المثقف - قضايا

هل فقد الرجال الأهلية؟!!

اكتسب الرجال في الفترة الأخيرة مزية جديدة ترفع الأعباء من على كهولهم القوية

من منا لم يسمع المبررات التي تُمنح كهدايا الأعياد إلى الرجال ليتخلوا عن مسئولياتهم الأدبية والأخلاقية، وكأن تخليهم عن مسئولياتهم المادية لم تكن كافية، مع تمسكهم الظاهري بالقيمة الإسلامية "القوامة"، حيث تزينوا بالمسمى وتركوا المعنى والمضمون، فيكفي أن يولدوا مكتسبين جنس الذكورة، حتى يمتلكوا القوامة، متناسين أو متجاهلين أن القوامة تمنح للرجال وليس للذكور.

وهذا يتطلب التفرقة بين الذكورة والرجولة، لكن هذا له مجال آخر.

لنقترب من المشهد قليلًا، فتقع أعيننا على واقعة تحرش، فنجد أصوات تتعالى، بأن الرجال مساكين لأن الفتيات لا يتحلين بالاحتشام، ويرتدين الملابس التي تُثير الغرائز، ولما تطرق الأمر إلى التحرش بالمنقبات، قيل هذه أحداث فردية، لا يمكن تعميمها، إلى أن وقعت كوارث اغتصاب الأطفال الرضع!!

وفي مشهد أخر لانتشار الخيانات الزوجية، والاستهانة برخصة تعدد الزوجات التي أحلها الله تعالى كاستثناء لحالات خاصة -حتى صارت هي القاعدة- قالوا لنا، أن الرجل له العذر فكيف يتحكم في غرائزه ورغبته في امرأة أخرى رغم أن زوجته تقوم بكل واجباتها، بل ويحبها، لكنه فقط يرغب في تلك الأخرى، التي اثارت مشاعره من جديد، كم هو مسكين يستحق الشفقة والتعاطف، ولن يفعل ما هو خطأ سيتزوج مرة أخرى، وقد أحل له الشرع أربع زوجات. ولا تتوارى الدفاعات حول أن بالتأكيد الزوجة أخطأت في شيء، أو أهملت في واجباتها، أو أن شكلها تغير بعد الزواج، فامتلئ قوامها وترهل، ولاحت على وجهها علامات الإرهاق مما أكسبها عمرًا على عمرها الحقيقي. وكأن الزوج ظل كما هو لم يتغير، مازال يتمتع بنفس جاذبيته ووسامته، منذ أن جاء ليخطب ود هذه الفتاة الساحرة الجميلة، التي أرهقتها المسئولية التي ألقاها عليها، واكتفى هو بالوقوف على عتبة مسمى القوامة، ملقيًا اعبائها على الزوجة.

وهذا زوج أخر -لن ينوي الزواج بأخرى- لكنه يسيء معاملة زوجته، تحت مسمى أنه رجل، ويجب عليه في الأساس تأديب وتربية زوجته، تلك المرأة التي اختارها لتكون أمًا لأبنائه في حاجة إلى تربية من جديد، وعند مراجعة الأزواج من أصحاب هذا التفكير، تتعالى الأصوات المدافعة عنها موجهين أصابع الاتهام نحو الأم، فهو صنيعتها، لو كانت أحسنت تربيته وتوجهيه، لما صار هذا الكائن المتشبه بالرجال شكلًا، وبعيد عنهم كل البعد مضمونًا.

للإنصاف لن نستبعد أن هناك أمور ساعدت على سلب الرجال رجولتهم بكل ما تحمله الكلمة من صفات التهذيب والمسئولية وغيرها من الصفات الايجابية، ومنها عامل التربية، وهو مهم للغاية، فأحيانًا تقوم الأم بدور مزدوج تجاه ابنها، وتجاه زوج بنتها، وأثناء تربية الولد والبنت، والتفرقة في المعاملة، وتضخيم صفات الذكورة، على حساب الآخر. ونؤكد كذلك على الثقافة المجتمعية، التي تنشئ رابطًا بين الرجولة والتصرفات الخشنة، بل والخالية من الانسانية أحيانًا، فإن تحلى الرجل برقة المشاعر والحنان، أو تمسك ببعض التقاليد والأعراف المجتمعية المهذبة، يواجه بالسخرية من اقرانه. وتزايد الأمر شيئًا فشيئًا، إلى أن وصل للأفعال التي كان يطلق عليه "الجدعنة"، وكانت مرادفًا للرجولة في وقت ما، تراجعت هي الآخرى، ليحل محلها التراخي، بل أنها انتقلت للنساء، فاصبحنا نسمع عن "الست الجدعة"، ولأننا نحب التشبه بالغرب فاطلقنا عليها "strong independent woman".

لكن ما نناقشه هنا هو عقلية الشخص الناضج المسئول عن أفعاله وتصرفاته، ذلك الإنسان الراشد الذي سوف يحاسبه الله على كل ما يقوم به، ذكر كان أو أنثى. اترك لخيالي العنان، واتصور يوم الحساب، يوم يسأل الله هذا الرجل عن ما قام به من ظلم للآخر، وما تخلى عنه من مسئوليات وواجبات، والاستهانة بأوامر الله ونواهيه، من خلال اساءة استخدام بعض الرخص كالتعدد على سبيل المثال أو الإنفاق، أو الطلاق، والذي يمكن أن نعلم عن المآسي التي تترتب على ذلك بالاطلاع على القضايا المتداولة في محاكم الأسرة، والتي تتصدرها النساء.

هل سيلقي بعواقب أفعاله على الأم، أو الأهل أو المجتمع؟!

نحن في عالمنا العربي نتعامل مع الرجل على أنه مخلوق فاقد الأهلية تمامًا، غير مسئول عن ما يقوم به، هو دائمًا ضحية للظروف والنساء زوجته كانت أو والدته، وكأنه كائن مسير لا خيار لديه إلا أن يكون مفعول به، وهذا ما يؤيده –مع الأسف- الخطاب الديني، الذي رفع المسئوليات من على الرجل وألقاها على المرأة، وساعده على أن يتقمص هذا الدور بجدارة، وأعطاه حقيبة من المبررات المتنوعة، يختار منها ما يناسب الموقف أو المأزق الذي يقع به.

فنحن إذن نعامل الرجل كأطفال .. رغم أننا نوجه الأطفال ليتحلوا بالآداب والأخلاقيات الاجتماعية والتربوية، والواجبات التي عليهم، ومسئولياتهم، ثم ننزعها منهم عندما يصيروا رجال راشدين، فنعيدهم إلى مرحلة ما قبل الطفولة، بل أسوأ بل وأضل سبيلًا إننا ندفعهم إلى فئة غير المؤهلين للتعامل مع الحياة، لأنهم فاقدي الأهلية.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4241 المصادف: 2018-04-16 13:47:53