المثقف - قضايا

التوتاليتارية والاستبداد في العراق (12)

ميثم الجنابيالمحور الرابع: الأسس الاجتماعية والسياسية للظاهرة الصدامية (1)

• من الصعب فهم الظاهرة التوتاليتارية الصدامية بدون وضعها تحت مجهر الفحص النقدي العلمي. ما هي المنهجية القادرة على قراءة الظاهرة الصدامية؟ وهل باستطاعتنا إيجاد أدوات ومفاهيم ومقولات لقراءة هذه الظاهرة المعقدة والشائكة؟

إن المنهج النقدي العلمي هو المقدمة الضرورية لكل بحث علمي دقيق. بمعنى انه ينظف الطريق أمام تنوع الاجتهادات. بينما يؤدي تنوع الاجتهاد إلى تذليل نفسية وذهنية العقائد الجازمة والتسطيح السياسي الميز للأيديولوجية. غير أن الأهمية الجوهرية للمنهج النقدي تقوم في قدرته على تأسيس وربط المواقف النقدية بقيم البحث الحر. وفي هذا تكمن أهم المقدمات الضرورية لتأسيس منظومات البحث المحكومة بقواعد المنطق العلمي. إذ يستحيل فهم أية ظاهرة اجتماعية سياسية أيا كان حجم تأثيرها وفاعليتها في الوجود التاريخي للأمم دون التخلص من ثقل الرؤية الأيديولوجية.

والظاهرة الصدامية ظاهرة مركبة. بمعنى أنها تعكس البنية الاجتماعية والاقتصادية، والحالة السياسية والفكرية والثقافية العامة التي تراكمت في مجرى التاريخ الحديث للعراق. الأمر الذي يفترض صياغة رؤية منظومية من اجل تحليلها. أما الرؤية المنظومية والملموسة فهي الوحيدة القادرة على تحليل وتركيب ماهية الظاهرة الصدامية وكيفية تبلورها وصعودها والأسباب القائمة وراء سيادتها وانهيارها أيضا. كما أنها المنهجية التي يمكن رؤية معالمها فيما اكتبه بهذا الصدد، أي فيما يتعلق بجانب من جوانبها بوصفها ظاهرة توتاليتارية. وهي منهجية ضرورية أولا وقبل كل شيء من اجل المستقبل. بمعنى التأسيس لما يمكن دعوته بمهمة تصفية الحساب التاريخي مع الظاهرة التوتاليتارية بشكل نهائي وتام.

من هنا قيمة البحث في إشكاليات التوتاليتارية وخصوصيتها في الظاهرة الصدامية. ومن الصعب، بل من المستحيل انجاز هذه المهمة دون الانطلاق من تحديد منهج الدراسة العامة للتوتاليتارية ثم الاستمرار لاحقا في تحقيق استنتاجاتها العامة تجاه الصيغ الملموسة. بمعنى الانطلاق من العام إلى الخاص (من التوتاليتارية بشكل عام إلى الصدامية باعتبارها احد مظاهرها أو أشكالها أو صيغها في العراق). وهي منهجية يفترض الحد العلمي الأدنى منها الإجابة على أسئلة الماهية والكيفية والسببية. فهو الثالوث الضروري للرؤية المنهجية العلمية، أو على الأقل انه يسعف البحث من شطط الخروج على منطق البحث العلمي. كما أنه يحتوي على مقدمات ضبط الرؤية النقدية ضمن قواعد الأحكام الموضوعية، بوصفه الشرط الضروري للتخلص من قيم ومفاهيم وأهواء الرؤية التقليدية والحزبية. وعند ذلك فقط يمكن الارتقاء إلى مهمة التركيب الفلسفي في رؤية الظاهرة المعنية، أي الصيغة الملموسة للظاهرة التوتاليتارية (الصدامية). بمعنى الانتقال إلى مصاف إعادة تركيب الظاهرة ضمن سياق الحالة التاريخية.

فالتوتاليتارية ظاهرة تاريخية. والصدامية أيضا. بمعنى أنها نتاج حالة تاريخية. لكن مفارقتها تقوم في هدمها لفكرة التاريخ، ومن ثم للتاريخ الفعلي، أي المستقبلي. من هنا أهمية وضرورة تضافر الرؤية العلمية الدقيقة والنقدية الاجتماعية، أي كل ما يمكن دعوته بمنهج الرؤية التاريخية النقدية الشاملة. فهو المنهج الوحيد القادر على تفعيل الرؤية العلمية والنقدية، أي البقاء ضمن قواعد الرؤية العلمية الموضوعية وتجنب الانحدار صوب الرؤية الأيديولوجية والسياسية المتحزبة. وهذا بدوره احد أهم وأفضل الطرق لبناء الرؤية السياسية السليمة تجاه الماضي والحاضر والمستقبل.

وضمن هذا السياق يمكن توظيف مختلف الأدوات والمفاهيم. وذلك لأن تعدد وتنوع الأدوات والمفاهيم يسهم في دراسة الظاهرة من مختلف جوانبها وعلى مختلف مستوياتها. غير أن قيمة هذه الأدوات والمفاهيم وفاعليتها بالنسبة لإبراز حقيقة الظاهرة التوتاليتارية بشكل عام والصدامية بشكل خاص يبقى متوقفا على كيفية إدراك ومستوى تطبيق ما أسميته بمنهج الرؤية التاريخية النقدية الشاملة. ويفترض هذا المنهج بدوره الدراسة الملموسة للظاهرة المعنية. وفي حالة الصدامية، فإن ذلك يفترض كشف وتحديد "فرادتها"، بوصفها مزيجا من تقاليد الراديكالية السياسية المبتورة، أي المتولدة من تأثير تقاليد ثقافية ليست تلقائية. إذ لا علاقة جوهرية للصدامية بتراث الأمة وتراكم وعيها الثقافي بشكل عام والسياسي بشكل خاص. من هنا ولوغها في وحل الراديكالية وتلذذها المشوه بأذواقها الخربة مع ما ترتب عليه من هجوم ساحق للهامشية الاجتماعية والفئوية والجهوية، أي لكل البنية التقليدية المتحللة والمتخلفة في مجرى انتقالها إلى المركز. و"فرادة" الصدامية تقوم في تمثلها وتمثيلها وتطبيقها "النموذجي" لهذا التيار المدمر في تاريخ العراق الحديث.

• إن اغلب القراءات الفكرية والأكاديمية في العالم العربي بشكل عام والعراق بشكل خاص تفتقد إلى تقاليد خاصة بالبحث والتحليل والدراسة. والموجود منها متخلف ومشبع بالأحكام الأيديولوجية. هل يمكن تأسيس مرجعية فكرية فاعلة لقراءة الظاهرة الصدامية؟

إن السبب الرئيسي لهذه الظاهرة المأساوية والخربة أيضا يقوم في طبيعة الانقطاع التاريخي الذي حدث في مجرى الانتقال من "العثمانية" إلى "الدولة الوطنية". فقد كان ذلك انتقالا مغامرا بالمعنى التاريخي والثقافي. كما كان يحتوي في أعماقه على طبيعة الخلل الذي لازم العالم العربي وثقافته التاريخية الكبرى بعد انحلال مراكزه الثقافية السياسية ووحدته الخاصة، أي بسبب ضعف أو انعدام تاريخه السياسي المستقل لقرون عديدة. بينما رافق انتقاله من حالة الوهن العثماني إلى حالة الانتعاش الكولونيالي، عيشه في ظل أهواء وأنواء مصطنعة. بمعنى خروجه إلى عالم غريب دون تكامل أو تصلب عوده الذاتي. لكنه كان الامتحان التاريخي الجديد.

فقد أدت السيطرة التركية العثمانية إلى هدم وتدمير وتخريب شامل للتاريخ العربي الثقافي السياسي. إذ جرى تحويل منطقة الهلال الخصيب إلى أطراف سائبة تدور حول مركز متحلل وخرب منذ قرون! لكنه كان يعمل ويعاني ضمن معاييره من اجل "النهضة" الجديدة. غير أنها لم تكن ذات آفاق بالنسبة للعالم العربي بسبب مركزية الدولة التركية العثمانية وانعدام استعدادها الذاتي على العمل بمعايير الوحدة المرنة والمتغيرة والمتبدلة لمكوناتها. وذلك لأن التركية العثمانية كانت من حيث الجوهر تعبيرا مشوها عن غلبة الأقلية بالمعنى القومي والثقافي. من هنا انسداد طريقها وآفاقها في العالم العربي (بل والتركي أيضا كما كشف عن ذلك تيار القومية الاتاتوركية).

ومهما يكن من أمر هذه الدراما التاريخية، فإن حصيلتها المتناقضة تقوم في مواجهة الاجتهاد التاريخي المستقل للعالم العربي من اجل مواجهة إشكالاته الذاتية من جهة، وصعود التيار الوطني والقومي السياسي. ولعبت هذه العملية المتناقضة دورها الخاص أيضا في مجال الرؤية الثقافية والفكر. فمن جهة نقف أمام تطوير وتأسيس سريع للمدرسة، لكنها كانت تعاني أيضا من خلال الضغط الكولونيالي. فالاحتكاك المباشر بالغرب لم يجر في العراق على أساس تمثل التجربة الثقافية لأوربا آنذاك على صعيد النخب، بل من خلال البحث عن مساومات سياسية. ولم يكن بإمكانها أن تكون مربحة للعراق آنذاك. من هنا كان الإفراط في الترحيب بالتجربة الأوربية أو معارضتها يصبان في اتجاه واحد، ألا وهو سيادة التطرف والغلو والابتعاد عن تقاليد النهضة والإصلاح والاعتدال. وليس مصادفة أن تصبح الراديكالية السياسية القوة الكبرى في كل شيء. من هنا تفجرها في "ثورات" العسكر ذوي الأصول التقليدية الريفية. مع ما ترتب عليه من انتشار وصراع مرير وعداء أهوج بين تياراتها الكبرى - الناصرية والبعثية والشيوعية.

إن انتصار العنصر السياسي على الثقافي، والإرادة على الوعي النقدي، والوجدان على العقل قد أدى إلى سيادة الزمن على التاريخ. ولم يكن بإمكان هذه العملية المقلوبة ألا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تدمير البنية الثقافية للوعي النظري والعملي. ومن ثم سيادة وانتشار الوعي السياسي المتحزب بوصفه بوصلة الإنقاذ الوحيدة! أما في الواقع فإنها كانت مؤشرا على ما فيها من خلل. من هنا عشوائية الأفعال والأقوال على مستوى الدولة والسلطة والثقافة. مما أدى بدوره إلى إرساء "منظومة" الخلل والعشوائية في البنية الذهنية والنفسية على السواء. بحيث أدى بقدر واحد إلى تدمير البنية الذهنية والنفسية للعوام والخواص، أو المجتمع والنخب. وقد يكون العراق أكثر من جسّد هذه الحالة في مجرى كل النصف الثاني للقرن العشرين. إذ أدت هذه العملية إلى سحق البنية الثقافية العقلانية وتدمير وتقاليدها السياسية وسحق المؤسسات العلمية. وليس صعود الراديكاليات السياسية الإسلامية (الأصوليات السلفية والمذهبية المتحزبة) في ثمانينيات القرن العشرين سوى الوجه الآخر للخراب والانحطاط المشار إليه أعلاه، أي الوجه الآخر لتجارب الراديكالية الخشنة والفاشلة، التي أكثر ما وجدت تعبيرها في ميدان الفكر والثقافة.

لقد أدت عملية الانحراف التاريخي التي أصبحت جزء من منظومة الرؤية الراديكالية السياسية بعد صعودها إلى سدة الحكم، إلى تعميق خلل الذهنية الثقافية والفكر الحر. بحيث أصبحنا نقف أمام نماذج مهيمنة في مجال الثقافة لا علاقة لها بالفكر والبحث العلمي. لكنها السائدة على مستوى "الثقافة" والسياسة. وكلاهما أتباع لأحزاب ورؤية حزبية، أي لنخب متخلفة أو نصف متعلمة أو شبه جاهلة! وليس مصادفة أن يكون لمعان "المثقف" على قدر احتكاكه بالأحزاب أو السلطة! بينما حقيقة المثقف بشكل عام ورجل العلم بشكل خاص تقوم في العمل بمعايير العلم المجردة ومرجعياته الأخلاقية الصارمة. إذ للعلم أخلاقه الرفيعة والدقيقة والصارمة، أكثر مما تدعيه الأديان جميعا! لكن العلم بلا دعوى. وهو الفرق الجوهري بين إيمان ظاهري لا قيمة له من حيث الجوهر فيما يتعلق بتأسيس القيم الأخلاقية بوصفها منظومة عملية للارتقاء الاجتماعي، وبين معاناة الشكوك المعرفية الملازمة للعلم والبحث العلمي. من هنا محاربة العلم والثقافة الحر والتفكير النقدي بوصفه "شكوكا" بقيم و"حقائق" الأحزاب الراديكالية وشعاراتها "الخالدة". وهو السر القائم وراء التوقف عند تخوم الحداثة دون الدخول في مغامراتها الصعبة. وفي هذا أيضا يكمن سبب هزيمة الحداثة العربية بشكل عام وفي العراق بشكل خاص.

ومن الممكن تتبع اثر ومآثر هذه الحالة الخربة على اغلب رجال "الفكر التقدمي" في العالم العربي. بمعنى انحدارهم من علياء التقدم والحرية والعقلانية والنزعة الإنسانية والحداثة إلى حضيض السلفيات المتنوعة والخنوع أمام الأنظمة المتخلفة والرجوع إلى غريزة البهائم الهائمة! واكتفي هنا بنموذجين فقط. مع أن بإمكان المرء إيراد العشرات بل المئات من الظاهر المشابهة. إذ نرى محمد عابد الجابري يهبط من علياء "نقد العقل العربي" إلى أنواع من التمجيد المبطن والمسطح للرؤية السلفية لابن تيمية والوهابية. بينما يتحول السيد القمني من داعية للنقد العقلي للتدين والإسلام إلى كمية من الخلل فيما يتعلق بجوهرية الفزع الكامن في أعماقه من تهديد السلفيين! وبغض النظر عن تباين الشخصيتين ومستوى تأسيسهما النظري والمعرفي، فإننا نقف أمام ظاهرة مشوهة تعكس طبيعة ما أسميته بتخريب البنية الذهنية والنفسية للعوام والخواص في مجرى عقود طويلة من الزمن أدت من حيث الجوهر إلى إلغاء البنية العلمية والأكاديمية للبحث العلمي. مع ما ترتب عليه من تهشم داخلي للشخصية بشكل عام والمثقفة بشكل خاص وجدت تعبيرها في إمكانية التغير والتبدل المحكوم بكل شيء باستثناء ثوابت البقاء ضمن عالم المغامرة الحرة للعقل النقدي والوجدان الصادق. وبالتالي لم يكن انحدار الجابري صوب السلفيات الميتة تحت حجة "التنوير" الكاذب، وهلع القمني من تهديد الجهلة وعميان العقل والضمير تحت حجة "الحفاظ على النفس" سوى الوجه الحقيقي للخلل الفعلي في بنية الثقافة والفكر والمثقف.

إن ابسط شروط وجود وعمل وموقف المثقف الحقيقي ورجل الفكر تقوم في معرفة الحقيقة القائلة، بأن تراث الأمة والأمم جميعا تقوم في أن رجل العلم والفكر بل والأنبياء أيضا هم أولا وقبل كل شيء أرواح، أي خارج ممسك العوام والجهلة. وحالما يتراجع رجل الفكر إلى مستوى الجهلة وأنصاف المتعلمين أو يخضع لأهوائهم، فإن ذلك مؤشر ودليل قاطع على انه لا فكر ولا علم ولا يقين يقابله بهذا الصدد. وإلا لأدى ذلك إلى سيادة حقيقة مقلوبة تقول بأن صفة الجاهل الصلابة في المواقف والاستعداد للتضحية من اجلها، بينما صفة العارف الهشاشة في الشخصية والمواقف والاستعداد السريع للهزيمة والانهزام! غير إننا نقف أمام ظاهرة تشير إلى وجود أو انتشار هذه الحالة. وبالتالي ينبغي البحث هنا عن مفارقة أو سبب غياب أو انعدام القراءة الفكرية والأكاديمية العلمية.

لكننا حالما ننقل ذلك إلى ميدان المواقف الشخصية (وهي أمور جوهرية بالنسبة للمثقف ورجل العلم) فإن هذا الانحطاط يعكس أولا وقبل كل شيء ضعف بنية الرؤية المنهجية للمثقف والباحث ورجل الفكر والعلم، أي لثقافته الشخصية. مع أن القضية أوسع وأعمق واعقد من ذلك. وعموما أن شهرة الكاتب والمؤلف في العالم العربي والعالم ليست محكومة بالضرورة بقدرته المعرفية الفعلية، بقدر ما هي نتاج صدفة ظاهرة وضرورة قاهرة تقوم في باطنية التخلف التي جعلت من التحزب والأيديولوجية مصدر المعارف النهائية وشكل تأسيسها. وهنا يكمن سبب تخلف وخراب المثقف والباحث "العلمي". ولهذا السبب قلة أو ندرة بل وشبه انعدام الكتابات العلمية الرصينة بهذا الصدد. فما هو موجود أو شائع الانتشار اقرب ما يكون إلى أشياء اقرب إلى الإثارة منها إلى تأسيس الذهنية النقدية والعقلية والثقافية. والسبب يقوم كما يقال في أن فاقد الشيء لا يعطيه! أما الكتابات الجيدة نسبيا، فإنها تضيء بعض الجوانب الجزئية لقضية التوتاليتارية. بل أنني لم أر كتابات جدية أو حتى مقالات جزئية بهذا الصدد. والشيء الوحيد الذي يجري تناوله في العراق هو كمية من الهجوم الصحفي والمغلف أحيانا بكمية من المصطلحات "العلمية" الكاذبة، وذلك بسبب وضعها في غير محلها. لكنها تبقى مع ذلك ضرورية ومهمة من حيث إدراكها (الجزئي) لأهمية هذه القضية الكبرى بالنسبة لتاريخ وعي الذات القومي والثقافي، والاهم من ذلك أهميتها بالنسبة للمستقبل.

غير أن الأمل الأكبر يقوم في الإمكانية الكامنة حاليا في تذليل ثقافة الهيمنة الأيديولوجية. والقضية ليست فقط في أن الثقافة الأيديولوجية مجرد معاناة ميتة وتحجيم للعقل النقدي وإهدار للقوى، بل وفي استمرارها دون وعي في إعادة إنتاج الذهنية التوتاليتارية. وما لم يجر تذليل هذه العقبة الكبرى فان من الصعب توقع صدور دراسات وأبحاث فكرية وأكاديمية عميقة. بمعنى أن الأبحاث العلمية والأكاديمية تبقى جزء من اجتراح الذهنية المتوقدة والكفاءات الفردية. بينما المهمة تقوم في تأسيس ذهنية اجتماعية ثقافية قومية مهمتها ليس تحصين الفرد والجماعة والأمة، بل في إطلاق حريتها الملتزمة تجاه النفس والمستقبل. وفي هذا تكمن المقدمة الضرورية للحرية والتحرر من عبودية الأيديولوجيات السياسية العملية الراديكالية. وفي مجرى تأسيسها في الوعي الاجتماعي يمكن الانتقال إلى عالم التاريخ الفعلي والرؤية المستقبلية. أما المرجعية الفكرية لذلك فتقوم في تناول إشكاليات الوجود الاجتماعي والتاريخي بمعايير التجربة الخاصة والاجتهاد النقدي الخاص. والصيغة الأمثل لهذه المرجعية تقوم في تأسيس ما ادعوه بالفلسفة الثقافية النقدية، أي الاستناد إلى رؤية منظومية شاملة وتلقائية من حيث رؤيتها النقدية وتقديمها للبدائل، أي تذليل وتجاوز ونفي كل ما هو سائد في الفكر السياسي والحزبي والتدوين التاريخي للأحداث.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4327 المصادف: 2018-07-11 03:58:30