المثقف - قضايا

من التصالح بالسلاح الى التصالح بالتسامح

ان واحدة من اهم المعضلات الاجتماعية التي تعصف بالسلم المجتمعي، هو التصلب الفكري والتعصب الشعوري، مولدة مظاهر عنف واحتراب، تستدعي المراجعة الذاتية والتدقيق في متبنياتنا والدقيق في مواقفنا، لكي نبني مجتمعا قائم على قيم تستبعد الحقد والكراهية، وتنفتح على القيم الانسنية والدينية. فنحن لحد الآن لم نجد الحل الاجتماعي لوقف هذا العنف والاحتراب، او لتخفيف نتائجه المدمرة على مستوى بناء الذات الفردية، او على مستوى الجماعة.

لقد مر على العراق قرن من الزمان منذ احتلال بريطانيا للعراق لغاية التحرير التام من دنس داعش، شهد احداثا مروعة، فهو قرن دموي بامتياز، الكثير من الانفس زهقت، وصراعات دموية بين المكونات الاقطاعية، وانتهاكات الحكومات الشمولية والديكتاوريات. ولا يبدوا اننا نستطيع ان نتجاوز مخلفات هذه المحن، دون قدرة عالية على التصالح.

لقد كان الصراع الانساني في العراق، الاجتماعي والسياسي، بوسعه دائما ان يتخذ الوجه العنيف متى لزم الامر. لكننا لحد الآن لم نتخذ اي اجراء معرفي او سلوكي لوقف العنف، او بالحد الادنى لتخفيف وطأة هذا العنف.

ان غياب الامن يدفع الانسان الى خانة الشعور والقلق، والشك بالجدوى، مولدا نزوعا نحو الرغبة بالخلاص مما يعاني ويشكو، فيبحث عما يتهدده من الخطر، وعما يواجه من العنف كتجسيد لاتقاء الخطر والضرر الذي يلحق به، نتحدث عن علاقة الامن بمعرفة مصادر الخطر لتجاوزها. من خلال ايجاد قنوات تخفيف وطأة العنف واثاره، فلابد انذاك من تفكيك العنف كمفهوم، وفعل العنف كممارسة. وهذا يتطلب علاج العنف كمفهوم بمفهوم التصالح والتسامح، ومعالجة الاستخدام الاستراتيجي المنظم للعنف لتحقيق غاية اجتماعية او سياسية ضمن ضوابط قانونية واستراتيجيات التصالح الاجتماعي.

التصالح يتربط ارتباطا وثيقا بالتسامح. والتسامح يعني ببساطة نبذ المشاعر والافكار والسلوكيات السلبية تجاه الاخر. (التسامح- النظرية والبحث والممارسة/ تحرير، ميشيل إ. مالكو وآخرين-تر، عبير محمد انور- المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015، ص9)

التسامح له معنيان واتجاهان:

الاول؛ هو تخلي المساء اليه عن حقه في الانتقام ممن اساء اليه، والتغلب على مشاعر الاستياء والمرارة والغيظ والغضب. وهو ايضا الانصراف الذهني عن الانفعالات والافكار والسلوكيات السلبية تجاه المسيء.

الثاني؛ فهو تغير يحدث لدى المساء اليه تجاه المسيء، ينعكس في رغبةالمساء اليه في التخلي عن حقه في الغضب والغيظ، (التسامح النظرية والبحث، ص10).

التسامح لغويا؛ مشتق من السماحة اي الجود، ويقال اسمح وسامح اي وافقني على المطلوب، واسمحت الدابة: انقادت. وسمح جاد واعطى عن كرم وسخاء

المسامحة، المساهلة وتسامحوا تساهلوا في الاشياء. {"عليك بالحق فان فيه لمسمحا، اي متسعا"- (ابن منظور، لسان العرب، قم 140هجر، ج2 ص489}

مكونات التسامح:

1. المكون المعرفي (العقلي): الحكم واتخاذ قرار الانتقال من الحكم السلبي الى الايجابي

2. المكون الوجاني: المشاعر، تصفية المشاعر

3. المكون السلوكي: التصرفات، اعتماد حسن المعاملةوالاكرام والاحترام

فالتسامح يتضمن :

• تخلي؛ التخلي عن المشاعر والافكار السلبية كالغضب والغيظ والاستياء.

• تحلي؛ التحلي بالافكار والانفعالات والسلوكيات الايجابية.

فالتسامح بهذا المعنى له مسحة صوفية المعنى والمضمون.

التسامح يختلف عن التصالح؛ فيمكن ان تسامح ولا تتصالح، ويمكن ان تصالح ولا تتسامح.

على عكس الضيافة، فلا يمكن ان تستضيف شخصا دون ان تكون متسامحا معه ومتصالحا.

التصالح: يبتغي استعادة الثقة في العلاقة مع الاخر من خلال قيام الطرفين المتنازعين بسلوكيات جديرة بالثقة تجاه بعضهما البعض، وهو يتضمن العمل في جو من الثقة المتبادلة على ضوء معايير متفق عليها، يلتزم كل طرف بها، فهي عميلة متبادلة بين طرفين متخاصمين او متنازعين،فلا يحدث التصالح إلا بهما. (التسامح-النظرية/ميشيل،ص11).

اما التسامح من الممكن ان يحدث دون ان يحتاج للطرف الاخر، اي ان التسامح يحدث من طرف واحد فقط هو المساء اليه، وبون علم او احتياج للاخر، اي ان المتسامح هو صاحب الحق في اعطاء التسامح، فهو يجري من طرف واحد، وذو اتجاه واحد، فلا يتضمن اتصال متبادل كما في التصالح، فالتسامح يتضمن، شيئا من الغطرسة، (التفكير بعد هاديجر/فتحي المسكيني، ص31)،

ولكي يبلغ التصالح مداه الاقصى لابد من ان يتضمن التسامح. التصالح بدون التسامح معناه ان تظهر سلوكيات تبادل الثقة استجابة للضغوط الخارجية او الداخلية، ولكنها لا يصاحبه التخلي عن مشاعر الغضب والغيط، ويبقى عدم الثقة مكنون في النفس، يظهر الى السطح مع اول شك يتبادر الى الذهن، فالتصالح بدون تسامح معناه ان يحدث الثقة على المستوى السلوكي الخارجي دون المستوى الوجداني المعرفي، بمعنى ان الحكم المسبق ما زال قائما، والشعور الداخلي بالتوجس حاضرا.

فالتصالح ليبلغ مداه الاقصى يحتاج تسامح متبادل من جهة، وتسامح مع الذات من جهة أخرى.

فعدم التسامح يحدث على مستويين

• ذاتي؛ الميل الى اللوم المفرط للذات، جراء الاحساس بالذنب مثلا. وهو ما يعانيه المواطن نتجية لاعتقاده بسوء الاختيار من جهة، واحساسه بالعجز عن مواجهة الانحرافات الاخلاقية والفساد التي يراها ماثلة اما ناظريه، ولا يستطيع عمل شيء. هذا الشعور يتمثل بذوات محتدمة، تعاني ازمة وجودية في علاقتها بكل ما هو آخر.                                                

• موضوعي؛ وجود شعور بالغيض من الاخر، نتيجة الاساءة المتعمدة من الاخر. وهو الشعور الذي يعانيه المواطنين، نتيجة سلوكيات الاساءة تجاههم التي يراها الناس سلوكيات متعمدة لهم ولسوء اخلاقيات الوظيفية الاجتماعية العاجزة عن تخفيف احساسهم بوطأة الغيض.

• فالتصالح يعد مفهوما جذريا في استعادة العلاقات المتصدعة اجتماعيا، عندما تتعلق بطرفين، واستعادة الثقة المفقودة، على مستوى الاسرة، والعمل، والجماعات الاقطاعية ، وكذلك على مستوى المجتمع.

فالتصالح المتضمن لمكوناته المعرفية والوجدانية، يجعل من العلاقات الاسرية وعلاقات العمل والعلاقات الاجتماعية، علاقات نافعة وتحمل الشعور بالرضى للطرفين المتعاقدين، وتقليل اثار الفشل النفسية على العلاقات البين ذاتية في تحقيق الاهداف المشتركة، وتساعد على مواجهة توقعات الآخرين المتمثلة في قصور الكفاية الاجتماعية. فعلينا التحرك من التسالح (رسم العلاقات التصالح بقوة السلاح)الى (رسم العلاقات التصالح بقوة التسامح).

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4280 المصادف: 2018-05-25 11:45:25