المثقف - قضايا

العقل الخائف وإختلاقه للأساطير وبعض المعتقدات

hashem aboudalmosawiلقد ظلات دلالات العقل على المستوى الفلسفي، في سياقها العام قضية خلافية وإشكالية لدى المفكرين والفلاسفة على كافة مستوياتهم ومدارسهم، واتجاهاتهم الوضعية منها والدينية معاً. فهناك من اعتبر العقل ملكة وقوة من قوى النفس، وظيفتها استنباط الحقائق ، وبها نستطيع تجاوز ما هو حسي وجزئي ومتعدد، إلى ما هو مجرد وكلي وواحد. ومن المفكرين الذين قالوا بهذه الرؤية الفيلسوف " الكندي" في كتابه (رسالة في حدود الأشياء ورسومها)، حيث جاء عنده أن العقل (جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها) . وهناك من قسم العقل إلى عقل نظري مجاله البحث في قضايا الرياضيات والطبيعيات والميتافيزيقيا والمنطق، وإلى عقل عملي، ومجاله السياسة والأخلاق، وهذا ما قال به الفيلسوف "الفارابي" في كتابه (فصول منتزعة) حيث اعتبر القوة الناطقة (العقل)، بأنها القوة التي َيعْقَلُ بها الإنسان، وبها تكون الروية ، وبها تبنى العلوم والصناعات ، وبها يميز ما بين الجميل والقبيح، وهذه القوة منها ما هو نظري ومنها ما هو عملي .

هذا في الوقت الذي نجد فيه من يعتبر العقل أيضاَ عبارة عن مجموعة من القدرات والمهارات والتقنيات والمناهج التي تمكّن من الاستدلال والبرهنة، وهذا العقل في توصيفه يختلف ويتطور في مهاراته وقابلياته من مرحلة تاريخية إلى أخرى وفقاً لمجالات نشاطه. فالعقل وفقاً لهذه المعطيات هو وعي الإنسان المكتسب تاريخياً عبر علاقة هذا الإنسان مع الطبيعة والمجتمع معاً، أو بتعبير آخر العقل هو ما اكتسبه الإنسان عبر تنشئته التاريخية بكل ما تحمل هذه التنشئة من معطيات مادية وروحية . وهذا الفهم الأخير للعقل يدفعنا في المحصلة إلى تجاوز فكرة تعريف العقل، والنظر في تعيينه، أي تعيين الظروف التي تنتجه وتحدد بالتالي طبيعته ومهاراته وقدراته في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وضمن هذا الحقل المعرفي أو ذاك .

إن العقل إذن، هو المعرفة الإنسانية ، ووعي الإنسان بذاته وما يحيط به ، معيناً في مرحلة تاريخية محددة. أو بتعبير آخر، هو المعرفة الإنسانية في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين. وبذلك يكون العقل خاضعاً بالضرورة لظروف إنتاجه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية، وهي وحدها من يمنح العقل شقاءه ممثلاً هنا في رؤاه الأسطورية ، والامتثال والإطلاق والنقل والثبات ، وفصل العقل أو المعرفة عن العالم الواقعي المحيط به. في الوقت الذي تمنح فيه العقل تاريخيته أيضاً (عقلانيته)، بحيث يصبح محايثاً للعالم، ومترافقاً مع معطياته المادية والفكرية في حركتها وتعددها وتبدلها وكليتها ونسبيتها وجدليتها.

ما سبب شقاء العقل وخوفه المتواصل؟َ:

إذا كان شقاء العقل أو الوعي يكمن في مفارقة هذا العقل للواقع الذي أنتجه يسبب جهله للقوانين التي تتحكم في هذا الواقع ذاته وآلية عمله، وبالتالي محاولة تفسير ظواهر هذا الواقع بعمومها تفسيراً لا يمت لآلية عمل هذه الظواهر والقوانين التي تتحكم فيه، وحالة حركتها وتطورها وتبدلها ، فهذا يعني في بعده الإنساني تحقيقاً لحالة اغتراب هذا الإنسان بكل أشكالها، بدءاً من اغترابه عن الطبيعة التي تحيط به وينشط عليها، مروراً باغترابه أو غربته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وصولاً إلى اغترابه أو غربته الروحية والثقافية .

إن جهل الإنسان وعجزه في اكتشاف قوانين الطبيعة وآلية عملها، حقق حالة غربته عن محيطه الطبيعي، فخاف ظواهرها في كل تجلياتها، في (رعدها وبرقها وصواعقها وبراكينها وزلازلها وعواصفها وسيولها، وفي قمرها وشمسها وكواكبها.. إلخ)، الأمر الذي جعل عقله / وعيه مغرباً وشقياً، فدفع صاحبه (الإنسان) لعبادة هذه الظواهر وخلق آلهة لها تتناسب في صفاتها وطبيعتها مع حالة تلك الظواهر وما تقدمه من خير أو شر له، أملاً في تلافي شرها، أو إرضائها لتديم نعمها عليه، وهذه الغربة وما حققته من شقاء لعقل الإنسان لم تكن من صنع يد الإنسان ذاته في مراحل عيشه البدائية، بل فرضتها الضرورة الحكمية عليه.

أما غربته الاجتماعية، وما حققته أيضاً من شقاء لعقله، فقد بدأت مع نشاط الإنسان عبر وجوده الاجتماعي وما حققه هذا النشاط من تطور في وسائل وقوى وعلاقات إنتاجه، وبالتالي في وجوده الاجتماعي والروحي برمته. فهنا يتجلى اغتراب الإنسان عن منتجاته، وما رافق هذا الاغتراب من شقاء لعقل الإنسان في ما أبدعه من أساطير جديدة حاول بها تفسير وجوده في هذه المرحلة. ففي أساطيره التي ابتدأت بتفكيره الديني الشقي، ظلت هذه الأساطير ذاتها تشكل الجذر الثقافي والمعرفي لحياة الإنسان آنذاك، حيث نجد أن مهام الآلهة المختلقة أسطورياً، ونشاط عملها قد انتقل من المحيط الطبيعي إلى المحيط الاجتماعي، فأصبح للكثير من العلاقات الاجتماعية آلهة خاصة بها أيضاً، بدءاً من آلهة الحب والخصب والمطر، مرورا بآلهة الحرب، وصولاً إلى الملك أو الحاكم الإله، الذي تحكم بالسلطة وراح يزيد في غربة وشقاء عقل من هم تحت سلطته حفاظاً على هذه السلطة.

لقد راحت الأسطورة ُتنسج في حياة الإنسان في المراحل التاريخية اللاحقة لمرحلة الضرورة الحكمية من قبل من امتلك السلطة والتحكم في حياة أفراد المجتمع، بغية تحقيق غربتهم المعرفية والروحية، أي شقاء عقولهم... هذه الأسطورة التي جعلت الإنسان غير قادر على التمييز بين ذاته وموضوعها، فتركته ينظر إلى الظواهر جميعها نظرة إيحائية ذاتية، وهو ما يعني أنها لم تستطع أن تمنحه القدرة على أن يخطو الخطوة الفاصلة نحو التمثل العقلي ألبرهاني للكون، وبذلك ظلت الأسطورة تحيل إلى العواطف والانفعالات والذاتية والإيمان ألامتثال، وليس إلى التفكير والتجريد والبرهان. أو بتعبير آخر ، الانتقال من وصف الأشياءن إلى البحث عن القوانين العلمية التي تتحكم فيها، ومن البحث عن الأسباب، إلى الاهتداء إلى الغايات التي تحركها، وأخيراً بلغة " هيجل" نقول : من الوعي الشقي المنفصل عن العالم، إلى الوعي المحايث للعالم، والمترافق مع ميلاد العقل التاريخي والعقلانية.

أخيراً نقول: إن حالات الاغتراب هذه وما رافقها من شقاء للعقل، ظلت الأسطورة ذاتها، ولو بأشكال مختلفة، وبروح معاصرة ُتنسج بشكل فاعل ومذهل وبوعي مدرك تماماً لأهدافها، في عالمنا المعاصر، عالم ما بعد الحداثة، الذي فرضته علينا آلية عمل اقتصاد السوق الاحتكاري، ممثلة بالطغمة المالية العالمية وشركاتها المتعددة الجنسيات، التي تحكمت بقدر الإنسان الكوني عبر ما امتلكته من وسائل مادية ومعنوية سخرتها وبكل أشكال الاستبداد والقهر بدءاً بالكلمة، وصولاً إلى الطلقة، من أجل تشييئ الإنسان واستلابه، وبالتالي تحقيق غربته وشقاء عقله/ وعيه، ونمذجته، أو تذريره كي يبقى عدداً (فرداً)، ليس له لون أو رائحة أو شكل، إلا ما أراده أو رسمه له قادة هذا النظام العالمي الجديد من أساطير جديدة راحت تزيد من شقاء وعيه لما يحيط به أو يخطط له، كي يبقى في حالة غربته المادية والروحية معاً، وتركه يبحث عن خلاصه الإنساني خارج عالمه العياني، وبعيداً عن مصادر شقائه الحقيقي، هناك في عالم ما بعد الحداثة، الذي َنظر له مفكروا هذا النظام على انه عالم النهايات والموت، بدءاً من نهاية منظومة الإنسان الأخلاقية، وصولاً إلى نهايته التاريخية، أي عدميته، لتبقى فقط في هذا العالم سلطة سوق الرأسمال الاحتكاري حرة قوية كما رسمت لها أساطير قادة هذا النظر.

 

د.هاشم عبود الموسوي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4110 المصادف: 2017-12-06 01:28:58