المثقف - قضايا

مرة أخرى بعد كاتب گلگامش، يؤكد "هوميروس" بأن الشعر صورة

hashem aboudalmosawiبالرغم من أنّ تخصصي الدقيق في الهندسة المعمارية هو في حقل بيئات العمارة، ولكن في سنين مضت، تم تكليفي من إحدى الجامعات العربية بتدريس مُقرر تاريخ العمارة القديمة والذي كان يتضمن حضارات وادي الرافدين، وحضارة وادي النيل، وثم الحضارة الإغريقية(*) وبعدها الحضارة الرومانية..

وكان عليّ في كل وصلة من وصلات هذا التاريخ القديم الذي يمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، أن أتعرف على الاتجاهات العامة لتلك الحضارات (سواء في معرفة الأوضاع والقيم الاجتماعية أو التيارات السياسية والاقتصادية، أو غيرها) والتي أثرت بشكلٍ عميق على وضائف وأشكال المباني في تلك العصور..

وعند قيامي بدراسة عمارة الإغريق، كان عليّ أن أدرس حقبة من حياة المجتمع الإغريقي والتي تصلح أن تكون بداية تساعدني على دراسة تلك الحضارة ومخلفاتها العظيمة من العمائر التي أثرت بشكلٍ كبير على ما جاء بعدها من فنون عمارية لشعوبٍ أخرى.

وعند توغلي إلى حقل مهم من حقول الثقافة الإغريقية، ألا وهو التراث الأدبي الذي خلفته تلك الحضارة .. وجدتُ نُصب عيني شخصية أدبية بارزة، جَمَعَ صاحبها كُلَّ ما كتبه الشعراء قبله، كمحصلة لتطوير مستمر على مدى طويل. حيث كان كل شاعر يُضيف فيه إلى سابقيه شيئاً جديداً في هيئة مقطوعة أو أنشودة يتغنى فيها بحدثٍ أو أسطورة تحمل معالم الوقت الذي عاش فيه..

تلك الشخصية المهمة في تاريخ الثقافة والأدب والفن، هو الشاعر الإغريقي (هوميروس)، صاحب أهم ملحمتين في تاريخ الفن والأدب، ألا وهما: (الإلياذة) و (الأوديسية). وقد وجدتُ نفسي مسحوراً بإبداع هذا العبقري، فسجلت كل ما كُتِبَ عنه وعن إبداعهِ. متخطياً بذلك هدفي الأساس الذي خططت له في دراسة عمارة الإغريق.

وضمن ما استفدت منه من نتاجات هذا الشاعر الفذ، هو وصفه لنشأة المدن وحلول التقاليد الجديدة التي واكبت ظهورها. وازدهارها مع ظهور نمط جديد من التجمعات البشرية والذي أصبحنا نسميه اليوم بـ (دولة المدينة) كنظام سياسي ومدلول حضاري عام.

ومن الغرابة التي وجدتها في ما كتبه الإغريق نفسهم عن شاعرهم العظيم هذا هو أنه كان أعمى، وكان يُنشد شعره أمام سامعيه من الإغريقين. وخاصةً في قصور ملوكهم ونبلائهم .. على نحو ما كان يفعل غيره من الشعراء المتنقلين الذين كانوا يحملون شعرهم وإنشادهم من مكان إلى آخر. ولكن هوميروس كان في نظر الإغريق غير بقية هؤلاء الشعراء، فهو سيدهم بلا مُنازع، وهو شاعر فيه صدق المعلم وأكثر من لمحة من الوحي الإلهي. اعتقد الإغريق ذلك ولم يشك فيه حتى كبار مفكريهم وأدبائهم الذين اتخذ بعضهم من شخصيات الملحمتين أو حوادثها مادة لما كتبوه من مسرحيات، تُمثل الخلفية التاريخية المستمدة من الواقع والحقيقة في عملهم الأدبي.

هكذا كانت قناعة الإغريق ومن ثم كان كل ما قدمه هوميروس في الإلياذة والأوديسية يُشكل في نظرهم تاريخاً حقيقياً لأحداث ومواقف وقعت وحدثت ووُجِدَتْ فعلاً في حقبة سابقة من حياتهم.

ومنذ أن كتب هوميروس ملحمتيه الخالدتين، كان يلجأ في الوصول إلى تفاصيله بكل الوسائل التي يُمكن أن تصل إليها مهارة الأديب، سواء أكانت الوسيلة ذكريات عن الماضي يرويها أبطال الملحمة أو تنبؤات عن المستقبل أو مقاربات حوادث وقعت بين أشخاص أو جماعات من الناس. وبين عادات كل منهم أم استطرادات وضعها الشاعر على لسان أبطال الأخيين أو على لسان الآلهة، أو يقوم بها هو ذاته واصفاً أو معلقاً وهو يضع كل هذا خلفية من العصر المبكر الذي تصوره الإغريق ورسموه في أدبهم وفي كتاباتهم عصراً للأبطال. ويتحدث فعلاً عن بعض هؤلاء الأبطال مثل هراكليس (هرقل) Herkales كما يُشير إلى ما دار في ذلك العصر من حوادث رئيسية اعتمد الإغريق في وقوعها مثل (حرب السبعة الأشداء ضد طيبة) وهكذا.

أتمنى أن تسعفني الظروف كي أكتب عما جمعته وقرأته وحللته عن إبداع (هوميروس) في ملحمتيه الخالدتين.

 

د. هاشم عبود الموسوي

....................

* ملاحظة: تعودت عندما أكتب عن الحضارة القديمة التي وجدت على أرض اليونان الحالية، أن أطلق عليها كلمة (الإغريقية).

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4147 المصادف: 2018-01-12 04:40:24