعامل مع أبنائهم بشكل تربوي صحيح.

6ـ إن بناية المدرسة ذات تأثير بالغ على العملية التربوية والتعليمية، وعلى نفسية التلاميذ فالمدرسة بحاجة إلى صفوف دراسية واسعة، وذات تهوية جيدة وشبابيك واسعة تسمح بوصول الضوء بحرية، بالإضافة إلى الإنارة الكافية، وأن تكون مجهزة بكل ما يلزم من الأجهزة والأدوات الضرورية للعملية التربوية والتعليمية، كما أنها بحاجة إلى الساحات المناسبة للنشاطات الرياضية المختلفة، وقاعات للنشاطات الرياضية، والنشاطات اللاصفية من تمثيل وخطابة ورسم وحفلات وغيرها من النشاطات الأخرى، وكذلك الورش اللازمة لممارسة المهن التي يتدرب عليها التلاميذ، وينبغي أن تتخلل المباني المدرسية الحدائق الكافية كي تبعث نوعاً من البهجة والسرور في نفوس التلاميذ، ومن الضروري إشراكهم في زراعتها والعناية بها، وإتاحة الفرصة لهم بدراسة النباتات وأنواعها وتصنيفها، وسبل وقايتها من الأمراض التي قد تصيبها مما يحول هذا الجهد إلى دراسة حقيقية لعلم النبات نظرياً وعملياً، مما يرسخ الدرس في عقول التلاميذ .

وأخيراً ينبغي الاهتمام بتنظيم المقاعد والمناضد الدراسية بالشكل الذي يجعل العمل داخل الصف جماعياً فلا يشعر التلاميذ بالملل، ويتحول الصف إلى ورشة عمل ينهمك فيه التلاميذ بكل جد ونشاط وفي جوٍ يسوده التعاون فيما بينهم، وبإشراف معلمهم وتوجيهاته.

تعاون البيت والمدرسة:

ذكرنا فيما سبق أن البيت هو البيئة الاجتماعية الأولى للطفل التي يتعلم فيها الكثير من الخبرات التي تساعده على التكيف مع المجتمع الأكبر، حيث يلعب الآباء والأمهات دوراً كبيراً وأساسياً في تربية وتنشئة أبنائهم خلال السنوات الست الأولى من أعمارهم حيث ينتقل الأبناء إلى المدرسة التي تعتبر المرحلة الوسطى في حياتهم، والتي هي صورة مصغرة للمجتمع الكبير الخالي من الشوائب، حيث يكتسب الأبناء خلال مكوثهم في المدرسة الخبرات الحياتية التي تؤهلهم لممارسة عملهم في المجتمع الكبير على الوجه الأكمل.

ومن هذا المنطلق نستطيع أن نؤكد أن الدور الذي قام ويقوم به البيت تجاه الأبناء لا يمكن فصله عن دور المدرسة بهذا الخصوص، فكلاهما يكمل بعضه بعضاً.

ويستطيع الآباء والأمهات تقديم مساعدة قيمة للمدرسة في عملها التربوي بما يملكونه من الخبرات والتجارب التي اكتسبوها بتربية أبنائهم، كما يمكنهم الحصول على المزيد من الخبرات من المدرسة، وخاصة من خلال المتخصصين في معالجة المشاكل السلوكية للأطفال والمراهقين.

وبناء على ذلك فعلى المدرسة أن تهتم بالتواصل المستمر مع أولياء أمور التلاميذ سواء كان ذلك عن طريق مجالس الآباء والأمهات والمعلمين الدورية والمنتظمة وإجراء الاتصالات الشخصية المستمرة، والاتصالات الهاتفية، وإرسال الرسائل لكي يكون الآباء والأمهات على صله وثيقة بأحوال أبنائهم في المدرسة من الناحيتين السلوكية والدراسية، ولكي يعملوا مع إدارة ومعلمي المدرسة يداً بيد، على تذليل كل المصاعب التي تجابههم.

ولقد سبق و تحدثنا عن الأسرة وأنواعها، وظروف كل منها، والأساليب التربوية التي تتعامل بها مع أبنائها بشيء من التفصيل، وهو ما يمكن أن يقدم للمدرسة معلومات هامة وضرورية تساعدها على تفهم أحوال التلاميذ في البيت، وما يعانونه من مشاكل ومصاعب، وتأثيراتها على سلوك الأبناء، والوسائل الكفيلة بمعالجة السلوك المنحرف لديهم، فلا يكفي للمربي أن يتعرف على أحوال تلاميذه في المدرسة فقط، وإنما ينبغي التعرف على الظروف التي يعيشها التلميذ في البيت لكي يكوّن له صورة واضحة عن المشاكل التي يعاني منها داخل أسرته مما يسهّل عليه فهم الأسباب المؤدية للسلوك المنحرف لدى العديد من التلاميذ، وبالتالي إمكانية مجابهة تلك الانحرافات والتغلب عليها بأقل ما يمكن من الجهود والتضحيات

وهكذا نجد أن المدرسة لها الدور الأكبر في إعداد أبنائنا الإعداد الصحيح القائم على الأسس العلمية والتربوية القويمة و إن المهمة العظيمة والخطيرة الملقاة على عاتق المدرسة تتطلب الإعداد والتنظيم الدقيق والفعال للركائز التي تقوم عليها المدرسة والتي تتمثل فيما يلي:

1ـ إعداد الإدارة المدرسية.

2 ـ إعـداد المعلمـين.

3 ـ إعداد جهاز الأشراف التربوي.

4 ـ إعداد المناهج والكتب المدرسية.

5 ـ  نظام الامتحانات وأنواعها وأساليبها.

6 ـ تعاون البيت والمدرسة.

7 ـ الأبنية المدرسية وتجهيزاتها.

إن هذه الركائز جميعاً مترابطة مع بعضها البعض، وكل واحدة منها تكمل الأخرى، ويتوقف نجاح العملية التربوية والتعليمية في المدرسة على تلازم وتفاعل هذه الركائز ببعضها، وكلما توطدت وتعمقت حركة التفاعل هذه كلما استطاعت المدرسة تحقيق ما تصبو إليه من خلق جيل واعٍ، متسلح بسلاح العلم والمعرفة، وملتزم بالأخلاق والمثل الإنسانية العليا، وسأتناول في حلقات قادمة مسألة إعداد هذه المرتكزات بشيئ من التفصيل.

 

حامد الحمداني

 

صباح شاكر العكامعانى كثير من الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ من الاضطهاد الفكري والجسدي من قبل المتعصبين والمتشددين دينياً أو طائفياً أو قومياً والذي تجسد في ممارسة العنف ضد اصحاب الرأي المغاير لهم سواء كانوا افراداً او جماعات لإسكاتهم واقصائهم ليتسنى لهم نشر افكارهم وايديولوجيتهم دون أي معارضة، ولهذا كانوا يحاربون العقل والعلم والفكر، ويضطهدون كل من يعترض او يقترح او يفكر بالمناقشة والتساؤل والتغيير .

مورس الاضطهاد الجسدي والفكري عبر التاريخ ضد كل من له افكاراً وآراءً حرةً وجريئة من خلال تناولهم نقداً لموضوعات فلسفية او دينية وفق منهج اتخذ من العقل مرجعاً كمباحث وافكار ورؤى جديدة للمسائل المطروحة ضد كل ما هو جامد وتقليدي تجاوزه الزمان والمكان معبرين بذلك عن ضعفهم وعجزهم الفكري عن مسايرة قضايا الحياة ومستجداتها .

من ابرز الشخصيات العالمية التي مورس ضدها الاضطهاد:

1- غاليلو غاليلي: (1564م – 1642م)عالم فلكي وفيلسوف ايطالي نشر نظرية كوبرنيكوس(1) ودافع عنها والتي بينت ان الارض هي كوكب من كواكب المجموعة الشمسية تدور حول الشمس وليست مركز الكون واثبت خطأ نظرية ارسطو(2) بذلك . اتهم بالهرطقة من قبل الكنيسة وحوكم من قبل محاكم التفتيش وحكم عليه بالسجن ثم خفف الحكم الى الاقامة الجبرية ومنع كتاباته فاعتكف في بيته حتى وفاته .

2- انطوان لافوازييه: (1743م – 1794م) احد النبلاء الفرنسيين ويعد من اكبر علماء الكيمياء والاحياء والاقتصاد وهو اول من صاغ قانون حفظ المادة وتعرف على الاوكسجين وقام بتسميته ويعتبر ابو علم الكيمياء في العصر الحديث واثبت ان عملية التنفس هي عملية احتراق بطيئة للمواد العضوية بوجود اوكسجين الهواء، عندما قامت الثورة الفرنسية حوكم 24 شخصاً بضمنهم لافوازييه بتهمة ترطيب تبغ الجيش خلال عملهم في لجنة المعايير المترية فحكم عليهم بالإعدام عام 1794م وعندما طلب من القاضي تخفيف حكم الاعدام على لافوازييه لمكانته العلمية كان رد القاضي (ليس للجمهورية حاجة الى علماء) فاعدم لافوازييه وصودرت امواله .

3- سافونارولا: (1452م – 1498م) راهب ايطالي بدأ محاولاته اصلاح مدينة فلورنسا من خلال القاء خطب الوعظ الديني استدعاه البابا الكسندر السادس الى روما فرفض الذهاب اليها بحجة مرضه ولكنه استمر بإلقاء الخطب في فلورنسا فحوكم امام المحكمة الاكليريكية (3) فتم اعدامه حرقاً في فلورنسا لنقده اللاذع لرجال الدين والكنيسة .

4- جيوردانوبرنو: (1548م – 1600م) راهب وفيلسوف ايطالي تبنى نظرية كوبرنيكوس عن دوران الارض حول الشمس التي كانت محرمة من قبل رجال الدين والكنيسة الكاثوليكية فاتهم بالهرطقة فتم نفيه وعند عودته الى روما حكم عليه بالسجن ثمان سنوات ثم قطعوا لسانه واحرقوه بتهمة الكفر وبعد وفاته اعتبروه شهيداً للعلم وقاموا بنحت تمثال له .

5- فولتير: (1694م – 1778م) كاتب وفيلسوف فرنسي كتب الشعر والرواية والمسرح ويعتبر من اكبر كتاب عصر التنوير وكان من المدافعين عن الحريات المدنية وخاصة حرية العقيدة اشتهر بعدائه لتسلط الكنيسة الكاثوليكية اعتقل في سجن الباستيل ثم نفي الى انكلترا لمدة ثلاثة سنوات ثم عاد الى باريس وفي عام 1778م مرض فولتير وتوفي وبسبب انتقاده للكنيسة لم يسمح بدفنه وفق الطقوس الكاثوليكية وقد قام اصدقائه بدفنه سراً في احدى الكنائس الكبيرة .

6- جان جاك روسو: (1712م - 1778) كاتب وفيلسوف جنيفي يعد من اهم كتاب عصر العقل ساعدت فلسفته على قيام الثورة الفرنسية عام1789م عند اصداره لكتاب (إميل) الذي جاء فيه (اتبعوا مع النشئ الطريقة العكسية وهي ان يشعر النشئ بانه هو صاحب الاختيار فلا توجد استجابة وتكريس الا بالشعور بان المرء حراُ فيما يتعلمه هذا هو التكريس الحقيقي) وقد انتشرت طريقة روسو في تربية النشئ في مختلف الدول الاوربية . ولم يمضي اكثر من عشرين يوماً عل نشر كتاب (إميل) حتى حكم عليه برلمان باريس بالحرق ففر الى سويسرا وعند وصوله الى مدينة جنيف حكم مجلسها بمصادرة كتابين له فذهب الى انكلترا ثم عاد الى فرنسا التي توفي فيها .

اما من ابرز الشخصيات الاسلامية التي مورس ضدها الاضطهاد :

1- عبد الله بن المقفع: (724م – 759م) مفكر فارسي زرادشتي اعتنق السلام وعاصر الخلافتين الاموية والعباسية تعلم العربية ونقل من البهلوية(4) الى العربية (كليلة ودمنة) . عند وضعه (كتاب الامان) الذي جاء فيه (اذا اخل المنصور بشرط من شروط الامان كانت نساؤه طوالق وكان الناس في حل من بيعته) مما اغاض المنصور العباسي فقتل على يد والي البصرة سفيان بن معاوية الذي قيده واخذ يقطع جسده واكرهه على اكل لحمه مشوياً حتى مات ولم يتجاوز عمره ستة وثلاثون سنة .

2- الحلاج: (858م – 922م) هو الحسين بن منصور بن محمي وكان من المتصوفة ولد في قرية الطور في ارض فارس ونشأ في واسط وانتقل الى بغداد الذي درس على يد كبار مشايخها . كان الحلاج متصوفاً مبدعاً في معرفة الله مجاهداً ضد الظلم والطغيان وداعياً للتجديد وقد تجلى ذلك بكتابه (الطواسين) . حورب الحلاج من قبل التكفيريين والمتحجرين دينياً الذين عملوا على تكفيره ورميه بالسحر والشعوذة لأنه قال ان الانسان الذي يتمثل بأوامر الله وينفذها يكون قد التحم به واصبح مثالاً للخير المطلق وعلى اثر وشاية من وزير المقتدر بالله العباسي حامد بن العباس امر بإعدامه فقطعت ايديه وارجله وصلب ثم قطع رأسه وحرقت جثته .

3- ابي حيان التوحيدي: (922م – 1023م) فيلسوف متصوف واديب بارع من اعلام القرن الرابع الهجري عاش في بغداد معظم حياته . تعد شخصية ابو حيان مثيرة للجدل بسبب آرائه ومواقفه فقد اتهم بالضلالة والالحاد والزندقة من قبل بعض علماء زمانه مثل الحافظ الذهبي وأبو الفرج الاصفهاني وابن حجر العسقلاني لقوله بالتعطيل (النفي والانكار) وبسبب العسف الذي تعرض له رأى ان كتبه لم تنفعه فجمعها واحرقها بنفسه وهو في التسعين من العمر ولم يسلم منها الا ما نقل منها قبل الاحراق وبقي خائفاً من القتل بقية عمره .

4- ابن رشد: (1126م – 1198م)هو ابو الوليد محمد بن احمد بن رشد ولد في قرطبة في الاندلس وكان فيلسوفاً وطبيباً وفقيهاً وقاضي للقضاة . اشتهر ابن رشد بالفلسفة وكان من افضل فيلسوفاً انتجته الحضارة العربية والاسلامية فترجم مؤلفات ارسطو وهو مؤسس المذهب الحر الذي اعتبر الدين عقلاً وليس غريزةً . اتهم بالكفر والزندقة والخروج عن الملة لانتقاده كتاب (تهافت الفلاسفة) لابي حامد الغزالي بكتاب (تهافت التهافت) فامر خليفة الموحدين ابي يعقوب يوسف بتكفيره فحرقت كتبه في ساحة قرطبة وتم نفيه .

ان الاضطهاد الفكري الايديولوجي له نتائج هدامة لبنية المجتمعات وتاريخ البشرية فهم يمارسون الاضطهاد الفكري تحت اسم الدين ويحاربون المخالفين لهم بالرأي والعقيدة من قتل وتكفير وتهجير .

ان الاضطهاد بكل اشكاله الذي تعرض له الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ هو مقدمة طبيعية لفعل الفلسفة الفكرية المتطرفة التي تغذيه وتحوله من تنظير في الفكر الى تطبيق في الفعل والذي يعتبر من العوامل الرئيسية في الافعال اللاإنسانية التي يقوم بها المتطرفون من قتل وتهجير ضد المخالفين لهم .

 

صباح شاكر العكام

......................

الهوامش:

(1) نيكولاس كوبرنيكوس (1473م ـ 1543م) هو راهب وعالم رياضي وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها.

(2) ارسطو طاليس (384ق.م – 322ق.م)، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين والذي كان يرى أن الارض هي مركز الكون وأن الشمس والقمر وباقي الكواكب تدور حولها .

(3) المحكمة الالكريكية: محكمة كاثوليكية نشطت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، مهمتها اكتشاف مخالفي الكنيسة ومعاقبتهم وتعد "سلطة قضائية كنسية استثنائية"

(4) البهلوية: لغة فارسية استخدمت من القرن الثالث قبل الميلاد حتى القرن الثاني بعد الميلاد .

 

عبد الرضا حمد جاسمفي هذا الجزء والتاليات سأتطرق الى ما تطرق له الراحل الوردي بخصوص علاقة الخليفة الراشد الرابع الشيخ علي بن ابي طالب واتباعه حسب ما صنفهم الراحل الوردي بما أطلق عليه الراحل الوردي صفة الثورة / الانتفاضة / الفتنة / الحركة / المؤامرة / ثم اخيراً الحرب الشعواء...

عن الخليفة الراشد الرابع الشيخ علي بن ابي طالب كتب الوردي التالي:

1- في ص 24 وعاظ السلاطين / 1954 كتب الراحل علي الوردي التالي: [وصف علي ابن ابي طالب أقرباء عثمان والثائرين عليه وصفا حكيما حيث قال ما معناه: "استأثر هؤلاء فأساؤوا الأثرة وجزع أولئك فأساؤوا الجزع "ومعنى ذلك ان تلك الثورة كان لها دافعان: التطرف في الاستئثار من جانب الحكام والتطرف في الجزع من جانب الرعية] انتهى. (هذا المقطع لم يبين الوردي مصدره).

وفي ص 269 مهزلة العقل البشري / 1955 أي بعد سنة تقريباً صاغ الوردي عن نفس الموضوع صياغة أخرى حيث كتب التالي: ["وصف علي الثورة على عثمان وموقف عثمان منها فقال: "استأثر فأساء الأثرة وجزعتم فأسأتم الجزع. ولله حكم واقع في الجازع والمستأثر"] انتهى. (هذا المقطع نقله الوردي من محمد عبدة / نهج البلاغةج1ص72).

اقول: "في المقطع الأول": استأثر هؤلاء "يشير إليهم" ويقصد أقرباء عثمان وهم بنو امية وقريش فأساؤوا...وجزع أولئك "البعيدين ويقصد الثوار ومنهم "أبا ذر وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي طبعاً أي الملتفين حول علي كما يصفهم الوردي... وغيرهم" ...ويُبعد علي بن ابي طالب نفسه والخليفة الراشد الثالث عن الاستئثار والجزع والإساءة وقدم الوردي لهذا القول ب "وصفاً حكيماً" و"ما معناه".

 وفي المقطع الثاني الذي جاء بعد سنة على المقطع الأول والذي يجب ان يكون هو الادق ولَّمَحَ الوردي الى تلك الدقة من خلال عدم التقديم له ب"ما معناه" حيث قال: "وصف علي الثورة على عثمان وموقف عثمان منها ...الخ" واخرج أقرباء عثمان من الموضوع وحصر الامر بالخليفة الراشد الثالث الشيخ عثمان وموقفه من الثورة عليه أي أن من أستأثر وأساء الأثرة هو الخليفة ومن جزع وأساؤوا الجزع هم الثوار وأبعد نفسه عنهم. أعتقد ان الفرق كبير بين الصيغتين / المقطعين / القولين المنسوبين للخليفة الراشد الرابع الشيخ علي بن ابي طالب.

هنا يمكن ان تُطرح الأسئلة التالية: أيُ النصين / القولين هوالأصح / الأدق؟وكيف أجازالراحل الوردي لنفس هذا النقل"المتعدد"وهويتكلم عن موضوع حساس ودقيق يتعلق بالشيخ الراشد الرابع الخليفة علي بن ابي طالب وبمقتل الخليفة الراشد الثالث الشيخ عثمان بن عفان بتلك الصورة البشعة؟

اتهام الراشد الثالث بالاستئثار وإساءة الأثرة اهانة كبيرة سواء صح القول ام لم يصح...فالاستئثار هنا تعني خيانة يستحق فاعله التكفير.. وأنا لا أعتقد أن الراشد الرابع طرح مثل هذا الطرح حيث لا تسمح له مكانته ولا موقع الخليفة ومكانته ولا الظروف سواء كان القول قبل الواقعة ام بعدها ان يقول هذا القول...ربما قالهُ بصيغة المقطع الأول العمومية أي حصر الموضوع بين الثوار البعيدين عنه وبين أقرباء عثمان البعيدين عن عثمان اي بدون المساس بالخليفة.

الفرق بين القولين / المقطعين يدفعنا الى الاشارة لتناقضات الوردي وارتباكاته الكثيرة الكبيرة وعدم الدقة وعدم المتابعة التي تثير الاستغراب..

لقد حدد الوردي في المقطعين ان الثورة كانت ضد عثمان من خلال: "والثائرين عليه" و"الثورة على عثمان" لكنه ألغى ذلك في ص267 من نفس الكتاب / مهزلة العقل البشري1955 التالي: [إن من الخطأ أن نقول ان الثورة كانت موجهة ضد عثمان بالذات. انها كانت بالأحرى موجهة ضد قريش ولم يكن عثمان فيها إلا رمزاً. فقد اتخذته قريش شعاراً لها تتستر به واتخذه الثوار سبيلاً للانتقام من قريش] انتهى.

هذا ما استنتجه الوردي لكن هذا الاستنتاج اوقعه في اشكال وهو ان تشخيص الخليفة الراشد الرابع الذي اعتمده الوردي بصيغتيه "الثائرين علية والثورة على عثمان" خطأ والاشكال هنا ان عالم الاجتماع درس واقعة تاريخية كانت ولاتزال لها تأثيرات اجتماعية هائلة.

2- ضمن مسلسل التناقضات او عدم الدقة اليكم الحالة التالية عن "نفي / طرد" علي بن ابي طالب خارج المدينة من قبل الخليفة عثمان بن عفان: ففي ص110 وعاظ السلاطين / 1954 كتب التالي: [نفذ صبر عثمان أخيرا فأمر بنفي أبا ذر الى الربذة وأمر انْ لا يشَّيعه او يوَّدعه أحد والظاهر ان عليا لم يسمع بهذا المنع او لعله سمع به وتغافل عنه فخرج لتوديع ابي ذر بصحبة ولداه الحسن والحسين واخوه عقيل وابن أخيه عبد الله بن جعفر وكان مع هؤلاء في توديع أبا ذر رجل اخر غريب الاطوار أيضا  عمار بن ياسر. يُقال ان عثمان غضب على عمار بن ياسر لتوديعه أبا ذر فامر بنفيه أيضا فجاء علي بن ابي طالب الى عثمان يلومه في ذلك فهدده عثمان بنفيه إياه بالذات. عند ذلك جاء نفر من كبار الصحابة فلاموا عثمان وقالوا له: كلما غضبت على رجل نفيته فأن هذا الامر لا يسوغ" فكف عثمان عن علي وعن عمار] انتهى (هذا المقطع من كتاب طه حسين / الفتنة الكبرى ج1 ص165).

وحول نفس الموضوع وفي ص264 مهزلة العقل البشري 1955 يعني بعد حوالي سنة عن قوله الأول والمفروض ان يكون هذا القول هو الدقيق كتب التالي: [...كان الناقمون على عثمان يهتفون باسم علي المرة بعد المرة حتى اضطر عثمان الى ان يأمر عليا بالخروج من المدينة ليكف الناس عن الهتاف باسمه] انتهى. (هذا المقطع من عباس العقاد / عبقرية الامام ص74).

أقول: العجيب ان الخليفة عَلِمَ ان عمار بن ياسر قد ودَّعَ أبا ذر ولم يعلم ان علي وولديه واخوه عقيل وابن أخيه عبد الله بن جعفر قد شاركوا في التوديع...و العجيب ايضاً أن يقول الوردي "و الظاهر ان علياً لم يسمع بمنع الخليفة توديع أبا ذر" وكأنه يعيش في عالم آخر خلف المحيطات والغريب ايضاً ان من خرج مع علي أي ولديه وأخيه وابن أخيه ايضاً لم يسمعوا بالمنع الصادر عن الخليفة. والاغرب أكثران يشعر من يقرأ هذا القول ان لا مكانة لعلي بن ابي طالب عند الخليفة عثمان بحيث كف عن نفيه بعد تدخل نفر من الصحابة.

دققوا فيما ورد في المقطعين أعلاه لتجدوا كيف ان الراحل الوردي ينقل اقوال اويُصيغ اقوال متناقضة دون انتباه اوتفسير فأين "فهدده عثمان بنفيه إياه بالذات"أي مجرد تهديد كما في المقطع الأول من"حتى اضطر عثمان الى أن يأمر علياً بالخروج من المدينة" أي أمر بالنفي في المقطع الثاني؟

3- في ص201وعاظ السلاطين كتب الوردي: [يبدو ان عليا كان لا يهتم بطقوس الدين بقدر اهتمامه بالعدل ألاجتماعي ومما يؤثر عنه انه قال: "كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ وكم من قائم ليس له من قيامه الا السهر والعناء حبذا نوم الاكياس وافطارها"] انتهى ((المقطع من كتاب محمد عبده / نهج البلاغة ج3 ص185)).

أقول: قول الوردي هذا يريد به ان يقول بأن الخليفة الراشد الرابع الشيخ علي بن ابي طالب يهتم بالحالة الاجتماعية ويقدمها على العبادات لكنه حشر قولاً لا يدل على / لا يؤكد / لا يدعم ذلك...فما علاقة العدل الاجتماعي بالنص أعلاه" كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ ...الخ"؟ فالنص يمكن ان يعكس تذمر الخليفة الراشد الرابع الشيخ علي بن ابي طالب من زيف ايمان البعض وممارستهم العبادات شكلياً دون أن يدخل الايمان الى قلوبهم.

4- في ص174 وعاظ السلاطين كتب الوردي التالي: [والغريب ان عمار كان من بين السبأيين الوحيد الذي اعترف اعترافاً لا مواربة فيه: أنه قتل عثمان فقد سأله رجل ذات يوم: "يا أبا يقضان علام قتلتم عثمان؟ قال: "على شتم اعراضنا وضرب أبشارنا"]انتهى.((المقطع من الطبري / تاريخ الأمم والملوك ج5 ص187)).

 ثم يكمل الوردي بطرح رأيه بذلك القول "في نفس الصفحة" حيث كتب: [وهذه صراحة من عمار لم يتفوه بها أحد غيره فهو يعترف بقتل عثمان ولا يبالي بينما أنكر جميع من اشتركوا بقتل عثمان او حرضوا عليه. ومن الناس من حرض على عثمان أولا ثم خرج مطالب بدمه اخيراً كما هو معروف] ثم يكمل الوردي: [يبدو ان حدة عمار وسلامة قلبه وسذاجته جعلته يعترف بقتل عثمان دون اكتراث. وكان علي يلاحظ ذلك فيه فلا يكترث ايضاً. ولعل هذين الرجلين كانا مطمئنين من صحة الطريق الذي كانا سائرين فيه فهما لا يباليان ان يقول الناس عنهما ما يشاؤون ما داما مؤمنين بصحة عملهما]انتهى.

أقول: هذا القول تأكيد من الوردي على أن علي بن ابي طالب كان له دور بهذا الشكل او ذاك بقتل الخليفة الراشد الثالث الشيخ عثمان بن عفان. وإلا كيف لا يبالي باعتراف قاتل الخليفة؟ ويمكن ان يدل على انه كان شاهداً على أن الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان شتم اعراض المسلمين وضرب أبشارهم أو سمح بذلك؟ ثم كيف للخليفة الراشد الرابع علي بن ابي طالب أن لا يبالي أن يقول الناس عنه ما يشاؤون؟؟

5- في ص130 وعاظ السلاطين كتب [بعد ان تمت البيعة لعثمان استاء علي بن ابي طالب وقال مخاطبا ابن عوف " حبوته حبو دهر ليس هذا اول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبرا جميل والله المستعان على ما تصفون"] انتهى (المقطع نقله الوردي من عبد الحميد السحار / أهل البيت ص74).

في ص192 وعاظ السلاطين كتب: [والظاهر ان علي لم يتألم لفوات الخلافة منه على عهد ابي بكر وعمر. ولعل فواتها منه بعد عمر هو الذي أثار أشجانه وحز في قلبه وله الحق في ذلك.] وأكمل الوردي في نفس الصفحة: [كان علي يشعر في عهد عثمان بألم مضاعف سيما حين رأى قريشا تستغل ذلك العهد وتحاول ارجاع الأمور الى ادبارها] وأكمل في ص193 وعاظ: [وكان يؤيد علياً في هذا ثلاثة رجال  هم أبو ذر وعمار وسلمان الفارسي وهؤلاء كانوا يؤلفون تشكيلة غريبة في بابها. فكل واحد منهم كان ذا شخصية فذة غريبة الاطوار وكلهم كانوا يكرهون قريشا كرها شديدا. والغريب ان كل واحد من هؤلاء الفرسان الثلاثة انجذب الى الدين قبل ان يرى محمد او يسمع بخبره ثم رأيناهم في عهد عثمان يلتفون حول علي ويعلنوها حربا شعواء على قريش]انتهى.

أقول: هنا الراحل الوردي بعد ان على ما حصل ثورة / انتفاضة / فتنة / مؤامرة / جاء هنا ليقول عنها حرب شعواء...أعلنها الملتفين حول علي بن ابي طالب على قريش...ويقول رأيناهم...لا اعرف اين رأيناهم؟

 لو قال الوردي قرأنا عن ذلك / تأكد لنا ذلك / نُقل لنا ذلك...يمكن ان نقول ان ذلك مقبول لكن رأيناهم ...هذه مسألة أخرى تثير العجب على اقل تقدير في دقة ما كُتِبَ وكَتَبَ!!! وهذا المقطع يؤكد به الراحل الوردي على أن علي بن ابي طالب ومن معه "الملتفين حوله" "اتباعه" أعلنوها حرباً شعواء على قريش نتج عنها مقتل الخليفة الراشد الثالث الشيخ عثمان بن عفان بتلك الطريقة. والدليل عمار بن ياسر وهو أحد الملتفين حول علي بن ابي طالب اعترف بكل شجاعة من انه قتل عثمان كما نقل لنا الوردي. وفي ص 192 وعاظ السلاطين كتب الوردي: [وقد رأينا من قبل كيف كان أبو ذر يتزعم حركة الاعراب ضد عثمان بينما كان عمار وسلمان يتزعمان حركة الموالي والمستضعفين] انتهى

وابا ذر وعمار وسلمان هم قادة الملتفين حول علي ابن ابي طالب وهم من اعلن الحرب على قريش التي عاد هنا الوردي وحددها بأنها حرب على الخليفة الراشد الثالث الشيخ عثمان بن عفان ...هنا يسيء الوردي لما اسماها ثورة حيث تزعم أبا ذر حركة الاعراب ..."قالت الاعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا..." وتزعم عمار وسلمان حركة الموالي والمستضعفين...وهؤلاء فيهم من يحقد على الإسلام بسبب الفتوحات وما رافقها والكثير منهم لا يعرف من الإسلام الا حركات الصلاة وجوع الصيام..وهو يدرس حالة حصلت في بداية الإسلام او بداية تأسيس الدولة الإسلامية.

6- وكتب في ص146 وعاظ السلاطين نقلا عن الدكتور طه حسين / الفتنة الكبرى ج1ص214التالي: [يٌقال ان سعد بن ابي وقاص دخل على عثمان قبيل اللحظة المشؤومة فسمع منه ثم خرج مسترجعاً يطلب علياً حتى لقيه في المسجد فقال له: "هلم يا أبا الحسن! لقد جئتك بخبر ما جاء به أحداٌ أحد. ان خليفتك قد أعطى الرضا فاقبل فانصره واسبق الى الفضل في نصره". وبيناهما يتناجيان جاء الناعي بمقتل عثمان] انتهى

لكن الوردي عاد بعد سنة تقريباً ليصيغ الرواية بصياغة أخرى وقد أشار الى نفس المصدر "طه حسين / الفتنة الكبرى ج1ص214 حيث كتب في ص274مهزلة العقل البشري / 1955 عن قصة سعد ابن ابي وقاص: [يميل الدكتور طه حسين الى القول بان عثمان دعا سعد ابن ابي وقاص في اخر أيامه وكلفه بان يسفر بينه وبين علي ليكف الناس عن القتال على ان يرد الامر الى أصحاب الشورى ليضعوه حيث يشاؤون ولكنه قتل قبل ان ينجح سعد في سفارته] انتهى

اقول: المقطعين / النصين يشير الوردي الى انهما من كتاب الدكتور طه حسين / الفتنة الكبرى ج1ص214 كما مؤشر في الهامش في ص146 وعاظ السلاطين وفي ص274 مهزلة العقل البشري... هل يُعقل هذا؟

 ان المقطع / النص الأول يشير الى مسعى سعد ابن ابي وقاص حيث دخل على عثمان وتباحث معه ثم خرج يبحث عن علي فوجده في المسجد وعاد مع علي الى بيت الخليفة بعد ان وصلهم الناعي ولتأكيد الوردي على دقة هذه الرواية غير المعقولة اكمل الوردي في نفس الصفحة اي146 وعاظ السلاطين قول استله من كتاب عباس محمود العقاد / عبقرية الامام علي ص77 حيث كتب التالي: [وقد غضب علي حين سمع بمقتل عثمان واقبل على ولديه الحسن والحسين اذ كانا واقفين بباب عثمان يحرسانه فلطمهما معاتبا وقال: كيف قٌتِلَ امير المؤمنين وانتما على الباب؟ فقال طلحة وكان حاضراً: "لا تضرب يا أبا الحسن ولا تشتم ولا تلعن لو دفع مروان ما قتل"] انتهى

الحسن والحسين ولدي علي بن ابي طالب يحرسان عثمان ويأتي عمار بن ياسر المعروف بعلاقته القوية مع علي بن ابي طالب فيقتل الخليفة ولا يمنعانه. هذا الطرح يثير علامات استفهام كثيرة كان على الراحل الوردي طرحها وهو يحلل هذه الحادثة او هذا النص / المقطع. فمن يَحْرُسْ يُدافع عن "المحروس" ومن يهتم بما يجري ولا يريد إراقة الدماء لا يترك المكان ليذهب للمسجد وبالذات إذا كان بعض الثوار من اتباعه كما ورد. الذي يمكن ان نستخلص مما أورده الوردي ان الجميع يحيط بدار الخليفة"الاعراب بقيادة أبا ذرالغفاري والموالي والمستضعفين بقيادة عمار بن ياسر وسلمان الفارسي" فلا اعتقد ان احداً يهمه الإسلام وتهمة مصلحة المسلمين يترك محيط دار الخليفة وهو ملتهب ويذهب للمسجد. فهل يُعقل في تلك الظروف حيث يحيط الغوغاء / الثوار / المتآمرون بدار الخليفة ومصير الخليفة والخلافة والإسلام على شفى وعلي بن ابي طالب في المسجد وولديه لا يفعلان شيء لنصرة الخليفة وهما مكلفين كما يبدو / او يفهم من القول بحماية / حراسة الخليفة امير المؤمنين الطاعن بالسن؟ هل كان علياً معتكف في المسجد اعتراضاً على الخليفة وفي ذلك تحريض صريح وعدم تقدير للموقف حيث ربما تنفلت الأمور؟ أم انه مطمئن بأن ولديه سيؤديان الدور عنه في تهدئة العامة / الغوغاء / الثوار / المتآمرين وامتصاص امتعاضهم؟ أما كان بإمكان علي بن ابي طالب ان يدخل بيت الخليفة ويعزله رغماً عن قريش وحقناً للدماء واحتراماً لموقع الخلافة وتقديراً لشيبة الخليفة الطاعن في السن؟

ثم اين يقع المسجد عن بيت الخليفة بحيث احتاج سعد بن ابي وقاص كل هذا الوقت للقاء علي بن ابي طالب؟

هناك سعد بن ابي وقاص وهناك الحسن والحسين وهناك مروان ومن خلفه معاوية وهناك طلحة وهناك ابن عامر وهناك علي بن ابي طالب وغيرهم الكثير من اشراف القوم واسيادهم والصحابة والمؤمنين ولم ينقذوا اميرهم كمؤمنين؟؟ او لم يتخذوا قراراً بعزل الخليفة حقناً للدماء وحمايةً للإسلام والمسلمين رغم انها قد تشكل سابقة جديدة وخطيرة في الإسلام...لكنها اقل وقعاً وتأثيراً عن قتل الخليفة والتمثيل بجسده الطاهر بذلك الشكل وتلك الحالة وما جرته / ستجره على المسلمين...؟

السؤال هنا: لماذا لم يدافع أحد عن الخليفة؟ ولماذا لم يُصَّبْ أحد من المتواجدين حوله بسوء؟ بل لماذا لم يُقتل مروان وهو الذي اثار الكثير من الشكوك حول نفسه كما نقل لنا الوردي بعض الحكايات للدرجة التي وصل فيها الوردي للقول الجازم التالي: حيث كتب الوردي في ص140وعاظ السلاطين: [أني اتهم مروان بأنه كان السبب الأكبر في مقتل عثمان وأتهم معاوية بأنه هو الذي أوعز الى مروان بذلك] انتهى.

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

صادق السامرائيالطبيعة البشرية تدفع بالبشر الذي يتسلط على البشر إلى سفك الدماء وإنطلاق شهواته وشراهته لكنز المال، وهذه الإضطرابات الثلاثة هي القاسم المشترك في جميع السلطات منذ الأزل ولا تزال فاعلة في معظم السلطات القائمة في الأرض، إلا في بعض المجتمعات التي حاولت أن تضبط السلطة بدستور وقانون وبرلمانات ومجالس شيوخ، ومع هذا فأن الإنفلات يتحقق والنزوع نحو تأكيد الإضطراب قائم وفي أقوى الدوائر السلطوية.

والتأريخ يخبرنا عن ندرة الذين حكموا وتعففوا وزهدوا وإمتنعوا عن الإنفلات السلوكي والرغبوي، وهم الذين نتحدث عنهم أكثر من غيرهم ونضرب بهم الأمثال، وبأنهم لا يتكررون، لأن الإنتصار على النفس البشرية معضلة كبرى وهزيمة ماحقة سارية في البشر.

ولهذا تجد المجتمعات الخالية من الدساتير الوطنية المٌحكمة والقوانين الصارمة يتنامى فيها الفساد، والسلوكيات المنحرفة والإمتهانات والتفاعلات الرغبوية الصرفة، التي يهمها إرضاء الحاجات الآنية والفورية، مما يتسبب بتداعيات خطيرة في المجتمع.

ولا يمكن لأي دين أن يكبح جماح إنفلات الرغبات والشهوات عند ذوي السلطان بأنواعهم، لأنهم سيجدون في الدين ما يبرر نزقهم وتهورهم وإمعانهم بالتعبير عن الرغبات المطمورة فيهم.

والسر في ذلك أن السلطة مثل الخمر أو المخدرات تحرر الشخص من الرادع الذاتي أو الضابط الداخلي فينفلت ما فيه، لأنه يرى بأنه فوق كل شيئ وله كل شيئ وصاحب القدرة على فعل أي شيئ، فهو الآمر الناهي، والذي يقرر مصير البلاد والعباد.

وتلك محنة كبيرة وعاهة مريرة تدفع الشعوب والمجتمعات ثمنها باهضا وعظيما، لأنها تفقد قيمتها ودورها وتتحول إلى موجودات فاعلة وفقا لما تمليه رغبات المتسلط عليهم والقاضي بتقرير مصيرهم أنى يشاء.

وقد شهدت بعض مجتمعاتنا في القرن العشرين العديد من الذين تسلطوا، وإنفلتت شهواتهم وإنطلقت غرائزهم حتى أصابهم العماء وإنتهوا شر نهاية.

ومن هنا فأن الواقع السلوكي البشري بحاجة إلى روادع وضوابط، ولا فرق بين ما في البشر أيا كان مستواه في المسؤولية والسلطة، وقد وعت هذه الحقيقة المجتمعات المتقدمة، فأسست لأنظمة تشريعية وقانونية تضمن عدم إنفراد الأشخاص بالقوة، وأن تكون مراكز القوة متعددة ومتنوعة ومرهونة بإرادة الشعب المعبَّر عنها بهيئات تشريعية وتنفيذية متنوعة، عليها أن تتفاعل وتقبض على مصير البلاد والعباد ولا تدعه بقبضة شخص مفلوت الرغبات ومطلوق الشهوات.

فهل ستتبصر بعض المجتمعات وتعي ضرورة أن لا تسلم أمرها لفرد أو بضعة أفراد أو أحزاب وفئات؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

علي البصريملف المعاقين الذي تعرضنا له قبل ايام مع ملف الارامل والايتام يُعد من اهم واخطر الملفات التي ينبغي الاهتمام بها وايلاء هذه الشرائح اهمية قصوى من الرعاية والعطف والاهتمام، سيما وان ظروف البلد هي بحد ذاتها صعبة ومُعقدة، وهذه الشرائح في الاصل تُعاني وهي بحاجة الى رعاية خاصة، وبالتالي يقع على هذه الشرائح ضغط غير طبيعي، وهذا ما يُحتًم على الحكومة والمجتمع المساهمة في تخفيف معاناة هؤلاء الاحبًة.

هناك تقارير مُتضاربة حول عدد الايتام والارامل في العراق، وهذا التضارب ناشيء من عدم وجود مسح كامل لهذه الشرائح، بسبب الظروف السياسية والامنية التي مرً بها العراق خلال السنوات الاخيرة والتي منعت من اجراء تعداد سكاني في البلد، ومشروع البطاقة الوطنية لازال بطيئا وهو يحتاج لفترة ليست بالقليلة لانجازه، والذي سيخدم البلد كثيرا عند انجازه، سيما في التخطيط والامن ومكافحة الفساد وسواها من فوائد جمًة.

بعض التقارير المنشورة حول عدد الارامل والايتام من قبل بعض المنضمات المحلية والدولية او التقارير الاعلامية المختلفة، يبدو من وراءها خلفيات سياسية وكاحد ادوات الحرب الناعمة التي تُشن على العراق، وهي ادوات ضغط و تشوية لصورة البلد، وتقف خلف بعض الدراسات والتقارير ارادات منضمات ودول تحاول اثارة البلبلة واشاعة مخاوف مختلفة عند المجتمع العراقي، او من اجل الضغط على الحكومة العراقية لتحقيق مارب متعددة، فحتى المنضمات الارهابية استُخدمت في الحرب على العراق عندما استنفدت الوسائل الناعمة امكانياتها ولم تعد تحقق شيئا، فداعش مثال حي في هذا المجال، وماعادت خافية على الناس مثل هذه الوسائل والاساليب، فالسياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة والأداء السيء لها ساهم بصورة ما في خدمة هذه الجهات في الهجوم على البلد والنيل منه.

العراق خلال الاربعين سنة الاخيرة خاض حروبا عديدة، وتعرًض الى هجمة ارهابية كبيرة من قبل داعش والقاعدة ومن يقف خلفهم، ومن المؤكد ان الحروب تكلًف المجتمع كثيرا في مجال الخسائر البشرية والمادية،  وعدد الايتام والارامل سوف يكون كبيرا، لكن ليس بالاعداد التي تنشرها بعض المنظمات المُغرضة.

اليونسيف تدًعي ان هناك 5 ملايين يتيم بدون مأوى (1) ومن الوهلة الاولى يبدو ان هذا الرقم مبالغ فيه كثيرا، وقد نفت وزارة العمل العراقية الخبر وقالت انه مُبالغ فيه، في حين ان وزارة التخطيط صرًحت عام 2016 وعلى لسان الناطق الرسمي للوزارة عبدالزهرة الهنداوي ان عدد الارامل في العراق هو 850 الف ارملة، وان عدد الايتام المسجلين هو 600 الف يتيم عدا محافطتي الانبار ونينوى (2) ومن المؤكد ان اعداد الايتام والارامل اصبح الان اكثر، وخاصة اذا اضفنا له اعداد الايتام والارامل في محافظة الانبار ونينوى.

عدد الارامل التي افصحت عنه وزارة التخطيط يشمل الترمًل بالاسباب الطبيعية، اي اللاتي توفي ازواجهن نتيجة كبر السن او العوامل الطبيعية الاخرى، والترمًل نتيجة الحروب والارهاب وسواها، واما بالنسبة للايتام فان الجهاز المركزي للاحصاء التابع لوزارة التخطيط يُورد جدولا على موقعه الالكتروني (3) باسم مؤشرات المسح العنقودي المتعدد المؤشرات، فالجدول يُظهر ان نسبة الايتام – بسبب وفاة احد الوالدين – في عام 2006 هي 6% وان هذه النسبة اصبحت 5.2% عام 2011 والجدول الاحصائي يُظهر النسبة ولكنه لا يُظهر العدد، ولا ندري هل هذه النسبة تعني نسبة الى العدد الكلي لعدد سكان العراق، ام ان النسبة، نسبة الى عدد الاطفال في العراق؟ لكن بالعودة الى نشرات جهاز الاحصاء المركزي يمكن استخراج اعداد الايتام طبقا لعدد السكان، هذا اذا كانت النسبة نسبة الايتام طبقا لعدد السكان الكلي، فعدد سكان العراق في عام 2006 كان حوالي (4) 28.810.000 مليون فرد، وبما ان نسبة الايتام كانت 6% فان عدد الايتام سيكون بحدود 1.728.600 مليون يتيم، وطبقا لنفس الجدول فان عدد الايتام في عام 2011 سيصبح 1.733.576 مليون يتيم، باعتبار ان عدد سكان العراق في عام 2011 كان 33.380.000 مليون فرد، ولكن هذه الاعداد كما اشرنا اعلاه طبقا لفرضية نسبة الايتام الى العدد الكلي لنفوس العراق.

لم اطًلع على احصائية اخرى صادرة عن الجهاز المركزي للاحصاء بعد هذا الجدول - جدول مؤشرات المسح العنقودي المتعدد المؤشرات - يتطرق الى عدد الايتام او الارامل، وبالتالي لايمكن اعطاء رقم محدد عن عدد الايتام والارامل سوى ما تم ذكره اعلاه، اما بقية الارقام التي تُصدرها بعض منضمات المجتمع المدني او المنضمات الدولية هي مجرد دراسات لايمكن الثقة بها او الركون اليها، هذا اذا كانت الدراسات حيادية ولا يُراد منها اشياء اخرى، فما بالنا اذن بالدراسات المُفبركة والمُغرضة !! لأن الدراسات عموما تعتمد على اخذ عيًنة من المجتمع ومن ثم تُعمم الدراسة على كامل المجتمع، لكنً دقة مثل هذه الدراسات لايمكن الوثوق بها لاسباب عديدة منها: ما مدى دقة العيًنة، وما مدى عدم وجود تحيز في اخذ العيًنة، ثم هل العيًنة شملت الحضر والريف مثلا، وهل شملت العيًنة كل مدن ومحافظات العراق، ام انها شملت بعض المحافظات، وكم هو مقدار العيًنة؟ فكلما كانت العيًنة كبيرة كانت النتائج اقرب للواقع، وايضا من الذي قام بعملية اخذ العيًنة؟ وهل كان مختصا في المجال الاحصائي؟ وكيف اختار عيًنته، ومن قام باجراء الدراسة وهل لديه معرفة باجراء مثل هذه الدراسات؟ والامر ايضا يتعلق بالاشخاص الذين تم اجراء الدراسة عليهم، اي عيًنة البحث، فهل اجاب هؤلاء الاشخاص بصورة دقيقة على الاسئلة المُوجًهة لهم؟ وهل كانوا صادقين في اجاباتهم؟ الى الكثير الكثير من الاسئلة المتعلقة بهذا الامر، وبالتالي فان مثل هذه الدراسات لايمكن التعويل عليها، حتى وان اُجريت بحرفيًة، باعتبار ان المسح الميداني هو الذي يُعطي ارقام قريبة من الواقع في مثل هذه الاحصائيات، وبالتالي لايمكن الوثوق بما طرحته بعض دراسات المنضمات العراقية او الدولية.

اسباب اليُتم والترمل:

هناك اسباب عديدة لليُتم والترمًل في العراق، ويمكن ادراج اهم الاسباب وهي الاتي:

1- الحروب والنزاعات المختلفة، والعراق دخل اكثر من حرب ونزاع داخلي وخارجي، وهذه الحروب تركت الكثير من الايتام والارامل.

2-الكوارث الطبيعية والامراض، والعراق بسبب الحروب وبعض المواد المسرطنة كاليورانيوم المُنضًب

تعرًض ابناءه للكثير من الامراض السرطانية وبعض الامراض المُزمنة، مما ادى الى وفاة بعض الوالدين وبالتالي انتجت هذه الحالة ايتام وارامل اكثر من الاعداد الطبيعية.

3- تلوث البيئة هو الاخر انتج لنا امراض وبالتالي خلًفت ايتام وارامل.

4- الحوادث المرورية والحوادث الاخرى انتجت هي الاخرى ايتام وارامل.

5- دكتاتورية النظام السابق واحكام الاعدام والتغييب القسري، انتجت جيشا من الارامل والايتام.

6- الاعمال الارهابية والتفجيرات والاعمال العسكرية للاحتلال خلًفت الكثير من الايتام والارامل.

هذه تقريبا اهم اسباب اليُتم والترمل في العراق والتي جعلت اعداد هذه الشريحة اكبر من العدد الطبيعي لهم في بقية الدول والمجتمعات الاخرى.

ماذا يُخلًف اليُتم والترمل:

الحالة الطبيعية هي ان يعيش الطفل في كنف والديه، فيحس ويشعر بالامن والعطف والدفء والحنان، لكنً فقدان احد الابوين سيسبب نقصا وخللا عند الاطفال في هذا الجانب، وهؤلاء الاطفال الايتام بحاجة الى رعاية اكبر لتعويض مافقدوه من عطف وحنان واهتمام، ويسبًب فقدان الاب - كما هو عليه في العراق – الى فقدان المُعيل الذي يصرف على عائلته، سيما اذا كانت الام لاتعمل، وسيما ايضا اذا كان الاب المُعيل لايعمل في القطاع العام، ففي هذه الحالة ستكون العائلة الفاقدة لمُعيلها وضعها الاقتصادي والمعاشي صعبا جدا، وستنقلب الحالة الُمستقرة للعائلة راسا على عقب، وربما تضطر الحالة العائلة الى الاعتماد على الاطفال في كسب لقمة عيشها، وهذه الحالة تستبطن امور عديدة منها ترك الاطفال للمدرسة، والامر الاخر هو دخول هؤلاء الاطفال والصبية ميدان العمل وهم صغار في العمر، وبيئة العمل الجديدة قد تؤثر على الاطفال وعلى اخلاقياتهم وربما تساهم في انحرافهم، وربما يتم استغلالهم حتى في امور ممنوعة كما حصل في العراق من حيث التغرير بهؤلاء الاطفال في تجارة المخدرات والاعمال الارهابية. المهم ان كثرة عدد الايتام وانتقالهم الى العمل وترك الدراسة سيخلًف جيشا من الاميين وغير المتعلمين وهذه لوحدها خسارة كبيرة جدا للمجتمع وللبلد.

فقدان رب العائلة بسبب الموت الطبيعي او بسبب المعارك والارهاب او غيرها من اسباب يؤدي الى يُتم الاطفال والى ترمًل الزوجة، التي ستتحمل مسؤولية ادارة امور العائلة والصرف عليها، فهي في حالة نفسية صعبة بسبب فقدها لزوجها، وتزداد الامور صعوبة عندما تواجه الزوجة الحالة المعاشية وظروفها الصعبة في بلد يعاني من مشاكل عديدة كالعراق مثلا، وبالتالي مثل هذه العوائل، عوائل الايتام والارامل بحاجة الى عناية ومساعدة الدولة اولا، وثانيا مساعدة المجتمع، فمجتمعاتنا كانت تُضرب بها الامثال فيما يخص المساعدة والايثار، لكنً مثل هذه الاخلاقيات والقيم تراجعت وبرزت قيم جديدة لا تمتُ لمجتمعنا بصلة ملئها العنف والغش والرشوة ووو... ونحن بحاجة لمراجعة انفسنا وتصحيح كل الاخلاقيات والقيم الدخيلة علينا، وهذا واجب كل انسان. لسنا بصدد التوسع في مجال ماذا يُخلف اليتم والترمًل فهو ليس من تخصصنا وهو بحاجة الى بحث دقيق وخاص، فنحن احببنا تنبيه مجتمعنا والحكومة الى خطورة هذا الملف على المجتمع اذا ما تُرك دون معالجة.

بعض المؤشرات:

في تقرير للجهاز المركزي للاحصاء (5)  للاعوام 2010-2016 حول عدد المستفيدين من اعانات الرعاية الاجتماعية يُظهر عدد النساء اللاتي يستلمنً هذه الاعانات، فالتقرير يُبيًن وجود 413.571 الف امرأة في المحافظات العراقية عدا اقليم كردستان عام 2016، وهذا العدد يُبيًن وبصورة تقريبية عدد النساء الارامل والمطلقات والمحتاجات للاعانة الاجتماعية، وبالتالي يمكن القول ان عدد الارامل هو بحدود 400.000 الف ارملة، وربما اكثر او اقل من ذلك، وهذا يعني ان هناك اعداد كبيرة بحاجة الى المساعدة والرعاية، وينبغي ان تُدرس هذه الحالات بصورة جديًة وايجاد الحلول الجذرية لهذه المشاكل. ضمن هذا الرقم، اقصد رقم اعداد النساء اللاتي يستلمنً اعانة اجتماعية، توجد نساء مُطلقات، فاعداد المُطلقات بدأ يرتفع في السنين الاخيرة، بالاضافة الى تعدد الزوجات، حيث هناك الكثير ممن تزوًج وترك عائلته القديمة دون رعاية او اعانة، مما اضطر النساء والاطفال العمل او طلب المساعدة من الدولة، وهذا الامر هو الاخر بحاجة الى دراسة ومعالجة، فالقيم والعادات الجديدة والتي تُشجع الزواج وتعدد الزوجات دون اي محدد او مجوز قانوني او شرعي هي التي ترتكب هذه الخطيئة وتدمًر العائلة العراقية والمجتمع العراقي، فينبغي تفعيل القانون واشاعة الثقافة الصحيحة التي تخدم الانسانية وبناء الاسرة السليمة والحفاظ عليها.

الجدول التالي رقم (1) يبين عدد المُستفيدين والمُستفيدات من اعانات الرعاية الاجتماعية: 

522 ارامل

شكل رقم (1)

الشكل رقم 1 يُبين ان عدد المستفيدات من الاعانة كان عام 2013 اكبر من السنوات الاخرى حيث كان بحدود 471318 الف امرأة وكان اقل عدد مستفيدات من الاعانة الاجتماعية كان في سنة 2011.

من المؤشرات التي لفتت انتباهي (6) والتي يمكن ان نؤسس عليها هو ان الملتحقين بالتعليم الابتدائي عام 2011 هو 89.1% من الاعداد المقبولة في العراق وللجنسين، ولكنً هذه النسبة تهبط كثيرا بالنسبة للمُلتحقين بالتعليم الثانوي لتصل الى 52.2 % من الاعداد المقبولة  في العراق وللجنسين، وهذا يعني ان ضغط البيئة والظروف المعاشية هي التي تُجبر الصبيان والاطفال الى ترك الدراسة والاتجاه الى العمل، وربما اليُتم هو الذي يُجبر العوائل الى الدفع بابناءها للعمل وترك الدراسة، وينبغي ان نعلم انً هذه الاحصائية لعام 2011، وايضا ينبغي الانتباه الى ان تاركي الدراسة هم بمئات الالاف، فعدد طلاب الابتدائية عام 2011 كان 5.124.257 مليون طالب مقبول، ولم يلتحق منهم الا 4.565.713 مليون طالب، اي ان عدد المُتسرًبين من طلاب الابتدائية هو 558.544 الف طالب، وسيكون عدد المتسربين من طلاب الثانوية اكثر من هذا العدد باعتبار ان نسبة الممتنعين عن الدراسة اكبر من نسبة طلاب الابتدائية، وهذه البيانات طبقا للمجموعة الاحصائية لعام 2017 صفحة 332 جدول 9/3 وبالتالي فان عدد المتسربين حاليا اي في عام 2018 سيكون كبيرا وبمئات الالاف كما قلنا قبل قليل.

الحلول المقترحة:

يمكن ادراج الحلول التالية من اجل تخفيف الظروف والمشاكل الصعبة التي يتعرًض لها الايتام والارامل بالاقتراحات التالية:

1- نحن بحاجة الى تحديد وحصر اعداد هذه الشريحة اولا وبصورة دقيقة من خلال مشروع البطاقة الوطنية والتي ستضم معلومات عديدة، وحاليا يمكن الاعتماد على معلومات الرعاية الاجتماعية وعلى البطاقة التموينية، وربما من خلال المدارس التي تجمع معلومات عن الطلاب او يمكن الاعتماد على اي طريقة اخرى نحصل فيها على ارقام تقريبية لاعداد هذه الشريحة.

2- تقديم عوائل الايتام والارامل والمعاقين على باقي الشرائح فيما يخص اعانات الرعاية الاجتماعية.

3- ارجاع الاطفال الايتام المنقطعين عن المدارس، من خلال تشجيعهم بوضع شرط تشجيعي يتمثل باعطائهم اعانات اجتماعية اذا ماعادوا للدراسة.

4- ينبغي زيادة مبلغ الاعانة المُعطى لشرائح الايتام والارامل والمعاقين، بحيث يكون قريبا من الواقع الحالي وبما يكفي ان يعيشوا عيشة مقبولة.

5- تعاون الدولة مع المنظمات العالمية ومع المنظمات الاهلية التي تهتم بالطفولة من اجل تخفيف معاناة هذه الشرائح.

6- ينبغي على المجتمع – سيما المغتربين منهم -  بكافة شرائحه المبادرة بالتبرع والمشاركة في تخفيف معاناة هذه الشرائح بأي صورة كانت.

7- انشاء صندوق خاص بالايتام والارامل من اجل دعم هذه الشرائح وهذه العوائل.

8- يمكن تعليم الارامل بعض المهن التي تعيلهم، ولاباس من تقديم قروض لفتح ورشات صغيرة لكي تُعيل هذه العوائل نفسها منها.

9- يمكن رصد نسبة معينة من فرص العمل الشاغرة لهذه الشرائح من اجل تعيينهم.

10- اتذكر في تسعينيات القرن الماضي كانت هناك مبادرة ممتازة في الدنمارك والسويد، تتمثل باعانة العوائل المُحتاجة من خلال عمل ملفات للعوائل المُحتاجة، وتزويد الناس الذين يريدون اعالة واعانة المحتاجين بملفاتهم، ومن ثم الاتصال بهذه العوائل - من قبل الراغبين بتقديم المساعدة - مباشرة دون اي وسيط، وبالتالي لاتحدث اي عملية فساد او استغلال، وهذه المبادرة ممتازة جدا ويمكن احيائها الان في كافة الدول الاخرى وفي الداخل العراقي ايضا.

نتمنى ان تباشر الحكومة وكل الجهات الخيًرة في تخفيف الاعباء المُلقاة على عاتق هذه الشرائح المسكينة، لأن هذه الملفات خطيرة ولايمكن تركها دون حل، فالمشاكل بدأت تتكاثر في العراق سنة بعد اخرى والحالة تسوء اكثر فاكثر، بسبب غياب المعالجة.

 

علي البصري

.......................

.[1].يمكن الاطلاع على هذه المعلومات من خلال الموقع التالي الذي اورد الخبر:

https://www.aljournal.com/%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-   %D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%89-   %D8%A7%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A7%D8%AA-   %D8%A7%D9%85%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B4/

[2] يمكن الاطلاع على الخبر التالي:

http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/iraq/270720166

كذلك يمكن الاطلاع على التقرير التلفزيوني لقناة السومرية وعلى العنوان الالكتروني التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=3h6P0tO9sF4

3-يمكن الاطلاع على الجدول من خلال موقع الجهاز المركزي للاحصاء وعلى العنوان الالكتروني التالي:

http://cosit.gov.iq/ar/2013-02-25-07-38-44

4-يمكن الاطلاع على المجموعة الاحصائية الصادرة عن جهاز الاحصاء، والموجودة على الموقع الالكتروني لجهاز الاحصاء المركزي التالي:

http://cosit.gov.iq/AAS2017/Annual%20Abstract%20of%20Statistic%20_2017.pdf

ففي جدول 2/1 وصفحة 47 سنجد عدد سكان العراق للاعوام 1985 وحتى 2018.

5- يمكن الاطلاع على احصائية الجهاز المركزي للاحصاء، والذي يُظهر عدد المُستفيدين من اعانات الرعاية الاجتماعية وعلى العنوان الالكتروني التالي، صفحة 31 شكل رقم 10:

http://cosit.gov.iq/documents/Human%20Development/sustainable%20development/fullreport/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D9%86%D8%AD%D9%88%20%D8%AA%D9%85%D9%83%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%81%D8%B6%D9%84%202017.pdf

6- يمكن الرجوع الى الاحصائية التالية، صفحة 14 وعلى العنوان الالكتروني التالي:

http://cosit.gov.iq/documents/Human%20Development/gender/fullreports/%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D9%84%202012.pdf

 

عبد الاله الصائغأبو طبر: كتبت وكتب سواي عن ظاهرة اللبس التي ترافق الانسان في قوله وفعله وفكره وسعيت الي تحصين الانسان السوي لدرء مساوئها ! وهدفي الأهم هو تجفيف منابع الارهاب الذي بات واقعا مفزعاً بحيث خرب وقتل وهجر وسرق واغتصب وصنع قواعد له وحواضن بوسائل مغايرة وحصول ذلك كان نتيجة طبيعية لشيوع سلطات الخرافة والقبيلة والمناطقية والمذهبية والاسلام السياسي.. الخ ! والمعول في خلاصنا مما حاق بنا على العقل والوعي والإعلام والمناهج المدرسية والتربوية والمروءة وخبرات ذوي الخبرة . واقدر جهود متخصصين كتبوا محللين ظاهرة الارهاب وإن شابت كتابات بعضهم العجلة والشخصنة !ولكن لاينبغي تجاهل مستجدات كثيرة استطاع الارهاب الملتبس اختراقها مثل التواصل الاجتماعي و التقاليد الديموقراطية والقائمة طويلة ونؤكد على ان ابتكار التسويغات التي لاتربط المعلول بالعلة ولاتقرن النتيجة بالسبب انما ذلك باب وسيع لسلطان اللبس والارهاب شيء منه وكل تشدد إرهاب.

ووعدنا في القسم الثاني على ان يتوفر القسم الثالث بحياد تام ظاهرة ابو طبر العراقي بوصفه ثمرة شيطانية للبس بين الافعال والاقوال والمحكومين والحكام ولن نضع العربة امام الحصان بل سنضع الشواهد بين عيني القاريء الكريم ومروءته وله ان يستخلص الحكم بنفسه وذلك ما سعينا اليه في الاقسام الثلاثة من بحثنا في الارهاب قبالة أمن اللبس:

المبتدأ

دكتور حميد عبد الله مقدم برنامج شهادات خاصة قناة الفلوجة العراقية تاريخ الشرطة العراقية وتفاصيل قضية أبو طبَر مع اللواء أكرم المشهداني القسم الثاني

https://www.youtube.com/watch?v=pYfXCoMnoas

دكتور حميد عبد الله مقدم برنامج شهادات خاصة قناة الفلوجة الفضائية / حلقة خاصة القسم الأول بعنوان لقاء مع اللواء اكرم المشهداني الباحث في تاريخ الشرطة العراقية نقلا عن اليوتوب

https://www.youtube.com/watch?v=NYkAcQO3rOQ

 

لقاء نادر مع اخطر مجرم في تاريخ بغداد (ابو طبر) نقلا عن موقع العراق للاعلام IQGMلم يذكر الموقع اسم ناقل اللقاء (!!) وهذا خلل

http://iqgm.blogspot.com/2012/01/blog-post_549.html

http://3.bp.blogspot.com/-4xt3hzrmv-c/Tl9peLxx3JI/AAAAAAAAAFM/Mlrz7JzEzRs/s1600/301531_276171875743310_269586203068544_1224963_2046328_n.jpg

سؤالات على متن ابو طبر / هل يعقل ان وثيقة رسمية لايرقى اليها الشك لم تنشر عن ابو طبر حتى الآن؟ من نحو كتاب رسمي من دائرة الشرطة او الامن او قصاصات من صحف ذلك الزمان او فيلم تلفازي او سينمي وثائقيين؟ واين هي البحوث السايكولوجية والاجتماعية والاطاريح الجامعية؟!

مر بنا في القسمين الأول والثاني أن نظرية أمن اللبس تساوي حيوات البشر بكل تفاصيلها ولذلك فهي لن تكون حكراً على اللغويين بسبب من كونها اطروحة المنهج العقلي وما يشتمل عليه من مؤرخين وجغرافيين واقتصاديين وقانونيين ومحققين جنائيين وخبراء لغة الجسد .... ومسوغ تلبثنا عند الجانب اللغوي فذلك لقربه من النظر الدلالي السيمانتيكي وبمعنى ثان النظر الفلسفي ! ان الإلتباس بين المعاني والاشكال والظواهر والمسوغات هو المسؤول الأوحد عن كل مصائبنا نحن البشر وبخاصة العربسلاميين وبأخص الخصوص العراقيين ! وكنا وعدنا القاريء الكريم بفتح ملف (أبو طبر) فهو ملف ملتبس من الجلد الى الجلد ! وكنت قد كتبت مقالتين بعنوان (ابو طبر ظاهرة واحدة وقراءات متعددة) وقد ناقشني كتاب مهمون لهم صلتهم المباشرة او غير المباشرة بأبو طبر، فمنهم من ضغط على وجهة نظري ومنهم من رفضها كلا او بعضا !

قارن مثلا موقع سطور فهو مازال قائما ومازالت مقالتي مدرجة فيه

موقع النخلة والجيران اشراف الجنرال باسم الدهيمي والفنانة هديل كامل وكان الموقع يتضمن اهم مقالاتي ولكن الدهيمي استشهد واقفل الموقع مع الاسف .

رسائل من حشاشة الأيام

بروفسورنا الغالي الدكتور عبد الاله الصائغ رعاه الله

شكرا لمداخلتكم، ليس دفاعا اطلاقا عن الاستاذ الدكتور اكرم المشهداني فهو مختص في عالم الجريمة والامور الجنائية وهو شخصيا عاش فصول تلك الحادثة بتفاصيلها ياريت لو تتفضل وتشخص تلك الامور وعلى مهلكم شكرا مرة اخرى

تلميذكم جلال چرمكا / موقع مجالس حمدان

استاذي الفاضل بروف د. عبد الاله الصائغ تحياتي انا بانتظار الحقائق التي يمتلكها قلمكم لنتناقش حولها بالطريقة التي يراها البروفسور مناسبة وانا احترم اراء الجميع في اطار النقاش المحترم دون تجريح

الدكتور اكرم المشهداني

السابع عشر من جولاي 2011

استاذي الفاضل البروفسور دكتور عبد الاله الصائغ تشرفت بقراءة ردك المعنون (ابو طبر بالون اختبار صدامي بامتياز يمكن اعادة انتاجه) على مقالتي المنشورة في مجالس حمدان ويسرني هذا الجهد والعناء الذي بذله استاذ بمنزلتكم في صياغة الرد والتعقيب والاهتمام بمقالة كتبتها من خلال تجربة شخصية ومن خلال معايشتي للحوادث وقربي منها وكلينا متفقان على انها حوادث جنائية (والحمد لله) ولكن موضوع انها بالونات اختبار سياسية يحتاج الى كثير من التمحيص والتدقيق ومناقشة الادلة المتوفرة يهمني ان اتحاور معك وانت من الشخصيات العراقية المرموقة التي لها سمعتها ومكانتها وحضورها وموضع اعتزازنا واجلالنا جميعا لكننا نتفق في اننا جميعا نسعى للحقيقة وليس غير الحقيقة ودمت سالما لوطنك ومحبيك

دكتور اكرم المشهداني الرابع والعشرون من جولاي 2011

بروف د. عبد الهادي الخليلي (المفكر الطبي) موضحاً الحالة:

اخي الفاضل دكتور الصائغ رعاك الله

مقالتك موسوعية، جريئة، تاريخية، تظهر حقائق وتفند ادعاءات وتشفي الغليل

إنني لم "أتجرع" رعب تلك الايام حيث كنت في حينها في المملكة المتحدة ولكن العديد من الاخوة أحاطوني علما بما حدث بعد عودتي عام 1976.

الطريف أني في ذلك الوقت عشت حقبة "أبو طبر الانكليزي!!" الذي قتل 13 إمرأة وحاول قتل أخريات. واكتشفت بعدها واكتشفت الشرطة بأني كنت قد أجريت عملية جراحية لأحدى ضحاياه وأنقذتها من الموت بعد اصابتها بضربة "شاكوش" على مؤخرة جمجمتها. وقعت جرائمه في منتصف السبعينات وتم القاء القبض عليه في عام 1980. ولازلت احتفظ بالصك الذي حررته الشرطة لي عند استجوابي كخبير طبي واحتفظت بذلك الصك ولم أودعه البنك حرصا على أهميته التاريخية

دمت بألف خير

أ . د . عبد الهادي الخليلي

hadi.khalili.1@gmail.com

: عزيزي عبدالاله تحياتي بعد سقوط نظام صدام استضافت قناة العربية الفضائية عضو القيادة القطرية لحزب البعث عند استلامهم للحكم صلاح عمر العلي على مدى عدة حلقات تابعتها جميعا وتطرق الحوار الى اغلب ما جرى في حقبة البعث ولما تطرقوا الى حوادث ابو طبر في السبعينات وجه المذيع سؤالا الى صلاح حول شخصية ابو طبر فأجاب صلاح دون تردد: ان أبو طبر هو صدام حسين !وأنا شاهدت وسمعت الحوار بنفسي.  

الدكتور محمد علي الصائغ

maalsaigh@yahoo.com

هلو عبودي تحياتي شنو هالحچي الزين المعدل !! كلش حلو الموضوع بحيث بردت قهوتي واني ما ادري لاني تركتها وانصرفت لقراءة هذا المقال المهم جدااااااااا!! ذاكرتي لاتحمل لأبي طبر صورة ! هناك صورة بعيدة جدا وباهتة ! وهي خوف الناس من النوم فوق السطح ! واتذكر شاربي ابو طبر وجسده وجسد زوجته الضئيل على التلفاز ! بس صورته ذابت بحضور ابو طبر العراق في ذلك الزمان !! لك الورد وكل الود

أ . د . وجدان عبد الاله الصائغ

wejdan@y.net.ye

: حضرة الدكتور عبد الاله الصائغ ان تساؤلاتك حول ملف ابو طبر حركت فينا مشاعر الغيرة العلمية ومن خلال متابعتي الدقيقة لتصرفات ابو طبر وردود فعل السلطات العراقية من جهة والشعب العراقي من جهة ثانية توصلت بما لايقبل الشك ان ابو طبر عميل لدولة اجنبية كبرى امدته بالمال وخارطة الطريق مع تقديري .

المهندس الدكتور وائل منصور الدوري نيوكاسل

wamansor@yahoo.com

حضرة دكتور عبد الاله الصائغ منذ صغري كانت عائلتي تحدثني عن ابو طبر ذلك الشخص المرعب ولقد اخبرني المرحوم والدي في يوم من الايام عن ابو طبر وقال لي انه شخص يحب الدماء والقتل وهو مريض نفسيا وقال والدي كان ابو طبر يعيش في المانيا ثم عاد الى العراق وكان ياتي في عتمة الليل الى البيوت ويدخلها بخبرة عجيبة بفتح الابواب والاقفال ثم يضرب بالمطرقة على راس الضحية حتى يموت ويتركه قتيلا مخضبا بدمه دون ان يسرق منه شيئا اما النساء فكان يقتلهن بنفس الطريقة ويقوم بافعال مشينة معهن وهن ميتات وقبل سقوط النظام الصدامي في سنة 2003 اصدر صدام حسين امرا بالافراج عن كل المسجونين وافراغ السجون وكان يسمي هذا القرار بقرار العفو العام وفي حينها ترددت اخبار في بغداد عن ظهور شخص يتشبه بابو طبر لكنه كان يسرق الاموال والذهب وكان كل الناس يتكلمون عن ابو طبر الثاني ولكن سرعان مانسيت الناس امره لانشغالهم باندلاع الحرب والخراب

رسل ناجي الخفاجي

rusol_ alkhafaji@yahoo.com

الاعلام الحاذق يسهم في كشف ظاهرة ابو طبر

ويحسب للاستاذ سلام الشماع بوصفه اعلاميا متمرسا انه لم يقف مكتوف اليدين كما وقف الكثير من الاعلاميين والباحثين ! قارن معي (اجرى الأستاذ سلام الشماع لقاء مهما في تسعينات القرن العشرين مع ضابط الشرطة المتقاعد المرحوم فيصل محجوب المحقق، الذي انتزع الاعتراف من (أبو طبر) بأنه هو أبو طبر نفسه إذ زاره الاستاذ سلام الشماع في بيته في حي الدندان في الموصل فكشف لي له كثيرا من الأسرار عن أبو طبر ! قال الاستاذ سلام الشماع قال الضابط فيصل محجوب: -ان كل جرائم ابو طبر كانت من نوع الجريمة الكاملة لكن هفوة بسيطة منه او لفتة ابسط من الحارس اوقعته في الشرك الذي افلت منه مرارا وتكرارا ! كيف؟ يقول فيصل محجوب وهو المحقق: اقتحم أبو طبر دار طبيب كان مسافراً إلى خارج العراق وليس في الدار غير الحارس، فصرخ الحارس في وجهه وطارده فأجتمع شباب المنطقة وشاهدت إحدى الجارات، وهي معلمة، ما يحدث فأسرعت وأخبرت شرطة النجدة، التي تعقبته حتى ألقت القبض عليه.. كنت، وقتها، مديراً لمكافحة الإجرام في بغداد، وكنت، في تلك الأيام أتمتع بأجازة في الموصل ورن جرس الهاتف في البيت، وإذا على الطرف الآخر من الخط مساعدي (مناف الصالحي) يدعوني للتوجه إلى بغداد في الحال.. موضحاً لي أنهم ألقوا القبض على شخص (وضعيته) غريبة ويشتبه بأنه هو (أبو طبر)، الذي استنفرت الدولة أجهزتها كلها للقبض عليه.. قلت له: احتفظوا به حتى أصل إلى بغداد.. قال لي: تعال بسرعة لأن مدير الشرطة العام طلب ذلك.. وفعلاً اتصل بي مدير الشرطة العام، بعد دقائق، من إغلاق الخط مع مناف الصالحي وقال لي: نحن بانتظارك.... فامتثلت للأمر وحضرت إلى بغداد وطلب مني مدير الشرطة العام الذهاب إلى الكرادة الشرقية للمباشرة بالتحقيق مع الشخص المذكور.. وقد اصطحبت معي مساعدي مناف الصالحي وذهبنا إلى الكرادة الشرقية واستدعيت المتهم !!

http://www.shatnews.com/index.php?show=news&action=article&id=474

http://www.sutuur.com/all-articles/1334-abdulelahassayegh.html))

ابو طبر نص واحد ملتبس وقراءات متعددة

 اولا/ قضية ابو طبر قضية جنائية وكونها جنائية لايناكف كونها سياسية ولكن المعضلة هي في هل ان صدام حسين هو مبتكر ظاهرة ابو طبر؟ ! وقد حصل حوار موضوعي بيني وبين اللواء الدكتور اكرم المشهداني نشر بعض منه في موقع مجالس حمدان (ابو طبر يُعاد إنتاجه سياسيا ام سينمائيا ً)!

! http://hammdann.net/2011-01-30-08-40-15/2467-2011-07-16-22-42-27.html

ثانيا / ابو طبر مصاب بداء نفسي وقد ذكر كولن ولسن في كتابه اصول الدافع الجنسي مجرما المانيا روع الشعب الالماني واشعر مخابرات الحكومة الالمانية بالشلل واسمه كورتز ! مرض نفسي قد يصاب به بعض الناس حتى في الدول المتطورة كما المجرم الالماني كورتز

ثالثا / ابو طبر ظاهرة صدامية فقد حاول صدام حسين قياس طاقة العراقيين على احتمال الاذى مستعملا مجسات ذكية لمعرفة شجاعة العراقيين او قدرتهم على الاستكانة ! فظهرت الحنطة المسمومة وظهرت تكوينات من الجواسيس اليهود وعلقوا على المشانق كما ظهرت مؤامرات رفاقه التي نسبت اليهم مؤامرة التخابر مع سوريا والامثلة كثيرة ! قارن قول سلمان المسعودي

http://ne-np.facebook.com/topic.php?uid=117171095006480&topic=136

(ومن المثير للدهشة والجدل ان بطل العصابة لم نجد له اسما او حكما في جريدة الوقائع العراقية الرسمية، ومما لاشك فيه ان عصابة ابو الطبرلم تنطو من اذهان العراقيين واذا تذكروها راودهم الرعب في احلامهم، (وحكاية ابو الطبر خلى الشرطة خفر) من الصعب تناسيها،، وليس من السهل الوصول الى وثائق الدولة السرية للكشف من هم اعضاؤها، وليست التسميات التي جاءت بعدها مثل جهاز (حنين) او (مليشيات الفداء) كافية لتصديقها،لكن الدلائل تشير ان صدام حسين واخوانه الغير الاشقاء وبني عمومته هم اعضاء محترفين في تلك العصابة من خلال الوقائع والدلائل التي لا تقبل الجدل والنقاش والشواهد كثيرة . إ . هـ)

رابعا / ابو طبر ظاهرة طواها النسيان واستذكارها لايختلف عن حكاية قصة مشوقة رغم مياسم الذعر فيها وهي اقرب الى حكايات الخيال العلمي المدهشة وهناك رغبة في العقل الجمعي لترميم صورة ابو طبر قبل ان يطويها النسيان .

خامسا / ابو طبر نفذ مخططا اجنبيا الغاية منه اضعاف العراق وحكومة البعث وهذه الفكرة كانت ضمن نظريات تفسير ظاهرة ابو طبر وذلك ما كشفته بعض الرسائل التي وصلتني .

سادسا / ابو طبر صناعة الخيال الجمعي العراقي المرعوب ومعظم ما كان يتناقل حوله موضوع مصنوع والدليل ان الحكومة لم تكن لتبث بيانات يومية حول اعماله الاجرامية المروعة

سابعا / ابو طبر وريث عائلة احترفت الجريمة وكيمياؤها إجرامي بامتياز وليس ادل على ذلك من مساهمة عائلته في جرائمه وفي الصميم زوجته .

ثامنا / ابو طبر حكاية اكيدة لكنها ملتبسة بالخيال ولذلك سارعت جهات كثيرة لصناعة فلم سينمائي عنه مما أغضب ذوي العلاقة واعتدوا الفلم ركضا نحو الربح المادي غير المشروع والضحك على ذقون المشاهدين .

ثامنا / تضخم ظاهرة ابو طبر طلست ظواهر مشابهة كثيرة وقد نقلت بعض الرسائل ان عددا ممن كانوا في السجن بتهم شبيهة لما اتهم به ابو طبر قد اطلق صراحهم قبيل سقوط بغداد ضمن قرار صدام حسين بالعفو العام قبل ان تقع ملفاتهم بين أعين الباحثين .

الخلاصة / كنا نتوقع بعد عام 2003 ان يفتح ملف ابو طبر وتنشر الحقائق والمحاضر الرسمية المدونة عهد ذاك لكن الحكومات العراقية التي ساست العراق صنعت ابو طبر جمعيا ! فأنت تخاف فتك الجماعة ! الحكومات أوقعت العراقيين في مشاغل ومواجع كثيرة بحيث تبدو مصيبة ابو طبر مصيبة من الدرجة الثانية ولهذا فنحن نتبع البحث الاكاديمي الميداني ونترك للمعنيين سانحة التحليل والتأويل والترميم والتوصيف والتفكيك والتركيب ولسنا منحازين الى النقاط الثماني التي ذكرناها اعلاه فبالإمكان اضافة نقاط جديدة قد تصل الى ضعف العدد .

جولة حرة

 هي جولة حرة لكنها هادفة في آراء قيلت ونشرت حول الموضوع بما يتصل بشغلي وقد استعير ما يوافق شغلي ذاكراً موطن الاستعارة حماية لحقوق المؤلف وجريا مع الامانة البحثية ! وليس في نيتنا جمع كل ما قيل عن ابو طبر ! وسنراعي عدم التكرار وعبارات امتلاك الحقيقة وليعذرنا القاريء اذا كانت الديباجة مفككة الاوصال فهي من وجهة نظرنا تشاكل قطع الغيار التي يمكن الاستفادة منها ان دعت الحاجة اليها فاقتضت الاشارة .

ابو طبر نص واحد وقراءات متعددة

موقع سطور مجلة الكترونية شاملة

http://www.sutuur.com/all-articles/1334-abdulelahassayegh.html

هل كان ابو طبر مجسّاً صداميا؟

يقول حسن العلوي في كتابه العراق دولة المنظمة السرية ص 153 مبحث ابو طبر: فقد هدد صدام حسين في اجتماعه مع الكادر المتقدم في الحزب بأنه سيطبر اي رفيق يسرب اي خبر عن الاجتماع اربع طبرات وتحركت يده اليسرى على شكل صليب ليصف حركة الطبر وصدام حسين هو الذي اوعز بتسريب نسخة من شريط فديو لهذا الاجتماع لنشر الرعب والهوف بين الناس !! !! إ. هـ

كيف كان يتصرف ابو طبر

يختارابو طبر عينات عشوائية من عوائل في اماكن مختلفة من بغداد والاجهاز عليها واغتصاب نسائها وهي جثث وتقتضي التعليمات بان تجمع الجثث في حمام الدار على ان لايستخدم القاتل سوى الطبر ولا يترك احدا من العائلة حيا كما لايترك اثرا يذكر وتتم العملية ليلا دون ان يشعر بها جار او احد المارة رغم ان احدى عملياته استهدفت عائلة مدير شرطة متقاعد وهي نائمة على سطح الدار ومعنى هذا ان منفذي العملية كانوا فريقا كاملا يهجمون في لحظة واحدة على ضحاياهم

السلطة تفتش بيوت خصومها وتقوم بتعداد سكاني

قامت السلطة باجراء تعداد سكاني على غير الشكل التقليدي فيدخل موظفو التعداد الى كل دار ويلتقطون صورا لافراد العائلة واستخدموا مقياسا متريا لتسجيل اطوال الاشخاص في كل العائلة ! وفي ص 154 من كتاب الاستاذ حسن العلوي يؤكد العلوي فرضية ان ابو طبر كان بالون اختبار يقول العلوي: وقد يكون صحيحا ان الهدف من عملية ابو طبر هو اجراء اختبارات لمعرفة قدرة العراقيين على مقاومة الرعب والخوف وكانت النتيجة مدهشة فقد لف الخوف قلوب الناس وتركت عوائل كثيرة مدينة بغداد وانتقل آخرون الى السكن مع اقرابهم في دار واحدة واغلق بعضهم نوافذ دورهم بالاسمنت المسلح وتناوب افراد العائلة للحراسة حتى الصباح . إ . هـ

حاتم كاظم هضم هو ابو طبر

عن أي حاتم كاظم هضم (ابو طبر) الذي وظف شطرا من عائلته ليشاركوه مهمته الدموية فثمة اخواه غالب كاظم هضم وحازم كاظم هضم وثمة زوجته سليمة علي محمد رشيد وثمة حسين علي حسون .. فعن اي مجرم محترف يعمل لصالح جهة حكومية او حزبية او فئوية حديث يكتسب اهميته القصوى من حيث تنشيط الذاكرة الجمعية وان الصحائف المطوية لابد ان تنشر ذات غفلة او غفوة او صحوة ! وان القاتل يقتل مهما بلغ ذكاؤه وسلطانه وان الشعب ثابت والحاكم متحول ! وان صولة الظالم ساعة وصولة المظلوم حتى قيام الساعة ! نعم قضية ابو طبر قضية جنائية وكونها جنائية لايناكف كونها سياسية وهذا هو موئل الخلاف بين الدكتور اكرم المشهداني وبين عبد الاله الصائغ في مقالته المهمة الموسومة (أبو طبر الجنائي يُعاد إنتاجه سينمائياً!) بموقع مجالس حمدان لواء الشرطة ! http://hammdann.net/2011-01-30-08-40-15/2467-2011-07-16-22-42-27.html

فالدكتور المشهداني وعبر الوثائق المتوفرة لديه مصر على ان جرائم ابو طبر تقع تحت طائلة الجرائم الجنائية والى هذا الحد نحن متفقان وجاء على لسان الدكتور اكرم المشهداني http://hammdann.net/2011-01-30-08-40-15/2467-2011-07-16-22-42- توجسه من انتاج فلم يتمحور حول ابو طبر يقول الاستاذ المشهداني: كنت قد قررت أن لا أعود إلى موضوع (إعادة تمثيل حوادث أبو طبر) من قبل إحدى المحطات الفضائية العراقية، لكثرة ماكتب حول الموضوع حيث أنني كتبت ثلاث مرات بشأنه، ولكني عدت اليوم الى الكتابة مضطرا بعد أن علمت أن (منتجي) القصة يريدون إضفاء هالة سياسية تخدم مشروعهم وتوجهاتهم، يقول الاستاذ المشهداني: ان القول بأن أبو طبر لعبة سياسية مخابراتية اطلقت من دوائر الأمن العامة!، كلام لايستقيم مع المنطق حيث أن التحقيق مع ابو طبر انحصر بين شرطة مكافحة الاجرام وجهاز المخابرات، وتدخل المخابرات في الموضوع كان السبب فيه الخشية من وجود أطراف أو إمتدادات أجنبية في موضوع ابو طبر، وتأخر أبو طبر عدة أسابيع لديهم ولكن تم اعادته واحالته للمحكمة الجنائية المدنية كأي قضية جنائية بعد أن لم يتوصل جهاز المخابرات الى وجود طرف أجنبي في كل جرائم أبوطبر .

ابو طبر شخصية ملتبسة

ويضيف الدكتور المشهداني وهو الباحث المتمرس في شأن الشرطة العراقية وعميد كلية الشرطة الاسبق ان السبب الذي شكك المخابرات بالدور الاجنبي هو كون حاتم كاظم هضم كان يتنقل بين ألمانيا والمنطقة الحرة في سوريا، وكانت هناك إحتمالات لم تثبت لوجود طرف خارجي بالأمر وهو مالم يثبت لجهاز المخابرات بل اقتنعوا بأن الحوادث هي جنائية لا أكثر . وأعود وأكرر – ليس من باب الدفاع عن النظام السابق وإن كنت أحد ضباط الشرطة حينها وقريب من الاحداث وقادراً على التمييز والتفسير – إلا أنني أكاد أجزم أن حوادث أبو طبر كانت جنائية عادية لا دخل لموضوع السياسة والمخابرات فيها ! كما يتبين ذلك فيما بعد ! ويقول الدكتور اكرم المشهداني في معرض ترسيم صورة ابو طبر وفق السرد الببليو غرافي ما يلي: من هو (أبو طبر)؟ إنه (حاتم كاظم هضم) مواليد 1932 قضاء المسيب أكمل الدراسة الابتدائية عام 1946 والمتوسطة 1949 ودخل مدرسة المفوضين عام 1949 وتخرج عام 1951 برتبة مفوض ونسب إلى شرطة لواء الحلة، لكنه ما لبث أن فصل من الخدمة عام 1952 . أكمل الثانوية عام 1953 والتحق بكلية القوة الجوية (الطيران سابقاً) وفصل عام 1956 في الصف الثالث منها لكونه تسبب عمداً في إصابة طائرة التدريب بخلل . سافر إلى أقطار الخليج عام 1957 للعمل الحر وعاد إلى العراق عام 1959 واشتغل محاسب جباية في أوقاف كركوك. وقد فصل منها لتسببه في إحداث أضرار بأموال الدولة وحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة سنتين ونصف سافر إلى أوربا عام 1962 وتنقل ما بين بلجيكا والنمسا وألمانيا وسويسرا واليونان وإيطاليا والولايات المتحدة واستقر فترة طويلة في (ميونخ) بألمانيا الغربية حيث عمل في تهريب السيارات والأسلحة من بلجيكا وألمانيا إلى اليونان وتركيا وسوريا لحساب مهربين وتجار ألمان ويونانيين يجيد إضافة إلى العربية اللغات الإنكليزية والألمانية والفارسية والكردية تم توقيفه عدة مرات خارج العراق بسبب الشجار أو انكشاف التهريب وحكم عليه في إحدى الدول الأوربية بالحبس لمدة عشرة أشهرعاد بعدها إلى العراق تقول صحيفة أعماله في التسجيل الجنائي العراقي انه مجرم خطر، يدخن بإفراط ويحتسي الخمور الإفرنجية والعرق، كان يهوى النساء ويقيم علاقات جنسية معهن وكان يفضل الطبيبات كان لا يتردد عن قتل ضحيته إذا امتنعت عن تلبية رغباته قام بتزوير شهادة عدم محكومية لتفادي كشف محكوميته السابقة وكانت جرائم ابو طبر من نمط (الإجرام العائلي) الذي يشاركه فيه باقي افراد عائلته زوجته وابن شقيقه أبو طبر لايستخدم الطبر.. وإنما هي قطعة هيم تحدث أثرا كضربة الطبر الجرائم التي ارتكبها أبو طبر. إ . هــ

تلفزيون بغداد اكتفى بلقطات عجلى لابو طبر لم تطفيء ظمأ المخيال العراقي

ظهر ابو طبر على الشاشة الصغيرة بشكل لايتناسب وثقل الجرائم التي ارتكبها ثم اعلن عن تنفيذ الموت به وزوجته وشقيقته وشقيقه وابن شقيقه غب محكمة عجلى وكشفت الاخبار بعد مرور ازيد من ربع قرن عن ان تنفيذ الاعدام بهؤلاء تم في سجن أبو غريب وقد حضر عدد من عوائل الضحايا ورجل دين وطبيب ومسؤلون عن الشرطة والامن والقصر وتم تصوير ابو طبر من ساعة القاء القبض عليه حتى ساعة تنفيذ الحكم ! وطوي الموضوع برمته واختفت التصاوير ! وابو طبر يجيد فضلا عن العربية اللغات الإنكليزية والألمانية والفارسية والكردية ! تم توقيفه عدة مرات خارج العراق بسبب الشجار أو التهريب وحكم عليه في إحدى الدول الأوربية بالحبس لمدة عشرة أشهرعاد بعدها إلى العراق تقول صحيفة أعماله في التسجيل الجنائي العراقي (أنه مجرم خطر، يدخن بإفراط ويحتسي الخمور الإفرنجية والعرق، كان يهوى النساء ويقيم علاقات جنسية معهن وكان يفضل الطبيبات كان لا يتردد عن قتل ضحيته إذا امتنعت عن تلبية رغباته قام بتزوير شهادة عدم محكومية لتفادي كشف محكوميته السابقة .

الاستاذ صفي الدين الحلفي

نشر مقالة في موقع كتابات بعنوان المشهداني وابو طبر وقصر الرضوانية: http://www.kitabat.com/i85877.htm الا ان سيناريو ابو طبر كان دقيقا كتبه صدام حسين بشهية ومزاج كاملين: وضع اشخاص عملاء له امام كاميرات التلفاز ليعترفوا بجرائم مزعمومة بعد انهاء اللعبة ليس جديدا وهو جرب ذلك قبل حادثة ابو طبر باعوام،حيث نفذ سيناريو مشابه في حادثة قتل العميد مصطفى عبد الكريم نصرت احد قادة انقلاب 8 شباط الاسود 1963 بعد ذبحه من قبل احد عملاء المخابرات والصاق التهمة بشخص من النجف الاشرف ظهر على شاشات التلفاز ليعترف بقتله وانه كان على علاقة شاذة معه وكان الزج باسم النجف الاشرف مقصودا ومدروسا من اجل الاساءة الى هذه المدينة المقدسة باعتبار ان ابناءها هم لوطيون بينما كان العمل يحمل بصمات جهاز المخابرات الذي يقوده صدام بقبضة فولاذية فيقوم بقتل جميع معارضي النظام من ذوي التوجهات القومية اواليسارية،حيث ذبح بنفس الطريقة فؤاد الركابي في سجن بعقوبة . لقد كان حجم الترويع الذي تركه ابو طبر لدى سكان العاصمة كبيرا وكان شبحه المخيف يتراءى امام كل مواطن من سكان العاصمة بغداد وهو ماكان يهدف اليه النظام الذي تعمد ان يكون مسرح ابوطبر في مناطق راقية من العاصمة بغداد وليس في مناطق شعبية مكتظة،خشية انكشافه . ابو طبر كما اتفق مع رأي الكاتب علي حسين اداة مخابراتية بيد النظام لتصفية الخصوم اولا ولاثارة الرعب ثانيا ولتنفيذ اجندة استخبارية تخص النظام من بينها جمع معلومات عن السكان في العاصمة بغداد جرى توظيفها في شراء الات تعذيب لاحقا . إ . هـ

الاستاذ ابراهيم الزبيدي

وهو ترب صدام حسين في العمر وصديق طفولته ففي كتابه دولة الاذاعة ًص 352: كنت في غاية الارتباك فقد احسست بما لايقبل الشك انه لايطيقني ولا يريد رؤيتي ثم تداعت في نفسي ذكريات الماضي كلها ايام الجوع والفراغ والشقاء وبدات تتسارع في نفسي صور رفاق طفولته المقربين وقد بداوا يتساقطون الواحد بعد الآخر في ظروف واسباب متفرقة حوادث سيارات واغتيالات بايدي مجهولين وتاكدت من انه لا يريد ان يلتقي بواحد من رفاق طفولته ممن يذكره بماضيه وبحكايته الكثيرة التي لاتليق بمن اصبح ثاني رجل في الدولة ويخطط ليصبح الاول والوحيد . إ . هـ2- تصفية خصومه من الرفاق البعثيين الكبار ورشقهم بصليات الكلاشنكوف بأيدي رفاقهم البعثيين الكبار ويفضل ان يكونوا اصدقاءهم او رفاقهم في خلية واحدة او اقرباءهم والغاية جعل الرعب لغة جديدة سائدة . ومن هؤلاء مثلا محمد عايش عضو القيادة القطرية ووزير الصناعة ومسؤول الفرع العمالي لقد طلب صدام حضور الرفاق الكبار لتناول الافطار الصباحي معه وحين وصل الرفاق جعلهم يشهدون دق مسامير الخشب (الخوازيق) في ظهر محمد عايش وهو حي وتم دق تلك المسامير على ايدي اعضاء في القيادة القطرية !3- ابتكار فرية الحنطة المسمومة وشنق بعض التجار من ذوي الملايين والقصور الفخمة للاستحواذ على ممتلكاتهم بزعم انهم باعوا في الاسواق حنطة معفرة بالزئبق واشتراها الناس في كل المدن والقصبات العراقية ثم استحدث في التلفزيون برنامج خاص حول الحنطة المسمومة وحدد البرنامج اعراض من تناول الحنطة المسمومة وان عليه مراجعة المستشفى ليتخفف من اوجاع لاتطاق وربما يكتب الله له النجاة لان مادة الزئبق السمي تترسب في العظام ومن الصعوبة مكافحتها حين تستقر في العظام ! وبقينا جميعا لانتناول الحنطة ونشك بانفسنا فربما تناولنا تلك الحنطة دون ان ندري وهذا دب رعب اقل منه رعب ابو طبر بكثير ! والغريب ان محنة الحنطة المسمومة لفقت بعد ان اكتشف الفلسطينيون والعرب دور الجيش الحزبي العقائدي المرسل من العراق لحماية الفلسطينيين في مجزرة ايلول الاسود وترحيل الفلسطينيين بعيدا عن الاردن

http://hamedalmaliki.blogspot.com/2011/08/blog-post_8123.html

 المقدم حيدر شاكر الحصيني

 في مقالته الموسومة (أبو طبرالإسلوب الجنائي وأهمية الكشف على محل الحادث في الكشف عن الجريمة) مايمثل ضوءاً مهما في بحثنا وتنقيرنا عن شخصية ابو طبر وجرائمه الجنائية وزعمنا انها جرائم جنائية استغلت سياسيا او انها جرائم سياسية ارتدت لبوسا جنائيا ! ان المقدم يقدم بين يدي مقالته صورا قلمية عن ابو طبر وكيف كان يضلل الشرطة في صولاته كان يشارك الشرطة الواجبات و يردد (شوكت نخلص من أبو طبر) وهذا يذكرنا ببطل كولن ولسن في كتابه اصول الدافع الجنسي فشخصيةالمجرم الالماني كورتز كثيرة الشبه بابو طبر فكورتز ايضا كان يتعاون مع الشرطة لكشف هوية المجرم الذي روع الشعب الالماني !! ولندع السيد الحصني يستطرد في القول: بدأت رحلته مع الإجرام معيثا بليل بغداد فسادا .1973-1974 .. كان مريض نفسيا و يمتلك ست أصابع في إحدى قدميه ... كان ذكياً في إجرامه حتى انه كان يشارك الشرطة الواجبات و يردد (شوكت نخلص من أبو طبر) استمر الحال لفترة طويلة حتى خانته إحدى الليالي حينما سطا على منزل فارغ يعود لأسرة مهاجرة فرأت احدي السيدات الأضواء فسارعت إلى تبليغ الشرطة ... تم القبض عليه ... خلال التحقيق لم يذكر انه ارتعب من موقف ما ... ماعدا طفل صغير صحبة امرأة عجوز في شارع الرشيد عندما أشار الطفل نحوه (بيبي هذا أبو طبر) ومن المواقف التي تأثر بها يقول (لا تزال صرخة الطفل تدوي في أُذني) عندما دخل منزلا في إحدى ليالي المنصور وكان أفراد العائلة في نوم عميق فضرب الأب على رأسه ثم الأخ ثم الزوجة فرأى طفلاً يبلغ السادسة من العمر يرتجف تحت (البطانية) اقترب منه و سمعه يبكي بصوتٍ خافت فكشف عنه الغطاء (البطانية) فصرخ بأعلى صوته و دموعه تنهال (عمو حباب لا تقتلني) فضربه بقوة على رأسه فمات ..أحيل المجرم حاتم كاظم هضم الملقب بـ (أبو طبر) المحاكم المختصة وأصدرت حكمها بالإعدام ونفذ الحكم لتنتهي صفحة مرعبة من تاريخ بغداد ونستخلص من ذلك إن المجرم أبو طبر كان يستخدم أساليب التمويه في إسلوبه لارتكاب الجريمة عندما كان ينتعل كعوب نعليه بعكس السير ويترك آثار الدخول والخروج من والى محل الحادث كان يقوم بالدخول إلى الدار (محل الحادث) من الشباك في حين إن آثار قدميه تشير إلى خروجه من الشباك ويقوم بكسر زجاج النافذه من الداخل إلى الخارج ويترك آثار الزجاج خارج محل الحادث ويخرج من الباب في حين إن آثار قدميه تشير دخوله من الباب ... لم يترك أثرا لقدميه حافيتين كون احد قدميه تحتوي على ستة أصابع بدل ألخمسه لإبعاد الشكوك الموجهة إليه ... وخصوصا انه يمتلك العلاقات مع أفراد الشرطة واطلاعه على أهمية الكشف على محل الحادث وكشف الدلالة في سير التحقيق ... لذا – فلابد لنا أولا معرفة الكشف على محل الحادث وأهميته إ . هـ ونضيف الى ذلك قول سلمان المسعودي:

 http://www.alsahroon.com/Ardetls.aspx?a=14 .

http://ne-np.facebook.com/topic.php?uid=117171095006480&topic=136

خلاصة اولى

ابو طبر شخصية ملتبسة وظاهرة ملتبسة ظهرت في زمن ملتبس وجاءت بعدها ازمان ملتبسة ولابد من حسم الامر لمنع اللبس ! ونحن وسوانا حاولنا رفع اللبس ودفعه من اجل سيادة الأمن بكل معانيه ! وبعد البحث والتنقير والمشافهات (بعض من كاتبني اشترط عليَّ عدم ذكر اسمه) توصلنا الى ان ظاهرة ابو طبر ظاهرة جنائية ولا علاقة لصدام حسين البتة بها ولكن خصومه من البعثيين وغير البعثيين وضعوا السم في العسل والشيء الآخر الذي توصلنا اليه هو ان لاعلاقة لابو طبر اطلاقا بأية دولة اجنبية فقد كان الرجل يعمل لحسابه وبشيء من الحرج اقول ان بعض المحقيين كانوا يسربون معلومات عن ابو طبر غير صحيحة والشعب العراقي يتلاقفها ويلتذ بها في مجالسه ويضيف اليها من عندياته وما اكثر عنديات العراقيين . جل ما نشر او قيل عن وصف حوادث ابو طبر صاغها المخيال العراقي بحيث غدت شخصية ابو طبر ملتبسة بامتياز فلايدري من ينشر الاشاعات هل عليه هو ان يصدقها مع الناس ام لا !!! ونحن ندعو واحدة من الجامعات العراقية الرسمية او العربية لتكلف طالبا او طالبة لدراسة ظاهرة ابو طبر بين الواقع والخيال وفق برنامج الدكتوراه وما المانع ان تكلف الجامعة عددا من الباحثين مثل ابو طبر سايكولوجيا وابو طبر قانونيا وابو طبر والعقل الجمعي وابو طبر وفن الاشاعة .

أضافة للخلاصة الأولى

واضيف انا عبد الاله الصائغ:

منذ شيوع ظاهرة ابو طبر وانا اتهم في داخلي صدام حسين لما اعرفه عن شخصيته الملتبسة ورغبة صدام الشخصية في ان تلتبس شخصيته في عقول العراقيين ! وحين قررت دراسة هذه الظاهرة تفكيكاً وتركيباً وفق تقنيات علم تحليل النص فاتني ان اخلع لبوس اتهامي لصدام حسين بكونه صانع ابو طبر بل فاتني ان ادخل مختبر التحليل بثياب المختبر ! ثم احتفظت بكتاباتي التي تستعمل الاسماء المستعارة والمكتوبة بطريقة القص الأدبي خشية تفتيش بيتي !! وحين غادرت العراق 1991 حملت اوراقي معي ونشرت بعضا منها دون ان اعلن اتهامي لصدام حسين بشكل مباشر ولكنني كنت اجادل واناكف من ينسب ظاهرة ابو طبر الى الجريمة الجنائية لوحدها وازحزحه صوب اتهام صدام حسين ! وتوصلاتي الآن بعد كل اشتغالاتي البحثية في ابو طبر تقول ان جريمته جنائية وان صدام حسين لم يصنع او يدفع ابو طبر ولم يوفر له الغطاء ! لكن صدام حسين بذكائه حين شاهد رعب الشعب العراقي وكثير من القيادات البعثية من ابو طبر استنتج منها ان العراقيين يتأثرون بالخوف والاشاعة ويمكن ان يُقادوا بهما ! ولذلك فأنا ابارك ذوي النظر الاستباقي الذين اكتشفوا قبلي وقبل امثالي ان ظاهرة ابو طبر ظاهرة جنائية من نحو اللواء الخبير الدكتور اكرم المشهداني مع احترامي للباحثين الذين توصلوا الى ان ابو طبر بالون اختبار صدامي فميدان البحث يحترم الباحثين جميعا ولكنه لايشترط الموافقة على صواب توصلات كل من بحث فاقتضت الاشارة / عبد الاله الصائغ نوفمبر 2018

خلاصة ثانية

نحن مع صناعة اي عمل فني يستلهم قضية حدثت او يعمل بنظر استباقي عن قضية ستحدث نحو فلم تلفازي او سينمي او عمل مسرحي او تشكيلي او موسيقي او رقصة باليه او اوبرا ... الخ شريطة ان لايكون العمل بعيدا عن روح المتن الاصلي معتمدا على الوثائق المعترف بها زاهداً بالربح غير المشروع او النجومية غير المسوغة ! كما ان الكتابة اوالحديث عن اي مجرم مهما كانت درجة اجرامه ومهما كانت الاهداف مادية او تعزيزية او تحريفية انما يخدم ذلك التاريخ خدمة لاتقدر بثمن لانه يستثير العزائم للتوكيد او الدحض وسيخرج بعض المؤرخين الخُرْس كثيرا مما يحتفظون به من وثائق وصور وتثار جدالات وحوارات وتعقد الدراسات وكل ذلك يخدم الحقيقة بل ويخدم التوجه المدني الحضاري المؤسساتي ويكرس فكرة العقد الاجتماعي غير الموقع بين الحاكم والمحكوم !! وليس بمقدورنا ونحن في زمن كَوكَل وفيسبوك وتويتر ان نطلب الى خصومنا في الاتجاه الكفّ عن تقديم اطروحاتهم ولكن من حقنا بل من واجبنا الاخلاقي والتاريخي ان نناقش ونفاتش بدم بارد وعندنا في العراق صار البعض منا يضيق بالآخر ويختنق من الاختلاف فيرشق اي كاتب او منتج بانه موال للحكومة الحالية او موال لحكومة صدام حسين او يتهمه بالكفر او الخلاعة الاخلاقية دون وازع من مروءة ! فمن حق الحرية علينا ان ندع الزهور تتفتح

اضافة للخلاصة الثانية

ابو طبر خليجي: تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي فديو زعم انه يمثل كيفية التخلص من الصحفي جمال خاشقجي بوساطة طبر يحمله متمرس داخل قنصلية بلاده في أنقرة ولم نثبت الفديو لبشاعته اولا ولعدم توثقنا من مصدره الرسمي ووجود احتمال الفبركة بالفوتوشوب !

وأخيرا

 ويبدو ان حكاية ابو طبر ستبقى ماثلة في اذهان الناس بما يبتدعه التشدد الاجتماعي عامة والديني خاصة في مجتمع يبتكر الاشاعات لكي يتماهى مع الذعر الذي حفل به تاريخنا العربسلامي .، والله من وراء القصد

 

عبد الاله الصائغ / مشيغن المحروسة ديسمبر 2018

 

لم يخرج العالم بعد من صدمة مقتل الصحفى السعودى البارز جمال خاشقجى فى قنصلية بلاده فى استانبول فى الثانى من اكتوبر الماضى، فسيل التصريحات والتسريبات والتقارير والبيات لم يتوقف، ولهيب الجاذبات والاستقطاب والتهديدات لم ينحسر، وكأنما العالم كله كان على موعد مع قتل خاشقجى حتى تتفجر الآلة الإعلامية العالمية ويغنى فيها كل هواه.

أصبحنا اليوم فى عالم تتناسخ فيه التعقيدات الدولية فى صبح كل يوم جديد ولهذا فان موجبات القانون الدولى باتت على محك التنفيذ لان ما يدور اليوم ليس كما كان يدور بالامس وان ما يحدث اليوم لم يكن له شبيه ومثيل بالأمس وها نحن فى هذه اللحظة نقف على مفترق الطرق بين موجبات العدالة ومواضعات السياسة، فموجبات العدالة تقتضى الاقتصاص من الظالم ومناصرة المظلوم / اما مواضعات السياسة فانها تقتضى مراعاة المصالح كمعيار اوحد للمحاسبة والعقاب . فهل كان مقتل جمال خاشقجى من بين ما وضع على طاولة التجاذب العدلى والسياسي باعتبارها جريمة دولية ذات أبعاد سياسية؟ ام انها جريمة جنائية ككل الجرائم، يجب ان يتم فيها التحقيق والمحاكمة من صاحب الحق فى الولاية القضائية عليها؟

الوقائع الأساسية التى رشحت فى وسائل الإعلام بحسب المصادر العدلية السعودية والتركية على السواء هى ان السيد\ جمال خاشقجى قد دخل الى قنصلية بلاده المملكة العربية السعودية فى مدينة استانبول التركية وانه قتل فيها بواسطة مجموعة من السعوديين إثناء شجار بينهم وان جثته قد تم تقطيعها ثم تسليمها الى متعهد محلى .

ليس لنا ان نتتبع التسريبات التركية او السعودية لأنها أصبحت محل تصارع بين كثير من القوى الدولية والإقليمية ولكننا يجب ان تعتمد فى هذا التحليل القانونى على تلك الوقائع التى تعتبر شبه ثابته ونعرضها على منصات القانون الدولى لنرى ان كان ثمة ما يشى بشىء من محاكمة دولية ام لا

ليس ثمة شك فى ان السيد\ جمال خاشقجى شخصية غير عادية وذلك من خلال ما ظل يمارسه من نشاط سياسي سواء أكان ذلك النشاط مع حكام السعودية فى زمن مضى ام ضد أولئك الحكام فى زمن حاضر وليس ثمة شك – ايضا - فى ان قتل مثل تلك الشخصية داخل قنصلية بلاده على ايدى أشخاص محسوبين على النظام السعودى يمثل جريمة غير عادية وليس ثمة شك ايضا بان مكان القتل يمثل واحدة من العناصر التى ربما توحى بان تلك الجريمة قد تصل الى مصاف الجرائم السياسية ومع ذلك يجب علينا البحث عما اذا كانت عناصر تدويل التحقيق والمحاكمة متوفرة فى جريمة قتل خاشقجى بحسب عناصر الجريمة المتوفرة لدينا حتى الان

اول ما يلفت النظر الى جريمة قتل خاشقجى هو ان المجنى عليه شخصية سياسية له اراءه الواضحة تجاه نظام الحكم فى المملكة العربية السعودية فهل يمكننا وبناءا على تصنيف شخصية خاشقجى السالف الذكر بان جريمة قتله جريمة سياسية ؟

يعرف فقهاء القانون الدولي ومن بينهم الشيخ محمد ابوذهرة بان الجريمة السياسية بانها (الجريمة التى يقع فيها اعتداء على نظام الحكم او على أشخاص الحكام أنفسهم او على قادة الفكر السياسي لأرائهم السياسية )، كما جاء فى المادة 169 من قانون العقوبات اللبناني (الجرائم السياسية هى الجرائم المقصودة التى أقدم عليها الفاعل بدافع سياسي، وهى كذلك الجرائم الواقعة على الحقوق السياسية العامة والمعروفة)، هذا وقد وضعت المحكمة الاتحادية السويسرية عدة شروط لإمكانية اعتبار الجريمة سياسية تمثلت فى الاتى

1/ ان يتفق هدف الجاني مع أهداف حزب سياسي منظم ا وان يسعى لتحقيق أهدافه او إصلاح النظام السياسى او الاجتماعي القائمة

2/ وقوع الفعل المجرم على نظم الدولة السياسية والاجتماعي

3/ام تتناسب الوسيلة التى اتبعها الجانى مع الأهداف التى سعى لتحقيقها

بالنظر الى كل تلك التعريفات نجد ان قتل السيد/ جمال خاشقجى بصفته صحفي معروف له آرائه السياسية حول نظام الحكم فى بلاده وبتاريخه الطويل فى العمل السياسي سواء اكان مشايعا لنظام الحكم فى المملكة العربية السعودية او معارضا له، وبالنظر الى مكان الجريمة وهى قنصلية بلاده فى استانبول نجد ان تلك الجريمة تشكل جريمة سياسية دون شك، والقول بغير ذلك لا يمكن الأخذ به إلا على سبيل المماحكة الساسية لا القانونية، بالرجوع الى تعريف الجريمة السياسية وما يترتب عليها من آثار نجد ان انفعال الراى العام فى الدولة يكون اكبر فى حالات الجرائم السياسية كما ان تداعيات ارتكاب الجريمة السياسية على المستوى المحلى والاقليمى والدولى تصبح ذات خطر كبير متى ما توازت المصالح وتقاطعت الخلافات . على كل فان مقتل الصحفى جمال خاشقجى كان لها اثر مدو على كل المستويات، وفى هذا فان الدور التركى فى تفاعل تلك القضية كان واضحا من خلال التسريبات التى قام بها الامن التركى والتى ثبت بعد ذلك انها صحيحة، ومن خلال الضغوط التى مارسها القضاء التركى باعتباره ممسكا بخيوط القضية على مجريات الدعوى فى المملكة العربية السعودية والتى كان اخرها تهديد تركيا بالمطالبة بفتح تحقيق دولي حول قضية مقتل خاشقجى.

ترتبط التحقيقات الدولية فى الدعاوى الجنائية بانتهاك القانون الدولى لحقوق الانسان او انتهاك القانون الدولى الانسانى ولهذا فان لجان التحقيق الدولى يتم إنشاءها بواسطة الامم المتحدة ممثلة فى مجلس الأمن الدولى او مجلس حقوق الإنسان ويمكن ان تنشأ تلك اللجان اما بناء على إحداث مزمنة وطويلة الامد مثل الأحداث التى وقعت فى منطقة البحيرات العظمى فى عام 1994م والأحداث التى وقعت فى سوريا والتى مازالت مستمرة حتى الان او بناءا على حادث واحد مفاجئ مثل حادث اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى رفيق الحريرى، فالأحداث الطويلة المزمنة يتم فيها – على الأرجح- انتهاك كبير لقواعد القانون الدولى الانسانى من ارتكاب لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ولهذا يتحرك المجتمع الدولى والمنظمات الإنسانية فى اتجاه محاسبة المتسببين فى ارتكاب تلك الانتهاكات ويكون من السهل إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي او من مجلس حقوق الإنسان بتكوين لجان تحقيق دولية ومن ثم إنشاء محاكم دولية لمحاكمة المتهمين،اما بالنسبة للحادث الفردى الفجائي فان المصالح السياسية تكون هى الموجه الوحيد لاتخاذ قرار دولى بإنشاء لجان تحقيق دولية حيث، لان مثل ذلك الحادث لا توجد به – على الأرجح- انتهاكات واسعة للقانون الدولى الانسانى او القانون الدولى لحقوق الإنسان وفى هذه الحالة يتحرك مجلس الأمن بدوافع سياسية محضة فى اتجاه ان ذلك الحادث يمثل تهديدا للامن والسلم الدوليين، وعليه فان على تركيا اقناع مجلس الامن الدولى او المجلس الدولى لحقوق الانسانى بان جريمة قتل جمال خاشقجى فى قنصلية بلاده فى استانبول تمثل انتهاكا للقانون الدولى لحقوق الانسان فى حالة طلب فتح التحقيق بواسطة مجلس حقوق الإنسان الدولى , وان تلك الجريمة تمثل تهديدا للأمن والسلم الدوليين فى حالة تقديم الطلب الى مجلس الأمن الدولى، واذا كان تبدو بعض الصعوبات فى حالة تقديم الطلب الى مجلس الأمن بسبب طريقة التصويت على مثل تلك الحالة ووقوف الولايات المتحدة بقوة خلف عدم تدويل القضية، فانه يبدو ان التقدم بطلب الى مجلس حقوق الإنسان اقل صعوبة فى الحصول على قرار بتكوين لجنة دولية للتحقيق وتبقى فقط مسألة إقناع مجلس حقوق الإنسان بان قتل جمال خاشقجى بتلك الطريقة فى انتهاك لقواعد القانون الدولى لحقوق الإنسان، وعليه فإننا نحاول فى هذا المقال الإجابة على معضلة انتهاك جريمة قتل جمال خاشقجى فى قنصلية بلاده للقانون الدولى لحقوق الإنسان.

القانون الدولى لحقوق الإنسان يتكون من مجموعة الاتفاقيات الخاصة بحقوق الانسان التى تمت المصادقة عليها من الدول الأعضاء، ومن بين تلك الاتفاقيات اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية والتى تقوم بتنظيم عمل القنصليات وتفصيل الحقوق التى يجب ان يتمتع بها رعايا الدولة المعنية والواجبات المترتبة على تلك القنصليات، ومن بين الحقوق التى نصت عليها تلك الاتفاقية بالنسبة لرعايا الدولة المعنية ما جاء فى المادة 5\5 من تلك الاتفاقية وهو ان تقوم القنصلية بتقديم المساعدة والإعانة الى رعايا الدولة سواء اكانوا اشخاص طبيعي ناو معنويين هذا من ناحية اخرى نجد ان جريمة قتل الصحفى جمال خاشقجى من منسوبي الاستخبارات السعودية يمكن ان يرقى الى درجة قتل خارج القانون فقد جاء فى موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان (ان عمليات التصفية خارج القانونتعتبر انتهاكا صارخا للحق فى الحياة وفق ما جاء فى المادة 3 من الاعلان العالمى لحقوق الانسان ) كما يعتبر انتهاكا للمادة السادسة من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية التى تنص على (الحق فى الحياة حق ملازم لكل انسان)، ومن ناحية ثالثة تحظر مبادئ الأمم المتحدة الخاصة بالوقاية الفعالة من عمليات الاعدام خارج نطاق القانون.

بالرجوع الى إمكانية فتح تحقيق دولى بواسطة محكمة الجنايات الدولية نجد ان هنالك صعوبات قانونية تعترض هذا الامر وذلك ان النظام الاساسى للمحكمة لا يتضمن حالة قتل فرد واحد مهما كانت مكانة هذا الفرد، فكل المواد التى تنص على الجرائم التى يجب محاكمتها بواسطة المحكمة هى جرائم تتعلق بانتهاكات خطيرة للقانون الدولى الانسانى فى حالة الحرب او النزاعات الدولية او الداخلية مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية او جرائم الابادة الجماعية ومع ذلك فى المادة 13\ب من النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية تخول مجلس الامن الدولى احالة اىة حالة متى مانت تهدد الامن والسلم الدوليين ومثل هذه الحالة لايمكن تكون حاضرة فى مداولات مجلس الامن الا بمشروع قرار يخضع لتصويت المجلس ويحظى بموافقة تسعة دول من الدول الأعضاء بما فيها الدول الخمس الدائمة العضوية، فهو امر يخضع لتوازنات سياسية ليس لها علاقة بالعدالة الجنائية الدولية، وعلى هذا يكون من المستبعد تماما حدوثه فى حالة قتل جمال خاشقجى .

- لم يتبق –اذن- غير طرح مشروع قرار على مجلس الامن يطالب بتحقيق دولى مستقل تمهيدا لإنشاء محكمة جنائية دولية ذات طابع خاص على نحو ما تم فى لبنان من تكوين للمحكمة الجنائية الدولية ذات الطابع الخاص وهذا يستلزم توافقا فى مجلس الامن فى حالة اقتناع الدول الخمس دائمة العضوية بان السلطات القضائية فى المملكة العربية السعودية غير قادرة على محاكمة المتهمين فى قضية مقتل جمال خاشقجى وان لابد من قضاء جنائى دولى لإجراء محاكمة عادلة لكل المسامين فى تلك الجريمة، كما انه لابد من موافقة السلطات فى المملكة العربية السعودية على انشاء مثل تلك المحكمة، وكل هذه الأشياء تعتبر صعوبات حقيقية فى طريق إنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة المتهمين بقتل جمال خاشقجى.

من كل ما تقدم يمكننا القول بان فرصة اجراء تحقيق دولى مستقل يمكن ان تنشأ من تبنى مجلس حقوق الانسان له مع وجود قوى كبيرة دافعة فى ذلك الاتجاه والسبب الرئيس الذى يدفع لمثل ذلك الاتجاه هو وجود انتهاك صارخ للقانون الدولى لحقوق الكانسان فى تلك الجريمة مع ابراز الادلة التى تؤكد عدم قدرة النظام القضائي السعودى على التحقيق و محاكمة المتهمين، وحتى فى هذه الحالة فان فرص انشاء محكمة جنائية دولية يبدو امر صعبا فى ظل حيادية الدول الكبرى فىا يخص تدويل هذه القضية لأسباب تتعلق بالسياسة الخارجية لتلك الدول وعدم رغبتها فى خسارة قوة اقتصادية كبيرة بحجم المملكة العربية السعودية.

 

بقلم: ناجى احمد الصديق المحامى - السودان

 

حسن العاصيتمكنت الأنظمة العربية عبر العقود التي أمضتها جاثمة فوق تطلعات الشعوب العربية، من ترويض هذه الشعوب وتخليصها من العنفوان الذي كان يميزها، وتحويلها إلى مجموعات من القطعان والطوائف والملل والمذاهب والأعراق، أقوام ضعيفة وخاضعة وصاغرة، مذعنة ومستسلمة لمصيرها، وعاجزة غير قادرة لا على تغيير واقعها ولا حتى على تحريكه.

سياسة التهجين التي اعتمدتها النظم العربية تواصلت عبر عقود متتالية، وأدت إلى محصلة مرعبة في الواقع العربي، حيث تجلت في المستويات المفزعة لمعدلات الفقر والأمية والتخلف الحضاري، وانتشار الجهل وشيوع القهر والاستبداد، وتفتت النسيج الاجتماعي، وظهور النزعات المذهبية والعرقية.

من الإنجازات العظيمة للأنظمة العربية، نجاحها في تحديد آليات واضحة لدى المواطن العربي، للربط الجدلي بين العقاب الصارم الذي لا يرحم أحداً ولا مهرب منه، وبين أية مظاهر تشير إلى الانحراف عن رؤية السلطة، أو أي سلوكيات تمرد أو رد فعل أو أقوال مخالفة من قبل البشر. ونجحت الأنظمة وأدواتها الأمنية في ترسيخ هذا المفهوم في عقول المواطنين، والذي يعني أن أي موقف مخالف سوف يعني الردع وإنزال العقاب، إذن لا بد من الخنوع والانقياد للإفلات من العقاب.

جميع الشعوب العربية تدرك أن بعض الأنظمة العربية قد اتقنت بجدارة فنون الترهيب والتفزيع والوعيد، إذ أصبح الخوف والرهبة هما الصفتان المشتركتان -تقريباً- لجميع هذه الشعوب. الخوف والرعب من الاعتقال التعسفي، الخوف من التعذيب والأذية، الرعب من جدران السجن، الخشية من الفقر والحرمان، الخوف من تالي الأيام. خوف ورعب وصل إلى حدود الشلل والانكفاء، مما أحدث حالة من الاغتراب الداخلي لدى المواطن العربي، فهو لا يشعر بهويته وانتمائه، ولا يشعر بحريته على قول ما يريد، تراه يكن البغض للنظام السياسي لكنه لا يجرؤ على الإفصاح، فإن فزعه من العقاب تجعل من إنكاره لنفسه ومواقفه وأقواله تصل إلى الدرجة العليا.

تستخدم الأنظمة العربية سياسات متعددة لإخضاع وترويض شعوبها، من ضمنها ما يعرف بسياسة العصا والجزرة. والجزرة هنا هي الانقياد والتحكم الناعم من خلال استغفال الشعوب بشعارات الحرية والديمقراطية، لكن أداة النظام للحكم تظل دون تغيير، ويظل الاستبداد جوهره. لذلك تعمد النظم العربية على إقامة انتخابات برلمانية ورئاسية وتفاخر بذلك لتغطية ما لا يغطّى من السياسات الأمنية التي تحكم الناس بواسطتها. حرص هذه الأنظمة على المظاهر الخادعة للديمقراطية شبيه بحرص السجّان على طلاء جدران السجن الخارجية بألوان زاهية.

نظرية التعلم الشرطي

قام العالم الفسيولوجي الروسي "إيفان بافلوف" صاحب أهم النظريات الترابطية، وهي نظرية "التعلم الشرطي" في إجراء تجربة على أحد الكلاب، ولاحظ أن لعاب الكلب يسيل عند تقديم الطعام له، ثم ربط تقديم الطعام بقرع الجرس، ومع التكرار أصبح لعاب الكلب يسيل حين قرع الجرس حتى من غير وجود الطعام. هذه التجربة أوصلته لصياغة نظريته الشهيرة في علم النفس وفلسفة السلوك، حيث أظهرت التجربة تكون ارتباط مثير شرطي واستجابة طبيعية، من خلال تكرار الاقتران بين المثير الشرطي والمثير الطبيعي – وهو هنا الطعام- الذي يحقق الاستجابة الطبيعية أصلاً، بحيث يصبح المثير الشرطي- وهو هنا صوت الجرس- قادراً على إثارة الاستجابة وحده.

ويفسر بافلوف حدوث هذا النوع من الارتباط إلى أسس فيسيولوجية بحتة مرتبطة بوظائف الدماغ.

على الصعيد البشري يتم توليد الكثير من المخاوف بذات الأسلوب الذي اعتمده بافلوف، خاصة لدى الأطفال والشباب، من خلال ربط المخاوف المشترط بمثير معين مع التكرار. فإن تم وضع سجين في غرفة مقفلة وتم تعذيبه بصدمات كهربائية على فترات متتالية مسبوقة بصوت ما، أياً كان هذا الصوت، فلنقل إنه صوت الحاكم أو الرئيس، فما يحصل أنه بعد عدد من المرات سوف يستجيب السجين لصوت الحاكم بنفس الطريقة من الخوف والفزع التي كان يستجيب بها للصدمة الكهربائية، حتى لو لم يتعرض لها بالفعل. بعبارة ثانية، إن السجين قد أشرط للاستجابة لمثير محايد.

إن الكثير من المخاوف البشرية يتم توليدها بذات الطريقة السابقة، وهذا ما يفعله -بعض- الحكام والأنظمة العربية لتدجين الشعوب وإخضاعها، وربط سلوكها وموقفها من السلطة باشتراطات تجعل الشعوب ترتعد خوفاً كلما رأت صورة القائد أو سمعت صوته، وترسيخ ارتباط الزعيم بالوطن، ارتباط قيام الأنظمة بالتضييق على الحريات والمصلحة العليا للوطن والمجتمع، وهكذا دواليك يتم دفع المواطن العربي نحو دوّامة من الخوف والهواجس والقلق والاضطراب. كل هذا يجري التخطيط له بعناية في غرف سوداء مغلقة، من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للحاكم، حيث يتم توظيف علم النفس السلوكي لترويض البشر من قبل متخصصين نفسانيين واجتماعيين وأمنيين.

أساليب الترويض

تقوم الأنظمة باعتماد سياسات لترويض الناس عير طرق وأساليب منها القيام بتنظيم الكثير من المهرجانات والفعاليات والنشاطات الرياضية والفنية، وإقامة دوريات كرة القدم وتغطيتها إعلامياً، وجعلها حدثاً مهماً في حياة الناس للخروج قليلاً من واقعهم المعيشي وضنك الحياة. ثم المبالغة في الاحتفال بالأعياد الوطنية وابتداع مناسبات وطنية في محاولة تعميق الشعور الوطني لدى المواطن، وترسيخ انتمائه وهويته. وعرض صور الحاكم أو الرئيس في المؤسسات الحكومية والخاصة، في الجامعات والمؤسسات التعليمية، في الفنادق والمنتجعات السياحية، في المصانع والمزارع، في البيوت والشوارع والأزقة. وأهمية عزف النشيد الوطني حيث يرفع العلم الوطني بموازاة رفع صورة الحاكم. ولا تنسى ربط أي إنجاز يتحقق -هذا لو وجدته- باسم الحاكم والرئيس، أي إنجاز وأي نجاح وأي فوز في مباراة رياضية ما كان له أن يتحقق لولا حكمة وبصيرة الحاكم. وبعد ذلك يصبح الوطن بما يتضمنه من شجر وحجر وبشر مختزل في شخص الحاكم، بل ملك للحاكم وعائلته.

ومنذ انتشار وسائل الإعلام السمعية بداية عبر البث الإذاعي وأجهزة الراديو التي كانت منتشرة بكثرة في الأوساط العربية، ثم البصرية ودخول التلفاز إلى البيوت، أدركت الأنظمة أهمية هذا الجهاز الساحر، في التأثير على عقول المواطنين والتلاعب بها وترويضها، لأن ما يبث من خلالها من معلومات وبيانات ومواقف ورؤى وأية مضامين أخرى، يؤثر بشكل مباشر في وعي وإدراك الناس. لذلك تستخدم الأنظمة السياسية الوسائل الإعلامية لتلميع صورة الحاكم وتجميل نظامه، وتوجيه الرأي العام المحلي نحو تمجيد وتوقير هذا الرئيس ونظامه حرصاً على الوطن، ويصبح كل صوت معارض، وكل من يوجه انتقاد للزعيم أو لنظامه هو خائن للوطن. ثم يتم توظيف وسائل الإعلام لتمرير رؤية الحاكم وأفكار نظامه حول مختلف القضايا بدءًا من طريقة الحاكم في طهي الكوسا حتى فطنته في اكتشاف طبقة الأوزون.

ناهيك عن الملصقات الكبيرة واللافتات الضوئية التي تنتشر في الطرقات والميادين والجسور، ملصقات لصور القائد والزعيم والرئيس والحاكم بأمر الله، صور بملابس مدنية وأوضاع مختلفة، وصور بالزي العسكري مدججة بالنياشين والأوسمة حتى لو كان الرئيس لا يميز بين الرقيب والعريف. ولافتات تمجد الحاكم الحكيم، العالم العليم، الحصيف المتبصر، الرزين النجيب، الألمعي الرشيد. يتم وضع اللافتات وصور الرئيس في أماكن مرتفعة مختارة بعناية،

لتظهر طبيعة العلاقة الفوقية-الدونية التي تربط المواطن بالحاكم، وتذكره دوماً أن هناك من يحكم ويتحكم بجميع حركاته وأفعاله وأقواله، فتترسخ لدى المواطن المسكين الصورة الفوقية للسلطة، بحيث يصبح خاضعاً بشكل لا إرادي لها.

أما حين يرصد الحاكم ونظامه أية بوادر تذمر من المواطنين، أو حين يريد تمرير قانون لا يقبله الناس، فيلجأ إلى إغراق الشعب في قضايا هامشية جانبية، يقوم النظام في افتعالها لإشغال الناس عن مطالبهم الأساسية. إذ يتعمد النظام الحاكم افتعال خلافات بين مكونات المجتمع، وينشر العداوة والفرقة فيما بينهم، عبر إثارة المشاحنات والتناحر المذهبي والفقهي والطائفي والعرقي والطبقي والمناطقي. ويتعمد الحاكم ونظامه بخلق نوع من الفوضى ليثير ردود فعل معينة عن بعض الأطراف أو المذاهب في المجتمع من جهة، وحتى يتمكن من تبرير القمع والملاحقات الأمنية لاحقاً للمعارضين من جهة أخرى.

الحاكم مبدع في إشعال الحرائق وافتعال الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في المجتمع لإحكام سيطرته على البشر. حيث يقوم نظام الحاكم باختلاق أزمة معينة ويتولى إعلامه ضخ الشائعات المفبركة والمضللة حولها، ثم يتقدم الحاكم الحاذق الرصين حاملاً الحلول للمواطنين، يتم بموجبها تنازل الناس عن بعض حرياتهم وحقوقهم لتبديد غضب الجميع ولينتصر الوطن بانتصار الحاكم.

كيف يتم التخطيط

بداية يعمد النظام إلى استكشاف وتحديد مكامن القوة والضعف لدى الشعب، من خلال أجهزته الأمنية وعيونه المنتشرة في كل ركن. ويتم التعرف وحصر أسماء المثقفين والمفكرين والعلماء الذين يتبنون مشروعاً ديمقراطياً تنويريا، وتحديد القوى والشخصيات التي تسعى أو تفكر في التغيير، وكذلك تحديد أي شخص يحمل فكراً مخالفاً أو ناقداً. ثم يقوم النظام بالقضاء على مصادر قوة الشعب، أو إضعافها إن تعذر القضاء عليها لسبب أو لآخر. يعمل على شل فاعلية الأحزاب والحركات والأفراد، ويلاحق المعارضين، وفتح السجون بتهم أو بدون تهم، تشويه الخطاب النقدي لبعض المفكرين والعلماء، حتى تشويه سمعتهم الشخصية، يعمل على الإقصاء التام لكافة الأصوات المخالفة. يعمد على فرض رقابة صارمة على حركات الناس وأفعالها واقوالها، حتى وأنفاسها، يعمل ما يستطيع لفرض رقابته ووصايته على مصادر العلم والمعرفة والمعلومات، ويحجب مواقع في الشبكة العنكبوتية يعتبرها خطرة على نظامه.

ثم يسعى الحاكم ونظامه إلى إغراق الشعب بكل ما يلهيه عن مطالبه الرئيسية، وكل ما يشتت تركيز الناس ويمنعهم من التفكير بواقعهم، ليصبح تأمين القوت اليومي الشاغل الأساسي للناس. فيتحول الوطن إلى مناسبات لا تنتهي، ومهرجانات فنية وأدبية، وأيام وطنية، وكرنفالات رياضية، ومسابقات يشارك بها البشر تنظمها وسائل الإعلام بجوائز مالية مغرية. ويقوم الحاكم بمنح الامتيازات للجهلة والسفهاء الذين يتصدرون المشهد الإعلامي سياسياً وثقافياً واجتماعياً، وعلى الأصعدة الأخرى المتعددة، بينما صوت المثقفين والعلماء يتم طمسه أو اعتقاله.

تعمد الأنظمة إلى ضرب منظومة القيم والمثل لدى المواطن، من خلال جعل الحياة ضنكة وغير ميسرة، مما يجعل معها الإنسان لا يعود يهتم بالقيم، وتصاب روحه المعنوية بمقتل، إذ يصبح عاجزاً وانهزامياً وتبريرياً يؤمن أن مصابه هو مصاب الجميع، وهذا تماماً ما تبتغي الأنظمة تحقيقه.

لا يكتفي الحاكم مما سبق، بل يعمل على تشكيل معارضة مفبركة، حتى يظهر الجانب الديمقراطي من نظامه الاستبدادي. يعتمد سياسة شراء الذمم بالأموال أو المناصب، لتتشكل بطانة للنظام تسبح بحمده، وتملأ الفراغ الذي أحدثه الغياب القسري للمثقفين والمفكرين الحقيقيين، فيلتف حول السلطان بعض رجال الدين المدعيين، والمثقفين السطحيين، والجهلة والمنافقين.

وعند رصد اية حركة لفعل شيء ما من قبل الشعب، يعمد النظام إلى قوة الردع القاسية، ثم يعقبها بإطلاق الوعود المعسولة والتطمينات المختلقة، الهدف منها حقن الشعب بالشعارات المخدرة. هكذا يقوم -بعض- الحكام العرب وأنظمتهم باستغفال الشعوب وتليين طبائعها لتطويعها ثم إخضاعها.

مآلات مرعبة

لقد وصل إخضاع -بعض- الأنظمة العربية لشعوبها مرحلة اعتادت عليها تلك الشعوب ولم تعد ترى فيها شيئاً شاذاً، بل أن بعض العرب يعتبر ذلك أمراً طبيعياً، بحيث تحولت كثير من الشعوب العربية إلى أن تمارس رقابة ذاتية صارمة على أفكارها وأقوالها وأفعالها، وأصبحت الناس توجه اللوم لبعضها البعض، بدلاً من توجيه اللوم والنقد للجاني، وتستعين بمبدأ أن على المواطن عدم توريط نفسه بالسياسة مادام يعلم مقدار القسوة التي سيبديها النظام. والمفزع أن هذا الوضع السلوكي لبعض الشعوب العربية يتم توريثه للأجيال اللاحقة، بحيث يتحول الشعب كله نسخة واحدة من الأصل.

في مرحلة متطورة تتغول الأنظمة السياسية والحكام، ويصبح الترويض والردع يطال ليس فقط أقوال وافعال المواطنين، بل يطال النوايا. ومن ثم تتسع دائرة الحظر من الحاكم إلى البطانة إلى كافة رموز النظام والحاكم المستبد، فلم يعد العقاب مستحق على أي نقد للحاكم، بل يتم إنزال القصاص بكل من يجرؤ على المساس برموز النظام.

من الفاجعة القول إن بعض من رجال الدين يكمل دور النظام في ترويض البشر وإخضاعهم، عبر الخطب في المساجد، أو من خلال الندوات والدروس الدينية التي تبث عبر شاشة التلفاز، حيث يتم تحذير الناس من الضلالة والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة، وحرمة عدم إطاعة الحاكم والوالي، والخروج من الجماعة التي ترعب عامة الناس.

والمؤلم حقاً في هذا السياق هو ما تقوم به السلطتين السياسية والدينية في تعميق الشعور بالذنب لدى المواطن العربي، فيصبح الإحساس بالخطيئة والإثم يرافقان الإنسان، بحيث لا يجرؤ على مجرد التفكير بما يفعله الحاكم، أو بالشك بنزاهة النظام، فيقوم المواطن على معاقبة نفسه، حتى على أشياء لم يفعلها، بل لمجرد الشك بها.

وما لم تنهض الشعوب العربية وتقوم بتحطيم نظرية الارتباط الشرطي لهدم جدار الفزع، والانطلاق تجاه بناء دولة القانون والمؤسسات، فإن الحكام سيظلون يقرعون الجرس لنا دون تقديم الطعام.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

نحسب ان العلماء في الحقول المعرفيّة المختلفة، يمارسون عملية التفكير بطريقة علميّة شفافة، ومحايدة، بعيدا عن اية مسبقّات معرفية، او مؤثرات عقديّة، او خلفيات كلاميّة خصوصا في العلوم الانسانيّة، وعلى وجه الخصوص في المعرفة الدينيّة .

واذا اخذنا المعرفة اللغويّة، وعلم النحو على وجه الخصوص . قد يتبادر الى الاذهان، ان عالم النحو يمارس علما محايدا، يصل فيه الى النتائج بطريقة محايدة . وقد نتصور ان المفسر، يفسر النص القرانّي بعيدا عن خلفياته العقدية، وارائه الكلاميّة.

النحاة والمفسرون وموقفهم من (لن)

ولنأخذ انموذجا في تفسير الاية الثالثة والاربعين بعد المئة من سورة الاعراف، في تفسير قوله تعالى مخاطبا كليمه موسى عليه السلام: (لن تراني)، يقول ابن الجورزي في زاد المسير (3/256): (تعلق بهذا (يقصد نفي الرؤية) نفاة الرؤية، وقالوا (لن) لنفي الابد، وذلك غلط؛ لانها قد وردت وليس المراد بها الابد في قوله تعالى: (ولن يتمنوه ابدا بما قدمت ايديهم) البقرة:95، ثمّ اخبر عنهم بتمنيه في النار بقوله تعالى:

(قالوا يامالك ليقض علينا ربك) الزخرف: الاية 77، ولان ابن عباس قال في تفسيرها: (لن تراني في الدنيا) . وهذا الاستدلال بالايتيّن لاينفي كون (لن) موضوعة للتابيد حقيقة، وقد تخرج عن التابيد مجازا، كما في الاية: (قالوا يامالك ليقض علينا ربك)

هنا ابن الجوزي يمارس تفسيره منطلقا من عقيدته الاشعرية التي تقول برؤية الله تعالى في الاخرة، استنادا الى قوله تعالى: (وجوه يؤمئذ ناضرة الى ربها ناظرة) القيامة: الايات: (2223) .

والنحوي الاندلسي ابن مالك، يرى في لن نفس الرأي، اي انها لاتفيد تأكيد النفي ولاتأبيده، يقول ابن مالك في الكافيّة:

ومن يرى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا، وابن مالك هنا يسقط عقيدته الاشعرية في رؤية الله يوم القيامة على فهمه للحرف (لن)، كما فعل ابن الجوزي في تفسيره . والزمخشري في كشافه انتصر لرؤيتة العقدية الاعتزاليّة في نفي رؤية الله يوم القيامة، وفسر لن في الاية (لن تراني) بانها تفيد التابيد .

واستند الزمخشري في دعم رؤيته العقديّة الى احاديث كثيرة، منها، حديث (لن تراني في الدنيا والاخرة)، الذي نفاه السلفيّة بشدة، وقالوا بعدم صحته . نحن هنا امام محدّث ينفي الحديث؛ لانه لاينسجم مع رؤيته العقدية، وقد شنّ مفسرو الاشاعرة حملة شعواء على التفسير الذي اورده الزمخشري.

فالنحاة من امثال ابن مالك رد القول بالتأبيد، وكذلك فعل ابن هشام، يقول ابن هشام: (لن حرف نصب ونفي واستقبال، ولاتفيد لن توكيد النفي خلافا للزمخشري في كشافه، ولاتابيده خلافا له في (انموذجه)، وكلاهما دعوى بلا دليل) "مغني اللبيب،ج1، ص 373374".، وهذا الراي في نفي التابيد والتوكيد، هو رأي الاشموني المتوفى سنة 905 هجرية .

ومن النحاة الذي نفوا القول بافادة لن للتابيد المرادي حيث يقول: (لن، حرف نفي، ينصب الفعل المضارع، ويخلّصه للاستقبال. ولايلزم ان يكون نفيها مؤبدا خلافا للزمخشري، الذي ذكر ذلك في انموذجه) . (شرح الانموذج، الاردبيلي، ص 190).

المرادي هنا ينسب القول للزمخشري وكانه ينفرد به، ولكن راي الزمخشري هذا قال به الخليل بن احمد الفراهيدي، الذي قال بان النفي بلن هو نفي مؤكد، بل هو اوكد من النفي بلا، يقول الخليل في كتاب العين:

(وامّا لن فهي اوكد، تقول: لن يكرمك زيد، معناه: كانه يطمع في اكرامه، فنفيت عنه، ووكدت النفي بلن، فكان اوكد من لا). (العين، ج1، ص 193) .

لن تفيد نفي التوكيد والتابيد

لايفترض بعالم النحو، اوالباحث في النحو، ان ينطلق من رؤاه العقائدية المسبقة، ويسقطها على فهمه لمسائل النحو؛ لان هذا البحث يبتعد عن الطريقة العلميّة في البحث التي يفترض ان ينطلق فيها البحث بلا مسبقات ذهنية، او منطلقات عقائدية . ان هذه الطريقة في البحث، كمن يضع العربة قبل الحصان .

على الباحث ان ينطلق من كلام العرب في استخدامهم لحرف لن، ويتتبع اشعار العرب، ونثر العرب، والاستخدام القراني لهذا الحرف، حتى يصل الى نتيجة موضوعية تخدم العلم .

الاستخدام القراني للن

القران الكريم استخدم لن في معنى التأبيد، فقد جاء في كتاب الله تعالى الايات التالية على سبيل المثال لا الحصر:

(ياايّها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ..) . الحج: الاية 73 .

(واذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) . البقرة: الاية: 55 .

(وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها) . المائدة: الاية: 22 .

(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) . ال عمران: الاية: 92 .

(فان لم تفعلوا ولن تفعلوا) . البقرة: الاية: 23 .

الاستخدام النبوي للن

الايات السابقة تم فيها استخدام لن لنفي التابيد وتوكيد النفي، والرسول استخدم ايضا لن بهذا المعنى، واكتفي بذكر حديث الثقلين المشهور:

(اني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والارض، وعترتي اهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) .

استخدم النبي (ص) لن هنا بمعنى لنفي التأبيد .

استخدام لن للتابيد في الشعر العربي

واستخدم الشعراء العرب (لن) في افادة معني تابيد النفي وتوكيده . جاء في شعر حاتم الطائي:

فنفسك اكرمها فانك ان تهن   عليك فلن تلفي لك الدهر مكرما

وجاء في قول الاعشى:

ومضى لحاجته فاصبح حبلها    خلقا وكان يظن ان لن ينكدا

ماعرضناه من الامثلة يؤكذ ان لن حقيقة موضوعة للتابيد، وقد تخرج عن التابيد الى اغراض اخرى مجازا .كما يجدر الاشارة الى ان البحث النحوي ينبغي ان ينطلق وهدفه البحث عن الحقيقة، لا انتصارا لمدرسة عقدية، واسقاط اخرى .

 

زعيم الخيرالله

 

(الله نورُ السموات ِ والأرض ِمثل ُنوره ِكمشكاةٍ فيها مصباح ٌالمصباح ِفي زجاجةٍ الزجاجةِ كأنها كوكبٌ دري ٌيوقد ُمن شجرةٍ مباركةٍ زيتونة ٍلاشرقيةٍ ولاغربية ٍيكاد زيتُها يضيءُ ولو لم تمسَسْه نارٌ نورٌ على نورٍ يهدي اللهُ لنورِه من يشاء ويضرب الله ُالأمثال َللناس واللهُ بكل شيء ٍعليم). النور 35.

تصفّحتُ موقعا ألكترونيا قرآنيا، فمرّت عليّ هذه الآية المباركة، وهي آية مميزة، تستوقفنا معانيها، فأخذني الفضول لأفهم تفسيرها عند المتصوفة.

معناها العام واضح لدينا، ومن لديه إشكالٌ في الفهم بإمكانه الرجوع الى كتب تفسير القرآن الكريم.

للقرآن معنيان ظاهر وباطن، وهو هذا الذي أشار اليه الإمام علي ع، بقوله:

"القرآن حمّالٌ ذو وجوه"، و"ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق"

مفسرو القرآن لهم اتجاهات خاصة في تفسير نصه، والاتجاهات متعددة ومتنوعة وهي خاضعة لظروف المفسر، التي منها أولوياته وقبلياته، وحتى ميوله وتطلعاته وثقافته الشخصية، كلها تعينه على تفسيره وتأويله. منهم من يفسّره بمعناه الظاهري، يعني يستنطق الآيات القرآنية بما هي، أي يفسر القرآن كما ورد آية آية، يجزئ القرآن ويفسره . يُسمى هذا التفسير بـ (التفسير التجزيئي)، وما أكثر كتب التفسير المعني بهذا النوع!

ويعتبر دور المفسر هنا سلبيا بنظر بعض الناقدين، لأن القرآن دوره هنا دور المتكلم، و المفسر دوره دور المُخاطَب المتلقي، فقط يفسّر النص الجاهز والظاهر أمامه، لايتكلّف كثيرا، يعني ينتقل من النص الى الواقع، وبالطبع فهو يمتلك رصيدا باللغة وآدابها وأساليب التعبير. مثال على هذا النوع من التفسير هو، "تفسير الميزان" للسيد محمد حسين الطباطبائي، العالم والفيلسوف، تفسيره للقرآن جاء وفق ثقافته وميوله، لذلك يعتبر من اهم كتب التفسير الغنية والمعنية بهذا النوع .

مفسّرون آخرون يستنطقون الآيات القرآنية الدالة على موضوع حياتي ما، أياً كان نوعه سواء كان دينيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا في القرآن الكريم . دور المفسر هنا أكبر؛ فهو ينتقل من الواقع الى النص. يعني حين ينتقي موضوع ما يدرسه على ساحة الحياة أولا ويستقرئ الأفكار والآراء والمواقف البشرية حوله، ثم يطرحه على القرآن الكريم محمّلا بها، محاورا القرآن، هو يسأل والقرآن يجيبه. بالأحرى هو يحرث أرضية النص القرآني ويستخرج منها ما يجيب على استفهاماته، ويخرج بنظرية ما إزاء موضوعه، هذا التفسير يسمى بـ (التفسير الموضوعي)، فدور المفسر هنا يعتبر ايجابياً، لأن المفسر بذل جهدا كبيرا على صعيد الواقع، بعدها بلغ القرآن محاورا.

أما المتصوفة فهم بارعون في استلهام الأبعاد الرمزية والجمالية في القرآن. هم يستنطقون نوره وجماله الذي لايراه الناظرون، بالروح لا بالعقل.

بتصوري، تفسير المتصوفة أصعب تفاسير القرآن. هو ليس سهلا، لأنه يستنزف الروح الباحثة عن النور غير المرئي للآخر في النص القرآني. لغة المتصوفة لغة شفافة رقيقة خاصة، تحمل معاني َعميقة.... هي لغة أرواح غارقة في عوالم النور، تخاطب الروح لا العقل، فهي ليست سهلة. يتكلمون بلغة أشبه بلغة النصوص المقدسة، لذلك لايفهمها المتلقون من العامة. نُصاب بالدهشة حين نقرأ تفسيرهم للمصطلحات القرآنية التي تبدو لنا واضحة وسهلة التفسير والفهم.

من جانب آخر، قد يبدو لنا أن المتصوفة بذلوا جهودا مضنية لتفسير القرآن، لكن ربما بالنسبة لهم يكون التفسير سلساً، لأنهم اعتادوا الخوض في عوالم النور الملهمة لأرواحهم، وأدمنوها، بل هم على سفر دائم الى عوالمها. تعزف لغتهم على أوتار القلوب، فتأخذ لبابها.

 

معاً، لتفسير آية النور بموسيقى صوفية:

معنى المصطلحات حسب تفسيرهم الباطن هو:

"المشكاة تعني: البدن

المصباح: الروح

زجاجة: القلب

الشجرة التي توقد منها الزجاجة المشبهة بالكوكب الدري: هي النفس

الزيتونة: هي النفس المستعدة للاشتغال بنور القدس بقوة الفكر

الزيت: هو نور استعدادها الأصلي" .

تفسير الآية لم أجدْه في الكتاب المذكور، ولستُ أهلاً للخوض في عوالم المتصوفة. أفسّر الآية وفق فهمي الخاص، لكنه بالتأكيد يعتمد على تصور المتصوفة لتفسير كلمات الآية الكريمة، على هذا الأساس أفسّر النور في آية النور:

المتصوفة حين يفسّرون نور الله في هذه الآية هم بالأحرى يتحدثون عن نوره الذي اخترق أرواحهم واتحدوا به، لدرجة صاروا لايميزون بين النورين، وطبعا لم يبلغوا نور َالله إلا بعد رياضات شاقة وخاصة جداً، لايمكن التطرق لها هنا، وهي لذوي الاختصاص بعلم التصوف والعرفان. المتصوف البغدادي الحلاج يجسد شعوره بالنور الإلهي بهذا البيت من الشعر:

انا من أهوى ومن أهوى أنا   نحن روحان حللنا بدنا

يعني هو اتحد مع نور الذات المقدسة.

كان يمشي بين الناس و يردّد: أنا هو، فكفّروه وأعدموه.

إن النفس الأصلية (الزيتونة) التي تولد النور كامنة في أعمق أعماق البدن. هي عاملة شغّالة بتوليد النور، وتوليده لا يتم إلا بقوة الفكر التي تنطوي عليها، وقوة الفكر تستمد طاقتها من الوقود الذاتي، الذي هو الزيت، حتى تولد النور، فحين ينسكب عليها الزيت الذاتي الاشتعال تعمل على توليده (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار)، فهي بالضبط كالشمس، تولد نورها ذاتيا، وتمنح النور القوي لمن حولها، فتشعّ النور للنفس الثانية (للشجرة التي توقد منها الزجاجة المشبهة بالكوكب الدري).

نرى المتصوفة هنا حذرين، فهم يتعاملون مع النفس لا مع الروح، كما القرآن الكريم، فاعتبروا النفس هي العاملة، وهي المسؤولة والمكلفة بتوليد النور، كما هي عند الله مسؤولة عن عمل الإنسان المادي والمعنوي، وهي المحاسبة. وهنا يكمن الفرق بينها وبين الروح. الروح هي المسؤولة عن بعث أو سلب الحياة من الجسد، بينما النفس هي الفعالة، ولذلك عبر القرآن الكريم بقوله: (ونفس وماسواها فألهمها فجورها وتقواها)، ولم يقل (وروح وماسواها....الخ)، لأن الروح هي من أمر الله (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي). هي شيء غيبي يستمد منه الجسد الطاقة الروحية الخلاقة، مثلها مثل الوقود لأية آلة، لايمكن لها أن تعمل مالم تحتوِه، فهو المحرّك لها، بينما النفس تمثّل اليد التي تعمل على تشغيل الآلة وتوجيهها، وهي المسؤولة عن جودة العمل الذي تؤديه، ورداءته، وأعني به النتائج الإيجابية أو السلبية المترتبة عليه.

حين يولد النور من النفس الأولى (الزيتونة) تبثه للنفس الثانية (الشجرة المباركة)، التي بدورها تبثه للروح (مصباح المصباح)، ثم الى القلب ( الزجاجة)، ثم البدن (المشكاة).

النفس فعالة في توليد النور لها دور وأثر كبيران في بث النور وبزخم عال لكل العناصر الداخلة في البدن. النور سيفيض على كل هذه العناصر بقوة، لأن الطبقات التي يتخللها النور هي شفافة وحين يصل للمشكاة (البدن) سيكون ساطعا، وكما نعلم معنى المشكاة هي الكوة، أو النافذة، فحين يصل اليها النور يتدفق بقوة من منبعه الأول فتغرق النفس والقلب والروح والبدن وظاهره، والوجه ومحياه وكلها تجتمع فيه، فيغرق المتصوفة في غمام النور.

وماأروع أرواح المتصوفة السابحة في فضاء النور!!

أيها النورُ في الفؤاد تعال    غايةُ الوجدِ والمرادِ تعال

ياظريفَ الدنيا سلام ٌعليك    إن دائي وصحتي بيديك

 

جلال الدين الرومي

 

تيسير عبدالجبار الالوسياستقرَّ الإنسان في جماعات، تعمَّدت بمنطلقات العلاقات القرابية لتنفتح بعد ذلك وتمد جسور علاقات أشمل وأوسع فيما بينها. وبولادة مجتمعات الحواضر ودولة المدينة كان الاتصال الإنساني، يتعزز بتقدم لغته وتعزّز منطق التفاعل بين الأفراد بإطار تلك العلاقات البشرية ومستوى الاستقرار.. وكان التبادل الشفوي ذا أثر مكين في تناقل حال الاصطلاح والتواضع اللغوي؛ حتى جاءت الكتابة، لتكون أداة أخرى لذاك التناقل والتبادل المعرفي تحديداً في نشر الخبرة اللغوية ومعرفتها؛ تلبيةً لحاجاتٍ فرضتها الحياة آنذاك.

في تلك المراحل المبكرة التي تحول بها الإنسان من وضع إلى آخر، أكثر تقدماً وتنوعاً في سدّ حاجاته الحياتية وأولها حاجات العيش الغذائية، كان الصيد مصدرها أولاً وبدءاً، ليأتي الرعي والزراعة وما فرضته من معارف تالياً؛ بتلك المراحل، تطلَّب الأمرُ أنْ يجري (تعليمها) للآخرين ونقل تلك الخبرات والمعارف إلى الأجيال التالية..

 فكانت عملية التعلُّم والتعليم فالتعلّم في أول خطواته جاء من التجربة الذاتية المحدودة لكنها التاريخية (الكبرى) من اكتشافات مثل استخدام النار والعصا وأمور أخرى بلا تحديد إحصائي هنا.. وجاء التعليم من تبادل خبرات تلك التجاريب بوسائل الاتصال المتاحة من لغة بدائية؛ لم تتعدَّ بضعة أصوات وحركات إشارية تعتمد التجسيد البصري (الصوري) ومنطق إيحاءاته المباشرة ولكنها كانت عملية تعليم مكتملة الأطراف في حركتها وفعلها النوعي المتلائم ومرحلتها.

لقد كانت عملية التعليم الأولى قائمة على محددات ما يمتلكه الإنسان فردياً جمعياً، من خبرات ومعارف بدائية. حتى اتسعت حركة التمدن وصعد نجم الحضارة لنشهد مع تلك المتغيرات ظاهرة انطلاق أولى صفوف التعليم المتقدمة نسبة لتلك المراحل ممثلة في فصول المدرسة السومرية، الفرعونية، الصينية واليونانية ولتشهد الحضارة الإنسانية أدوار: مكتبة الاسكندرية وأكاديمية أفلاطون الأثينية ومدرسة كونفوشيوس الصينية وجميعها كانت مراكز التعليم آنذاك تلك التي طبعت نظام عملية التعليم بما حملته وبما أدت من وظائفها في تزويد المتعلم بما توافر من معارف في حينه.

لقد تطور (التعليم) لينهض بمهمة نقل المعارف والعلوم بأداة لغوية بعينها وبشكلٍ منظَّمٍ انطبع بجملة خصائص حيث صار محددِ الوسائل مع تقسيم مراحله وتخصصاته وتضمينه أو انطباعه بأهداف على وفق الغاية من إعداد المتعلم.. وبما يناسب شخصيته ومرحلته العمرية وقدراته المخصوصة وميوله…

وهكذا فإنّ التعليم بمراحله الأولى بات يتحتم أن يتضمن عناية في إيصال الأسس اللغوية والثروة المعجمية الملائمة المناسبة وبصورة تدريجية مثمرة منتجة محسوبة بدقة..

ومع تقدم المنجز العقلي البشري والحضارة الإنسانية صار لنا اتساع في المعجم اللغوي بما يعبر عن مستوى الرقي العلمي وهو ما تطلَّب دائماً وباستمرار البناء في ثروة الفرد بما يخدم اشتغاله المتخصص..

وإذا ما عاودنا الإشارة إلى المراحل الابتدائية لإعداد التلميذ (المتعلم) فإن عملية ((التعليم)) لا تتم من دون انتباه ذي أثر بمجالات (تربوية – نفسية) للمتعلم. فسايكولوجيا التعليم عند الأطفال غيرها عند الكبار. وهي إشكالية جد مهمة في صياغة المناهج وأساليب التعليم لتحقيق النتائج المرجوة من التعليم عملية متخصصة ببناء الإنسان فردياً جمعياً…

ما يهمني بهذه الإطلالات أنْ أعالج (التعليم) في إطار الوجود الإنساني ودوره تحديداً في تكريس إنسانية المجتمع البشري وفصم الإنسان ومجتمعه نوعياً ونهائياً عن كل أشكال وجود الأحياء الأخرى.. حيث استثمر (الإنسان) قدرات التعلّم عنده في التحول بخبراته من حال فردي إلى حال أخرى جمعية بوساطة عملية التعليم. لتكون تلك العملية (أي العملية التعليمية) أرقى جهد استطاع به الإنسان أن يواصل أنسنة وجوده وأن يطبعه تالياً بمنطق التمدين والتحضّر…

إذن، فهذه إطلالة أولى وأولية ابتدائية،، تفترش صورة موسوعية عن العلاقة بين التعليم ومسيرة الحضارة الإنسانية بأطرها العامة.. وكذلك تُعنى بدلالة عملية التعليم والتعلّم.. وفي ضوء ذلك فهي مدخل إلى التالي من الإطلالات التي ستعالج (التعليم) بإطاره المجتمعي بين الرسمي والشعبي لتبحث فيما ينبغي أن يكون من اهتمام وتفاعل مع إشكالية جوهرية في وجودنا (الإنساني) وما يغذي هذا الوجود بمراحله اليوم. بالإشارة إلى التعليم جوهر اشتغال هذي الإطلالات وعلاقته بالتنوير.. 

ولو لم يجتهد الإنسان باستحداث تلك العملية (التعليمية) لما استطاع أن ينجز (التراكم) المعرفي المتأتي من تجاريب التعلّم ولما استطاع أن يتقدم بتلك الخبرات بعملية تنمية وارتقاء وحركة تقدم إلى أمام. لقد كان التعليم أداة عظيمة في صنع الإنسان بوجوده فردياً جمعياً وبما تحول إليه في المنصة المجتمعية في حركة التحول الحضاري التي نعرفها…

وكلما تفتَّح التعليم بأسسه وقوانينه واستهدف الإنسان وتقدمه تحديداً، استطاع أن يتقدم نوعياً بالإنسان؛ وهو ما وصل تالياً إلى مستوى عبرت عنه حركة تقدمه، يوم باتت تتم بقفزات كبرى تطارد حركة النهضة البشرية المعاصرة عبر تاريخ التقدم الإنساني وعبر حاضره متعاظم التطور العلمي بدرجات مميزة غير مسبوقة.

وكان إثراء المجتمعات يتم بتناسب طرديّ مع سلامة التعليم ونضج نظمه، فيما ذاك التناسب الطردي ينعكس باتجاهه منقلباً ليوقع المجتمعات في منطقة حضيض الخرافة وتناقلها، ليس مضموناً أو محتوى للتعليم ومخرجاته المتخلفة حسب بل ومنهجاً وأسلوباً قيَّد بعض المجتمعات وأسرها فأخرجها من حركة التاريخ، محتجِزاً إياها في كهوف تعفنت بما فيها وعفَّنت مَن أسروه بمعاقلها..

وكان قد جاء إلى موقع القرار في الدول التي صعد نجمها، من وجد في (العلم) أداة لترصين قدراته وتعزيز قوته.. فالسيف لم يكن السلاح الأمضى عنده.. وبهذا اهتم بالتعليم نظاماً شاملاً لتحقيق تلك المتغيرات في بناء الإنسان وعقله، حتى أنّ تلك المراحل والظروف فتحت الاجتهاد على مصاريعه وكسرت التابوهات المقدسة زيفاً، لتمنح الحصانة لحركة عقلية ومنطقها التنويري…

المشكل هنا أنّ بعض من يقرأ تلك المراحل ينسبها حصراً، لأفراد ولتصدّرهم المشهد وموقع القرار، بينما الحقيقة تنفتح على منجز عقلي جمعي كما بنماذج وشواهد تاريخية معروفة كثيرة وعليه فإنّ إلحاق المنجز الحضاري لعصر أو مرحلة تاريخية ونسبته لفرد يمهّد لقشمريات منطق مزاجي مرضي فمن يقع بكراهية نفر، فإنه سيتم إقصاء ما تمّ من منجز ومنهج في أمر منسوب له، بينما ينبغي الانتباه على أهمية توكيد أن إنتاج الخيرات المادية والروحية – العقلية هي قضية مجتمعية شاملة يمتلكها المجتمع برمته.. أما لعبة الشخصنة والفردنة فتظل لعبة حبيسة ضيق الأفق من جهة وعفن ما يتم اجتراره من تخلف لم يكن سائداً حتى بتلك المراحل التاريخية ليجري إنتاج خطاب يخدم الاستغلال ونظامه المرضي..

إنَّ هذي التجربة التاريخية للحضارة البشرية تؤكد أنّ إنتاج المعارف والعلوم لا يقبع بمنطقة الفرد العبقري، وكأنه الاستثناء الهابط لمجتمع بعينه من فضاء خارجي بل هي قضية إنتاج جمعي مجتمعي شامل وكبير ومن دون أرضية نشر العلوم ومحو أمية المجتمع أبجدياً ثقافياً لا يمكن أن ننتج علوما متخصصة يمكنها أن تبني. وما قد يظهر من بعض شكليات بمسمى (علوم وعلماء) إنما سيكون بتلك الحال، مجرد خديعة المقدس المزيف، وما ينتجه (دعاته) من أضاليل التخلف ومخادعاتها…

بالضبط كما نرى بعض مجتمعات اليوم تحيا على موائد (ما) يسمونهم علماء وهم ليسوا سوى دجالين يعقدون المجالس لنشر خزعبلاتهم وملء عقول خاوية جرى إفراغها من العلوم والمعارف ومن أرضيتها المجسَّدة بمنطق التنوير وثقافته المتمدنة المتفتحة…

وعملية (التعليم) بظلال هذا المنطق هي عملية اجترار (معلومات) شكلية (منتخبة)، بقصد تحنيط العقل وتجميده لتحظر التفكير فيه بما يفضي إلى ظاهرة (اكتساب) السلبي مضموناً ومنهجاً بديلا عن قدرة (التعلّم) التي تعني اكتساب المعارف والعلوم ذاتيا بنهج متفتح يتأسس على منطق الاجتهاد والإبداع وكسر التابوهات المزيفة…

وهكذا فالتعليم عملية بوجهين ومسارين متناقضين إن جاءت مكتملة متفتحة خدمت حركة التقدم وإن تمّ انتزاع جوهرها صارت أداة مخادعة وتفريغ العقل وتسطيح الإنسان ومنطقه بما يهيئه للحشو بالخرافة…

والتجربة البشرية تسجل الحالين، مثلما تسجل مقدار حركة التقدم وتعميد سواعد النهضة والتفتح بعملية تعليم صحية صحيحة فيما سجلت كوارث عملية التعليم المفرغة من أدواتها العميقة المنطقية الأنجع والأنضج. ودراسة ذياك التاريخ المشهود مفيد لتقديم الدرس والعظة لجيل اليوم وتحريره من أسر الظلاميات وعفن كهوفها…

فهلا أدركنا من حركة التاريخ ومنجز الحضارات البشرية دروسها الأهم؟ هلا تعرفنا إلى أية عملية تعليمية نتوجه وبأي اتجاه نختارها؟ هلا تعرفنا إلى خدعة أن يكرس بعض الأدعياء أضاليل التخلف بمظلة مقدس مزيف كاذب؟ هلا أدركنا مخاطر ما يسمونه (المدارس الدينية) وهي ليست سوى موائل تحريف التعليم باتجاه يخدم منطق الاجترار للماضوي المنقرض بدل الاستفادة من البناء على تجاريب الماضي الحي بعظاتها لا بعفن بواقيه الميتة؟

 

د. تيسيرعبد الجبار الآلوسي

 

حامد الحمدانييتشكى الكثير من الآباء والأمهات من حالة التأخر الدراسي التي يعاني منها أبناءهم ، غير مدركين للأسباب الحقيقية وراء هذا التأخر وسبل علاجها، وقد يلجأ البعض منهم إلى الأساليب غير التربوية والعقيمة، كالعقاب البدني مثلاً في سعيهم لحث أبنائهم على الاجتهاد، ولاشك أن الأساليب القسرية لا يمكن أن تؤدي إلى تحسين أوضاع أبنائهم، بل على العكس يمكن أن تعطينا نتائج عكسية لما نتوخاه .

إن معالجة مشكلة التأخر الدراسي لدى أبنائنا وبناتنا تتطلب الاستعانة بالأساليب التربوية الحديثة القائمة على العلم، فهي المنار الذي يمكن أن نهتدي بها للوصول إلى ما نصبوا له لأجيالنا الناهضة من تقدم ورقي وهذا بدوره يتطلب منا أن الإجابة على الأسئلة التالية:

1 ـ كيف نحدد  التأخر الدراسي؟

2 ـ ما هي أنواع التأخر الدراسي؟

3 ـ ما هي مسببات التأخر الدراسي؟

4 ـ كيف يمكن علاج التأخر الدراسي؟

كيف نحدد التأخر الدراسي :

لكي نستطيع تحديد كون التلميذ متأخر دراسياً أم لا  ينبغي الاستعانة بالاختبارات التالية : (24)

1ـ اختبارات الذكاء .

2 ـ اختبارات القدرات .

3 ـ اختبارات التكيف الشخصي والاجتماعي.

وسأحاول أن أقدم لمحة موجزة عن هذه الاختبارات وما يمكن أن تكشفه لنا كل واحدة منها من معلومات هامة ومفيدة تساعدنا على التعرف على مستوى ذكاء التلميذ، وما إذا كان عمره العقلي يتناسب مع عمره الزمني، أم انه أعلى، أم أدنى من ذلك، وتدلنا على الوسائل التي يمكن الاستعانة بها لمعالجة أسباب تأخره، وتوجيهه الوجهة الصحيحة، وملافات الهدرالذي يمكن أن يصيب العملية التعليمية والتربوية إذا ما أهمل هذا الجانب من الاختبارات.

أولاً: اختبارات الذكاء

الذكاء كما هو معلوم، القدرة على التعلم واكتساب الخبرات، وكلما زاد الذكاء، كلما زادت القدرة على التعلم، وطبيعي أن الأطفال جميعاً يختلفون بعضهم عن بعض بنسبة الذكاء، كاختلافهم في القدرة الجسمية سواء بسواء.

ولقد كان العلماء فيما مضى يهتمون بكمية الذكاء لدى الطفل بصورة عامة، إلا أن الأبحاث الجديدة كشفت أن للذكاء أنواع متعددة، فقد نجد تلميذاً متفوقاً في الرياضيات، ولكنه ضعيف في الإنشاء والتعبير. إن لاختبارات الذكاء أهمية قصوى وينبغي أن تأخذها مدارسنا بالحسبان لكي تستطيع أن تؤدي عملها بنجاح .

ماذا تكشف لنا اختبارات الذكاء؟

1ـ تعرفنا هذه الاختبارات إن كان تحصيل التلميذ متفقاً مع قدراته ، أم أن تحصيله أقل من ذلك ، وإلى أي مدى؟

2ـ تساعدنا على تقبل نواحي النقص، أو الضعف لدى التلميذ  فلا نضغط عليه، ولا نحمله ما لا طاقة له به، فيهرب من المدرسة، ويعرض مستقبله للضياع .

3ـ تساعدنا على تحديد نواحي الضعف وامكانية معالجتها.

4ـ توضح لنا الفروق الفردية بين التلاميذ، ولهذا الأمر أهمية بالغة جداً، لا يمكن لأي معلم ناجح الاستغناء عنها.

5ـ تساعدنا هذه الاختبارات على تحديد نواحي القوة والتفوق لدى التلميذ ، والتي يمكن الاستعانة بها على معالجة نواحي الضعف لديه .

6- تساعدنا هذه الاختبارات على توجيه التلميذ الوجهة الصحيحة، فلا يكون معرضاً للفشل وضياع الجهود والأموال. (25)

وهكذا يتبين لنا أن الاهتمام بمثل هذه الاختبارات يتسم بأهمية كبيرة إذا ما أردنا النجاح في عملنا التربوي، وتجنبنا إضاعة الجهود، وحرصنا على أحوال التلاميذ النفسية، وجنبناهم كل ما يؤدي إلى الشعور بالفشل، وضعف الثقة بالنفس، وعدم القدرة، والشعور بالنقص، وربما يلجأ التلميذ إلى الهروب من المدرسة إذا ما وجد نفسه غير قادر على القيام بواجباته المدرسية شأنه شأن بقية زملائه في الصف.

وتضم اختبارات الذكاء  نوعين:

1 ـ نوع يقيس القدرة العقلية بصورة عامة: (26)

ويوضح لنا العلاقة بين [العمر العقلي]و[العمر الزمني]للتلميذ، وتعبرعنه هذه النتيجة بـ [نسبة الذكاء]  حيث تقاس نسبة الذكاء بحاصل قسمة العمر العقلي على العمر الزمني مضروباً في 100،  فلو فرضنا أن طفلاً عمره الزمني يعادل 10 سنوات، وأن نتائج اختبارات الذكاء بينت أن عمره العقلي يعادل 9 سنوات فإن نسبة الذكاء لديه تساوي 90% . ومن الواضح أن التلميذ المتوسط تكون نسبة ذكائه 100 %،

فمن كان نسبة ذكائه ما بين 80 إلى 90% كان ذكاء ذلك التلميذ دون المتوسط. ومن كان نسبة ذكائه من بين 90 إلى 110 فهو متوسط الذكاء .

ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 110 إلى 120 كان ذكياً

ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 120 إلى 140 كان ذكياً جداً .

ومن كان نسبة ذكائه ما فوق 140 كان التلميذ عبقرياً.

2 ـ نوع يقيس الأنواع المختلفة للقدرات العقلية:

وهذا النوع يبين لنا موطن الضعف،وموطن القوة،إلى جانب الذكاء الكلي، وطبيعي أن هذا النوع أدق من الاختبارالأول.

كان علماء النفس  يعتقدون أن نسبة الذكاء ثابتة، وغير قابلة للتغيير، ولا زال البعض منهم يأخذ بهذه الفكرة، غير أن الدلائل تشير إلى أن النمو في قدرة الطفل العقلية لا تسير على وتيرة واحدة، ولا بشكل منتظم، بل تتخلله حالات من البطء، وحالات من السرعة، وهي تتوقف على طبيعة النمو  وعوامله المختلفة.

إن الذكاء يتأثر حتماً بالتفاعل بين عاملي [الوراثة] و[البيئة] وإذا ما تبين أن ذوي التلميذ لا يعانون من أي عوق أو تخلف عقلي أو اضطرابات نفسية، وإذا ما توفرت البيئة الصحية والطبيعية الملائمة، فإن النمو يجري على أحسن الوجوه.

غير أن هناك حقيقة لا ينبغي إغفالها أبداً وهي أن اختبارات الذكاء قد لا توصلنا إلى حد الكمال وذلك لوجود عوامل مختلفة تؤثر على مدى دقتها كالمرض والاضطراب النفسي والخبرة التي اكتسبها الطفل من بيئته لأنها تلعب دوراً مهماً في الموضوع.

وعلى كل حال يمكننا أن نحصل على النتائج المفيدة إلى حد بعيد إذا ما كانت الاختبارات التي أجريناها دقيقة، وإذا ما أخذنا في الاعتبار جميع العوامل المؤثرة في هذا المجال، وينبغي لنا أن نؤكد على أن نجاح التلميذ في اختبارات الذكاء لا يعني أنه لن يفشل في دراسته العليا، إذا ما اجبرالتلميذ على دراسة فرع لا يرغب به، وليست له القدرة عليه، ولذلك لابدّ أن تكون هناك اختبارات أخرى تحدد لنا الاتجاه الذي ينبغي للتلميذ أن يسلكه.

ثالثا: اختبار القدرات

وهذا النوع من الاختبارات له أهمية خاصة، حيث أنه لا يعطينا فقط مستوى قدرة التلميذ في مجال ما، في الوقت الذي جرى فيه الاختبار، وإنما يتعداه إلى كشف المستوى الذي يمكن أن تبلغه قدراته في هذا المجال، إذا ما نال من مربيه في البيت والمدرسة، الرعاية والعناية اللازمتين.

ومن الأنواع الشائعة لهذه الاختبارات: (27)

1ـ الاختبار في القدرة الموسيقية .

2 ـ الاختبار في القدرة الفنية ، من رسم ونحت وتمثيل.

3 ـ الاختبار في القدرة الميكانيكية .

4 ـ الاختبار في القدرة الأدبية .

وبهذه الأنواع من الاختبارات نستطيع أن نحدد قابلية التلميذ في هذه المجالات،ومدى إمكانية تطوير هذه القابلية في أي من هذه المجالات، كي نوجهه الوجهة الصحيحة التي تمكنه من النجاح  فيها بتفوق .

رابعا: اختبارات التكيف الشخصي والاجتماعي:

وهذه الاختبارات تكشف لنا عن ميول التلميذ، ومزاجه، ومشاكله الشخصية، وهي لا  تعطينا إجابات محددة صحيحة أو خاطئة عن الأسئلة المطروحة، والتي يطلب فيها من التلميذ الإجابة بما يشعر به بل تقيس جميع مظاهره الشخصية. وهذا النوع من الاختبارات له أهمية بالغة بالنسبة لعمليتي التربية والتعليم،وذلك لأن المعلم لا يستطيع أن يربي تلاميذه التربية الصحيحة، ويعلمهم بسهولة ويسر، إلا إذا فهم كل تلميذ فهماً صحيحاً، من حيث الميول، والرغبات والمزاج، والتعرف على المشاكل التي يعانيها في البيت والمدرسة، ويعمل على تذليلها.

بقي لي كلمة أخيرة أقولها بكل أسف ومرارة، أن المدارس في معظم ما يسمى بالعالم الثالث لا تهتم بهذه الأنواع من الاختبارات، وجل اهتمامها ينصب على اختبارات التحصيل الدراسي، بل لا أغالي إذا قلت أن الكثير من المعلمين لم يسمعوا عن هذه الاختبارات، ولا يعرفون شيئاً عنها، وهكذا بقيت الأساليب التربوية والتعليمية مبتورة، وسببت ضياع الجهود والإمكانيات لدى الأبناء، وعلى هذه المدارس أن تغير من أساليبها، لتلافي نواحي النقص فيها إذا شاءت النهوض بشعبها إلى مصاف الأمم المتقدمة الأخرى.

أنواع التأخر الدراسي:

يختلف التأخر الدراسي من تلميذ إلى آخر، ولكل نوع من التأخر الدراسي أسبابه وظروفه، وسبل معالجته، وإجمالاً يمكن تحديد أنواعه بما يأتي:

1 - التأخر الدراسي المرضي: ويتطلب هذا النوع علاجاً طبياً، وغالباً ما يكون علاجه صعباً، ولا شك أن العقل السليم في الجسم السليم ولا يمكن للتلميذ المريض أن يفكر وينجز مهامه الدراسية وهو يعاني من مرض جسدي .

2 ـ-  التأخر الدراسي غير طبيعي : وهذا النوع يمكن علاجه بالوسائل التربوية العلمية، وهو ما يمكن أن تقوم به المدرسة بالتعاون مع البيت، وهذا النوع من التأخر يمكن أن يكون في جميع الدروس، وقد يكون تأخراً في بعض الدروس، وقد يكون تأخراً في درس واحد فقط فقط، وقد يكون التأخر وقتياً  وقد يستمر وقتاً طويلاً ، ولكل نوع من هذه الأنواع مسبباته ووسائل علاجه. (28)

ما هي مسببات التأخر الدراسي؟

إن أهم العوامل  المسببة للتأخر الدراسي هي التالية:

1ـ العامل العقلي:

كالتأخر في الذكاء بسبب مرضي أو عضوي .

2ـ العامل النفسي:

كضعف الثقة بالنفس ،أو الكراهية لمادة معينة، أو كراهية معلم المادة بسبب سوء معاملته لذلك التلميذ، وأسلوبتعامل الوالدين مع أبنائهم .

3ـ العامل الجسمي:

كون التلميذ يعاني من عاهة أو أي إعاقة بدنية.

4 ـ العامل الاجتماعي:

ويتعلق هذا العامل بوضع التلميذ في البيت والمدرسة، وعلاقاته بوالديه ومعلميه وأخوته وأصدقائه.

إن هذه العوامل كلها ذات تأثير مباشر في التأخر الدراسي لدى التلاميذ، وعلى ضوء دراستها نستطيع أن نعالج التلاميذ المتأخرين دراسياً والذين تثبت مقاييس الذكاء أن تخلفهم أمر غير طبيعي. ومما تجدر الإشارة إليه أن التأخر الدراسي لدى التلاميذ يصاحبه في اغلب الأحيان الهرب من المدرسة، والانحراف نحو الجرائم، من سرقة واعتداء وغيرها، ذلك أن التلاميذ الفاشلين في دراستهم يستجيبون أسرع من غيرهم لهذه الأمور بسبب شعورهم بالفشل،  وعدم القدرة على مواصلة الدراسة والتحصيل، ولو تتبعنا أوضاع وسلوك معظم المنحرفين لوجدنا أنهم خرجوا من بين صفوف التلاميذ المتأخرين دراسياً. (29)

كيف نعالج مسألة التأخر الدراسي:

إن معالجة مسألة التأخر الدراسي  للنوع الثاني [غير الطبيعي] تتوقف على التعاون التام والمتواصل  بين ركنين أساسيينوهما البيت والمدرسة.

أولاًـ البيـت:

ونعني بالبيت طبعاً المهمات التربوية للآباء والأمهات، ومسؤولياتهم بتربية أبنائهم تربية صالحة، باستخدام الوسائل التربوية الحديثة القائمة على تفهم حاجات الأبناء ومشاكلهم وسبل تذليلها، حيث العائلة كما أسلفنا من قبل هي المدرسة الأولى التي ينشأ بين أحضانها أبناءنا، ويتعلموا منها الكثير. ولا يتوقف عمل البيت عند المراحل الأولى من حياة الطفل، بل يمتد ويستمر لسنوات طويلة حيث يكون الأبناء بحاجة إلى خبرة الكبار في الحياة، وهذا يتطلب منا:

1ـ الإشراف المستمر على دراستهم، وتخصيص جزء من أوقاتنا لمساعدتهم على تذليل الصعاب التي تجابههم بروح من العطف والحنان والحكمة، والعمل على إنماء أفكارهم وشخصياتهم بصورة تؤهلهم للوصول إلى الحقائق بذاتهم ، وتجنب كل ما من شأنه الحطّ من قدراتهم العقلية بأي شكل من الأشكال، لأن مثل هذا التصرف يخلق عندهم شعوراً بعدم الثقة بالنفس ويحد من طموحهم .

2ـ مراقبة أوضاعهم وتصرفاتهم وعلاقاتهم بزملائهم وأصدقائهم، وكيف يقضون أوقات الفراغ داخل البيت وخارجه، والعمل على إبعادهم عن رفاق السوء، والسمو بالدوافع، أوالغرائز التي تتحكم بسلوكهم وصقلها، وإذكاء أنبل الصفات والمثل الإنسانية العليا في نفوسهم .

3ـ  العمل على كشف مواهبهم وهواياتهم، وتهيئة الوسائل التي تساعد على تنميتها وإشباعها.

4ـ مساعد أبنائنا على تحقيق خياراتهم، وعدم  إجبارهم على خيارات لا يرغبون فيها.

5 - تجنب استخدام الأساليب القسرية في تعاملنا معهم، وعدم النظر إليهم، والتعامل معهم  وكأنهم في مستوى الكبار، وتحميلهم أكثر من طاقاتهم، مما يسبب لهم النفور من الدرس والفشل.

6 - مساعدتهم على تنظيم أوقاتهم، وتخصيص أوقات معينة للدرس، وأخرى للراحة واللعب مع أقرانهم .

 

حامد الحمداني

 

الحسين اخدوش"المهم في قضية الحرية هو أن تبقى دائما موضوع نقاش، بوصفها نابعة عن ضرورة حياتية، لا بوصفها تساؤلا أكاديميا"

عبد الله العروي

تظهر الحاجة إلى الحريات الفردية والدينية والسياسية والمدنية في الثقافة الإسلامية المعاصرة أكثر من ملحّة اليوم، خاصّة في ظلّ غلبة التقليد والجمود، وعودة فكر التشدّد والتطرّف، فضلا عن سيادة الاستلاب الثقافي بمختلف أشكاله. لكن، كيف يمكن لثقافة أسرفت نهج طرق الإتباع والمحاباة والتملق والتزلف والتقليد الأعمى أن تأخذ بأسباب التحرّر وهي لم تبلور بعد مفهوما واضحا للحرية ؟ أو قل؛ كيف يمكن بلورة فكر تحرّري جديد قادر على انتشال الإنسان المسلم والعربي من أشكال السلب والاستلاب السابقة؟

 أسئلة كثيرة يمكننا طرحها ونحن نعاين حجم المفارقات العجيبة والشاذة بين ما يفترض أن تكون عليه ثقافتنا الإسلامية، وحجم التراجع عن معقولية مطالب الحراك الشعبي الواقع في معظم هذه الدول. فنظرة واحدة إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية حول مؤشرات احترام الحقوق الأساسية للإنسان، وكذا مختلف التقارير التي ترصد العدالة والمساواة في هذه البلدان، تكفي للجزم بأن واقعنا الثقافي الإسلامي لا يشرّف ولن يشرّف معظم المجتمعات الإسلامية، رغم كل المؤهلات الثورية الشبابية المختلفة التي تحرّكت مؤخرا والتي يزخر بها الواقع الاجتماعي والثقافي لهذه المجتمعات. فنظرا لبطش "وحدانية السلّطة" - بتعبير الفيلسوف ابن رشد - المستحكم في ذهنيتنا الثقافية، ونظرا لغياب الحكامة والتدبير التشاركي العقلاني الديمقراطي الحقيقي، ونتيجة لاستشراء الفساد بكل أنواعه وأبعاده في كلّ القطاعات التي يعوّل عليها للانعتاق من براثن هذا التخلف، كالقضاء والتعليم؛ نتيجة لكلّ ذلك، أصبحنا اليوم نفوّت الفرص التاريخية المتاحة لنا من جديد على مسرح التاريخ الإنساني العام.

ورغم الزخم الذي جاء به الربيع الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وما رافقه من ظهور الحركات الاحتجاجية المنادية بالإصلاح والعدالة والحرية، إلاّ أنّ الآمال المعقودة على التحرير والتحرّر من الاستبداد باءت في معظمها بالفشل؛ حيث استطاعت قوى الفساد والريع، المتحكمة في مفاصيل دول هذه المناطق وفي اقتصادياتها الهشة أصلا، أن تعيد زمان التغيير إلى ما قبل الاحتجاجات الشعبية، مستثمرة في ذلك براغماتية قوى المحافظة التي تمثلها تيارات الإسلام السياسي الساعية إلى السلطة بنهم قل نظيره، إضافة إلى تخلف ذهنية المواطن العربي المستسلم بشكل عام وتلقائي للسلطوية كأنها قدره المحتوم.

إن الانعتاق من هذه الوضعية التاريخية المأزومة التي أوصلتنا إليها رجعية التيارات المحافظة من جهة، وكذا استحكام قوى "وحدانية السلطة" المتحالفة مع الرأسمالية النيوليبيرالية الجديدة، الساعية للحفاظ على مكاسبها السلطوية، إضافة إلى فساد وترهّل النخب السياسية المغشوشة التي تمثلها الأحزاب الليبرالية التقليدية، والتيارات اليسارية المتحالفة مع هذه القوى؛ كل ذلك بقي رهين استحصال شعوب هذه الدول لوعيها بأهمية تحرّرها من رٍبْقَة الطغيان والتقليد، إضافة إلى أهمية اكتساب شباب الربيع العربي للمناعة الفكرية والسياسية الكافية والضرورية ضد مختلف أنواع الاستلابات الطوباوية التي قد تصيب الفعاليات الثورية بالعمى السياسي. ولعلّ من بين تلك الآفات الحائلة دون تحقيق مكسب الحرية والتحرّر الثقافي والسياسي، نذكر ما يلي:

ـ عدم امتلاك شعوب الثقافة الإسلامية للقدرة والمناعة الفكرية ضد الاستقطاب الأيديولوجي الزائف الذي تمارسه قوى التقليد الفاعلة في تاريخنا الممتد، خاصّة القوى الدينية والأبوية والسلطانية. ولعلّ من شأن الوعي بذلك، أن يتحقق النهوض بإتمام نزوع التحرّر المتمثل في تحقيق: المساواة والعدالة والديمقراطية التي تنبني على التداول السلمي للسلطة، وكذا احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

ـ عدم امتلاك هذه الشعوب للقدرة والمناعة ضد أشكال الهيمنة والاستحواذ التي يفرضها النزوع الأيديولوجي المتعصب لإقصاء الخصوم، والذي سرعان ما يتحول إلى نزاعات أيديولوجية وفئوية مصلحية أو حتى قبلية وطائفية خطيرة، قد تهدد النسيج الوطني لبلد معين فتشتّته وتمزّقه.

ـ غياب الوعي الكافي ضد الوهم الثوري أو المشروعية الثورية المخادعة، حيث يظن البعض أن حراكهم الفئوي وحده من يملك الحق في تقرير المكاسب التحرّرية، ومن ثم سيادة وهم التكلّم باسم شعب بكامله دونما الإنصات للأطراف الأخرى المخالفة.

إذا؛ يعتبر نقصان الوعي بالحرية لدى فئات عريضة من شعوبنا العربية سببا وجيها في انحصار أفق الثورات السياسية التي وقعت مؤخرا رغم زخمها الشعبي الكبير. ولعلّ ما يفسّر هذا الرأي هو غياب ثقافة الحرية لأجل التحرّر الفردي والجماعي من أشكال الاستلاب التي يعجّ بها الواقع السياسي والاجتماعي العربي، بدءً بالطغيان والاستبداد السياسي وانتهاءً باستشراء الأبوية والقدرية والسحر وثقافة التواكل والكسل. لذا فإنّ الاهتمام بتحرير وبناء الإنسان العربي يعتبر أولى الأولويات، كما نبّه إلى ذلك سابقا الأستاذ برهان غليون في ثمانينيات القرن الماضي، حين صرّح في "بيان من أجل الديمقراطية" أن: "العنصر الأساسي في تكوين الأمة (يقصد الشعوب العربية) ليس الثقافة ولا الاقتصاد المشترك، ولا اللغة ولا التاريخ والخصائص النفسية ولا الجغرافيا البشرية أو السياسية، ولكن أوّلاً الشعب".

لكن التساؤل المحرج الذي قد نطرحه على مثل هذا المنظور التفاؤلي هو كالاتي: كيف يمكنك أن تعوّل على شعب مستلب مقهور، ومجرد من الوعي اللازم بشروط التحرّر الضرورية لإنجاح أية ثورة سياسية واجتماعية واقتصادية؟ لا نريد أن نتشاءم بخصوص هذا الإحراج الواقعي، لكن إذا ما رجعنا إلى بعض المحاولات النقدية لأحوال الشعوب العربية، وتحديدا لمحاولة المفكر النهضوي "عبد الرحمان الكواكبي" الذي كان يقول بأنّ "الأمة التي لا يشعر كلّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية" ؛ فإننا سرعان ما نصطدم بواقع هذه الشعوب الكارثي الذي يعرف انتشارا مهولا للطغيان والتقليد والأمية التي تجلب الذّلة والمسكنة. فهل سيكون مثل هذا الشعب بقادر على تحرير نفسه من كلّ تلك الآفات، أم أنّه سيبقى شعبا سافل الطباع، لا يسأل عن الحرية ولا يلتمس العدالة والاستقلالية، ولا يعطي للنظام مزية، ولا ترى له في الحياة غير التابعية للغالب عليه؟

يجيب الكواكبي نفسه على هذا الإحراج بكثير من القسوة في حق هذا الشعب الذي أهانه الذل والطغيان، فاستحلى العبودية قائلا: "قد ينتقم مثل هذا الشعب على المستبد نادرا ولكن طلبا للانتقام من شخصه لا طلبا للخلاص من الاستبداد، فلا يستفيد شيئا وإنّما يستبدل مرضا بمرض كمغص بصداع" . ومثل هذه الأمة يضيف صاحبنا "قد تطيح بمستبد [لكن] بسوق مستبد آخر تتوسم فيه أنّه أقوى شوكة من المستبد الأوّل، فإذا نجحت لا يغسل هذا السائق يديه إلاّ بماء الاستبداد، فلا تستفيد أيضا شيئا، إنّما تستبدل مرضا مزمنا بمرض حدٍّ؛ وربما تنال الحرية عفوا، فكذلك لا تستفيد منها شيئا لأنّها لا تعرف طعمها فلا تهتم بحفظها، فلا تلبث الحرية أن تنقلب إلى فوضى، وهي إلى استبداد مشوّش أشد وطأة كالمريض إذا انتكس."

صحيح أن هذا الوصف يكاد ينطبق على شعوبنا العربية في أوضاعها الحالية، لكن هل قدّر لهذه الأخيرة أن تبقى قاصرة غير حرّة أبد الآبدين؟ بالطبع ليس الأمر كذلك، فمادام أن هناك من يتوق للحرية الشاملة في هذه المجتمعات، فإنّه لا محالة سيأتي اليوم الذي سيتحرّر فيه الإنسان العربي من أوهام نفسه أولاً، ومن المتسلطين عليه من الحكام والتقاليد والفقهاء ومن كلّ الاستلابات الأخرى. إنّ مشكلة التحرّرية العربية في شكلها الكلاسيكي (تحرّرية رواد الإصلاح الأول للقرن الماضي) أنّها تقع في اختزال الحرية في البرامج الحزبية السياسية والاقتصادية، فلا تتعدى ذلك إلى تجذير مسألة الحرية إلى ما هو أعمق من كل ذلك، مثل تأسيس نظرية مفهومية للحرية في ثقافتنا المختلفة.

من هذا المنطلق، يمكننا أن نعتبر مجمل إخفاقات التيارات التحرّرية الإسلامية، والعربية منها بالخصوص، الناسخة للبرامج والوصفات الأجنبية بمثابة فشل مفهومي وفكري في المقام الأول. ذلك أنّه لا يكفي استعارة الوصفة التحرّرية من النماذج الغربية وفرضها على الواقع الثقافي العربي المختلف تاريخيا واجتماعيا لانجاز تغيير حضاري حقيقي في هذه الشعوب. لكن، على خلاف ذلك نحتاج في ظل ثقافتنا المختلفة إلى بلورة فلسفة أخرى للحرية أساسها الاعتبارات الروحية للإسلام المنفتحة على العالم وعلى التاريخ الكوني دون تعصب للذات أو تقيدات فقهية وأصولية متجاوزة.

 

الحسين أخدوش