المثقف - قضايا

الأسس السياسية للحرب والنظام الطبيعى

علي رسول الربيعيإن الموضوعة المهيمنة والمتكررة في خطاب الفلسفة السياسية حول الحرب هو أنها تعبير عن نزعة وميل متاصل في الطبيعة البشرية. في هذا الأتجاه كان مكيافيللي (وهو مفكر سياسي إيطالي عاش بين سنتي 1469و 1527، واشتهر بكتابه " الأمير" الذي هو عبارة عن مجموعة من النصائح السياسية يقدمها مؤلفه للأمير لضمان بقاء سلطته. وكان ميكيافيلى يلقب بـ "سكرتير فلورنسا" لأنه كان يقوم بمهمة الكتابة لدى العائلة الحاكمة، وله أيضا كتاب Discourses . أتخذ الفكر عند مكيافيللي صاحب كتاب الأمير وسكرتير فلورنسا الفكر السياسي طابعا واقعيا ودنيويا صرفا، فلم يعد المجتمع يتطور بإرادة من الله وإنما طبقا لقوانين الطبيعة. ونظرا لتعارض رغبات الحكام والمحكومين، فقد لزم قيام دولة قوية يسعى فيها الحاكم إلى أن يكون "مرهوب الجانب أكثر من أن يكون محبوبا". وتقوم أفكار ميكيافيلي السياسية على نظرة ترى في الإنسان المدني طبيعة أنانية ميالة للهدم والتجاوز ونزاعة للغش والخداع. ولذا كانت نصائحه للأمير عبارة عن تأليب له على مواطنيه ودعوة إلى امتهانهم.) لقد قدم ميكيافيلي تحليلا لظاهرة الحرب، أذ أعتبرها تبدأ من سعي الإنسان إلى الحفاظ على ذاته وتحقيق رغبته في السلطة السياسية. هذا التأكيد التاريخي للإرادة من أجل البقاء والإرادة للسلطة قاد ميكيافيللي الى النظر في ما يتضمن هذا من أثر على المجتمع والدولة. يميز مكيافيللي بين نوعين من الحرب، تلك التي تنشأ عن الحاجة أو غريزة حفظ النفس، والحرب التي تنشأ عن الرغبة.

أهتم ميكافيلي بالحرب على أنها عملية سياسية وظاهرة منشؤها رغبة الإنسان في الهيمنة. فالنوع الأول من الحرب، التي تنشأ عن الحاجة إلى البقاء على قيد الحياة، لاتميز بين الأنسان وبقية الكائنات الطبيعة، بينما ينشأ النوع الثاني بدافع الرغبة في الهيمنة وهو ما يميز الحرب وعلى وجه التحديد، وهذا هو مما يجعل الحرب من أعمال السياسية وليس ظاهرة طبيعية. وقد تقوم الحرب نتيجة الصراع حول التوزيع النسبي للموارد الذي يميز في النهاية الفائز من الخاسر، والمهيمن ويهيمن عليه. فالرغبة هي المفهوم المركزي لمساهمة مكيافيللي في فهمنا للحرب، ويصبح من الواضح أن رواسب الرغبة هي عناصر موجودة دائما ولكنها متوقفة في المجال الزمني والاجتماعي على دور العامل البشري. أن ترغب هو أن تتذكر عوالم الماضي وتتخيل المستقبل وتسعى بنشاط للحصول على ما هو مطلوب للكائن البشري. هذا هو أساس الصراعات القائمة على الهوية وعلى الأخص تلك التي تتمحور حول "الأمة" والإيديولوجية القومية العرقية. ودور العقل هو مجرد وسيلة تزود الرغبة بأفضل الوسائل للتحقق؛ ومع ذلك، فإن ما نرغب فيه متوقف في وجوده على عالم خبرتنا.

يرى ميكيافيللي يجب على الأمير أن لا يكون لديه أي شئ آخر يفكر به غير الحرب ولا يكتسب أيً مهارة في أي شيء باستثناء الحرب، وتنظيمها وانضباطها. إن فن الحرب هو كل ما هو متوقع من الحاكم: ومن المفيد للغاية إلى جانب الحرب ان يقوم بتمكين الأمراء الوراثيين من الحفاظ على حكمهم.

إن الحرب في مشروع أنطولوجيا ميكيافيللي عنصر اساس للرغبة، والرغبة عنصر جوهري في الطبيعة البشرية. وما يجعل الفرد إجتماعي ليس الصلة الروحية وألفة مع البشر الآخرين ولكن رغبة في الهيمنة عليهم، وهذه الرغبة تتحقق في نهاية المطاف من خلال الحرب.

كما أن الخطابات حول الحرب التي نشأت من الدوافع البيولوجية، والنظام الطبيعي، قد تم تأسيسها أيضًا على تحليل هوبزي لحالة الطبيعة. المشروع الذي حدده هوبز في اللوفيثيان Leviathan يدعو إلى نظام تعاقدي يكبح قدرة الإنسان على العنف. فالفرد عند هوبز مدفوع بغريزة الحفاظ على النفس. ويستخدم الفرد العنف لتجنب الموت، فالحالة الطبيعية قبل التعاقدية حالة دافعها الخوف. ويرى أن العقل أساس لكل من السلام والعنف. إنه مبدأ أو قاعدة عامة لكل أنسان يسعى للسلام، وبقدر ما لديه أمل في الحصول عليه، وعندما لا يستطيع الحصول عليه فانه قد يسعى ويستعمل كل مساعدة ومزايا الحرب .

يكشف لنا تحليل هوبز عن أن سبب حدوث الصراع والحرب عند الفرد لأن الفرد لا يميل بشكل طبيعي للارتباط مع الجماعة. وهذا هو استمرارًا للأفكار التي طورها مكيافيلي، فيتم عند هوبز تحفز الفرد للحرب من خلال غريزة الحفاظ على الذات وبسبب الخوف الذي يسيطر عليه في حالة التفاعل مع الاخرين، فالخوف هو ميل يشمل كل البشر بالإضافة الى الرغبة الدائمة في السلطة التي لاتفسد الا بالموت. إن العنصر الأساسي في تحليل هوبز للصراع العنيف هو الحاجة الأساسية للبقاء في عالم يسعى الجميع فيه إلى السيطرة عليه. وبما أنه ليست الكل يمتلك قدرة الهيمنة، فإن النتيجة تحددها الحرب. ومن هنا تكون الحاجة الى التعاقد واضحة حيث يضع الأفراد الحق في استعمال العنف في يد سلطة (الدولة) التي تقوم وظيفتها بحماية أعضائها. وهكذا يصبح هذا السبب أساسًا للتخلي عن عنف الفرد ضد الفرد ولكن يشرعن هذا العنف بين الدول التي تنشأ في وسط حالة من الفوضى الطبيعة. والقاعدة الوحيدة التي تحدد العلاقات بين الدول في حالة الطبيعة هي الحفاظ على الذات حيث "يعيش البشر دون سلطة مشتركة فيبقون جميعا في حالة من الرهبة، وهي الحالة التي يطلق عليها هوبز صفة الحرب. لا يتم تعريف الحرب على أنها مجرد مثال على القتال، وإنما كشرط عام يتم اللجوء إليه عند الضرورة: لاتقتصر الحرب على معركة فقط، أو فعل القتال ؛ ولكن في نطاق يتحدد بالزمن و مساحة من الأرض، الماء، وما إلى ذلك من المصادر الأخرى؛ وهذه الوصية التي يقول بها باتن معروفة بشكل كاف: وبالتالي فإن طبيعة الحرب. لا يتجسد في القتال. ولكن في الظروف والأستعداد المعروف لها .

يتمتع طرح هوبز بمكانة نموذجية في العلاقات الدولية" إن فرضيات هوبز عن حالة الطبيعة، والحدود الصلبة بين السلام المدني والفوضى الدولية، وتصوره للأمن يشكلان مقومات "الأسس اللاهوتية للواقعية الممعرفية ". تحمل افتراضات هوبز وضعًا نموذجيًا في مجال العلاقات الدولية من حيث أنها تشكل الأساس الذي تبنى عليه الواقعية المعاصرة، كالخطاب السائد في العلاقات الدولية. تؤخذ افتراضات هوبز بشأن حالة الطبيعة، والعقد المدني، والفوضى الدولية على النحو المعطى، وكذلك عواقب هذه الافتراضات في مسألة تشكيل الدولة ذات السيادة.

غير أن حالة الطبيعة لا تتسم دائماً بالحرب والنضال المستمر من أجل البقاء ضد أعمال البشر الآخرين. لقد سيطر التعريف الهوبزي لحالة الطبيعة على الفكر الواقعي في العلاقات الدولية. حيث يتم تحديد الشؤون الخارجية للدول من خلال الطبيعة الفوضوية المفترضة للنظام الدولي. لكن هناك فلاسفة آخرون يميزون بين حالة الطبيعة التي تُعتبر سلميّة بطبيعتها والعلاقات الخارجية للدول التي يُنظر إليها على أنها نزاع.

لجأ جميع الفلاسفة العقد الإجتماعي الى ما يعرف بـ " الحالة الطبيعية" للبشرية واشاروا إلى معالمها. فقد وصفها لوك بأنها الحياة الأصيلة للجنس البشري، لقد لعب مفهوم الحالة الطبيعية دورًا متمايزًا كمعيار للجميع هؤلاء الفلاسفة. على الرغم من اختلافاتهم حد التناقض في ما يتعلق بصفاتها الخاصة . تمثل الحالة الطبيعية، طبقا لهوبز، جوهر الميل او النزوع الى الحرب. بينما هي تمثل حالة التعايش السلمي عند روسو. كلاهما يشتركان في الأهتمام في تقديم تفسير عقلاني لتشكيل المجتمعات وعواقبه على العلاقات داخل المجتمع. ويشترك كلاهما في الرأي القائل بأن الأفراد في حالة الطبيعة ليسوا كيانات مجتمعية. يولد فرد روسو في العزلة، ويضمن السلام على الرغم من تشتت الأنواع البشرية. إن الحياة الانفرادية والوفاء بالاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمأوى هي أساس حالة الطبيعة التي يجب أن تبقى سلمية بطبيعتها حيث أن الفرد لديه نكران طبيعي للذات عند رؤية أي كائن واعي، وخاصة أخيه الإنسان، يهلك أو يعاني، فالحالة الطبيعة هي قبل العقل وتتميز بالوحدة والتعاطف مع أعضاء آخرين من نفس هذا النوع.

وتنتج الحرب من الدولة الاجتماعية، فيحدد روسو الظروف التي حولت الحالة الطبيعية المسالمة إلى حالة التفاعل الاجتماعي المتقاتلة. مثل هذه الظروف كانت خارجية عن جوهر الإنسان وناتجة عن الكوارث الطبيعية التي جعلت الطبيعة بيئة غير مضيافة للحرية الاجتماعية المستمرة للإنسان. وقد مكنة قدرة البشر على التحمل، وقدرته المحتملة على التفكير، على التكيف مع بيئة طبيعية متزايدة العدائية. لقد مكن تطور العقل البشرية من مراقبة ومقارنة تخيل الدول المستقبلية. وتحليل الماضي التاريخي.

ونتيجة للأتصال بين البشر وعى العقل المظاهر الاجتماعية والترابط بين الملكية وعدم المساواة، والحرب في نهاية المطاف.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4299 المصادف: 2018-06-13 13:36:30