المثقف - قضايا

الهوية وإشكاليات المرجعية الثقافية في روسيا (1)

ميثم الجنابيأنصار السلافية والبحث عن الهوية الروسية

إن الأفكار الكبرى لا تظهر عبثا. ومن الصعب توقع تلاشيها مع مرور الزمن لأن ذلك يفترض سيادة النسيان. وهي مفارقة لا معنى لها إلا في أذواق المجانين. بينما التاريخ هو المسرح الخفي للجلاء والوضوح القائمين في الرؤية المدركة لقيمة البدائل والمساعي الحية لتجسدها. الأمر الذي يجعل من كل انعطاف تاريخي محطة لالتواء الخواطر واليقين في جدل البحث عن كل ما يمكنه أن يروي عطش الذاكرة بسواقي الحوادث القديمة ويشفي عللها بدواء آمالها الساحرة والنظر إليها على أنها الجوهرة الوحيدة القادرة على ملء خاتمها الجديد لكي تطبع به إخلاصها لذاتها.

ومن الممكن القول بأن الفكرة الأوروآسيوية هي من الأفكار الأوسع والأعمق والأصدق إخلاصا للهوية الثقافية الروسية. فالتاريخ الروسي الفكري منذ القرن الثامن عشر حتى الآن هو بمعنى ما تاريخ الجدل السياسي والثقافي حول تلك الهوية. وليس ذلك بفعل نشوء الفكرة الأوروآسيوية المرافق لصيرورة الإمبراطورية (القيصرية) فحسب، بل وبفعل محاولاتها بناء الكيان الذي يحافظ على وحدة روسيا بمعايير الروح الثقافي السياسي. فالأوروآسيوية هو التيار الذي وضع في حوافزه وغاياته مهمة إدراك الهوية الروسية وتجسيدها سياسيا بمعايير الإنتماء الثقافي للكل الروسي (بشعوبه وأممه وثقافاته). كما أنه التيار الوحيد الذي حاول صهر مكونات الكلّ الروسي في بوتقة الأمة الثقافية، أي التيار الذي تمثّل ومّثل تقاليد التوحيد الثقافي. ولهذا يبرز على الدوام مع كل تفكك وانحطاط كما لو أنه القوة الإيجابية الساعية لتنظيم الغاية والوسيلة من معنى الوحدة. من هنا يمكننا اعتبار تقاليد الأوروآسيوية الروسية نفيا للراديكالية الإمبراطورية (الروسية) بشقيها الثوري والرجعي، ونفيا أمميا للأثنية الآسيوية والأوروبية. مما يجعل من تاريخ الأوروآسيوية أحد نماذج البدائل الواقعية في التاريخ الروسي والعالمي لأنها تنسج في خيوطها الألوان الجميلة في تاريخ الشرق والغرب.

بصيغة أخرى، إن الفكرة الأوروآسيوية الروسية تفسح المجال أمام اتفاق روسي - شرقي واسع هو إحدى الركائز الجوهرية الممكنة للاعتدال الضروري في توازنات العولمة. وبالتالي بناء إحدى الركائز الجوهرية للإنسانية. إذ بوسع هذه الفكرة في حالة تحققها أن تعطي لأوروبا فرصة الارتقاء إلى مصاف "الأوروبية الثقافية" وللولايات المتحدة إدراك حجمها الطبيعي في التاريخ العريق للبشرية، وبالتالي المساهمة في إدماج الغرب والشرق في عولمة ذات أبعاد إنسانية.

إن المصير الذي يثير الهموم المشتركة ويستثير بمقدارها تنوع المشاريع واختلافها، هو نفسه الذي يعطي للأفكار القديمة إمكانية تأويلها وإدراجها في رؤية البدائل المتجددة. وهو مصير يحتكم في الأزمة ويتمظهر فيها ومن خلالها ليكشف عن أن قيمته الجديدة ومعناه التاريخي متوقفان على نوعية وكيفية ارتباطه الوجداني بتجارب الأمم ومعاناة أجيالها السالفة. إذ لا سلف في التاريخ ولا خلف خارج الوجدان. ولا وجدان خالص دون عقلانية تعي غاياتها بمبادئ الحكمة المتسامية. ولا حكمة متسامية دون تقييد الحرية الباحثة عن بدائل بمبادئ اليقين الإنساني. ولا يقين إنساني دون فضائل الحق والحقيقة.

فالرجوع إلى الماضي في الأزمات هو الأسلوب الطبيعي لترسيخ اليقين وإعادة صقله أمام المستجدات والمهمات الملحة. وهو رجوع متواتر لا تكرار فيه. لأن الحياة نفسها أزمة دائمة لا هدنة فيها. فالإبداعات الفكرية الكبرى هي على الدوام نتاج للأزمة. ومنطلقاتها الكبرى تقوم في إعادة النظر بالتجارب التاريخية. وبالتالي، ليس التمسك بالماضي حتى في أشد الحركات تحررية وراديكالية سوى الصيغة الضرورية المعبرة عن قيمة اليقين التي تكشف بدورها عن أن كل حركة إلى الأمام هي رجوع إلى المصادر الأولى. فتاريخ الفكر الفلسفي والسياسي والديني هو أيضا تاريخ "الرجوع إلى البداية". وبغض النظر عن تنوع هذه البداية إلا أنها تعكس في تجريدها قيمة التجارب وأهميتها بالنسبة إلى تأسيس البدائل. فالبدائل والاحتمالات تكمن بقدر واحد في التاريخ (الماضي والمستقبل). فالرجوع إلى بوذا والمسيح ومحمد، أو إلى أفلاطون وماركس وكانط، أو إلى الأشعري والغزالي وابن عربي، أو إلى الأنا القومية (الأثنية أو الثقافية) ليس نكوصا في التاريخ بقدر ما هو التعبير الأولي عن مساعي الإرادة القلقة في بحثها عن يقين دائم. والماضي هو اليقين التام. والرجوع إلى الماضي هو محاكاة للبحث عن (اليقين). وعظمة اليقين على كيفية تأسيسه. وتأسيسه الحق يفترض بالضرورة تلقائيته الخالصة باعتبارها أيضا سرّ الإبداع الحقيقي بما في ذلك صياغة الأسس النظرية للمشاريع السياسية.

وهي الحالة التي يقف أمامها الوعي السياسي والثقافي الروسي المعاصر. كما انها الحالة ذاتها التي يقف أمامها الفكر العربي السياسي والثقافي المعاصر. رغم أن لكل منهما مقدماته وخصوصياته. ومع ذلك فإن ما يجمع بينهما ويربطهما ليس فرضية مجردة عن وحدة المصالح ومواجهة التحديات بل وجذور ثقافية سياسية يمكن توظيفها في العولمة المعاصرة.

فقد كشف العقد الأخير من القرن العشرين (منذ بداية ما يسمى بالبيريسترويكا) عن عوالم دفينة في التاريخ الروسي بحيث أعطى للخيال والعقل والوجدان حرية التأمل والتأويل والجدل، وبيّن أن الإمكانيات والاحتمالات العظمى ما زالت قائمة فيه بفعل صيرورتها المعقدة وضعف تبلورها في نظام فكري سياسي ثقافي متجانس.

وما يثير اهتمامي بهذا الصد هو التطرق إلى أحد النماذج المتميزة للعقائد الكبرى بوصفها إسهاما في رؤية البدائل في التاريخ الروسي واستحداثاتها الحالية من وجهة نظر الفرضية القائلة بإمكانية توحيد الرؤية الاستراتيجية بين العالمين العربي والروسي. ومن ثم النظر إلى هذه الفرضية ليس فقط بما تقتضيه المصالح بل ولأسسها الثقافية العميقة. فالعالم العربي ثقافي (لا اثني) في كينونته القومية، والبديل الروسي الأسمى ثقافي أيضا في نزوعه وغاياته. والأوروآسيوية الروسية هي أحد نماذجه الإنسانية. 

فقد وقفت روسيا وما تزال عند تخوم القرنين العشرين ـ الواحد والعشرين (الأوروبيين) أمام مفترق طرق، بعد محاولات قرون ثلاثة من التحديث والعصرنة كما لو أنه اللغز الذي جعل "الجميع" يتحسس ويتقّبل (من زوايا مختلفة) صعوبة إخضاع روسيا لتأمل العقل والدراسة المنطقية. وهي صعوبة تستعيد فاعليتها مع كل انعطاف حاد (كما هو الحال في كل الأحداث الكبرى). غير أن القيمة العملية لها تكمن في أن الانعطافات الكبرى لروسيا في القرن العشرين لم تكن روسية خالصة. مما أعطى ويعطي لانتصاراتها وهزائمها القومية طابعا عالميا. وليس ذلك بفعل جبروتها الاقتصادي والعسكري فقط، بل وبفضل إشكالياتها الثقافية السياسية. فصعود الاشتراكية البلشفية (أو الشيوعية الروسية) وسقوطها هما من حيث الجوهر، إشكالية سياسية ثقافية. وينطبق ذلك بالقدر نفسه على صعود الليبرالية الروسية المعاصرة وانحلالها. فقد كشفت السنوات المعدودة من تسعينات القرن العشرين عن إفلاسها التاريخي وبرهنت على أنها هوية عائمة في فضاء الغربة الثقافية، لأنها مبنية لا على قاعدة المعاناة الاجتماعية الثقافية السياسية الروسية.

ارتبط صعود البلشفية بكونها البديل الثقافي السياسي للإمبراطورية الروسية. مما جعل من الثورة أيضا ثورة الشعوب والأقليات من أجل بديل اجتماعي إنساني. إلا أنها لم تستطع صياغة نموذجها الثقافي التام. مما أبقى على الخلافات الدفينة دون تذليلها أو حرقها في أتون العمل المشترك للبناء الاشتراكي، أو الثقافة المشتركة  "للتنوع الجميل". وكذلك الحال بالنسبة إلى "المرحلة الديمقراطية" المعاصرة.

فقد كانت شعارات الليبرالية الصيغة المعاصرة (الزائفة والتخريبية أيضا) للشعارات البلشفية عن حق الأمم في تقرير مصيرها. لقد أراد كل منهما (وإن تباينت الحوافز والغايات والقوى والأفكار) صنع فيدرالية تستجيب للتعددية. إلا أنهما أخفقا في صياغة مبادئ ثقافية كبرى لها صفة المرجعية العامة للجميع.

فقد صنع شعار الأممية والصداقة بين الشعوب تركيبات سياسية قومية وإدارية هلامية بفعل مركزة السلطة واضمحلال التعددية (السياسية والثقافية والفكرية)، وأدى في نهاية المطاف إلى فقدان البريق الوجداني للأممية وعقلانيتها الإنسانية. ولم يكن تفكيك "الإمبراطورية السوفيتية" من قبل الليبرالية الروسية ومساعي بناء الفيدرالية الديمقراطية سوى الصيغة الكاريكاتورية للإصلاح. لأنها جسدت الصيغة الابشع للطفيلية الكومبرادورية في التهام كل ما يمكن التهامه وإطلاق حرية التملك الفاحش مما جعلها تتناسى في غضون خمس سنوات شعارات المساواة والعدالة والحق والإنسانية والحرية وما شابه ذلك. ولم يكن ذلك بفعل نفسيتها الهدامة فقط، بل وبفعل عجزها التام عن صياغة مرجعيات جديدة تستجيب لمتطلبات الفيدرالية الديمقراطية. وهي الحصيلة التي حددها أولا وقبل كل شيء هامشيتها الاجتماعية والقومية والثقافية والسياسية.

وأخذ كل ذلك يثير من جديد وبقوة متزايدة الإشكالية التاريخية الكبرى للوجود الروسي نفسه، أي إشكالية هويتها الثقافية باعتبارها مقدمة بديلها السياسي ونظامها الاجتماعي. من الممكن القول بأن التاريخ الروسي هو تاريخ معاناة تأسيس هويته الثقافية السياسية.

فقد كان التاريخ الروسي قبل بطرس الأول تاريخ الصيرورة المتراكمة للإمبراطورية في مراحلها المترامية ما بين تأسيس الدولة (القرن التاسع) وتوحيدها الروحي العقائدي باعتناق النصرانية (القرن العاشر) وتجميع قواها بالتحرر من السيطرة التترية ومن ثم توسعها الشرقي باحتلال قازان (عام 1552) واستراخان (عام 1556) وسيبيريا (القرن 16 ـ 17) وتوسعها الغربي بالانتصار على القوات السويدية (عام 1709) وشمالا بالخروج إلى بحر البلطيق وإرساء الحجر الأول لمدينة بطرسبورغ (عام 1703). أما الصراعات اللاحقة مع الإمبراطورية العثمانية في مجرى القرنين الثامن عشر ـ التاسع عشر فقد أدت إلى توسيع حدودها الجنوبية. إذ تمم تاريخ التوسع الإمبراطوري الروسي (شرقا وغربا وشمالا وجنوبا). لقد تكاملت روسيا في عهد بطرس الأول جيوسياسيا دون أن تترسخ وحدتها الثقافية. فالبطرسية كانت الصيغة الراديكالية للتوحيد الثقافي. وإذا كان من الممكن بالنسبة لهذه الصيغة الراديكالية أن تفعل فعلها في التوحيد الشامل للأمة الإثنية، فإن من الصعب توقعه بالنسبة إلى الإمبراطورية المتعددة الأجناس والقوميات والثقافات والأديان العريقة المستتبة. فقد مّثلت البطرسية النسخة الروسية للتقاليد الرومية. أو أنها أرادت أن تحاكيها في الظاهر والباطن. ولهذا لم تكتف بأوروبة روسيا في المظاهر والقوة، بل وفي كامل انتمائها الروحي والمعنوي. وإذا كانت الرمزية الأولى لهذه الأوربة في جعل التقويم الروسي أوربيا وإلزام الروس جميعا بالتأورب، فإن المضمون الواقعي لذلك كان يعني أيضا أوربة الوعي الروسي التاريخي والثقافي ككل، أي أنه ألزم روسيا، مجتمعا وأمة، بقواعد وقيم ومعايير لم تعشها اجتماعيا ولا سياسيا ولا أخلاقيا. إذ لم تعش روسيا مشاعر البهجة الداعية للرجوع إلى "العهد  الكلاسيكي" لأنه ليس لها عصور وسطى ولا عالم قديم أّرق مضاجعها. ولم تعان روسيا الأرثوذكسية من صراع المذاهب والطوائف لكي تترعرع في معمعان الإصلاح الديني، إذ لا كاثوليكية فيها ولا بروتستانتية.

وضعت البطرسية الوعي الروسي أمام "التنوير" دون أن يكون ذلك تنويرا بالمعنى الأوربي. وليس اعتباطا فيما يبدو أن تثير البطرسية جدالا عنيفا حول قيمتها وأثرها ومعناها بالنسبة إلى التاريخ الروسي وهويته القومية والثقافية. فالصراع الفكري الأول، الأوسع والأعمق، الذي بلور بمعنى ما منطلقات الفلسفة الروسية واتجاهاتها كان مرتبطا بآثار إصلاحات بطرس الأول. فهو الصراع الذي أدى إلى ظهور الاتجاه الغربي (الأوربي) والاتجاه الوطني (الذي عرف باسم أنصار السلافية).

إن تضاد الأوربي (الغربي) والوطني (السلافي) هنا هو تضاد مشروط بإدراك أولويات الوعي الاجتماعي التاريخي والسياسي لا غير. فالاتجاه الأوربي نفسه مجموعة تيارات تتراوح بين الديمقراطية والثورية والليبرالية والاشتراكية (بما في ذلك الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية لاحقا). وقد وقف هذا التيار الذي مثله في بادئ الأمر شخصيات لامعة ومؤثرة مثل هيرتسن وأوغاريوف وغرانوفسكي وبوتكن وكروكوف والى حد ما بيلينسكي وتورغينيف وأنينكوف وبانايف وغيرهم موقف المعارض للعناصر المحافظة عند أنصار السلافية (السلافيانوفيلي). فقد وجه هذا التيار جل اهتمامه صوب قضايا التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لروسيا. وبهذا المعنى فإن وطنيته تتمثل في رؤيته السياسية أولا وقبل كل شيء. وهو أمر جلي في تأثيره اللاحق (والحاسم) على بلورة التقاليد السياسية (والثورية منها بالأخص) في روسيا. أما الاتجاه الوطني (أنصار السلافية) فتتمثل وطنيته بتركيز اهتماماته الفكرية على اشكالات التطور الثقافي والروحي لروسيا. وليس مصادفة أن يكون انهماكه الأكبر بالفلسفة والتاريخ، وأن يكون ممثلا للفلسفة الروسية، وفلسفة أنصار السلافية، إي أن وطنية أنصار السلافية تقوم أساسا في تأسيسها الدائم لانتمائها الثقافي لروسيا أو تأمل تاريخها الوطني بمعايير الروح الأخلاقي والمعرفي المتراكم في التاريخ الروسي (الكنيسة الشرقية بشكل عام والأرثوذكسية الروسية بشكل خاص). 

وإذا كان الاتجاه الغربي قد أيد عموما الإصلاحات البطرسية وقيمها عاليا، فإن الاتجاه المضاد (أنصار السلافية) وجد فيها تدميرا لخصوصية روسيا وكيانها المتميز. وليس اعتباطا أن يظهر هذا التيار في أعقاب "الرسالة الفلسفية" لرائد الفكر الفلسفي والاجتماعي السياسي الروسي تشادايف. فقد مّثل هذا التيار واستثار الكوامن المتراكمة في مناهضة التقليد المباشر وأساليب تطبيق نمط الحياة الأوربية على روسيا. ولم يحارب ممثلو هذا التيار إمكانية تطوير روسيا وتقدمها العلمي والصناعي والزراعي والتجاري، بل وقفوا ضد صيغة تطبيق الإصلاحات التي حولت روسيا، كما قالوا، إلى قرد أوربي.

إنهم وجدوا في هذا التقليد إحدى المقدمات الأساسية لقطع المسار الطبيعي لتطور روسيا وانفصام كيانها السياسي عن وجودها الاجتماعي التاريخي الثقافي. أما آثاره المباشرة فقد برزت في استعلاء الأرستقراطية والأنتليجينسيا على الشعب. وسوف يجد هذا الانتقاد الحساس والواقعي للسياسة التي اتبعها بطرس الأول والقيصرية انعكاسه في أغلب الحركات الثورية والديمقراطية والاشتراكية الروسية. إذ نعثر على صداه المشترك عند كل من (الجذرويين) الداعين إلى تأسيس فكرة الخصوصية الثقافية لروسيا مقارنة بالغرب، وعند (الشعبيين) في فكرتهم عن الشعب والقادة، وعند (الاشتراكيين الديمقراطيين) في فكرتهم عن الجماهير والكادحين. من هنا استنتاج تيار انصار السلافية القائل بأن البديل الطبيعي لروسيا ينطلق من إعادة وحدتها الثقافية من خلال تنويرها الشامل وبناء نظامها السياسي على أساس الجمعيات المحلية وروح المشاعية (الفلاحية) ودعم وحدة روسيا القيصرية بإرجاعها إلى صفاء الإيمان النصراني الشرقي.

لقد تمثل أنصار السلافية بصورة خلاقة ضغط الواقع التاريخي المرافق لإصلاحات بطرس الأول، مما طبع إبداعهم ببصمات الروح المتسامي. وليس اعتباطا أن يكون الجزء الاكبر من الفكر الفلسفي والأدبي والسياسي اللامع في التاريخ الروسي الحديث من إبداعهم وإبداع القريبين منهم. وليس مصادفة أيضا أن ينطلق أنصار السلافية من إدراك قيمة التنوير كما لو أنهم حدسوا أثره التاريخي في التاريخ الروسي. إذ ارتبط تاريخ أنصار السلافية بشخصية ن. س. خوميكوف وا. س. اكساكوف وأ. ف. كيرييفسكي. أما تطويره اللاحق فقد ارتبط بشخصيات كبرى في تاريخ الفكر الروسي بشكل عام والفلسفي بشكل خاص مثل دانيليفسكي و ليونتيف إضافة إلى كل من سولافيوف وبولكاغوف وكارسافين وفلورينسكي وكذلك من اقترب منهم من رجال الأدب الروسي العظام مثل تيوشيف واستروفسكي وبوشكين ودستويفسكي وتولستوي وغيرهم.

لم ينظر اتباع السلافية إلى التنوير على أنه المرحلة اللاحقة لعصر النهضة أو الإصلاح الديني، بل اعتبروه مهمة جوهرية في "تعليم" روسيا إمكانية الرجوع إلى ذاتها. فقد اعتقد كل من خوميكوف وكيرييفسكي بأن مستقبل روسيا رهن بتنويرها ولكن ليس بالطريقة التي اتبعها بطرس الأول والتي أدت إلى فصم عرى الوحدة الروحية للتاريخ والمجتمع الروسيين، بل من خلال إعادة دمج ذلك التاريخ وصهره في تقاليد وتعاليم النصرانية الشرقية (الأرثوذكسية). فأزمة التنوير والتثقيف الأوربيين نتاج ابتعادهما عن حقائق الإيمان النصراني. وهي أزمة ترسخت تقاليدها على أساس سيادة كل من الكاثوليكية والسكولائية والعقلانية (الأرسطية ومشتقاتها) كما يقول كيرييفسكي. أما ذروتها الكبرى فقد تجلت في الهيغلية. ووضع هذه الاراء في كتابه الصادر عام 1852 تحت عنوان (طبيعة التنوير في أوربا وعلاقاته بالتنوير في روسيا).

في حين أن بديلها الأمثل والمرافق للروح الروسي هو كل من تقاليد الأفلاطونية والنصرانية الشرقية (آباء الكنيسة) بفعل قدرتها على بناء الكيان الروحي الأخلاقي للإنسان ونموذجه الأمثل في الإيمان الديني. وهي المهمة التي ينبغي أن تنفذها روسيا في الحياة والعمل، أي الأفكار التي نسجها كيرييفسكي وخوميكوف معا. غير أن خوميكوف أعطى لها أبعاد تاريخية ثقافية من خلال تحويلها إلى بنية أكثر تجانسا في فلسفتها التاريخية والاجتماعية السياسية. فقد توصل إلى النتائج العامة نفسها عن محدودية التنوير الأوربي وضيقة وأزمته الناجمة عما أسماه بسيادة العقل الإداري وفقدان العاطفة والمشاعر. بينما حقيقة المعرفة والمعرفة الحقة فهي تلك التي تجمع في ذاتها العقل والمشاعر والإرادة. على أن روسيا تحديدا باعتبارها ممثلة النصرانية الناصعة (الشرقية)، هي القادرة على هذا الجمع وتحويله في الوقت نفسه إلى أداة للعمل والبناء. ووضع هذه النتيجة في صلب انتقاده العنيف للمركزية الأوربية ونتاجاتها الفكرية والتاريخية (الكاثوليكية والبروتستانتية والغربيون والفلسفة الألمانية).

وعوضا عنها أسس خوميكوف لضرورة مبدأ الجماعة والوحدة والامتلاء الباطني. ولم يقصد بالجماعة الكيان الاجتماعي بل المبدأ الشامل للوجود الذي يشكل المجتمع الروسي تجليه التاريخي. وهنا يجدر القول بأن مبدأ الجماعة أو الوحدة الشاملة هو المبدأ الذي أصبح فيما بعد أحد المبادئ الجوهرية للفلسفة الروسية ككل، بمعنى توحيد رؤية وعوالم الميتافيزيقا والوجود والاجتماع والروح الأخلاقي جميعا. ووجد هذا المبدأ انعكاسه المباشر عند سولافيوف وتروبيتسكوي وفلورينسكي وكارسافين وفرانك، اما انعكاسه غير المباشر فقد وجد طريقه الى الفلسفة الماركسية (الروسية) النظرية وبالأخص عند بليخانوف، وفي الممارسة السياسية وبالأخص عند لينين، كما هو.

وحالما أخذ خوميكوف تطبيق هذه الأفكار على الواقع الروسي، فانه توصل إلى استنتاج يقول بوجود نماذج متضادة في التكوين الاجتماعي الثقافي للأمم، حصرها في كل من (الجماعة الواحدة) و(جماعة الشراكة) التي تعادل بمضمونها ثنائية الأخوة الحقة والاتفاق المشروط. حيث وجد في المشاعة الفلاحية الروسية نموذج الجماعة الواحدة والأخوة الحقة والمثال الاجتماعي الأرقى. ولم يقصد بذلك سوى ضرورة تطوير روسيا في نظامها الاجتماعي السياسي والروحي بما يتطابق مع مكوناتها الجوهرية.

أما هذه المكونات، حسب تصورات خوميكوف، التي تحدد أيضا تاريخ الأمم وثقافاتها باعتبارها تجليات للمبدأ الإيراني (المميز للجماعة الواحدة أو الأخوة الحقة، والمتميز بالكينونة الحرة للذات وسعيها المبدع ووعيها الأخلاقي)، والمبدأ الكوشيني (المميز لجماعة الشراكة واتفاقها المشروط والمتميز بسيادة الخضوع الكامل للضرورة الشيئية والمنطقية والسحر الديني وما شابه ذلك). أما تجليات المبدأ الإيراني في التاريخ الروسي فيقوم في وجود الوحدة الحية بين الأرثوذكسية (باعتبارها المصدر الروحي والوحيد لتنوير وتثقيف روسيا وبنائها السلمي) ومبدأ الجماعة أو المشاعية الفلاحية (باعتبارها أساس البنية الاجتماعية لروسيا).

بينما اتخذت هذه الفكرة عند اكساكوف طريقها الخاص عبر مطابقته بين المشاعية الفلاحية الروسية والكنيسة استنادا إلى استنتاجه القائل بأن الجماعة الشرقية النصرانية (الكنيسة الشرقية) تتمثل في المشاعة الروسية، وإن المشاعة الروسية والأرثوذكسية (الشرقية) يصنعان على مثالهما نموذجا جديدا في الاقتصاد السياسي.

وحصلت هذه الأفكار على "تنظيمها" الفلسفي التاريخي عند كل من دانيليفسكي ن. ي، وليونتيف ك. ن. بمعنى التأسيس لها بمعايير الخصوصية الروسية وبمعايير الرؤية الفلسفية التاريخية للحضارات. فقد دفع دانيليفسكي "النزعة السلافية" وتيارها إلى نهايته المنطقية واستقامته الصارمة بوضعه الأسس الأيديولوجية للجامعة السلافية. وأسس لأفكاره في كتابه (روسيا وأوربا) الصادر عام 1869 والذي وضع فيه للمرة الأولى في تاريخ الفكر الروسي الصيغة الفلسفية التاريخية للخصوصية الروسية. وشكلت أفكاره الصيغة المباشرة لتحسس وإدراك القيمة الوجدانية للوحدة (أو الجماعة). لذلك عادة ما يتصف هذا النوع من التأسيس الفكري بنزوع أيديولوجي ووجدانية غامرة. مما يحدد في الوقت نفسه ابتعاده الجزئي والمتطرف أحيانا عن حدود العقل والرؤية الواقعية. وليس ذلك إلا لمحاولته السباق مع الزمن من أجل تلافي ضياع "الفرصة الذهبية". الأمر الذي يحاصر هذا النوع من الأيديولوجية بتأمل كيانها الخاص والبحث عن كل ما يقف بالضد من الآخرين. وهي الصفة المميزة لكل "الجامعات" في بداية أمرها، أو في مرحلة عنفوان شبابها. إلا أن هذه الانسيابية العارمة ليست إلا الغلاف الخشن لمحارة اللؤلؤ. فخشونة الاتهام ما هي إلا الصيغة المباشرة لشعور الضياع، إي أن حوافزها تقوم في البحث عن عروة وثقى موحدة. وبالتالي فإن تأسيسها يكشف مع مرور الزمن عن القيمة المافوق تاريخية في أحكامها التاريخية، ومن ثم استثارة فاعليتها مع كل تجدد معقول في إدراك قيمة الوحدة وواقعيتها بالنسبة إلى المصير القومي والإنساني. وبهذا المعنى يمكن اعتبار الغلو الذي لازم أحكام دانيليفسكي عن استنفاد الحضارات لطاقاتها باستثناء السلافية هو رد الفعل المباشر على ضغوط الأوربية باستظهار ما في الأنا الثقافية من قدرة على التحدي والمواجهة والفوز في السباق التاريخي. وإذا كانت السلافية تعادل في مضمونها الأيديولوجي معنى الوحدة فإن مضمونها الواقعي يقوم في معادلتها لمعنى الضرورة التاريخية للوحدة. ومن الناحية السياسية كان ذلك يعني ويسعى الى استحداث "قطب" معادل للأوربية.

وليس اعتباطا أن تسود في فلسفة دانيليفسكي عن الحضارة (او ما يطلق عليه عبارة "النمط التاريخي الثقافي") رؤية "الدورة الخالدة" للحياة من ولادة وطفولة ورجولة وشيخوخة وموت. وإذا كانت هذه الرؤية لا تعير اهتماما لما في منطقها من معايير تحتمل الإنقلاب ضدها، فلأنها تتحسس في لسان الأنا الثقافية مذاق طعمها الخاص لكل الأصناف المترامية أمام أنظارها. إلا أن قيمتها تقوم في إمكانية تأسيسها العقائدي للاستقلالية السياسية من خلال استقلالية الكيان الثقافي للأمة. فالحضارات بالنسبة إلى دانيليفسكي هي كيانات مستقلة فريدة قائمة بحد ذاتها. وهي أنماط عديدة لها تجلياتها التاريخية (الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية). وإن كل نمط منها يرتقي من حالة الاثنية (العرقية) إلى الدولة فالحضارة. وليست حركة التاريخ سوى استبدال مستمر لهذه الأنماط. وإذا كان النمط الروسي السلافي هو الأوفر حظا في قدرته على البقاء والمقاومة، فلأنه الأكثر قدرة على ردع الثقافة الأوربية، إي أن الهاجس الخفي من ورائه يقوم في دفع العناصر والمبادئ المتراكمة في تجارب التاريخ الروسي وقناعات أنصار السلافية إلى مداها السياسي الثقافي (العالمي) من خلال نقد المركزية الأوروبية. وبهذا المعنى يمكن القول بأن آراء ك. ن. ليونتيف دفعت استنتاجات دانيليفسكي إلى نهايتها من خلال إيجاد المخارج لنقد المركزية الأوروبية صوب المدى "الطبيعي" لروسيا الجيوسياسية والثقافية. لقد حاول أن يوّحد الطبيعة والتاريخ والثقافة بشكل يجعله مقبولا ومعقولا للكلّ الروسي في قومياته وثقافاته. ولهذا كانت مفارقة التوحيد الروسية تقوم في معارضتها نوعية التوحيد الأوربي. ومن هنا انعكاس الطبيعة وألوانها في مراحل التطور التاريخي في آرائه. فقد وجد في دورية التطور التاريخي مراحل ثلاث هي البساطة أو الفطرة، ومن ثم مرحلة التلون المعقد، وأخيرا استعادة الفطرة على أساس المزج المتجانس لمكوناتها. ووجد في روسيا التجلي الحقيقي للمرحلة الأخيرة. فإذا كان التوحيد الأوربي يتميز بالخلط العشوائي، فإن الواقع الروسي يتميز بتعدديته الجميلة المتناسقة، أي الإقرار بالتنوع (أو التعددية) باعتبارها آلية التوحيد وروحه الثقافي والسياسي المبني على أساس "البيزنطية" (المعارضة للبرجزة الأوربية) والمشاعة الفلاحية، أي كل ما ينبغي أن يحولها بنظر ليونتيف إلى مصدر تاريخي جديد للمركز النصراني من خلال وفاق (أو توحيد) روسيا مع الشرق الإسلامي والهندي والصيني والتبت) ووضع هذه الآراء في مقالات عديدة جمعت وطبعت في عام 1885 ـ 1886 تحت عنوان (الشرق ـ روسيا والسلافية).

وبهذا يكون تيار أنصار السلافية قد دفع آراءه المتنوعة عن الوحدة المتنوعة إلى مداها الأقصى من خلال التأسيس لإمكانية التوحيد الثقافي الروحي لروسيا مع الشرق ككل، إي أنه وجد في تعددية الشرق (إسلامي، بوذي، هندوسي) النموذج الأكمل لما في تعددية روسيا. وهو انتمااء له معناه الخاص في صلب الكينونة الروحية لروسيا المترامية في أحضان النصرانية الشرقية وبيزنطيتها الثقافية (سواء في ديانتها أو أبجديتها أو طقوسها) وصيرورتها الممكنة في توليف العناصر المعقولة ثقافيا لوحدة المصالح الاقتصادية والسياسية المناهضة لمساعي الهيمنة الأوربية. أنها أسست ثقافيا للرؤية الجيوسياسية لوحدة روسيا والشرق، والتي وجدت بعد قرن من الزمن استعادتها المتحمسة في تيار الأوروآسيوية الروسية.

*** 

ا. ميثم الجنابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4419 المصادف: 2018-10-11 00:31:46