المثقف - قضايا

التحرش بمباركة وتأييد المجتمع

في مشهد التحرش ترى جانبًا تحت بقعة الضوء، تزداد حوله شيئًا فشيئًا إلى أن يظلم الجانب الآخر، ويختفي تمامًا فلا تدركه الأبصار.

وهذا ليس بالجديد على المجتمع، الذي يفضل أن يركز كل انتباهه على الفتاة أو المرأة ليس بوصفها ضحية، بل سجينة قضبان عديد من الاتهامات، فتموت روحها في اليوم مائة مرة، مرة واحدة منهم بفعل ما حدث لها من تحرش، والتسع وتسعين مرة بفعل المجتمع. الذي يتجاهل تمامًا وجود شخص متحرش، وكأنه غير مرئي، ويتجه بكل أسلحته وبلاغته في التعبير والاحساس نحو الضحية، فيبدأ بانتقاد ملابسها، وإن كانت ملابسها محتشمة، ينتقل إلى طريقتها في التعامل، أو ربما أن مشيتها كانت مثيرة، ربما الحذاء الباليرنا أصبح أكثر إغراءً من الكعب العال. وينتقل إلى أنها كانت تسير بمفردها، ولماذا في وسط النهار تسير بمفردها في وسط البلد، أو ربما كن مجموعة من الصديقات يتبادلن المزاح، مما أثار شهوة المتحرش بصوت الضحكات الخفيضة، والوجوه الخجلة.

إني لأحسد المتحرش على كل هذا التأييد والدفاع المجتمعي، وكأنما يستعير جملة الفنان محمد صبحي الشهيرة في مسرحيته الهمجي "افعلها من أجلي يا رجل"، فإذا صرخت الضحية وتجمع حولها المارة لمشاهدة تلك الاستغاثة، لازوا بالصمت، وتفحصت فيها آلاف الأعين تبحث عن الخطأ، لتتحرش بها من جديد، ويبدأ المتحرش في جرأة استمدها ممن حوله بتوبيخ الضحية، وأنه لم يفعل شيء، ويعيد إليها الاتهام بانعدام الاخلاق. ويبقى لدى المشاهدين موقفان: الأول، إذا لم يلحظوا في الفتاة أي خطأ يشجع على هذا الفعل المشين، يحاولون تهدئة الموقف بنظام "تطييب الخاطر"، متوج ببعض العبارات التي تنتهكها من جديد، على غرار "معلش بلاش فضايح"، "امشي بسرعة على البيت بدل ما يجي وراكي تاني"، "لمي الموضوع عشان محدش يقول عنك حاجة وحشة"، وغيرها وغيرها، رجال ونساء يساهمون في انتهاكها وقتل روحها مع كل حرف. الموقف الثاني، في حالة أن الفتاة جميلة أو ملابسها غير مناسبة من وجهة نظرهم، تتوالى الاتهامات عليها، وأنها تستحق أكثر من ذلك، وهي السبب، والشباب لهم عذرهم.

أين البطل الرئيسي للمشهد!؟ لم يهرب أو يخجل، بل وقف يشاهد الأبطال الحقيقيون، الناس، وهم يدافعون عنه المسكين، المضطر، المغلوب على أمره.

في حقيقة الأمر الجميع يعطي للمتحرش المبرر لما يقوم به، بل وتصريح بالموافقة والمباركة، أنت مضطر يا بني، فالفتيات السيدات أصبحن في حال سيء، تبرجن، وانتشرن في الشوارع، ماذا ستفعل أيه المسكين؟! "غض البصر"، هل سمعت أحدكم يقول هذه الجملة، التي فيها أمر صريح من الله عز وجل بغض البصر من الجميع رجال ونساء، وهي جزء من آية في القرآن الكريم نتلوها بكل خشوع، وينتشر كل منا في البلاد، واضعًا إياها مع كل ما شعرنا به من تأثر وخشوع في علبة قطيفة بغلاف حريري، ونلقي بها في أقاصي تلافيف المخ، بعيدًا حتى عن العقل الباطن الذي يستثير الضمير أحيانًا. فلا تتعجب إن سمعت هواتف المشاهدين ترن بآيات قرآنية، أو مقاطع دعاء من المشايخ، ولا تندهش أن يكون من بينهم هاتف المتحرش نفسه.

ينتقل بنا المشهد إلى غرفة مكتب بمكان محترم، سواء كان عمل أو جامعة، أو عيادة طبيب، وفي هذه الحالة يخلو من المارة، وتكون البطولة المفردة، لبطل أوحد، لو حاول الطرف الآخر الضحية تقاسم دور البطولة معه، وتروي ما حدث، يتكرر نفس السيناريو والحوار، ويزيد عليه أنها كيف تتهم شخص محترم، متجاهلين تمامًا روايتها. ألا يعلمون أن هذا المحترم أكثر أنواع المتحرشين خطورة! فهو يتخذ  من موقعه المقدس حجابًا مثاليًا ليفعل ما يريد، ولا يخلو الأمر من ابتزاز الضحية ومحاولات الضغط عليها بالعبث بمستقبلها الدراسي إذا كانت في الجامعة، أو مستقبلها المهني. والأمثلة لا حصر لها، ولعل أحدثهم التسجيل الذي نشرتها واحدة من الضحايا، وتم التحقيق مع الاستاذ الجامعي، صاحب الجُرم الموثق بصوته، ولكن لم تظهر نتيجة هذا التحقيق، وهدأ الأمر تمامًا، وقد وجهت بعض المؤسسات النداء للفتاة بالظهور لمساعدتها، لكنا لم تظهر خوفًا من هذا الدعم الذي لن تتمكن من تحمل تكلفته معنويًا، سيلهث البعض لمعرفة أصلها وفصلها، وتاريخ حياتها منذ الميلاد، ليجدوا مبررًا لهذا الاستاذ المسكين. وفي واقعة أخرى أرسلت طالبة بالجامعة بشكوى للعميد، عما يحدث من استغلال لبعض الاساتذة، الذي قام بدوره بتحويل الشكوى بعد تاريخ تقديمها بشهرين للقسم، الذي اصبح رئيسه هو بطل الواقعة، وبالطبع تم حفظها في درج مكتبه الشاهد الوحيد على ما يقوم به. وتجد المجتمع الجامعي من اساتذة واستاذات أفاضل وفضليات على علم تمامًا بما يفعله كل منهم، وجميعهم على علم بمن يقوم بهذا الجرم، لكنهم يصمتون، تحت مسميات "الستر"، "والزمالة"، ولا يقل صمتهم شيئًا عن جُرم الاستاذ، بل وقد يذهب كل منهم لمنزله مطمئنًا على أهل بيته، مادام ما حدث بعيدًا عنهن، ولكن ما أدراكم أن بناتكن ونسائكن لا يتعرضن لمثل هذه الجرائم، ويضطررن للصمت لعجزهن عن مواجهة هذا التأييد المجتمعي، والذي يساهم فيه الأب، أو الأخ، أو الزوج؟!

ننتقل لمشهد جديد على مواقع التواصل الاجتماعي، واقتحام الخصوصية بطلب التعرف والحديث على الخاص، من ذلك الشخص المهذب، الذي يمطر اصدقائه يوميًا بالآيات القرآنية والأدعية، فتدخل حسابه كأنك في مجلس ذكر متواصل. وأصبح الأمر في غاية الإزعاج، إذ لا تخلو صفحات الفتيات والنساء من تعليق على هذا الاقتحام غير المبرر، وقد لا يكون لها صورة واحدة على صفحتها، لكن المجتمع لن يمكنه القول أن ملابسها أو طريقتها في التعامل السبب، فيبدأ في اتهام جديد "لماذا تقبل صداقة شخص لا تعرفه؟"، يأتي الرد بأنه من المفترض شخص معروف لدينا اصدقاء مشتركين محترمين، ومقبول منهم، وقد يكون هو ذاته ذات مركز موثوق فيه، لكن تستمر الإدانة متجاهلة ما حدث من مضايقة، ويتحول الأمر إلى دفاع الضحية عن نفسها، ويصبح المجرم بريء بمباركة المجتمع.

ويبقى السؤال هل أنت متضامن مع المتحرش ومبارك لأفعاله؟!

تمهل قيلًا من فضلك، واسأل نفسك أولًا لتعرف الإجابة.

عندما تسمع عن أو تحضر مشهد تحرش .. ماذا تفعل في بداية الأمر:

- تنظر إلى الفتاة أو السيدة لتتحقق من مظهرها؟

- يتبادر إلى ذهنك أنها السبب في أسلوبها أو طريقة مشيتها وتعاملها؟

- تسرد وقائع تم فيها التحرش بالرجال من جانب النساء؟

- تبدأ في الاستشهاد بوقائع لفتيات سلوكهن غير مقبول، ويشجعن على التحرش بهن؟

(مع العلم أن هذه النوعية من الفتيات والنساء موجودة بالفعل، لكنهن لا يشتكين من التحرش)

- هل فكرت في المتحرش وشخصه، ولماذا فعل ذلك بعيدًا عن إلقاء اللوم على الضحية؟

- كم من الوقت احتل فيه المتحرش تفكيرك مقارنة بالوقت الذي ركزت فيه على الضحية، والبحث عن أسباب للتحرش بها؟

والآن يمكنك بنفسك تحديد إلى جانب تنتمي، ليس من المهم أن تصرح بالإجابة أو تحتفظ بها بداخلك. ربما ستحاول الهروب من قسوة ما عرفته عن حقيقة مساندتك وتأييد للمتحرش باتهام كاتبة هذه السطور، والإصرار على موقفك، لتجنب ألم صمتك ومباركتك. لكن الألم الأكبر أن يكون هذا ما يحدث للفتاة أو المرأة التي تجلس بجانبك وأنت تقرأ هذه الكلمات، اختك أو ابنتك أو زوجتك، وصامتة هي صمت العاجز عن المواجهة، ترتجف من الخوف الذي يقتل روحها بسلاح اشهرته في وجهها قبل أي شخص أخر، وبقسوة أكبر من قسوة فعل التحرش ذاته.

 

د. سوسن الشريف

باحثة اجتماعية وتربوية

 

 

تعليقات (1)

  1. المهندس اياد

السلام عليكم ....التحرش واستهداف المرأة كونها السبب في اقدام المتحرش على فعلته الشنيعه...اامرأة اوﻻ وقبل كل شيئ هي الام الحنون والاخت العطوف والزوجه الحبيبة ثم هي الابنة المدلله وفلذة الكبد.....هذه هي المرأة المستهدفه ولو فكر الرجال او الشباب من تكون هذه المرأة لما اقدم احدا على استهداف المرأة والنيل من خصوصيتها ...من حق المرأة ان تتأنق في ملبسها وان تبدو حسنة المظهر ،وهي غير مسؤولة عما يدور في خلد ضعاف النفوس من ان ذلك مدعاة للتحرش بها عبر الكلام البذي او الايحاء المبتذل او التلميح المقرف والذي يصجر من النسؤول بغية الوصول الى هدف غير مشروع،المرأة في العمل تعاني كثيرا من سوء المعامله ان صدت عديمي النخوة عما يريدون منها فليس ذنبها ان تبدو جميله وليس ذنبها ان تتأنق في ملبسها وهي ان ابدت عكس ذلك فستلاقي تحرشا من نوع آخر تحرش ﻻ يقل سفها وابتذاﻻ عن الانتهاك الاخلاقي عبر الايحاء او التلميح او حتى الاحتكاك الجسدي القسري والذي غالبا ما يصدر من عديمي النخوة والرجوله .....على المتحرش ان يدرك ان المرأة ان تجملت في شكلها وملبسها فهذا ليس ايحاءا منها لطلب التحرش بها وانما ذلك نوعا من الاعتزاز بالنفس واظهارا للشخصيه حالها كمثل سائر الرجال او الشباب ...الخيار لكم ايها الشباب وايها الرجال ،فمن اراك ابتزاز الغير عليه ان يدرك ان هناك من يبتزه في كل شيئ وان المرأة وقبل كل شيئ لها من القدر كمثل ما للرجال فلا تستهينوا بالنساء فمن استهان بالمرأة فقد استهان بأمه او اخته ......والشواذ في ذلك موجود وينبغي ان ﻻيعمم على الكل ،علينا ان نجرك ان هناك ثوابت وقيم تتحكم فيها عوامل شخصية واجتماعيه ونفسيه

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4060 المصادف: 2017-10-17 13:49:55