raheem alsaidiاحتفظ بأعداد كثيرة لمجلة ألف باء قبل الثمانين من القرن الماضي، وقد دفعتني قراتي لموضوع في بداية الثمانينيات الى البحث عنه وإيجاده في كم كبير من المجلات. وهو ما أثار غبطتي لسببين أولاهما انني كنت اهتم بالمواضيع الفكرية في بداية صباي والأخرى وقبل دخولي للفلسفة والثاني انني انتصرت ولازلت لرأي أستاذي مدني صالح، ولم اغير موقفي منذ رؤيتي للمقال في المرة الأولى منذ 23 سنة، في نقده لفكر علي الوردي المنظر لتطبيق جزئي في موضوعة ازدواج الشخصية .

كان نقد مدني صالح لعلي الوردي في موضوعة ازدواج الشخصية موقفا بين جيلين، بين التلميذ وأستاذه علي الوردي، في مساجلة جميلة ادعى فيها كاتب هذه الأسطر انه الجيل الثالث الذي يكمل النقد العلمي الموضوعي .

لقد أراد الوردي تسجيل إصابة في هدف المجتمع العراقي بنقده، ونجح نوعا ما بطريقة مغلوطة مع إمكانيته الكبيرة والمهمة فهو مؤسس علم الاجتماع العربي المعاصر بتعبير مدني صالح (وقد سمعت ذلك منه).  الا ان نقد النقد لا يفسد للفكر قضية . والحقيقة فان القضية لا تخص المجتمع العراقي بل لها اتصال بتصور لقاعدة عامة وثابتة وهي قاعدة خاطئة يمكن ان يبنى عليها الخطأ .

كان مدني صالح قد تتلمذ على يد الوردي وقد ذكر ذلك الوردي في مقاله في تلك المجلة التي صدرت في 1979، فبعد ما يقارب 19 سنة على تدريس الوردي لمدني صالح جاء صالح ناقدا لموضوعة مهمة هي ازدواج الشخصية . وقد عنون الوردي المقال بكلمة بارزة هي الى تلميذي مدني صالح، على ان أسلوب الخطاب بشكل عام  من قبل الوردي كان مؤنقا بلفظة الأستاذ مدني صالح  .

ان مجمل ما قدمه الطرفان كان سردا تبريريا لكل منها لأدواته وأفكاره، فالوردي يعقب انه لم يرد الانتقاص من الفرد العراقي، بل رد ذلك الى الظروف المحيطة بالفرد العراقي، وكان ذلك في معرض الرد على مدني صالح الذي أشار الى ان ازدواج الشخصية يوجد في المجتمعات الغربية أيضا كما في أمريكا .

وعندما يشير صالح الى حضور الجانب الاقتصادي في إيجاد نوع من التناقض بين أفراد الشعب فان الوردي يحيل هذه القضية الى انه ليس تناقضا في الجانب الاقتصادي بل في الاجتماعي، فهو ينشا من ازدواج في العادات والتقاليد والقيم المحيطة بالمجتمع، وإنها تأتي نتيجة تناقض ثقافتين في المجتمع متناقضتين ينمو المجتمع وفقها ويكبر، والازدواج لدى الوردي هو القديم والحديث أو المعاصر فالأول ساد في العصر العثماني ومصاديقه العصبية والثار والدخالة والوساطة والنخوة والسطو والشقاوة والغلبة والإتاوة بالتوازي مع وجود الحلم والتقوى والورع والخوف من الله .

اما الازدواج الحديث فهو ما أصاب الأفندية الذين يؤمنون بمبادئ الديمقراطية والمساواة والعدالة وتحرر المرأة، ولكنه في سلوكه اليومي لا يختلف عن الصنف الأول .

إن السجال الجميل الذي دار بين الجيلين المفكرين يحيلني الى تبني ادعائي لمفهوم الجيل الثالث الذي يتدخل في نقد النقد لإبداء الرأي في موضوعة مهمة مثل ازدواج الشخصية، وعليه يمكن القول في نقد رأي المفكر علي الوردي :

1. إن أصل الوجود الإنساني يبنى على ثنائية الذات والموضوع (الأنا والآخر) وما يتعلق بالا (انا) فهو يتكون أيضا من ثنائية الخير والشر أو بتعبير القران (فجورها وتقواها) وهي مسلمة لدى الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو والفلسفة الإسلامية والديانات وديكارت وكانت وغيرهم .وحاصل جمع ثنائيات الخير والشر القادمة من فرد واحد يعني حاصل جمع الذوات التي تؤدي الى صناعة المجتمع . فقاعدة المجتمع هي مجموع قواعد  أو ثنائية بداخل كل فرد .

2. في  كل مجتمع تعامل نفعي وأناني نسبي يقوده حب الذات، فإذا كانت أصل الخلقة الإنسانية في أمريكا أو الصومال أو اليابان أو العراق أو مصر فهو يعني النظام العالمي الذي له له أسسه ويقوم على تقديم الخير أو الشر بحسب المزاج والموقف لكل شخص، لذا لا يمكن لنا تعميمه على العراق فقط .وانا اعتقد ان الوردي فيما يتعلق بازدواج الشخصية تأثر بكتابات الروائي نجيب محفوظ في معالجته لثلاثيته سيما شخصية (السيد) في ثلاثيته بين القصرين والسكرية وقصر الشوق التي كتبها في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.

3. إذا تكون الإنسان من الثنائية المتداخلة الخير والشر فإننا من الخطأ وصفه بالمريض النفسي أو المريض اجتماعيا إلا إذا تغلب احد الطرفين على الآخر  بشكل واضح ونهائي، ومع ان الوردي بعيد عن اختصاص المرض النفسي، فانه أيضا غاب عنه ان العيش ببعض التناقض داخل التكوين الإنساني هو ما يجعله ويصفه بالإنسان، وما لم ينقلب الأمر الى الغلبة التامة لأحد الطرفين فإننا نعد تلك الثنائية تكاملا وفعلا طبيعيا يمثل تحديا للبيئة الجارفة ويتعايش معها وفق تصميمه وتشكيله .

4. كما نسبة وجود التناقضات من إنسان الى آخر تتفاوت والعلامة الفارقة هو في كيفية ضبطها وتنميتها، وليس في طريقة عدها مرضا نفسيا أو اجتماعيا لأمة أو لشعب ما، وبالتالي العمل على زيادة غرس أقدامهم في وحل الخطيئة واليأس وهذا خلاف التنمية البشرية التي تزرع الأمل، فالنسبة التي تجعل الإنسان يرضى بالظلم لغيره لا الى نفسه تختلف من فرد الى آخر ومن عائلة الى أخرى ومن قبيلة ومدينة ودولة الى أخرى .

5. لا يمكن لنا استخدام لفظ ازدواج الشخصية لأنها تنتمي الى المرض النفسي (وان تفاوت ولكن علينا إدراج لفظ ازدواج العادات والتقاليد أو لفظ ازدواج الفعل الإنساني وهو يخص نسبة ضئيلة جدا، أو فعل محدد أساسه  النفع العام للشخص وهو ميل طبيعي وليس مرضيا فسائق التكسي يستنكر علاء المواد أو يستنكر غش أصحاب المطاعم أو سماجة الزبائن لكنه قد يرتكب نفس الذنوب والأخطاء بطريقة أخرى وفي مجالات مختلفة وهو سلوك أساسه الأنانية (محبة النفس) وهو فعل إذا أخذناه من زاوية الكم، ستكون كميته اليومية نسبية واقل من أفعال كثيرة جد الا تنتمي الى الأنانية او الذاتية ويقوم به الفرد مع عائلته عندما يوفر المال والأكل والخدمات لعائلته وهو فعل مطول وثابت وأساسي وسوي ويستهلك اغلب أفعال الإنسان .

إن أفعال مجتمع ما تسير بنسق يشبه تماما حصيلة أفعال الفرد الواحد وبالتالي فالمجتمع المريض نفسيا أو ذلك الذي لديه ازدواج في شخصيته لا يوجد بصورته المرضية الواضحة، فالمرض النفسي عند الأمم القديمة وهو ما يغفل عن مقارنته الوردي، إنما هو مرض الحجاج والجدال بالباطل والوهم والعناد والتمرد والتمادي، فالأمم القديمة كانت احادية (بمعنى انها متطرفة (كافرة بالكثير من المصلحين من الأنبياء) ولو كانت مريضة نفسيا بمرض ازدواج الشخصية (إي التعاطي مع الهداية او عدم التعاطي) بروح موضوعية لكان خيرا لها .وهو ما نطلق عليه ازدواج الشخصية، تلك الصفة التي تشير الى قالب عام ثابت لا يتغير يلبس الإنسان ويلبسه الإنسان كمبدأ، اما خلاف هذا فهو أمر مؤقت، آني، روتيني، وليس بالمرض النفسي المطلق، الا اذا تحول الى طبيعة ثابتة تتوارثها الأمم وأظن بان بعض الأمراض النفسية لدى الأمم وجدت لدى اليهود مثل الجحود والنكران، فأصبحت (سيستما) ونظاما ثابتا في نواة  تلك الأمة لسيرهم على منهج واحد .

 

رحيم الساعدي

 

 

goma abdulahاثار مشروع التعديل على قانون الاحوال الشخصية القديم، في جلسات البرلمان وأقرار قانون جديد في قانون الاحوال الشخصية، اثار زوبعة من الاحتجاجات العارمة، في الواقع العراقي المرتبك والمضطرب . ويعتبرهذا القانون الجديد . انتصاراً كبيراً للعقلية الطائفية المتخلفة والظلامية، بأن تحقق انتصاراً كانت تحلم به، على مدى ستة عقود، في ألغاء قانون الاحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1959 .. ومجيء قانون طائفي في امتياز، يعتبر نكسة كبيرة لتشريع القضاء العراقي، تدهوراً خطيراً نحو الاسوأ في الاخلاق والقيم، في تكريس الطائفية والانقسام في المجتمع، وزعزعة هيبة الدولة، بتحويلها الى دولة طوائف منقسمة على نفسها . هذه العقلية المتخلفة والظلامية، كبدت وتكبد العراق، الازمات والمشاكل والويلات، التي ليس لها حدود ونهاية، وهذا التعديل البرلماني، يعتبر قمة السقوط العقلي والاخلاقي بتشريع قانون هجين بالشذوذ الجنسي، يجيز زوج الطفلة بعمر 9سنوات، ويبيح الزواج قبل هذا العمر، للرضيعة القاصرة، لكن هذا الزواج يختصر على المداعبات الجنسية وفتح الافخاذ دون الولوج، حتى يكمل عمر الطفلة الصغيرة 9 سنوات، وهذا يعتبر اهانة فظة للطفولة والمرأة، بانتهاك حق الطفولة وانتهاك انسانية المرأة، بتحويلها الى بضاعة جنسية رخيصة، هذه هي المأساة العراقية، ففي قانون الاحوال الشخصية القديم لعام 1959، الذي حدد سن الزواج لكلا الجنسين بعمر 18 سنة بقانون موحد لكل الطوائف والمذاهب العراقية كافة، وتحريم الزواج خارج المحاكم الشرعية للدولة، وكذلك صيانة وحماية حقوق المرأة، في الحضانة والطلاق والارث، ولا يسمح بتعدد الزوجات، إلا بموافقة الزوجة، وفي المحكمة الشرعية التابعة للدولة . هذه الاسس الاساسية في قانون الاحوال الشخصية لعام 1959، التعديل الجديد ترك تحديد سن الزواج لكل طائفة وفق شريعتها الدينية ومرجعيتها، وكذلك في المسائل الطلاق والارث والحضانة وتعدد الزوجات، وألغاء المحاكم المدنية التابعة للقضاء العراقي، واستعاضة عنها بالمحاكم الدينية لكل طائفة، يعني قانون طائفي بامتياز، في الغاء القانون الموحد لكل الطوائف والمذاهب، في سن الزواج بعمر 18 سنة، والتعديل الجديد، ترك الحرية في تحديد العمر لكل طائفة . فالطائفة الشيعية تتبع توجهات مرجعيتها الدينية، التي تتبع قانون الاحوال الشخصية الجعفري . الذي يحدد الزواج للطفلة القاصرة بعمر 9 سنوات، ويبيح الزواج قبل هذا العمر للرضيعة، ولكنه اشترط بأن يكون هذا الزواج، يقتصر على المدعبات الجنسية وفتح الافخاذ دون الولوج . اما الطائفة السنية فتتبع الوقف السني بمذاهبها المعروفة، التي تبيح سن الزواج للطفلة القاصرة بعمر 13 الى 15 سنة ويتم الزواج في المحاكم الدينية التابعة للطائفة السنية، وكذلك في حالات الحضانة والارث والطلاق وتعدد الزوجات، هذا القانون الظالم والباطل، الذي زهق به الحق زهقاً وظلماً وعدواناً، لكن عظم المصيبة والبلاء، وقوف الكتاب الطائفيون، الذين يدافعون بضراوة عن هذا القانون الطائفي دون حق شرعي، ويبررون بالذر ائع المضحكة والهزيلة . كمحامون فاشلون، في تبرير حجج التعديل القانون الجديد . وهم يتخلون طواعية عن انسانيتهم في مناصرة الحق على الباطل، وينتهكون شرف الكلمة، بتمزيقها على عتبة التخلف الطائفي الظلامي بدم بارد، يدافعون عن العقلية الظلامية، اي انهم يشتركون في جريمة تمزيق اللحمة للمجتمع العراقي، ويساندون التقسيم الطائفي، الذي جلب الاهوال والكوارث الدموية . حتى بعضهم لم يطلع اصلاً على مسودة التعديل، في التشريع الجديد . اتمنى من كل كاتب طائفي، ان يطرح السؤال على نفسه . ما ذنب الطفلة القاصرة في انتهاك حرمة طفولتها ؟ وهل يقبل بزواج طفلته بعمر 9سنوات وحتى قبل هذا العمر؟

جمعة عبدالله

..........................

مسودة التعديل الجديد

قانون الاحوال الشخصية

نص مشروع التعديل

…………………..

باسم الشعب

رئاسة الجمهورية

بناء على ما أقره مجلس النواب وصادق عليه رئيس الجمهورية، واستناداً إلى أحكام الفقرة (أ) من البند (أولاً) من المادة (2)، والبند (أولاً) من المادة (61)، والمادة (41)، والبند (ثالثاً) من المادة (73) من الدستور، صدر القانون الآتي:

قانون رقم ( ) لسنة 2016

قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959

المادة الأولى:

يضاف ما يلي إلى آخر المادة الثانية من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل ويكون البند (3) لها:

3-

أ. يجوز للمسلمين الخاضعين لأحكام هذا القانون تقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة، لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه.

ب. تلتزم المحكمة المختصة بالنسبة للأشخاص الوارد ذكرهم في الفقرة (أ) من هذا البند عند إصدار قراراتها في جميع المسائل التي تناولتها نصوص قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل وغيرها من المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، بإتباع ما يصدر عن المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي، والمجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني، وتبعاً لمذهب الزوج، ويصح أن يكون سبباً للحكم.

ج. يلتزم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بإجإبة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه الشيعي وفتاوى الفقهاء الاعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي (المرجع الديني الأعلى) الذي يرجع اليه في التقليد أكثر الشيعة في العراق من فقهاء النجف الأشرف.

د. يلتزم المجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه السني.

المادة الثانية:

يضاف ما يأتي إلى آخر المادة الثانية من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل ويكون البند (4) لها:

4- تعد عقود الزواج السابقة على نفاذ هذا القانون، قد تم إبرامها وفقاً للمذهب الشيعي إذا تضمنت حجة الزواج عبارة (عند المطالبة والميسرة) بشأن استحقاق المهر المؤجل، ما لم يثبت العكس.

المادة الثالثة:

يلغى نص البند (5) من المادة العاشرة من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل ويحل محله ما يأتي:

5- يجوز إبرام عقد الزواج لأتباع المذهبين (الشيعي والسني) كل وفقاً لمذهبه، من قبل من يجيز فقهاء ذلك المذهب ابرامه للعقد بعد التأكد من توافر أركان العقد وشروطه وانتفاء الموانع في الزوجين، على أن يجري تصديق العقد لدى محكمة الأحوال الشخصية خلال فترة لا تزيد على (60) ستين يوماً من تاريخ إبرامه.

المادة الرابعة:

يضاف إلى آخر المادة السادسة من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل ما يأتي، ويكون البند (5) لها:

5- يجوز للزوجة أن تشترط على الزوج في عقد الزواج أن تكون وكيلة عنه في طلاق نفسها متى أخل بحقوقها الزوجية من النفقة وحسن المعاشرة.

المادة الخامسة:

يلغى نص البند (أ) من المادة التاسعة من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، ويحل محله ما يأتي:

1- لا يحق لأي من الأقارب أو الأغيار إكراه أي شخص ذكراً كان أم أنثى على الزواج دون رضاه، ويعتبر عقد الزواج بالإكراه باطلاً ما لم يلحقه الرضا، كما لا يحق لأي من الأقارب أو الأغيار منع من كان أهلاً للزواج بموجب أحكام هذا القانون من الزواج.

المادة السادسة:

يلغى نص البند (أ) من المادة الرابعة والعشرين من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، ويحل محله ما يأتي:

1- تعتبر نفقة الزوجة غير الناشز ديناً في ذمة زوجها من وقت امتناعه عن الانفاق عليها.

المادة السابعة:

يلغى نص البند (3) من المادة السادسة والعشرين من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، ويحل محله ما يأتي:

2- يحق للزوج إسكان أبويه أو أحدهما مع زوجته في دار الزوجية وليس للزوجة حق الاعتراض على ذلك ما لم تتصرر به.

المادة الثامنة:

يضاف ما يأتي إلى قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، ويكون المادة الخامسة والتسعون منه:

لايحكم بمخالفة أي من مواد هذا القانون أو بنوده أو فقراته لثوابت أحكام الإسلام إلا إذا صوّت على مخالفته أغلبية خبراء الفقه الاسلامي من أعضاء المحكمة الاتحادية العليا.

المادة التاسعة:

لا يعمل بأي نص يتعارض وأحكام هذا القانون.

المادة العاشرة:

يعمل بهذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

الأسباب الموجبة

انسجاماً مع ما أقرته المادة (2) من الدستور أنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، وما أقرته المادة (41) من ضمان حرية الأفراد في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وللحفاظ على المحاكم كجهة قضائية موحدة لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية بعد الرجوع إلى الجهة ذات الاختصاص، شرع هذا القانون.

من اقوال الامام علي (ع) :

رحم الله رجلاً رأى الحق فأعان عليه،او رأى جوراً فرده، وكان عوناً بالحق على صاحبه .

وقول الفيلسوف ارسطو :

لا تترك الحق، لأنك متى تركت الحق، فأنك لا تتركه إلأ الى الباطل

وقال ابن سينا:

نصرة الحق شرف، ونصرة الباطل سرف

 والله يستر العراق من الجايات !!

 

 

sadiq alsamaraiالمبدعون ينتحرون، والقصص كثيرة ومتنوعة، والأسماء معروفة، فكم من الشعراء والكتاب والفنانين والرسامين قد إنتحروا على مر العقود، وخصوصا في القرن الماضي، ولا تزال مسيرة الإنتحار الإبداعي ماضية. وهناك أسباب للإنتحار، منها:

أولا: الجزع

المبدعون جزعون في زمن لا ينظر إليهم بعين التقدير والإحترام، وإنما ينابزهم العداء، ويسعى لإقصائهم وتعكير صفو حياتهم، وتحميلهم ما لا يطيقونه من المشاعر والإنفعالات.

فالجزع في أعماق المبدع عبارة عن تراكمات خيباوية تصل إلى ذروتها الجزعية فتقضي عليه، وتلغي صبره.

ثانيا: الرتابة

الإبداع يتصف بالرتابة بمعنى أن تكرر ذات السلوك يوميا، فالكاتب مثلا يجالس الورق والقلم، أو أجهزة الكتابة بأنواعها، وهو يعيد ذلك يوميا ووفقا لطقوس خاصة به، ومعظم المبدعين عندهم رتابة وتكرارية وطقوس ثابتة ومتأصلة فيهم، وعليهم أن يحققوا اللذة فيما يقومون به من نشاطات يومية رتيبة.

ثالثا: الغرائبية

المبدعون يتميزون بشيئ من الغرائبية في ما يقومون به ويتفاعلون معه، وبسبب دماغهم المبدع الذي يرى ما حوله على غير ما يراه الآخرون، فأن إنعكاساته وردود أفعاله تضعه في مواقف وحالات قاهرة تتجاوز قدراته في المواجهة والتحدي، مما تحصره في زوايا خانقة ومدمرة لوجوده الذاتي وربما الموضوعي.

رابعا: الشعور بالوحدة

الإبداع بحاجة لمجالسة الذات والوحدة، فالذي يريد أن يبدع يقضي معظم وقته بمعزل عن الناس من حوله، ويكون منشغلا بأفكاره وما يتوارد إلى وعيه من الصور والتأملات، والأفكار التي تستحوذ على مداركه وتتسيد على رؤاه، وهذه الوحدة تفقد المبدع الإحساس بالإنتماء إلى الواقع الحياتي القائم، وربما تزيد من تغربه وإنحساره.

خامسا: المادية

المبدعون يكابدون ويعانون كثيرا من العوز المادي والقهر المعيشي، ولا يمكن لإبداعاتهم أن تؤمن لهم لقمة عيش وحياة رغيدة، إلا فيما قل وندر، فالكتابة لا تطعم من جوع، ولا تساهم بتحقيق الرفاهية للكاتب، وإنما قد تتسبب له بمشاكل مادية وتفاعلات مناهضة لصناعة حياته الأفضل، بل وقد تؤدي إلى القضاء عليه.

سادسا: التفاعلية المتعثرة

الإبداع كغيره من العطاءات البشرية لا يمكنه أن يرضي الجميع، وإنما يكون له مَن يعارضه ويعاديه، ومَن يؤيده ويتبعه، وبين هذا وذاك يعيش المبدع في محنة عصيبة تضخ في نفسه المشاعر السلبية، وتغذي الإحساس بالقلق والندم والألم، وتدفع به إلى تفاعلات متعثرة وذات نتائج سيئة على نفسه وأمنه.

سابعا: الإسناد العائلي

المبدعون لا يجدون الإسناد العائلي في حياتهم، بل هم في صراع ما بين الإبداع والإلتزامات العائلية، والإثنان بحاجة لوقت وجهد، ومن الصعب على المبدع أن يوفق ما بين إرادة الإبداع المتأججة فيه، وبين ما هو مطلوب منه كمسؤول عن العائلة، مما يدفع إلى توترات عائلية تنعكس بسلبية قاسية عليه.

ثامنا: الخمر

معظم المبدعين يحتسون الخمر، بل ويدمنون عليه، وكأنه البلسم الذي يداوي جراحهم والمنجي لهم من همومهم ومعاناتهم اليومية، وبتعزيز أواصر العلاقة ما بين الخمر والمبدع، تتحقق مشاكل وتتطور وتتعقد للحد الذي تضع المبدع في مواجهات خاسرة مع نفسه وعائلته، وما يمت بصلة إليه، حتى لتجده وقد أفرد كإفراد البعير المعبدِ.

تاسعا: عدم الإهتمام بالصحة

من الملاحظ أن المبدع يهمل صحته، وينكر معاناته البدنية وآلامه، ويتخذها وسيلة للإبداع أو يجدها من المحفزات القوية لتأمين إبداعه، فهو يميل للمقاساة لكي يصل بإنتاجه إلى ذروته التعبيرية وقوته الإبداعية المؤثرة في الآخرين، خضوضا عندما يصل به الأمر إلى إعتبار أن الإبداع هو الحياة وبدونه تنتفي الحياة وتغيب.

عاشرا: التدخين

التدخين آفة مرعبة تفترس المبدعين وتقضي عليهم، والعجيب في أمرهم أنهم يدخنون بشراهة وتواصل غريب، رغم وعيهم لمضار التدخين السيئة، لكنهم يبررون سلوكهم بمنطق آخر يقنعون به أنفسهم، وأكثرهم يموتون من التدخين، أو أنهم ينتحرون بالتدخين، وتنتهي حياتهم بمضاعفته كالسرطان أو أمراض الجهاز التنفسي المعروفة.

حادي عشر: الإدمان

الإبداع سلوك إدماني، ويمكنه أن يتسع حتى لتجد المبدع قد أدمن على الأدوية والمخدرات والكحول وغيرها من المنشطات والعقاقير، وما أن يدمن المبدع حتى ينحدر في متاهات التقريع الذاتي والإجهاز العدواني على نفسه، ويمضي في مسيرة التداعي والإنهيار، فلا يجد بدا من الإنتحار للخلاص من مآزقه الناجمة عن الإدمان الشديد.

ثاني عشر: الإصابة بالكآبة والقلق

الكآبة والقلق من الأمراض النفسية التي تصيب المبدعين، والكآبة أكثر شيوعا وأخطر أثرا لأنها تؤدي إلى حالات سلوكية قد تدفع للإنتحار، ومعظم المبدعين الذين إنتحروا كان للكآبة دور كبير وفعال في نهايتهم، خصوصا عندما يمعنون بكآبتهم وعزلتهم بعيدا عن الإستشارة النفسية والعون العاطفي من ذويهم وأقاربهم وأصدقائهم.

ثالث عشر: وعي الحقيقة وإدراك المعنى

من أقسى ما يواجهه المبدع أن يكون في صلب الحقيقة وجوهر المعنى، فتجده يرى ويعرف ما يدور بصدق ويقين لا يستطيع البوح به، لأنه لا يُسمع ولا يُدرك من قبل الذين تبرمجت أدمغتهم وتقولبت نفوسهم، وفقا لآليات الإستعباد البشري وأخذ البشر في متواليات القطيع المتناطح المتدافع، وهو في طريقة إلى الجزر الإفتراسي الفظيع.

رابع عشر: الإنهاك الفكري

الإبداع عمل فكري مُجهد يحتاج إلى قدرات وظروف كفيلة بتيسيره وتسويغه وإسناده لكي يتواصل، والمبدع يصاب بالإنهاك الفكري والتعب العقلي والكسل الدماغي، مما يتطلب منه الراحة والإستجمام لإستعادة النشاط والحيوية، والتمتع بالإبداع والشعور بجمال عطاءاته واهميتها في المشاركة بصناعة الحياة.

خامس عشر: التناقض ما بين الرؤية الذاتية والواقع المعاش

هذه محنة شرسة تنشب مخالبها في قلب المبدع فترديه على قارعة دروب الويلات، والتداعيات العاصفة بمجتمعه وقيمه ومعاييره وهويته وجوهر صيرورته، فحالما يبلغ المبدع مستوى الوعي الساطع، يكون في مأزق الصراع الطويل بينه وبين ما هو عليه في نشاطاته اليومية، وبسبب ذلك تتراكم فيها أحاسيس ومشاعر قد تعزز إنقضاض ذاته عليه.

سادس عشر: الإحساس بعدم التأثير وفقدان القيمة والهجرة

العديد من المبدعين يعبرون عن الإحساس بعدم التأثير وفقدان القيمة، مما يدفع بهم للإنحسار والخمود والندم، والتقليل من قيمة عطاءاتهم وإنجازاتهم المعرفية، خصوصا عند الذين إنقطعوا عن مجتمعاتهم وعاشوا في المنافي، ليزدادوا ألما وحسرة وهجرة من الهجرة.

وقد تسببت هذه الحالة بإنتحار عدد من المبدعين خصوصا من البلدان الشديدة النواكب.

سابع عشر: الإنفعالية العالية

المبدعون منفعلون خصوصا عندما يتعلق الأمر بالإعتداء على إبداعهم أو النيل منه، وأكثرهم لا يتحملون النقد وينفرون منه، ويفضلون المديح الذي يغذي ما فيهم من تصورات ذاتية، وتطلعات خيالية تأخذهم إلى آفاق الفنتازيا التي توهمهم بأنهم غير ما هم عليه، وتتناسب شدة إنفعالية المبدع مع درجة رؤيته لذاته وموضوعه الإبداعي.

ثامن عشر: الشعور بالمسؤولية

الكثير من المبدعين يشعرون بالمسؤولية الكبير تجاه ما يصيب مجتمعاتهم وأوطانهم، ويملأهم الإحساس بالتقصير وعدم القدرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع الذي هم فيه، فعند إجتياح لبنان في ثمانينيات القرن العشرين إنتحر الشاعر خليل حاوي تعبيرا عن المسؤولية والإحتجاج على ما يجري في وطنه.

تاسع عشر: الشعور بالعجز عن الإتيان بجديد

عندما يعجز المبدعون عن الإتيان بجديد تجتاحهم المشاعر الإنتحارية، لفقدان القيمة والدور وعدم الشعور بطعم الحياة وحرارتها وقوتها التفاعلية، فالمبدع الذي لا يأتي بجديد يختنق ويموت ويكون من واجبه أن يقرر مصيره، كما فعلها العديد منهم، فالكاتب الأمريكي همنغواي حالما استراح انتحر.

عشرون: الآلام النفسية والبدنية

المبدعون في مأزق الآلام النفسية والبدنية التي قد تكون شديدة، فما يحل بمجتمعاتهم يورثهم ما لا يمكن تصوره من الأوجاع النفسية والمعاناة اليومية، التي تنعكس على ابدانهم وتتسبب لهم بآلام مبرحة، قد يلجؤون بسببها إلى تناول الأدوية المروحة للآلم، كما يدفعههم إلى الإدمان عليها أو التعود على تناولها، ودخولهم في دائرة مفرغة من السلوكيات الإدمانية المضطربة.

حادي وعشرون: النقد السلبي

المبدعون يتأثرون جدا بالنقد السلبي، وتنبجس عواطفهم وتثور ثائرتهم ويتعكر مزاجهم ويتعثر سلوكهم، فيصابون بردود أفعال إنفعالية مدوية تؤثر على صحتهم، وتساهم في تعزيز مشاعر القلق والكآبة والتضئيل الذاتي والموضوعي، مما يدفع إلى سلوكيات متوافقة مع هذه المُدركات السلبية وتداعياتها المتراكمة.

ثاني وعشرون: تنامي مفردات العناء اليومي

متطلبات الحياة اليومية تتزايد مع الأيام، وقدرات المبدعين على الكسب المادي المريح تتضاءل، خصوصا عندما تكون عندهم عوائل تتوقع منهم ما تتوقعه أية عائلة من رب البيت، ومعظم المبدعين يعيشون في ضنك، وأبرز المبدعين هم الذين عاشوا لوحدهم أو تسببوا في فشل حياتهم الأسرية، وغالبا ما ينتهي المبدع في براثن الوحدة والعزلة والهُجران.

ثالث وعشرون: عدم الإيمان وضياع الغاية

الإيمان ضرورة من ضرورات التواصل والبقاء، وطاقة ديمومة وإرتقاء، ومن غير الإيمان تتحول الحياة إلى محنة أو نقطة سوداء، وحالة جوفاء لا تستحق الإنتماء والتضحية والعناء، ويغلب على المبدعين قلة الإيمان، مما يفقدهم الغاية الحياتية، ويحرمهم من المعاني السلوكية الكامنة فيما يقدمونه من إبداع، فيتحول العطاء إلى غثاء.

رابع وعشرون: الشعور بعدم الإنجاز

المبدعون لا يقنعون وتجدهم يطاردون سرابات الوصول إلى الأمثل والأحسن، ويبدو عندهم أي إنجاز أقل مما يجب أن ينجزون، وهذا الإحساس مبذور في جوهر السلوك الإبداعي، ويدفع بالمبدع إلى الغوص العميق في قيعان ما يدرك، وكلما أمعن الغوص أدرك أنه لا يزال يعوم فوق الماء المعرفي، وأن الكون الإبداعي يزداد إتساعا وتمددا، فيشعر أنه لم يقبض على مناه.

خامس وعشرون: الصراع ما بين الحقيقة والضمير والواقع القائم

الذين يبصرون الحقائق يتألمون كثيرا وربما يجزعون، خصوصا عندما يتوقد ضميرهم وتتحفز حواسهم وينطلقون نحو رؤاهم وتفاعلاتهم مع واقعهم، فالمسافة تزداد إتساعا بين ما يتحسسونه ويعونه وبين ما هو قائم فيهم ومن حولهم ، وهذا يتسبب بأوجاع نفسية وعذابات ضمير قاسية قد تلقيهم في أتون الإنقضاض على ذاتهم.

سادس وعشرون: إهمال الجمهور للمبدع

إهمال الجمهور للمبدع من المعاناة القاسية التي يواجهها في مسيرته الإبداعية، وتلقي بظلالها على شخصيته، لأنها تعني بأنه مهما أعطى وإجتهد فأنه محسوب على المنبوذين الذين لا يؤثرون في الآخرين، وإنما هم بلا دور وقيمة.

والكثير من المبدعين يصيبهم الإهمال بسكتة إبداعية وتدهور سلوكي وإنفعالي، يتسبب بتداعيات مرضية وتصورات إنتحارية.

سابع وعشرون: تقدم وسطوع وعاظ الكراسي

المبدع الأصيل في المجتمعات المتأخرة يعيش في محنة الإقصاء القصري من قبل ذوي الكراسي، والقابضين على الإعلام الذي يسوق وعاظ الكراسي ويُبرّزهم لتمرير البرامج والقرارات السلطوية، وترويج التضليل والخداع لإدامة السلوكيات المنحرفة والمحسوبية والنوازع الإستحواذية بأنواعها، مما يؤذي المبدع ويرميه على قارعة طريق الحياة.

ثامن وعشرون: إنكماش المصادر التمويلية وتغاضي دور النشر

المبدعون بحاجة إلى إصدارات ودور نشر تتولى طباعة كتبهم، وأكثر المبدعين يعانون من هذا الإهمال الكبير، ففي السابق كانت الحكومات تتولى نشر الإبداعات المتوافقة مع هواها، واليوم صار البمدعون يطبعون نتاجاتهم على حسابهم الخاص، ولا يجدون سوقا رائجة لبضائعهم، فيكون ما يقومون به مشروعا إقتصاديا خاسرا، لا يقدر عليه إلا ذوي القدرات المالية الفردية.

تاسع وعشرون: الأزمات العاطفية والعلاقات الزوجية القاسية

الإبداع يترافق مع سلوكيات غرائبية، خصوصا فيما يتعلق بالمشاعر والعواطف، ومن الصعب تفسير ذلك، وكأن المبدع بحاجة إلى منشطات ومحفزات للوصول إلى ذروة التعبير عما فيه من الأفكار، وهذه المنزلقات الغرائبية تؤدي إلى تداعيات أسرية ومشاحنات ما بين المبدع وأقرب الناس إليه، خصوصا زوجته، مما يترتب عليه المقاسات والتداعي في دروب التخاصم والإفتراق.

ثلاثون: الإحباطات المتوالية

الإحباطات المتوالية مقصلة المبدعين، وجهنم وجودهم ورماد كينونتهم ودخان ما فيهم، فالإحباطات من ألد أعداء المبدعين، وأكثرها تأثيرا على واقعهم النفسي والسلوكي، بل والبدني، وبسبب الإحباطات تتآكل الروح المبدعة وتتهاوى في أتون اللامبالاة ونكران قيمة الحياة ومعانيها الأخرى، خصوصا عندما تخيم العزلة على المبدع.

إحدى وثلاثون: الشعور باليأس

لا يُعرف لماذا يخيم اليأس على المبدعين وخصوصا في مجتمعاتنا، التي تسود فيها العطاءات اليائسة، مما يساهم في إشاعة الروح القانطة الخائبة، ويبدو أن المبدع يعيش في دوامات من المواجهات مع ذاته وموضوعه، تدفعه إلى الدخول في دوائر مفرغة من الياس والتيئيس، ربما لتوقعه من إنتاجه أكثر مما يجب، أي أنه يفقد التقدير الواقعي.

إثنان وثلاثون: الأفكار السلبية

من المُلاحظ أن السلبي سائد في أفكار مبدعينا، فهم ينظرون إلى النصف الفارغ من القدح ويتجاهلون النصف الملآن، فكل مجتمع فيه خليط من الحالات السلبية والإيجابية، ولا يمكن إغفال الإيجابية بسبب الطاقة الإنفعالية والعاطفية للموضوعات والحالات السلبية، وهذا يدفع بالمبدع إلى السقوط في دوامات العدمية والضياع.

ثلاثة وثلاثون: النرجسية

الإبداع له علاقة قوية بالنرجسية، وكأن النرجسية ركن مرافق للإبداع، وهذه الصفة الشخصية تتسبب بتفاعلات صعبة مع الآخرين وتحجب الرؤية الموضوعية، وتعزل المبدع وتوهمه بأنه الأوحد الذي لن يجيد الزمان بمثله، مما يدفعه إلى إستجابات إنعكاسية عدوانية على الذين يبدون رأيا فيما ينتجه.

أربعة وثلاثون: عدم الإستشارة النفسية

المبدعون يعانون من أمراض نفسية متنوعة، لكنهم يأبون الإستشارة النفسية والعلاج، وقد عاينت الكثيرين، ولكن بعد أن يصل حالهم إلى " لا يصلح العطار ما أفسد الدهر"، أي أنهم يهملون حالتهم النفسية، التي تتفاقم وتتسبب لهم بمشاكل صعبة تدفع بهم إلى مآزق متنوعة التأثير والنتائج، وبتفاقمها يكون المبدع قد تورط بذاته وموضوعه وانغلقت أمامه الأبواب.

خمسة وثلاثون: القسوة العائلية

عائلة المبدع تكون قاسية عليه لأنه سيكون منطويا ومنغلقا وملتصقا بنشاطاته الإباعية، فالمبدع لا يمكنه أن يكون كغيره من الآباء و الأمهات، لأن الإبداع بحاجة لوقت وعزلة وجلسات مع الذات والكتاب والورق والقلم، وغيرها من منافذ وآدوات الإبداع المتوفرة في عصرنا.

ستة وثلاثون: الشعور القاسي بالذنب

المبدعون ينتابهم شعور وخيم بالذنب على ما يدور حولهم من التداعيات والتفاعلات القاسية، فمبدعونا يشعرون في كثير من الأحيان بالمسؤولية على ما أصاب المجتمعات التي عاشوا فيها، وتجدهم في صراع أليم وتأثر كبير بمناظر المآسي والويلات المحتدمة.

سبعة وثلاثون: الإنكسار الذاتي

الإبدع عطاء أصيل ولا يعني أن المبدع عليه أن يُلزم مجتمعه والأخرين بأفكاره وعطاءاته، وإنما هو سيؤثر ومدى تأثيره لا يمكن تقديره بسهولة، لكن العديد من المبدعين يحسبون أن على إبداعهم أن يؤثر ويتصدر ويسود، وهذا غير ممكن، لكن الإبداع يبقى له تأثيراته حتى بعد حياة مبدعه، فالأفكار لا تموت وتحيا في عقول الأجيال.

ثمانية وثلاثون: عدم القدرة على المواكبة المعاصرة

الزمن الذي نعيشه يتحرك بسرعة فائقة ويفقد المبدعون فيه قدرات التواكب مع معطياته وقدراته، التي تؤثر في سلوك البشر وترسم مناهج صيرورات مختلفة تماما عما إعتاد عليه المبدعون، وهذا الإحساس بالعجز عن المواكبة يدفع بالمبدع للشعور بأنه قد صار خارج عصره ولا يستحق البقاء فيه.

تسعة وثلاثون: إضطرابات الشخصية

الشخصية المبدعة قد تكون ذات إضطرابات في تفاعلاتها مع ذاته وما حولها، وتبدو هذه الإضطرابات فيما يتم إنتاجه، ومن المعروف إن الإضطرابات الشخصية تتسبب بمشاكل سلوكية كثيرة ويزداد فيها الميل لإيذاء النفس، وربما الإنتحار بإستجابات إنفعالية إنعكاسية خطيرة.

أربعون: إرادة الإحتجاج

الإحتجاج جذوة الإبداع، لأن المبدع يريد أن يغير ويأتي بحالة متقدمة عن الحالة القائمة أو التي عاشها، وبسبب الإبداع تتقدم الدنيا وتتطور البشرية وتعاصر زمانها ومكانها، وقد يكون الإحتجاج شديدا وقاهرا مما يعرض المبدع لحالات قاسية وتفاعلات مزرية، ويدفع به إلى دروب العناء والبلاء، وهذا يتسبب في تنمية دوافع الإنقضاض على الذات.

وفي الختام، هذه صورة إقترابية لعلاقة الإبداع بالإنتحار، قد تكون غير جامعة لكل ما يدفع للإنتحار، لكن الذي تقدم ربما يعطي صورة مختصرة عن الواقع التفاعلي ما بين المبدع ومحيطه ، الذي يحاول أن يترك عليه بعضا من بصماته الفكرية والروحية، لكنه قد يعجز ويفشل في حياته وقد ينجح بعد مماته.

لكن الإبداع يبقى من الضرورات الجوهرية لإستمرار النماء والرقاء الحضاري في الأرض.

 

د. صادق السامرائي

 

 

mudar alhilw2الثاني: الصعيد الروحي: حيث لم يتمكن الخطاب الحسيني الحالي أن يثري أفراد المجتمع روحيا عبر تشييد الايمان بالله تعالى في نفوسهم بحيث يجعلهم يتجاوزون حالة التصحر الروحي التي تتجلى بوضوح في القسوة وضمور القيم الروحية كالمحبة والرحمة والانسانية والتسامح يبرز ذلك جليّاً في سلوك الافراد لاسيما في حالات الاختلاف. هذا من جانب ومن جانب اخر نلاحظ تفشّي الازمات النفسية التي تترجم الى قلق، واضطراب، وخوف من المستقبل، وتردد في المبادرة، وتوتر، واكتئاب، ناهيك عن انعكاس ذلك على الاخلاق وما يفرزه من عقد نفسية تبرز على شكل تعصب وتكبر وميل الى العنف وسرعة الغضب، فتفشت تبعا لذلك ثقافة العلاج بالسحر والعرافة والشعوذة للحصول على الراحة النفسية، أو من سلك جادة الالحاد والتقاطع مع الايمان واتخاذ موقف سلبيّ من الدين. والواقع يشي باتساع هذه الظواهر في الاونة الاخيرة.    

الثالث: الصعيد الأخلاقي

انشغل كثير من الخطاب الحسيني بالتهييج الطائفي، والاستغراق بالخلافات المذهبية، والاهتمام بأمور هامشية عن المباشرة في نقد ظاهرة تفشي سوء الخلق، وتكريس القيم الاخلاقية، وبقاؤها خارج الاهتمام والاولوية.

لم تعد الازمة الاخلاقية (الطارئة) التي تعاني منها مجتمعاتنا خافية على احد رغم مئات بل الاف خطب الوعظ والارشاد التي تطرق مسامع الناس لكنها لم تمنع من تفشي الرذائل الخلقية كالرشوة، والظلم، والاعتداء، والغش، وغياب ثقافة التسامح، واللجوء الى العنف مع اول اختلاف، وانحسار الحس الانساني، وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه الاخرين، واتهام البرئ، وسوء الظن، وغير ذلك مما اصبح يثقل كاهل مجتمعاتنا بعد ان مرت بظروف صعبة ومعاناة طويلة تحت نير الاستبداد، وما افرزه من حروب واضطهاد وخوف وتجويع ادى الى تزلزل الصرح القيمي الاخلاقي، وانهيار منظومته، ما جعل مجتمعاتنا تتصدر قائمة المجتمعات الاكثر فسادا. مع التاكيد ان ذلك لم يكن ليحصل لولا الظروف الاستثنائية والازمات المتعاقبة

التي ابتليت بها هذه المجتمعات.

الرابع: الصعيد الاجتماعي

لم يسهم الخطاب الحسيني مساهمة فاعلة بمعالجة الازمات الاجتماعية التي يعانيها الاجتماع الاسلامي. بدءا من القطيعة بين جيل الآباء والابناء وعدم مد جسور التواصل بينهما ما ضاعف حالات النفور والتمرد لدى الشباب على آبائهم لعجزهم عن فهمهم ومعرفة مشاكلهم وتقدير حاجاتهم، وكذلك عدم تحمل المسؤولية في تربيتهم وتوفير لوازمهم التربوية والنفسية قبل التركيز على توفير احتياجاتهم المعيشية والمادية. مرورا بظاهرة التفكك الاسري وتمظهراتها المقلقة كالعنف داخل الاسرة، والطلاق الذي  فاقت نسبته كل التوقعات حيث بلغت في العراق مثلا اكثر من عشرين بالمئة من حالات الزواج لسنة 2017، ناهيك ما يخلفه فشل الزيجات من مصير مجهول لضحاياه، وكذلك تضخم اعداد الايتام، واطفال الشوارع. وصولا الى حالات التقاطع بين العوائل اذ من النادر ان تجد عائلتين من الاقارب لم تقطع المشاكل مابينهما من أواصر، وفي احسن الاحوال انقطاع التواصل واقتصاره على حالات المرض او الموت وما شابه.

يتبع.

 

 

najib tala2توضيح لابد منه: حتى أكون صادقا مع القارئ الكريم؛ ذاك القارئ المفترض؛ أن هذا الموضوع وضعناه كبرولوج لنص مسرحي؛ قيد الطبع إلكترونيا تحت عنوان [حبال الرحيل] والنص أساسا ليس تطبيقا لما هو أدناه بل استحضار لبعض المبدعين المغاربة (حوري الحسين/ كريم حوماري/ عبد القادر الحافوي/ سعيد الفاضلي) الذين انتحروا؛ وفي نفس السياق؛ محاولة لإعادة النقاش حول إشكالية الانتحار الذي تفاقم بحدة وشدة في السنوات الأخيرة؛ وخاصة في العالم العربي / الاسلامي.. .. !!

الموضوع:

الإنتحار ظاهرة جد معقدة؛ إذ يكمن تعقيدها في عدم فهم مغزاها وتحليل طلاسمها؛ أو تأويل مسبباتها؛ لأنها معلقة بين الحياة والموت وأسئلة الوجود، والتي تجول في أعماق الإنسان وتفاعل انوجاده عبر التاريخ البشري في سيرورته وديمومته؛ وتعقد هذا الحتف المفاجئ والغامض جدا، هو نتيجة تداخل الذاتي بالميتافيزيقي؛ والموضوعي بالغيبي والغيبي بالذاتي والسحري والسّحري بالموضوعي؟ وهذا يشير بأن الظاهرة في حد ذاتها خليط من المفاهيم والمعطيات؛ التي تجعلك تتيه في التفسير والتحليل والتركيب؛ إذ كيف يضع المرء حدا فاصلا لوجوده الفيزيقي واغتيال شجرة حياته في رمشة طرف؟    سؤال يحيلنا إلى ما هو أعمق؛ هل فاعل الظاهرة يكون في حالة تخدير تام وشلل ذهني غير معلوم؟ أم يدرك فعله؟ وهنا السؤال متمركز على شريحة اجتماعية معينة؛ألا وهي فئة الأدباء والشعراء والمفكرين... وهم نسبة كبيرة في العالم العربي والعالم بأسره . وما أعتقد بأن أغلبية المنتحرين لم يطلعوا على فلسفة الانتحار عند ألبير كامو؛ مؤكدا بأن معظم المفكّرين المؤيدين لفكرة الانتحار ويصفون هذا الفعل بالشجاعة لم ينتحروا، وعلى رأسهم الفيلسوف الشهير شوبنها ور، والذي كان يكتب عن الانتحار؛ وفي السياق ذاته يشيرمن خلال (أسطورة سيزيف): إنه لا توجد قضية يستحق أن يشنق الإنسان نفسه لأجلها. ورغم ذلك فظاهرة الانتحار متفاقمة بين كل الشرائح الاجتماعية؛ وخاصة في الأوساط الثقافية والإبداعية؛ لأمر ملفت للنظر!ف: جومانة حداد (كاتبة لبنانية) قدمت عددا هائلا من المنتحرين في كتابها [سيجيئ الموت وستكون له عيناك] وفي سياق هذا الكم الهائل من المنتحرين - ك: الشاعر أحمد العاصي /أسامة الدناصوري/ فخري أبو السعود /منير رمزي /اسماعيل أدهم / سعاد حسني/ صلاح جاهين أروى صالح (مصر)عبد الباسط الصوفي /رياض الصالح الحسين/ عبد اللطيف خطاب (سوري) إبراهيم زاير / قاسم جبارة /مهدي الراضي / العراق) تيسير سبول (الأردن) أنطوان مشحور / رالف رزق الله /خليل حاوي ) لبنان (عبد الله بو خالفة / زاهرة رابحي / فاروق سميرة /جاك سيناك (الجزائر) عبد الرحيم أحمد أبو ذكري (السودان) راشد حسين / فرنسوا أبو سالم (فلسطين) الحبيب المسروقي (تونس) حوري الحسين / سعيد فاضلي/ كريم حوماري/ عبد القادر الحاوفي (المغرب) اختلفت الدراسات والتحليلات حول أسباب ومسببات شروع هاته النخبة في الانتحار؛ ومن أهم الكتب العربية التي توسعت في ذلك [ انتحار المثقفين العرب وقضايا راهنة في الثقافة العربية ] لمحمد جابر الأنصاري(مفكر بحريني ) إذ تتمحور الأسباب عنده في: حالة من التناقض بين الواقع وتلك الفئة وطموحاتهم وتطلعاتهم التي يهدفون لتحقيقها. أو في استحالة الانسجام مع الآخرين أو مع العالم أو حتى مع النفس، وهو ما يؤدي إلى دخولهم لخانة الإحباط والاكتئاب الشديد.

أكيد أن هنالك فعل نفسي واجتماعي واقتصادي وسياسي؛ يتحول إلى فاعل في أعماق المبدع؛ ولكن من باب الغباء المطلق أن يتم التركيز عليها؛ بأنها الدافع الأساس للانتحار؛ لأنه مسألة شخصية / ذاتية، يحكمها اختيار بعدم للإمساك بالحياة، ومحاولة التكيف مع طبيعة تفاعلاتها؛ وإكراهاتها وكبواتها وإشراقاتها؛ وإن كان في عمق الإنسان يعشق العيش/ الحياة؛ ولنا في قضية *غاليليو * حينما تراجع عن رأيه، بعدما أشار وأكد بأن الأرض تدور،؛ لحظة اقتياده إلى المشنقة؛ من لدن كهنة الدين . ليتشبث بالحياة. وبالتالي فالانتحار أساسا نوع من العنف الموجّه نحو الذات، يقدم عليه فاعله عمداً وبإرادة منفردة لاغتيال نفسه نتيجة أزمة حادّة وتخلّصاً من ظروف داخلية مأزومة !وبالتالي فالانتحار رغم تعدد أسبابه وعوامله؛ يبقى قرارا شخصيا . فمثلا:

1) تكرار المحاولة الإنتحارية عدة مرات؛ إشارة إدراكية؛ بأن المنتحر يدرك ما يفعله ولاسيما أنه يقوم به إراديا؛ وبوعي حسب ظرفيته للبحث عن هدف القرار: مثل الشاعر السوري عبد الباسط الصوفي؛ الذي أقدم على أكثر من محاولة انتحار فاشلة وآخرها في1960 انتحرشنقًا في غرفته.

2) اقتناء أداة الإنتحار: كالشاعر العراقي قاسم جبارة الذي اشترى مسدسًا من إحدى مخازن الخردوات؛ واستعمله في قتل نفسه .

3) إعداد أدوات الإنتحار كالسمّ، الحبل، الكرسي؛ الموسى؛ البندقية؛ الرصاص، ومن أبسط الأدوات وأضعفها حبل الرحيل (المشنقة) وأعلاها درجة؛ سكب مادة حارقة؛ ك أحمد العاصي: الذي كانت له محاولة انتحار فاشلة، قبل أن يجدوه في غرفته منتحرًا سنة 1930 بعد أن سكب مادة حارقة على جسده ! وأخطرها إطلاق النار على نفسه ك الشاعر المصري منير رمزي: عام 1945/ الشاعر العراقي إبراهيم زاير في - بيروت - عام 1972/ اللبناني أنطوان مشحور في بيروت / 1975/ خليل حاوي سنة 1982 / فخري أبو السعود المصري أطلق النار على نفسه في حديقة منزله -1940/..../

3) اختيار المكان: فمهما اختلفنا عَن أبعاد ظاهرة الانتحار وعواملها الذاتية أو الموضوعية؛ فاختيار المكان ليس بالسهل أو الأمر التافه، للقيام بالإنجاز الانتحاري؛ فاختياره محصلته: فعل إرادي؛ وله تهيء أو تخطيط قبلي؛ يفرض من خلاله التمييز بين منتحر وآخر في قراره الشخصي؛ كالشاعر السوداني عبد الرحيم أحمد عبد الرحيم الذي حرق جميع قصائده، ومن ثم يرمي بنفسه من نافذة غرفته في الطابق الثالث عشر من مبنى أكاديمية العلوم السوفيتية عام 1989/ الجزائري عبد الله بو خالفة اختار عجلات القطار عام 1988/ إسماعيل أدهم ألقى بنفسه في البحر على شاطئ الإسكندرية / زاهرة رابحي أنجزت قرارها في جسر تيليملي الذي يبلغ ارتفاعه ثمانية طوابق تقريبًا، في العاصمة الجزائرسنة1989/ درية شفيق مؤسسة أول حزب نسائي في مصر، وأصدرت عدداً من المجلات، وساهمت بشدة تحرير المرأة، نهايتها قفزت من الدور السادس في شقتها سنة 1989

4) الإشعار: المقصود منه أن المقدم على الانتحار؛ يترك ورقة أورسالة؛ دونت فيها أسباب الانتحار؛ وعدم اتهام أحد؛ وإعفاء البحث الجنائي من تضييع الوقت في الأسباب والفاعل؛ ك = إبراهيم زاير-1972(لقد قررت الانتحار... آسف لإزعاجكم) إسماعيل أدهم وجدت في ملابسه رسالة تؤكد انتحاره بسبب (سأمه من الحياة) أما منير رمزى كتب على قصاصة ورق رسالة الأخيرة (أنا هارب) داليدا تركَت رسالة تقول (الحياة أصبحت لا تطاق سامحوني) وما أكثر الرسائل التي تركها المنتحرون من العرب أو الأوربيين. وهذا الإشعار الخطي؛ بنوع من التأمل قبل التحليل؛ يزيد تعقيدا لظاهرة الانتحار التي تنفذ بسرعة مذهلة؛ ويتوقف فيها الزمان؛ لحظة؛ بعْد إيجاد ورقة وقلم وحيز للكتابة(كتاب/طاولة / كرسي/ منضدة/ الجدار/البسيطة/...

6) وكذا تهيء أداة الحَتف وتوابعها؛ فهَل كل هذا يتم تحت تأثير ضغط نفسي قاتل ومحبط؟ ممكن حسب التفسير النفسي .(نتيجة = اليأس الإحباط = الانهيار= ...) ولكن ألا ننظر للانتحار من زاوية أخرى؛ وإن كانت أكثر تعقيدا وفهما؛ لها ارتباطا (ب) [ القرين] وهاته لا تناقش ربما لتعارضها مع المفاهيم الدينية والإيمانية؛ لأن القرين يتموضع موضع (الشر)؟ – قال الشوكاني: قوله " فإن معه القرين " في القاموس: " القرين ": المقارن، والصاحب، والشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، وهو المراد هنا . كتاب" نيل الأوطار " (3 / 7) فالقرين موجود في / مع كل إنسان منذ ولادته؛ حسب الطرح العقائدي، كما هو مثبوت في سورة * ق*: وقال قرينه هذا ما لديَ عتيد (الآية 23) قال قرينه ربَّنا ما أطغيته ولكن كان على ضلال بعيد(الآية 27)

إذ يعتبر حسب التفاسير؛ بأنه شيطان/ جان/ وهو الذي يمنع المرء من عمل الخير، ويزين له عمل الشر، ويبقى موكلاً به من ساعة الولادة إلى الموت، ولا يفارقه أبداً. ولكن نجد ما هو متداول منذ القدم (شيطان الشعر) وفي هَذا الباب

يقول – جرير –:

رأيتُ رُقى الشيطان لا تستفزه    وقد كان شيطاني من الجن راقي

وقبله يقول امرؤ القيس:

تخيرني الجن أشعارها     فما شئت من شعرهن اصطفيتُ

إذن؛ هذا يؤكد بأن الشيطان؛ حاضر في كل عمل (ما) ويتسربل ويتحرك في مدى أداء الفعل البشري عموما، ومن الطبيعي أن يكون ملازما للأدباء والشعراء؛ وبالتالي فالعديد ممن يربط العمل الشعري بأن بابه الشر . فهذا الربط لما لا يكون القرين هو الفاعل الحقيقي للانتحار؛ بحكم أنه أراد أن يخرج من جَسد صاحبه؛ فلم يجد فككا سوى الانتحار. ومن ثمة فالجسد سوى أداة لتنفيذ لما أقدم عليه (القرين) أوأوحى لصاحبه بالانتحار.

فمن خلال العديد من الرسائل والأوراق التي تركها – المنتحرون – نستشف شيئا ما يتحرك خفية في بنية المنتحرفمثلا: فيرجينيا وولف أحد أهم الروائيين المعاصرين

في كلماتها الأخيرة؛ تقول: [إني أفقد صوابي مرة أخرى، أنا متأكدة من ذلك. ولكني لن أتعافى هذه المرة. أسمع أصواتاً غريبة، ولا أقوى على التركيز. ولذلك، أنا أفعل أفضل شيء يمكن فعله الآن. كما ترى، لا يمكنني حتى الكتابة بشكل لائق.....]

نلاحظ لفظة:

(أسمع أصواتاً غريبة)- (أفضل شيء يمكن فعله الآن)

ألا يمكن أن نترجمها بهذه المعادلة:

(أسمع أصواتاً غريبة) = (قرين)

(أفضل شيء يمكن فعله الآن) = (انتحار)

في هذا الباب لمن الصعب سرد كل المنتحرين؛ ولكن نماذج من السياق؛ نطرحها لنتساءل: هل انتحار طرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم وأبو حيان التوحيدي وكليوباترا و زنوبيا (ملكة تدمر) حنبعل (قائد قرطاجنة) فهؤلاء...

هل أسباب انتحارهم مصدره الكآبة واليأس المفرطين، وفقدان الأمل والخوف من الحياة وعدم القدرة على مجابهة ومواجهة الواقع المشحون بالصعوبات المادية والعاطفية وغيرها، كما يرى علماء النفس؟

يكون شيئا من هذا القبيل؛ ولكن ليس هو السبب المباشر للانتحار؛ فلماذا الكتاب المقدس يذكر أربعه أشخاص أقدموا على الانتحار: شاول (صموئيل الأولى 4:31) أخيتوفل (صموئيل الثانيه 23:17) زمرى (الملوك الأول 18:16) يهوذا (متى 5:27)؟ في تقديري لكي يرسخ الكتاب المقدس بأن الانتحار هو قتل وهو خطية. وبناء عليه فالانتحار يكون مساويا للقتل؛ وهذا ما يحرمه الإسلام (قتل النفس) .

وبالتالي فحسب هذا التحريم والذي أجمعت عليه كل الشرائع السماوية: فكل شخص (ما) أقدم على الانتحار يعد مجرما / قاتل نفسه .

وللإشارة المفتوحة: لقد طرحت مسألة القرين كدافع أساس للانتحار؛ ليس مسألة قطعية بل ظنية أو يمكن أن نعتبرها مسألة نقاشية؛ مادام الانتحار ظاهرة أكثر التباسا وغموضا؟؟؟

 

نجيب طلال

 

 

وصفَ أديب إسحاق التسامحَ بأنه "كالحرية يشتاقها الإنسانُ مرؤوساً وينكرها رئيساً، وكالزهادة يقبلها سقيماً، وينبذها معافى سليماً. فلا يثبت على تغير الأحوال إلا عند ذوي النفوس الكريمة والطباع القويمة، وما هم بكثير".

هذا ما كتبه إسحاق قبل قرنٍ ونصف تقريباً وهو مما يُمكن أن يُقال في كل زمان، فقد طالبَ بالحرية كثيرٌ من الناس عندما كانوا يُقمعون، ودعوا إلى الزهد وهم لا يملكون شيئاً، وذموا التعصب والظلم والفساد وأشياء أخرى... وكل ما فعلوه عندما أصبحت السلطةُ بأيديهم أنهم أخذوا صلاحيات الظالم والفاسد والمستبد، فظلموا وأفسدوا وقمعوا وسرقوا بل زادوا عليه... إن كثيراً من الناس يدعون إلى التسامح وهم ضعفاء، ولا يفكرون به وهم أقوياء، ويبقى المحك الحقيقي للتسامح في حال القوة والقدرة، عندما تكون قادراً على الفعل ولا تفعل احتراماً لمبدأ التسامح. أما إذا لم تكنْ قادراً على الفعل فلستَ متسامحاً، بل أنت عاجز.

أديب إسحاق (1856 - 1884) عمرٌ قصير وثقافة كبيرة، كاتبٌ تنويري ليبرالي علماني وُلد في دمشق من عائلة أرمنية، أجاد لغاتٍ عدة، وتنقل بين بيروت والقاهرة وباريس. عاش في زمن الدولة العثمانية التي حاولت الإصلاح في سنواتها الأخيرة لكنها لم تنجح، وانتقل إلى مصر التي كانت فيها نهضة فكرية استقطبت كثيرين من مثقفي الشام.

قيل إن أديب إسحاق رفض استقبال الكاهن قُبيلَ وفاته، وقد زاد هذا الموقفُ غضبَ الكنيسة عليه، وكانت غاضبة عليه في حياته وبعد مماته. لقد أرادت الكنيسة أن يقال إنه قد عاش ومات مسيحياً أو مؤمناً، وحتى لو كان مؤمناً بطريقة خاصة فإنها لا تريدها بل تريد ما تحدده هي لا غيرها. وبعض المؤسسات الدينية ترغب في أن يُشاع مثل هذا الكلام عن المشاهير من المفكرين والعلماء... وأحياناً يأتي مدافعون عن الدين تبرعاً أو تكليفاً يروون قصصاً وأخباراً عن توبة فيلسوفٍ ملحد أو ندمِ مفكرٍ علماني، يصدق بها المنتمون لأنهم أصلاً لا يسألون ولا يتحققون. ومما يُروى أن الكنيسة كانت قد استولت على جميع مخطوطاته وأخفَتْها، ولم يظهر من كتاباته إلا ما جَمعَه صديقه جرجس نحاس. أما ما كتبَه عن التسامح فقد جاء في خطبة ألقاها في جمعية زهرة الآداب في عام 1874، تلك الجمعية التي كان رئيساً لها.

يتناول أديب إسحق في البداية تعريف المصطلحات ودلالاتها، يقول عن التعصب والتساهل: "لقد جرى لفظ التعصب على ألسنة أهل الإنشاء العربي بمعنى الغلو في الدين والرأي إلى حد التحامل على مَن خالفهما بشيء فيما يدين وما يرى. وأجريتُ ها هنا لفظ التساهل بمعنى الاعتدال في المذهب والمعتقد على ضد ذلك الغلو، متابعة للإفرنج في لفظهم المعبر عن هذا القصد (توليرانس)". وحالياً تتُرجم هذه الكلمة بالتسامح، أما هو – وأمين الريحاني فيما بعد وآخرون - فقد اختار كلمة التساهل ترجمةً لها، وبمرور الزمن أصبحت كلمة التسامح أكثر شيوعاً وانتشاراً، وما عاد أحدٌ من الكتاب المعاصرين يستعمل كلمة التساهل.

لقد أدرك أديب إسحاق صعوبةَ الدلالة والمعنى، إذ قال: "ولا أجهل أن هذينِ الحرفين – لفظ التعصب ولفظ التساهل – غير وافيين بالمراد منهما اصطلاحاً، وأن في إيلاء الأول معنى الغلو في الدين والرأي توسعاً عظيماً. وفي إشراب الثاني ضد ذلك المعنى خروجاً عن الحد اللغوي. ولكن للاصطلاح حكماً نافذاً يسوق الألفاظ إلى المعنى الغريب فتنقاد. فإذا مرت عليها الأيام. وصقلتها الألسنة والأقلام. جاءت منطبقة عليه بلا إبهام ولا ايهام".

ثم يفصل أكثر في حد التعصب، فالتعصب هو "غلو المرء في اعتقاد الصحة بما يراه، وإغراقه في استنكار ما يكون على ضد ذلك الرأي"، وهذا الإغراق والغلو يحمله على اقتياد الناس لرأيه بالقوة "ومنعهم من إظهار ما يعتقدون، ذهاباً مع الهوى في ادعاء الكمال لنفسه وإثبات النقص لمخالفيه من سائر الخلق". ولا يدعي إسحاق أن هذه تعريفاته، لأنه يُشير إلى مصادره العامة بقوله "عند أهل الحكمة العصرية" أو "عندهم".

أما التساهل (التسامح) فهو أن يرضى المرء برأيه ويعتقد الصحة فيه ويحترم آراء غيره "رجوعاً إلى معاملة الناس بما يريد أن يعاملوه. فهو على إثباته الصواب لما يراه، لا يقطع بلزوم الخطأ في رأي سواه. وعلى رغبته في تطرق رأيه للأذهان، لا يمنع الناس من إظهار ما يعتقدون".

يرى إسحاق أن مَن تبيَّن هذين التعريفين لا يشك في كثرة مَن يراه من أهل التعصب وقلة من يمر به من المتساهلين. ويتعجب كيف يتعصب الناس فيما يعتقدون وقد عجزت الأفهام عن إدراك كثير من أسرار الوجود، وامتناع الكمال على الإنسان، وكان لهم في تعصب الأولين عبرة، لو كانوا يعتبرون. ثم يضرب أمثلة على الأخطاء، ويستبعد الكلام على العقائد الدينية من بوذا وزرادشت وكونفوشيوس وإلى سائر دعاة الدين، كي لا يُظن أنها هي المقصودة، فهو يشير الى تعاقب الوهم والحقيقة والخطأ والصواب في قضايا العلم كي تكون عبرةً للمتعصبين. إنها أمثلة علمية من سكون الأرض ودوران الشمس عليها والأقاليم السبعة وطب أبقراط وفلسفة أرسطو وتعبير ابن سيرين... "فماذا تقول رمم الذين تعصبوا لهاته الأوهام على مَن كان في ريب منها فألزموه الصمت والخسف، وعاملوه بالشدة والعنف، حرصاً على ما يتوهمون من الحق، والحق بريء منهم لو يعلمون"؟

رأى إسحاق أنه لا تخلو حقبة من الزمان من التعصب في الدين والرأي، لكن الفطرة الإنسانية فيها ما ينطبق على التساهل من كل الوجوه، وعلى الرغم من قدم التعصب فهو طارئ على الإنسان، تولد عن مفاسد الرئاسة في الجماعات. ولا يتكلم عن المفاسد والنوائب التي نشأت عن التعصب في الدين والرأي، ذلك أن تاريخ الحروب والفتن والغارات يشهد على ذلك من بدايته إلى المئة الأخيرة في الغرب، وإلى هذه الأيام في الشرق، ويقصد في القرن التاسع عشر. بل إن الغرب على الرغم من انتشار العلوم فيه وحصول الحرية لأكثر ساكنيه، لم يَخلُ من ذلك. ويعدد ألوان العذاب التي تعرض لها الناس من قبل، كما حدث للنصرانية في دولة الرومان، واليهود في إسبانيا، ومن اتهم بالشك عند ديوان التفتيش، والبروتستنت. لكنه يرى أن التسامح في الغرب هو في الهيئات أرسخ منه في الأفراد، ويستثني الذين تطهروا من أدران التقليد وسلموا من علل الأوهام. ويذكر أمثلةً تأييداً لكلامه، ويستغرب من التحامل على اليهود وغيرهم في بلدان أوربية، "وإلا فما هذا الذي نراه من التحامل على بقايا آل إسرائيل في بلاد الروس والألمان. وما ذا الذي نسمع به الآن من الخلاف والشقاق بين الشيع المتباينة في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وغيرها من أعرق البلاد في التساهل والحرية"؟

فالتسامح إذن موجود في الهيئات، وهذا لا ينفي وجود التعصب عند الأفراد. ويقص علينا قصةَ فتنةٍ حدثت - في زمانه - في بلد منسوليمين بوطن الفرنسيس عن عمال وأصحاب العمل الذين كانوا يحاسبون العمال إذا ما رأوا عندهم فتوراً في العبادة أو ضعفاً في العقيدة، وذلك بالغرامة والطرد، ويشمل هذا حتى المشيعين الذين يشيعون أحدَهم إذا مات، "وهم هم في البلد الذي افتدى أهله بدمائهم حرية السعي، وحرية الرأي وحرية القول. فما الظن بغيرهم من أهل سائر الأقطار"؟

يضرب أمثلة عن التسامح، لكن بعض التسامح وسيلة وليست غاية.. ذلك أن الإنسان يطلب أشياء قد لا يكون مقتنعاً بها قناعة حقيقة، فهي وسيلة لغاية معينة أو حاجة وقتية، وعندما يحصل عليها يبدأ بممارسة ما كان يقف ضده، يقول: "فلَكَم رأينا من فئة مستضعفين يطلبون التساهل ويدعون إليه بكل لسان، ويثبتون له الوجوب من كل الوجوه. فلما أن قامت دولتهم، وقويت شوكتهم، وصار إليهم الأمر والقوة، كانوا من الغلاة المتعصبين. وهذه تواريخ العقائد الدينية والمذاهب الفلسفية والطرائق السياسية فيما تعاقب عليها من القوة والضعف، والقبول والرفض، شاهدة بصحة ما أقول. لا يقف النظر على صفحة منها إلا رأى المتساهل في ضعفه، متعصباً يوم قوته، والمتلاين في حال خسفه، متشدداً في دولته". وما أشار إليه إسحاق حالٌ متكررة نشهدها يومياً. إن التسامح ليس مسألة شفقة أو إحسان، بل مبدأ أو واجب، "ولذلك لم يرضَ الحكماء من التساهل بأن يكون صادراً من اللسان مراعاة لأحكام الضرورة أو من عاطفة القلب، ميلاً إلى المعاملة بالإحسان، بل أوجبوا فيه الاعتقاد بتحتمه على الانسان... إنما اللازم فيه تقييده بمبدأ متين من الحق، وتأييده بعماد مكين من اليقين. بحيث يعلم مع مخالفيه فيما يظهرون من آرائهم، وما يعلنون من مذاهبهم، أنه لا يفعل ذلك رهبة منهم إن كانوا أقوياء، ولا شفقة عليهم إن كانوا ضعفاء. ولكن قياماً بواجب من العدل والحق".

ويأتي بأمثلة وأقوال على عدم الإكراه كما "قال يوستنيانوس القديس: أشد ما يخالف الدين نكراً أن يحمل الناس عليه قهراً، وفي: لكم دينكم ولي ديني، وفي: لا تجادلوهم إلا بالتي هي أحسن، بلاغٌ للمتبصرين"، ثم يختم كلمته بدعاء المتساهلين، وهو دعاء لا فرقَ بينه وبين أي من الأدعية الدينية؛ يبدؤه بـ يا بديع الصفات إله الموجودات... ويختمه بـ قِنا العثرةَ مع المتعصبين واحشرْنا في زمرة المتساهلين.

 

د. فيصل غازي مجهول

كلية الآداب / جامعة بغداد

 

 

qasim husansalihوصف العراق بأنه بلد العجائب والغرائب، وآخر عجائبه ان تصدر فيه وزارة العدل قانونا يسمح بتزويج الفتاة بعمر التاسعة!، وآخر غرائبه أنه يصدر في الزمن الديمقراطي! ويعاكس التطور الاجتماعي وقوانين حق الطفل التي اقرتها (193) دولة في الأمم المتحدة من بينها العراق!

 ولقانون الأحوال الشخصية الجعفري قصة تعود لعام (1959) بطلها الراحل السيد محسن الحكيم، فحين صدر قانون الاحوال الشخصية رقم(188 لسنة 1959) وقف السد الحكيم ضده واصفا عبد الكريم قاسم بأنه (فاسق) وان حكومته مجموعة (كفار). وفي العام (1963) قدم سماحته طلبا الى حكومة انقلاب (8) شباط الدموي يقضي بالغاء القانون ولم تأخذ به برغم انه كان صاحب فضل عليها في تلبية طلبها اصدار فتوى بـ(تكفير الشيوعيين) لشرعنة قتلهم!.

 ولقد خضع قانون الاحوال الشخصية (188 لسنة 1959) لتعديلات اهمها تعديل عام (1987) اثر الحالات الكثيرة التي نجمت عن الحرب العراقية الايرانية (1980-1988) الخاصة بالأسرى والمفقودين، ومنحه حرية أكبر للمرأة، وتعديلات أخرى لجأ اليها صدام حسين في حملته (الأيمانية) .. لكن جميع تلك التعديلات لم تجرؤ على السماح بتزويج الفتاة بعمر التاسعة.

 بعد سقوط النظام وتشكيل مجلس الحكم، وفي (29 كانون الأول 2003)، جرت تعديلات رجعية سلفية على قانون الاحوال الشخصية برقم (137 لسنة 2003) تبناه الراحل عبد العزيز الحكيم بوصفه رئيس مجلس الحكم، جوبه برفض شعبي كبير اضطر الحاكم الأمريكي بول بريمر الى الغائه. وظل قانون السيد عبد العزيز الحكيم (الذي يتنفس روح أبيه) في الأدراج الى عام (2013) حيث فاجأ وزير العدل السيد حسن الشمري العراقيين بالإعلان عن مشروع قانونين مرتبطين معاً هما "قانون القضاء الشرعي الجعفري العراقي" و"قانون الأحوال الشخصية الجعفرية"، وتقديمهما إلى الحكومة والبرلمان جوبهت ايضا باحتجاجات قوية لاسيما بغداد ومحافظات الجنوب، واعتراض دامغ على وزارة العدل أنها لم تصدر قوانين مماثلة للطائفة السنية ما يعني تغليبها للطائفة الشيعية، واتهام لوزيرها الشمري بان ما قام به هو تنفيذ لزعيمه الروحي آية الله محمد اليعقوبي، وان دافعها سياسي كورقة تستخدم لضمان فوز حزب الفضيلة في انتخابات (2014)وتعويض ما تعرض له من خسارة. والآن في (تشرين الثاني 2017) يعود السيد ممثل حزب الفضيلة الى تقديم قانون الاحوال الشخصية الجعفرية، بدعوى ان قانون الأحوال الشخصية النافذ لسنة (1959) يتعارض مع الفقه الشيعي .. ليتكرر المشهد نفسه باعتراضات واحتجاجات وتظاهرات تطالب البرلمان بعدم اقراره.

 المشكلة في العقل الذي صاغ (قانون الأحوال الشخصية الجعفري) أنه لا يسمع ما يقوله العلم ولا يكترث بما يقره العالم بخصوص حرية الانسان وكرامته. فمن الناحية العلمية ينبغي  التمييز بين سن البلوغ البيولوجي وسن بلوغ النضج السيكولوجي والسلوكي والاجتماعي، فالأول جسدي خالص يبدأ عند الفتاة في العاشرة برأي اطباء علم وظائف الأعضاء، فيما الثاني فكري ثقافي اجتماعي يبدأ عندها في الثامنة عشرة.وعالميا، وعلميا ايضا، فان مرحلة الطفولة تنتهي عند سن الثامنة عشرة، ما يعني ان الذين اعمارهم بين سنة و17 سنة (داخل) يعدون اطفالا. وهذا ما تضمنته اتفاقية حقوق الطفل التي حددت عمر الطفل بمن لم يدخل الثامنة عشرة. واعتبرت الامم المتحدة ان زواج الاطفال يعد انتهاكا لحقوق الانسان وحقوق الطفل، واكدت المواد (16، 19، 37) من ااتفاقية حقوق الطفل على ضرورة حماية الطفل من جميع اشكال العنف والضرر او الاساءة البدنية او العقلية او اساءة المعاملة والاعتداءات الجنسية كافة .. ويعد زواج الفتاة بعمر التاسعة اغتصابا من المنظورين العلمي والعالمي .وقد منعت منظمة الصحة العالمية زواج الأطفال (دون 18 سنة) لأن مضاعفات الحمل والولادة هي السبب الرئيس لوفاة الفتيات وفقا لتقاريرها التي افادت بان نسب الوفيات بسبب الولادة بين الفتيات بعمر (15-19) سنة تبلغ خمس مرات مقارنة من هنّ بعمر (20-25) سنة.

 وثمة تساؤل موجه لوزارة العدل:

 كان مفتي داعش قد اباح الزواج من القاصرات، ما يعني ان ما اباحه مفتي داعش يلتقي مع ما سمحت به وزارة العدل في الجوهر والتطبيق .. في حال لا ينفع معه تبرير ان ما قامت به داعش يعد اغتصابا وما تدعو له وزارة العدل يقوم على الاختيار وموافقة الوالد، فكلا الحالين .. الضحية فيهما فتاة بعمر التاسعة.ولا ينفع تبرير السيد وزير العدل السابق، حسن الشمري بقوله ان لكل مذهب الحق في تطبيق معتقداته، فبستثناء ايران والسودان فان الغالبية المطلقة من دول العالم حددت العمر الأدنى للزواج بسن الثامنة عشرة.فضلا عن أن الوزارة لم تقدر انها سلبت سلطة القاضي وأعطتها لرجل الدين مع ان القضاء كان احد اهم اركان الدولة الأسلامية، ولم تفكر بأن الوالد الفقير الذي لديه ثلاث بنات او اكثر وصار في الزمن الديمقراطي لا يجد قوت يومه .. يضطر الى ان يبيعهن متعا جنسية يغتصبهن اشخاص لا وصف لهم سوى انهم غير ناضجين عاطفيا وجنسيا ان لم يكونوا مرضى نفسيا.

 نصيحة

في ضوء هذه المعطيات، وقراءة لحكاية مشروع (قانون اغتصاب الفتيات) وما واجهه من احتجاجات، فأننا نقترح على وزارة العدل، بنصيحة مخلصة، سحب ما تقدت به .. فبه تكون قد احترمت رأي غالبية العراقيين، والتزمت بموقف الحكومة العراقية الموقعه على اتفاقية حقوق الطفل .. وبه ايضا تعيد الاعتبار لذاتها انها وزارة عدل تشرعن ما هو عدل، لا ما يعدّ بنظر العلم والعالم .. اغتصابا.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العر اقية*

 

 

hashem aboudalmosawiقلّما يطالع المرء رواية في الأدب دون أن يكون للعمارة، وصفا للمكان وتوثيقا لمعالم تاريخية فريدة، نصيب الأسد في إرساء دعائم القصة وأركانها، حيث أن أحداث بعض الروايات لا تكتمل روعة إدراكها إلا بوصف دقيق وتفصيلي لصروح عمرانية 'حقيقية' تشكل جزءا لا يتجزأ من فهم وتفاصيل الحبكة وسرد القصة. فالعمارة والأدب، يرتبطان في مسعى واحد هو القدرة على التخيل وربط الأحداث ونسجها في قالب واحد يعتمد أصلا على الابداع. ومن روايات 'دان براون'، مثل رواية 'شيفرة دافنشي'، ورواية 'الملائكة والشياطين' ورواية 'الرمز المفقود'. ومن قبل 'براون' كان هناك 'تشارلز ديكنز' ورواياته العالمية مثل 'أوليفر تويست' و'ديفيد كوبرفيلد' والتي دارت أحداثها في مدينة لندن ووصفت معالمها كجسر لندن التاريخي. وهناك رواية البؤساء لفكتور هيجو التي تناولت باريس القرن التاسع عشر بالتفصيل كما أن هناك رواية 'قصة مدينتين' لشارلز ديكنز. في الأدب العربي نجد 'نجيب محفوظ' ورواياته 'زقاق المدق' ونجد 'أمين معلوف' ورواية 'ليو الأفريقي' والكثير من الروايات التي تصف المكان المعماري وتعتمد عليه اعتمادا 'كمنصة للقصة' وكخشبة المسرح التي لا تقوم الرواية بدونها مطلقا. فإحدى دعائم الرواية الأساسية، مع الشخوص والظرف التاريخي، هي 'المكان' وإبداعاته وتجلياته، وحتى الآن يتم نسج هذا 'المكان' من إبداعات أدباء 'غير معماريين' فبين المعماري والأدب خصام مبين! ولذا فنحن ندعولالإرتقاء بشأن الواقع المعماري ومتعلقاته واستحقاقاته الإبداعية بالمفهوم الواسع للكلمة، وتفعيل جانب مهم وغائب عن المشهد الثقافي المعماري بإطاره العام من علاقة العمارة بالفن والأدب، وكذلك ندعو  لإطلاق مشروع جائزةعربية  تمنح سنويا لأعمال معمارية نقدية أدبية هادفة. وذلك بأمل أن يتمكن المعماري، وفن العمارة عموما أن يرتقي لدوره المأمول والمفترض في قيادة مناحي الإبداع الفكري والفني والأدبي بارتباطاته الفكرية والأدبية بإطارها العام الواسع ي تربط الأدب بالعمارة ؟

 

د. هاشم عبود الموسوي

 

naheda mohamadali2كنت أطالع صباح هذا اليوم في إحدى المواقع الإخبارية عن ذكريات دخول داعش عام2014 إلى الموصل، فقرأت ما هو معروف عن إختطاف الأيزيديات وإستخدام أطفالهن في معسكرات التدريب الإرهابي لكن أكثر ما راعني ما قرأته عن طفلة في الثامنة من عمرها في أحد المخيمات في زاخو والتي قام بإغتصابها داعشي في الأربعين من عمره وقد فعل ذلك من قبل بأمها وهو بالتأكيد من المحرمات في الدين الإسلامي، فتساءلت عن أي إسلام يتحدثون وما أشبه اليوم بالبارحة، فقد قنن ذلك وشرعه عباقرة القانون في البرلمان العراقي، حيث أجازوا أن تستباح عُذرية الطفلة العراقية قبل أن تكون مهيأة عقلياً وجسدياً للزواج .

لقد وقع العراق منذ الثمانينات على مباديء حقوق الطفولة وحمايتها لكنه سلم عهدته إلى بعض رجال الدين، ويعلم الجميع بأنهم هم من أجازوا ما هو أبشع من زواج القاصرات ألا وهو (زواج المتعة وزواج المسيار) مما لا يوافق حتى أردأ العقول والضمائر، وهذا يندرج تحت مصطلح (الزنا) الذي يعلموه جيداً، لكنه زنا مُشرع وهذه ظاهرة لم تمارس في أغلب الدول الإسلامية .

إن ظاهرة زواج الأطفال هي ظاهرة تطفو على السطح في فترات الحروب والفساد الإجتماعي والإقتصادي، والمراد منها هو تقليص التكاليف المادية على رب العائلة وتخليص هذه العائلة من فئة الإناث . لقد برزت هذه الظاهرة في العراق في فترات الأزمات السياسية والإقتصادية، وظهرت أيضاً في سوريا وفي اليمن، وهناك المئات من الفتيات القاصرات زُوجن قسراً لرجال بأضعاف أعمارهن، وكان هذا لأجل رفع العبء الإقتصادي عن كاهل الأب وتحويله على كاهل الزوج .

لقد إنتشرت هذه الظاهرة وأبحرت مع صفوف اللاجئين العراقيين والسوريين إلى جميع دول أُوربا وأمريكا، وإكتشف البوليس الغربي ذلك وقام بملاحقة أولياء الأمور الذين حاولوا التخلص من فتياتهم بتزويجهن ليس من خلال القانون ولكن من خلال رجال الدين المتواجدين هناك، فأيهم أكثر نُبلاً وشرفاً، أولياء الأمور لهؤلاء الفتيات أم سلطة القانون الغربي . ولقد إنتشرت هذه الظاهرة أيضاً كما ذكرت بعد نشوب الحرب في اليمن وإنسحب ذلك على الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية، فقد تهدمت البنية التحتية تماماً لهذا البلد وإنتشرت المجاعة والأوبئة وأُغلقت عشرات المدارس أو تحولت إلى ملاجيء أو مخازن سلاح وتهدم الكثير منها، فتسرب طلاب وطالبات المدارس وأصبحت الفتيات عبئاً ثقيلاً على كاهل الآباء، فما كان إلا أن تنتقل ولاية الفتاة إلى الزوج وهكذا زُوِّج آلاف الفتيات الصغيرات اليمنيات إلى رجال مُسنين، وكان هذا كمن ينقل الثقل من اليد اليمنى إلى اليسرى ومع ذلك يبقى العبء الإقتصادي ثقيلاً على المجتمع برمته، أي أن هذا الحل لا يتبع المنطق إطلاقاً .

لقد إنتفضت الأقلام الشريفة لتتحدث عن مسخ قانون الأحوال الشخصية العراقي 188 لعام 1959، وكلنا نعلم أن هذه العملية ما هي إلا غزل سياسي ما بين القوى الدينية المتصارعة، أيهما أقوى ديناً ولم يُخرجوا من الدين إلا أوضاع المرأة، فإذا أردت أن يُعرف تدينك فضع المرأة تحت المجهر ما بين اليمين واليسار، وما بين الأعلى والأسفل، تُلاحق في عملها وكلامها ولباسها وعلاقاتها، وعلى هذا الأساس فلا حق لها في الإختيار أو الرفض، وعلى هذا الأساس أيضاً فهي تتزوج بمن يرغبون ومتى ما رغبوا، وهي هنا سبية في بيتها ولا فرق في إنتقالها من بيت الأب إلى بيت الزوج .

لو نظرنا إلى المكتسبات التي حصل عليها الشعب العراقي بعد 2003 لوجدنا أنه لم يتغير شيء ولم يجر الإهتمام بتطوير البنية التحتية، بل ظهرت على السطح ظواهر سلبية كثيرة، فقد إزدادت نسبة الجريمة المنظمة وغير المنظمة وإزداد عدد المطلقات والمحجبات قسراً إزدياداً كبيراً كما إزداد عدد المتزوجات قسراً وعادت ظاهرة الإتجار بالبشر وتجارة الأعضاء وتجارة الجسد، وأصبحت المرأة العراقية مجرد بضاعة تدور في السوق ويكسب الجميع من دورانها إلا هي . فحتى النساء العراقيات ذوات المستوى العلمي والثقافي الجيد بدخولهن مجالات العمل المختلفة تشكل حركتهن خطورة كبيرة عليهن لأن المجتمع العراقي حالياً وبإعتراف الكثير من المنظمات الإنسانية العالمية ومنها منظمة حقوق الإنسان بأن المجتمع العراقي هو الأكثر خطورة في العالم مع المجتمع في الصومال واليمن وأفغانستان . ولو سأل سائل ما علاقة هذا بزواج القاصرات لكان الجواب واضحاً لكل ذي منطق، وكل الظواهر السلبية المذكورة تشكل ثقلاً على العقل العراقي وعلى نفسية الفرد العراقي، فيحاول عباقرة القانون هنا إيجاد منافذ وثقوب يتنفس منها القلب العراقي المنتفخ كألبالون وهو لا يعلم أن هذه المنافذ ستؤدي إلى كوارث أعمق فها هي نسبة الطلاق قد أصبحت مرتفعة جداً والزواج المبكر أحد أسبابها حيث تتزوج الفتاة الصغيرة وهي غير مُستطيعة أو مُدركة لمهامها الزوجية وينتج عن ذلك أيضاً الآلاف من الوفيات للحوامل من الفتيات الصغيرات وإحتمالات الولادة المبكرة ووفيات الأطفال المولودين مبكراً، حيث كما هو معلوم أن أجساد هؤلاء الفتيات هي غير مُعدة بعد للحمل والولادة .

إن اللعب على طاولة القمار الشرعي في البرلمان العراقي لن يكتب النهاية السعيدة للزواج المبكر، كما لن يكتب النهاية السعيدة للغزل السياسي بين الأحزاب الدينية المتصارعة لأنه يقدم وببساطة الجسد العراقي المتعب ثمناً لذلك .

 

الدكتورة  ناهدة محمد علي

 

 

ali mohamadalyousifنعود مرة اخرى الى موضوعة الاغتراب الابداعي وعلاقته بالاغتراب التصوفي السلبي. فالاغتراب الابداعي يمثله احيانا فرد او مجموعة من الصفوة او النخبة المبدعة في المجتمع التي لا يكون اغترابها كمجموعة طبقيا لاختلاف عوامل وبواعث اغترابها كافراد، وليس كما هو حاصل في اغتراب الطبقة العاملة لدى (ماركس) بسبب (العامل الاقتصادي) وهذه الطبقة لا تمتلك تفاوتا كبيرا في نوعية وشكل تفكيرها ولا في نوعية وشكل نضالها للتخلص من اغترابها مجتمعة وهذا ما لا يتوافر للمبدعين كمجموعة, اذ لكل واحد منهم تجربته الاغترابية الخاصة وان التقوا في النتائج المبتغاة اخيرا في تحقيق المنجزالابداعي. .

اذن الاغترابية المبدعة المتمثلة بالنخبة لعوامل فنية تدخل في بنائية وتركيب الفعالية الابداعية لا تعبر عن اغترابها ايديولوجيا أي بالخطابة المباشرة أي لا يكون نضالها للتخلص من اغترابها واغتراب الاخرين تثويريا صرفا، وانما يكون هدف اغترابها تنويري تثويري في وقت واحد . وتاثيرها في المجتمع يكون اقوى من الايديولوجيا التي هي مجموعة افكار  منظمة جافة في علاقة تواصلها بالآخرين… اما لدى الفنان الاغترابي فتواصله مع الاخرين يتصف بالتذوق والجمال والفن كلية.

فمقياس ايجابية او سلبية اية فعالية اغترابية انسانية انما تقاس بمعيارية ما تتركه من اثر متحقق في حياة الاخرين ووجدان الجماعة وتغيير علاقات المحيط وايجاد وجود انساني افضل … ومن هنا اعتبرنا التجربة التصوفية اغترابا زائفا سلبيا منغلقا ساكنا غير فاعل يتساوى في شكل ونوع سلبيته الاغترابية مع أي شخص عادي الّمت به واصابته ازمة نفسية محبطة اوجبت اغترابه عن مجتمعه بسلبية اغترابية زائفة بلا معنى ولا محتوى ولا تعبير عنها… لقصور امتلاك صاحبها امكانيات التعبير عن اغترابه ايجابيا في التأثير بعلاقته بالاخر بوسائل تتواءم وتلائم نوع وشكل تجربته الاغترابية. فالاغترابي الإبداعي الذي يكون اغترابه ذاتيا صرفا وليس فردانيا مجتمعيا تكون وسائل التعبير عن اغترابه الذاتي متمركزة على بؤرية الذات نفسها وامكانية تموضعها في قصيدة شعرية او لوحة تشكيلية فتكون اغترابية ناقصة – زائفة بالقياس لما تتركه من اثر في المحيط وفي الغالب الاعم يكون الاغترابي الابداعي راضيا عن إبداعه فلا يهم بعد تموضع ذاته في التعبير المتجسد في عمل فني يعني احدا او

لا يعنيهم، المهم هو توافر اشتراطات جمالية – فنية ذوقية في نتاج عمله وهذا بحد ذاته انجاز يكفي الفنان او الأديب، فيكون بهذا الاغترابي المبدع هو الوجه الاخر للاغترابي التصوفي العاجز عن إيصال تجربته على شكل تعبير مهما كان شكله او مضمونه, يعطي قيمة تواصلية للفعالية الإشراقية الاستبطانية التي يمر بها…

ولا يعني هذا اننا نضع حاجزا بين التجربة الابداعية يمنع الالتقاء بالتجربة التصوفية. فأرقى درجات الاغتراب الابداعي ايجابيا عندما يكون المبدع اغترابيا ذاتيا ومتصوفا روحانيا في وقت واحد. وترجمة هذا النماذج لانتاج فعالية تعبيرية جمالية فنية فالمبدع الاصيل يستطيع التوّسل وتوظيف بعض خصائص التجارب الصوفية ويسد النقص الافتقاري والعجزي من اغناء تجربته واثرائها بمعطيات ومديات تعبيرية غير اعتيادية متفردة متميزة.

كما ان التصوفي الذي يتمكن من نقل بعضا من تجربته الاستبطانية الاشراقية الكشفية, لما هو غير محسوس مباشر للعقل او الشعور بوسائل ايصال فنية تعبيرية تحقق حضورا وارتباطا صحيحا بالاخر, بأي صيغة كانت نثرا ام شعرا ام غيرها انما تعد اغترابا ايجابيا خصبا يفتقده الكثيرين جدا من المبدعين في تحقيق مثل تلك الابعاد في نتاجاتهم. وهو ما حدث على ايدي بعض متصوفي الاسلام الدينيين في وقوفهم بوجه الظلم والاستبداد والاستلاب الانساني للاخر كأبن عربي والحلاج والسهروردي وسفيان الثوري وغيرهم كثيرين…ونجد في تجارب بعض اللاهوتيين المتصوفة الغربيين وحتى بعض متصوفي البوذية والهندوكية وبعض الديانات الفارسية الغير السماوية القديمة الزرادشتية مثل هذه الافصاحات التي لاتستطيع الحكم عليها الا انها نماذج اغتراب ايجابي… يبقى الوجه الاخر للظاهرة… متى يكون الابداعي سلبيا في اغترابه ومتى يكون التصوفي سلبيا في اغترابه ايضا!؟

زيف اغترابية المبدع احيانا تلتقي مع زيف اغترابية التصوفي في اغلب الاحايين … فكلاهما ينشدان خلاصهما روحيا حتى لو جاء ذلك على حساب الاخرين كل الاخرين… وكلاهما ايضا يبحثان عن خلاصهما الروحي المادي لا في خلاص المجموع ولا بالمجموع ولا مع المجموع. وبذلك يكون اغترابهما سلبيا منعزلا عن حركة المجتمع منكفئاً فرديا يدور في عوالم مغرقة في خصائصها الذاتية الخالصة واجترارهما – أي الاغترابي الزائف والتصوفي الزائف - المتكرر بـ (تجريب) وجودي منعزل تماماً عن العالم المدرك المحسوس الواقعي المفعم بمختلف الظواهر الذي يعج بما لا حصر له من الانحرافات والظلم والاستلاب.

ربما يحصل الاغترابي الزائف على شلة من المريدين المزيفين كما يحصل التصوفي ايضاً على شلة من المريدين ايضا غالبيتهم مريدين مزيفين… وهذا لا يلغي فشل تجربة الاثنين.

احيانا أخذ بعض المبدعين من شعراء وادباء وفنانين وبخاصة تشكيليين على اعتبار اغتراب المتصوف الروحاني الوجودي اغتراب من نوع خلاق يجب تقليده والاستفادة من بعض معطياته في اسقاطها على وقائع الحاضر اجتماعيا تاريخيا اذ ان المتصوف يستبطن برؤاه غير العادية ما هو غير مألوف في حقائق الاشياء المدركة المحسوسة وظواهرها, وبالتالي فهو يكشف وجوده الاغترابي روحياً… وهذا وان كان صحيحا فهو غير كاف لان الانسان في سعيه لتوازن ما هو روحاني لديه مع ما هو مادي, ليس مادة هيولية هلامية غير محدودة المعالم مشدودة في المطلق اللامتناهي تنشد خلاصها لوحدها فقط، وانما الانسان في جانبه الاخر كينونة وماهية وجوهر يتجلى ماديا بمختلف النوازع وانواع التباينات، وبالتالي فالانسان وجود دينامي يتغير ذاتيا ويتغير موضوعياً… وفي جانب من ذلك فالانسان تحكمه مجموعة من العلاقات الاقتصادية الاجتماعية النفسية المتداخلة بضوئها وبها يتحدد وجوده في المجتمع ويتحدد وجود المجتمع به.

فالتصوفي في اغترابيته الذاتية المحضة انما يحقق وجودا ذاتياً حلولياً انفراديا روحانيا لتجربته في المطلق والميتافيزيقيا لا في الحياة… أي حلولا، ربما يكون متحققا او لا, حسب صدق التجربة في محاولة التشّبه الكمالي في بعض الصفات الالهية .. وليس السعي في استكمال صفاته الجوهرية المبعثرة التي تحقق له تطابقا دنيويا مع الذات والنفس. وتحقق له توازنا وجوديا ماديا ضمن جدلية مجتمعه. والمتصوف في انكفائه على الذات استبطانيا انغلاقيا في كشف محموم لطريق الرؤية الايمانية المتفردة انسانيا المتوحدة بالذات الالهية الحلولية , هي ايضا اغتراب وجودي غير فاعل ولا يقدم تجربة يعتد بها او يؤخذ بها. (وهو اغتراب روحي وجودي مطلق قائم بذاته ولذاته فقط ما لم يكن متحققا بفعل او اثر ابداعي في الكلية الاجتماعية مؤثرا في الكلي مجسدا في كينونة)(1).

فحقيقة الوجود الانساني هو في تبني الآنية Moment على حد تعبير باسكال أي الامساك بالزمن واللحظة التاريخية لا تجريده وتجويفه – أي الوجود - حتى لا يبقى منه الا القشرة فيضيع في الميتافيزيقيا(2). فالوجود الحقيقي يتم احتضانه من قبل الانسان الفرد في وجوده الاغترابي الايجابي فيكون من نمط تاريخي ينطوي على ممارسة الحرية باسلوب الارادة الفاعلة. والحقيقة ان تعيشها لا ان تعرفها فالمعرفة التي لا تفضي الى فعل ليست شيئا اما هذه الأنا التي تضيع خارج الزمن فابعد ما يكون عن الحياة.(3) والكائن الذي لا موضوع له خارج نفسه ليس بكائن حقيقي لانه لا علاقة له باحد ولا علاقة لاحد به(4). ومن مجموع ما مر بنا وغيره الكثير مما اكده غيرنا او حتى نجهله لحد الان يمكننا ان نفهم صرخة المسيح الاغترابية الرهيبة المسكونة باغتراب الوجود الانساني كله على الارض في حقيقته الغائبة الوقتية الزائلة امام الحقيقة الكونية الازلية الباقية قائلا: (انا الطريق والحق والحياة).

فالاغترابي التصوفي اغترابي سلبي زائف – ما عدا استثناءات مررنا بها واعطينا مواصفات اغترابها- يتساوى في سلبيته الزائفة التصوفية مع أي انسان عادي مغيّب لا يعي وجوده الحقيقي، مغّيب لهذا السبب او ذاك عن وجوده الفاعل في الحياة, ولا يشترط باي اغترابي ان يكون شرط تجاوز اغترابه هو انتاج نوع من فعالية ادبية او جمالية فنية فقط … وانما قد تكون في المشاركة بتصور واع مسبق لما يجب ان تكون علاقته بالاخرين وعلاقة الاخرين به وببعضهم . بما يحقق لهم شروطا انسانية افضل قد لا يدانيها انتاج فعالية ابداعية يكون تاثيرها محدود جدا. وبامكان أي فرد يعاني من شكل من اشكال الاغترابية السلبية ان ينقلها ايجابيا الى حالة تحسس الواقع ووطأته ولا انسانيته بقدرة التحمل وصبر التجاوز…

وتقول ماري ستيوارت: (الذين يملكون بصيرة الهية هم غالبا في عمى…حينما يتعلق الامر بشؤون تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية)(5).

ويقول تاسو في مسرحية غوته:

حينما يلف الانسان الصمت في معاناته

فان الها ما يهيب بي ان اصرخ بما اعانيه

تقول غادة السمان العصابي الحقيقي – وانا اقول الاغترابي الحقيقي-: (لا يهجر العالم او يقطع خيوطه كما يفعل المجنون، وانما هو كالعبقري يعي وجود خلل في العلاقة بينه وبين الاشياء حوله والمهم ان يقدر على تحليل ذاته وتحليل عالمه … ليعي الفرق بين رؤيته الخاصة الاصيلة للوجود والرؤية السائدة وليحاول ابداء وجهة نظره وتجسيدها في موقف والخطأ الذي يرتكبه العصابي (الاغترابي) هو محاولة الاستسلام للاشياء كما هي حيث يصبح طموحه هو ان يعتبر انسانا عاديا)(6).

بطل قصة العاصفة لجبران خليل جبران – يوسف الفخري – بطل اغترابي سلبي يعتزل الناس تعاليا ويهرب معتصما في كوخ مستوحداً بين الجبال العاصية, وعندما يبوح بسر اعتصامه الاغترابي يقول: (هجرت الناس لان اخلاقي لا تنطبق على اخلاقهم واحلامي لا تتفق مع احلامهم تركت البشر لأني وجدت نفسي دولابا يمنة  بين دواليب تدور يسارا… يا أخي لم اطلب الوحدة للصلاة والتقشف بل طلبتها هاربا من الناس وشرائعهم وتعاليمهم وتقاليدهم وافكارهم وضجيجهم وعويلهم . طلبت الوحدة لكي لا أرى وجه الرجال الذين يبيعون انفسهم ليشتروا باثمانها ما كان دون نفوسهم قدرا وشرفا…)(7).

واّراء براتراندرسل في التصوف اذ يقول لاوجود للزمن لدى الصوفية , فالزمن ملغي تماما عندهم, فهم لا يهتمون بالماضي ولا بالحاضر ولا بالمستقبل ,لذلك لانجد لهم حضورا في فلسفة التاريخ لا من بعيد ولا من قريب, فرديتهم فوق كل شيء, سلبيون اجتماعيا, لاتستقيم بارائهم التربية , ولايمكن الاعتماد عليها تربويا وتعليميا .

ويضيف رسل ان الطريق التي يتبعها المتصوفة لايمكن لها بناء اية حضارة , فغياب الامل وعدم الاعتراف بالاعمال الدنيوية كل ذاك يتعارض مع امكانية قيام حضارة .

كما يؤكد رسل ان المتصوفة يرون العلم بحد ذاته غير كاف لتفسير جميع الظواهر المتعلقة بالانسان , وهذا مالا يدعيه العلم نفسه , فالعلم لايستطيع ان يطبق وسائله على ما هو روحي صوفي, اذ يؤكد المتصوفة على ان الحقيقة تكمن في داخل انفسنا , وهي متعلقة بالنفس الانسانية , وهذه حقيقة متوقفة على التجربة الفردية وحدها حالها حال الجمال والاحسان والصداقة ومعرفة الله , فمثل هذه التجارب الروحية يقع وراء العلم ادراكها وهي خارج امكانية العلم في تأكيدها , وعلى هذا الاساس فليس للعلم أي شيء يقوله عن مثل هذه التجارب الروحية.(70)

ومن نافل القول ذكر ان براتراندرسل يؤمن بالنظرية العلمية التي تذهب الى انه بعد سنين طويلة تكون الشمس قد استنفذت الهيدروجين المولد الاول للطاقة الحرارية الشمسية مما يعني برودة الارض تدريجيا وانعدام الحياة بكافة اشكالها عليها .

 

علي محمد اليوسف

........................

هامش:

(70) - د. محمد فاضل عباس – مجلة دراسات فلسفية بغداد عدد 21 , 2008 نقلا عن براتراندرسل  Russell, Betrand, Religion and science , oxford university press , London p.176.

(1) الصراع في الوجود الفكرة لجى كيركارد بولص سلامة ص 155.

(2) الصراع في الوجود التاريخية والابدية بولص سلامة ص 229.

(3) نفس المصدر السابق، ص 231.

(4) نفس المصدر السابق، ص 231.

(5) السباحة في بحيرة الشيطان، غادة السمان، ص 43.

(6) نفس المصدر السابق، ص 72.

(7) جبران في عالمه الفكري، د. نديم نعيمة، مجلة الاديب،ع10 لسنة 1972، ص46.

 

 

raed jabarkhadom2

حين نطلع على أدبيات وفكر النهضة العربية الحديثة (القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده) وأدبيات وفكر النهضة الغربية (الأوربية) الحديثة (القرن الخامس عشر الميلادي وما بعده)، نرى أن هناك بوناً شاسعاً من الأختلاف بين الأثنين، لا يستطيع مقال بسيط أستيعابها وتشخيصها بهذه العجالة، فقد كتبت االكثير من الدراسات والكتابات والمؤلفات من قبل المفكرين والباحثين، التي تَشرح وتُشرّح وتوضح صورة وشكل النهضتين، ومدى استفادة المفكر والمثقف العربي من منجزات النهضة الغربية، ولكن الذي أُريد قوله في هذا المقال اننا في النهضة الأوربية أمام منجز حضاري وعلمي وفكري وأدبي وفني وسياسي كبير، أمام ثورة معرفية شاملة غزت الغرب بالكامل وتحول وجه أوربا وفكرها من حال الى حال، أتضح للجميع الفارق الكبير بين أوربا ماقبل النهضة الحديثة وأوربا ما بعدها، فكرياً وأجتماعياً وسياسياً وثقافياً وحضارياً وعلمياً، أوربا الغارقة في الجهل والأنحطاط والصراع والعنف والحروب والتطرف والكراهية، أوربا الصراع الديني والعنف العنصري ومحاربة العلم والتحديث، أوربا التفكير الثيلوجي والنزعة الأبوية والأستبداد الديني والسياسي، أوربا العصر الوسيط المظلم، حيث محاكم التفتيش والوصاية الدينية والسياسية والتفويض الالهي والفكر الكهنوتي، وبين أوربا التقدم الحداثة والتنوير والثورة الصناعية والعلم والمعرفة والفن والليبرالية والفكر الديمقراطي والتوجه الانساني، كان كل شيء في أوربا ماقبل النهضة في خدمة الكنيسة والدين المسيحي، الفكر والعلم والفن والفلسفة، الكلمة الأولى والقول الفصل للدين أولاً وآخراً، وفي سبيله تبذل الأرواح والأموال والثروات والأفكار، يجب حراسته والتضحية من أجله وفي سبيله، والدين (النقل) مقدم على العقل، والثاني في خدمة الأول، حتى أن الفلاسفة والمفكرين المسيحيين كانو يرفعون شعار (الفلسفة في خدمة اللاهوت)، أي أعتماد الفلسفة والمنطق للجدل ولنصرة الدين ومحاججة الأديان والأفكار الأخرى، وساد وقتئذٍ الاعتماد على المنطق الأرسطي (الصوري)، منطق القضية ونقيضها، منطق القضيتين ولا ثالث لهما، منطق الثنائيات، الحق والباطل، الخير والشر، الأبيض  والأسود، منطق القياس وكمون النتيجة في مقدماتها، وما حدث في الفترة المسيحية هذه (ماقبل النهضة الحديثة) تشبه الى حد ما كان سائداً في الفترة العربية الاسلامية، زمن صراع المذاهب والحروب الكلامية وانتشار كتب (الأحتجاج) و (الأنتصار) وبيان (الفرقة الناجية من فرق الهالكين ) و(تلبيس أبليس) وفتاوى التكفير والحكم بالارتداد والخروج عن الدين، والحروب الدينية والمذهبية الشرسة التي عبرت عن الفكر المتخلف والكريه لفقهاء السلطة وحكام الجور وسلاطين العنف والكراهية.

لقد ثار المفكر والمثقف والانسان الأوربي على كل ما عاناه من محن وأزمات وتخلف، وعلى السلطتين الدينية والسياسية المتنفذة في المجتمع الأوربي والتي كانت تعمل وفق مبدأ الوصاية والحاكمية والتفويض، أبتدأت الثورة أول ما أبتدأت في أوربا معرفياً وعلمياً، وسبق ذلك الاصلاح الديني الذي حصل بعد ذلك بفضل الثورة العلمية التي دعت للتصحيح والاصلاح والتغيير، حيث كان لثورة كوبرنيكوس (1473 ـ 1543م) العلمية في علم الفلك الأثر الكبير على تغيير فكر أوربا ومنطقها الأرسطي العقيم الذي ساد لقرون طويلة، وثورة كوبرنيكوس أطاحت بالتفكير الديني الكنسي التقليدي غير العلمي في كتابه (حول دوران الأجرام السماوية)، وأطاحت بـ (نظرية بطليموس) في مجال الفلك، والتي كانت تذهب الى أن الأرض وليست الشمس هي مركز الكون وجميع الكواكب وحتى الشمس تدور حول الأرض، وقد ساندت الكنيسة هذه النظرية معللة ذلك بأن الأرض مقدسة لأنها مولد السيد المسيح ومن ذلك أكتسبت هذه القدسية، ولكن نظرية كوبرنيكوس وتجاربه الفلكية العلمية قد أطاحت بكل هذه الافكار وأسقطت وفندت نظرية بطليموس، وقد هاجت وماجت الكنيسة على كوبرنيكس ونظريته التي غيرت صورة الكون وتفكير الناس ودعتهم لتحكيم العقل والعلم بدل الدين واللاهوت ومنطق أرسطو، وهذا يعني ضرب مصالح الكنيسة ونقد منهجها وسياستها واثارة الناس على الكنيسة ومنطقها، وتبع ذلك الثورة السياسية والاخلاقية التي قادها ميكيافلي (1469ـ 1527م) للاصلاح والتغير على مستوى السياسة والاجتماع من خلال نقد هيمنة الكنيسة ورفض فكرة التفويض الالهي في السياسة، وتبع ذلك ثورة الاصلاح الديني في أوربا والتي كانت على يد الألماني مارتن لوثر (١٤٨٣ـ ١٥٤٦م)، الذي نادى بالأصلاح الديني واصلاح الكنيسة ورفض سلطة البابوات وتشويههم لجوهر المسيحية واستغلال سلطتهم الدينية في السيطرة على عقول الناس، وبيعهم لصكوك الغفران، وقد كانت النظرية العلمية لكوبرنيكوس بداية الطريق للثورات الكبرى في أوربا، والمدخل للاصلاح الديني والعلمي والفلسفي والسياسي، والتي أدت الى تكوين فكر النهضة الأوربية وتشكيل كينونتها ومنطقها الجديد بالكامل.

النزعة الانسانية، والمنطق والمنهج العلمي، وفصل الدين والكنيسة عن السياسة، ومرجعية العقل ومركزية الانسان، وتطور الفن واستقلال العلوم عن الفلسفة، والتقدم الحضاري والعمراني والمدني، كل هذه كانت مميزات وخصائص عصر النهضة الأوربي الحديث الذي تميز عن الشرق والعرب والمسلمين، والتي كانت هذه الشعوب متأخرة بالنسبة للغرب المتقدم في العصر الحديث.

الحديث عن النهضة العربية الحديثة ومدى صلته بالنهضة الأوربية الحديثة أو مدى التقارب والتشابه بين النهضتين، لهو أمر مختلف تماماً وذو فارق كبير جداً بين الطرفين، وخصائص النهضة الأوربية الحديثة التي ذكرناها لا يمكن القول بأنها نفسها أو جزء منها قد تحققت في البلاد العربية ونهضتها الحديثة، ولا توجد هناك ثورات كبرى شاملة في المنطقة العربية كما حدثت في أوربا الحديثة، ولم يتخلص الواقع العربي من هيمنة الديني والسياسي وسلطة الوصاية والحاكمية، ولم يتخلص الفكر العربي والاسلامي من منطق أرسطو وأستبداله بالمنطق العلمي والأستقرائي الذي ساد أوربا مع فرنسيس بيكون (1561ـ 1626) وديكارت (1590ـ 1650)، ولم يتحقق شيء مما طرحه فكر التنوير الأوربي على المستوى السياسي والاجتماعي العربي، كما جاء على يد جون لوك (1632ـ1704) وفولتير (1694ـ 1778م) ومونسكيو (1689ـ 1755) وروسو (1712ـ 1778) وكانت (1724ـ 1804) وغيرهم من العلماء والمفكرين الأوربيين. وليس هناك في النهضة العربية الحديثة ثورات اصلاحية دينية كما طرحها مارتن لوثر وجون كالفن (1509ـ 1564) وغيرهما.

ما قدمه رواد النهضة العربية الحديثة امثال رفاعة الطهطاوي (1801ـ1873) وبطرس البستاني (1819ـ 1883) وجمال الدين الافغاني (1838ـ1897) وخير الدين التونسي (1810ـ 1890) ومحمد عبده (1849ـ1905) وجورجي زيدان (1861ـ1914) وشبلي شميل (1853ـ 1917) وغيرهم انما هو شيء أشبه بالصحوة والاحياء والتجديد والتحديث واصلاح بسيط لا يتعدى ولا يقارن بالاصلاح العام الذي شمل النهضة الاوربية الحديثة، ومحاولة من هؤلاء الرواد العرب والمسلمين تقليد الغرب من جانب، والعودة الى التراث والجذور العربية من جانب آخر، وهذا ما تمثل في كتابات رواد الفكر الاصلاحي العلماني والعلمي من جانب، ورواد الفكر الاصلاحي الديني من جانب آخر، والدعوة لأظهار الهوية العربية والهوية الاسلامية في الفكر، وهذا لا يقلل من شأنهم وانما كان له الفضل على زيادة وعي المثقفين والمتطلعين في المجتمع العربي، وقد كانت تطلعات هؤلاء الرواد كبيرة جداً ولكن تفاعل وانسام الجمهور والمجتمع لهم لم يكن بصورة مناسبة وحجم التحدي والظروف السيئة التي تعرض لها الانسان العربي للخروج من العتمة والظلام نحو النور. فخطاب النهضة العربية الحديثة لا يرقى الى خطاب النهضة الاوربية الحديثة، ولا يمكن عقد الصلة الكبرى بين الطرفين، فالحداثة والتنوير على مستوى الفكر الغربي شمل مجالات واسعة وعامة على واقع الحياة والفكر والثقافة الأوربية، أما عربياً فالحداثة والتنوير والتجديد أضحت مجرد دعوات وشعارت يصدح بها رواد الفكر والثقافة العربية الحديثة، وما تحقق منه النزر اليسير والخجول جداً لم نر أثره على الواقع العربي في المؤسسات والمجتمع والواقع، وبقي العقل العربي يلهج بخطابات وشعارات النهضة ويرددها في القرن العشرين والى يومنا هذا، ولكنه غارق بفكر ومنطق العصر الوسيط، ومكبل بالوصاية الدينية والسياسية، ومجتمعاتنا العربية المعاصرة وان يتراءى للكثير منا حداثتها العمرانية والمدنية والحياتية، ولكنها سياسياً واجتماعياً وفكرياً وثقافياً تقبع تحت أفكار خاوية لا تمت الى الحياة العصرية والجديدة بصلة، وهذا ما يجعلنا نعيش أزدواجية لا مثيل لها، وفصام فكري وثقافي كبير، حداثة حياة وتخلف فكر، لا تجعلنا قريبين صلة بحداثة الغرب وتفوقه العلمي والمعرفي والانساني. وخير دليل على ذلك مجتمعاتنا العربية والاسلامية المعاصرة التي عادت الى خطاب الماضي والتكفير والاصولية والتطرف المقيت واحياء الميت من الأفكار البالية. وختاماً نوجز القول بأن زمكانية النهضة الأوربية الحديثة لا يمكن قياسها بزمكانية النهضة العربية الحديثة، ومناخ النهضة الأولى وأرضها الخصبة التي نشأت وترعرعت فيها نهضة الغرب، لم تتوفر ولم تتهيأ للعرب لرعاية نهضتهم، ولذلك بقيت نهضة (يقظة) خجولة منفعلة وغير فاعلة أجتماعياً وسياسياً وحضارياً وعلمياً، اذا ما قورنت بنهضة أوربا الشاملة وتعهدها بالرعاية والنمو والتقدم من قبل العلماء والمثقفين والمفكرين والناس داخل المجتمع الغربي، تحت ظل منطق العلم وسلطة العقل ودولة المؤسسات والقوانين.         

       

د. رائد جبار كاظم. استاذ الفلسفة المساعد في الجامعة المستنصرية . بغداد ـ العراق.      

 

 

mohamad aboalnwair2في البدء لابد لنا أن نُعَرّف مفهوم المدرسة السلوكية، ليتبين لنا وجه الحاجة لها في هذا المقال، فنقول : المدرسة السلوكية هي المدرسة التي تؤمن بإمكانية قياس السلوك الإنساني ومعرفته وتشخيصه، وإمكانية ضبطه أو تغييره أو التحكم به والتنبؤ بحصوله، من خلال معرفة ما يَرِد على الإنسان من مؤثرات خارجية مرتبطة بظروف ومعطيات اجتماعية واقتصادية وسياسية واقعية معاشة، تكون كمدخلات لجهازه العقلي التحليلي، تقوده إلى التعاطي مع هذه المدخلات كمؤثرات تحفيزية تقوده لسلوك معين يتلائم مع هذه المدخلات، يكون هذا السلوك كمخرجات تفاعلية تتلائم مع نمط المدخلات التي تعرض لها.

ما تريد أن تقوله هذه المدرسة هو أن سلوك الإنسان الصادر يتعلق بمنظومة معقدة ومتشابكة من المؤثرات التربوية والقانونية والمجتمعية والدينية والأخلاقية، تجعل مخرجات سلوكه منضبطة بحسب هذه المنظومات المتعددة، فإذا أردنا أن نضبط مثلا تربية مجموعة من الأطفال، ما علينا إلا أن نضبط ما يتم تغذيتهم به من مصادر ومعلومات ومناهج ومؤثرات تربوية وأخلاقية، لكي نتمكن من التنبؤ بنمط أخلاقيات وسلوكيات تلك الفئة من الأطفال بعد فترة معينة.

نمط ومنهج التربية الأخلاقية والمجتمعية والدينية للمرأة في المجتمع العراقي، يتميز بامتلاكه للكثير من الضوابط والمحددات والموانع والكوابح الأخلاقية والنفسية والمجتمعية، والتي تحيط المرأة بهالة كبيرة من القدسية التي تفوق حتى قدسية الدين، ألا وهي قدسية الشرف؛ ومفهوم الشرف بحد ذاته (وبالأخص ما يتعلق منه بالجانب الأخلاقي والجنسي تحديدا)، من المفترض أن يكون مفهوما يُفرض في أجندات بلدنا الأخلاقية والتربوية على الرجل والمرأة بشكل متساوٍ! وهنا بيت القصيد.

فالحاصل هو أن مدخلات التربية الاجتماعية والأخلاقية، تُصَدّر مدخلات تربوية وموانع أخلاقية شديدة على المرأة في هذا المجال، وإذا أردنا أن نطبق المنهج العلمي للمدرسة السلوكية في هذا المورد، فسينتج لنا بعد تقييم المدخلات التربوية والأخلاقية والاجتماعية الإنضباطية التي يتغذى عليها الرجل مقارنة بالتي تتغذى بها المرأة، سنجد أن المرأة تتربى على مدخلات تربوية وأخلاقية مجتمعية ودينية تكون أشد انضباطا، وأكثر متابعة، وأهم مجتمعيا وأسريّاً؛ فمن حق الرجل في مجتمعنا أن ينظر لأي إمرأة بأي نوع من أنواع النظرات التي يريدها، بينما نجد أن ذلك غير وارد لدى المرأة العراقية، لأنها تم تغذية سلوكها الأخلاقي بمدخلات انضباطية أشد دقة وأخلاقا من الرجل.

من حق الرجل في مجتمعنا أن يقيم أو يحاول أن يقيم علاقات مشروعة أو غير مشروعة مع أي إمرأة بائعة هوى، قد ينقده المجتمع، ولا يتقبل فعله، ولكن هذا الأمر إذا حصل مع المرأة ، فإن ذلك قد يعني نهاية حياتها!

نتيجة المنهج السلوكي في تقييم هذه الحالة، توصلنا لنتيجة مفادها بأن المرأة العراقية، هي أكثر شرفا بكثير من الرجل العراقي (وذلك بحسب كم المدخلات التربوية والاجتماعية والانضباطية الكثيرة التي ترد لحياة المرأة العراقية، والتي تصدر عنها بالنتيجة مخرجات سلوكية، أكثر انضباطا وأخلاقا وتدينا من الرجل في السلوك).

النتيجة: المرأة العراقية أشرف بكثير من الرجل العراقي، وأكثر شرفا بكثير من كل نساء العالم، المرأة العراقية في نظري لا يجب مدحها فقط، بل يجب تقديسها لأنها ومن رحم المعاناة، كانت تمثل أنموذجا واضحا لمفاهيم الشرف والعفة التي تفوقت فيها حتى على قرينها الرجل.

السلام عليكِ أيتها المقدسة، السلام عليكِ أيتها العظيمة .

ملاحظة: مقاييس العفة والشرف لا أقصد منها تعلقها بأمور الحجاب فقط، فحتى المرأة العراقية السافرة تتميز بشرف رفيع لا تجده في بقية المجتمعات.

ملاحظة: كلامي لا أقصد به العموم المطلق، بل أقصد به نمط اجتماعي أخلاقي تربوي، تميزت به عملية التنشئة الإجتماعية للمرأة العراقية، من وجهة نظر المدرسة السلوكية العلمية، ولا أقصد به أيضا بعض الأعراف الإجتماعية العشائرية البعيدة عن الإنسانية والدين، بل اقصد نمط الشرف والأخلاق المتعارف عليها بالفطرة الإنسانية.

 

د. محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية- المدرسة السلوكية الأمريكية في السياسة.

 

 

zouhair khouildi"ليس في الصنائع العلمية فقط بل وفي العملية. فإنه ليس منها صناعة يقدر أن ينشئها واحد بعينه، فكيف بصناعة الصنائع وهي الحكمة؟"، أبو الوليد ابن رشد، تهافت التهافت،

لا فرق عند الكاتب الحاذق بين القول بالحكمة العربية بالانطلاق من تجربة لغة الضاد في التكلم برهانيا والتنصيص على الطابع الإسلامي للفلسفة المذكورة بالنظر إلى أن غالبية الفلاسفة كانوا من الملل الوافدة.

غير أن التفريق بين حكمة المشرقيين وفلسفة الغربيين صار أمرا إجرائيا ومطلبا منهجيا لمحاولة تحرير الفكر التابع من هيمنة النموذج المتبوع وتصفية الحساب بالمعنى الرمزي مع مركزية لوغوسية استحوذت على الفضاء الافتراضي للتحضر الإنسي في نمط واحدي ينفي كل تعدد معقولي يتفق مع الكثرة البشرية.

الغرض ليس بناء حكم موضوعي تجاه الفلسفة الغربية التي يتقاسمها الكل بشكل معولم ولا نية إنصاف الحكمة المشرقية بعد طول جحود وازدراء متزايد وضيم متعاظم، فهذا مقصد يتطلب الحياد والتجرد، بل معاودة البدء من جهة مغايرة عن الحقبة الوسيطة التي ينتمي إليها الفكر الفلسفي في حضارة إقرأ ومن منظور يحتسب بدقة وعناية تحولات الفن والأدب والإنسانيات والعلوم والفلسفة في الأزمنة مابعد الحديثة.

ليس المطلوب هو البرهنة عل الدور الكبير الذي اضطلعت به الحكمة المشرقية في قيام الحداثة الفلسفية الغربية سواء عن طريق الترجمة الوفية والتعريب الذكي والنقل الأمين للحكمة اليونانية والعلوم القديمة، ولا التذكير بالرّيادة التي أنجزها علماء الشرق في مجالات الطب والتاريخ والمنطق والرياضيات والفلك والجغرافيا واللغة والاقتصاد والمجتمع والسياسة والآداب والفنون والمعمار والبصريات والقانون، بل القيام بإطلالة على بعض المفاهيم الواردة في التراث المادي الذي ظل حاضرا بالنسبة إلى التجربة النقدية وبقي محفوظا في المكاتب والمتاحف والأرشيف بالرغم من أشكال الإهمال التي تعرض لها أو حملات التوظيف والتلاعب السياسي التي تعمد تجفيف المخزون الروحي الذي ما يزال حيا في الشعور الجمعي.

تمتاز الحكمة المشرقية بإلمام واسع بأهم الآثار العلمية والعبارات البليغة والنظريات العجيبة التي أبدعتها البشرية وتتفرد بالدراسة المفصلة للأنساق المجردة والأبنية المعرفية المحكمة والمذاهب الفكرية العقدية ولهذا جعلها المتابعون الأعاجم مثالا للاحتذاء ومنارة للاهتداء ومصعدا للارتقاء في سبيل للتقدم والتمدن.

راهنية الحكمة المشرقية تتحقق ليس من خلال إعادة قراءة النصوص التي تركها فلاسفة الملة الإسلامية مطمورة دون شرح مستفيض وبلا تفسير معمق بالعمل على إدراجها في التراث الإنساني والعقل الكوني بل بالتركيز على البعد الإنساني والقيم المدنية والحركات الفكرية التي وضعت الحقيقة إلى جانب العدالة ودعت البشرية باكرا إلى التخلص من الجهل من أجل التحرر من الخوف واعتمدت الشك طريقا لليقين.

إن مقومات الفكر العلمي في مشارق الأرض من جهة جغرافية العقل البشري وليس من جهة تاريخية التراث الديني هي كافية لظهور قضاة وأدباء وشعراء وعلماء ومؤرخين ومهندسين وفنانين وأطباء أكفاء ولكنها تؤتي أعظم أكلها إذا ما ساعدت على ميلاد مثقفين عضويين وفلاسفة أحرار بدل الوعاظ والدعاة.

الذهاب إلى ماوراء التجربة المخادعة التي أجرتها إيديولوجيا الإستشراق يقتضي المضي قدما في تجربة تحرر مضادة ترتكز على إيتيقا الاستغراب دون الوقوع الحضاري في التمركز اللغوي والإثني والفكري.

كما أن تحويل الحكمة المشرقية إلى فلسفة مقاومة تتلازم فيها ثوابت الثورة الديمقراطية في تلازم الحرية والعدالة وتعاضد السيادة والمواطنة  يتطلب تبئيرها في الفكر الجذري الذي تشتغل عليه مابعد الكولونيالية.

لكن كيف تضع حكمة المشرقيين حدا لتفوق الفلسفة الغربية؟ والى أي مدى تكون قادرة على ذلك وهي لم تعلن أفولها واستيفاء أغراضها ولم تبدأ هي عينها من جديد ولم ترنو ولو مرة واحدة إلى الانتصار عليها؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

توجد عدة دراسات قُدمت ومازالت تُقدم عن النازية والستالينية بوصفهما نظماً قد مارست القمع، وربما لم تتوقف تلك الدراسات الى لحظة كتابة هذا الاسطر وهذا ما يُحسب للفكر الغربي، فدراسة الماضي معرفياً يساهم الى حدٍ ما بمنع الوقوع في اخطائه مرة أخرى، لكن في العراق فإن الدراسات التي تتصف بالتحليل العلمي والمعرفي عن البعثية التي اقامت نظاماً مشابه للنظم الشمولية الأخرى مثل النازية والستالينية محدودة جداً، وربما هذا ما يتحمله الباحثون .

إن الكتابة عن البعثية وجرائمها في ظل حكمها يفترض أن تحفز الآخرين للكتابة عنها بعد انهيارها، وذلك لمستجدات الوثائق التي توفرت لاحقاً، إلا إن حتى مؤلف جمهورية الخوف لم يقم باعادة الكتابة، بل إنه قدم دراسة أخرى عن واقع العراق مابعد 2003م- تحديداً في كتاب الفتنة- ذلك الواقع الذي يمكن أن يوصف بنسبة كبيرة بأنه نتيجة لفعل البعثية إذا أُخذت بأنها مسؤولة بجزء ما عن قيم الخراب الظاهرة في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة العراقية مابعد 2003م .

يعدّ كنعان مكية احد أبرز من درس ممارسة النظام البعثي في العراق، فقد سعى في دراسته الى الوقوف على ما يؤلف بين العناصر المختلفة لكل تلك الممارسات. وعلى الرغم من سرده لعدة قصص تشير لقسوة النظام، وفي الوقت نفسه تشي بضرورة ارشفة تلك الممارسات لذا فإن الباحث في قراءته لنص جمهورية الخوف انطلق من القول بأن لنص مكية قيمة تستحق التقدير والاحترام من خلال الجهد الكبير المتمثل بأرشفة ما جرى .

ومما اثار دهشة الباحث بأن نص جمهورية الخوف لم يُدرس، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ما كُتب عن المؤلف (معرفياً) الشيء القليل، على الرغم من إن كتاباته قد حققت حضوراً في الاوساط الثقافية العربية وحتى العالمية- بل إن اغلب نصوصه كانت موجهه لمتلق غربي- والحضور لا يعني القبول، إنما الرفض احيانا وهذا ما حصل مع كتابه القسوة والصمت، حين فضح زيف العديد من مثقفي العرب، لكن أن لا يثير ما كتبه مكية الباحثين العراقيين، فهذا موضوع آخر يدعو للاستغراب. ويرجع الباحث ذلك لعدة اسباب، ويلتمس للبعض العذر من عدم دراسته ربما رجع ذلك الى المنطلق الايديولوجي أو قد وقع بعضهم تحت تأثير ادوارد سعيد، ولاسيما إن مكية كان الصوت الآخر المغاير لسعيد فيما يتعلق بالشأن العراقي وهذا ما اثار جدلاً في الاوساط الاكاديمية الاميركية، أو ربما يكون نتيجة لبدانة السرد الذي يحتويه النص، لكن هذه البدانة ضرورية في ارشفة قصص الخوف. وبالتأكيد ليست هذه كل الاسباب، فربما توجد اسباب اخرى يجهلها الباحث  .

لم تكن دراسة كنعان مكية من اجل الوقوف عند وصف ما جرى فحسب، بل هي محاولة للوصول الى المغزى الذي سعى من خلاله نظام البعث حين اعتمد على سياسة الخوف من اجل اعادة تشكيل الانسان العراقي وفق ما يريده البعث. ويمكن القول هناك ضرورة لتقديم دراسات عن العراق ما قبل 2003م، ولاسيما إن لتلك المرحلة حضور وتأثير راهن على العراق بكل مؤسساته .

لقد سعى مكية الى فهم نصوص فلسفية أو ادبية قد افاد منها في دراسته، وهي تلك النصوص الواضحة حين قراءة نص مكية ومن شدة وضوحها ربما قد اختفت عن عين القارئ، وبعض هذه النصوص قد اشار إليها مكية وأخرى لم يشر اليها رغم حضورها اللافت، ولعل ابرز تلك النصوص، هي: اللفياثان لـ هوبز، اسس التوتاليتارية لـ ارندت، معذبو الارض لـ فانون، فضلاً عن مستوطنة العقاب لـ كافكا .

ويمكن القول إن قراءات كنعان مكية للنصوص الفلسفية كانت واضحة، ولاسيما لنص اللفياثان، الذي عمل من خلاله على توظيف رؤية هوبز للخوف السياسي وليس للعقد الاجتماعي في فهم الحالة العراقية، كذلك كان هناك حضور لافت لـ ارندت لمن قرأ نص ارندت اسس التوتاليتارية ويقرأ نص جمهورية الخوف لمكية، فإن القارئ سيلاحظ مدى حضور نص ارندت لدى مكية ولاسيما في مرتكزاتها لفهم النظم الشمولية التي هي القائد والحزب والايديولوجيا، فضلاً عن وجود عامل آخر قد ساهم في ترسيخ البعثية وهو الدولة الريعية وإن لم تشر اليه ارندت وكذلك لم يشر له مكية.  وقد حضرت الذائقة الادبية لدى مكية من خلال مقاربته لرؤية كافكا أو بالاحرى عالم كافكا مع الشأن العراقي وادراكه لابتعاد رؤية فرانز فانون عن فهم العراق، وله الحق في ذلك –أي كنعان مكية-.

ومن الواجب طرح السؤال الآتي: هل تبقى شيء من رأس المال الاجتماعي إن صح التعبير؟ فالعراق في عهد نظام البعث قد عمل على نهاية كل شيء يرتبط بما هو اجتماعي وثقافي واقتصادي، فكل شيء كان يسير وفق سياسة الخوف. ولعل من اعظم التحديات التي واجهها الفرد العراقي هو صموده ومحافظته على انسانيته في ظل ما جرى من سياسة خوف استعملت فيها كل وسائل العنف وادوات الترهيب من أجل تحقيق الغاية التي سعى البعثيون الى تحقيقها .

 

د. قيس ناصر راهي

 

 

bakir sabatinيعاني الباحثون من قلة المراجع التي تبحث في "نظرية" ثنائية المركز والهامش بوصفها منهجاً علمياً من شأنه أن يساعد في توصيف الظواهر وسبر أغوارها بالتحليل والاستقراء، وتصنيف المدخلات ورصد ما يحدث فيها من تفاعلات وصراعات؛ لتسهل على الباحث تحليل  النتائج أو فهم خصائصها للاستدلال على الأسباب التي أدت إليها من جهة، ومعالجتها فكرياً أو التعامل معها معرفياً من جهة أخرى؛ وذلك في نطاق الغايات والأهداف.

وكانت إحدى طالبات الماجستير في النقد الأدبي بإحدى الجامعات الأردنية قد استعانت بي (بعد أن أبهم عليها المصطلح) في كتابة تقرير عن ثنائية المركز والهامش في شعر (أبو عمر عبد الله الأموي العرجي) شاعر الغزل الذي هيأت له مكانته الاجتماعية الرفيعة المؤثرة وذات الحصانة (المركز) من التغزل بالنساء، حتى المحصنات منهن، بكل تسيب ورعونة، لتأخذه زلات اللسان إلى حتفه بعدما تكالب عليه الخصوم، فيزج به في السجن (الهامش) ليتحول بعد ذلك خطابه الشعري من حالة الدعة والنفوذ وسطوة المركز بما فيها من رعونة وتغزل بالمحصنات دون مراعاة للمثل والأخلاق، إلى حالة التهميش والثورة على ظلم الحكام وتجبرهم، وهجائهم، حتى مات في سجنه الذي آل إليه في دم، على يد والي مكة (وكان خصماً له) فعذبه وحبسه فمات في سجنه. كما جاء في  (الموجز في الشعر العربي) للباحث فالح الحجية الكيلاني. وهذا في تقديري يُعَدُّ انتقالاً حسياً ومعنوياً (عبر عنه العرجي شعراً) من حالة المركز والنفوذ إلى حالة الهامش  والشعور بالاضطهاد فتتقد في روحه ثورة المحروم وتمرد من فقد عزّه، مستنكراً أن يتمرّغ أنفه بالتراب، الأمر الذي سيسهل علينا في سياق هذه الدراسة القصيرة، فهم ثنائية المركز والهامش بما يكتنفها من التباس في الدلالات والمحددات وغموض في المعنى، وذلك من باب المعرفة أوالاستعانة بها كمنهج علمي تجريبي في التطبيق النقدي على أرض الواقع، لرصد الظواهر والمتغيرات في كل النواحي، ومحاولة فهم ما يدور حولنا من واقع مركب بدا وكأنه عصيٌّ على الفهم والإدراك.

فما هي ( ثنائية المركز والهامش)؟ وما أوجه الخلاف بين الباحثين في اعتباره منهجاً منقوص المحددات، وبالتالي سيقف عاجزاً أمام تحليل الظواهر الإنسانية، وحصر قدرته فقط على التحليل الاقتصادي وإسقاطاته السياسية على المجتمع، ليُعَدُ في هذا الشأن منهجاً علمياً وافر الشروط، أو ما يذهب إليه آخرون في اعتباره منهجاً علمياً قادراً على البحث في كل الظواهر دون استثناء، وهو ما أميل إليه، وللإجابة على السؤال، سنورد في هذا السياق مثالاً قياسياً نقارب فيه بين الظواهر الفيزيائية والإنسانية، على اعتبار أن الظواهر تنشأ من دوامة مركزية تنداح حولها (وفي نطاق جاذبيتها) مدارات حلزونية هامشية مسيرة بفعل الجاذبية المركزية، وبالقياس إلى ذلك، فإن النواة على اعتبارها مركز الذرة ومعظم كتلتها، وقوتها الجاذبية، فإن مداراتها الإلكترونية بالمقابل ستمثل الهوامش، لذلك فإن تهيج الإلكترونات في مداراتها الأخيرة سيحررها من قيود المدار المحكوم بجاذبية المركز، وبالنتيجة فإن وميضاً سينجم عن تهيج الإلكترون، كأنها حالة تمرد تومض بالحرية مغردة خارج السرب، ومخالفة لوجهة القطيع لو أسقطنا هذا المثال على الظواهر الإنسانية.

ولكن ماذا لو يحدث انشطار في مركز الذرة؛ ما ينجم عنه فقدان للسيطرة على الطاقة الكامنة في النواة، هذا بالطبع كانفجار مراكز القوى الاقتصادية والسياسية والدينية والاجتماعية والثقافية، المحصلة انفجار نووي سوف يقع، ولو أسقطنا هذا المثال على كل الظواهر المختلفة، فلا شك سنتخيل نتيجة انشطار المركز كوارثاً وحروباً ومواجهات دامية لا تبقي ولا تذر، وانعدام لغة الحوار، وسوف يتعزز الهامش بطاقة إشعاعية سلبية وفقدان للبوصلة قد تمتد طويلاً في صراعات ودوّامات هامشية إلى حين تكون نواة مركزية قادرة على استيعاب جميع المصالح والقوى المتظافرة للتحكم في الظاهرة من جديد.

ولمزيد من التوضيح، فإنه لو رصدنا علاقة الشمس مع الأرض لوجدناها تتجلى في مفهوم المركز والهامش، آخذين بعين الاعتبار أن الحياة على الأرض  غير ممكنة بدون وجود الشمس التي تمنحها الطاقة وتتحكم بظروفها البيئية، لذلك فالأرض تتبع في تقلباتها ما تحدثه الشمس من تأثيرات عليها، أي أن الشمس هي مركز التأثير الفيزيائي على الأرض التي تدور في فلكها على اعتبار أنها الهامش في إطار المنظومة الشمسية.

مقابل ذلك فإن ثنائية المركز والهامش ستتحكم في كل نواحي الحياة المتعلقة بالإنسان، ذلك الكائن الاجتماعي الموجود على أرض تدور حول الشمس، والتي بدورها تمثل مركز التأثير، بحيث يخضع الهامش المتمثل بالأرض لسلطة المركز؛ فتحدث المتغيرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم يتحقق التوازن في ثنائية المركز والهامش، ويبقى الصراع كامناً بين طرفي الثنائية، وتنفتح بالتالي العلاقة بينهما على احتمالين، فإما الاستقرار الذي يفرضه المركز من حوله على الهوامش التي تدور في فلكه، أو تفكيك ذلك المركز من خلال انقلاب الهوامش عليه كردة فعل، لتنقلب المواقع بين طرفي الثنائية .  وعلى ذلك يمكن قياس العلاقة الجدلية بين المركز والهامش في كافة الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والإبداعية؛ ومن هنا أيضاً يمكن اعتبار تحليل الظواهر عن طريق جدلية العلاقة بين المركز والهامش منهجاً علمياً تجريبياً يمكنه التعامل مع الظواهر كافة دون استثناء، رغم أنه لم يرق بعد إلى مستوى النظرية المتكاملة، هذا إذا علمنا بأن المنهج ( الموسوعة الحرة) هو"عبارة عن مجموعة من التنقنيات والطرق المصممة لفحص الظواهر والمعارف المكتشفة أو المراقبة حديثاً أو لتصحيح وتكميل معلومات أو نظريات قديمة، تستند هذه الطرق اساساً على تجميع تأكيدات رصدية وتجريبية ومقياسية تخضع لمباديء الأستنتاج" .

ولهذا فإن المنهج العلمي يتخطى مجرد وصف المشكلة أو الظاهرة موضوع البحث الى فهمها وتفسيرها وذلك بالتعرف على إحداثيات موقعها من الإطار الكلي للعلاقات، وهذا بدوره يشير إلى تفسير العلاقة بين مركز التأثير والهوامش، بحيث أن هذه العلاقة تكون نسبية إلى موقف الراصد التجريبي وما بحوزته من معطيات التأثير التي تحدد قدرة المركز على التأثير ومداه في الهامش.

 ويعرفه ابكر آدم إسماعيل في كتابه (جدلية المركز والهامش)

"انه منهج متعدد محاور الجدل، نحلل بواستطه وضعيات تاريخية معينة، حيث نعاين هذه الوضعيات من خلال ميكانيزمات التمركز والتهميش التي  على أساسها يدار الصراع على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي في آن واحد" (صفحة 91).

وفي معرض تحليله لهذا الكتاب يرى الباحث أحمد محمود في دراسة له بعنوان:

نقد جدلية المركز والهامش عبر كتابة عقل   الأزمة، بأن جدلية المركز والهامش "لم يتم أختبارها علمياً لكي تصل الي مستوي قراءة الظواهر وتفسيرها؛ لأنها هي في اطار البحث من أجل اثبات  صحتها وفي نفس هذا الأتجاه فهي ليست نظرية لأنها  ما زالت تقع في مساحة  ما بين المعرفي والوجودي او الابستمولوجي والأنطلوجي، إذ أن الفكرة لا يمكن اختبار صحتها إلا في حال تحققها على أرض الواقع أو الوجود".

وقد يكون هذا الرأي مصيباً بالقياس إلى ندرة الدراسات التي تنتهج ثنائية المركز والهامش في سياق تحليلها للظواهر الإنسانية والسياسية والاقتصادية؛ ولكن لو طبقت على قاعدة توفر معطيات الحل في المركز الذي يصنع القرار ويتحكم بمخرجات النتائج، فلا شك بأن التحليل سيقود إلى إجابات مقنعة.. فمثلاً وفي إطار السياسة فلو تتبعت ما يدور حولنا من تداعيات مبهمة ستجد بأن مركز الفعل كامن في العقل الصهيوني الذي يدير الصراعات في الهامش الإقليمي من قلب الكيان الإسرائيلي، وربط ذلك بمشاريع تفكيكية في المنطقة مثل خرائط برنارد لويس لتقسيم الشرق الأوسط في إطار العالم الجديد والتي وافق عليها الكونغرس الأمريكي عام ١٩٨١، حيث جاءت توطئة لاحتلال لبنان من قبل الجيش الإسرائيلي بقيادة شارون، وفيما يتعلق بالإقتصاد العالمي فإن المركز يتمثل بمالكي مخزون الذهب من أباطرة المال كعائلات روتشيلد وريكفلر ومورجان، ناهيك عن سيطرتها على معظم البنوك المركزية في العالم، بل وتسيطر أيضاً على سياسات البنك الدولي الإقراضية، حتى في سياق الظواهر الاجتماعية، فإن دراسة ظاهرة الفقر (الهامش) لا بد وأن تبدأ بتحليل ظاهرة السلطة وحركة رأس المال، والتنقيب في ملفات الفساد، وكبت الحريات، وانعكاس كل ذلك على المجتمع..

وفي المحصلة، فإن دراسة أية ظاهرة دون البحث عن خصائصها في مركز الفعل، ستكون نتائجها مبهمة وعمياء، فالمركز في السياسة متغير ومتعدد الأقطاب فهناك روسيا وأمريكا والصين، كما هو في الاقتصاد حيث الجهات التي تمتلك أكبر أرصدة للذهب مثل روتشيلد، ناهيك عن الظواهر الإنسانية والثقافية والفكرية، والدينية التي أنتجت عبر التاريخ الأفكار العظيمة التي ما فتئت تحلق في هامشها مجاميع كبيرة من البشر .

الموضوع ما زال قيد التجريب وباب الاجتهاد فيه مفتوح على مصرعيه، وله عندي بقية..

 

بقلم بكر السباتين

 

 

حوارات في اللاهوت المسيحي (20)

الأسطورة هي حكاية تقليدية تحكي أحداثا خارقة للعادة تعكس معتقدات او تصورات مجموعة من الناس وتستند احيانا الى اماكن او اشخاص حقيقيين بعد ان يتم اضافة وقائع خيالية او اعمال فوق طبيعية إليهم، لغرض إضفاء طابع بطولي واحيانا عمق قداسوي يرتكز على تأويل لاهوتي، وربما  تفسير فلسفي لتفاصيل تلك الأسطورة.

ولا تخلو جميع الأديان والمعتقدات من ظاهرة تسرب القصص الأسطوري إلى تراثها الفكري و تاريخها العقدي، وتبرز هذه الظاهرة بشكل لافت جدا في نصوص العهد الجديد والتي هي بالأصل مجموعة أخبار تاريخية تتمحور غالبيتها حول توثيق السيرة الشخصية ليسوع الناصري.

في كتاب (الدين والعلم) يتناول الفيلسوف والمؤرخ البريطاني الشهير (برتراند راسل) ظاهرة الانتشار السريع للأساطير والخرافات في المجتمعات المسيحية المتقدمة، وتناقلها شفويا بين المؤمنين من جيل لآخر، حتى تصبح مع مرور الزمن حقائق من الصعب جدا إنكارها، حتى لو تم مواجهتها بأدلة دامغة تؤكد بطلانها!

ويذكر الفيلسوف والمؤرخ البريطاني نموذج طريف حول انتقال الأسطورة والخرافة وتطورها لتصبح حقيقة يقوم عليها اعتقاد وإيمان الكثير من الناس،حيث يروي ان الناس ولقرون طويلة اعتقدوا بقدرة عظام القديسة (روزاليا) المحفوظة في مدينة (باليرمو) في إيطاليا على شفاء الأمراض المستعصية، قبل ان يكتشف احد علماء التشريح لاحقا ان تلك المجموعة من العظام هي بالحقيقة عظام ( ماعز) ولا علاقة لها بالبشر !!

وعند تتبعنا بالبحث التاريخي لنصوص العهد الجديد، وبعيدا عن النظرة الإيمانية التقديسية لتلك النصوص - مع حفظ الاحترام لكل من يعتقد بقدسيتها- تقفز أمامنا العديد من القصص الأسطورية والتي أخذت مع مرور الزمن بعدا عقديا واصبحت حقائق إيمانية لا يرقى إليها الشك ولا تقبل النقاش او التشكيك، مثل حكاية الولادة العذرية المقتبسة من الأساطير اليونانية، وكذلك قيامة يسوع الناصري من الموت، وحكاية رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، والتي استندت على كذبة تاريخية لا أصل لها مقتبسة من قصة موسى في العهد القديم!، هذا بالاضافة الى بعض الحكايات الأسطورية التي لاتخلو من الطرافة وتعكس سعة خيال السادة كتبة تلك النصوص مثل قصة هيرودس الملك الذي أكله النمل وهو حي بسبب عدم إيمانه !!

  (فَفِي الْحَالِ ضَرَبَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ للهِ، فَصَارَ يَأْكُلُهُ الدُّودُ وَمَاتَ) سفر اعمال الرسل 23/12

في هذا المقال سنتناول بالبحث نموذجا واحدا فقط من تلك الحكايات الأسطورية التي تحفل بها صفحات العهد الجديد، من أجل التحقق من موثوقية الخبر الذي يروي الحكاية، من خلال المقارنة وتتبع أصل الحكاية والغاية التي وضعت من اجلها

والقصة التي سنستعرض فصولها هي (إقامة لعازر من الموت) على يد يسوع الناصري، وتحكي القصة ان هناك شاب يهودي اسمه لعازر ( أصل الاسم ايلي -الله و ازر-يعين او يساند) كان هو و اختاه (مريم وميرثا) من المؤمنين بيسوع المسيح،الذي كان يحبهم ويقدرهم، وكانوا يسكنون في منطقة قريبة من أورشليم تسمى بيت عنيا (بيت العناء اوالشقاء)

وقد أفرد السادة الذين كتبوا الإنجيل المنسوب إلى (يوحنا)  لهذه الحكاية اصحاحا كاملا من ذلك الإنجيل ( الاصحاح 11)

حيث تدور أحداث الحكاية في الفترة الأخيرة ليسوع الناصري قبل توجهه إلى أورشليم وإلقاء القبض عليه هناك

ومختصر الحكاية هي ان الشاب لعازر قد مرض ومات وتم دفنه، وبعد أربعة أيام وعند قدوم يسوع الناصري الى بيت عنيا، قام بصنع معجزة كبيرة أمام جموع من الناس حين توجه إلى قبر لعازر واعاده الى الحياة مرة أخرى،مع تأكيد كتبة الإنجيل ان هذه المعجزة أدت إلى إيمان الكثير من الناس بيسوع الناصري، وأحدثت ضجة جعلت أعداؤه من اليهود يسارعون خطاهم في سبيل قتله والتخلص منه (للتفاصيل انظر إنجيل يوحنا 11).

تعتبر حكاية إقامة لعازر من الموت من المعجزات التي تحتل مكانة أساسية في الإيمان المسيحي الذي أضفى على الحكاية بعدا لاهوتيا يجعل منها دليلا على امتلاك يسوع الناصري قدرات وخصائص إلهية من بينها التحكم بسلطان الموت والحياة!

وبعيدا عن مناقشة ذلك الإيمان أو التدخل فيه، ومع التركيز على البحث التاريخي المتجرد لهذه القصة، والتي هي عبارة عن (خبر تاريخي) لحادثة وقعت في زمان ومكان واشخاص معلومين، ستبرز أمامنا نقطة مهمة جدا ولافتة للنظر، وهي:

ان هذه القصة قد انفرد بذكرها انجيل (يوحنا) فقط، وهو الإنجيل المتأخر زمنيا عن بقية الأناجيل والرسائل التي يتكون منها العهد الجديد،حيث يعتقد ان كتابته تمت في بداية القرن الثاني الميلادي بعد مرور حوالي سبعين عاما على صلب المسيح، بينما خلت جميع الأناجيل والرسائل الأخرى والتي هي متقدمة زمنيا على إنجيل (يوحنا) من أي ذكر للقصة ولو على سبيل الإشارة العابرة او التلميح الضمني، على الرغم من أهمية الحادثة وفرادتها والصدى الواسع الذي من المفروض انها أحدثته في المجتمع، والنتائج التي يفترض ان تحصل نتيجة مشاهدة جموع الناس لتلك المعجزة التي لا تتكرر !

ومما يزيد التعجب ويقوي الشكوك حول مصداقية حدوث هذه القصة، اننا نجد ان انجيل (مرقص) وكذلك إنجيل(متى)- وهما متقدمان زمنيا على إنجيل (يوحنا)- قد تطرقا إلى زيارات يسوع الناصري لبلدة (بيت عنيا) ولقاءه ب(لعازر) واختيه، ولم يذكرا اي شئ عن حدوث هكذا معجزة من الأساس !

ان خلو جميع المصادر المسيحية المتقدمة زمنيا على إنجيل يوحنا من أي ذكر لهذه المعجزة الخارقة وأثرها المدوي في المجتمع المعاصر ليسوع الناصري، جعل المؤرخين واللاهوتيين المسيحيين يقعون في حيرة ويجهدون من اجل ايجاد تفسير منطقي ومقبول يوضح هذا التناقض والاضطراب، فلم يجدوا سوى تبريرا ساذجا وسطحيا وطريفا،مفاده، ان المصادر المتقدمة لم تذكر هذه القصة والمعجزة خوفا من اثارة المتاعب على لعازر!

في تلميح ضمني ان كتبة الاناجيل انتظروا حتى موت لعازر وبعدها ذكروا القصة، خوفا عليه من ان يقتله الخصوم!!  

ان تبرير اللاهوتيين المسيحيين لهذا الخلل، يفسر الاضطراب الذي أوقعهم فيه ورود هذه الحكاية الأسطورية في النص المقدس، لان المنطق يحتم ان يقوم خصوم يسوع بالتخلص من لعازر فور حدوث المعجزة او بعيدها بقليل، وليس الانتظار لعقود من السنين حتى يأتي أحدهم ويكتب القصة في مخطوطة محدودة الانتشار بين جماعة ضيقة، وقتها سيثب الخصوم ويفكروا بقتل الشاب الذي مات ثم رجع إلى الحياة!

وهذا بالفعل ما التفت إليه واضع القصة التي وردت في إنجيل يوحنا، فقام بإضافة حبكة درامية اليها!

(فتشاور رؤساء الكهنة ليقتلوا لعازر ايضا، لان كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون ويؤمنون بيسوع) يوحنا 10/12

ومع افتراض صدقية هذه الاضافة فان واقع الحال يشير الى ان لعازر لم يقتل وقد نجى من كيد اليهود وأصبح في مأمن عنهم ولم يعد هناك داع لإخفاء هذه المعجزة المدوية وعدم ذكرها ولا حتى بطريقة التلميح او الإشارة بلا ذكر لاسم لعازر المهدد!

وخصوصا اننا نقرأ في الأناجيل المتقدمة زمنيا على إنجيل يوحنا عن أشخاص بالاسماء أحيانا وبذكر صفاتهم احيانا اخرى رغم ان ذكرهم كان قد يعرضهم لخطر الانتقام من اليهود او الرومان، مثل (يوسف الرامي) و قائد المئة وغيرهما.

ان حكاية اقامة لعازر هي نموذج للخبر الاسطوري الذي يستند على ظاهرة الاخبار( البعدية) والتي يتم صياغتها والتفنن في سبك تفاصيلها (بعد) زمن طويل من وقوع الحدث الأولي الذي يخلو منها اصلا، فيقوم القديسون المؤمنون بإعادة صياغة الخبر واضافة حبكة درامية تعطي صورة ميثولوجية للحادثة و للشخصية المحورية في القصة!.

فقد أدرك الذين كتبوا إنجيل يوحنا أن ذكر قدرة يسوع الناصري الإعجازية على إحياء الأموات في الأناجيل المتقدمة زمنيا ليس كافيا الى الحد الذي يعطي اطمئنان واقتناع لدى المؤمنين، فقاموا بصياغة قصة ذات سيناريو أكثر متانة وتأثيرا مع ذكر الاسماء والاماكن، لإضفاء المصداقية والواقعية في محاولة لسد الثغرات في القصتين الوحيدتين حول معجزة إحياء الموتى و المذكورة في الأناجيل السابقة على إنجيل يوحنا، لأن قصة إحياء يسوع الناصري لابنة رئيس المجمع و المذكورة في إنجيل ( لوقا 8) لا توحي اصلا بان البنت كانت ميتة فعلا،وإنما كانت في حالة إغماء نتيجة المرض، أما القصة الأخرى في (لوقا 7) فلا تعطي اي تفاصيل سوى ذكر لأشخاص مجهولين ( الشاب إبن الأرملة من مدينة نايين!)

وهذا يفسر لنا خروج إنجيل يوحنا بقصة ذات سبكا دراميا أكثر متانة وحرفية من القصتين المتقدمتين مع اضافة اسماء اشخاص كانوا موجودين في الواقع في تلك الفترة، لإبعاد الشك عن صدقية الخبر الذي سطروه في انجيلهم بعد فترة من موت معظم الأشخاص الذين من المفترض أنهم كانوا أحياء وشهود على حدوث تلك القصة، وخصوصا اذا عرفنا ان جميع سكان المناطق اليهودية في فلسطين وخصوصا أورشليم وما يجاورها - وقبل ان تتم كتابة إنجيل يوحنا- قد تعرضوا جميعا للقتل والتشتيت والأسر على يد الرومان خلال الثورة اليهودية الكبرى ضدهم عام 66 ميلادي، حيث تم قتل حوالي مليون إنسان يهودي وأسر قرابة المائة ألف منهم وسوقهم عبيدا إلى روما، أما بقية اليهود فقد هربوا وتشتتوا بين البلدان

وبعد هذه الكارثة التي حلت باليهود بسنين عديدة،لم يكن أمام السادة كتبة إنجيل يوحنا ما يمنعهم من اضافة اي حكاية او حدث خارق وانتاج قصة أسطورية تحكي معجزة مدوية وفريدة حدثت لأشخاص قد ماتوا وكذلك مات كل الشهود !!

ان ما يؤكد هذا الاستنتاج هو اننا نجد ان شخصية الشاب لعازر تختفي تماما من نصوص العهد الجديد، بعد ذلك، ولا يرد لها اي ذكر او نشاط في الأحداث التالية، حتى انه لم يلتحق بمعلمه او إلهه يسوع في رحلته الأخيرة لأورشليم ولم يكن معه في وقت محنته، وهو الذي من المفترض ان يكون أشد الناس حماسا واندفاعا في الولاء للشخص الذي أحياه من الموت وأكثر المؤمنين به نشاطا في التبشير برسالته من بعده خصوصا انه في حال لم يعد فيها خائفا من الموت الذي قهره بسلطان واعجاز إلهه يسوع الناصري!!

والظاهر ان اللاهوتيين المسيحيين قد التفتوا ايضا لهذا الخلل في الأسطورة الإنجيلية، فقاموا، فيما بعد، بوضع أخبار من خارج النص المقدس من خلال ما يعرف لدى المسيحيين ب(التقليد) توحي بأن لعازر قد ذهب الى قبرص وتوفي في لارنكا ورغم ان (التقليد) هو مجرد روايات تاريخية شفوية لا يعتمد على وثوقيتها ولا تعتبر مصدرا يقينيا، وسواء صحت تلك الاخبار ام لم تصح، فإنها لن تغير شيئا في الموضوع لان محل الإشكال هو صدقية خبر حصول المعجزة وليس وجود شخصية تحمل اسم لعازر من عدمه.

 

د. جعفر الحكيم     

 

 

ali almirhig"اذا كان للرأس عينان. فللقلب أعين"

إن الإتجاه المثالي في الفكر العربي الإسلامي يقترب من فكر محمد عبده وإن كان متأثراً بالفكر الغربي وقد مثل هذا الاتجاه (عثمان أمين) بفلسفته التي أسماها (الجوانية) والتي طرحها ضمن أحد أهم مؤلفاته التي حملت الأسم نفسه الذي سنوثق لآرائه في تبنيه للفلسفة الجوانية في مقالنا هذا من كتابه "الجوانية" بالصفحات، ومن أهم كتبه (ديكارت) و(محمد عبده رائد الفكر المصري)، ومن كتبه المهمة أيضا (رواد الفلسفة المثالية).

ومن أهم مقومات فكر عثمان أمين هي:

تغليب الجانب الروحي على الجانب المادي بمعنى أنه يركز على ضرورة إستنهاض الروح أو (الطاقة الجوانية) بعبارته التي يمتلكها الإنسان العربي المسلم والتي ميزت حضارته بوصفها حضارة روحية في مقابل الحضارة الغربية ذات الطابع المادي أو الذي تغلب عليه السمة المادة أو الفكر المادي ولذلك نجده يعتقد بإمكانية المواشجة (الموافقة) بين معطيات القلب ومعطيات العقل في محاولة منه للتعريج على بيان أهمية النظرة الروحية (التي تسم الدين) والطابع العقلي (الذي يسم الإنسان) والذي يدفع بالإنسان إلى معرفة كنه العالم لذلك نجده كثير الإيمان بالقدرة والحدس والروح فضلا عن العقل أو على دعم العقل ومعطياته. وهذا من أثر ديكارت على فلسفته التي تبدأ بالحدس والذي يعني المعرفة القبلية البديهية التي لا تحتاج إلى واسطة والتي تساعد العقل في بناء استدلالاته فضلا عن ذلك أن المعرفة الحدسية عند عثمان أمين كما ذكرنا تقترب من فلسفة برجسون الذي يؤمن بالديمومة والصيرورة وقدرة الإنسان الباطنية في الوصول إلى المعرفة اليقينية.

كما أن الموافقة بين العقل والدين لديه ضرورية، ولم يستبعد العودة إلى التراث، لا سيما التراث الإسلامي بطابعه الديني "الروحي" كوننه يعتبر الدين منبع النزعة الإنسانية.

الجوانية بعبارة عثمان أمين عقيدة مفتوحة تأبى الركون الى "مذهب" أو الوقوف عند"واقع" وتتجه الى "المعنى" و"القصد" من وراء اللفظ والوضع وتنحو الى "الفهم" "والتعاطي" لا الى الحفظ والتقرير، وتدعو الى العمل البناء، مؤسساً على النظر الواعي وتلتفت الى الإنسان في جوهره وروحه لا في مظهره واعراضه.

يعدها عثمان أمين فلسفة ثورة لأنها تحاول تحقيق أمرين في مرحلة تطورنا التاريخي:

الأول عودة الى ماضينا ومراجعة له. والثاني التوجه نحو المستقبل والإعداد له.

وهي "فلسفة ثورة" ـ بعبارته ـ لأنها تنشد المثل الأعلى في عليائه ولأنها تؤمن بأن القوة المحركة للتاريخ هي قوة المبادئ وإرادة التغيير.

أما أهم منطلقات رؤيته فهي:

ـ تأمل روح الدين والاخلاق عامة.

ـ تأمل القرآن وأحاديث الرسول خاصة.

ـ الفلسفة الاسلامية لاسيما فلسفة الغزالي ومحمد عبده في الفكر الاسلامي الحديث.

ـ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، لاسيما الفلسفة الديكارتية والبرغسونية بشكل خاص والفلسفة المثالية بشكل عام.

ـ التاريخ المصري الفرعوني.

تُركز الجوانية على :

ـ إستهاض الروح والعودة الى القلب في صفائه.

ـ التركيز على الايمان والاخلاص بوصفمها أهم مظاهر نقاء الروح.

ـ العودة الى الدين، وجوهر الدين هو الايمان، وهو الذي يؤلف بين مصالح النفوس ومصالح الأبدان ويوائم بين متع الروح ومتع الحواس وهذه هي ما يسميها عثمان أمين "الوسطية" الاسلامية التي التي لم يعرف أغلب المسلمون كنهها الحقيقي. فإتجهوا الى "البرانية" التي جعلت التباين واضح بين الأقوال والأفعال، وإبتعاد العبادات عن روح العقيدة السمحاء وإستغلال أحكام الدين في تحقيق المآرب وتبرير النزوات.

الجوانية اذن في حقيقتها فلسفة مثالية أخلاقية مساحة الفكر فيها أوسع من مساحة الواقع لأن الفكر هو التعبير عن الواقع وبعبارة أمين "أن كل الكلام عن الظاهر أو الوقائع أو الحقائق هو في صميمه نظر وتأمل وتفكير قد إنفصل وتجرد منذ زمن عن مجال المحسوس والمشهود والعيان" وحينما تركز على مجال الفكر فهذا لايعني ان الجوانية ضد العلم الذي يدرس الموضوعات في مظاهرها الحسية، ولكن الفلسفة الجوانية كما يرى عثمان أمين "لا تقنع نتائج الدراسات العلمية البحتة، وهي تلتمس دائما لتفسير تصرف الكائن الانساني في الفكر أو في السلوك ماوراء الظاهر أي ماهو جوهري وأصيل"ص24.

والجوانية لاترى أن هناك تنافراً بين العقل والحدس، لأن العقل يدرك الحقيقة كما الحدس لكن العقل يدركها تجزئة وتبعيضاً، في حين يدركها الحدس إحاطة وإجمالاً وهو يستشهد بالغزالي في هذا الصدد فالعقل بتعبير الغزالي " منبع العلم ومطلعه وأساسه، والعلم يجري منه مجرى الثمرة من الشجرة؛ والحدس لا يكون إلَا بعد تحصيل المعارف وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها، وتحصيل العلوم لا يكون إلَا بالفعل"ص25.

هذا يعني أن الجوانية هي "محاولة للتعبير عن الإيمان بضرورة الميتافيزيقا، وكرامة المعرفة وسلطان الأخلاق..."ص26.

أما مفهوم اللذة الحقة في الفلسفة الجوانية فهي "التي تكون خالصة من علائق البدن وينبغي ألَا تُلتمس إلَا ترويحا للنفس من العناء، أما اللذات الحسية الآثمة فلا حد لما تجره من تلف للبدن وللنفس جميعاً"ص60.

 "وحيثما يكون الضمير تكون الأخلاق الكريمة ويكون الدين الصحيح"ص96.

ومن يمتلك الضمير الحي يمتلك العقل الحي لذلك نرى عثمان أمين يتفق مع ديكارت بالقول "أن اولئك الذين منحهم الله عقولا لا بد أن يستعملوها في السعي الى معرفته تعالى والى معرفة انفسهم"ص96. لذلك يرى أن الفلسفة قد تنقلب كلها قبل إنقضاء نصف قرن الى فلسفة دين أو فلسفة أديان ، وتسود العاطفة الدينية أرجاء هذا العالم الحيران، ص110.

خلاصة القول ، فالجوانية طريقة في التفلسف ، بل هي تفلسف مفتوح على النفس وعلى الدنيا ، متعرض لنفحات السماء في كل لحظة ، وطريق مبوط امام الوعي ينتظر "السالكين" الى يوم الدين ، وهي تحاول ان ترى الاشخاص والاشياء رؤية روحية.ص113

يرى عثمان أمين ان الحرية بمعناها الصحيح يجب أن تكون محدودة بحدود العقل وهي ليس الإستعلاء أو التسلط على "الغير"، بل الحياة مع الآخر ولأجل الآخر. مستشهداً بقول الرسول(ص) "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولاتؤمنوا حتى تحابوا"ص114-115. فالحب لايأتي إلَا عن طريق الإيمان، والإيمان معرفة الله تعالى، ومعرفة الله تعالى تعني معرفة النفس فـ "من عرف ربه عرف نفسه" ومن عرف نفسه عرف معنى أن يكون حراً.

يرى عثمان أمين أن هناك فرقاً كبيراً بين "البراني" و "الجواني" لأن حركات النفس غير حركات الجوارح، فالوقوف عند ملاحظة الظاهرة مرادف للجهل ومؤد الى الخطأ في كثير من الأحيان .ص116-117

 "والحقيقة يجب أن تُلتمس دائماً وراء المظهر الخارجي"ص118 وهذا "الماوراء" هو الذي يعنيه أمين "بالجواني"، مستشهداً في ذلك بالقرآن الكريم وقوله تعالى" ليس البٍر أن تولوا وجوهكم قِبل المشرق والمغرب ولكن البٍر من آمن بالله واليوم الآخر.." البقرة /177.

وقوله تعالى " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان قلوبكم" الحجرات /14."ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم" وقول النبي (ص) "ان الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم. ص119

كان لنهج البلاغة للامام علي أثره البين في ما كتبه عثمان أمين، حينما يستشهد بقوله (ع) "ليست الرؤية كالمعاينة مع الأبصار فقد تُكَذب العيون أهلها ولاي غش العقل من أشخصه"، ص121.

الفلسفة الجوانية تهدف الى تدبير شؤون الدنيا وفقاً لهداية الخالق تعالى ووفقاً لتعاليم رسوله الذي إنما بُعٍث الى الناس ليتمم مكارم الاخلاق ... وهي بهذا الاعتبار تمارس الوظيفة الفلسفية على الأصالة : إلتماس اللب والمبدأ والكيف والحق. ص123، لذلك يؤيد أمين تقسيم الغزالي المعرفة الى معرفة " حدسية" المؤدية الى الجوهر الصافي وهي النور الذي يقذفه الله في الصدر وبين المعرفة "الحسية" أي معرفة الشيء من الخارج دون النفاذ الى كنهه. ص128-129.

إن هذا الفرق بين المعرفة الحسية والمعرفة الحدسية شبيه بالفرق بين النظر بعيون الجسم فتشاهد الأشياء من الخارج والنظر بعيون الروح والدخول في ذات الشيء والمشاركة فيه" إن الروح تكشف حقائق الأشياء وترفع عنها الحجاب، والبصر إنما يدرك في الأشياء ما ظهر منها، والروح تُدرك كُنهها وحقيقتها ، والبصر لايرى إلَا جزاءً يسيراً من الوجود في حين أن الروح هي الوجود بأسره"ص131. وهذا هو رأي الغزالي في مشكاة الانوار. كما هو رأي برجسون في كتابه "منبعا الأخلاق والدين" الذي لا يختلف عن رأي ديكارت في تفضيله للمعرفة الحدسية التي أدرك من خلالها وجوده، فقال قولته الشهيرة "أنا أُفكر، إذن أنا موجود".

ولا يفوتنا أن نذكر أن فكر عثمان أمين هو إمتداد للفكر المثالي وتأصيل للإيمان به، كما أكد ذلك في كتابيه "ديكارت" و "رواد المثالية"، وهو في الوقت نفسه تطوير لآراء محمد عبده الذي عدَه أمين أستاذه ومُلهمه في كتابه "رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده" ومحاولته تأويل فكرمحمد عبده تأويلاً فلسفياً في ضوء مقولات الفلسفة المثالية في ضوء القاعدة التي إنطلق منها الفكر الإسكولائي المسيحي "تعقل لتؤمن"، ليجعل محمد عبده رائداً وداعياً للتنظير لها في الفكر العربي الحديث، ليصنع منه فيلسوفاً رُشدياً جديداً يُحاول التوفيق بين "الحكمة والشريعة"

 

د. علي المرهج - أستاذ فلسفة / جامعة المستنصرية - بغداد

 

أوقفني ذاتَ يومٍ شيخٌ كان قد غطى بياضُ الثلج لحيتَه وبعضَ رأسِه، في يده اليسرى عصا خشبية مقبضها يحكي قصة عشق بين رجل وشجرة، وفي يده اليمنى يحمل كأسا مزاجها عصير تفاح كان قد تناثر بعضه على قميصه الأبيض كدنانير الذهب قائلا: أظنني قد ظللت الطريق الى غرفتي، فهلّا ساعدتني؟ فأوصلته الى غرفته الأنيقة وانتظرته حتى قعد على أريكة قوائمها رشيقة، فمد يده مصافحا شاكرا وقال: الرجل من صافَـحَ بقوة لا تعرف الطريق الى قلب إزدان رقة، والرجل من هجرت الرقةُ يدَه لتسكن قلبـَه، فأجاني كلام ذلك الشيخ ذي العينين الزرقاوين ولهجته اللندنية التي لا يتحدث الناس بها في المدينة التي هو نزيل بإحدى مستشفياتها، قلت في نفسي ربما كانت هذه إحدى اللحظات النادرة التي يسترجع فيها المصاب بمرض الزهايمر بعض ذاكرته أو كلها. اقعد، قالها مريضي بنبرة حازمة لا تخلو من عطف، فقعدت. (القعود غير الجلوس، فالأول هو الانتقال من علو الى أسفل، أما الثاني فهو الانتقال من أسفل الى أعلى، يقال: كان مضطجعا فجلس). سألني سؤالا اعتدت سماعه، من أي البلاد انت فأجبت كعادتي: احزر. مصر؟ استحسنت جوابه بل اعتبرته نصرا صغيرا يليق بحاكم عربي يصور التلة التي صعدها زحفا كجبل أشم لشعب دائم التصفيق، فمريضي يعتقد بأنني عربي ولم يقل الهند أو باكستان كغيره وتذكرت حينها حادثة طريفة عندما كنت اعمل في مستشفى بمدينة نصف سكانها من شبه القارة الهندية وسألني شيخ آخر عرفت من ملابسه أنه باكستاني سؤالا بلغته فأجبته بالإنكليزية بأني لا أتكلم لغته فارتفعت نبرة صوته ربما كان يسبني وتركني وذهب واظن وليس كل الظن إثما أنه حسبني من بني جلدته الذين تنكر بعضهم للغتهم الأم. أعود الى الشيخ في غرفته وسؤاله فقلت من العراق، فاستبشر وجهه وقال: انا أيضا ولدت في العراق. ها هو مرض الزهايمر قد عاد، همهمت في نفسي، ثم زاد الشيخ: ولدت في قاعدة الحبانية، فوالداي كانا في الجيش البريطاني. ثم حاول الشيخ تذكر بعض الكلمات العربية التي تعلمها في العراق قبل ثمانين عاما وقام بالعد من الواحد الى العشرة فانبهرت، كيف يستطيع دماغ الشيخ تذكر كل هذا وفي نفس الوقت لا يستطيع تذكر الطريق الى غرفته والأغرب من هذا لا يتذكر دماغ الشيخ نفسه اسم ابنه. إن الزهايمر لمرض عجيب. استأذنت الشيخ بان اتصل بعائلته لكي يشهدوه في حالته هذه فقال: أرجوك لا تفعل فلم يتبقى من عائلتي سوى ولدي الذي أشبعني قسوة وبرودا ولم أره منذ عشرين عاما رغم انه يسكن في نفس المدينة، لم أرد التدخل فيما لا يعنيني واحترمت رغبته فموقف كهذا للأسف يتكرر امامي يوميا، آباء واُمهات يُتركون في باب المستشفى لأن الأبناء لا يريدون ان يعتنوا بسبب وجودهم في هذه الدنيا.

في المستشفى تعرفت على وجه آخر من عالمي الجديد الذي لا أعرف إن كنت قد اخترته أو اختارني، تذكرت تلك الفاتنة التي تركت والدتها العجوز في طوارئ المستشفى وانطلقت الى مطار المدينة لتلحق رحلتها المتوجة الى إحدى جزر الكناري، أتذكر الحادثة لأنها طلبت عدم ازعاجها بأي اتصال هاتفي خلال إجازتها، وعدما التفت الى من حولي لم أجدهم مستغربين إطلاقا وهذا بالضرورة يعني انهم اعتادوا مشاهدة مواقف مشابهة أو انهم قاموا أو سيقومون بالفعل نفسه أو ان الامر لا يعنيهم على الإطلاق. ربما لم يعامل الأهل أولادهم بالحسنى وربما كانوا أشخاصا سيئين يستحقون ما يجري لهم، لا أعرف، ولكنني أعرف ان هذا الفعل مخالف للطبيعة. ذكري لهذه الحالات لا يعني أن البريطانيين لا يعتنون باهلهم ولا يعني ان الناس في بلداننا العربية ملائكة ولكن نسبة حدوث حالات كهذه في البلدان المتقدمة أكثر بكثير من نسبة حدوثها في بلداننا التي غادرتها رحمة الرب منذ أمد بعيد، بل ان نسبة حدوث نفس الحالة في بريطانيا تكاد تكون معدومة ضمن ذوي البشرة السمراء كبشرتي سوآءا كانوا من شبه القارة الهندية أو البلاد العربية. هل لما يؤمنون به علاقة بذلك؟ بالطبع لا، فمجوع المعبود من الارباب يفوق المائة والخمسين ربا في الهند وحدها. أهي الحداثة والتطور؟ لا أعلم، ربما هو زهايمر من نوع غريب أصاب ابن الشيخ المريض في ردهة المستشفى التي أعمل فيها وأصاب تلك الفاتنة التي انطلقت كالنسيم الى سواحل جزيرة لانزروتي للتمتع بشمسها. أترى أصاب الزهايمر عائلة عجوز اُخرى التقيتها قبل أيام كانت قد انفجرت ماسورة الماء الرئيسية ففاض المنزل بماء طفت فوق سطحه ذكريات نصف قرن من الزمان؟ فبدلا من ان يقوم الأولاد والبنات بالتنازع على من يستضيف امه، أوصلوها الى المستشفى ليتسنى لشركة التأمين انقاذ الموقف؟ العجوز الأخيرة لم يكن الزهايمر قد وصل دماغَـها ولكنه بالطبع معشعش في دماغ ذريتها. أيصحُ أن يوصف مجتمع بالجمال والدلال والكمال لأن مواطنيه يبتسمون في الشارع ويفتحون الباب لك ويحترمون الطوابير سوآءا عند البقال أو المقهى أو الملهى الليلي أو في الطرق السريعة؟ كل ما تقدم وإن كان جميلا نادر الحدوث في مدننا لا يكاد يغطي حجم بشاعة ما أرى يوميا في مكان عملي خلال العشرة سنوات الماضية.

أعود الى شيخنا فوجدته قد غفى على أريكته، ربما كانت غفوته بسبب تعب أحسه بعد نشاط دماغه المفاجئ وربما هي الغفوة التي تتبع الأكل وربما أصابه الملل وربما هي غفوة وكفى ولا يجب أن أطيل في البحث عن أسبابها فالكل يغفو. أتراني اُصبت بعدوى مرض البحث عن أسباب كل شيء وأي شيء حتى البديهيات؟

يقول الامبراطور الروماني الفيلسوف ماركوس اوريليوس الذي عاش في القرن الثاني لميلاد السيد المسيح ما ترجمته:" إن من أخطر الأشياء على العقل الإنساني انكفاء البديهيات" ومعنى ذلك انعدام المنطق السليم او الفطرة السليمة. هل كان ماركوس اوريليوس يتنبأُ بزهايمر يصيب المنطق أم أن المرض كان معروفا في عصره وهل يعني هذا ان الزهايمر مرض لكل العصور؟ كان معدل أعمار الناس قديما أقل بكثير من معدل أعمار البشر حاليا، ففي مصر القديمة المشهورة بأطبائها كان معدل حياة المواطن المصري ٣٦ سنة فقط، وفقدت الملكة اليانور وزوجها الملك ادوارد الأول ملك إنكلترا اللذان عاشا في القرن الثالث عشر للميلاد خمسة عشر طفلا قبل ولادة أدوارد الثاني الذي خلف والده في حكم إنكلترا، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ مقدار الألم الناتج عن خسارة هذا العدد من الأطفال في عائلة واحدة، فالتهاب بسيط يستطيع قتل أي انسان والمضادات الحيوية لم تُعرف قبل عام ١٩٤١ عندما استعمل الكساندر فليمنغ البنيسيلين لأول مرة بعد بحوث استمرت لسنوات، وقد كان لي شرف معالجة الممرضة التي حقنت اول جرعة بنيسيلين في بريطانيا العام الماضي. أريد أن أقول ان الزهايمر مرض يصيب بعض من تقدم بهم العمر لذلك نراه شائعا في أيامنا هذه نظرا للتقدم الحاصل في مجال الطب والذي سبب ارتفاع معدل اعمار البشر إذا اخرجنا الموت الناتج من الحروب والحوادث من المعادلة، لذلك أظن انه لم يكن معروفا أو واسع الانتشار في العصور السابقة مثله كمثل أمراض القلب التي يندر حدوثها في الشباب، وهذا الاستنتاج يدفعني للنظر مرة اُخرى عن صحة بعض القصص المذكورة في الكتب المقدسة عن أعمار البشر التي فاقت بضع مئات من السنين. إنها حقا لمعجزة ان لا يحتاج أحدهم الى شريط اوكمنتين او ارثرومايسين او فلاجيل أم يا ترى أن محلات العطارة كانت قد اكتشفت المضادات الحيوية قبل المرحوم الكساندر فليمنغ؟ لا تستغرب يا صديقي فقد اخذت عن ابن خلدون مبدأ إعمال العقل في الخبر واذكرك بما قاله ابن النفيس: " وربما أوجب استقصاؤنا النظر عدولاً عن المشهور والمتعارف، فمن قرع سمعه خلافُ ما عهده، فلا يبادرنا بالإنكار، فذلك طيشٌ، فرُبَّ شَنِعٍ حقٌّ، ومألوفٍ محمودٍ كاذبٌ، والحقُّ حقٌّ في نفسه لا لقول الناس له ولنذكر دوماً قولهم إذا تساوتِ الأذهانُ والهمم، فمتأخرُ كُلِّ صناعةٍ خيرٌ من متقدمها".

هل تنسى الوردة أن تزهر في الربيع وهل تنسى الشجرة أن تلقي بثمارها وظلها على عاشقَين أسندا ظهرَيهما الى جذعها الذي لا ينسى لونه؟ هل تنسى القطة أن تهرب إذا صادفها كلب أو طفل بيده حجر ام هل ينسى العصفور أن يحتمي من المطر؟ كلا لا وزر.

أما عن الزهايمر الذي أصاب وسائل الدعاية لا الإعلام وبعض الأقلام والحكام فهنا يطول المقام ويكتمل الجهل كبدر التمام يشع ظلمة على الدوام. وفي الختام أبعد الله عنكم وعن أحبائكم مرض الزهايمر.

 

د. تميم أمجد توفيق

 

 

latif oqayliيُعَدُّ العَمَلَ التَطَوَّعي أحد أبرز الأنشطة الإنسانيّة الإيجابيّة، بوصفِه سّلوكاً حضاريّاً يُساهم فِي تعزيزِ قيم التّعاون، فضلاً عَنْ نشرِ الرّفاهية ما بين أفراد المُجتمع؛ إذ إنَّ النَشَاطَ البَشَريّ المتجاوز للربحِ المادي، وَالَّذِي يسعى إليه الإِنْسَان برغبةٍ ومِن دونِ إكراه، يندرج فِي واقعِه الْمَوْضُوعي تحت مظلة العَمَل التَطَوَّعي، والَّذِي يُعَرَف بوصفِه أي نَشَاط اِجْتِمَاعِيٍّ يقوم عَلَى بذلِ جهدٍ أو وقتٍ أو مالٍ بشكلٍ اختياري مِن فرد أو جماعة تعبيراً عَن الاهتمامِ بِشُؤُونِ النَّاسِ وَقضَاياهم وَمشاغِلِهم، ما يعني أنَّ العَمَلَ التَطَوَّعي يُعَد تجسيداً لسلوكٍ اِجْتِمَاعِيٍّ يمارسه الفرد بإرادةٍ وَطواعية بقصدِ خدمة الْمُجْتَمَع والمساهمة بتطويرِه.

مِنْ المعلومِ أنَّ الركونَ لاعتمادِ العَمَل التَطَوَّعي يفضي إلى تحقيقِ الكثيرِ مِن المخرجاتِ الَّتِي ساهمت فِي تَميّزِه عَنْ بقيةِ الأعمال الأُخرى وجعله مِنْ أهمِ المظاهرِ الاجتماعيّة السّليمة؛ إذ يُشكل العَمَلَ التَطَوَّعي خياراً جيّداً للحصولِ عَلَى الكثيرِ مِن الخبراتِ المُهمّة الَّتِي تقود إلى نتائجٍ إيجابيّة للمُتطوّعِ، فضلاً عَنْ المُؤسّسةِ الَّتِي يعمل لصالحها أيضاً، وَلاسيَّما ما يتعلق مِنها بإكسابِ المُتطوّع مهاراتٍ جديدة أو تحسين المهارات الَّتِي يمتلكها، والمساهمة فِي زيادةِ قدرة المُتطوّعين عَلَى التّواصل الفعّال مع الأفرادِ الآخرين، بالإضافةِ إلى مُساعدة المتطوّعين عَلَى الاستفادةِ مِنْ وقتِ فراغهم، وتوظيفه إلى نشاطٍ تطوعيّ مُفيد. كذلك تُعَدّ الفعاليات التطوعيّة مِنْ أهمِ الأنشطة العامّة الَّتِي بوسعِها المساهمة فِي المُحافظةِ عَلَى تطوّرِ المُجتمع، والتخفيف مِن المُشكلاتِ المُؤثرة في المجتمع وأفراده. ويقصدُ بالمتطوع الفرد الَّذِي يعطي مِنْ وقتِه – أو بعضاً مِنْ وقتِه – أو خبراته، مهاراته؛ لأجلِ القيام بعملٍ يفضي إلى المساهمةِ فِي تطويرِ المجتمع المحلي أو العالمي، مع العرض أنَّ المتطوعَ يشار إليه بوصفه فرداً يعطي أكثر مما يأخذ، وَالَّذِي يمكن الاستفادة مِنْ خبراته ومهاراته عَلَى الصعيدينِ الشخصي والإنساني؛ إذ العَمَلَ التَطَوَّعي يساعد فِي زيادةِ القدرات التنظيمية والإدارية، إلى جانبِ تطوير مهارات التواصل مع الآخرين.

أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ أَنَّ فعاليةَ العَمَلَ التَطَوَّعي، لم تُعَد أهدافها - الإنسانيَّة النبيلة - مقتصرة عَلَى تقديمِ المساعدات المالية والمادية لِمَن يحتاجها، مثلما هو متبع فِي نهجِ وممارسات الكثيرِ مِنْ منظماتِ الْمُجْتَمَع المدني؛ إذ توسعت آفاق عملها وأصبحت فعالياتها تشمل جملة مِن القضايا الاجْتِمَاعِيَّة الَّتِي تُعَد محل اهتمام الإِنْسَان، مثل مُهِمّة مكافحة التلوث، الحفاظ عَلَى بيْئَةِ الحياة والعمل باتجاه تحسينها، الاهتمام بالثَّقَافَةِ والآداب وَالعُلُوم، دعم الإجراءات المتعلقة بتَّنْمِيَةِ مؤسسة التَّرْبِيَة والتعليم، تعزيز المنظومة الصِحِّيَّة لرفعِ مستوى الصِحة العامة، إقامة حملات الإرشاد والتوعية ورعاية ذوي الحاجات الخاصة. وَضمن هذا الإطار يمكن القول إنَّ قيمةَ العَمَل الَّذِي يؤديه الإِنْسَان لا يمكن اقتصاره كما هو شائع لدى بعض الناس عَلَى الجانبِ المادي المتمثل بما يفترض أَنْ يكسبه مِن أجرٍ مادي لقاء جهده الفكري أو العضلي المبذول مِنْ أجلِ تأمين متطلبات حياته اليومية وَتلبية حاجاته وطموحه ومستقبل عائلته؛ إذ أنَّ للعَمَلَ التَطَوَّعي الكثير مِن الأبعادِ المعنوية الأخرى، وَالَّتِي مِنْ أبرزها ما يستمد مقومات ارتكازه عَلَى تَّمَسكِ الفرد بِقَواعِدٍ ذات جنبة اجْتِمَاعِيَّة أو دينيّة أو أَدَبِيَّةِ أو أَخْلاقيَّة أو غيرها.

 

لَطيف عَبد سالم

 

 

تتكرر حالات هروب المرأة من الإسلام معتقدة أنّ الأخير يشكل عائقاً أمام تطلعاتها وأحلامها بفضاءات كافية من الحرية لتستأنف رحلة الهروب غير واعية أنّ العادة القبلية والنهج الفكري الضيق للعقل العربي هما الحاكمان على الحياة الأجتماعية في اللحظة الراهنة .

ثمة المرأة المسكينة وهي مرتهنة بقيود وأصفاد غليظة على فطرتها وغرائزها تحت أعتبارات المجتمع المحافظ الذي يزعم إلتزامه الثوابت والتقاليد والسنن الإسلامية، بينما الحق المنكشف عند الواقع يُدلي بفراغ هذا الواقع من معنى المحافظة ثم فراغه من العمل بالسنن الإسلامية وإن تم الأدعاء بها.

ينشد الاسلام للمجتمع حياةً خالية من التعطشات مملوئة بالامن والاستقرار على كافة الأصعدة، يتكشف ذلك لمن يتابع دلالات الأحكام والتشريعات المعقولة، ومثال ذلك تشريعاته التي وضعها لمحق حالة التعطش الجنسي والتي جاء بها تحت مسمى زواج المتعة، فليس من دليل ليدل عل تمكين الإسلام للمرأة وبذلها الحق في أخذ مساحتها الواسعة أجتماعيا أدل من هذا التشريع الدقيق والمُذهل من جميع زواياه، تخطى الإسلام خطوط الإحراج العريضة ليصل لأبعد النقاط خصوصية في حياة المرأة ليمنحها حرية القرار في ذلك ضارباً بتمنعات الأسرة ذات النزعة العقلية القبلية عرض الحائط، أذ أنّ الراشدة الماسكة زمام أمرها في نظر الإسلام أمرأة لها الحق في المواعدة لأجل قضاء فترة جنسية مع من تهوى من الرجال دون أن ترى أحداً يمنع عليها طريق الوصول لذلك، والفتاة اليافعة أو تلك القابعة داخل منزل والدها ولازالت جديدة على الحياة الجنسية قد أولى القرار لسيد منزلها للبت في الأمر، وفي هذه التفصيلة بالذات لربما نجد الأعتراضات لكن التأمل والتروي سيُفهمان العاقل أن ذلك لايُعد حجراً لقرارها للفتاة، إنما الأمر له بعدُ أخر، أذ يبغي الأسلام الوصول بالعقل الذكري المؤمن لتلك المنطقة التي يبدأ يتقبل فيها أتخاذ مثل هذه القرارت الخارجة لأجل حاجة بشرية غريزية لا يمكن الأحتيال عليها،  ثم أنه يروم أنّ يخرج الأمر عن دائرة السرية ويشيع في وسط الأسرة لينسف من الأذهان ان الاتصال الجنسي بهذه الطريقة شيء أشبه بالجريمة، ويمكن إحالة ذلك لأعتبار ثالث أذ أنّ المرأة بهذا العمر والسعة الضيقة لا تكتنز لتجربة تؤهلها لأتخاذ القرارات الصائبة دائماً، لذا أوعز التشريع بأنّ تتشاطر مع وليها أتخاذ القرار ليخرج الأخير مرناً وليتحمل تكاليفه بجانب الفتاة الأسرة أخر الحال، إنه برنامج مواعدة يشبه برنامج المواعدة الغربية في هذا العصر غير انه منضبط بقالب إلهي دقيق يكفل عدم خروج التصرف عن أطار الفضيلة والاخلاق.

جاء الإسلام بهذا التشريع ليلفت الأنظار لمدى الاطار الواسع لحرية المرأة في المجتمع الدائن بهذا الدين الحنيف، ليضع ما يوافق تطلعات المرأة الحالمة بالقسط الوافي من الحرية داخل المجتمع المسلم ،بجانب ذلك أراد أحكام القبضة على مُعّقدات الحياة مثالها في ذلك الكبت الجنسي، ليمنح البشرية المؤمنة فرصة أكبر تحيد بها عن الخضوع لهكذا أزمات عبر طرق الحرام والرذيلة.

ضمن دائرة حقوق المرأة كانت نية الإسلام أنّ تمضي الأمور بهذا الشكل بيد أنّ المجتمع في اللحظة الراهنة يتضاد سلوكاً وعادة مع هذه الرؤية السماويَّة،  التقليدوية الزائفة والنابعة من أهواء ونزعات فردية وقبلية مخالفة لذائقة السماء هي الحاكمة الأن، ولن يتغير في الأمر شيء وإن كثرت الشعارات القائلة بحاكمية المجتمع المحافظ على السنة الإلهية، لا يعدو الأمر كونه خدعة وضيعة تمت صياغتها مع الزمن حتى باتت شيئاً يضاهي شرب الماء، وترك شرب الماء جنونٌ يا سادة.

amir hushamalsafarتعقد الجمعية العراقية للعلوم الطبية في المملكة المتحدة وأيرلندا مؤتمرها العلمي في  لندن وذلك يوم السبت المصادف 25/11/2017. سيتضمن المؤتمر عددا من البحوث والدراسات المهمة والتي تتناول موضوعات لها علاقة بالتطور الطبي في تخصصات علوم الطب المختلفة، أضافة الى ما سيتناوله ضيف الشرف في المؤتمر الأستاذ الجرّاح الدكتور مزاحم الخياط من دروس مستقاة من خبرته العملية في الطب والجراحة. وسيناقش الحضور أفضل طرق التواصل مع الوطن الأم وسبل توثيق عرى العلاقات العلمية مع المراكز الصحية العراقية والمراكز العلمية والجامعات العراقية بما يعود بالفائدة على الجميع، خاصة وأن هناك الآلاف من أطباء العراق في الخارج اليوم ومن الذين يتمتعون بالمهارات الطبية والخبرة العملية التي يحتاجها المريض العراقي.   وفي برنامج المؤتمر العلمي للجمعية مناقشة الخبرة العملية للعمل في الشمال الأفريقي وتأثير ذلك من الدروس على ما يمكن أن تقوم به كلية الأطباء الملكية في لندن من برامج تدريبية للأطباء في أنحاء العالم ومن ضمن ذلك برامج التدريب للطبيب العراقي..وسيلقي المحاضرة بهذا الخصوص الأستاذ الدكتور علي جواد نائب رئيس الكلية في لندن ومسؤول قسم العلاقات الخارجية فيها.. أضافة الى محاضرة الدكتور علي الحسني اخصائي طب الأشعة حول أهم تطورات الفحص بالمفراس في تشخيص أمراض شرايين القلب. ويتناول الدكتور سعد الفتال في محاضرته بعض تفاصيل تأسيس الكلية الطبية العراقية في بغداد وذلك بمناسبة الذكرى التسعين لهذا التأسيس. وسيعرض الدكتور الفتال في المحاضرة عددا من الصور التاريخية للكلية والتي يضمها أرشيفه المتميز.

وفي حوار أجريته مؤخرا مع زميلي الرئيس المنتخب للجمعية العراقية للعلوم الطبية في المملكة المتحدة وأيرلندا الدكتور رافد عزيز سألته عن بدايات الجمعية في بريطانيا والفكرة من وراء تأسيسها فأجاب:

"في المجتمعات المتطورة توجد جمعيات ومؤسسات ومنظمات غير حكومية الهدف منها هو توحيد جهود المنظمين في هذه التشكيلات لبلوغ الهدف الأساسي للمنظمة او الجمعية.  ولقد لوحظ في المجتمع الطبي في المملكة المتحدة وجود عدة جمعيات تعمل كلا على حدة لهدف واحد ومهم وهو خدمة وطننا العزيز العراق.  كما لوحظ أيضا تشتت هذه الجهود وأنعدام رؤية واضحة لبلوغ هذا الهدف السامي. 

لذلك فقد كانت هناك حاجة ماسة لإنشاء جمعية موحدة تعبر عن تطلعات المجتمع الطبي في المملكة المتحدة وأيرلندا، فتمهد الطريق لبلوغ الهدف الأسمى وهو خدمة الوطن بالنتيجة.

من هنا جاء إنشاء الجمعية العراقية الطبية الموحدة بعد جهود كبيرة من كافة أعضاء الجمعيات الطبية الذين أنضموا وبصورة ديمقراطية للجمعية الناشئة.

وعن سؤالي عن أهداف الجمعية الطبية  أردف الدكتور عزيز قائلا : الهدف من إنشائها هو مساعدة الأطباء العراقيين في الوطن على تحسين وتطوير الأداء الطبي ونقل التجارب الطبية الحديثة في العالم إلى الوطن الحبيب.

والهدف الآخر هو تحسين النظام الطبي في العراق وإيجاد البيئة المناسبة للإبداع.

كل هذا يتطلب العمل بجدية مع مختلف الجهات الحكومية وغير الحكومية للوصول الى الأهداف المرجوة. 

كما نطمح ان تكون الجمعية مرجع أساسي لتقديم الخبرة والمشورة للوزارات ونقابات الأطباء في العراق، أضافة بطبيع الحال الى دور الجمعية المهم في خدمة المجتمع الطبي العراقي في بريطانيا وأيرلندا.

وعن وجهة نظره حول أسلوب عمل الجمعية قال الدكتور الزميل رافد عزيز: أن ذلك يتم من خلال التعاون مع مختلف الجمعيات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية عن طريق اللقاءات والمؤتمرات العلمية والاجتماعية وتبادل وجهات النظر والأفكار والآراء حول الطريقة المثلى والأجدى لتقديم أية مشورة أو تدريب أو مشروع لتطوير النظام الطبي في العراق.

وعن وجهة العمل المستقبلية لجمعية العلوم الطبية العراقية قال الدكتور عزيز قائلا:

أرى أن تكون الجمعية مستقلة في آرائها وأن تبتعد عن كل ما من شأنه أن يفرق أبناء الوطن الواحد.أمنيتي ان تستمر التجربة الديمقراطية في أنتخاب المجلس التنفيذي ورئيسه حسب دستور الجمعية وأ ن تكون الجمعية الطبية العراقية الموحدة المظلة التي تجمع كل أطياف مجتمعنا الطبي في خارج العراق والجسر الذي يوطد لأواصر قوية بين المجتمع الطبي في خارج العراق و داخله..

 

د. عامر هشام الصفار

 

 

mohamad abdulkarimyousifيتصرف الأطفال أحيانا بطرق محيرة ومثيرة لقلق الوالدين ويظهر على سلوكهم ما يمكن أن نسميه "علائم الاضطراب العاطفي" . ومن هذه العلائم العدوانية والخوف والدوافع القسرية التي تتحول مع الوقت لظواهر مرضية خاصة عندما تتكرر. يجب أن لا ندع الاهتمام والخوف يزيد من أهمية هذه العلائم  لأن جميع الأطفال أصحاء عقليا . وهنا يجب أن نميز بين الاضطراب العاطفي والتخلف العقلي. ويجب أن ننوه أن المشكلات العاطفية قد تجعل التعلم صعبا لدرجة أن الطفل المتألق قد يبدو متخلفا من الناحية العقلية . 

أهمية الصحة الجسدية:

قبل التأكد من أن المشكلة السلوكية هي نتيجة الاضطراب العاطفي يجب أن يتأكد الأهل من أن طفلهم لا يعاني من أي مرض فيزيولوجي خاصة  وأن الكثير من مظاهر الاضطراب العاطفي يمكن أن تكون بسبب مرض جسدي . ويجب أن نضع في اعتبارنا أن الفحص الطبي الدوري (المنتظم) هام جدا في الكشف عن الأمراض التي يعاني منها الطفل من دون علم الوالدين . ويصبح هذا النوع من الفحص أكثر أهمية  عندما يعاني الطفل من مشكلة عاطفية .

متى تحدث المشكلات العاطفية؟

يعيش الطفل في أربعة عوالم . ومن المتوقع أن يتصرف الطفل السليم فيزيولوجيا وعقليا بطريقة محددة في كل عالم من هذه العوالم الأربعة . وعندما يتصرف الطفل بطريقة مختلفة عما هو متوقع يجب أن ندرك أن الطفل يعاني من مشكلة عاطفية .

عالم الطفل الأول: العائلة والمنزل

إن عالم الطفل الأول هو العائلة والمنزل حيث يكوّن موقفه من نفسه ومن الناس ومن الحياة بشكل عام . يفترض الوضع الطبيعي  وجود رابطة محبة بين الوالدين وبين الطفل حيث يستمتع كل منهما برفقة الآخر . وفي نفس الوقت، نجد أن لكل منهم اهتماماته الخاصة . وبالتدريب يبدأ الطفل الانتقال من مرحلة الاعتماد الكلي على الأهل في مرحلة الطفولة إلى مرحلة الاستقلال الكلي عن العائلة في سنوات المراهقة . نتوقع من الطفل أن يحترم قوانين العائلة ويقوم بالمهام التي تناسب سنه وطاقته التي تكلفه العائلة بها .

قد يحث الاضطراب العاطفي لدى الطفل إذا لم يكن يحظى بعلاقة جيدة مع والديه . إذا حاول الطفل الاستقلال ببطء أو  بسرعة عن العائلة واذا تجاهل قوانين العائلة أو رفض المهام التي توكل له سيكون من الصعب دراسة موقف الأطفال الآخرين في العائلة ولن يكون بالإمكان إيجاد تصنيف لسلوكه .  الشجار والعراك والغيرة جزء طبيعي من العلاقات الأخوية . لكن هذه  المظاهر تشير إلى وجود اضطراب عاطفي.

عالم الطفل الثاني، المدرسة:

يعيش الطفل في المدرسة حوالي /1000/ ساعة سنويا خلال سنوات الطفولة وتكون مهامه محددة جيدا في المدرسة . المطلوب منه أن يتعلم شيئا ما، وأن يتصرف بطريقة جيدة، وأن يتكيف اجتماعيا، وأن يهتم بدروسه ويعتبر التعلم فرصة جيدة للحياة المنتجة والفاعلة، وعليه أن يهتم بالسلوك الاجتماعي قدر المستطاع .

وغالبا ما يرسم الأهل صورا تعبر عن طموحات أبنائهم  ويمعنون في رسم صورة وردية لهم . وهنا تحدث المشكلة خاصة إذا كانت طاقة الأطفال لا ترقى إلى مستوى طموح الأهل. وهنا قد  يصبح موقف الطفل سلبيا تجاه المدرسة . وقد ينحدر مستوى انجازاته نتيجة للإحباط. وعند حدوث ذلك، تولد المشكلة ويعاني الطفل من الاضطراب العاطفي وعندها يكون تقديم المساعدة ضروريا.

عالم الطفل الثالث، الصداقات:

ينتقل الطفل من مرحلة الرضاعة إلى مرحلة الطفولة ليواجه عالمه الثالث – عالم الصداقات . وسرعان ما يصير هذا العالم كبير الأهمية كلما تقدم الطفل في السن . والعلاقات الاجتماعية في مرحلة الطفولة شديدة الأهمية حيث يبدأ الطفل بتعلم العادات والتقاليد الاجتماعية ونماذج السلوك عن طريق محاكاة البالغين والتأثر بهم . ويكتسب الأطفال الكثير من المقدرة على بناء علاقات اجتماعية جيدة عند البلوغ بدءا من هذه المرحلة . من الطبيعي أن يرغب الطفل في إقامة علاقات اجتماعية مع أقرانه ويشعر أنه مرغوب به ويشاركهم البهجة والفرح والحبور واللعب والنشاطات الاجتماعية الأخرى . ويجب على الوالدين الاهتمام الشديد بالطفل الذي تظهر عليه علامات السوك المرضي كأن يشتري صداقات أقرانه بالرشوة أو يلعب دور المجنون أو المهرج وسط الأخرين أو يفضل اللعب مع أطفال أكبر منه أو أقل منه سنا أو يمارس سلوكا غير متحضر كالتهور والتسرع والتخريب والأذى .

عالم الطفل الرابع: العالم الداخلي:

عالم الطفل الداخلي هو العالم الأكثر أهمية نظرا لأنه صعب الفهم والإحاطة والاستيعاب. إنه العالم الذي يضم أفكاره ومخاوفه وآماله ومواقفه وطموحاته . ينظر الطفل إلى نفسه بمرآة خاصة  به فقد يرى نفسه جميلا أو غبيا أو محبوبا أو قبيحا أو طيبا أو رديئا  أو غير محبوب أو حسن المنظر  أو سيئه . وهذه التقييمات الذاتية مجتمعة تشكل ما نعرفه بإدراك الذات . فعندما يمتلك الطفل شعورا قويا ومستمرا بأنه أقل من أقرانه أو لا يساويهم  يجب أن نفهم من هذا السلوك أنه يعاني من مشكلة عاطفية .

كلنا نواجه مشكلات من نوع ما خلال حياتنا . وعلى الرغم من ذلك، يستمر الإنسان السوي في حياته بشكل طبيعي  بغض النظر عن مدى صعوبة المشكلة حيث يبقى الانسان متفائلا بالمستقبل، وإذا لم يحدث هذا الشعور المتفائل لدى الطفل يجب أن ندرك أن هناك مشكلة عاطفية .

بعض العلامات المحددة للاضطراب العاطفي:

إن أكثر علامات الاضطراب العاطفي خطورة هو الاضطراب في التفكير الذي يحدث بشكل منفرد أو مجتمع . فالطفل الذي لا يبدو قادرا على الاستجابة للناس أو المحيط أو لا يحس بالوقت ، يعاني بالتأكيد من الاضطراب  في التفكير وقد يرى أو يسمع أصواتا غير موجودة أصلا . وهنا يجب أن لا نخلط بين سلوك الطفل السوي الذي يلعب مع أقرانه المختبئين وبين السلوك المريض لطفل يعاني من اضطراب فكري.

الهواجس أفكار تحدث بشكل متكرر وقد تصل إلى مرحلة تؤثر على نظام التفكير السوي للطفل . أحيانا يمر الطفل السوي بما يشبه الهاجس كأن يردد لحنا موسيقيا في ذهنه لفترة من الوقت . ولكن هذا الشعور لا يستمر طويلا ولا يؤثر سلبا على نظام التفكير السّوي .

الدوافع القسرية هي الرغبة في تكرار بعض الأعمال حتى عندما لا يكون هناك ضرورة لذلك. على سبيل المثال، هناك الرغبة المتكررة والشديدة  في غسل اليدين وهذا الشعور يختلف عن رغبة الطفل في المشي على سور طريق جانبي إذ أن التصرف الأخير يعتبر نوعا من التسلية واللهو وليس أي شيء آخر.

الفوبيا خوف مرعب يسيطر على الطفل ويمنعه من ممارسة نشاطاته وهو أحد علامات الاضطراب العاطفي الخطيرة التي يجب على الوالدين الانتباه إليها بشكل كبير. وهذا النوع من الخوف المرضي  يختلف عن شعور الطفل العدائي نحو المدرسة في وقت من الأوقات أو خوفه من الدخول إلى قاعة الصف لأول مرة . أما القلق فهو لا يحمل اسما معينا لأنه لا يرتبط بشيء محدد، وفهم القلق أصعب من فهم الخوف المرضي " الفوبيا " نظرا لأن القلق يصعب إدراكه بسهولة .

والتصرف العدواني كالاعتداء على الأقران مثلا يعد أحد علامات الاضطراب العاطفي إذا حدث بشكل متكرر.

تؤثر بعض علامات الاضطراب العاطفي سلبا على الوظائف الفيزيولوجية للطفل كحدوث النوبات العصبية والهيستيريا والتبول الليلي المنتظم وعدم السيطرة على حركات منطقة الحوض .

تعد النوبات العصبية حركات غير منتظمة لمجموعة من العضلات التي تتحرك فجأة من دون انتظام . وتحدث في العادة هذه الحركات في عضلات الوجه حيث يرافقها اضطرابات في مجموعات عضلية أخرى . المهم في الأمر هو أن الطفل لا يستطيع السيطرة على هذه النوبات . وأفضل تعريف للهيستريا هو فقدان الوظائف الحسية والفيزيولوجية لأسباب عاطفية . الهيستيريا  خطيرة لأنها قد تسبب فقدان البصر أو حاسة اللمس أو شلل في الأطراف ويعد التبول الليلي المنتظم أحد علامات الاضطراب العاطفي إذا صار الطفل في سن الدخول للمدرسة ولم تتوقف.

كيف نعالج المشكلات العاطفية للأطفال:

في حال ظهرت علامات الاضطراب العاطفي على طفلك، يجب أن لا تتجاهل الموضوع أو تفترض أن ذلك سوف يختفي عندما يكبر الطفل. نحن نعتقد أن طفلك أثمن من أن تعتمد في سلامته على الصدفة أو القدر أو الاحتمالات .

يجب على الوالدين مناقشة المشكلة فيما بينهما . ومن المهم جدا أن يحدث النقاش في جو هادئ ومفعم بالمشاعر الطيبة لأن المسؤولية مشتركة . يجب أن لا يتصرفا بطريقة حادة نتيجة تصرفه بطريقة غير لائقة فقد يكون هناك مشكلة تحتاج إلى المعالجة الطبية والنفسية الهادئة .

وخلال النقاش، يجب أن يقرر الوالدان الطريقة التي ستتصرف فيها العائلة مجتمعة والأفراد بطريقة مناسبة بما يتناسب مع تصرف الطفل بحيث يكمّل كل فرد الآخر حتى تستطيع العائلة حل مشكلة أصغر أفرادها سنا.

مشكلات الوالدين الخطيرة:

1- الوالد الذي يسعى للكمال: يعتقد هذا الوالد أن هناك مكان لكل شيء وأن كل شيء يجب أن يكون في مكانه الصحيح دائما . وكنتيجة لذلك تكون طلباته من الطفل وأفراد الأسرة غير منطقية . ونادرا ما تحصل غرفة الطفل الأنيقة نوعا ما من الاستحسان من قبل الوالد الذي يسعى للكمال. وعندما يحصل الطفل على تقدير " جيد"  يتعرض للنقد الشديد من الوالد الذي يسعى للكمال لأنه لم يحصل على تقدير "ممتاز" ثم يبدأ في مقارنة طفله مع الأطفال الآخرين بغض النظر عما يبذله هذا الطفل من جهد جهيد في الدراسة والمواظبة والاهتمام ولكن كل ذلك لا يرضي الوالد الذي يسعى للكمال. ومن هنا ينشأ الغبن والمشكلات العاطفية  للأطفال، حيث يصر الأهل على الطلب المتكرر وغير الواقعي للوصول إلى الكمال. لذلك يجب على الوالد الذي يسعى للكمان أن يكون أقل تطلبا وتصلبا وأكثر تشجيعا بدلا من توجيه اللوم والانتقاد هنا وهناك .

2- الوالد المتقلب: يخلق الوالد المتقلب في الأسرة جوا غير مستقر بسبب تغيير القوانين لدرجة أن الطفل لا يعرف ما هو مطلوب منه .ربما يكون الأهل متقلبين في أوقات معينة ولكنهم عندما يغيرون باستمرار القواعد والأصول التي تتعلق بحياة الطفل في المنزل والمدرسة ووقت اللعب يفسدون الطفل ويحكمون شخصيته وهذا الأسلوب الخاطئ في التربية يجب أن يصحح في أقصر وقت ممكن .

3- الوالد الخصّاء: هذا النوع من الوالدين يحمي طفله بشكل مفرط إما لأنه لا يستوعب أنه طفله يكبر ولم يعد صغيرا أو لأنه يخاف عليه كثيرا من المخاطر التي تكمن خارج جدران المنزل. وهذا الموقف قد يخلق مشكلة عاطفية لدى الطفل . والوالد الذي يفهم أن فرط الحماية والحب الزائد عن الحد هو سبب المشكلة يستطيع أن يجد وبسهولة الطريق المناسب لحل المشكلة عبر دراسة سلوك الوالدين .

4- الوالد المتساهل: يشتري الوالد المتساهل عواطف ابنه من دون حدود . وهذا قد يكون سببا منطقيا لاضطراب عاطفي . والأطفال يشعرون بالراحة عند وجود قواعد حياتية وسلوكية  يجب اتباعها . والقواعد والأصول تعد تدريبا أوليا للطفل من أجل حياة مستقبلية  وتحضيرا مناسبا لمواقف قد يتعرض الطفل لها في يوم من الأيام . لذلك يجب عدم ترك العنان لرغبات الطفل.

5- الوالد المشاجر: يساهم هذا النوع من الأهل في خلق المشكلات والاضطرابات العاطفية لدى الأطفال إذا كان شجار الوالدين متكررا أمام الطفل . ولتجنب حدوث مثل هذه المشكلات، يجب عدم النقاش بعنف أمام الأطفال بغية خلق شعور من الاستقرار في عالمهم الصغير.

6- الوالد اللامبالي: هذا النوع من الوالدين لا يحمل شعورا بالمسؤولية تجاه الأطفال، فهم لا يستطيعون اقناع أطفالهم  بحبهم واهتمامهم  . في حين أن الأطفال يحتاجون إلى إنسان يقتدون به ويراقبون سلوكه ويتعلمون منه . فهل تقبل عزيزي القارئ أن تكون والدا لا مباليا ؟

7- الوالد المعاقب: هذا النوع من الوالدين يحاول أن يعالج المشكلات عن طريق فرض العقوبات . قد تكون العقوبات مفيدة في مواقف محددة ولكنها يجب أن لا تصير مفرطة . ويجب أن يكون للمديح والاطراء دورهما في دورة حياة الطفل . العقوبة التي لا تؤدي الغرض من فرضها تعد فاشلة.  يجب أن نضع في اعتبارنا أن فرض العقوبات سيزيد الأمر سوءا وحساسية إذا حدثت علامات الاضطراب العاطفي لطفل يتعرض للعقوبة باستمرار لأنه يعتاد العقوبة وبالتالي تتعزز لديه التصرفات العدوانية .

تغيير الاستراتيجيات:

عندما يدرك الوالدان أن الطرائق السابقة أخفقت في الحصول على النتائج المرجوة منها، أو حققت نتائج عكسية، يجب عليهما أن يبدعا برنامجا علاجيا جديدا . فإذا كان الطفل في سن متقدم، يمكن مناقشة الأمر معه بصراحة وصدق وموضوعية وفي جو من الحب والمودة والألفة . ويمكن أن يقول الوالدان أنهما منشغلان جدا بمشكلته وأنهما يريدان أن يجدا الحل المناسب له ويقدما له  المساعدة المطلوبة ويجب أن يشيرا إلى أنهما سوف يغيرا أسلوب تعاملهما معه ويتفقان معه على أسلوب حياة جديدة ويتركان له حرية الكلام والنقاش وابداء الرأي .

وإذا كان سلوك الطفل يُحدث مشكلة في المدرسة، عندئذ، يجب على الوالدين مناقشة الموضوع مع معلمه و بعض الأشخاص الآخرين المعنيين بالأمر كالخبير النفسي أو عالم الاجتماع أو ممرض المدرسة . يمكن لهؤلاء الناس تقديم المساعدة والنصيحة والارشاد للأهل وهذا يساعدهم في فهم مشكلة طفلهم وعلاجها .

متى تطلب مساعدة المختصين:

من الصعب أن يعترف الوالدان أن طفلهما قد يحتاج إلى العلاج النفسي ومن المتوقع أن يعترفا أنهما قادران على التعامل مع مشكلات طفلهما  العاطفية وحلها من دون المساعدة الخارجية . وإذا حدث تحسن على وضع الطفل يستمر العلاج وإذا لم يحدث، عليهما أن يطلبا المساعدة الخارجية من المختصين .

وإذا كانت مشكلة الطفل مصنفة تحت فقرة العلامات المحددة (المذكورة أعلاه)، يجب استشارة طبيب العائلة أو طبيب الأطفال . وعند الضرورة يجب الرجوع إلى الطبيب النفسي المطلع والخبير والكفؤ والمدرب جيدا .

وعند الرجوع إلى الطبيب النفسي المختص، يجب أن يكون الأهل على استعداد لقبول الحقيقة التي تقول أنهما جزء من مشكلة الطفل العاطفية ويجب أن يُظهرا الاستعداد الدائم للتعاون مع الطبيب المعالج . عندها فقط يستجيب الطفل للعلاج النفسي نتيجة التعاون الفعال بين أفراد العائلة  والطبيب.

يحتاج مثل هذا العلاج إلى جهود مضنية وصبر لا ينفذ من جانب الطبيب المختص والعائلة. لأن الطفل المضطرب عاطفيا لا يدرك أصلا كنه مشكلته ولا يريد أن يغير طرقه في الحياة . على الأهل أن لا يفقدوا الأمل بسبب تأخر المعالجة النفسية إذا لم تتحقق النتائج المرجوة في الحال. قد يكون التقدم بطيئا وقد يستغرق وقتا لا بأس به.

لحسن الحظ، يمكن معالجة الكثير من المشاكل العاطفية بنجاح هذه الأيام لأن الأبحاث المتخصصة بالصحة العقلية للأطفال لازالت مستمرة وتحقق نجاحات باهرة . هدفنا هو خلق جيل صحيح نفسيا وجسديا. أطفالنا هم الغد الذي نحلم به ونسعى إليه .

 

بقلم الدكتور جيروم شولمان

ترجمة: محمد عبد الكريم يوسف / سوسن علي عبود

.....................

العنوان الأصلي والمصدر:

The Emotionally Disturbed Child ,Jerome L. Schulman (Ph.D.), Child craft , Volume 15 , Field enterprise

 

 

khadat jleed2لا شك أن الفلسفة هي خطاب نقدي بامتياز باعتبارها تلك القدرة على إنتاج المفاهيم ونقدها في نفس الوقت في إطار السياق الثقافي والتاريخي الذي ينتمي إليه كل فيلسوف أو مشتغل بالفلسفة، وباعتبارها أيضا تقوم على التساؤل المستمر ونقد كل ما هو جاهز ووثوقي ومحاولة تعرية وجوه الحقيقة المتعددة دون الوقوف عند جانب واحد، مع الإيمان بنسبية الأجوبة وفتحها على السؤال مرة أخرى مع البحث الدائم في الطرق الممكنة لتحقيق سعادة الإنسان  باعتبارها الغاية من وجوده ونضاله في الحياة، ولكن المتتبع للشأن المجتمعي في الجزائر ومع طغيان مظاهر اللاعقل في ثقافته وسلوكاته الفردية والجماعية كالعنف والتعصب، وانتشار مظاهر الجريمة وغياب الحوار والتسامح وانعدام الفكر النقدي، وتأثر المجتمع بالإشاعة وقابليته للفوضى وبروز الغريزة الطبيعية عند الفرد الجزائري كغريزة التدمير وتراجع القيم الثقافية والروحية للإنسان يدفعنا للتساؤل : لماذا لم تحقق الفلسفة وظيفتها النقدية والاجتماعية في الجزائر؟ .

 لماذا بقي الخطاب الفلسفي في الجزائر بعيدا عن الواقع والتأثير في المحيط الثقافي والأخلاقي للمجتمع؟ . لماذا لم يخرج الفلاسفة من أسوار الجامعات، ولماذا غاب الفيلسوف الشعبي الملتزم بقضايا ومشاكل عصره والمنفتح على اليومي والجزئي والمختلف؟ .

و بعبارة أخرى لماذا لم نستطع حتى اليوم إنتاج فلسفة جزائرية خاصة بنا تستجيب لشروطنا الثقافية والتاريخية والاجتماعية بعيدا عن صدى المذاهب الفلسفية الأوربية؟ .

إن المتتبع للشأن الفلسفي في الجزائر يدرك دونما عناء أن الخطاب الفلسفي في الجزائر إنما هو شرح أو ترجمة لما ينتجه الغرب من أفكار ونظريات فلسفية وأصبح كل مشتغل بالفلسفة يروج للمذهب الذي ينتمي إليه، فهذا يروج للماركسية والآخر للوجودية أو الشخصانية ..الخ، مع وجود بعض الاستثناءات التأسيسية ولكنها لم تستطع أن تنتج تيارا أو مذهبا لضمان الاستمرارية والانتشار والإبداع المستمر، وأود أن أذكر هنا البعض على سبيل المثال لا الحصر مثل مولود قاسم نايت بلقاسم وعثمان سعدي والبخاري حمانة ومحمد العربي ولد خليفة وأحمد بن نعمان الذين تناولوا في دراساتهم قضايا مهمة مرتبطة بتاريخ المجتمع وحاضره مثل الثورة والدولة والأمة واللغة والدين والثقافة والشخصية الوطنية، إلا أن هذا لا يغير من الصورة العامة إذ أصبح الخطاب الفلسفي في الجزائر يدور في حلقة مفرغة، لأن هذه النظريات الفلسفية الغربية لا يمكن أن نقرأ من خلالها الواقع الجزائري لأنها نتاج ثقافة مغايرة .

لذلك أصبحت الفلسفة في الجزائر تعيش الغربة والإغتراب والتغريب بانفصالها عن حقيقة الواقع الجزائري وفي أحيان كثيرة متهمة وغير مقبولة من طرف المجتمع لأنه لا يحس بوجودها في حياته اليومية، إذ أصبحت مجرد نظريات وقوالب جاهزة وفي أحسن الأحوال مجرد ترف فكري وبهرجة نظرية لا غير . وكأن الفيلسوف يعيش في جزيرة منفردا عن الآخرين يطلب السلام والسعادة لنفسه متأملا في الوجود العام لاستخلاص أسرار الحياة ومعاني الكون وهذا ما يمكننا أن نسميه بالفيلسوف المبهرج على حد تعبير الدكتور فتحي التريكي: "فالفيلسوف المبهرج لا يعير اهتماما للمجالات العلمية والاجتماعية فيرتفع عن الخوض فيها وفي مجالاتها المتعددة، فهو الذي يبقى رهينة الأفكار المجردة والتصورات المتعالية دون ربطها بالحاجيات الإنسانية الملحة" .

وهذا بالتأكيد ما جعل الفلسفة في الجزائر تفقد القدرة على الإقناع والتأثير لأنها لم تنزل إلى هموم الناس ومشاكلهم ولم تخرج عن معالجة القضايا التقليدية للفلسفة كالوجود والقيم والابستمولوجيا، لذلك أصبح هذا النمط من التفكير الفلسفي بدون وزن اجتماعي أو تاريخي وبدون أفق حضاري " وفي واقع الأمر هذا الفيلسوف المبهرج سيقطن برجا منعزلا فيه ينظر وينظَِر وينتظر، وإذا خرج عن برجه سيحاول كالخطيب في أثينا القديمة نيل إعجاب الناس وذلك للهيمنة والسيطرة وإرضاء غريزة النفس والإعتداد بها، وهذا سبب من أسباب عدم قدرة الفيلسوف عندنا على التأثير الحقيقي في المجتمع".

إن الفلسفة في حقيقة الأمر وكما خبرها الفلاسفة الحقيقيون هي انفصال واتصال في نفس الوقت هي انفصال بمعنى تحقيق لحظة التعالي لتأمل الواقع وإدراك بنائه الفكري والمعرفي، واتصال بمعنى العودة إلى هذا الواقع من جديد من أجل تغييره والتأثير فيه ولعل هذا ما كان يعنيه الفيلسوف الألماني هيجل عندما أكد " أن كل ما هو واقعي عقلي وكل ما هو عقلي واقعي " أي أن كل واقع له أساس من الفكر يقوم عليه وأن كل ما يتصوره العقل يمكن تحقيقه في الواقع في إطار الجدلية التاريخية القائمة بين الفكر والواقع " فالفلسفة كلما تتصل بالناس وتنصت إلى همومهم وتحاول فهم طرق حياتهم وتقسم معهم زادها تكون دائما في حوزتها حلول وآمال، فهي التي تدافع عن حرية التفكير المطلق موضوعا وتعبيرا تدافع عن حرية الإبداع والقول لأنها ستضمن لنا التفكير بوجه آخر، كما ستضمن لنا المناقشة العلنية الحرة بعيدا عن التزمت والتعصب وعن الفكر الواحد والتوجه الأوحد " .

و إذا عدنا إلى واقع الفلسفة في الجزائر فإننا نؤكد على ضرورة أن تقتحم الفلسفة القضايا التي تهم الأمة وتنخرط فيها بشكل جذري من خلال عملية النقد والنقد المستمر، لا بد على الفيلسوف في بلادنا بل على الإنسان أن يتجرأ بشجاعة على استعمال عقله والبحث في مواضيع أكثر أهمية وراهنية كالوطن والمواطنة والتنمية والتسامح والانفتاح بعقلانية على الهامش واللامفكر فيه والمختلف والغائب والمغيب في تاريخنا، ومواجهة التحديات الكبرى كمجتمع ودولة مثل بناء فلسفة نقدية قائمة على التنوع لتحصين الهوية الوطنية وحمايتها من الانحلال والتفكك من خلال تأثيرات موجة العولمة الجارفة التي تهدف إلى طمس الثقافة المحلية والشخصية الوطنية، في مقابل فرض قيم عالمية مزعومة ليست سوى قيم المجتمع الغربي من أجل المزيد من الهيمنة والاحتواء وكذلك العمل على المحافظة على الإطار التاريخي للدولة والأمة الجزائرية  وضمان استمراريتها في التاريخ وبناء وعي تاريخي جديد ومتجدد يضمن وحدة الأمة في مقابل مزاعم وهمية واهمة مرة تنادي بالاستقلال الذاتي ومرة  أخرى بالانفصال عن الدولة الوطنية التي هي ثمرة نضال شعب بأكمله عبر مراحل التاريخ المتعاقبة، وأخيرا وليس آخرا بناء الإرادة العامة للجزائريين  في العيش المشترك وإرساء القيم الديمقراطية الحقيقية واحترام حقوق الإنسان والمواطن ونشر قيم الحوار والتسامح وتقبل الآخر في تنوعه واختلافه، وكخلاصة لما تقدم ذكره يمكننا |أن نعود إلى الفيلسوف الفرنسي رونيه ديكارت كنقطة ارتكاز معرفية وهذا عندما يقول : " إن أعظم خير يمكن أن يحصل لأمة ما هو أن يكون فيها فلاسفة حقيقيون "، وفي اعتقادنا لا يمكن أن نتصور نهضة تاريخية لأي مجتمع في ظل استقالة العقل من المشهد الثقافي أو الانخراط في مشاكل وقضايا بعيدة عن واقع المجتمع .

إننا في الجزائر بحاجة إلى لحظة تأسيسية للعقل  يكون فيها العقل قائدا لا مقودا، لحظة تأسيسية لعصر أنوار جزائري متجذر ومنخرط في خصوصيته الثقافية والتاريخية  ومنفتح على الآخر تماما مثل الأنوار التي بشر بها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في القرن الثامن عشر، ولكن مع اختلاف فقط في المرجعية التاريخية والثقافية، لأننا لا يمكن أن نتخذ من الغرب نموذجا للحداثة لأن الغرب يعيش الحداثة باستمرار من خلال عملية قراءة ونقد مستمر لتراثه الفكري منذ اليونان وإلى اليوم، يقول كانط: " ما هي الأنوار؟ إنها خروج الإنسان عن قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه، قصور يعني عجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير، قصور هو نفسه مسؤول عنه لأن سببه يكمن ليس في عيب العقل، بل في الافتقار إلى القرار والشجاعة في استعماله دون إشراف الغير، تجرأ على استعمال عقلك أنت ذلك هو شعار الأنوار ".

إن أمه جزائرية عظيمة تتجذر وتمتد في عمق ثلاثة آلاف سنة من الوجود التاريخي والسياسي تزخر بكنوز كبيرة من الحكمة والمعرفة والإبداع، وهذا يتطلب منا جميعا اليوم كجزائريين الشجاعة والجرأة على استعمال عقلنا للبحث في هذه الكنوز لإغناء الذات وتعزيز الثقة في النفس للانطلاق نحو المستقبل بأنوار تاريخنا وثقافتنا الوطنية، إنه مشروع  كبير ويستحق منا كل جهد .

الدكتور قادة جليد أستاذ جامعي و باحث أكاديمي

 

 

ali almirhigلصراع الأنا والآخر تجليات كثيرة، في خطابنا العربي والإسلامي الكلاسيكي والحديث والمعاصر، ففي الخطاب التراثي "الكلاسيكي" شكلت الفلسفة خطاب "الآخر" المختلف، الذي يُهدد حضور الأنا = "الفقهية والكلامية" وحتى اللغوية على مستوى فاعلية وحضور المنطق الأرسطي في مقابل فاعلية وحضور النحو العربي، ولكن من أبهى تجلياته هو صراع الفقهاء مع الفلسفة من جهة وصراع الكلاميين من جهة أخرى، وقد شكل التبني السياسي لإتجاه فقهي أو كلامي شكل ونوع الصراع مع الفلسفة في الرفض الكلي أو القبول ببعض مُتبنياتها، لا سيما في المنطق، وكان لردود الغزالي على الفلاسفة، وتكفيره لهم بثلاث قضايا في كتابه "تهافت الفلاسفة"، السبب الأساس في تلاشي الفلسفة وفاعليتها في المشرق العربي، لتنشط في مغربه. لتكون الفلسفة أكثر ألقاً في المغرب العربي منه في المشرق العربي، مع ابن باجة وابن طفيل وابن رشد الذي صارت فلسفته بعقلانيتها وبطابعها البرهاني، أحد أهم أسباب نهضة أوربا الذي إنتقلت لها الفلسفة الرشدية، بعد إحراق كُتبه، وعدَها كُتباً خارجة عن الملَة وعلوم الشريعة والفقه الإسلامي، على الرغم من أن ابن رشد كان قاضي قُضاة قُرطبة وهو المُتفقه بعلوم الدين والفلسفة على حدٍ سواء، وكتابه "بداية المُجتهد ونهاية المُقتصد" يدل على تبحره في علوم الفقه، ولكن كل ذلك لم يشفع له عند الخليفة (أبو يوسف المنصور الموحدي)، بعد أن أقنعه الفقهاء أن ابن رشد زنديق يُريد أن ينشر علوم الزنادقة للنيل منه ومن تميزه عليهم في عوم الفقه وهي علومهم وفي علوم الفلسفة، فما كان منهم إلَا أن يكيدوا به، ولم يكن لكيدهم هذا أثراً قليلاً في تاريخ التحول الفكري في النهضة الفكرية التي غادرها المسلمون والعرب منذ مُغادرتهم وتخليهم عن فلسفة وعقلانية ابن رشد، فتلقفها الغرب لتكون هناك مدرستان رشديتان لاتينيتان: الرشدية المؤمنة التي بنى عليها توماس الأكويني جُل فلسفته الإيمانية، فقد لاحظ محمود قاسم في كتابه "نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها عند توماس الأكويني"، فقد توصل إلى أن نظرية ابن الأكويني في المعرفة ونظريته في العلم الإلهي ما هي إلا "ترجمة حرفية لنظرية إبن رشد" (ص27، محمود قاسم). والرشدية الملحدة التي عدها رينان فلسفةً لا إبتكار فيها، وهم ليسوا سوى مُلَخصين للثقافة اليونانية، لأنها ليست من صُلب أو أصل عقيدتهم "المسلمين"، بسبب تعصبهم الديني، (يُنظر: إبن رشد والرشدية، ص23ـ25). "لإإنه كلما قيل عن فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أُطلقت العامة إسم زنديق" (رينان" ص52) وهناك من قوَل غبن رشد ما لم يقُلهُ بالقول بأنه "كان نصرانياً، في البُداءة، ثم صار يهودياً، ثم مُسلماً، ثم كفر بكل دين" (رينان، ص307).

وأنا هنا لست بصدد شرح فلسفة ابن رشد، إنما بصدد إيضاح تمظهرات الأنا والآخر في الثقافة العربية والإسلامية، حينما كانت الفلسفة آخر، مشكوك به وبمقدار تفاعله الثقافي بوصفه وافداً مع البيئة الثقافية المتأصلة في الشعور والوجدان. ورغم كل آمال الفلاسفة والحُكام الداعمين لها إلَا أنها بقيت ثقافة نابتة لا ثابتة بعبارة إبن باجة، فالثوابت هي الفقه وعلوم الشريعة وعلوم أصول الدين، والنوابت هي الفلسفة التي لم يلج في معتركها العقل الفلسفي العربي والإسلامي، سوى للتسلح بعدتها "المنطقية" لجعلها آلة للدفاع عن علوم الدين وتوظيف منطقها لنعصم عقولنا به من الوقوع بالزلل.

ولم يكن عصر نهضتنا العربية الحديثة مع الطهطاوي أو مع الأفغاني وتلميذه محمد عبده وكذلك خير الدين التونسي ببعيد عن رؤيا ابن رشد في التوفيق بين الفلسفة والدين، ولكن مع إعطاء الأولوية للتسلح بعلوم الفقه للتمكن من قراءة الفلسفة لما فيها من شُبهات، فجميعهم لا ينصح بقراءة الفلسفة إلَا بعد قراءة علوم الشريعة والتفقه بها، لأنها (الفلسفة) من علوم الخاصة، ومن العلوم "المضنون بها على غير أهلها"، لأن قراءتها من دون التفقه بعلوم الشريعة قد يؤدي إلى الشطط عند العامة، وهذا هو ما كان الغزالي يرنو له ويُنشده في شرحه للفلسفة في كتابه "مقاصد الفلاسفة".

وما كان للفكر العربي المعاصر ان يتخلص من سطوة هذه الرؤية وهيمنتها على الثقافة العربية بطابعها المجتمعي الميَال للإنضباط الشكلي ومقتضيات ومتطلبات الهيمنة الفكرية والثقافية للخطاب الفقهي والديني بكل تجلياته وتمظهراته، وإن كان هناك بعض من المفكرين قد حاولوا التخلص أو التملص من هذه السطوة والهيمنة، إلَا أنهم سايروا رؤاها التفسيرية ببعدها الديني أو حاولوا تأويل النص الديني "المقدس" وفق مقتضيات التأويل والتنزيل التي يُرجحها العقل الإنساني في ضوء "التفسير الموضوعي" للقرآن، أو في ضوء مبررات العقل المدني "العلماني" الذي يروم تطبيقلت مقولات "العقل الوضعي" على "النص القُدَسي" بما هو مُتاح من مساحة فيه سماها السيد محممد باقر الصدر بـ "منطقة الفراغ" التي تفسح للعقل الإنساني حرية التفسير والتأويلالتي إقتضلها وجود الإنسان العاقل الذي يُشارك ببعث روحية جديدة للنص القُدَسي كامنة فيه، جعل الله لهذا العقل إمكانية فهم صيرورة الوجود الطبيعي المتساوق مع مُعطيات النص ببعديه الزماني والمكانين بما لا يجعلنا نظن أنه قد فقد أحد أبعاده، بقدر ما يجعلنا نعتقد أن الله سبحانه وتعالى قد جعل هناك فُسحة للعقل اللبشري كي يكون مُشاركاً في فهم أسباب وجوده ووجود العالم الطبيعي، بما يحفظ للعقل الإلهي أزليته وديمومة سرمديته التي لا يعتريها تغير ولا تبدل.

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

 

fakir jasimتحتاج تجربة ثورة أكتوبر الإشتراكية في حل القضية القومية، لمزيد من التأمل والتفكير من كل المفكرين والسياسيين الذين يهمهم المشروع الاشتراكي والسبل الكفيلة بتجاوز أزمته الراهنة، حيث يتعرض هذا الحل والمروجين له، لتشويه متعمد، من حملة الفكر الليبرالي، وعلى نطاق عالمي. وتساهم في ذلك معاهد الأبحاث ووسائل الأعلام المدعومة من قبل الدول الرأسمالية الكبرى، مما أدي إلى خلق حالة تشوش، فكري وسياسي، ليس عند حملة الفكر الماركسي فحسب، بل عند كل الذين يناضلون من أجل إيجاد حلول عادلة للقضايا القومية التي تواجه شعوبهم . ويبذل جهد خاص للمنطقة العربية، في هذا الشأن، حيث تتعايش قوميات وأقليات عرقية وقومية ودينية عديدة. ومما زاد الأمر تشويشا وتعقيدا، السياسة الشوفينية التي ينتهجها بعض الحكام العرب. إن كل ذلك أدى الى بقاء القضية القومية في العديد من البلدان العربية بدون حل عادل لفترة طويلة، وبالتالي تحولت المشاكل القومية إلى حالة استنزاف دائم للموارد البشرية والمادية، تعرقل مساعي الشعوب العربية للمحافظة على الاستقلال السياسي والوحدة الجغرافية والتنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية، ناهيك عن تعطيل التوجة نحو الديمقراطية.

ومن أجل إلقاء المزيد من الضوء على هذه القضية الهامة، لابد من الإشارة، إلى إن الشعارات التي تبنتها ثورة اكتوبر، لم تنم عن رغبة سياسية ذاتية أو آنية لقادة الثورة وعلى رأسهم لينين، بل جاءت نتيجة لتطور النضال السياسي للشعوب المضطهدة، حيث تسارع استكمال الهيمنة الإمبريالية والاستعمارية على العالم بعد الحرب العالمية الأولى بانتقال، وبشكل واسع، مجال الهيمنة الرأسمالية من النطاق الوطني إلى النطاق الدولي، لتصبح هيمنة عالمية، بعد أن تمكنت الدول الرأسمالية، المنتصرة بالحرب، من إعادة تقسيم العالم، عبر صيغ مختلفة من الهيمنة (احتلال مباشر أو غير مباشر، انتداب، استقلال شكلي). ولهذا تصدت قيادة الثورة وعلى رأسها لينين لبلورة مفهوم ماركسي لحل مسالة القوميات، فطرح عام 1918 مبدأ " حق تقرير المصير للأمم والشعوب، بما في ذلك تكوين الدولة القومية المستقلة ".

ويعتبر هذا المبدأ تطويرا للمفهوم الماركسي من القضية القومية، والذي صاغه ماركس، من قبل، بعبارته، الموجزة، ولكنها بالغة الدلالة بقوله: لا يمكن لأي أمة أن تصبح حرة وهي تواصل اضطهاد أمم أخرى" . وبناءً على الخبرة العملية التي تكونت بعد الثورة، وخاصة بعد إن لاحظ لينين، استمرار نزعات التعصب القومي الموروثة من العهد القيصري ـ عند القومية الروسية ـ فحاول تثبيت حقوق القوميات والشعوب الصغيرة في الانفصال وتكوين دول قومية مستقلة عن روسيا، في دستور الاتحاد السوفييتي الذي تكون لتوه. لقد وردت هذه الأفكار في مناظرات لينين حول "المسألة القومية وحق تقرير المصير " والتي كثفها وأوجزها، في الرسالة التي بعثها إلى اللجنة التي شكلها الحزب البلشفي الروسي، لوضع أسس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في عام 1922، والتي يمكن تلخيصها ب: ـ

(1) " كلما كان النظام الديمقراطي لدولة ما أقرب إلى حرية الانفصال التام كانت الاتجاهات إلى الانفصال أندر وأضعف في الممارسة " .

(2) " أن الاعتراف بمبدأ حق تقرير المصير لا يعادل الاعتراف بمبدأ الاتحاد الفدرالي ".

(3) " أن الحزب يطالب بأن يتضمن الدستور قانوناً أساسياً يعلن إبطال جميع الامتيازات التي كانت تتمتع بها أمة ما، وكذلك جميع التعديات على حقوق الأقليات القومية … ويتطلب ذلك الأمر قوانين مفصلة لا يمكن أن يضعها ولو بشيء من النجاح غير أبناء القومية التي تقطن الجمهورية المعنية ".

(4) " لا تكفي المساواة الشكلية … من الطبيعي تماماً في هذه الظروف أن تظهر، حرية الخروج من الاتحاد، التي تضمنها الدستور مجرد ورقة ليس في طاقتها أن تدفع عن رعايا روسيا من أبناء الأقوام غير الروسية غزو ذلك الروسي الشوفيني ".

(5) " ينبغي وضع قواعد دقيقة … فيما يتعلق باستخدام اللغة القومية في الجمهوريات القومية غير الروسية المنضمة لاتحادنا ومراقبة تطبيق هذه القواعد بدقة كبيرة ".

(6) " إن التمايزات القومية ستستمر لزمن طويل جدا جداً، أي حتى بعد إقامة دكتاتورية البروليتارية على نطاق العالم ".

(7) " أن نكون على الدوام وبصورة مطلقة مناهضين لكل محاولة تستهدف التأثير من الخارج بواسطة العنف أو بواسطة الظلم على التقرير الحر للشعب …ومعادين بصورة مطلقة لكل استخدام للعنف، في أي شكل كان، من قبل الأمة السائدة (أو المشكلة لغالبية السكان) ضد الأمة الراغبة في تشكيل دولة متميزة " .

إن من يطلع على المبادئ أعلاه التي توصل إليها لينين، يتبادر إلى ذهنه، في أول وهلة، سؤالا هاما، خاصة وإن الفترة الراهنة تشهد تشويهاً متعدد الأشكال لمبادئ الماركسية، والسؤال هو: إذا كان الجانب النظري متيناً لهذا الحد، فلماذا إذاً إنهار الاتحاد السوفيتي ودولته المتعددة القوميات، بأسرع ما يحلم به أعداؤه؟ ومن أجل أن يكون حكمنا موضوعيا على صحة أو عدم صلاحية المبادئ الماركسية لحل القضية القومية، والتطوير الذي قام به لينين لهذه المبادئ، لابد من إيضاح قضيتين :

1. إن المبادئ العامة، التي تمت الإشارة إليها سابقاً، كانت صحيحة و صالحة للتطبيق إذا أخذناها، كتصورات عامة لظروف تاريخية معينة، يجب أن تطور وتغنى عند التطبيق، فكل النظريات، مهما بدت سليمة، يمكن أن تصبح أوهاماً، إذا طبقت بصورة مشوهة، وهذا ما حدث بالفعل من قبل القيادة التي خلفت لينين، فكيف يصبح الحال إذن، إذا جرى تشويه الأسس النظرية نفسها، وسوقت للناس على أنها المبادئ الأصلية؟ ومما عقد الأمر أكثر أنها لم تطبق على العلاقة بين قوميتين، فكما هو معروف، فالاتحاد الذي تكون عام 1922، ضم عددا هائلا من القوميات والمجموعات العرقية والطائفية، وقام على خلفية اضطهاد قيصري شديد ضد القوميات غير الروسية دام قرون، أدى إلى تمتع الروس بمركز متميز باعتبارهم أمة مستعمِرة. وللاستشهاد على التشويه الفكري نشير إلى الى التناقض بين ما قاله لينين " لقد سبق لنا وأكدنا إن العدول عن حق الأمم في تقرير مصيرها في ظل الاشتراكية، إنما يعني خيانة الاشتراكية " وما طرحه ستالين حين قال " لقد أسقطت البرجوازية، وبالتالي ليست هناك حاجة لرفع المطالب الديمقراطية " وهذا يعني أن حل القضية القومية ليست من مهام البروليتاريا بعد الانتصار، أما لأنها حلت أو لكونها مطلب برجوازي ـ ديمقراطي.

2. إخضاع هذه المبادئ إلى أسس أخرى مثل " مصلحة الاشتراكية العليا " و " مصلحة البروليتاريا العالمية، العالمية وليس السوفيتية فقط ! " و " النضال ضد العدوان الخارجي " و " تعزيز البناء الاشتراكي " وقضايا أخرى لا يتسع المجال للإشارة إليها. وتبعاً لهذه الشروط أصبحت الميول والمشاعر القومية، ناهيك عن الفروق بين القوميات والمساواة وحق تقرير المصير، متعارضة بالمطلق؛ تارة مع الأممية، وتارة أخرى مع الدفاع عن الوطن الاشتراكي، وثالثة مع مهام البناء الاشتراكي. …الخ. ووفق هذا الخلط المتعمد، جرى التعامل مع القضية القومية وتناقضاتها المختلفة .

إن الواقع العملي والتجربة الملموسة أثبتا، أن القضايا الكبرى لنضال البشرية، لا يمكن أخذها كما هي عند تعارضها مع قضايا ملموسة أخرى، أكثر قدرة على الحصر والتطبيق في ظروف معينة، وبالتالي من غير الجائز إخضاع كل قضية تواجه، أي سلطة أو حزب، أثناء النضال العملي، إلى قضايا أخرى، محددة في الشكل وعائمة في المضمون، كالهدف النهائي للمشروع الاشتراكي على سبيل المثال. ففي هذه الحالة، تصبح كل قضايا النضال عائمة وغامضة، ويصبح التجريب والموقف الذاتي للقيادة سيد الأحكام، كما يقال. وهذا ما أكدته التجربة العملية والأحداث والوقائع التي نتجت عنها، بعد وفاة لينين. وهذا الأمر لا يتعلق فقط بكيفية التعامل مع إشكاليات القضية القومية وتناقضاتها، بل مع كل المشاكل التي واجهت بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وغيره من البلدان التي سعت للإقتداء بالتجربة السوفيتية لبناء الاشتراكية .

و بناءً على الواقع الملموس الذي انتهت إليه التجربة السوفيتية، يدعي بعض أخر بأن المبادئ التي طرحها لينين للمحافظة على الاتحاد، باعتباره يشكل قوة كبيرة في مواجهة العدوان المتعدد الأشكال الذي تعرضت له الدولة السوفييتية الفتية من قبل الدول الاستعمارية بهدف القضاء على تجربة البناء الاشتراكي، هي السبب في إنهيار التجربة. إن هذا الاعتقاد لا يجانب الصواب كثيراً، حيث توجد نصوص وتوجيهات عديدة للينين، طالب فيها القوى الثورية ليس في روسيا فحسب بل في جميع أنحاء العالم، صيانة الاتحاد السوفييتي كدولة متعددة القوميات. وصحيح، أيضاً، إن القادة الذين خلفوه في قيادة الدولة والحزب، استغلوا توجيهاته لصيانة الاتحاد، لإعطاء انطباع للمواطنين بأنهم ينفذون المبادئ اللينينية لحل المسألة القومية . إن المحاججة أعلاه، تستند إلى وقائع كثيرة يمكن استشفافها من تجربة التعامل مع القضية القومية في الاتحاد السوفييتي، إلا إن الخلل فيها أنها تخلط بين الممارسة والنظرية، بين السياسة والفكر. وهذا هو لب التشوش الذي وقع فيه كثير من المفكرين والباحثين والسياسيين، بما فيهم العديد من أنصار الماركسية .

أن الحجج القائلة بفشل الحلول الماركسية للمسألة القومية، لا تصمد للمنطق، إذا وضعت على المحك العلمي، لأن أصحابها يخلطون بين الحقيقة وتوهم الحقيقة. فالحقيقة تؤكد على إن ما كان يطبق في الاتحاد السوفيت، وان إبتعد في بعض جوانبه عن المبادئ والنداءات والتوجيهات التي كان يطلقها لينين، الا أنه ساهم في تجاوز كثيرمن أشكال التعسف والتمييز القومي والديني الذي مورس ضد القوميات والمجموعات العرقية والدينية قبل ثورة أكتوبر، وكذلك القمع والإرهاب الذي جوبهت به التطلعات القومية، خاصة تلك التي تتعلق بالحقوق الثقافية. كما إن سيادة الدولة المركزية الشمولية، يتعارض بصورة مطلقة، مع المفهوم الماركسي الذي طوره لينين بعد ثورة اكتوبر، وكان موقفه، أي لينين، حازماً تجاه استخدام القوة ضد الحركة القومية الجورجية وقد أصر على تحميل ستالين المسؤولية عن أحداث العنف التي حدثت في جمهورية جو رجيا عام 1921.

ملاحظات ختامية :

• إن الحديث عن تطابق "الموديل" السوفيتي لبناء الاشتراكية مع النظرية الاشتراكية للتطور الاجتماعي، وهم مرفوض لأنه يعني ببساطة الاعتراف بان طريق التطور الرأسمالي هو الطريق الوحيد للتقدم الاجتماعي، وهذا الأمر مرفوض بصورة مطلقة، على ضوء التجربة المعاصرة للتطور الاجتماعي على الصيد العالمي، فعالم اليوم ليس عالم ما قبل ثورة أكتوبر، والتطور الاجتماعي لا يمكن أن يعود إلى الوراء، على صعيد عالمي وليس على صعيد قطري، وهذا ما يعترف به حتى أنصار التطور الرأسمالي أنفسهم. كما إنه يعني بإن على القوى المناضلة من أجل التقدم الاجتماعي أن تبحث عن طريق ثالث للتطور!

• لابد من الإقرار بأن الجمود العقائدي لا يتعلق بالممارسة فقط بل في النظرية، حيث أنصب جهد أغلبية المنظرين الماركسيين على إثبات صحة مقولات ماركس وانجلز ولينين وملاءمتها لكل زمان ومكان، بدلاً من اعتبارها ـ أي المقولات ـ أداة لتحليل الواقع، المتطور والمتجدد، بهدف التوصل إلى إجابات صحية لتعقيدات الواقع والتكهن بالاتجاهات اللاحقة لتطوره. إن هذا التخلف في تطوير النظرية الماركسية أدى إلى خلق فجوة، بين النظرية والواقع. وقد تعمقت هذه الفجوة بقدر تطور المعرفة البشرية، فالواقع الذي قال فيه ماركس فرضياته أصبح، بفضل التطور الهائل بالتكنولوجيا والإنتاج، من حكايات الماضي السحيق.

• إن من أهم الدروس التي ينبغي أن تؤخذ، بنظر الاعتبار، من قبل الحكومات والقوى السياسية في الدول المتعددة القوميات، أن لا القوة أو الأيديولوجية قادرة على التوصل لحلول دائمة وعادلة للقضية القومية، وهذا ما أكدته التجربتان الاشتراكية والرأسمالية، فنتائج التجربة الاشتراكية، التي ركزت على الأيديولوجية أكثر من اللازم في تحقيق المساواة بين القوميات أصبحت معروفة للجميع بعد الانهيار، وقضية ايرلندا الشمالية، تؤكد ما توصل إليه ماركس وانجلز من أن الرأسمالية لن تؤدي إلا إلى زيادة حدة الصراعات القومية والطائفية. ويكتسب هذا الاستنتاج أهمية خاصة، في الفترة الراهنة، التي تشهد تصاعد الخطاب، الديني الذي يطرح حلول غامضة لقضايا الأقليات القومية والدينية في الدول العربية والإسلامية، حلول تتعكز على " الأخوة الإسلامية " و " الوحدة الدينية ".

• إن سعي قوى اليسار، في الظروف الراهنة، للاستفادة من المبادئ التي طرحتها الماركسية لإيجاد الحلول للقضية القومية، هو جزء من النضال الوطني الديمقراطي العام للمجتمع؛ وهو يتطور تبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية للبلد المعني، إضافة لتأثيرات العوامل الخارجية، الإقليمية والدولية. وبناءً على ذلك فإنه يتخذ صيغا عديدة تبعا للحالة الملموسة وليس تبعاً للوصفات الجاهزة .

• وبسبب الحاجة للاستفادة العملية، في ظروفنا الراهنة، من دروس التجربة السوفيتية في مجال حل القضايا القومية التي تواجه الشعوب العربية، خاصة عندما تختار القوميات المعرضة للاضطهاد شكلاً محدداً من العلاقة مع القوميات الرئيسية، في ظروف تاريخية معينة. ومن أجل أن يكون الموقف الماركسي أكثر وضوحاً، ينبغي أن تتم إعادة النظر بالاشتراطات والقيود والأفكار التي استخدمت لربط الحل الماركسي للقضية القومية بالهدف النهائي للمشروع الاشتراكي، لصالح فك هذا الارتباط. فصحيح أن الأيديولوجية الماركسية، أيديولوجية ذات أهداف عالمية وتبعاً لذلك لها مصالح "عامة، عالمية وأممية " لكن الوقائع وتطور الأحداث التي أدت للانهيار أكدت، بشكل لا لبس فيه، أن تحقيق الأهداف الكبرى للبشرية، يحتاج إلى وقت طويل جدا.

وأخيراً تلعب التأثيرات الإقليمية الناتجة عن التداخل القومي، الناجم عن انشطار بعض القوميات في أكثر من بلد، عواملا مساعدة لتبرير التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لكثير من دول منطقة الشرق الأوسط وغيرها من الدول النامية. إن ذلك يشكل مخاطرا جدية على الوحدة الجغرافية والسياسية، ويمكن أن يؤدي إلى تفكك هذه البلدان، خاصة وإن الدول الرأسمالية، تستغل تعنت الأنظمة الاستبدادية، المتمثل في رفض إيجاد حلول تلبي الحقوق المشروعة للأقليات القومية، لاختراق السيادة الوطنية تحت تبريرات " التدخل الإنساني " وما حدث ليوغسلافيا السابقة، يبرر هذه المخاوف.

 

د. فاخر جاسم

....................

 ** أغلب النصوص الواردة أخذت من لينين، مسائل السياسة القومية والأممية البروليتارية، دار التقدم، موسكو 1969

 

 

haytham alqaimدائماً ما تُطرح هذه الأشكالية بين فريقين .. فريق المتديّنين وفريق غير المتديّنين .. وبينهما فريق متنوّع من بعض المثقفين والكتاب والناس العاديين، تجدهُ متأرجح بين هذا الفريق أو ذاك ..!

ويجري الجدال تحت عنوان رئيسي: ماهو مصدر الأخلاق ..؟ فريق يقول الدين مصدر الأخلاق ولولاه (لخربت الدنيا) وعاش المجتمع بلا ضوابط أخلاقية وبالتالي سيحّل الفساد والتعرّي والأعتداءات الجنسية والأغتصابات وما ألى ذلك ..! والفريق الآخر ينتفض ويُحاجج بقوة بأن الأخلاق وجِدت قبل الأديان ..!

سأتناول هذا الموضوع بشكل مُبسّـط بعيداً عن الطروحات الفلسفية وآراء أفلاطون أو سقراط أو أبن خلدون وديكارت ونيتشة أو دوركهايم .. وما شابهَهم من المفكرين الكبار، حتى لا نُـعقّد الموضوع على القارئ الكريم ..!

-----

الملامح الأولية لفكرة (الأخلاق) بدأت مع الأنسان القديم قبل حوالي عشرة آلاف سنة .. لكن لأنهُ لم يكن هناك تدوين وكتابة، وصلتنا المعلومات من أنسان قبل حوالي خمسة آلاف سنة .. أي قبل ظهور الأديان وبالخصوص الأديان الأبراهيمية (اليهودية / المسيحية / الأسلام) ..!

بدأ الأنسان القديم يتحسَّـس بفطرتهِ وشعورهِ الداخلي أن هناك شئ خطأ وشئ صح .. أو شئ مَحمود وشئ مَكروه .. ووصل الى قناعة يقينية أن القتل مثلاً هو شئ خطأ ومكروه .. وأن السرقة عمل خاطئ .. وأن رعاية الأبوين شئ صح ومَحمود .. أو مساعدة الآخرين شئ حَسِن ومَحمود .. وهكذا باقي السلوكيات البدائية الأخرى ..!

فبدأ يتشكّل في هذه المرحلة (الضمير) عند الأنسان، وهو هنا الضمير الشخصي للفرد، حينَ حصَلَ فرز نفسي في داخلهِ أن هذا السلوك الفلاني صحيح ومرغوب وأن ذاك العمل الفلاني مكروه وخطأ، بالطبع دون أن يكون حينها أي عقوبات أو روادع سوى ذاتهُ الخاصة ..!

و حين خرجَ هذا الأنسان من كهوفهِ ومجالهِ المحدود بعدد الأفراد الذين يعيش معهم .. الى التفاعل مع الجماعة نتيجة الأستقرار قرب مصادر المياه كالبحيرات والأنهار والعمل بالزراعة، كان (ضميرهُ) الفردي قد وضعَ الأساس الأوّل لمنظومة الأخلاق .. وعندما بدأت علاقته بالأخر خارج نطاق العدد الضيّق الذي بدأ به، بدأت تعاملاتهِ تتسّع نتيجة تنوّع الأنشطة المُستحدَثة من الأستقرار والزراعة ونموّ فعالية تدجين الحيوانات وتربيتها .. وما أحدَثـتهُ هذا الأنشطة من توفّر (ثروة فائضة) كان لابد أن يتصرّف بها سواء بطريقة الأقراض للأخر أو التخزين، فبرزت في حياتهِ تعاملات جديدة كالديون والتبادل السلعي والمُقايضة والمشاركة مع الآخر في أعمال مشتركة ..ألخ أنتقلت ملامح (ضميرهُ) الشخصي بكل ما ترسّـبَ فيه مِن مفاهيم مبسّطة عن (الأخلاق) الى ما نستطيع تسميتهُ (الضمير الجمعي) أي للجماعة .. هذه الأرضية أسّـسَـت لمنظومة أخلاقية بسيطة تعارَفَ عليها الناس في حينها دون توثيق أو عقد أو قانون أو منظومة حلال وحرام يُحاسب بموجبها المُخطئ أو المُعتدي أو الظالم .. بل أصبحَ أَشبَـه ما يكون بالعُرف الأجتماعي الذي يستنكر ويرفض السلوك الخطأ ويستحسن السلوك الجيّد ..!

يقول العالم الأمريكي والباحث في التاريخ (هنري بريستد) في كتابهِ (فجر الضمير) : وجدتُ برديّـة مصرية قديمة يعود تاريخها الى حوالي خمسة آلاف سنة مكتوب عليها نصاً : (كنتُ أفعل ما هو ممدوح وأتـجنَّـب ماهو مكروه ..!).. كذلك نجد في مسلّة حمورابي قبل ثلاثة آلاف وسبعمائة سنة من الأن .. أحدى المواد ألـ (282) مادة في المسلّـة تقول ما نصُّـه : (لو رجل ضرَبَ إمرأه حامل وبسبب ضربه لها مات الجنين فى بطنها، تُـقـتل بنت الرجل اللى ضرَب .. كتخليص لنار الامرأة الحامل ..!) .

نشأة الضمير عند الأنسان البدائي .. أدّت بدورها الى نشوء فكرة العُرف المجتمعي .. وبدورها أسّـسَـت لفكرة العدالة .. وفكرة العدالة تبلوَرت بالنتيجة الى قانون، نتيجة الحاجة الى عملية ضبط أجتماعي لسلوكيات الأفراد وعلاقـة الفرد بالفرد والفرد بالسلطة ..!

-----

سأتناول هنا جزئيّة واحدة من حياتنا الحاليّة لكنها مهمة في الرؤية لموضوعة الأخلاق، وأيضاً بعيداً عن التنظير الفلسفي ..! يحصل عند الكثيرين خلط في الرؤية لموضوعة الأخلاق وخصوصاً عند المتديّنين، أذ حين تُطرَح قضية الأخلاق ينصرف ذهنهم مباشرة الى (موضوع الجنس والتعرّي والأباحيّة) وكأن مفهوم الأخلاق ينحصر فقط في هذه النقطة، وهي ليست كذلك بالطبع ..!

ومن هذا الخلط أيضاً هناك مفارقـة معرفية من الضروري الأشارة لها .. أذ حين يجري النظر للبُعد الأخلاقي لمجتمع ما غير مجتمعنا، نقوم بتقييم ذلك المجتمع وفقاً لمعاييرنا وقياساتنا الأخلاقية .. وهذا خطأ جسيم لأنهُ لا يمكنني تقييم أخلاقيات المجتمع الدانماركي مثلاً بمسطرة ومعايير أخلاقيات المجتمع العراقي ..! فذاك مجتمع رسمَ لـنفسهِ منظومة أخلاقية توافق المجتمع عليها وأرتضاها الفرد الدانماركي .. وهنا منظومة أخلاقية أخرى تختلف تَعارفَ عليها المجتمع والفرد العراقي ..!!

يمكننا تقسيم القيـَم الأخلاقـية الى نوعين أو مُستويين:

- مستوى ثابت تشترك به جميع المجتمعات البشرية من الشرق الى الـغرب ومن الشمال الى الجنوب .. أي هناك قيم أخلاقـية أصبحت من صُـلب صفات البشر الأسوياء والطبيعيين، كالصدق، والنزاهـة، والعدل، والأمانـة، والشهامـة، والـنظافـة، ورفض الظـُلم ..ألخ أذ لا يمكن أن تجد شخصاً واحداً في العالم يقول لك : أن الصدق مثلاً قيمة أخلاقية سيّـئة أو أن صفة الأمانة صفة مذمومة ..!

هذه القيَم طـَرَحها الفكر البشري عِـبر مسيرتـهِ قبل الأديان .. ثم جاءت الأديان ومنها الأسلام لـتؤكـّـد في جوهـر رسالاتـها على عددٍ منها .. وفي الحقيقة لا تكاد تخلـوا منها أو بعضها أي نظرية أخلاقية أو فلسـفة أو دين ...!!

- مستوى مُتحرّك، نسبي، مُتغـيّر .. يعتمد على طبيعة المجتمعات، ونوعـية الموروث الأجتماعي والأعـراف والمفاهيم السائدة في كل مجتمع وطبيعة الرؤية للعلاقة بين الأفراد وبين الأفراد والسلطة ..! مثل النظرة الى المرأة، مُفردات السلوك المجتمعي اليومي كأحترام النظام والأنتظام في المُراجعات لدوائر الدولة، قيَم الشرف أو مفهوم الشرف، العلاقات الـبيـنيّة بين الأفراد كالأحترام أو الشتائم ..! القيم العشائرية، أحترام الرأي المختلف، والشجاعـة في قول الحق، أو أحترام العمل والوقت، أو القيم الدينية السائدة .. ألخ .

هـذه القيم تختلف من مجتمع لآخـر .. وما هو مقبول منها في مجتمع ما .. تجدهُ غير مقبول أو غير موجود في مجتمع آخـر .. كذلك في المجتمع الواحد نفسهُ قد تتغيّر بمرور الزمن لتصبح مرفوضة أو مقبولة في فترة زمنية أخرى ..!

فمثلاً قـيَم الفصل العشائري والنهوة تختفي وتعود في مجتمعنا لتصبح شيئ مُعتاد .. لكـنّها مرفوضة ومُـستهجنة في مجتمعات أخـرى .. أو مفهوم الشرف في مجتمعنا الـذي يرتبط بـعـفـّـة المرأة .. أي أن الرجل والعائلـة والعشيرة يرتبط شرفهم بـعـفـّة نسائهم .. بينما في مجتمعات أخـرى لكل فرد شرفـهُ الشخصي الخاص بـه سواء رجل أم امرأة، والذي لا يعتمد على العفّة .. بل على مدى أقترابهِ أو بُـعدهِ عن المستوى الأوّل من القيَم الثابتة التي وردَت أعلاه .. أي أن الصدق أو النزاهة مثلاً هي معيار الشرف هناك، بغضّ النظر عن السلوك الجنسي للفرد أو نوعية ملابس المرأة ..!

 

هيثم القيّم

 

 

sadiq alsamaraiأصل كلمة خُرافة أنها إسم رجل من عُذرة إستهوته الجِن فكان يُحدّث بما رأى فكذبوه وقالوا: حديث خُرافة!!

الخُرافة جمعها خُرافات وتعني الحديث الباطل مطلقا.

والخُرافة الحديث المستملح من الكذب.

صوتُ ما فينا أتاهُ فِعلنا         فبها الأفعالُ يُفشى فِكرنا

المجتمعات الحية المتقدمة التي صنعت الحياة وأدركت قيمة العقل ودوره في تحقيق الصيرورات الإنسانية الكبرى، هي التي عبّرت عن قدراتها بالإقتراب العقلي والمنطقي من حياتها، فوضعت خرافاتها وتصوراتها تحت أضواء العقل والسؤال، الذي يبحث عن جواب واضح ودقيق، بعيدا عن التضليل والتشويه.

والمجتمعات المتأخرة تأخّرت لأنها مأسورة بموروث الخرافة، وما بُنيَ عليها من رؤى وتهيؤات ترمي لإستعباد الناس، وعقر عقولهم، ومصادرة حريتهم وحقوقهم الطبيعية، لتحقيق مصالح فئة معينة من الآخرين، الذين يستثمرون في مستنقعات الغفلة والجهل والتضليل.

ولا بد للمجتمعات المتأخرة  أن تتعلم مهارات التقدم، وتستحضر أسباب القوة والأمل، وتخرج من معاقل البهتان، وذلك بوضعها لِما في حياتها تحت مجهر التساؤل الرشيد والتوضيح العلمي الدقيق، الذي يبني صورة الحاضر ويؤكد مسارات المستقبل المنطلق من العالم المتنور، وليس المزيّن بالظلام والعَمَه ِفي قيعان الآبار.

فكرةٌ جارت وأخرى تشتكي                  وعليلُ الرأي داءٌ عندنا

فالمجتمعات المتقدمة لم تتعلم لو أنها رضخت لخرافات الماضي وعقليات التراخي، وعدم القدرة على البحث بالأسباب، والإتيان بالبرهان والمواد اللازمة لبناء عمارة الحياة، وتحقيق دور الإنسان وتأكيد وجوده في مسيرة صيرورتها، وفعلها المتطلع إلى ما هو صحيح وفعّال لإنطلاق الخطوات الحضارية، وشدّ الأجيال إلى مسيرة الإبداع والتجديد.

وبهذا التوجه الحضاري المتقدم، إستطاعت المجتمعات المتنورة أن تؤكد قوتها وتطلق طاقاتها وتعبّر عن نفسها وتترجم أفكارها، وتمضي في مسيرة البناء والإرتقاء المتنامي.

وعليه فأن من واجبنا أن نضع ما نراه  تحت أضواء العقل، ونتساءل عن مدى صحته وصلاحيته للحياة والتقدم والقوة والبناء .

وبما أن العالم المعاصر يوفر لنا أدوات القياس والفهم والتقدير، فيمكننا النظر لكل خرافة وسلوك وتقليد وعادة في حياتنا، ونقايسها ونناظرها، ونبحث عن عقلانيتها وحكمتها وفائدتها الإجتماعية والإنسانية، ونقرر مدى صحتها وجدارتها للبقاء والتواصل، أو للغياب والإنقراض.

يا خرافاتَ الزمانِ المُنتهي             قد كفانا ما جَناهُ جَهلنا                             

فالتقدم لا يكون إذا لم يتحرر الإنسان من أسر الخرافات، التي تقيّد تفكيره وتمنع صيرورته، وتدفع به إلى حيث لا يكون.

وفي مجتمعاتنا العديد من التصورات الخرافية والتصورات اللامعقولة والمؤذية، والتي علينا أن نقيسها ونزنها ونحللها ونستقصي جذورها ودوافعها، ونرى قيمتها وأهميتها، أو ضررها وسذاجتها ونهايتها .

ولنتساءل عن جوهر الأشياء، ولا نأخذها على علاتها، وإنما نسعى لتعزيزها  عندما تتوفر  الأسباب الكفيلة ببقائها، وإن إنتفت فعليها أن تختفي.

بمعنى أن تكون مدعومة بمسوغات منطقية وحقائق ضرورية لتحقيق القيمة والدور، وإلا  فما علينا إلا أن نتحرر منها ونتفاعل مع الحياة بدونها بفعل ونظر جديد، يؤسس لمعاني مسيرتنا الصاعدة فيها.

فهل يا ترى سنرتقي إلى عقولنا أم نبقى غاطسين في مستنقعات خرافاتنا، وأحواض البهتان المَروية بالضلال والخسران؟

فالإنقياد لما هو شائع دون العقل والتحليل والنظر، مأساة إجتماعية  ذات تداعيات خطيرة على أي مجتمع بشري .

لأننا ندرك الأشياء وفقا لما زرعه ذلك الشيوع في أعماقنا من صياغات شكلية، وإستجابات جاهزة ذات تأثيرات مناهضة لمسيرتنا وأسباب تقدمنا وبقائنا.

والشائع يبني عمارته في عقولنا ويمنعنا من التفكير والنظر الإنساني الواعي، مما يحجب عنا الإقتراب المفيد من الحياة، ويوفر أسباب الكسل والتراخي والدخول في نفق الخراب.  

 

د. صادق السامرائي

 

 

mutham aljanabi2 (الى فارس، الذي لم أر في حياتي أكثر فروسية منه)

لقد مر قرن من الزمن على احداث الثورة البلشفية في روسيا، وما ترتب عليها من آثار ومآثر وانجازات وهزائم، الا انها مازالت تشتعل وتخفت في الضمير والعقل اليساري بشكل عام والشيوعي بكل خاص. فقد كان الانقلاب البلشفي هائلا من حيث اثره وصداه ومجريات القرن العشرين ككل، الا انها اخذت في الزوال والتلاشي. والعودة اليها، بما في ذلك في مجال الفكر النظري والسياسي، من وجهة نظري،لا يتعدى العبرة التاريخية فقط لما فيها وما آلت اليه. فهي غير قابلة للاصلاح والتجديد والانبعاث، شأن كل ما يموت. والشيئ الوحيد المتبقي هو وهج الروح الثوري واليساري. وهذا لا يكفي لتأمل المستقبل.

ان المصطلحات الكبرى تعكس كبر الظاهرة وأثرها ولحد ما طابعها الدرامي. وفيما يخص ثورة أكتوبر، فأنها بدأت بعنوان الانقلاب البلشفي لارتباطه بدور البلاشفة فيها، ثم ثورة أكتوبر لتمييزها عن ثورة شباط من نفس العام، ثم ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى بعد ان تحول الاتحاد السوفيتي إلى قوة عظمى في مواجهة النظام الرأسمالي والامبريالية الأوربية والأمريكية.

فقد كانت بدايتها ونهايتها مثيرة للدهشة السياسية والفكرية والفلسفية، لكن وهجها الأيديولوجي ما زال مستمرا رغم خفوته الكبير. فمن حيث أثرها التاريخي تشبه الثورة الفرنسية الكبرى وتضاهيها من حيث وهجها السياسي. ولكل منهما مساره وخاتمته، ومن ثم أثره التاريخي. وفي كل منهما إشكاليات لا تحصى. وقد تكون ثورة أكتوبر ونهايتها إحدى اشد الإشكاليات تعقيدا للقرن العشرين، حيث ما زلنا نلمس أثرها السلبي والايجابي على النطاق العالمي لحد الآن. أما بالنسبة لروسيا فهي جزء من تجربتها التاريخية التي لم تحسم فيها لحد الآن لا قضية الانتماء القومي الثقافي ولا طبيعة النظام السياسي. وهذه قضية عانى ويعاني منها الفكر الفلسفي والسياسي الروسي منذ زمن ظهور كتاب (روسيا وأوربا) لدانيليفسكي عام 1871 ومرورا بصعود التيار السلافي والفلسفة الدينية الروسية والفكرة الاوروآسيوية ولحد الآن.

وسوف اكتفي هنا بتحليل فكرة الثورة والإصلاح في روسيا، باعتبارها القضية الجوهرية في المسار التاريخي لثورة أكتوبر والعقدة التي لم تحلها روسيا على امتداد تاريخها الحديث.

اشكالية الثورة والاصلاح

عندما تبلغ الثقافة قناعتها الخاصة عن المثال، فان ذلك يفترض معاناتها إياه في العلم والعمل. وهي معاناة تبدع  تصوراتها عن الواجب أو عما ينبغي القيام به، ويستحيل بلوغه دون النزعة الانتقادية للفكر ودون فرضياته الكبرى.

إذا كان الفكر الروسي المتمثل لقيم المثال الأسمى قد بلغ قناعته الخاصة عن ضرورة الثورة بالنسبة للإصلاح، فان نزعته الانتقادية اللاذعة تجاه الواقع وفرضياته الكبرى عن الواجب بقت في الأغلب أسيرة المواجهات الفردية والجزئية مع النظام القائم. فالفكر الروسي لم يرتفع في نقده وفرضياته إلى مستوى الرؤية المنظومية، ولم يستطع بلورة وصياغة فلسفته السياسية. وهو السر القائم وراء الاندفاعة المتحمسة للفكر الديمقراطي الثوري صوب الهيغلية اليسارية أولا والماركسية لاحقا. بحيث جعل لينين يتكلم في وقت لاحق عن المعاناة الروسية في  انتظارها للماركسية. لم يقصد العثور المفاجئ عليها كما لو أنها الهبة المرسلة من سماء التاريخ الأوربي إلى أراضي روسيا الشاسعة، بقدر ما كان يعني استجابة الماركسية للعناصر النقدية والفرضيات المتراكمة في التاريخ الروسي بشكل عام والثوري الديمقراطي منه بشكل خاص. وليس مصادفة أن يتكلم لينين أحيانا عن "المصير التاريخي" للماركسية في روسيا.

لم تعن مطابقته بين معاناة الوعي الثوري الروسي في بحثه عن "مرشد عمل" وبين العثور عليه في الماركسية سوى إدراك قيمة الماركسية بالنسبة للحرية  الاجتماعية الحقيقية. فقد كانت الحرية معضلة روسيا القيصرية ومعضلة الماركسية أيضا، بمعنى انعدامها في الأولى و"غائيتها" في الثانية. وهي فكرة أكد عليها لينين منذ بواكير أعماله النظرية ونشاطه السياسي. فهو يشير في إحدى مقالاته إلى أن روسيا المتحررة من الاضطهاد الطبقي والقومي هي مقدمة تحرير أوربا نفسها من رجعيتها وحروبها الدائمة.

ومن الممكن القول بان الوعي الروسي الثوري قد تمرس في قبوله نتاجات الفلسفة "الكلاسيكية الألمانية" ابتدأ من كانط وانتهاء بفيورباخ  مرورا بهيغل. وبما أن المنطق الهيغلي يفترض بلوغ ملكوت الحرية في مجرى تعمق وعي الذات،  فقد اصبح  من الممكن إنزال هذا الملكوت إلى أرض الصراع الطبقي المباشر وإعلانه أسلوبا لبلوغ الحرية الحقيقية. وهذه الفكرة التي شكلت عصب الصيرورة الماركسية وروحها الفعال ابتداء من إشكاليات الاغتراب والفعل حتى حتمية الانتقال إلى الشيوعية وضمور السلطة القهرية (أو الدولة بالمعنى التقليدي للكلمة). بهذا المعنى كان "اكتشاف" الماركسية في مجرى المعاناة الثورية الروسية النتاج "الطبيعي" لالتقاء الجهود العلمية (النظرية) والعملية الروسية في البحث عن النموذج الواقعي والمثالي للحرية.

إن "اكتشاف" الماركسية في روسيا كان يعني بناء صيغتها الروسية. فالماركسية الروسية لم تكن تقليدا أجوف ولا معاناة مغامرة، بل نموا تلقائيا للوعي الثوري الروسي في سعيه للتحرر من القهر والاضطهاد القيصري. من هنا فان تحسس وإدراك الالتقاء التاريخي والروحي بين الماركسية والديمقراطية الثورية يخدم  مزاج الرؤية الثورية في بحثها عن "عقيدة الخلاص" وتأسيسها النظري السياسي لتفعيل هذه العقيدة في "الروح الجماعي" الروسي.

لهذا لم  يجد لينين في الماركسية "عقيدة خلاص"، بل "مرشد عمل". وهو تباين يتجاوز حد العبارة إلى أسلوب الرؤية والفعل. من هنا تشديده في بواكير أعماله النظرية، على انه لا يوجد ماركسي في روسيا يشترط إلزامية الرأسمالية فيها لأنها موجودة  في الغرب، او  يرى  في آراء ماركس مخططا فلسفيا - تاريخيا ملزما للجميع، او اكثر من نظرية تخدم مواقف الاشتراكية الديمقراطية ورؤيتها للواقع التاريخي الروسي. لان الجوهري هو كيفية تطبيق آراء ماركس في الواقع الروسي. وذلك ما جعل لينين يشدد على أن شروط الإبداع الفكري والسياسي للمثقفين الروس يكمن في بحثهم الجاد والمتعمق في روسيا الواقعية لا روسيا المرغوب فيها، روسيا الواقعية لا المثالية.  ذلك  يعني أن الجوهري في الماركسية ليس خطتها المجردة ولا حتى أحكامها الملموسة، بل منطقها وماهيتها (العلم والديالكتيك). ولا تعني هذه الأفكار في مضمونها التاريخي سوى المساهمة النظرية في تعميق الرؤية الثورية  للتراث الديمقراطي الروسي من خلال تفعيل نقدية الماركسية وفرضياتها المنظومية.  فقد استجابت الماركسية كنظرية وحّدت في ذاتها النزعة النقدية والفرضية المنظومية، لنزوع الديمقراطية الثورية الروسية في بحثها التاريخي عن الحلقة المكملة لسلسلة فلسفتها السياسية.  لهذا جعل لينين من شرط الإبداع النظري الثوري الروسي سبيله إلى دراسة الأشكال الواقعية الاجتماعية الاقتصادية كاشفا حتمية الاستغلال ومآسيه في ظل سيادة الرأسمالية، وكذلك تفعيل الرؤية العملية الكفاحية.

إن انتظار الماركسية كان يعني أيضا استعداد روسيا المادي والروحي لتأسيس رؤيتها التاريخية والسياسية عن ضرورة البديل الاجتماعي الشامل. لهذا كان ارتقاء الديمقراطية الثورية صوب الاشتراكية الديمقراطية نتيجة لازمة لنضوج الوعي التاريخي الثوري، لا نتيجة للأهواء العابرة.  بمعنى تصّير الديمقراطي الثوري  ديمقراطيا اشتراكيا، وأن تكون ثوريا يعني أن تكون اشتراكيا. وهو ادراك استعاد تقاليد الثورية الروسية بالشكل الذي جعل من تفعيلها السياسي في نهاية القرن التاسع عشر- بداية القرن العشرين، المهمة الأولى للاشتراكية الديمقراطية.  من هنا توكيد لينين على أن الماركسيين الروس بالاختلاف عن اشتراكيي الماضي لم يكتفوا بالإشارة إلى واقع الاستغلال، بل وحاولوا تفسيره، ولم يقفوا عند هذا الحد بل واكتشفوا الطبقة التي يمكن أن يوجهوا اهتمامهم إليها من اجل تثوير وعيها الذاتي لقيادة التحولات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية الشاملة. وهي المهمة التي استلزمت في ظروف روسيا، كما يقول لينين، تحويل الطبقة العاملة إلى ممثل للفئات المستضعفة عبر رفع  نضالها من حضيض الفتن وردود الأفعال الجزئية إلى مستوى النشاط السياسي المنظم، باعتبارها المهمة الأساسية للاشتراكية الديمقراطية الروسية.  وأن بلوغ الحركة الاشتراكية الديمقراطية في رؤيتها النظرية والسياسية درجة تمثيلها للمصالح الجذرية للطبقة العاملة والكادحين هو الذي يمنحها إمكانية السير صوب الثورة الاشتراكية، كما هو جلي في كتابه (ما العمل؟).

مّثل كتاب لينين (ما العمل؟) من الناحية الرمزية انتقالا صريحا من تاريخ الفتن وردود الأفعال الديمقراطية المتحمسة إلى نظام الرؤية السياسية. أي الانتقال  من تذبذب "النفس الروسية"  بين "من المذنب" و"ما العمل؟" إلى وحدتهما الفعالة بالنسبة لتفسير الواقع وتغييره.  فقد كان (ما العمل؟) اللينيني الاستكمال السياسي للروح الأدبي (الديمقراطي الثوري) المتجمع في غضون قرن كامل من المعاناة الحقيقية في مختلف ميادين الصراع والإبداع. وأشار لينين في (ما العمل؟) إلى روسيا الظلامية،القمعية، الرجعية، المتخلفة نهاية القرن التاسع عشر. وهي المرحلة التي استنفدت فيها الديمقراطية الثورية رصيدها الخطابي. مما جعل من تغلغل الماركسية في الأدب الثوري والنظري العلمي، الظاهرة الأكثر  شيوعا وانتشارا. وأشار أيضا إلى أن الكتاب الماركسي أصبح الأكثر نفوقا في روسيا، والنظرية الماركسية أصبحت الأكثر انتشارا بين الخواص والعوام (النخبة والجماهير).

واصبح من الممكن الحديث عن ماركسية علنية وماركسية اقتصادية وماركسية مبتذلة وماركسية انتهازية وماركسية تحريفية وغيرها. إذ أنها أصبحت الكيان الجامع لتجليات السياسة المتنوعة في مراحل الصراع الحادة. وكشفت بذلك عن أن رواجها لم يكن صدفة بقدر ما كان استجابة للكل الثوري المتبلور في تنوع المدارس والفرق والمذاهب والعقائد والأحزاب والجمعيات في روسيا ما قبل الثورة.

أما الوحدة المتناقضة لرواج الماركسية وتنوعها، ضرورتها في مساعي الحرية و"انحرافاتها" العديدة، فأنها تعكس إشكالية البحث عن النماذج الواقعية للبديل الإصلاحي الشامل. وقد أصاب لينين عندما أكد على أن المبادئ التحررية للماركسية وبراهينها العلمية على ضرورة تصفية الاستغلال، كخطوة لبلوغ الحرية الإنسانية هي التي جعلت من خطواتها في كل مجال ميدانا للمعارك. ولم يكن ذلك ناتجا عن ضغط الرؤية المتبلورة في مجرى قرن من المعاناة الروسية في البحث عن المثال والواجب فحسب، بل وبفعل الانتقال التاريخي للديمقراطية الثورية نفسها إلى مصاف الاشتراكية الديمقراطية.  لقد قادت هذه العملية إلى تكون التيار الثوري الاشتراكي بوصفه توليفا روسيا لتقاليد الديمقراطية الثورية والاشتراكية الديمقراطية، ومن ثم تحول الاشتراكية الديمقراطية (الروسية) إلى الممثل الأكثر تجانسا للحركة الديمقراطية الروسية ككل.

إن مطابقة الثوري مع الاشتراكي، والاشتراكي مع الثوري جعلت من تيارات "الإصلاحية" الأخرى، بنظر الاشتراكية الديمقراطية الروسية (البلشفية منها بالأخص)، مجرد حركات ليبرالية برجوازية نشأت على أطراف التيار الأصيل للحركة التقدمية الروسية.  مما حدد حتمية الصراع معها، وميز التاريخ السياسي الروسي حتى الثورة، عبر صراع الاشتراكية الديمقراطية مع التيار الليبرالي.

وإذا كان هذا الصراع السياسي قد اتخذ في بداية الأمر صيغة الصراع النظري مع "الماركسية العلنية" ثم الشعبية ثم "الاقتصادية" و"التحريفية" و"الانتهازية" وغيرها، فانه أدى في ميدان الفعل السياسي إلى تركزه في مجال التعارض التام بين الرؤية الثورية والرؤية الليبرالية البرجوازية في المواقف من إصلاح روسيا. وهو صراع اتخذ في بداية الأمر صيغة "تنقية" الرؤية الماركسية نفسها والحفاظ على ثوريتها. وافلح هذا الصراع في غضون ثلاثة عقود (قبل الثورة) على تذليل مختلف الماركسيات العلنية والتحريفية والانتهازية، التي كانت تهدف إلى البقاء في حيز الجزئية (كالماركسية العلنية) وتمييع فكرة الصراع الطبقي (كالتحريفية الكاوتسكية) وإلغاء جوهرية الهدف النهائي (كالانتهازية البرنشتينية). وهو صراع أدى إلى  بلورت البلشفية، باعتبارها التيار الأكثر تجانسا مع السياسة الثورية في رؤية الوسائل والغايات.

فالصراع مع الماركسية العلنية والكاوتسكية أدى إلى دمج الفكرة القائلة بجوهرية الصراع الطبقي وشمولها العقائدي في المواقف السياسية والآراء النظرية لكل جوانب الوجود الاجتماعي.  في حين أدى الصراع مع البرنشتينية وأفكارها عن جوهرية الحركة لا الهدف النهائي، إلى توكيد وحدة الحركة والغاية. إذ لا يعني إهمال الهدف سوى الإرجاء الدائم للاشتراكية. بينما لا طريق (أو وسيلة) إلى الاشتراكية إلا بالصراع الطبقي، الذي يفترض  ضرورة الثورة. وهي الحصيلة التي حالما جرى تثبيتها في المبادئ الكبرى للبلشفية ( باعتبارها التيار الديمقراطي الاشتراكي الروسي الأكثر فاعلية قبل الثورة) ، فأنها أدت إلى تركيز مواجهاتها السياسية الفكرية ضد التيارات البرجوازية بشكل عام والليبرالية منها بالأخص.

وليس مصادفة أن يرى لينين في التيارات التحريفية والانتهازية في الحركة الاشتراكية الديمقراطية (الأوربية والروسية) تعبيرا عن "أثر ومآثر" الليبرالية البرجوازية. وهذا ما جعله يشدد على أن تاريخ الماركسية بشكل عام (وفي روسيا بشكل خاص) هو تاريخ الصراع ضد الليبرالية البرجوازية في طروحاتها المتنوعة الهادفة إلى تمييع الصراع الطبقي وإلغاء ضرورة الثورة. لان ما تجتمع عليه الاتجاهات الليبرالية هو تنظيرها وعملها الهادف إلى عزل مفاهيم وممارسات الديمقراطية والاقتراع العام وإرادة الأغلبية والدولة عن مفهوم الطبقات والطبقية.

بينما كان مثال الديمقراطية الثورية الروسية والاشتراكية الديمقراطية هو التغيير الشامل للنظام القائم (القيصري). وهي الفكرة التي وضعها لينين في أبحاثه وبراهينه العديدة، حتى في فكرته القائلة بان المرء لا يمكنه أن يكون ثوريا ديمقراطيا في القرن العشرين، في حالة خوفه من السير صوب الاشتراكية. وقد حددت هذه النتيجة الموقف النهائي من تاريخ الإصلاحيات السابقة ككل.

وضعت الماركسية البلشفية فكرة الإصلاح ضمن مفاهيم الثورة، وجعلت من الثورة القابلة الضرورية للتاريخ، والقوة التي ينبغي أن تتخطى عقبات التاريخ الواقعي بنقله إلى أسلوب جديد في الملكية يحدد بدوره مضمون التحولات الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية والثقافية ككل. ذلك يعني، أن الإصلاح الحق حسب نظر البلشفية هو الإصلاح الشامل، الذي يفترض مشروعية الثورة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على أنسنة العلاقات الاجتماعية بالقضاء على الاستغلال الطبقي، وبلوغ ملكوت الحرية.

غير أن بلوغ الحرية الحقيقية والبقاء في إمكاناتها ليس تقنينا شبيها بما في الطوباويات القديمة وتخطيطاتها الشكلانية، بل هو الذروة التي يفترضها "منطق" التاريخ وتناقضات قواه المنتجة وعلاقاته الإنتاجية. بهذا المعنى فان الثورة إصلاح، كما أن الإصلاح ثورة. أما توليفهما العملي فيمكن أن يتخذ أشكالا يصعب حصرها مسبقا، مما فسح المجال أمام اللينينية لان تصوغ نظريا إمكانية الثورة السلمية والعنفية،  باعتبار أن ذلك لا يمس من حيث الجوهر إلا الأسلوب فقط. وإذا كان للأسلوب أثر في كيفية تفتح القوى الكامنة في الثورة، فان ذلك مرهون "بصدف" التاريخ وكيفية تجمع عقده المتناقضة لا بالرغبة الجامحة في كسر طوق التاريخ بالعبور إلى ما وراءه. إذ لم تعن الفكرة الماركسية عن تذليل التاريخ سوى القضاء على مقدمات صراعاته المقيدة بالملكية الخاصة. ومن ثم ليس "التاريخ الحقيقي" سوى الإمكانية اللامحدودة في الحرية.

الماركسية الينينة - الثورة والاصلاح

لقد شكلت فكرة التاريخ الحقيقي والحرية المتراكمة في الرؤية الماركسية منذ إرهاصاتها الفلسفية الأولى مرورا بالبيان الشيوعي وانتهاء بالرأسمال، المقدمة النظرية الكامنة للثورة الشاملة باعتبارها إصلاحا، وللإصلاح باعتباره ثورة دائمة. وإذا كانت الثورة الشاملة قد اتخذت في بادئ الأمر صيغة الثورة العالمية، بينما اتخذت الثورة الدائمة صيغة الفعل المتوجه صوب "التاريخ الحقيقي"، فان التجسيد العملي لهذه الأفكار في البلشفية لم يكن تحجيما لها بقدر ما كان استجابة واقعية لما في التقاليد الثورية للاشتراكية الديمقراطية (الأوربية) بشكل عام والروسية منها بالأخص. فالجوهري بالنسبة للينينية ليس الصيغة النظرية الدقيقة للماركسية، بل فرضياتها الكبرى واحتمالاتها المتجددة.  مما أعطى للينينية مرونة عملية هائلة وأبقاها في نفس الوقت ضمن حيز الاستيعاب الثوري للتقاليد الروسية. لهذا واجهت اللينينية إمكانية الانتقال إلى الاشتراكية عن طريق السلم والعنف. فالسلم والعنف بالنسبة لها مجرد أشكال ومظاهر للثورة بوصفها تحولا شاملا للوجود الاجتماعي السياسي والاقتصادي للامة.  فقد نظرت اللينينية إلى الثورة نظرتها إلى أسلوب ضروري للتسريع في بناء المجتمع الإنساني دون انتظار "حتميته" المتراكمة في الحاضر والمستقبل. ولم يكن ذلك تقديما للإرادية أو سقوطا في أحضانها أو انهماكا بالمستقبلية واستعجال آفاقها. على العكس! لقد كان ذلك إدراكا خاصا للعلاقة الواقعية والواجبة بين الحرية والضرورة، الواقع والمثال، وتحديد النسبة "المتذبذبة" لهذه العلاقة في الفعل السياسي. وهو الأمر الذي جعل اللينينية "ماركسية القرن العشرين". بمعنى تحويلها الروح الثوري للماركسية إلى روح الثورة الروسية. بصيغة أخرى، أنها وضعت الروح الثوري للماركسية في ثورية الفعل، وتركت للعقائديين مهمة الجدل حول ما إذا كان ذلك انحرافا أو ابتعادا أو تمثلا لحقائق الماركسية ومبادئها. كما مارست ذلك تجاه من بدا لها منحرفا أو مبتعدا أو مبتذلا لحقائق الماركسية ومبادئها. وقد كان ذلك جدلا له صداه وأثره التاريخي والمعنوي حتى في الموقف من ماهية الثورة والإصلاح في روسيا القرن العشرين.

إذا كانت الحصيلة الفكرية لتجارب الحركات الثورية في روسيا قد أدت إلى مطابقة الثوري الديمقراطي مع الاشتراكي الثوري، فان تجسيدها السياسي اتخذ صيغة المطابقة بين الثورة والإصلاح، وإعلان "الإصلاح الثوري" أسلوبا للإصلاح. لهذا كان بإمكان لينين في جدله مع التيارات المختلفة حول ضرورة الثورة ألا ينطلق من معايير وقيم الإدراك المتسامي للإصلاح الشامل والثورة فحسب، بل ومن تحليله لطبيعة التحولات الاجتماعية - اقتصادية على النطاق العالمي والروسي. فالإمبريالية لم تعد مجرد "درجة عليا" في التطور الرأسمالي العالمي، بل ومقدمة "لكسرها في اضعف حلقاتها".  وهي الرؤية التي لم تتحدد بالتخطيط المنطقي المجرد لفلسفة التاريخ الماركسية عن التشكيلات الاجتماعية - الاقتصادية، بل حددها روح الثورة واصلاحيته الشاملة.  لهذا وجد لينين في الفكرة القائلة بعدم استعداد روسيا للانتقال إلى الاشتراكية نتيجة ضعف مستوى تطورها الثقافي مجرد حذلقة مثقفين لا قيمة عملية لها في إطار الرؤية التاريخية ومهمات الانتقال الثوري إلى الاشتراكية.  فالجوهري بالنسبة للينين هنا ليس "مستوى التطور الثقافي"(الذي يصعب تحديد حده وحقيقته)، بل أداة التحول. لهذا وجد في السلطة السوفيتية ضمانة "المستوى الثقافي"، أو القوة (والوسيلة) القادرة على التعويض عن نقص المستوى الثقافي في بناء النظام الاشتراكي.

لم يعن ذلك، بالنسبة لقضية الثورة والإصلاح، سوى أن أولوية السياسة هي أولوية الإدراك العملي لحل إشكالية النظام والحرية،  باعتبارها الإشكالية "الخالدة" للوجود الاجتماعي - السياسي للأمم.  أما الصيغة الثورية لهذا الحل فهي النتيجة الملازمة لنشوء علاقة الحرية والنظام.  ومن ثم  فان الضمانة المفترضة في السلطة السوفيتية هي ضمانة النظام (السلطة) والحرية (السوفيتات).  وهي الرؤية التي حددت قيمة الثورة الاشتراكية وجعلت منها في نفس الوقت المقدمة اللازمة للإصلاح الشامل في الاقتصاد والاجتماع والثقافة.

لقد تضمن الإقرار بأولوية السياسة بالنسبة للإصلاح الشامل دمج تقاليد الثورية الديمقراطية والاشتراكية الروسية في رؤيتهما لمسألة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.  من هنا قيمة "العنف الثوري" و"الإرهاب الأحمر" و"شيوعية الحرب"،  وكل ما كان بخدم بناء وحدة الحرية والنظام بمعايير الثورية الاشتراكية. ولا يغير من ذلك مساوماتها العديدة (كالسياسة الاقتصادية الجديدة وصلح بريست وغيرها). على العكس، أن ذلك يكشف عن المرونة العملية في استيعاب الأولويات السياسية في نظام الرؤية الثورية نفسها. إذ لم يجر وضع أولوية السياسة في متطلبات الاقتصاد والاجتماع، بقدر ما جرى تحويرها بالشكل الذي يخدم الأهداف القريبة والبعيدة للدولة. وتكشّف ذلك للمرة الأولى بعد الحرب الأهلية (1922) عن الإمكانيات الواقعية والأساليب العملية للبناء الاشتراكي. فالفرضيات التجريبية للبناء الاشتراكي تكشف عن أن أولوية السياسة لم تعد جزءا من استمرارية الثورة فقط، بل ومن كيفية الإصلاح الثوري الشامل أيضا. وهو الأمر الذي حدد مجرى  الصراع الفكري والسياسي منذ بدء تجارب البناء السوفيتي، وبالأخص الصراع بين التروتسكية وتصوراتها عن "الثورة الدائمة" والستالينية وتصوراتها عن "بناء الاشتراكية في بلد واحد".

كانت الستالينية بهذا الصدد استمرارا للرؤية اللينينية، حاولت تطبيق استنتاجاتها النظرية في ميدان البناء الاشتراكي. فإذا كانت الفكرة اللينينية عن إمكانية انتصار الثورة الاشتراكية في بلد واحد تتضمن كسر فكرة الحتمية والعالمية(أي اقترابها من  واقعية الرؤية الثورية الكامنة في الماركسية، أو بصورة أدق تذليل عاطفية الرؤية الحالمة لا منطق التحليل النظري المجرد)، فان تطبيقها الستاليني في ظروف الاتحاد السوفيتي ما بعد الحرب الأهلية هو الاستمرار الأكثر حدة  في استيعابه لقيم الإرادة والعزم، أو  ضمانة السلطة السوفيتية في إنهاض البلاد وإصلاحها الثوري الشامل.

وقد حسم هذا الصراع لصالح الستالينية بفعل ضمانة أو  ثبات المقدمات التي رافقت انتصار الثورة ونتائج الحرب الأهلية. عندها اصبح من الضروري دفع "تصفية" بقايا الحرب الأهلية إلى نتيجتها النهائية في الاقتصاد (من خلال مصادرة الملكيات الخاصة ونظام الجمعيات الزراعية)، وفي السياسة (من خلال بناء مركزية الدولة وآليتها الشاملة)، وفي الثقافة (من خلال فرض أيديولوجية الحزب والدولة). وهي المهمات التي كان يصعب تنفيذها دون بناء الأسس المادية والتكنيكية، مما حدد بدوره أولوية التصنيع الثقيل والزراعة الموسعة، أو كل ما كان يخدم مركزة الدولة الواحدة والسلطة الواحدة والأيديولوجية الواحدة والثقافة الواحدة والاقتصاد الواحد واللغة الواحدة والحزب الواحد والوطن الواحد والشعب الواحد.

وأدى هذا الاستعجال التوحيدي إلى إعلان البعض ظهور الكيان القومي السوفيتي أو "القومية السوفيتية". وبغض النظر عن البواعث الإنسانية العميقة وراء هذه الصياغة فأنها كانت التعبير المباشر عن استيعاب وترميم الصيغة النظرية المجردة لثنوية الشكل والمضمون (قومية الشكل اشتراكية المضمون). إن مد المضمون الاشتراكي على كافة نواحي الحياة جعل من الممكن احتواء القومية أيضا. وهي صيغة ايديولوجية استجابت في "تنظيرها" للروح البيروقراطي في تنظيمه للوجود الاجتماعي. فكان ذلك أحد الأسباب الأساسية وراء "اغتراب" القوميات في الاتحاد السوفيتي واستغلال فكرة القومية لاحقا بما في ذلك من  قبل "قادتها الامميين". هذا "الارتداد" لم تحدده  في حالات عديدة سوء التجربة السوفيتية في ميدان المسألة القومية، بل ارتجالية "الإصلاح الغورباتشوفي"، وتنامي عناصر الرذيلة السياسية والأخلاقية التي شكلت في كلها "منظومة الخيانة" وإفرازاتها الدائمة في تبرير المجرمين وتجريم الأبرياء،  وتجميل القبيح وتقبيح الجميل.

لم تكن هذه الواحدية نتاجا لازما للماركسية، ولا للنموذج اللينيني (البلشفي) للماركسية. وإنما نشأت في مجرى الصراعات السياسية ما قبل ثورة شباط (1917) وبعدها، وفي مجرى أحداث ثورة أكتوبر (1917) وفعل نتائج الحرب الأهلية. وترتب على هذه الأحداث عنفوان "الرؤية الطبقية" التي حاولت تأسيس كل الأشكال المعقولة واللامعقولة في ما يخص تنظيم الوجود الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة بقومياتها وشعوبها المتنوعة. وهو تأسيس خدم في برامجه العملية وغاياته المعلنة أسلوب "التحدي التاريخي" و"السباق التاريخي" مع الرأسمالية العالمية وقواها الداخلية والخارجية. وذلك ما أغرى الرؤية السوفيتية بتصفية وتنقيه وجودها الذاتي في كافة نواحي الحياة و"توحيد" الاتحاد السوفيتي بالشكل الذي يمكنه من تحدي الحصار الخارجي وتمتين بنيته الداخلية. واستثار ذلك حمية الجماهير وقدرة الشيوعيين التنظيمية لدرجة أفلحت في بناء صرح الوحدة الصلبة للدولة ومؤسساتها، والمجتمع وفئاته (وقومياته أيضا)، والحزب في تنظيماته، بحيث تنامت فيه وترّسخت آلية مستقلة، تحولت شأن كل آلية مستقلة بذاتها إلى "الاستكبار والتجبر" على شروط وجودها الأولى. وهذه الآلية خلقت الستالينية وساهمت في بناء صرحها البيروقراطي، مما أدى تاريخيا (في الاقتصاد والسياسة والثقافة) إلى فقدان حدود الاعتدال، وافرغ الثورية اللينينية من مضمونها الأخلاقي والإصلاحي فتراكمت عناصر المركزية والإدارية البيروقراطية (الحزبية وغير الحزبية) في الدولة.

وأدت الحصيلة النهائية لهذه العملية التاريخية إلى تحول "التطرف" (الفردي والإرادي) إلى أسلوب امثل للممارسة، وبالأخص بعد إن جرى شحن هذا الأسلوب بقيم العقائدية، وبعد تحول هذه العقيدة نفسها إلى قيود عملية مباشرة (لا إلى مبادئ  مجردة كبرى أو مرجعيات روحية). إذ تجذّرت هذه القيود في العقل والوجدان كما لو أنها فرائض دينية. وجعلت سواء عند الناس التأييد او المعارضة. وهذا ما أدى إلى تجذير آلية الفعل لا آلية الاحتكام إلى نظام الرؤية العقلانية والأخلاقية الكامنة  في فلسفات الإصلاحية الثورية. لهذا أدت أول محاولة لتقييم الستالينية وإصلاحها على يد خروشوف إلا إلى إعادة  ترميم آليتها. لقد تمثلت الخروشوفية أسوء نماذج الستالينية،  لأنها جعلت من المغامرة الفردية النموذج الأمثل في تهشيم  مغامرات الستالينية (ادارتها البيروقراطية وعبادة الفرد). فالخروشوفية لم تستطع توظيف التقاليد الثورية الاشتراكية بالشكل الذي يمكنها من ترميم بناء التجربة الاشتراكية، باعتبارها تجربة التحرير الإنساني، فأخفقت. ووجد ذلك انعكاسه أيضا في البريجنيفية بوصفها الصيغة "التقليدية" لآلية رد الفعل لا الاحتكام إلى نظم الرؤية العقلانية. وهي الآلية التي حددت نماذج الرجوع التقليدي إلى "الستالينية المتنورة" عند اندروبوف وإلى "البريجنيفية المتكلسة" عند تشيرنينكو. وعندما ظهرت للمرة الثانية إشكالية الإصلاح، لم تتخذ سياسيا صيغة "إعادة البناء" (البيروسترويكا) إلا بعد أن مرت بموضوعات "التسريع" و"العلنية" (غلاسنوست). وليس مصادفة أن تطالب كل من الخروشوفية والغورباتشوفية في بداية أمرهما بالرجوع إلى اللينينية، بعد الهجوم المباشر وغير المباشر على الستالينية.  إذ لم يستوعب أي منهما أبجدية الإصلاح القائلة، بان الرجوع إلى الماضي وهم. فالستالينية هي خطوة هائلة بمعناها التاريخي، وشطب البريجنيفية مجرد مغامرة. إن الستالينية والبريجنيفية تقدمان حتى في سلبياتهما النموذج الضروري لبلورة عناصر النقدية الإصلاحية. ومن ثم فان الإمكانية العقلانية الوحيدة لتعمير الصرح الاشتراكي ليست في سياسة رد الفعل والإصلاح الجزئي ودمج الهزيمة في بنية الفكر السياسي، بل في تحديد الأولويات الموضوعية في نظام إصلاحي يعقل إمكانياته وغاياته المباشرة والبعيدة المدى. وهو ما كانت تفتقده الخروشوفية والغورباتشوفية نتيجة طابعهما الفردي والمغامر. وإذا كانت التجربة الخروشوفية قد واجهت في نهاية المطاف "معارضة" رسمية من جانب السلطة والحزب، فان الثانية (الغورباتشوفية) حصلت على "تأييد" من جانب الحزب والشارع على السواء.  وهما "معارضة" و"تأييد" حددتهما في نهاية المطاف آلية رد الفعل لا الاحتكام إلى منظومة الرؤية العقلانية وكوامنها الأخلاقية التي عادة ما تميز الإصلاح الكبير عن غيره من الإصلاحات.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

hamodan abdulwahedعلى ماذا يحيل قلق الإنسان الحر؟ هل يعني غيابَ الإله؟ أم أن هناك شيئا آخر؟

إذا كان غياب الإله أو حضورُه ظاهرةً يمكن تفسيرها بالرجوع إلى تمثل الفرد الذاتي لفكرة الله، أو التصور العلمي لهذه الفكرة أو الوجود الموضوعي لها، فإنّ أثرها يظل بالتأكيد فاعلا وإيجابيا عندما نحاول الإجابة عن سؤال قلق الإنسان الحرّ.

وهذا ما نستشفّه في كتابات سارتر عن الحرية الإنسانية في فلسفته الوجودية، وبالضبط من خلال مؤلَّفه الذي يحمل عنوان «الكينونة والعدم». ينطلق التفكير الفلسفي هنا من فكرة عامة وجوهرية تقول إن قلق الإنسان الحرّ هو دليل على محنة. أو بالأحرى على امتحان هو امتحان الحرية. وهذا القلق هو الذي وراء سؤال الهوية الإنسانية أي سؤال الذات عن نفسها التي تقف مرتبكة ومهمومة أمام استفهام وجودي: «من أكون ؟ «من أنا ؟». والجواب مرتبط بـ«فينومينولوجية» القلق نفسه لكن على شكل سؤال حول الحرية الإنسان ية: أنا قلق من كل الإمكانيات المفتوحة في وجهي لأني، مهما قلت وفكّرت، يلزمني أن أختار.

بتعبير آخر، قلقُ الإنسان الحر تعبيرٌ عن اضطرابه وبلبلته، وبالتالي عن تردّده، أمام ما تتيحه الحــــــرية من إمكانيات واحتــــمالات رهينة بالعديد من الشروط (الزمان والمكان والمعرفة والأداة والإرادة..). لكنها تبقى مفتوحة على اللامتناهي والمتغيِّر أو المتطوِّر كما الحياة. والحياة الحقيقية ـ حسب سارتر- لا توجد خارجنا، في محيط حولنا أو في فضاء بعيد عن ذواتنا.

إنها كائنة أساساً في الوعي، في وعي الإنسان بوجوده. ووعيُه بنفسه يتحقق من خلال وعيه بعلاقته بالآخرين.

وهذا الوعي بالذات وبالآخر يجعل من الحياة الحقّة ظاهرة مستقرّة في الحرية التي نرثها بمجرّد مجيئنا إلى العالم.

الحرية إرث الحياة. لكن ما العمل حتى نستطيع أن نكون أحراراً ؟ أساس العمل الضروري لكل نهضة حضارية جديرة بهذا المعنى، مشروط بطبيعة النظرية العلمية أو المشروع السياسي أو الأساس الفلسفي الذي يسبقه ويهيّئ له.

يعتقد سارتر بأن «الإنسان مجبر على أن يكون حرّاً». الجملة تنطوي ظاهريا على تناقض بين عنصر «الإجبار» وعنصر «الحرية». لكن هذا التناقض سطحي والعلاقة بين مفهوميْ الإجبار والحرية لها ما يبرّرها في منطق فلسفة الحياة : إنها علاقة ضرورية. كيف يمكن للإنسان أن يكون مجبراً على أن يكون حرّا ؟

لا يكتفي سارتر برؤية الإنسان ككائن قابل لأن يُنْعَت بصفة الحرية كما هو شأن الصفات الأخرى التي، عادة أو عامّة، ما تكون خارجية وعارضة وغير ملتحمة ولصيقة بذات الموصوف موضوعيا.

إنّ سارتر، في تداركٍ منه لعبارة «الإنسان كائن حُرّ»، يذهب أبعد من ذلك ويقرّر أنه، انطلاقا من الفكرة الفلسفية القائلة بأن «الوجود يسبق الهوية»، فإنّ الإنسان أولا وقبل كلّ شيء حرّيّة وهو مجبر على أن يكون كذلك، لأنه لم يخلق نفسَه بنفسه بل جيء به إلى العالم ورُمِيَ به في جوف الحياة.

وهذا التصوّر للحرية الإنسانية يبدو وكأنه صدى أو امتداد للصرخة التاريخية الخالدة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟) التي وجّهها الخليفةُ عمر بن الخطاب إلى والي مصر آنئذ، عمرو بن العاص، بعد أن اشتكى له مصري قبطي من مظلمة صدرت في حقه من طرف ابنه محمد بن عمرو.

ما يجب الوقوف عليه في موقف عمر بن الخطاب كخليفة للمسلمين هو أنه عبّر، وما زال يعبّر – وهذا بيت القصيد لأن الأمر يتعلق بنصّ، والنصوص مؤسّْسة وموجِّهة لأنواع القراءة التي يحتاجها المسلم اليوم في معالجة مشاكل حياته العامة والخاصة- عن رفضه لكل سلوك يهدف إلى سلب الإنسان حريّته باستعمال القوة أو استغلال السلطة.

وفي هذا دلالة تاريخـــــية قاطعــــة على أنّ حماية حرية الإنسان في الإسلام يجب أن تشكل التحدّي الرئيسي الذي يواجه كلّ من بيده السلطة، أكانت سياسية أم دينية، في العالم العربي والإسلامي.

 حمّودان عبدالواحد /  كاتب عربيّ وأكاديمي من فرنسا

 

 

nabil ahmadalamirمقدّمة: لابد أن تتوافر فى المرشح صفات النزاهة والشفافية والخبرة السياسية والمستوى العلمي المقبول، والسن المناسب  ..

فلا نريد برلماناً عجوزاً، فالنائب يحتاج إلى همة ونشاط وحركة مستمرة فى دائرة عمله بالبرلمان وبين ناخبيه .. ويجب التشدد بالإختيار خوفاً من تسلل عناصر مشبوهة إلى مجلس النواب من أصحاب السمعة السيئة، ومستغل النفوذ، وأصحاب الفساد، مثلما حدث فى البرلمانات السابقة، فقد شاهدنا نواب القروض المالية، ورجال الأعمال والفاسدين الذين جمعوا بين السلطة والمال من خلال حصولهم على «الحصانة» كدرع لإنهاء مصالحهم وأهدافهم الخاصة .

يجب العمل بموجب هذه الخطوات ليكون الإختيار ناجحاً ولا يسبب أي تصادمات او إختناقات داخل الحزب .

- لجنة إختيار المرشحين ..

إختيار لجنة خاصة لإختيار المرشحين تختار وتصوّت بينها بصورة سرية، وتتألف من عدد من الشخصيات الأكاديمية (العامة والمتخصصة) والعشائرية والدينية المشهود لها بالنزاهة والحيادية والتقييم السليم، ويكون الجميع من نفس الإنتماء العقائدي، ويتم إختيارها من قبل قيادة الحزب او الراعي الرسمي او العقائدي (المرجع الاعلى) للحزب، ويتم إختيار المرشحين حسب حصول المرشح على أعلى النقاط التي يتم الاتفاق عليها من قبل اللجنة .

- الإجتماع الموسّع قبل إختيار المرشحين ..

ويتم في لقاء موسّع لكل المرشحين (قبل المفاضلة بينهم) في قاعة عامة او خاصة ويُدير الاجتماع المرجع الاعلى او من ينوب عنه (رسمياً) مع اللجنة العليا التي تم إختيارها لمقابلة المرشحين، حيث يتم فيه تداول مصلحة الدين والمذهب والولاء العقائدي والحزبي وأهميته وضرورة التكاتف والتساند والتعاضد (لأن الفوز هو لكيان العقيدة وليس للشخص)، ويتم طرح الافكار بصورة العامة لصفات المرشح الناجح، وتوضيح أن من سيقع عليه الإختيار سيكون مُكلّف شرعاً بالأمر، ومن لم يقع عليه الإختيار يجب أن يكون مُسانداً ومعاضداً مرشحي الحزب حفظاً لمصلحة الدين والمذهب، ومن يخالف يعني خروجه عن قيم المذهب والعقيدة التي إنتمى إليها .

- قيمة وأهمية المُرشّح ..

ربما تكون النقطة الأهم هي معايير اختيار نائب البرلمان وسُبل تقييمه، حيث لابد للحزب أن يدرك قيمة المُرشح الانتخابي وأهميته من خلال إدراك الحزب للدور المحوري الذي يقوم به هذا المرشح قبل وبعد فوزه داخل البرلمان ومدى تأثيره في مسيرة العمل العام داخل الكيان السياسي وخارجه، وفي مجتمعه ومحيطه .

- مرشحي الدورة السابقة ..

وقد يجد الحزب سهولة في الحكم على مرشّح كان قد فاز بالفعل بدورة سابقة، وذلك من خلال التقييم الفعلي لأدائه أثناء فترة وجوده بالبرلمان، وبذلك يكون من حق المُرشح الذي نجج من قبل أن يعلن عن ترشيح نفسه لفترة جديدة ويقول بأن (ماضيه يزكيه)، ولكن على الحزب أن يتأكد أن ماضيه بالدورة السابقة كان مُشرّفاً من حيث الأداء والنزاهة وقوة الشخصية وسداد الرأي، ويجب عدم الاعتماد على المُرشحين من الدورات السابقة لانه قد يمكن أن يبزغ نجم (مرشح) جديد يكون أكثر وعيًا وإلمامًا بدقائق الأمور .

- البرنامج الإنتخابي ..

على الحزب ان يطالب كل من يرغب بترشيح نفسه ان يكتب برنامجه الإنتخابي للدورة القادمة، وحسب رؤيته بعيداً عن البرامج الإنتخابية الجاهزة، وضرورة أن يكون لديه برنامج هادف وشامل يخدم أبناء محافظته خصوصاً والعراق عموماً .

- الكفاءة والجدية والسمعة الحسنة ..

من اول شروط المرشح هو أن يكون من المشهود لهم بالكفاءة والجديّة وأن يحظى بسمعة حسنة، وألاّ يكون ممن أثيرت حوله أي شبهة تطعن في مصداقيّته أو تقدح في بياض صحيفته ونظافة يده .

- الدور الإجتماعي العام والخاص ..

ضرورة أن يكون المرشح أيضاً صاحب دور فعّال في العمل العام ومحافل الخدمة الوطنية وفي خدمة من حوله من خلال وظيفته او منظمات المجتمع المدني او داخل الحزب .

- التأهيل والرؤية ..

يجب أن يكون المرشح مؤهلاً لتولي المسؤولية، ولا يعني التأهيل بالضرورة أن يكون حاصلاً على مؤهل علمي أو أكاديمي عالي، ولكن يقصد بالتأهيل أن يكون أهلاً لهذا المنصب، وأن تكون لديه سعة صدر ورجاحة عقل ورؤية مستنيرة وواعية لكل ما حوله وخاصة المشكلات التي يعاني منها أبناء محافظته .

- خطة العمل  ..

أن تكون لديه خطة عمل في برنامجه الإنتخابي يعمل بها بعد انتخابه وفوزه، ويمكن معرفة ذلك من خلال المعرفة الشخصية بالمرشح وعائلته، او من خلال المقابلة التي تتم مع كل المرشحين من قبل اللجنة سابقة الذكر .

- النشاط العام للمرشح قبل إختياره ..

يجب تركيز اللجنة عند إختيار المرشح على نشاط ذلك المرشح قبل العملية الانتخابية، من خلال التحليل الموضوعي لخطاباته ولقاءاته الجماهيرية ومناقشته شخصيًا في بنود برنامجه واستطلاع رؤيته المستقبلية لكيفية تقديم الخدمات والدعم وإيصال صوت أبناء محافظته إلى صنّاع القرار، وسعيه الدؤوب لحل مشاكلهم فيما يتعلّق بالجهات والهيئات الحكومية، وإن التقييم الجاد للمرشّح يكون في المقام الأول من خلال القراءة المتأنّية لبرنامجه الانتخابي ومدى إمكانيّة تطبيقه في ظل الظروف الراهنة .

- الشعبية الإجتماعية والحزبية ..

من مقومات فوز المُرشح هو الشعبية الإجتماعية للمرشح داخل الحزب وخارجه ومقبوليته من أبناء محافظته ومنطقته وعشيرته وإخوانه في المعتقد العقائدي .

- إستخدام القناة الفضائية للترويج للمرشحين من خلال برامج خاصة وإعلانات تُبث في أوقات الذروة .

- إمتلاك المرشح لمقومات الفوز ..

ليس بالضرورة فوز المرشح النموذجي الذي فيه كل الصفات النظرية للمرشح، لأن هناك بعض المقومات التي يكون واجب  تواجدها في هذا المرشح ليستطيع تجميع أعلى الأصوات والفوز بالإنتخابات وأهمها :

١- القدرة المادية .

٢- إختيار معاونين مخلصين ومحترفين لإدارة الحملة الإنتخابية .

٣- القدرة الخطابية .

٤- سرعة البديهة .

٥- الإيمان الحقيقي بمبادئ الحزب .

٦- العلاقات العامة بالمجتمع .

٧- الإمتداد العشائري والعقائدي .

٧- التاريخ الأبيض والسيرة الناصعة .

٨- إختيار البرنامج الإنتخابي الممكن تطبيقه .

٩- المظهر الحسن .

١٠- الاعتماد على النظريات العلمية في الحملات الانتخابية والإبتعاد عن العشوائية بالعمل .

 

بقلم / د. نبيل أحمد الأمير

 

 

khadat jleed2لا شكّ أنّه مما نتفق عليه بداهة أنّ الدولة تشكل محور الفكر التاريخي بالنسبة إلى كل من إبن خلدون  وهيجل فمع الأول فإنّ الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك أمّا مع الثاني فإنّ الدولة هي غاية الروح في تحققها عبر التاريخ، إلاّ أنّنا نريد أن نؤكد منذ البداية أنّ مفهوم الدولة وما يرتبط به من مفاهيم ذات الإرتباط لم يتبلور إلاّ حديثا أي بعد القرن الثامن عشر وعليه نستنتج أنّ الميراث الفلسفي لهيجل في هذا الجانب السياسي أغنى وأوفر من ميراث إبن خلدون  وريث الحضارة الإسلامية الآيلة إلى التقهقر في عصره، وبالتالي فإنّه لا يمكننا أن نحمّل إبن خلدون  ما لم يكن يستطيعه في عصره، وبعبارة أخرى يمكننا أن نقول « إنّ قيام فلسفة التاريخ بمعناها الدقيق، أي الطريقة القصدية في إدراك التاريخ بصفته معطى موضوعيا وعنصرا فاعلا، وفي التفكير في مبادئه المحركة وغائيته، هي مسألة مرتبطة تاريخيا بتطور الفكر الغربي وخاصة منذ القرن الثامن عشر ».

إلاّ أنّ هذا الإختلاف في الأزمنة الفلسفية وإن كان يؤثر على الميراث الفلسفي لكل منهما وأيضا في طريقة تناولهما للقضايا المعرفية والإجتماعية وخاصة موضوع الدولة إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من وجود هذا الإهتمام المشترك بينهما حول أهمية الدولة وضرورتها بالنسبة لأي مجتمع في التاريخ وهذا الإهتمام المشترك في الدولة كإطار معرفي وسياسي واجتماعي وتاريخي هو الذي لفت انتباه الدارسين والمفكرين سواء من الدائرة الغربية أو الدائرة الإسلامية، بحيث « تحتل موضوعة الدولة بشكل خاص موقعا مركزيا لديهما إلى درجة نميل إلى الإعتقاد معها أنّ إبن خلدون  هو أهم من فكّر في ظاهرة الدولة في الحضارة العربية والإسلامية وربّما إلى حدّ الآن، بينما كان هيجل من أبرز من فكّر فيها في الحضارة الغربية وهذا ما تؤكده الدراسات الحديثة التي تناولت وبشكل موسع أفكار كل منهما على انفراد حول الدولة » .

وإذا كانت الدولة هي غاية حركة التاريخ بالنسبة لكل من إبن خلدون  وهيجل فإنّنا نتساءل : ما هو منظور كل واحد منهما لطبيعة العلاقة الجدلية بين الدولة والتاريخ؟ وإذا كان هيجل هو أكبر فيلسوف في التاريخ إلى اليوم فكّر في الدولة إلى درجة التأليه واعتبرها التجلي النهائي للمطلق فما هو منظوره المعرفي الخاص لهذه الإشكالية السياسية؟.

يرى هيجل أنّ الأمم التي تستحق الدراسة هي الأمم التي أنتجت دولا، وظهور الدولة في أيّ مجتمع هو المعيار الذي يقسم الشعوب إلى شعوب تاريخية وشعوب لا تاريخية، وواضح أنّ هيجل يربط التاريخ بالحدث السياسي الذي يتجسد من خلال الدولة كإطار تنظيمي واجتماعي يعكس درجة من الوعي بالحرية، يقول هيجل : « علينا أن نبدأ بالعالم الشرقي، لكن ليس قبل الفترة التي نكتشف فيها الدول في هذا العالم، ذلك لأنّ انتشار اللغة وتكوين الأجناس يقعان خارج حدود التاريخ  فالتاريخ هو الواقع، أمّا الأساطير فهي لا ترقى إلى مرتبة التاريخ، ولا ينشأ الوعي بالوجود الخارجي إلاّ مرتبطا بتعينات مجردة، وعندما توجد القدرة على التعبير عن القوانين تظهر حينذاك أيضا إمكانية إدراك الموضوعات إدراكا واقعيا، وعلى حين أنّ ما هو قبل التاريخ يعد سابقا على الحياة السياسية، فإنّه يقع أيضا خارج الحياة التي تعرف ذاتها وعلى الرغم من أنّ الفكر هنا أي قبل التاريخ قد يلجأ إلى التخمينات والحدوس أو الظنون فإنّها لا ترقى إلى مرتبة الوقائع، إنّ المبدأ الأقرب المميز للعالم الشرقي هو جوهرية الأخلاق.

وما يمكننا إستنتاجه من هذا النص هو هذه الرؤية الإستشراقية لهيجل الذي يعتبر أنّ الشرق هو بداية لما ستؤول إليه الأشياء في الغرب فبالنسبة إليه أنّ العالم الشرقي هو عالم ما قبل التاريخ هو عالم تحكمه الأساطير والخرافات والخضوع للأفراد الطغا ة وليس إلى القوانين وأنّ الشعوب التاريخية في نظره هي الشعوب الغربية التي عرفت الوعي بالحرية وعرفت الدول التي تجسد التحقق الفعلي للتاريخ، كما تمثل أيضا وحدة الأفراد الأجزاء في إطار الكلي والشمولي، ولا شك أنّ حكم هيجل على العالم الشرقي بالعالم اللاتاريخي هو حكم عنصري مسبق بعيد عن الحقيقة الموضوعية  فهيجل يجعل من الشرق نقطة البداية لكل شيء أمّا النضج والكمال فهو من نصيب الغرب، وإذا كان هيجل يرى أنّ التاريخ مسرح الحضارات وأنّ كل شعب يجسد رحلة الروح في التاريخ ثمّ يختفي ويترك مكانه لشعب آخر فإنّ هذا الشرف لا يقصره هيجل إلاّ على الشعوب الغربية وفي : « ضوء هذا التفسير يمكن الإستنتاج أنّ الشعوب بالنسبة لهيجل تتباين فيما بينها على صعيد الشرف والسمو في تمثيل الكون الإنساني والإلهي في التاريخ، فالشعب الذي يجري اختياره من قبل الروح يعبر عن مبدأ أعلى ووعي أسمى بموجب خطة بدئية وضعتها هو الذي ينبغي أن يقود الشعوب الأخرى الموجودة فعليا في التاريخ ولا يغيّر من ذلك بل يعززه القول بأنّها هي أيضا كانت تمثل الروح الكوني وتقود العالم في مرحلة أو أخرى، والحال أنّ هذا المنظور يتضمن في العمق إقرارا تعسفيا بتفوق شعوب الغرب على شعوب العالم الأخرى يتناقض مع روح الفلسفة الهيجيلية، ذلك لأنّ ثلاثة من الشعوب الأربعة التي يضعها هيجل على رأس البشرية هي شعوب غربية وهذا يعني أنّ العالم الشرقي مطالب دائما بالخضوع والتبعية للغرب بدعوى أنّه وحده الذي يظل يرزخ في العقم والخواء بعد بطلان واستهلاك المبدأ الخاص به باعتباره العالم الأول في العملية التاريخية الكونية، على العكس من العالم الغربي الذي يعتبره هيجل قادرا على الدوام على تجديد نفسه وتجسيد وقيادة التقدم في التاريخ الكوني خلال المراحل الأخرى جميعا ».

وإذا كانت مركزية هيجل واضحة في رؤيته للشعوب الأخرى مقابل الشعوب الغربية تنم سواء على جهل أو إحتقار فإنّ هذا يبقى نقطة الضعف في فلسفته، إذ على الرغم من عظمة هذه الفلسفة من الناحية النظرية إلاّ أنّها لم تكن إنسانية في جميع جوانبها، وإذا كان هيجل يربط بين التاريخ والدولة فأين تتجلّى وظيفة الدولة في نظره ؟ .

يرى هيجل مثل إبن خلدون  أنّ الإنسان عدواني بطبعه وأنّ العواطف الشرسة والإنفعالات الحادة لا يمكن كبحها إلاّ بوازع عند إبن خلدون  أو الدولة عند هيجل، الدولة كمؤسسات تحكمها قوانين وتشريعات يخضع لها جميع الأفراد، وإذا كانت الدولة محور العملية التاريخية والفكر التاريخي عند هيجل، فلأنّها أيضا جوهر الحضارة والرقي إذ « يربط هيجل بين مفهوم الحضارة والدولة بشكل بارز معتبرا قيام الدولة ودورها في كبح العواطف الشرسة وتنظيم الإنسان عن طريق المؤسسات هو الوسيلة الوحيدة لظهور الحضارة، وهكذا تتجلى جدلية التاريخ، لأنّ الدولة التي تنتصر في هذه الإصطدامات هي الأكثر حقيقة في كل فترة من فترات التطور التاريخي وهناك أيضا علامتان فيما أظن على درجة الحضارة التي وصلناها وهما مرحلة الوعي بالذات ومقدار الحرية التي حققناها وهذا يعني إكمال رحلة الروح ونضجها وتحققها عيانيا وإدراكي لها على أنّها هي الكلّ الشمولي هو مقدار الحرية إذ أنّ الفكرة الموجهة التي تتحكم به هيّ أنّ التاريخ العام أو الكلّي هو التقدم في وعي الحرية».

وإذا كانت هذه بصفة عامة نظرية هيجل في علاقة التاريخ بالدولة والحضارة، فما هو منظور إبن خلدون  لهذا الموضوع ؟ وإلى أيّ مدى يقترب أو يبتعد عن منظور هيجل ؟.

ينطلق إبن خلدون  من قاعدة معرفية واجتماعية وهيّ أنّ التاريخ مرتبط إرتباطا عضويا بالحضارة والدولة، وأنّ التاريخ من ناحية أخرى هو الإطار العام للحركية الإجتماعية والتاريخية باعتبار أنّ الدولة والحضارة هما نتاج الحراك الإجتماعي والجدل التاريخي ويربط إبن خلدون  هذا التصور بتعريفه لحقيقة التاريخ، يقول إبن خلدون  : « إعلم أنّه لمّا كانت حقيقة التاريخ أنّه خبر عن الإجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال ».

وإذا كانت الدولة هي نتاج العصبية عند إبن خلدون ، فلأنّ العصبية عنده يمكننا أن نعتبرها المفتاح الأساسي لفهم منظومته الفكرية والفلسفية، فالدولة أساسها العصبية التي تنطلق من البداوة وتسيطر على المركز ثمّ تضعف وتضمحل فتأتي عصبية أخرى جديدة تقوم بنفس الدور وتلقى نفس المصير، وإذا اعتبرنا العصبية التي هي أساس الملك والدولة عند إبن خلدون  هي المفتاح الأساسي لفلسفته التاريخية فهذا يظهر من خلال نصوصه والعناوين التي تعبر عنها، ففي الفصل السابع عشر من المقدمة يرى إبن خلدون  أنّ الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك، ومن هنا نستنتج أنّ الدولة هي نتاج حركة التاريخ عنده، مع تأكيد ملاحظة منهجية وهي أنّه إذا كانت العصبية هي التي تنتج الملك والدولة بصفة عامة فإنّ الدولة من جهة أخرى هي التي تضعف العصبية في سياق جدلي يقوم على مبدأ الشيء ونقيضه في نفس الوقت وهذا من خلال تحليل سوسيولوجي للمجتمع والدولة في مرحلة التحضر وهذا واضح من خلال الفصل الثامن عشر الذي يؤكد فيه إبن خلدون  أنّ من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم وأيضا في الفصل التاسع عشر الذي يخلص فيه إبن خلدون  إلى نتيجة أو قانون مفاده أنّ من عوائق الملك حصول المذلة للقبيل والإنقياد إلى سواهم .

وإذا أردنا أن نعبر أكثر عن هذه الحقيقة فإنّنا نقول بأنه « إذا كانت العصبية وقضاؤها يجعل السلطة غاية بدئية هي ما يخلق الدولة فإنّها وبعد أن كانت خلاّقة في الأصل تنقلب إلى خطر جسيم على الدولة نفسها وهذه الفكرة الأخيرة توحي بأنّ إبن خلدون  يقول مثلما هو الأمر فيما بعد بالنسبة إلى هيجل بأنّ التاريخ تطور الدولة يجتاز صيرورة جدلية ينتج فيها الشيء نقيضه دائما فالعصبية التي هي قوة طبيعية تنتج الدولة بالضرورة لكن الدولة تفسد العصبية نفسها التي تسببت بوجودها إلاّ أنّ هذا الإفساد يقود حتما إلى تجريد الدولة من عنصر وجودها الأصلي الأمر الذي يؤدي إلى ولادة عصبية جديدة تتجه إلى الإطاحة بتلك الدولة عينها وهكذا دوريا »).

وما يمكننا استنتاجه كنظرية في التاريخ عند إبن خلدون  هو أنّ قوة وضعف العصبية يؤدي إلى قيام الدولة وسقوطها فبقوة العصبية تقوم الدولة من خلال سيطرتها على العصبيات الأخرى وبضعف العصبية تزول الدولة من جهة أخرى وهذا لما تصبح تابعة ومنقادة لعصبية أقوى منها .

وفي إطار هذه النظرية الخلدونية للتاريخ فإنّه ثمّة هناك تساؤلات تطرح مثل : هل إستنتاجات إبن خلدون  في التاريخ محلية أم كونية ؟ وبمعنى آخر هل يمكن تعميم نظريات إبن خلدون  ؟ وهل هذا ينطبق أيضا على رؤية هيجل للتاريخ ؟.

يجيب أحد الباحثين على هذه التساؤلات فيقول : « أمّا على الصعيد المعرفي فالدولة التي يحللها إبن خلدون  هي دولة محلية وإسلامية من كل جوانبها، وغالبا هي الدولة أو الدول التي عاصرها كما لو أنّ التاريخ البشري لم يعرف غيرها، في حين أنّ ظاهرة الدولة عرفت نماذج أخرى قبل عصره أقل أو أكثر تطورا من الأشكال التي عرفها مباشرة عن الدولة الإسلامية في شمال إفريقيا آنذاك، وهذا الأمر يربك كونية الإستنتاجات العامة التي يخرج بها تحليله نفسه، بينما هي عند هيجل دولة كونية دائما حتى عندما نتأكد من أنّ ما ينطلق منه في الأساس ليس في الواقع سوى تصورات مستمدة من مصادر فكر سياسي يظل في مادته الرئيسية وأحكامه أوربيا غربيا ومتمحورا إجمالا حول موضوعات تهم الحياة السياسية المحلية في عصره ».

ولكن ما يمكن الإشارة إليه أنّ محلية إبن خلدون  لم تمنعه من دراسة شعوب وأقوام غير العرب وهذا ممّا يعطي الشرعية الكونية لأفكار إبن خلدون  كما أنّ هيجل رغم أنّ اهتمامه كان منصبا حول تاريخ العالم إلاّ أنّ رؤيته لهذا العالم ظلّت متأثرة بواقعه الألماني وخصوصيته و المرحلة التاريخية التي كان يعيشها في عصره .

وفي الأخير وما يمكننا قوله في هذا الموضوع أنّ الرؤية الخلدونية والرؤية الهيجيلية لعلاقة التاريخ بالدولة كانت مبنية وقائمة على موقف كل واحد منهما من الواقع، أيّ واقع العصر الذي عاش فيه والذي ساهم في توجيه فكرهما بشكل أو بآخر، وهذا رغم اختلاف الواقع الخلدوني عن الواقع الألماني، إلاّ أنّ المنطلق كان واحدا، أيّ الواقع كمعيار لمنظورهما الفكري «فهيجل و إبن خلدون  درسا النظريات الفلسفية والعقائد وهذا لا شكّ فيه، إلاّ أنّهما تأملا أيضا الوقائع الفعلية والأحداث الإنسانية السابقة كما سجلتها مؤلفات المؤرخين السابقين، واعتمادا على كل ذلك وعلى الملاحظات المباشرة التي توصلا إليها خلال تجربتهما العملية والعلمية أنتجا ما أنتجاه من منظورات وأفكار لذلك، من الصعب أن نفهم أبعاد الإلتقاء أو التباعد أو التضاد بين نظريتيهما حول التاريخ وحول الدولة خاصة دون الإنتباه إلى ما يحتله الواقع والتاريخ والقيّم السائدة وحتى الأحكام الجاهزة الخاصة بحضارتيهما من أهمية ودور في رسم حدود تلك المنظورات والأفكار.

ولا شكّ أنّ جدلية الإلتقاء والتباعد بين إبن خلدون  وهيجل حول الكثير من القضايا الفكرية والإجتماعية والسياسية تثير الكثير من الإستفهامات والتساؤلات كما تشير في نفس الوقت إلى حقيقة متفق عليها من طرف الجميع وهي أنّ إبن خلدون  وهيجل هما قمّة ما وصل إليه الفكر الإنساني قديما وحديثا شرقا وغربا.

 

الدكتور قادة جليد

 

 

الشباب هم الطاقةُ الأهمُّ والأقوى لإحداث التغيير المرتقب، لما يتحلّون به من قوةٍ بدنيةٍ، وقدرةٍ عقلية، وخصائص نفسية، من شأنها أن تصنع المستحيل، أو ما يُخيَّل إلينا استحالته، لذا فيجب على المجتمع ان يوليهم عناية مميّزة بهم، وان لا ينظر إليهم نظرة دونية فيجب ترك منطق استنقاص الشباب وتحقيرهم. فهناك اهتمام متزايد بموضوع الشباب، تتبارى فيه الدول؛ كي تستحوذ على عقولهم، لما ترى فيه صلاحها، فأنظمة الحكم في كل دولة، تريد من الشباب أن يسيروا وفق رغباتها، لذا فإنها تستثمر ماكينة الإعلام وجميع وسائلها التربوية والتثقيفية، بل حتى القمعيَّة منها، بهدف خدمة تطلعاتها واهدافها, إن الشباب يشكلون العبء الذي تضيق به السلطات ذرعًا، وتخشاه أيما خشية لذا فهي تعمل على وضع الاستراتيجيات الكفيلة لاجل توظيف طاقاتهم الإنتاجية، وتوقهم إلى البذل والعطاء.

قد ننشغل أحيانًا في التفكير بالطرق الأجدى من أجل تربية وتوجيه الشباب، وربما نغفل أنهم العنصر الأهمُّ في إيجاد الحلول للكثير من المشاكل والأزمات، ولذا من الأهمية أن يشارك الشباب في عملية التفكير والتخطيط هذه، ورسم الآليات الكفيلة لتحقيق النجاح الملموس في واقعهم. الشباب بحاجة لمن يعينهم في تحديد مساراتهم المستقبلية، لا على سبيل الفرض، وإنما من أجل ترشيد عملية التفكير لديهم بطريقة واعية، فهذا نبي الله موسى  يطلب من الخضر أن يعلمه مما علمّه الله -سبحانه وتعالى-، إذ يقول مخاطبًا إيَّاه: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾[الكهف:66]. فإذا كان موسى، وهو نبي من أنبياء الله -سبحانه وتعالى- يستعين بمن يعينه في أمره، بالرغم من أنه لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتاهُ الله حُكْمًا وَعِلْمًا فنحن إلى الإعانة والتوجيه أحوج؛ فالشاب منهم قد يتخبط في قراراته، نتيجة للمرحلة المضطربة التي يمر بها، وما تفرزه من تقلبات في المزاج والقرار. إضافة لمحاولته تقمص الشخصيات الناجحة الأقرب إلى نفسه، فهو قد ينّوع في يومه وليلته بين عشرات الشخصيات التي لا يجمعها جامع مشترك؛ إلا النجاح والشهرة. لذا على المربين إعانة الجيل الشباب في بلورة خياراتهم الأقرب إلى أنفسهم وقدراتهم؛ لكيلا يكرروا تجربة الغراب الذي أضاع المشيتين بعد أن حاول يومًا تقليد الطاووس في مشيته.

هناك العديد من التحديات التي تواجه الشباب في الوقت الحاضر نعرج في مقالنا هذا على بعض منها:-

- التحدي الفكري والثقافي:

من الواضح أنَّ الشاب يتأثَّر بالتحشيد أكثرَ من تأثُّره بعملية الإقناع، فعندما يصنع رأيًا عامًّا في مجتمع ما حول مسألة معيَّنة؛ فإن الشباب ينساقون مع عملية التحشيد هذه بطريقة  اتباعية محضة، وإن لم يصاحبْها اقتناع تام, ومن يعيش ضمن محيطٍ بشري أحادي الرؤية، أو مخالف لمعتقداته وقناعاته، لا بدَّ أن يمرّ بحالتين -إن لم يشأ اعتزال مجتمعه-، هما: التأثير أو التأثُّر، فإن كان يمتلك وعيًا وحصانةً وقوَّةً، فسيغدو مؤثرًا في الآخرين من حوله، وإلاّ فسيتأثَّر بهم، ليُصاغ فكره وسلوكه، كما يشاءون، وربما عاش مؤثرًا ومتأثرًا، يحمل النقيضين!.

- التحدي الأخلاقي والسلوكي:

وهو امتدادٌ للتحدِّي الفكري والثقافي، باعتبار أنَّ السلوك الإنساني، ينبثق من ثقافة يحملها الفرد، تتمثَّل في: مأكله وملبسه وحديثه ...إلخ. فإنَّ المجتمعات المحلّية، وإن قيل إنها مجتمعٌات محافظة، إلاَّ أنها تعيش درجةً عاليةً من الانفتاح، فلا وجود -حاليًّا- لحدود أو قيود تمنع الشباب من التأثُّر والتفاعل مع الثقافات الأخرى -الدخيلة إن صح التعبير- وإذا كنّا في السابق نُشَبِّه العالم بالقرية الصغيرة؛ فإن البعض يُشَبِّهُهُ الآن براحة اليد المبسوطة التي تستطيع أن تبصر فيها ما تشاء.

لذا، لا يجدي أن نعمل بسياسة غلق الأبواب، فهي غيرُ مجدية، إذ إن رياح العولمة الثقافية، والثورة المعلوماتية؛ نخرت بيوتنا نخرًا، فلا عاصمَ اليوم من طوفانها؛ إلا بتربية سليمة، تكفل الحصانة الذاتية، لجيل محاصر، بألسنة اللهب، من كل صوب وناحية.

- تحدي الفقر والحاجة:

ونعني بهذا التحدِّي، جميع الأمور (المادِّية والمعنوية) التي تشكل حاجةً حقيقيةً للشباب، لدرجة أنهم يشعرون بالنقص، حين لا يمتلكونها أو تتوافر بين أيديهم. فالنقص في الاحتياجات المادية يُعدُّ بلا ريب فقرًا، وكذا عدم إشباع الاحتياجات العاطفية للشاب، أو القدرة على تكوين صداقات ناجحة، هذه الأمور تدخل ضمن قائمة الفقر والحاجة، وعلاجها لا يقلُّ أهميةً عن معالجتنا للاحتياجات المادية، إن لم نقل بأولوية علاج الاحتياجات المعنوية أولاً.

فالتحدي المعرفي الذي يعيشه الشباب، مقدَّم على كلِّ التحديات؛ وفي هذا السياق أُذكِّر بالمثل الصيني المشهور الذي يقول: «إذا أعطيت الفقير سمكةً فإنك ستسدُّ بها جوعه؛ ولكن إذا علَّمته كيف يصطاد السمك فستكف يدَه عن استجداء الناس». فتقديم السمكة للفقير يبقى حلاً مؤَّقتًا؛ بينما تعليمُه طريقة الصيد؛ هو الحلُّ الأجدى والأنفع للقضاء على فقره وعازته.

 

اعداد: م. اسيل ارزوقي وهيب

 

 

abdulkalil alfalahالإنسان هوعضو في مجتمعه، متماسك مع الافراد بينهم تفاعل اجتماعي واهداف مشتركة وتربطهم بيئة جغرافية والاجتماعية واقتصادية ودينية ويحدد الافراد في ادوارهم الاجتماعية ومكانتهم، ومرتبطون بمحيطهم، والعلاقة مع ما حولهم علاقة تفاعل بين طرفين، و وجوب التزام متبادل لهم و يطلق على الالتزامات التي عليهم مصطلح الواجبات، أي ما يجب عليهم تجاه الآخرين وهذه ليست بالمهمة السهلة و لا يصلح المجتمع إلا بأفراد تشبّعوا بروح الإيثار والإخلاص والتفاني، ومن المحال أن يتشكل مجتمع سليم من أفراد أنانيين اصيبت أرواحهم بألف عاهة وعاهة .

كما يطلق على التزامات الآخرين المفترضة نحوه عنوان الحقوق، أي ما يستحقه منهم . ألحقوق هي حرية و مسؤولية يكفلها المجتمع و القانون و يلتزم بها المواطنون. ولاشك ان حياة الشعوب معلقة بأساليب إدارتها وتنظيمها وقيادتها السياسية، وللإدارة العقلانية للموارد والتنظيم الصالح للأفراد، كما أن السياسة العقلانية للمجتمعات تساعد على تنمية الثروة العامة وتشجع حس المبادرة لدى الأفراد، وبالعكس تعمل الإدارة الفاسدة على هدر الموارد وقتل المواهب وتهريب الكفاءات الحقيقية وتنمية الافراد على الثقافة الوصولية دون كفاءة حقيقية، كما تعمد لقتل فكرة المواطنة التي تعني العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع ويشمل كافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية بدون أدنى تمييز قائم على أي معايير تحكمية مثل الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي والموقف الفكري لدى الأفراد.

 تعريف الحقوق اصطلحا:ً الحقوق لها معنيان أساسيان: 1- فهي اولاً مجموعة القواعد والنصوص التشريعية التي تنظم على سبيل اللزام،علئق الناس من حيث الاشخاص والاموال.2- ثانيا  تكون جمع حق بمعنى السلطة والمكنة المشروعة، أو بمعنى المطلب الذي يجب لاحد على غيره.

اما الامثلة عن حقوق المواطن كما يلي:- التعليم الجيد، رعاية صحية بكلفة مدروسة، العيش في بيئة سليمة، المشاركة في الحياة السياسية، حق الترشح والانتخاب.

 تعريف المسؤولية:- هو قيام الفرد بما هو مطلوب منه على أكمل وجه. اما المسؤولية بوجه عام هي الحالة التي يؤاخذ فيها الشخص عن عمل أتاه .

الحقوق الفردية :- هي تلك  التي يتمتع بها الفرد، و لا يجوز التهاون أو الاستخفاف بها أو إلغاؤها، والتي جسدت الجهود البشرية، لإيقاف الظلم والمعاناة التي لحقت بالإنسان من أخيه الإنسان خلال الحروب والنزاعات، كما وتُعدّ الحقوق أبسط الأشياء التي يبحث عنها الإنسان أينما وجد؛ كحقّه في العيش بأمان في بلده، حيث يجب أن يكفلها المجتمع والقانون للمواطن .

 الحق والواجب وجهان لعملة واحدة فالمواطن له حقوق لكن عليه أيضا واجبات. أما الحقوق التي يجب أن توفرها الدولة للمواطن فهي معروفة ومن أهمها: حق الأمن والسلامة وهو يشكل الحرية الأساسية التي تكفل الحريات الأخرى. وحرية الرأي يجب أن تكون أيضا مكفولة وهذا الحق هو حق نسبي إلى حد ما. كما أن من حقوق المواطن أن تكفل له الدولة حق التعليم المجاني خصوصا في المرحلة الإلزامية وحق الرعاية الصحية وأن تكفل الدولة للمرأة حقوقها السياسية والاجتماعية . نفترض أن المواطن الذي يعرف حقوقه التي نص عليها الدستور ويطالب بها دائما يجب أن يعرف أيضا واجباته تجاه مجتمعه وتجاه وطنه؛ لأن هذه المعرفة مهمة جدا ويجب أن تكون عن قناعة تامة وإذا ما توصلنا إلى مرحلة يعرف فيها كل مواطن حقوقه وواجباته فإن مجتمعنا سيصل إلى درجة من الرقي يحسد عليها لأننا سنكون من خير الشعوب في هذه الأرض ويكون تعاملنا مع بعضنا البعض تعاملا حضاريا نابعا من قناعاتنا التي تعلمناها وآمنا بها. إن الجهل بالقانون لا يعفي المواطن من المسؤولية وهذه القاعدة متبعة في معظم دول العالم لذلك يجب أن تكون ثقافة القانون متاحة للجميع حتى لا تعم الجهالة بين الناس في هذا الحقل المعرفي الهام جدا.كما  أن يتساهل الإنسان في الحقوق التي له ولا يطالب بها، وان يتجاهل ويسكت عن مصادر حقوقه على اساس الموقع والمسؤولية هذا خطأ لان الساكت عن الحق شيطان اخرس. حياة الانسان في مجتمعه يقتضي أن يتمتع بالحقوق التي له، وأن يؤدي الواجبات التي عليه، واذا ما حصل خلل في هذه المعادلة، فسيؤدي الى الاضطراب في حياة الفرد والمجتمع.

اما الواجبات الوطنية هي متعددة لكن من أهمها أن يكون انتماؤه للوطن انتماء حقيقيا وأن يترجم هذا الانتماء بالممارسة الفعلية وألا يحاول حل مشاكله بطرقه الخاصة بل يجب أن يلجأ إلى القانون لذلك يجب أن تنعكس ثقافتنا القانونية على تصرفاتنا اليومية لأن احترام القانون واجب على كل مواطن..ومن واجبات المواطن الصالح تجاه المجتمع والدولة ان يعرف المسؤولية: التي تعني قيام الفرد بما هو مطلوب منه على أكمل وجه. و هي الحالة التي يؤاخذ فيها الشخص عن عمل أتاه . وهذا العمل يفترض ان يكون قد إخل بالقاعدة , فإن كانت القاعدة قانونية فالخلل بها يستتبع مسؤولية قانونية يقابلها جزاء حدده القانون أو عين شروطه. من واجبي كمواطن أن  أدرس و أقوم بواجبي وأتعلم وأحترم حق غيري بالتعبير . أعبر عن رأيي ،  أحترم قوانين السلامة العامة أعيش في ظل الموازنة بين الحقوق و الواجبات،واعطاء حقوق المرأة يد ل على ما يمنح للمرأة والفتيات من مختلف العمار من حقوق وحريات في العالم الحديث.

ولا يمكن أن تتحقق السلام والحرية والديموقراطية في أي مجتمع دون أن يعي مواطنوه مفهوم المواطنة بشقيها: واجبات وحقوق. واجبات تفرضها الدولة وتحميها بسياج من التشريعات العقابية التي تلزم المواطنين بأدائها، وهو أمر لا يشوبه أية شائبة. وواجبات أخرى يقوم بها المواطنون طواعية وهو أمر لا يجوز للحكومات أن تتدخل فيه لإلزام المواطنين بأدائه، وإنما هو دور يجب أن يسعى المواطنون لأدائه طواعية وبإدراك كامل لما يقوم به. وبدون هذا الدور تفقد المواطنة واحدة من أهم ركائز دعامتها الخاصة بالواجبات و يؤدي دون شك إلى فشل التجربة المختارة للعمل.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

abdulaziz khayl2في دنيا الناس عجائب يصعب تفسيرها علميا .

الأحرار لا يعرفون الانحناء والعبيد لا يعرفون إلا الانحناء.

الحرّ الأبي الذي يشعر بالكرامة والعزة والرفعة يقول : قالوا لي انحَنِ قليلا فالرصاصة في طريقها إليك فقلت لهم إنها اختارتني لأني لا أعرف الانحناء.

أما " طالب العلم الشرعي " المتخرج من المدرسة الظاهرية الحرفية المنغقلة فيقول : إن الكلام عن الحرية جزء من الفكر الوافد من بلاد الكفار، أما الاسلام ففيه تسليم  الناس للحُكام والمتغلبين وطاعتُهم والدعاء لهم بطول العمر  مهما جاروا و" جلدوا الظهور وأخذوا الأموال " لأن هذه هي السنة النبوية !!!

هذا ليس دليل خطأٍ علمي، إنه أخطر من ذلك بكثير، هو دليل انحراف الفطرة، لم تعدْ سليمة بل هي ملوّثة متعفّنة.

أيها الانسان هل تعلم أنه لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت منحنيا ؟

هل فرعون هو وحده الظالم ؟ الآية تقول " استخفّ قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوما فاسقين "، الجماهير الذليلة التي تنازلت عن حريتها هي التي تحني ظهورها للطاغية فيركب وتمدّ رقابها فيذبح.

الجرم ليس جرم الانقلابيين وحدهم، جزء من الشعب يعشق المذلة لطول إدمانها، يحترم من يركله ويصفعه ويجوّعه ويعامله كالحيوان، ويتأفّف ممّن يقدّره كإنسان، يعضّ يد من يقدم له الحلال ويقبّل يد من يرفل معه في الحلال، وفي مصر وغيرها الخبر اليقين.

امتحان الحرية - على قسوته – ينطوي على فوائد جمّة، فهو يُسقط الأقنعة، أقنعة "جال الدين " فينزع عنهم ثياب الورع الكاذبة والتقوى المزيّفة حين يصطفون مع المجرم الدموي ضدّ الضحية البريئة، وما أقبح زيف عمائم السوء، ويسقط أقنعة مزاعم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان عن غلاة العلمانيين الذين يلعنون صناديق الاقتراع الشفافة ويصفقون للدبابات بحرارة، وإنه يكشف الأدعياء والمنافقين مهما كان انتماؤهم.

أجل، الحرية صعبة لها ثمنها الباهظ مثل جميع الأشياء الغالية والقيم الرفيعة، وصدق محمد إقبال حين قال : " إن للعبودية ضحاياها وهي عبودية فكيف لا يكون للحرية ضحاياها وهي الحرية ؟ " .

خلف الاستبداد :

كثيرون يرون يد الاستعمار خلف الاستبداد الجاثم على صدر الأمة ولا يبصرون أن وراءه – وبالضرورة – رجالَ دين يضفون الشرعية على ظلمه، وإعلاما مضللا وتعليما فاسدا ونخبة منحرفة، فيكون الشعب مغيّبا.

الدين والإعلام والتعليم والقضاء لا تؤدي وظائفها الطبيعية  بل هي لخدمة النظام وإطالة عمره وذلك بتزييف وعي الجماهير لتقبل طواعية التخلي عن حريتها وحقوقها وترضخ للأمر الواقع وتصبح تسبّح بحمد ظالميها وتبارك لاعنيها !!!

النفاق سيد الموقف في مجتمع الاستبداد، النخب ورجال الدين والمثقفون والفنانون ينثرون البخور لتخدير الناس ومنع التفكير وحتى الشعور، " ما لجرح بميّت إيلام ".

في هذا الجوّ وحده يمكننا سماع وزير يقول بملء فيه لشعبه المسلم "انتهى زمن قال الله، قال الرسول"، وتقول وزيرة رفيعة المقام عندهم " السجود إهانة للإنسان "، وتقول زعيمة حزب " تطبيق الشريعة رجوع إلى الجاهلية "، وتقول وجوه نسوية بارزة " الحجاب إهانة للمرأة " .

من مقتضيات ذلك :

 كثيرا ما نلاحظ عند أعداء الحرية وعند المتخوّفين من تكاليفها التسوية بين الجلاد والضحية، الله تعالى يقول " أفنجعل المسلمين كالمجرمين " ؟، نحن لا نقول فلان في الجنة يقينا وخصمه في النار بالتأكيد، لا، هذا ليس شأننا إنما نحن كبشر نعبر عن مشاعرنا فنترحم على الشهيد ونتبرّم من الطاغية، هذا هو العدل، أما أولئك الذين يضعون الشهيد وقاتله على نفس المستوى أراهم يميلون إلى الطاغية ويُخطّئون من وقف في وجهه، تلك إذًا قسمة ضيزى، يلتمسون الأعذار للأول ويدينون الثاني، وهذه هي الخطوة الأولى في التنازل عن الحرية وولوج عالم العبودية والمذلة وسقوط الانسانية.

دع عنك مزاعم هؤلاء وأولئك، عش حرّا وتحمّل ثمن الحرية فهو عند أصحاب المروءة والأنفة أقلّ من ثمن الخنوع والخضوع لغير الله تعالى.

 

عبد العزيز كحيل

 

 

nabil ahmadalamirيتكوّن المجتمع من مجموعة من الأفراد كبار وشباب وصغار من مختلف الجنسين، حيث إنّ صغار السن وحسب التصنيف العمري العالمي هم اللذين تتراوح أعمارهم من يوم إلى أربعة عشر سنة، وفئة الشباب من سن الرابعة عشر إلى سن الأربعة والستين، وأمّا فئة كبار السن فهم من تزيد أعمارهم عن خمسة وستين .

ويكون تصنيف المجتمعات بناءً على نسبة كل فئة من الفئات السابقة الذكر، فهناك مثلاً المجتمع الفتي والذي فيه نسبة الشباب تفوق نسبة كبار السن، وما يميّز المجتمع الفتي هو أنّه أكثر قدرةً على الإنتاج وعلى مواكبة تطورات العصر السريعة، لما يمتلكونه من طاقات عالية وقدرة على التحمل تفوق تلك الفئتين الصغار وكبار السن .

لكن ما معنى "الشباب" ؟

ورد في كثير من المعاجم معنى كلمة الشباب، حيث إنّ لها أكثر من صيغة، فالشباب هم تلك الفئة متوسطة العمر التي تجاوزت سن البلوغ، وهناك كلمة الشبب والمقصود بها التفاؤل والأمل بالمستقبل المشرق، وهي تدلّ على أول النهار، والشاب هو الفرس الذي يتّسم بالقوة وحب المغامرة وتحمل الصعاب، والمشابيب تعني القادة حيث إنّ القيادة التي تكون بيد الشاب تتسم بالتغيير السياسي والاجتماعي نحو الأفضل، وتتمتع قيادة الشباب بالنشاط والحيوية والتعاون للوصول إلى النهضة والرقي بالمجتمع كافة .

إن أهمية الشباب منذ أقدم العصور ودور الشباب يحتل مراكز متقدمة جداً في بناء المجتمعات حيث إنّ صلاح المجتمع يعتمد على صلاح أبنائه الشباب، فالدعوة الإسلاميّة قامت على كاهل الشباب، وكان الشباب هم الفئة الأكثر إسلاماً في البداية، وهنا تكمن أهمية فئة الشباب إذ أنّهم قابلون للتطور والتغيير، وبناء نهضة في زمن قصير، لأنّهم يتمتعون بصفات عدة تساعدهم على ذلك مثل النشاط والقوة الجسدية والفكرية وغيرها، فالشباب ذكروا في مواطن كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ممّا يدلّ على أهميتهم في بناء المستقبل . 

إن ازدهار الأوطان وتقدّمها مصدره الشباب، حيث إنّ وجود الموارد الطبيعية والإمكانيات المادية دون توفر الموارد البشرية لا يمكن الاستفادة منها، لأنّ الموارد البشرية وخاصةً فئة الشباب هي من تقوم بعملية التخطيط والإدارة والسعي لتنمية كافة القطاعات وتطويرها، مثل التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية، والمساعدة في المحافظة على استدامة الموارد الطبيعية إلى الأجيال القادمة .

وكلّما كانت فئة الشباب أكثر نضوجاً وتعليماً كانت المجتمعات أكثر نهوضاً، ولا نعني بالشباب فئة الذكور فقط، بل تضمّ فئة الإناث التي لايقلّ دورها أهميةً عن دور الذكور، فهي من تربي الأجيال وهي نصف المجتمع . وهناك دور كبير يقع على عاتق الاسرة وهو القيام على تربية الأبناء أخلاقياً واجتماعياً ودينياً، لينشأ جيل من الشباب الواعي الذي يشكّل المجتمع وبالتالي الدولة .

نحن نرى انه لايمكن الرقي بدون مشاركة الشباب، فمهما كانت حاجتنا للخبرات، فلا بد من الاستفادة من طاقة الشباب والإستعانة بها .

كما أن على وزارة الثقافة والتربية والتعليم العالي أن تقوم بدور كبير في الاهتمام بالشباب ثقافياً وأدبياً، وذلك باحتوائهم من خلال البرامج الأدبية والثقافية والعلمية، ومن خلال الفعاليات التي تقدمها هذه الوزارات خلال المواسم الثقافية الدورية داخلياً وخارجياً، أو عبر الأندية الأدبية والثقافية والعلمية وأطروحاتها خلال المواسم الثقافية، وكذلك المشاركة في البرامج الثقافية والأدبية والعلمية، والاهتمام بالمراكز ذات الإختصاص والتخصص في المحافظات، وتنشيط اللجان الشبابية بصورة أكبر وأكثر فعالية، وفتح مراكز لرعاية الموهوبين أدبياً وثقافياً وفنياً وعلمياً، كل ذلك ستكون نتائجه رائعة وسيعود بالنفع والفائدة على شباب الوطن، وهذه الأدوار المهمة ستقدم للوطن نماذج من الشباب يُعتمد عليهم في مسيرته الإنمائية المستمرة، والذين سيكونون صمام أمان لوطنهم، وضمان استقرار لمجتمعهم .

إن الشباب هم صمام أمان الأمم، ومقياس قوتها، وهم ثروتها وخير من يقودها، وهم مقياس تقدمها أو تأخرها ومعيار رقيها أو تدهور أحوالها، ومع ذلك فهم لا يحظون بالاهتمام  من بعض الجهات المختصة بهذه الشريحة الواسعة، ففي كل يوم نجد أن ما ينتجه الشباب هو نتيجة أعمال فردية مرتجلة لا يسبقها تخطيط واضح وعمل مترجم ورؤية مستقبلية .

سنعرض في دراستنا هذه آراء بعض الاختصاصين في كيفية الاستفادة من هذه الطاقات الشبابية وآلية التعامل معها بإعتبار الشباب هي الشريحة الواسعة والفعّالة في المجتمع، ودورها في تقدم المجتمع نحو المستقبل الأفضل .

فبعضهم يقول أنه لا بد من تقديم بعض الاقتراحات للجهات المعنية لاحتواء الشباب وبناء مستقبلهم وتحقيق آمالهم، ويتمثل ذلك في تثقيف المجتمع بالتعامل الأمثل مع أخطاء الشباب، وضرورة تفعيل البناء التربوي والبرامج الوقائية من خلال المدارس في جميع مراحلها، وتفعيل النوادي الثقافية والرياضية داخل الأحياء والإسهام في إعداد القائمين عليها، وتكثيف النوادي الصيفية ودعمها ووضع الخطط الإبداعية في ارتقائها، وتكثيف المخيمات الشبابية التي تساهم في التربية واستثمار الشباب بشكل متواصل، وإعداد برامج خاصة في القنوات الفضائية تهتم باهتمامات وهموم ومتطلبات الشباب، والنظر في إعادة صياغة المناهج الموجودة في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، والتركيز والاهتمام بالكيف والهروب من الكم، وضرورة الإسهام في التخفيف من المصروفات التي تبعد الشباب عن الاهتمام والإبداع، والوقوف إلى جانب الشباب الموفدين خارج البلاد ومتابعتهم، وضرورة استغلال فترة دراستهم فيما يعود بالنفع لهم ولأوطانهم وحمايتهم من الثقافة التي تقود إلى الهدم والانحلال، وبناء الثروة الاقتصادية عن طريقهم ويكون ذلك عن طريق توفير الدعم المادي من خلال تأمين القروض المادية التي تساعد  على تمكين الشباب من بناء مشروع اقتصادي حتى ولو كان بسيطا، وإنشاء مؤسسات شبابية حكومية خاصة تظهر الاهتمام والتنافس البناء في خدمة جيل الشباب .

ألفراغ يُعتبر قاتل الإبداع والعمل عند الشباب، فهو سم الحياة وقاتل الطموح، وكيف لا يكون ذلك ونحن نشاهد ضعف واقع بعض الشباب اليوم، فهم إما على الطرقات منتشرون، أو على الشبكات العنكبوتية منهمكون في مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر شاشات الفضائيات، وهذا يعني انهم يستغلون الزمن الشبابي لهم في أعمال غير مفيدة لهم ولمجتمعاتهم ودولهم .

فالتفكير في القضاء على الفراغ في حياة الشباب بمشاريع تحفظ أوقاتهم وتجذب أنظارهم وتحفز إبداعهم، يكون عوناً لهم لمستقبل مشرق وبرّاق، والذي يُنبئنا بقدوم حضارة قوية تسهم في دفع عجلة التقدم والبناء، وعلى ذلك ينبغي أن يكون هناك تطلعاً للاهتمام بجميع فئات الشباب، ومن المفروض أن يستفيد المجتمع من جميع الشباب، ولا يُعتمد التطلّع والتمني والتخطيط فقط هو أداة لاستثمار الشباب المبدع والموهوب، بل يجب يكون ذلك متبوع بخطط تنفيذية حقيقية تحتضن كل الشباب بتنوّع الطاقات لقتل الفراغ الذي يعيشه معظم الشباب اليوم . 

لا يَنكر أحد الإنجذاب الذي قد يتفاعل معه معظم الشباب من خلال الخطاب العاطفي الموجه له بالصوت والصورة والتقنيات الحديثة والمؤثر سلبا على عقولهم، حيث أنهم يتفاعلون مع معطياته بشكل كبير لجاذبيته وتوافق أهواءهم معه، ومن هنا ينبغي أن ننطلق في بناء خطاب تربوي وتجديدي من أجل أن يجسد متطلبات الحياة عند الشباب، ومن الضروري أن نبتعد عن الخطاب التقليدي بكل أشكاله لأن ذلك لا يمثل تأثيراً إيجابياً في ظل هذا الكم الهائل من الثقافات المتجددة المؤثرة . والخطاب التربوي المدروس والمبدع سيمنع شبابنا من أن يكونوا لقمة سائغة لتيارات الفساد والانحراف .

علينا أن نتسائل .. لماذا يكون الدعم المادي عائقاً مباشراً في مسيرة الشباب ؟ فنحن نعجب من أموال كثيرة تُنفق على حفلات التكريم أو في مهرجانات وإحتفالات ومناسبات لا قيمة حقيقية لها في بناء المجتمع، تذهب قيمتها بعد إنتهائها مباشرة، بدون فائدة تُذكر ...

فلو تم استغلال هذه المهرجانات والإحتفالات والمناسبات في الإهتمام بأقوى ثروات المجتمع (الشباب)، لكان أجدى وأنفع لكل المجتمعين بهذه المناسبات ولبلدانهم ومجتمعاتهم، خصوصاً عندما يكون الإهتمام منصب على محاربة التشتت الفكري عند الشباب نتيجة الفراغ، والتركيز على النمو والتطوير والتنمية في العقول والأفكار والمفاهيم .

ولعلم النفس رأي بظاهرة قبول الإحباط والرضا به، فهي أكثر قوة عند الشباب وهذا نتيجة لافرازات الواقع الذي يعيشونه من كبت وعدم اهتمام وفراغ فكري وزمني، والواقع اليوم يشهد تعقيداً مركباً في حاجياته، وصعوبة تحقيق متطلباته، إذ أنه من المحتم على الجهات المعنية القضاء على مسببات هذه الظاهرة المتمثلة بالبطالة والتي تسيطر على الواقع الشبابي، والضغط الاجتماعي الذي لا يرحم أخطاء الشباب، ولا يقف بجانبهم في الوقاية أو العلاج في احتياجاتهم المعنوية والمادية، وغير ذلك من بذور الإحباط التي نبتت من واقع حياة الشباب .

تبقى شريحة الشباب هي مصدر إنطلاقة الأمة وبناء الحضارات وصناعة الآمال وعز الأوطان، فهم يملكون طاقات هائلة لا يمكن وصفها، وبالسهو عنها سيكون الانطلاق بطيئاً، والبناء هشاً والصناعة بائدة، والتطلع المنشود هو اكتشاف الطاقات الشبابية، ومن ثم توجيهها إلى من يهتم بها ويفعلها التفعيل المدروس حتى يتم استثمارها، فهذا الاستثمار له أرباح مضمونة متى ما وجد اهتماماً من الجهات الحكومية والأهلية والدينية المعنيّة، والتطلع المنشود من خلال هذا المحور هو عملية تعديل ايجابي تتناول طاقة الشباب وتنميتها حتى يكتسب المهارة والإتقان .

نتمنى أن يكون هناك الكثيرون ممن يشاركوننا الأمل في ضرورة الانتباه لشريحة الشباب وأهمية الاهتمام بمستقبلهم ، لما سينعكس بالخير عليهم وعلى الوطن بالكامل، خاصة وأن الأحداث الأخيرة التي تشهدها المنطقة بينت للجميع الدور الهام الذي قدّمه جيل الشباب للوقوف الى جانب الوطن في محنته، وأن الشباب يملك من الوعي وتحمل المسؤولية القدر الكاف للوقوف في وجه أكبر مؤامرة اُحيكت من أعظم بيوت المخابرات العالمية لتدمير المنطقة وشعوبها وخصوصاً شريحة الشباب فيها خوفاً من النهضة المتوقعة منهم .

استثمار الطاقات الشبابية ....

إن من الأخطاء الفادحة عدم استثمار طاقات الشباب واكتشافها وتشجيعها على الإبداع والبناء، فاستثمار العقول والأفكار وتوجيهها للعمل والإبداع هو الواجب على الأمة وقادتها .

فتلك المواهب التي يتمتع بها الكثير من الشباب بقيت حبيسة في نفوسهم، وربما استُغلت خطأً فيما يعود عليهم بالضرر، أو استغلها غيرهم بتوجيههم إلى ما يضرهم ويضر المجتمع والأمة .

إن أسلوب التفريغ والإشعال دون دراسة وتنمية هو هدر لتلك المواهب التي تحتاحها البلاد، فكما نشتكي من إهدار المياه والكهرباء، فإهدار طاقات الشباب ومواهبهم أعظم وأشد، فتلك القدرات إذا لم تُستغل وتستثمر لصالح الوطن، فقد يستغلها الغير لصالحه، وإن لم توجّه إلى الإبداع والعمل والبناء، فإنها تتجه مع ضعف الإدراك وطيشان الشباب إلى الهدم والإفساد .

وإن أول طريق للاستثمار .. هو أن ننظر إلى هؤلاء الشباب نظرة إعجاب وإكبار لما يحملونه من مقومات وإمكانيات، وإحساسهم بالمسؤولية تجاه أنفسهم وبلادهم، ونظرة التقدير والاحترام تدفعهم للعمل والإنتاج والإبداع، عكس نظرة الإستصغار التي تُأجج فيهم مشاعر الإحباط والكسل واليأس .

وإن زرع الثقة بهم والاعتماد عليهم ودفعهم للإبداع طريق لاستثمارهم والنظر إلى أنهم في طريق الإعداد والبناء، فعلينا تقبّل وتجاوز أخطاءهم، وتدريبهم تربوياً للإستفادة منها والنهوض والإبتعاد عنها .

حالات سلبية يحب دراستها .....

- كنا قد أشرنا بالبنان على فكرة فرض توظيف الشباب في بعض المؤسسات، لكننا لنعجب من بعضها فهي لا تمكنهم من العمل والإستفادة من طاقاتهم، بل تدفع لهم مرتبات مقابل الحضور لسويعات دون عمل أو بقاء الجلوس في البيوت ...

أليس هذا قتلاً للشباب ومواهبهم وإهداراً لجهودهم؟ أليس هذا تحطيماً للمعنويات والطاقات؟

- ونجد بعض أولياء الأمور والقادة يعيبون دخول اولادهم سوق البيع والشراء والتكسب أو العمل بالأعمال المهنية .. فينظر بعضهم نظرة دونية لمن يعمل في هذا المجال، وتلك والله نظرة جاهلية حمقاء تقتل روح الشباب وتطلعاتهم .

فالبيع والشراء والعمل والأكل من كسب اليد من أفضل الأعمال، لانها تجارة حلال أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وآله .

فق سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله .. أي الكسب أطيب؟ قال .. (عمل الرجل بيده وكل كسب مبرور) .. وفي رواية (وكل بيع مبرور) .

فالإحساس بالمسؤولية تجاه الشباب، وقيام كل فرد في المجتمع بدوره حيالهم، وعدم وضع العقبات والعراقيل أمامهم، وفرض الافتراضات والتوقعات والتوهمات في طريقهم، هو السبيل الناجح للإرتقاء بهم لفائدتهم وفائدة مجتمعاتهم .

لذلك ندعوا الحكومات والوزارات والتجّار والمؤسسات المدنية والدينية للإهتمام وتقديم كل ماهو مفيد ونافع لإستثمار شريحة الشباب، فنحن بحاجة إلى استشعار المسؤولية تجاههم، فهم أبناء البلاد وعمادها .

ولايجوز ان ما يُقدّم لهؤلاء الشباب يكون وقتياً ومحدوداً بزمن معين، ولا يحمل هدفاً ولا يقدم نفعاً، فأسلوب قتل الفراغ وعدم الإهتمام بالوقت، وتسوّد وسائل الترفيه التي لا تعتمد على التدريب وصقل المهارات، تعني الهدم والتحطيم ولا تعني البناء والتنمية .

فنحن بحاجة إلى بناء العقل والفكر واستثمار الطاقات ودفعها إلى العمل والإبداع وتبصير الشباب لتنويرهم بواقعهم ومسؤولياتهم، وتقديم الأفكار للشباب والاستفادة من أفكارهم وتشجيعهم عليها .

تبدأ مسؤولية الإستثمار من الأسرة، فالأب والأم هم راعٍ في أبنائهم .. وتنتهي بمؤسسات الدولة المدنية والدينية .

فهل فكّرنا بماذا نستثمر طاقات أولادنا ولماذا وكيف نبدأ ؟ فالواقع الذي يعيشه الشباب واقعاً مأساوياً وبالأخص في تلك الإجازات بين سهر في أماكن مشبوهة ونوم عن الصلوات، أو سفر أو ضياع وتسكع وإيذاء وإفساد فيضرون أنفسهم وغيرهم .

فالأولاد من بنين وبنات هم بحاجة إلينا، وبحاجة إلى العطف والحنان والتدريب والتوجيه، وبحاجة إلى زرع الثقة والاعتماد عليهم، وبحاجة إلى فتح الآفاق أمامهم وطريق الأمل والنجاح .

وإن الألم ليعتصرك حين ترى أغلب الشباب يهيمون بلا هدف ولا هوية، فأوقاتهم مهدورة وطاقاتهم مهملة ونفوسهم خاوية، تبحث عن المتعة واللهو، لأنها لم تُربَّ على كيف تنجح وكيف تتحمل المسؤولية وكيف تنظر إلى الحياة .

وإن إعداد النفوس واستصلاحها مهمة صعبة تحتاج إلى جهود وإعداد وإلى تخطيط ودراسة .

وتلك إشارات سريعة لاستثمار تلك الجهود والطاقات والمواهب المهدرة التي تخسر البلاد بهدرها، وتتراجع عن التقدم بسبب ذلك الهدر .

فكل الجهود المبذولة بحاجة لإعادة نظر وتجديد وإبداع وشمولية أكثر، فهذه الجهود هي أعمال مكررة لا تستهوي الشباب، ولا تشفي غليلهم ولا تصقل مواهبهم .

فنحن بحاجة إلى التكامل في الطرح ومراعاة الهويات والمواهب والتفريق بينها، فما يصلح لهذا قد لا يصلح للآخر، وكل ميسر لما خُلق له .

فالذي يعد فاشلاً في مجال قد يكون مُبدع وناجح في مجال آخر، فما علينا إلا الاكتشاف والتنويع في الطرح، والبُعد عن التقليد والتكرار والاستعانة باتحاد الجهود والتعاون على البر والتقوى .

فالإجازات هي فرصة للعمل والتدريب واكتساب المهارات وتوجيه الطاقات، فها هي المراكز الصيفية المنتشرة في بلادنا، وهاهي الدورات في الحاسب وفي غيره موجودة، لكنوما الذي يمنع أن يوجَّه الأبناء لتعلم هذه المهن والحرف لكي يكسب ويستفيد ويتدرب على العمل والإنتاج ؟ فالالتحاق بالوظائف الحكومية والأهلية في الإجازات ليس عيباً، إنما العيب في البطالة والضياع .

لقد نشئ هذا الجيل نشأة الترف والضياع، ما أثّر سلباً على نجاحه ومستقبله، فلا بد من تعويد الشباب على الجد والمثابرة وتحمّل المسؤولية منذ البداية .

فالإجازات تعتبر مُنزلق خطير لما يعيشه الجميع من الفراغ القاتل، فيجتمع المال وجليس السوء مع الفراغ والشباب فيكون سبباً للفساد والإفساد .

فلا بد من تكثيف الجهود واتحاد الجميع لكي تكون الإجازة وسيلة للنجاح والفائدة . إضافة إلى ما سبق لا بد أن يقوم البيت بدوره، فيضع رب الأسرة برنامجاً خاصاً لعائلته يجمع بين الفائدة والترفيه والرعاية والقيام بواجب الأمانة .

كلل الله المساعي بالنجاح ...

والله من وراء القصد .

 

بقلم / د. نبيل أحمد الأمير

 

 

ayad alzouhiriقضيه فلسفيه شغلت الانسان كثيرآ، كما شغلتهم في كل مكان وزمان، وهي محط نقاش الطبقات المتعلمه والجاهله، كما هي موضوع  أهتمام الشعوب البدائيه والمتقدمه. أنها القضيه التي شغلت الأنسان منذ مرحلة أحساسه بوجوده بالحياة والى خاتمة حياته.

من الملاحظ أن المؤمنين والناكرين للدين لا يفتأون يبدون ألآراء  تلو الآراء والدليل بعد الدليل في النفي والأثبات، لكن في نهاية الأمر لا يسعنا الى الركون الى أحداها .

أن وجهت النظر الناكره تقول أن الدين نتاج نفسي ولدته الحاجه على أمل أن يضفي على مشاعر الناس المتعبه والقلقه الهدوء والسكينه، وهي أهم عناصر الشعور بالسعاده، أنه الأحلام كما يدعون التي لولاها لعاش الأنسان حاله من الجدب والتصحر الشعوري، وهذا يشكل أحد أكبر مشاعر الأكتئاب عند الأنسان، وكما قال الشاعر العربي :

أعلل النفس بالآمال أرقبها           ما أضيق العيش لولا فسحت الأمل

كما أن أصحاب هذه النظريه يقرون بأن العلم لا يستطيع أشباع كل التساؤلات وأشباع كل مشاعر الأنسان، لأن العلم لا يستطيع أن يوعد أو يكذب لأنه يرتكز على حقائق ويتحدد بحدود الموضوعيه وهذين العنصرين لا يستطيعان الأحاطه بتطلعات النفس الأنسانيه لما تمتلكه النفس الأنسانيه من حاله من الطيران خارج حدود الأنسان المادي، ولكي يسد الأنسان هذه الحاجه ويشبع هذا التساءل أخترع الدين من عنديات مخيلته وأطلق العنان لها لكي تأتيه بما يسد رمقها من الأجوبه حتى أذا على شكل أوهام لكي تقنعها أو على الأقل أرضاءها، وتهدأ روعها، فلطالما يرتعب الأنسان من المجهول وماسينتظره ما بعد الموت، كما هناك شعورآ قويآ لايقاوم من رغبة الخلود.

هذه المشاعر لا يسد فراغها الا الأمل الذي يصنعه الدين، كما أن هذه المشاعر والمطامح هي ما أنعشت الأفكار الطوباويه،كما هو يعبر عن لسان حال أصحاب هذه النظريه، وهذه الطوباويه تشمل الأديان والأفكار الفلسفيه والأجتماعيه التي ظهرت عبر التاريخ ومنها ما ظهرت على شكل أفكار فلسفيه مثاليه وأشتراكيه(شيوعيه)، ويوتوبيا على شكل روايات كمدينة الشمس وغيرها من الروايات المثاليه وهي كثيره لا يسع المقام هنا ذكرها.

من المهم الأشاره الى أن أصحاب هذه النظريه لم يقللوا من ضرورة هذه الأوهام كما يسموها، لأن هذه الأوهام كما يزعمون هي الدافع والمحرض الرئيسي لأنجاز أعظم الفنون، وأعظم النصب والمنشأت في كل بقاع المعموره حتى أن ألغاءها أو هدمها سيجرد العالم من كل الأعمال العظيمه، ويجعل منه عباره عن بقاع مجدبه وخاليه من كل روح.

نلاحظ وخاصه خلال القرنين الأخيرين قد بذلت جهود كبيره من قبل متبني هذه النظريه، وبكل حماسه لتدمير هذه الصروح والمتبنيات الدينيه بأعتبارها متبنيات قد عفى عليها الزمن ويجب على الأنسان الحديث مغادرتها وأسدال الستار عليها بعد أن دخلت الأنسانيه طورآ جديدآ، وعهدآ مختلفآ من التفكير لا مكان لهذه الأوهام فيه. بل يجب أن تكون شيئآ من التاريخ، وصفحه من صفحات تطور البشريه، وهو ما يعبر عنها بالتراث المكتوب يمكن الرجوع اليه للأستئناس لا أكثر.

بعد أن قطع أصحاب هذه النظريه فتره طويله من العمل المضني بتدمير هذا التفكير وأستعملت كل الطرق لألغاءه ومنها العنف الذي وصل الى حد اعدام الكثيرمن معتنقيه، فتفاجئ العالم من جراء ذلك بظهور أعراض مشاعر اللا معنى والتيه الفكري والخواء الروحي، وهذا ما ساهم بظهور أعراض الأكتئاب النفسي والجنون العقلي، وهو بالحقيقه تهديد خطير للمجتمعات الأنسانيه، كما أكتشف الأنسان بأن العلم لم يسعف الأنسان بتحقيق ما يأمل من سعاده رسمته له نظريات الألحاد والتي لم يجني منها الا السراب الذي لم يروي ضمأهم النفسي. لهذه الأسباب نشاهد الزحف العظيم لجموع البشر بالرجوع الى الدين هاربآ اليه من وحشة حياة الا معنى.

كما أن العلم عجز، كذلك الفلسفه الماديه عجزت من أن تقدم للأنسان ما يطمئن مشاعره ويحقق أمانيه، فعجزت هي الأخرى بتقديم مثل أعلى كنموذج أخلاقي أو فكري أو مشاعري حتى أنساني يقنع الأنسان ويملي عليه وحشته التي حولت واقعه الى جحيم وما الأمراض النفسيه والعقليه والتذمر العام والشامل في كل المجتمعات الا مصداق لما ندعي.

هذا الحضور القاسي لما يعانيه الأنسان هو من جعل البعض من أصحاب هذه النظريه بالأضطرار الى القول بضرورة وجود الأوهام بأعتبارها ضروره حتميه تعالج عنصر مهم بالكيان الأنساني، فشل بالأستجابه له العلم والفلسفه، فقد فشلت كل النظم السياسيه والأفكار الفلسفيه والأجتماعيه والنظريات العلميه بأشباع هذه الغريزه.

أن المسار الصاعد والمندفع في أوساط الناس لم يأتي من فراغ وأنما هو سعي لتلبية حاجه موضوعيه، وهي كغيرها من حاجات الأنسان الذي لها وجود واقعي، فمثلآ الحاجه الى الطعام حاجه واقعيه، والحاجه الى الجنس كذلك الكثير من الحاجات التي تطلب أشباعها والأستجابه لها، هي بالحقيقه وجود واقعي، كذلك مواضيع أشباعها هي من ذات الموضوع أي لها وجود من طبيعة الحاجه، وكما أن للحاجه طبيعه واقعيه، يكون أشباعها لها طبيعه واقعيه أيضآ، فبما أن للأنسان حاجات ماديه وغير ماديه، كذلك تكون طبيعة ما يشبعه من كلا الحالتين، وبهذا لا يمكن الوصول لأي حاله من الأستقرار للأنسان الا بأشباع هذين الطبيعتين الماديه والروحيه . خلاصة الموضوع أن الأنسان لم يحس بحاجه شئ ما لم يكن له وجود واقعي، وأن نكران أحد هذين الجانبين من قبل الفلسفات ذات الطبيعه الماديه هي ما ساهمت بظهور أراء متطرفه زادت من حيرت الأنسان وفاقمت من معاناته النفسيه والروحيه .

يتضح مما سبق ليس للأنسانيه الا تصحيح مسارها وذلك بالرجوع الى الله، وهو من هندسها والعارف بمقتضيات حاجتها، وهو العارف بخريطة الأنسان بجانبها الروحي، والتي لا عهد للأنسان بها حيث قال الله في محكم كتابه (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) . ان الله ترك للأنسان كل حلقات حياته وجعل فيه كل القدرات التي تلبي حاجاته الماديه وترك لنفسه حلقه واحده الا وهي حلقة الروح والتي جعلها من صلب أختصاصه لكي يربط الأنسان به .

هذه النظريه هي التي أميل أليها وأعتقد بها والتي تنطلق من نظرة هندسة الوجود، أما النظريه الأولى فتعتمد على فوضوية ولا أدريه الوجود.

هناك مسأله ينبغي الأشاره أليها ألا وهي بعض الممارسات التي يقوم بها البعض على أنها ممارسات عباديه، وهي بالحقيقه لا تعبر عن حقيقة الدين وأنما هي أعمال تمارس لأشباع الجانب الحسي للأنسان، كما هي من ضمن دائرة المسموح بها، وهي تعتبر كمقدمه لغايه من أصل الدين،هذا الأمر نشاهده بالمناسبات التي يعبر بها المؤمنون عن حبهم، أو حزنهم لأمام أو نبي أو شخصيه صالحه، وهي ممارسات مسموح بها ما دامت تمارس في حدود دائرة المعقول. فمثلآ أن الممارسات الشعائريه التي تقوم بها الطائفه الشيعيه لا تتنافى مع مبادئ الأسلام، ما عدى بعض المظاهر التي دخلت مؤخرآ وهي مما لا يعتد بها حتى جمهور الشيعه أنفسهم . هذه الممارسات الشعائريه تدخل على ممارسيها شعور الراحه والأطمئنان، وهي تصب بنفس المصب العبادي، حيث يشتركوا في أشباع الحاجه النفسيه، وأضفاء مشاعر السعاده والرضى في نفوسهم وهذا هو واحد من أهم أهداف الدين، كما هو دليل واقعيته.

 

أياد الزهيري

 

 

nabil odaaلفتت انتباهي جملة في مراجعة لديوان شاعر عربي من فلسطين 48، كتبها ناقد سأرمز اليه باسم "الناقد سعيد"، يصف الديوان بقوله: " فيه خروج عن المألوف وتطور للأفضل فيما يسمّى باسم شعر الحداثة modernism.". ثم يقول: " يدعي الكثيرون أنهم وحدهم يعرفون ما هو شعر الحداثة؛ وكنا أنا ومجموعة من الزملاء قد عقدنا مهرجاناً كبيراً حول شعر الحداثة".

لست في باب تقييم الديوان أو "الحداثة " في شعر الديوان ... وليس هذا دافعي للكتابة!!

جملة الدكتور "الناقد سعيد" تشير الى عدم فهم رهيب لموضوع الحداثة في الأدب والفكر والفلسفة والعلوم والاقتصاد والمجتمع والفكر والتقنيات .. الخ. وكيف له ذلك والثقافة العربية، في كل الوطن العربي، لم تنجز استحقاقات الحداثة بعد، وتبدو الحداثة موضوعا للترف الفكري في الثقافة العربية، لأن الثقافة العربية تفكر وتنتج نفسها في واقع عربي اجتماعي واقتصادي وثقافي هو أصلا ما قبل الحداثة بمئات السنين .. لكن المشكلة أيضا ان "الناقد سعيد" وآخرين واهمون انهم سادة الفكر وأساتذة النقد، وهم لا يفقهون جذور الفكر النقدي وفلسفته!!

يستطيع "الناقد سعيد" ان يدمج كلمات لاتينية بعد كل جملة. هل سيتغير الحال مع مضمون الحداثة الأدبية؟ وهل أضحت الحداثة معلما ابداعيا .. بدونه لا قيمة للعمل الأدبي؟

أقدر تقديرا كبيرا جهود "الناقد سعيد" في مراجعاته الأدبية، أو النقدية كما يصر ان يسميها، رغم ان النقد غير قائم في نصه، بل المدائح التي لا قرار لها، والمضرة بالمبدعين الناشئين وانتج وضعا يستحق ان يلحق باسمه بانه "قبلة الأدباء العرب في إسرائيل".. السبب: جميع القاصرين والفارغين أدبا وثقافية يريدون المديح والتصفيق. آمل ان يتحرك نقاد الأدب، لإعادة التوازن الثقافي النقدي، واعادة ضبط الاصطلاحات التي يستعملها نقاد أدب يفتقدون لمعرفة فكرية وتاريخية دقيقة لنشوء الاصطلاحات التي يقحموها في نقدهم، وهم بالكاد يدركون أسباب نشوئها في الآداب الأجنبية، والأدب الأوروبي على وجه التحديد، وهل يمكن نقل اصطلاحات حضارة تجاوزتنا بمئات السنين بكل مجالات الفكر والإنتاج والرقي الحضاري والادعاء اننا نحث الخطى بموازاتها، بينما واقعنا يزداد ابتعادا عن التنوير والتصاقا بالفكر السلفي الإرهابي؟

يقول "الناقد سعيد": " يدعي الكثيرون انهم وحدهم يعرفون ما هو شعر الحداثة؟"

أولا الحداثة لم تولد للشعر .. انما لمجمل الثقافة الروحية والمادية من ابداع ونقد وفكر وفلسفة وعلوم ومجتمع وعلمانية وانتاج اقتصادي مادي (الخيرات المادية)، وكل ما يخص الحياة الإنسانية بأبعادها المادية والروحية، وهي نقض كامل لكل ما سبقها من فكر واتجاهات ثقافية وفلسفة وايمان مغلق.

الحداثة ترتبط جذورها تاريخيا بعصر اسمه عصر التنوير الأوروبي الأول وثم عصر التنوير الثاني .. وصولا الى عصر النهضة الأوروبية، ويعتبر رسميا الأديب الفرنسي شارل بودلير 1821-1867 المؤسس الرسمي لتيار الحداثة. كذلك نجد من أوائل الحداثيين الاديب الفرنسي غوستاف فلوبير 1821-1880 والشاعر الفرنسي مالارامية 1842-1898 وهو من أبرز شعراء مدرسة "المذهب الرمزي". والشاعر الروسي الشيوعي الشهير مايكوفوسكي، الذي نادى بنبذ الماضي والاندفاع نحو المستقبل، وعندما تعثر حلمه الحداثي، بسب بيروقراطية النظام الجديد، انتحر. وهل نستطيع ان نضع آباء الماركسية (ماركس وإنجلز) خارج نهج الحداثة؟

نجد في الثقافة العربية الى جانب أدونيس الأبرز حداثيا في فكره، الكاتب والشاعر اليمني عبد العزيز المقالح والمفكر المغربي عبدالله العاروري والشاعر عبد الوهاب البياتي المرحوم محمود درويش ومن الجزائر الفيلسوف محمد أراغون والكاتب كاتب ياسين والشاعر المصري صلاح عبد الصبور، والمفكر السوري المقيم في فرنسا د. هاشم صالح والباحثة والكاتبة التونسية د. رجاء بن سلامة والمفكر التونسي الكبير المرحوم العفيف الأخضر (الملقب بفولتير العرب)، كذلك نجد المفكر الفلسطيني الكبير المرحوم د. ادوارد سعيد، مؤلف "الثقافة والامبريالية" و"الاستشراق" و"وصور المثقف"، حيث يطرح رؤية حداثية انقلابية في المفاهيم الثقافية والتاريخية . ولا بد من اعتبار المفكر الماركسي الايطالي الكبير انطونيو غرامشي ضمن تيار الحداثة الفكرية والفلسفية والاجتماعية والثقافية الى جانب تيار "الماركسية الغربية"، من أبرز ممثلي المدرسة الماركسية الغربية جيورغ لوكاتش (هنغاري) وكارل كورش (ألماني) وارنست بلوخ ( ألماني) وروجي غاروديه (فرنسي) وغيرهم.. لعلي بذلك اساعد، من يريد التوسع، للتعرف التطبيقي والعملي لمفهوم الحداثة في شموليته الثقافية والفكرية والفلسفية والدينية والاجتماعية والإنتاجية.

طبعا هناك اختلافات بين الحداثيين أنفسهم، وتعدد رؤاهم واختلافها، بل وتناقضاتها الكبيرة وهو امر صحي وطبيعي. وكما أسلفت مفهوم الحداثة يعاني من التباسات واتجاهات كثيرة متناقضة، وهي غير ميسرة وواضحة الا في فكر "الناقد سعيد"..

واود أن أضيف، بأن الفكر أو العقل الغربي قد تجاوز الحداثة التي ما زلنا نلعب بقشورها، نحو تأسيس المنظومة المعرفية، أو ما يعرف ب " فلسفة العلوم والتكنومعلوماتية"، وهي مرحلة "ما بعد الحداثة" كما يطرحها بعض الفلاسفة الاوروبيين. لعل "الناقد سعيد" يقرأ مقالي ويكتشف ان بعض شعرنا يتبع "فلسفة العلوم والتكنومعلوماتية" وسيستعمل الاصطلاح كأنه أنتج فلسفة التكنومعلوماتية، فهي أرقى من حداثته الشعرية، وقد ترضي الكتاب أكثر من صيغة "الحداثة" الأوروبية العجوز.

استعمال اصطلاح الحداثة بحالتنا، مصدره عدم معرفة فلسفية وفكرية وثقافية كاملة، وهي مشكلة ثقافية عربية عامة، تفتقد لآليات فكرية للتمييز ين مصطلح الحداثة (modernism) والمعاصرة (modernity)، والتحديث (modernization)، وهي اصطلاحات تختلف معانيها ومضامينها وقاعدتها الفلسفية. وكثيرا ما نستعمل مفهوم الحداثة في الأدبيات العربية بنفس المعنى، أي خلط بين الحداثة والمعاصرة والتحديث.

ليت "الناقد سعيد" يقبل نصيحتي بأن يبتعد عن هذه الحسناء المشاكسة التي اسمها "الحداثة" إذا لم يكن قادرا على ترويضها. وليعرف ان جمالية النص لا يقرره ربطه الميكانيكي بالحداثة، بل قدرة المبدع على التواصل مع المتلقي. والأهم أن الحداثة لم تتطور فقط كنزعة أدبية جمالية.

ان الحداثة هي مصطلح لا يتعلق بالأدب والنقد الأدبي فقط، او بالشعر والنثر تحديدا، بل بالثورة على الواقع الاجتماعي كله، بكل جوانبه السياسية والاجتماعية والفكرية والأدبية من أجل تغييره .. وكل نص أدبي تقليدي مسالم، غير ثائر، غير رافض للواقع، لا يدعو لنبذ كل المسلمات الاجتماعية المتخلفة، وتنمية المعرفة الانسانية، وانعتاق الفكر، ولا يربطه رابط بجذوة الانقلاب الثقافي والفكري .. ولا يرتبط بفلسفة ثورية .. هو تقليدي، بمعنى عدم تجديد في المضامين، وهذا لا ينفي قيمة العمل الأدبية، الحداثة لا تعني الابداع الأدبي -نقطة.

في كل الأدب العربي بالكاد نجد عددا صغيرا من الأدباء والمفكرين على فهم فكري وقناعة حضارية بمضمون الحداثة، وتبرز الحداثة في فكرهم المتجدد الرافض للتفكير الماضوي، ولتحرير الانسان المطلق وانعتاق المرأة ومساواتها.

قد نقبل، كمثقفين، وعلى المستوى الشخصي (الانديفدوالي) جوانب مختلفة من الحداثة. وهذا ليس سهلا. الحداثة هي غابة متصارعة من الأفكار الانقلابية والثورية والتجديدية والهرطقية أيضا، وليس كل ما يطرحه نهج الحداثة مقبول على كل مفكر حداثي. انا حداثي في حدود معينة وأرفض الكثير من طروحات الحداثة الأوروبية مثلا. لكني أقول ان الحداثة لم تولد للأدب نثرا وشعرا. الأدب البارز هو انعكاس للنهضة الحداثية ومعبرا عنها.

الشاعر الكبير أدونيس يعتبر من رواد الحداثة العربية ومفكريها، تعالوا نراجع فهمه الثوري للحداثة. يقول أدونيس: " إن الإنسان حين يحرق المحرم (أي النهج التقليدي) يتساوى بالله ". ويضيف: " إن التساوي بالله يقود إلى نفيه وقتله، فهذا التساوي يتضمن رفض العالم كما هو، أو رفضه كما نظمه الله، والرفض هنا يقف عند حدود هدمه، ولا يتجاوزها إلى إعادة بنائه، ومن هنا كان بناء عالم جديد يقتضي قتل الله نفسه (كمبدأ العالم القديم) وبتعبير آخر لا يمكن الارتفاع إلى مستوى الله إلا بأن يهدم صورة العالم الراهن وقتل الله نفسه ".

ترى هل يقبل مجتمعنا هذه الطروحات؟ هل يتحملها حتى في إطار نقاش فلسفي؟

هذه هي الحداثة بكلمات لا غبار عليها .. وهو أفضل تعبير عربي وجدته لهذا المفهوم الذي يحبه "الناقد سعيد" ويستعمله بغير معناه، بجرأة يحسد عليها. لا تأخذ النص المباشر حول الله .. يجب فهمه مضمونه الفلسفي، مثلا نسف كل النهج السائد، الذي بات يشكل عقبة امام الانطلاق الفكري والثقافي والفلسفي والانتاجي المادي.

أنت وقعت في مصيدة ادعائك .. وتكاد تقول انك الوحيد الذي يفهم "شعر الحداثة"؟ هل تعرف ان الحداثة أيضا تهدف الى نسف اللغة من جذورها؟ انا أيضا أستصعب فهم الموضوع .. ماذا سيحل مكان اللغة؟ هل من لغة أخرى تبشرنا بها الحداثة؟ ربما تتحفنا بحل لمعضلة اللغة التي ينشدها الحداثيون؟

ليس العيب ان لا يعرف المثقف مفهوم الحداثة، خاصة المثقف الشرقي الذي نشا في مجتمع تقليدي محافظ، ويواصل التقدم الى الخلف، وهو تطور أيضا، حسب تعريف فريدريك انجلز، حيث قال ان: " التطور شكلان، واحد الى الامام وآخر الى الخلف ..."

المثقف الذي لا يجرؤ على طرح التحدي .. وعلى التمرد .. لا علاقة له بالحداثة، أو ببعض متطلباتها، ولا يضر المبدع ان يعطينا أدبا انسانيا راقيا بدون الملعونة التي اسمها حداثة...

هل تظن عزيزي ان مجتمعاتنا المشرذمة طائفيا واثنيا وقبليا، ولا يستطيع الكثيرون من الأفراد فهم المقروء، حتى بلغة عربية بسيطة مثل لغة الصحافة، هل يستطيع ان يكون مجتمعا حداثيا، وان يقبل الحداثيين بفكرهم العلماني بل والالحادي الى حد بعيد فكرا ونهجا وابداعا؟

نحن نعرف ما واجهه ويواجهه أدونيس في العالم العربي من تكفير واتهام بالزندقة، لدرجة طرد كاتب معروف هو الدكتور أمين الزاوي، مدير المكتبة الوطنية في الجزائر، لتجرؤه على دعوة أدونيس (قبل سنوات) لإلقاء محاضرة، الذي اعتبرته حتى دولة المليون شهيد من أجل التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي،  كافرا وملحدا، وجريمة أدونيس انه طرح رؤيته بأن هناك: "مشكلة كبرى في المجتمعات الإسلامية تتعلق بـ"إخضاع الوحي للتأويلات السياسية والمذهبية بدوافع قبلية، ومذهبية، وأيديولوجية، وسياسية بدافع البحث عن السلطة".. .ووصل الأمر الى مسائلة وزيرة الثقافة آنذاك في البرلمان الجزائري، وسارعت وزيرة الثقافة في الجزائر خليدة تومي، الى رفع  تقرير بمدير المكتبة الوطنية الدكتور أمين الزاوي، إلى الرئيس بوتفليقة تتبرأ فيه من مسؤولية "الانزلاق الفكري الذي حدث أثناء محاضرة الشاعر السوري أدونيس" . هل ترى أيها "الناقد سعيد" ما تفعل الحداثة في مجتمعاتنا العربية، حتى المتأثرة حتى النخاع بالفكر الفلسفي الفرنسي الحداثي الأرقى في العالم؟

لا أكتب دفاعا فقط عن مواقف أدونيس، وهو أقرب الي من خربشات "الناقد سعيد".. لكني مع حرية الرأي الكاملة وحق الحوار والنقد، وضد كل محاولة لمنع مثقف، كبير مثل أدونيس أو غيره من ابداء رأيهم ومناقشته.

 انا ضد الانغلاق الفكري.

 

 

mohamad aldamiإن ظاهرة إهمال العلماء هي مثلبة تستحق عليها الأمم والدول تعابير العار والسخط، خاصة بعدما يغادر العلماء والمفكرون الأفذاذ الحياة وهم طي النسيان، تبتلعهم ظروف الحاجة والفاقة برغم ما قدموه من إسهامات فاخرة لبلدانهم وللثقافة وللإنسانية عامة. لذا راح العالم يقيس تقدم الدول والأنظمة بمعيار مستوى رعايتها لعلمائها وتكريمها لمنجزاتهم العبقرية وهم على قيد الحياة، ليس فقط لأن هؤلاء يمثلون أرفع ما وصلت إليه العبقرية الجماعية والفردية في مجتمع ما، بل كذلك لأنهم يشكلون جزءا أساسيا لا يتجزأ من الثروة القومية، حالهم حال النفط والموارد الأخرى. وقد شهد التاريخ العربي الإسلامي، على تقلب دوله ومشارب الحكم فيه منذ بداياته حتى معطياته المعاصرة، حقبا متعاقبة ومتقلبة شهدت تكريم العلماء من ناحية، وإذلالهم ثم امتطاءهم، بل وحتى سحقهم، من الناحية الثانية، الأمر الذي حدا بنقاد هذا التاريخ، خاصة الأجانب منهم، إلى مهاجمته بسبب حقب إهمال وإذلال العلماء، نظرا لتواشج الاهتمام بالعلم والعلماء (في الحقبات المسماة بالذهبية تعسفا) مع الأهداف السياسية والاجتماعية للحاكم ولأولي الأمر وللميسورين من مدعي رعاية العلم المتبجحين.

لقد كان العلماء، في الشرق والغرب على حد سواء، يُعتبرون أفرادا أذكياء مستنيرين يعتمدون على التشبث الفردي والعمل المثابر المتواصل المكرس لتحقيق منجزاتهم العلمية والفكرية. بيد أن هذه الظاهرة صارت جزءا من التاريخ المطوي والمخجل أحيانا للأمم الحية، خاصة بعد ظهور أنموذج الدولة الحديثة في القرون الأخيرة. لقد لاحظ ولاة الأمر في الحكومات المتطورة التي تستشرف المستقبل الأفضل لشعوبها أن العلم إنما هو سر التقدم والتفوق، وعليه يكون العلماء والمفكرون هم مفتاح أو باب هذا التطور المنشود. لذا تفننت الأنظمة الحكومية الحديثة والمتوثبة إلى التقدم في ابتداع وابتكار طرائق مناسبة لرعاية علمائها ومفكريها، على نحو رفيع يمكن معه “التفاخر” بين الأمم الأخرى في أساليب رعاية العلماء كنوع من أنواع التسابق نحو الأفضل. لقد عمدت بعض الدول إلى سَن قوانين خاصة برعاية العلماء، بينما شجعت دول أخرى العناية الفائقة بالعلماء وبالعبقريات درجة عدهم جزءا من الأمن القومي، وليس جزءا من الثروة القومية فقط، إذ أحاطتهم وأحاطت أنشطتهم بالسرية وبالرعاية المركزة على أمل أن تضع “الدجاجة بيضا من الذهب” في المستقبل. في الدول الغربية التي تتبع النظام الرأسمالي الأقل مركزية، دفعت الحكومات شؤون رعاية العلماء إلى الشركات الكبرى وإلى المؤسسات العلمية والأكاديمية ذات النفع العام أو الخاص، باعتبار مبدأ اللامركزية وعدم زج الدولة في تفاصيل غير إدارية عامة الطبيعة. وقد لعبت الشركات ومؤسسات القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية أدوارا جليلة في رعاية العلم والعلماء، ليس فقط باعتبار هذا الجهد نوعا من أنواع الاستثمار الاقتصادي، بل كذلك لأن هذه الرعاية لا بد وأن تصب في نهاية المطاف بثروات البلاد الكلية الشاملة، ثقافيا واعتباريا كذلك. أما في الأنظمة الأكثر شمولية، خاصة الاشتراكية والشيوعية، فقد ارتهنت رعاية العلماء بالدولة المركزية، خاصة بعد أن تحول المنجز العلمي جزءا من سباق التقدم والتسلح بين المعسكرين الشرقي والغربي قبل نهاية حقبة الحرب الباردة، الأمر الذي أدى إلى تمادي “الرعاية” حد الحبس وتحديد الحركة والاتصال، إذ صار رجل العلم ذو النفع الإستراتيجي والتقني الرفيع “مخلوقا” شبه مختبري، محاط بالحماية والرقابة والكتمان من أجل الحفاظ عليه وتوفير شروط الإبداع والابتكار له.

وقد حظي رجال العلم في كلا النظامين الاشتراكي والرأسمالي بالتكريم والحصانة والحماية الكافية من أجل إطلاق طاقاته العبقرية. فإذا ما كان رجل العلم والفكر أشبه ما يكون بـ”بئر للنفط”، حسب الذهنية المادية النفعية التي تقيس كل شيء بواسطة الجدوى الاقتصادية، فإنه غالبا ما يحصل على كل ما يرنو إليه من حياة مرفهة وكريمة له ولأسرته في الدول الرأسمالية التي توفر مؤسساتها المختصة له ما يعادل، أو يزيد على منجزه بحساب المال والتسهيلات. أما في الدول ذات الأنظمة الشمولية، فإن العالم يعد ملكية “مؤممة” للدولة، حيث تأخذ الحكومة على عاتقها توفير كل متطلباته الحياتية من توفير سكن لائق وحياة مرفهة وضمانات قانونية له ولأولاده كي لا تعييه معضلات الحياة اليومية مستهلكة إياه، فتمنعه من التفكير والإبداع المنتظر منه. يذهب البعض إلى أن العلماء في الدول الاشتراكية السابقة كانوا يحظون بمساكن شتوية وأخرى صيفية وبالخدام والخادمات وبكل ما من شأنه إطلاق عبقرياتهم. وكذا الحال في النظامين الرأسمالي والاشتراكي يحظى العلماء بالاحترام والتقدير الاجتماعي من قبل الجمهور (وليس من قبل الدولة فقط)، حيث لا يسمح للعالم أن يقف منتظرا في طابور للحصول على طبقة بيض، ولا تؤخر طلباته عن طريق التعقيدات البيروقراطية، ولا يمنع من مقابلة مسؤول مهما علت منزلته. وهكذا ترادف العالم مع النجومية، بينما ترادفت الرعاية المالية مع الاهتمام والتقدير الاعتباري، ناهيك عن رعاية الإعلام والصحافة للعلماء عن طريق إبراز ومتابعة منجزهم الفكري ومعطيات عبقرياتهم.

أ.د. محمد الدعمي

 

 

ali mohamadalyousifيصف كولن ولسون بان التصوفية البوذية تصّوف تدمير للذات والجسد، فهي تضطهد الجسد وتشهر عليه حربا فتبغي الوجود خارج الوجود الانساني الاصيل، متحققا في الارادة والحرية فهما اختياران فاعلان وليسا ساكنيين سلبيين وان البوذية –والكلام لولسون –تقود للشقاء والحمق والجبن، وتعتبرها الحقائق الاساسية الثلاثة لوجود الانسان .

ومع ان بوذا يعترف بانه لا يؤمن بإله او شيطان فان نظرته في الواقع تفترض سلفا وجود ضرب من قوة شريرة عظيمة انشأت الحياة كنكتة سادية بائسة وعليك- ايها الانسان - ان لا تبذل جهدا ولا تهتم حتى بان تشتهي تلك

الفتاة … لان ذلك يهدر طاقتك الحيوية فقط(1).

ولقد سعى بوذا كذلك الى عزل البشر عن المجتمع وعن كل رغبة وارتباط. واسس نظاما للرهبنة دون ان يلقن أي احساس بالمجتمع، وقيل ان آخر الكلمات التي تفوّه بها بوذا كانت (اصنع خلاصك باجتهادك).

وغير خاف مدى تاثير مثل هذه التعاليم عند توظيفها في قوالب فلسفية مادية –روحية في انبثاق تعاليم ومفاهيم وجودية كما هو واضح في اعتماد فلسفة سارتر على امثال المقولة المذكورة . كما ان والتركوفمان يشير الى الهندوكية  قائلا: (سعى الاوبانيشا الى تغريب اتباعهم عن الطبيعة والمجتمع بل وعن اجسادهم وعن أي شئ اخر يعتبرونه ذاوتهم، فكل ذلك ابعد مايكون عن الحقيقة للوجود الذي يتجاوز الجمع والذي يتطابق مع (براهما) اذ ان الخلاص يمكن ان نجده بعيدا تماما عن المجتمع في الانسحاب الكامل منه.

***

وتذهب الصوفية في الاسلام بتميزها لنوعين من الادراك، ادراك عقلي وهو (العلم) الذي لا تأخذ به، وادراك قلبي وهو (المعرفة) وتعمل به لانه ادراك (ذوقي) لماهية المحبوب والاقبال الكلي عليه هو النزوع (2) . وتجمع الصوفية في الاسلام على ان المعرفة والحب الالهي شئ واحد وحقيقة واحدة يدل ذلك اطلاقهم  اسم العارف على الصوفي الفاني في محبة الله وهو في حال استغراقه في حب الله يدرك نوعا من المعرفة واللذة لا عهد لغيره بها .(3)

تقول رابعة العدوية في دعائها مؤكدة (اغترابيتها السلبية) : (الهي ان كنت اعبدك مخافة النار فاحرقني بها، وان كنت اعبدك رغبة في الجنة فابعدني عنها وان كنت اعبدك لذاتك فلا تصرف عني جمالك السرمدي ) (4).وهي عبارة مأخوذة عن الامام علي بن ابي طالب مع بعض التغيير فيها .

ويقول محي الدين بن عربي : (ان اول غربة اغتربناها وجودا حسّيا عن وطننا، غربتنا عن وطن القبضة عند الاشهار بالربوبية لله علينا، ثم عمّرنا بطون الامهات فكانت الارحام وطننا، فاغتربنا عنها بالولادة )(5).

فالعارف –أي الصوفي في التسمية الاسلامية  -: اذا نطق لن يكون كلامه الا شطحا ففضل المتصوف (النفري) في وقفاته وتاملاته واستغراقاته الصمت ….الا ما كان يسطّره او يمليه على قصاصات يجمعها له غيره….

والصمت هنا في حالة المتصوف النفري صادر عن الدهشة او ناتج منها، كما انه دليل عجز العبارة في ان تنقل ما تريد تماما كما ان الصمت مجال رؤية وادراك وتأمل وتدبر لحشود من المعاني العميقة والتداعيات الاستبطانية الكشفية التي تضيق بها العبارة لتتسع الرؤية وتنفذ التجربة اعمق…. ويؤكد النفري بحق وصدق قولته الشهيرة : (اذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) (6) .

وما يهمنا التجربة الصوفية كما المحنا في بداية الفصل في خصوصيتها المتسامية تغترب في تجربتها لدى قلة قليلة جدا، التجربة الصوفية وتجربة اللغة معا …  فهذا التركيب الاغترابي المزدوج يجعل من الصعب، بل الصعب جدا في حالة توظيف او حتى تقمص مثل هذه التجارب الصوفية على صعيد ابداع اللغة والادب، التواصل بها او الاعتداد بها والركون للاستفادة حتى الذوقية الجمالية الاستشعارية فقط من خلال نص ابداعي … وتستعصي اللغة اكثر وتكف ان تكون ابداعا لحالة سمو حقيقي متى ما كان تَمثُّل اللغة ابداعيا يتم عن تجربة تصوّف مسطّح، او اغراق تأملي لا يتجاوز حدود الاغراب السريالي في تفكيك اللغة(7).

مثال ذلك اللغة الشعرية الحديثة، فهي من جانب لغة فوق المدركات الحسية والشعورية المباشرة وفوق مستوى وشائج التواصل والاتصال الوجودي للموجود الاخر ولا يهمها اصلا مثل هذا النوع المتخلف !! من العلاقة، ان تكون اللغة اداة توصيل اجتماعي.

وتختلف تجربة المتصوف الاغترابي عن تجربة المبدع الاغترابي  فالمتصوف رحلته الكشفية الاستبطانية ذات طريق واحد لا رجعة منه لسالكه من الداخل الى الخارج فهي رحلة امتداد في الداخل بلا حدود. اذا ما توفر صدق التجربة . بينما تكون رحلة الابداعي الاغترابية في حالة محاولة الافادة من تجربة التصوف فهي تبدا بالرحلة الى الداخل وفي وعيها لذاتها لها عودة رجعة نحو الخارج أي الى الموضوع والمحيط … بعبارة اوجز تجربة التصوفي غير المبدع لا تكون تجربته من نوع فني تتموضع فيها ذاتية المتصوف الاغترابية … بينما تكون لدى الشاعر مثلا ان تجربته تتوخى موضعة ذاته فنيا بجمالية تعبيرية او فنية . وتجربة الصوفي الديني غير المبدع حسب تعبير الاستاذ د.فتح الله خليف ان المعرفة الحاصلة فيها ليست راجعة الى الحس او العقل وانما هي نور يقذف به الله عز وجل في قلب من احبه.

الاغتراب الذي يعانيه المبدع في تجربته الذاتية يكون فعلا اقل في درجته واختلافه في النوعية ايضا من تجربة وعمق المتصوف الديني الصادقة غير السطحية … فكلتا التجربتين هما اغتراب ذاتي وكلاهما الصوفي، والمبدع  يسعيان الى الوصول الى حالة من تركيز التخصيب الخيالي – الاشراقي لاستجماع مفردات تكوينات بناء عمل فني –بالنسبة للمبدع – الذي غالبا ما يستطيع ترجمة تجربته لغويا كوجود محسوس مدرك معقلن فنيا وجماليا ممثلا في قصيدة او في لوحة تشكيلية. في حين كلما زادت تجربة التصوفي صدقا واصالة وامتدت اكثر وابعد غورا في الوجد الروحاني في رغبة الحصول على غاية اثمن ولذة ورضا واطمئنان غير اعتيادي، انعدمت لديه وسائل القدرة على تجميع مفردات تكوين هيكل ونسق لغوي وجمالي او حتى هذاءات وانجذابات تعبيرية لا رابط بينها مشتتة.

فكما مر بنا الاغترابي الابداعي يستطيع ثانية الارتداد من منطقة الغور الخيالي في العودة الى ادراكية الواقع المحسوس بارادة مسبقة. في حين ليس للتصوفي مثل هذه القابلية لان تجربته الاستبطانية الكشفية وغورها بعيدا جدا عن شواطئ المدرك المحسوس تعطيها امتدادا سديميا من الصعوبة – وهذا يتوقف على صدق التجربة – الالتفات الى الوراء…ثانية أي العودة الى الحياة الاجتماعية.

والفنان المبدع والمتصوف الحقيقي كلاهما تحدوهما وتستحوذ خيالهما رغبة وطواعية تجربة الفعالية الاغترابية بفارق ان تكون اغترابية المبدع ايجابية بالنسبة له وللاخرين، وتكون لدى التصوفي ايجابية بعض الشيء له، سلبية بالنسبة لغيره الاخرين…

وكما المحنا قبل قليل ان رؤية التصوفي وصدق استبطانه ورؤاه الكشفية ربما كانت وهي بالفعل كذلك ابعد غورا في صدقها وصدق مسارها بالنسبة لها ذاتيا من آماد تجربة المبدع الاغترابية، مهما بلغت درجة اصالتها في تموضع ذاتها بعمل جمالي- فني فقط.

فالمبدع بعد رحلته الاغترابية يرتد ثانية الى الواقع والحياة حاملا حصيلة رحلته، انتاجية تعبيرية ادبية أو فنية… في حين اذا عاد المتصوف تكون رحلته خالية الوفاض بالنسبة لغيره وتكون حصيلته هو منها المتعة الاستشعارية السامية الذاتية التي زود بها من رحلته في التسامي الروحي.

اغتراب المبدع الذاتية رحلة عمل … واغترابية المتصوف الذاتية رحلة استكشاف من نوع يغذي الروح ويفني الجسد المحسوس. بهذا تكون رؤيا التصوفي حقيقية أصيلة اكثر من تجربة الفنان التصوفية السطحية …. فاغترابية المبدع الغائب والتي ينشد من ورائها وبسببها انتاج فعالية ابداعية يكون في تجربة الغور التصوفي مشدودا بالواقع الحسي ومفردات الحياة الحقيقية الواقعية بشبكة معقدة مجدولة من الحبال والاوتاد فهي رحلة (جلفر) في جزيرة الاقزام في مخيال التجربة وبلاد العجائب لذا تكون تجربته الخيالية في تخصيب خياله واستلهام ابداعه قريبا جدا من السطح. في حين تذهب تجربة التصوفي الصادقة شوطا عميقا في تجربة اغتراب الروح المتسامية في المطلق المحسوس غير المدرك في انعدام مادية الوجود.

لقد ازعجت ماركس عبارة هيجل بقوله: (الاغتراب نبض الروح) في حين اراد ماركس ان ينزل، شانه في كثير من المفاهيم، الاغتراب من علياء السماء … الى الارض فقد كان يتطّير من التحليق وقد طبّق في الكثير من مفاهيمه مقولة نيتشه : بامكاننا ان نبقى دائما امناء على الارض … ومن المرجح ان هيجل لم يقصد من عبارته التحليق بقوله نبض الروح وانشداد الانسان بالميتافيزيقي المطلق حيث ينسى الانسان في احيان كثيرة وقع اقدامه على الارض واثارهما عليها. وانما حسب فهمنا ان هيجل قصد انه مع ازدياد انتشار عصرنة الحياة مستقبلا في زيادة الحرية وتقدم العلوم وانتشار التعليم وتصاعد وعي الانسان بذاته، فان اغترابات الانسان ستزداد طرديا مع هذا التطور المتوازي. وقبل هيجل حذر افلاطون ان لا نقع في وهم (ان هناك تناسقا مسبقا بين الحرية والسعادة). ومن امثلة الاساءة لفهم تطبيق الحرية تحليق المتصوف الذي في نشدانه الحرية يعلن بدئه الحقيقي بتدمير ذاته… وكذلك فعل سارتر عندما زرع في اجيال عديدة منذ الخمسينات فكرة الانسان كينونة وجودية حرة قبل ان يكون جوهرا انسانيا اجتماعيا، وقاد بذلك الانسان راضيا الى حتفه الوجودي على الارض بدءا بتدمير الذات (وما يمكن ملاحظته في رواية الغثيان) كما في غيرها هو ان شخصيات سارتر هي نتاج خيالي لا واقعي، هي افكار مشخصنة اكثر مما هي وقائع فعلية، فغدت ابطاله صفات منمذجة مجردة بلا روابط واقعية)(8). ولذا كانت نصيحة (شوبنهاور) : (ان الخلاص بالانتحار… لماذا الحياة!؟ من العبث اننا ولدنا من العبث اننا سنموت)(9).

الاغتراب الذاتي، اغتراب الانا عن الجوهر الحقيقي للانسان المثالي الكامل المطلق، هو اغتراب سلبي يعنى بـ (أناه) فقط وشملنا ضمن هذه الاغترابية السلبية الاغترابات الدينية التصوفية، والاغترابات الوجودية وتتعزز سلبيتها لانها في اغلبها اغترابات تنأى ان تترجم في الواقع الى فكر وممارسة، لغة وفعل، نظرية وتطبيق.

وقبل قليل ايضا تطرقنا للفارق الجوهري الضئيل الذي يفصل تجربة الابداعي عن تجربة التصوفي وكلا التجربتين ذاتية، فاغتراب المتصوف في بعض الحالات هو نوع او شكل من اشكال انفصام الشخصية، يلتقي بانفصامية المبدع كما في نموذج بطل رواية دستوفيسكي القرين او المثل The Double فبطل الرواية (جوليا دكين) يحارب بعضه بعضا، أي يتمثل لديه اكل الذات داخليا واستمر ذلك طوال الرواية الى ان كانت نهايته جنونا مطبقا، وكذلك بطل رواية البرتومورافيا (انا وهو) (ريكو) الذي يعي جيدا اغترابه الانفصامي وشخصيته المريضة ويستمرئ ممارسته للاغتراب تسفيلا للذات مرة وتصعيدا للذات مرة اخرى من خلال ايروتيكية الجنس.

اما الاغترابية الفردانية التي تحمل همومها وهموم النحن معا المغتربة عن البنية الكلية الاجتماعية غير السوية بعلاقتها المنحرفة، فقد اعتبرناها اغترابية ايجابية ونمطها الاغترابي المبدع المحتد جدليا بظواهر الحياة غير السوية ومحاولته الدائبة تبديلها وتطور هذا النوع من الاغتراب على يدي ماركس الذي تحدثنا عنه في اغتراب الطبقة العاملة ومثله من بعده فعل (برتولد بريخت) في مسرحه الملحمي.

يتبع في ج3

 

علي محمد اليوسف/ الموصل

....................

(1) الشعر الصوفية ص30-48

(2) علو الفكر مصدر سابق الاغتراب في الاسلام د.فتح الله خليف ص66

(3) نفس المصدر السابق ص95

(4) شهيد العشق الالهي د.عبد الرحمن بدوي ص73

(5) الاغتراب وازمة الانسان المعاصر مصدر مشار له سابقا د.نبيل اسكندر ص32

(6) مجلة الاقلام العراقية العدد1-4/1996 ادونيس –النفري :القراءة والتأويل ص99 .

(7) بالنسبة للفنون التشكليلية حيث تنعدم اللغة الصوتية لتصبح لغة في التصوير فيكون مجال الاغتراب واسعا جدا مما يستلزم حاسة نقدية متخصصة جدا للكشف عن جوانب الاصالة والزيف في تجربة الرسم .

(8) في الادب الفلسفي، مصدر سابق، د. محمد شفيق شيا، ص 249.

(9) نفس المصدر السابق، ص 231.

 

 

hashem aboudalmosawiتعدَّدت النظريات التي حاولت وما زالت تحاول إيجاد الإجابة عن سؤال لطالما حيَّر الإنسان منذ العصور الأولى وحتى يومنا هذا: كيف نشأ الكون؟

وبعيداً عن الفلسفة والتفسيرات الدينية وحتى الخيالية، فإن بداية القرن العشرين شهدت ثورةً علمية أسهمت في ظهور نظريات لتفسير تلك اللحظة الفاصلة بين العدم والوجود، قبل نحو 10 إلى 15 مليار سنة.

نستعرض في هذا التقرير أشهر هذه النظريات:

1- نظرية الانفجار العظيم

تعتبر هذه النظرية الرائجة الأكثر شعبية عن أصل الكون، وتنطلق من أن الكون بدأ من نقطة تفرّد متناهية الصغر لا حدود لسخونتها أو كثافتها. ولأسباب غير معروفة حصل الانفجار العظيم، فأخذت تلك النقطة في الاتساع والتبريد، وما زالت تتوسع وتبرد حتى يومنا هذا. وحسبما يقول الخبراء فإن الانفجار العظيم لم يكن فرقعة وتناثراً، بل كان تمدداً للنقطة الصغيرة إلى أن وصلت إلى الحجم الحالي.

بعد الانفجار بثانية واحدة، أصبح الكون مليئاً بـ"النيوترونات" و"البروتونات" و"الإلكترونات"، إلى جانب "البوزيترونات" و"الفوتونات"، ومع استمرار الاتساع والتبريد بدأت تتكون الذرات، وأصبح الكون شفافاً بعدما كان معتماً، واستمر تكُّون الذرات المختلفة وتكثُّفها في النجوم والمجرات الكونية.

أول من اقترح نظرية الانفجار العظيم هو عالم الفلك البلجيكي "جورج لومتر" في عشرينيات القرن الماضي، ودعم الفيزيائي الأميركي "إدوين هابل" الفكرة عام 1929، بعدما نجح في إثبات أن المجرات غير ثابتة، وتتحرك بعيداً عن بعضها فيما سُمي بقانون "هابل".

كيف تكونت الشمس والكواكب؟

بعد تكوّن الذرات، أثر الضغط المتغير على تشكيل الغاز والغبار لبعض السحب، فإذا ضُغطت تلك المواد في السحابة تحدث التفاعلات النووية فتولد النجوم مثل الشمس.

إذاً.. أيهما نشأ أولاً الانفجار أم الفضاء؟

solar system

منذ أول هبوط على سطح القمر، في يوليو/تموز 1969، بدأ علماء الفيزياء الفلكية ستيفن هوكينغ وجورج إليس وروجر بينروز في نشر أبحاث حول علاقة النسبية العامة لأينشتاين بقياسات الزمان والمكان.

ووفقاً لحساباتهم، اتضح أن الفضاء لم يكن موجوداً قبل الانفجار، كما أن الزمان والمكان لهما بداية محددة تتوافق مع أصل المادة والطاقة. ومن هنا اتضح أن الفضاء بدأ بعد الانفجار، لكن لا أحد يعرف ماذا كان قبل ذلك.

2- نظرية الحالة الثابتة أو الكون اللامتناهي

يمكن تلخيص هذه النظرية بأن الكون لا بداية له ولا نهاية، فهو قديم أزلي ومستمر للأبد، ويرجع أصل هذه النظرية إلى عام 1948، عندما كشف الفلكيون ألفريد هويل وهيرمان بوندي وتوماس غولد عن تصورهم بأن الكون بلا بداية ولا نهاية، وإنما هو ثابت الكثافة، وأي تزايد في حجمه، سيُعوض بخلق نجوم جديدة للحفاظ على الثبات الكوني.

لم تستطع تلك النظرية تفسير نشأة غازي "الهيدروجين" و"الهيليوم" المتواجدين بكثرة في الكون، لذلك بدأت في الاندثار بعد عام 1964، وهو نفس العام الذي اكتُشف فيه "إشعاع الخلفية الكونية الميكروي".

وتوجد تلك الأشعة الكهرومغناطيسية في كل أرجاء الكون بنفس شِدّتها وتوزيعها، ودرجة حرارتها 2.7 درجة كلفن، وتعتبر دليلاً على حدوث انفجار عظيم.

3- نظرية التضخم الأبدي

تُعد تلك النظرية امتداداً لنظرية الانفجار العظيم، ويعتبر عالم الفيزياء الأميركي آلان غوث أول من توصل إليها عام 1981.

تقترح النظرية أن الكون تضخَّم بشكل هائل في وقت ضئيل للغاية، يصل لأقل من جزء من الثانية، مما أدى إلى تباعد جميع الأجزاء الناتجة عن الانفجار مسافة كبيرة جداً، تكفي للتغلب على الجاذبية، وخلال هذا الوقت وُزع "الزمكان" بمعدلات مختلفة في أماكن مختلفة لتنشأ عدة أكوان، كل منها له قوانينه.

يحدث أثناء التضخم توقف مفاجئ وعشوائي لبعض الأكوان الفقاعية، أو قد تسقط في إحدى المسارات فيتوقف التضخم مثل الكون أو الفقاعة التي نتواجد بداخلها، وبهذه الطريقة تتكون النجوم والكواكب.

يعتقد الباحثون أنه في حالة وجود أكوان شقيقة، فقد تصطدم ببعضها لتنتج انفجاراً عظيماً جديداً وأكواناً جديدة، أو قد تُخلّف تلك التصادمات "إشعاع الخلفية الكونية الميكروي"، لكن معظم الأكوان لن تصطدم لاتساع المسافة بينها بصورة كبيرة، ولا تزال هذه النظرية في طور التطوير بين مؤيد ومعارض