المثقف - قضايا

غريب التفسير ومخالفة المنطق

saleh altaei2أسهب المفسرون في شرح قوله تعالى: {وإذا النجوم انكدرت} الآية الثانية من سورة التكوير، وسيكون حديثنا عن معنى (انكدرت) تحديدا لأن رؤاهم لم تكن إلا محض خرافة تتعارض مع العلم والمنطق، بما يعني أننا بحاجة ماسة لأن نعيد النظر بموروثنا الإسلامي لتنقيته من الخرافات والاسرائيليات والآراء الشخصية والاجتهادات.

ولنأخذ بداية المعنى اللغوي للكلمة (انكدرت)، حيث جاء في مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني قوله: "الانكدار: تغير من انتثار الشيء.. وأنكدر القوم على كذا: إذا قصدوا متناثرين عليه" وفي قواميس اللغة: انكدر المتسابق في سيره: أسرع. وانكدر عليه القوم: انصبوا عليه. وانكدرت النجوم: تناثرت. وانكدرت النجوم: أظلمت، وذهب نورها.

بمعنى أن لانكدار النجوم معنيين وليس معنى واحدا، الأول: تناثرت، والثاني: أظلمت وانطفأ توهجها. والمعنى الثاني يتساوق كليا مع تفسيرهم آية (إذا الشمس كورت) بقولهم: معنى ذلك: إذا الشمس ذهب ضوؤها، فتكون النجوم مثلها قد ذهب ضوؤها هي الأخرى، لكن حينما ترد عن أحد الأقدمين معان واقوال تصب في الاتجاهين فذلك هو الذي حفز البعض فاختار قولا وحفز غيرهم فاختاروا الآخر، ومن نماذج ذلك ما نقله الطبري في تفسيره، عن ابن عباس، قوله: (إذا الشمس كورت)، يقول: أظلمت. وفي قول آخر: (إذا الشمس كورت) يعني: ذهبت. وجاء التابعون فتأثروا بكلي الرأيين أو بأحدهما، ومن هؤلاء: إسرائيل ومجاهد وقتادة وسعيد والضحاك.

أما أبو صالح وربيع بن خثيم وابو يعلى، فقالوا: (إذا الشمس كورت) يعني: نكست، ألقيت، رمي بها. بمعنى أن النجوم والكواكب ستتبعها في المصير نفسه، فطفأ ويلقى بها. وهم إن لم يختلفوا كثيرا في معنى التكوير، فإنهم تطرفوا في حديثهم عن الانكدار وآليته، فقالوا في معناه:

الربيع بن خثيم ومجاهد: تناثرت. 

قتادة وابن زيد: تساقطت.

ابن عباس: تغيرت.

وكلها معان تصب في معنى واحدا لا غبار عليه، وهذا لا يخلق مشكلة تذكر، المشكلة الحقيقية كانت في آلية وقوع الحدث، سواء كان سقوطا أو تناثرا أو تغيرا، فقال أبو عبد الله المحاسبي في كتاب الوهم: قيل إنها تناثرت من بين أيدي الملائكة الذين كانوا يحملونها؛ لأنهم يموتون. وهناك من قال: إن الكواكب كل الكواكب معلقة بين السماء والأرض بسلاسل بأيدي ملائكة. من هنا، قال المحاسبي: "أصل الانكدار: الانصباب، فتسقط في البحار، فتصير معها نيرانا، إذا ذهبت المياه".

ولا أدري لماذا لم يأخذوا بقول ابن عباس مثلا، وهو قول الكاف الشاف، فذهب كل منهم مذهبا يجعل أفكار المسلمين سخرية للأمم الأخرى، ولاسيما في حديثهم عن السلاسل التي علقت بها الكواكب، وأنها سوف تسقط بسبب موت الملائكة الذين يحملونها، مع ان المنطق والعقل والعلم يرفض فكرة السقوط إلى الأسفل ويؤمن أنها سوف تتناثر في الفضاء في كل الاتجاهات إذا ما أمر الله تعالى أن تتناثر!.

 

صالح الطائي

 

 

تعليقات (2)

  1. هناء عصام

الاستاذ صالح الطائي اسعد الله مساءك
مع انك مستغرب من الاسهاب في التفسير ممن سبقونا لكلمة ( كُوِّرت) في الاية الكريمة( وإذا الشمس كوُّرت) ١/ التكوير
اخذتنا معك للتعرف على هذا الاسهاب.
تمنيتُ وانا اقرأ ماكتبتَ حضرتك لو اطلعتنا على جمال ذكر ( إذا)
بهذا البحث وهذا المجهود،
فهو ابتداء مشوق وجاذب للانتباه، فـ( إذا) ظرف يستدعي متعلقاً، اي لابد مايأتي بعدهُ جوابه ( جواب الشرط)فكل منّـا عندما يقرأ سورة التكوير وبعد كل ( إذا) يترقب مايأتي بعده من تنبيه!!،
فقوله تعالى: ( إذا الشمس كوِّرت)( واذا النجوم انكدرت) (واذا العِشار عُطِـلَت) ( واذا الوحوش حُشِرت) واذا البحار سُجِّرَتْ) ( واذا النفوسُ زُوِّجت) /١-٦ التكوير، هذه الايات لو تأملناها نجدها تنذر عن الاخرة وتصوّر لنا مايحل بذلك اليوم. اما قوله تعالى : ( وإذا المَوْءًُ,دةُ سُئِلَتْ)( بأي ذنبٍ قُتِلت) واذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) ٧-٩ التكوير،هذه الايات تُنبِئ عما احضرت النفس من عمل دنيوي ، وهو اقرب من زمن التكوير والخسف وحتماً يسبقه.
وفي حديث الترمذي واحمد من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت.) قال الترمذي حديث حسن وحتى وان كان ضعيف فحتى الضعيفة يؤخذ بها في الترغيب والترهيب للإيمان.'
أعرج على كلمة (كوّرت) اعدها ابن السبكي في نظمه من الكلمات المعربة في القران الكريم.
[وقال الطبري ( هي كلمة معّربة عن الفارسية، وأصلها بالفارسية ( كُور بِكر) بضم الكاف الاولى وسكون الراء الاخيرة) عن ابن جبير، وعلى ذلك عُدت مماوقع في القران من المعرّب.] من تفسير ابن عاشور.
ارجو سعة صدرك للمداخلة استاذي الفاضل.

تحية وتقدير

 
  1. صالح الطائي

الست الفاضلة هناء هنأك الله في عمرك وعلمك وحسن بلاغتك وجميل قولك
لم يتسع صدري لمداخلتك فحسب بل وغبطك على واسع معرفتك ودعا لك بالخير والسداد في حياتك فقد وجدتها مداخلة كقطعة شوكلاتا بالمكسرات طيبة عذبة مفيدة ممتعة تدخل البهجة إلى النفس والمتعة إلى العقل
إن استطرادك في الحديث عن هذه السورة المباركة كان غاية في الأبهة، وأنا ممكن أن أتوسع في بحثها كثيرا ولكني فضلت الحديث عن أمر واحد لأصل من خلاله إلى أمر واحد آخر... فضلت الحديث عن رأي المفسرين في ثبات الكواكب في كبد السماء هذا الأمر الذي أثار دهشتهم بعد ان شاهدوا سقوط الأشياء المعلقة بسبب الجاذبية التي لم يكونوا يعرفونهم مما أثار استغرابهم من عدم سقوطها، فرأوا انها معلقة بسلاسل وهذه السلاسل بيد ملائكة سيفنون ساعة فناء كل شيء مما يدفعا إلى السقوط.. وتحديدا انصب حديثي على هذه السلاسل الخرافية بالذات.. وما أردت الوصول إليه هو أن نستغل معطيات الحضارة الحاضرة ونوكل أمر مراجعة التفاسير إلى علماء حقيقيين وأساتذة أكاديميين لنستجلي الحقيقة بعيدا عن الأساطير والاسرائيليات
وفقك الله ورعاك وألف شكر لك

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4147 المصادف: 2018-01-12 04:36:27