جواد غلومحينما نجول بين الناس في مراكز التجمعات واكتظاظ الملأ في الأسواق والتجمعات البشرية عندنا؛ نلحظ بان هناك شعور بالاختناق والنرفزة والسخط والتوتر والنظرات العدوانية الظاهرة في الوجوه والنظر الشزر؛ وتكاد تكون هذه الحالة ظاهرة شائعة في كل مرافق الحياة، في الشارع والسوق وأماكن العمل وتكاد الابتسامات تختفي من العابرين والسابلة وكأن التجهّم والانقباض سمة شائعة وظاهرة في طلعات الناس أينما اتجهتْ وحيثما حللت. حتى نسينا وصية رسولنا الكريم " تبسّمك في وجه أخيك صدقة" ولم نعد نعيرها اهتماما وإتباعا.

ولأني مواطن عراقيّ بسيط وكثير العِشرة وانبساطي حتى مع القرباء والغرباء معاً، كثيرا ما أتساءل: ترى لماذا لا يبتسم العراقيون مع ان الابتسامة تتيح للقلب الراحة وتخفّض من ضغط الدم وتقلل الإجهاد ويشعر باقي الجسم بالراحة كما انها تعطي إحساسا بالتعاطف مع الآخرين وخلق الثقة المتبادلة في المجتمع؟؟.

وهل أكثر من الابتسامة حافزا لدفع الانسان نحو العمل وزيادة الانتاجية والعطاء وتزيد من حالة التعاطف بين البشر من خلال زيادة إفراز مادة "الاندروفين" كما يطلق عليها الاطباء والتي تخلق مزاجا حلوا وشعورا بالسعادة والتآلف والمودة لكل من تلقاه وقد أثبتت الدراسات النفسية في سايكولوجيا علم النفس ان البسمة العفوية البارزة في طلعة الانسان تخفف كثيرا من الآلام وتعتبر مسكّنا طبيعيا لأية حالة وجع او ألم قد تمر بك وتزيد من مناعة الجسد لمواجهة حالات الاكتئاب والسوداوية وتُظهرك أقل من عمرك الحقيقي.

حقا نعجب نحن العرب عموما والعراقيين بشكلٍ أخصّ وهذا ما أهجسه بنفسي بسبب معايشتي الدائمة واختلاطي المستمر بينهم هنا وهناك.

لا أبرر حالات التجهم وانقباض طلعة إنساننا بما مرّ به شعبنا من ويلات وحروب وسلطات غاشمة وأذىً؛ فقد مرّت ويلات اكثر قسوة وتدميرا على شعوب اخرى لكنها لم تفقد ابتسامتها وهي في احلك الظروف .

فاذا رأينا احدا دائم الابتسام فيتبادر الى أذهاننا شيء غير قليل من التساؤل لمعرفة سرّ هذه البسمة مع انها حالة طيبة تشرح الصدر وتبعث البهجة في النفوس .

وللطرافة أذكر ما يجري في بيوتاتنا ووسطنا الاجتماعي:

هنا في بلادي لو ابتسمت لأخيك سيقول لك: عجَباً؛ ما الذي تريده مني؟ !

ولو أقبلتَ على أمّك ضاحكا مبتسما ستقول لك: خيراً ما الذي عملت لنفسك حتى تنفرج أساريرك!!

ولو أقدمت على أبيك مبتسما سينهرك ويقول لك: اذهب ليس عندي مالاً أعطيه لك فاغرب عن وجهي .

اما لو تبسمتَ لغريب سيبادرك بالسؤال: هل تعرفني؟؟ أتريد ان تصنع مثيلاً لي؟

أخيرا وبعد ان تلقى الجفوة والصلافة من هؤلاء الأقرب المقربين لك، ستلجأ وحدك ضاحكا مبتسما؛ عندها ستسمع من السابلة من يقول انك سائر باتجاه طريق الجنون وستصل سريعا الى عنابر مستشفى الأمراض العقلية وتفتح لك العصفورية أبوابها على مصراعيها أو كما نسميها في العراق باسم " الشمّاعية " .

 

جواد غلوم

 

ضياء نافعهذا موضوع مثير للقارئ العربي، اذ انه يقترب من عالم السياسة ويسير على حافة حدوده (الملغومة دائما!)، بل ان بعض القراء العرب ربما يعتقدون انه موضوع سياسي بحت حول تاريخ الحركة الاشتراكية ومسيرتها بالذات، اذ انه يرتبط ب (قائد الثورة الاشتراكية في روسيا والعالم ايضا - لينين) و(قائد الواقعية الاشتراكية في الادب الروسي والادب العالمي ايضا - غوركي) . لكن هذا الموضوع لا يرتبط بعالم السياسة مباشرة رغم كل هذا التقارب فعلا، بل يتحدث عن جزء غير واضح المعالم للقارئ العربي (وربما يمكن القول شبه مجهول تقريبا) من تاريخ العلاقة الفكرية المعقدة والمتشابكة بين أديب روسي كبير برز في بداية القرن العشرين هو مكسيم غوركي وبين شخص لم يكن مشهورا جدا في تلك الفترة هو لينين، ولكنه سيكون قائدا لثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية الروسية، والتي أدّت به الى ان يصبح- بعد نجاح تلك الثورة - واحدا من أشهر رجالات القرن العشرين (وهو كذلك ولحد الان ونحن في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين) ليس فقط في روسيا، بل في العالم أجمع .

 كلاهما، غوركي ولينين ولدا في روسيا (غوركي العام 1868 ولينين العام 1870، اي انهما متقاربان جدا من حيث العمر)، ولكنهما تعارفا والتقيا خارج روسيا، لانهما تركا وطنهما المشترك لاسباب سياسية، اذ اصبح لينين قائدا لحزب مضاد للقيصرية الروسية ويسعى لاسقاطها، واصبح غوركي اديبا كبيرا ومعارضا للنظام ايضا، ويؤيد اهداف ذلك الحزب (الذي يقوده لينين) بكل قواه الفكرية والمادية. تعمّقت علاقتهما خارج روسيا (كل من موقعه) وخصوصا في ايطاليا (كان غوركي يسكن هناك، وزاره لينين وبقي بضيافته فترة)، واستمرت العلاقة بينهما ايضا في روسيا عندما انتصرت ثورة اكتوبر 1917، وهناك الكثير جدا من المصادر الروسية، التي تتحدث عن تفصيلات تلك العلاقات المتبادلة بينهما، وانتهت طبعا بوفاة لينين العام 1924، عندما طلب غوركي ان يضعوا اكليلا من الورود باسمه ويكتبون عليه – (وداعا يا صديقي). وكتب غوركي بعد وفاة لينين مقالة كبيرة وطويلة عنه، وهي واقعيا صورة قلمية فنية ووثائقية رائعة، وتم نشرها في كتيب خاص في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وصدرت بلغات عديدة، منها لغتنا العربية، بل ويقال في بعض المصادر الروسية، ان ستالين كان يطمح ويتمنى ان يكتب عنه غوركي شيئا مماثلا، ولكن غوركي لم يكتب ذلك . لم يتناول غوركي في كتابه عن لينين كل ما حدث بينهما، بما فيها خلافاته معه طبعا، والتي حدثت اثناء تلك المسيرة الطويلة معا (وهو أمر طبيعي)، ونحاول في هذه المقالة ان نشير الى بعض تلك الخلافات بشكل وجيز وضمن نقاط، اذ انها تكاد ان تكون شبه مجهولة تقريبا في المصادر العربية عموما.

الخلاف الاول ظهر عندما نشر غوركي كتابه الشهير (الاعتراف)، والذي صدر العام 1908، عندما كان في كابري بايطاليا . لقد حاول غوركي في روايته القصيرة تلك ان يعكس طروحاته الفلسفية بشأن توحيد الافكار الدينية للشعب الروسي مع الاهداف الثورية (التي كان يؤمن بها غوركي)، وهي وجهة نظر غير جديدة في الفكر الروسي اصلا، ولكنها كانت جديدة بالنسبة لغوركي ومسيرته الابداعيه (وهو مؤلف رواية الام !) . لقد أكّد غوركي هناك، ان القيم الاخلاقية والروحية اكثر أهمية لنجاح الثورة من العناصر الاقتصادية والسياسية . وقف لينين ضد هذه الطروحات الفكرية الجديدة لغوركي بشكل مباشر وحاد جدا، وانتقده بشدة وعلنية، بل واعتبرها غير صحيحة تماما، ولكن غوركي أصرّ على موقفه الفكري هذا. ان هذا الخلاف العلني بينهما هو واقعيا يجسّد عدم توافق السياسي المحترف لينين مع الكاتب والمفكر غوركي، وهو عدم توافق دائم بين السياسيين من جهة، وبين الكتّاب والادباء والفنانين بشكل عام من جهة اخرى، اذ ان المبدع يعبّر عن افكاره بحرية مطلقة دون الأخذ بنظر الاعتبار متطلبات السياسيين واهدافهم المحددة ضمن مسيرة صارمة وشعارات حزبية مرسومة، وهي ظاهرة عامة (اي التناقض بين السياسيين والمبدعين)، وغالبا ما نجدها في مسيرة الحياة وفي كل المجتمعات، بما فيها طبعا مجتمعاتنا العربية.

الخلاف الثاني بين غوركي ولينين حدث بعد فترة قصيرة جدا من انتصار ثورة اكتوبر 1917، اذ كان غوركي يصدر جريدة اسمها – (الحياة الجديدة)، وقد هاجم غوركي في جريدته تلك الخروقات التي حدثت في الايام الاولى للثورة، وكتب يقول، ان (... لينين وتروتسكي قد تسمموا بالسم العفن للسلطة ...وانعكس ذلك في علاقة العار تجاه حرية الكلمة، والحرية الشخصية وضد مجمل الحقوق، التي ناضلوا من اجل انتصارها ....)، بل وقارن لينين حتى بالقيصر وتصرفاته تجاه حرية الفكر واضطهاده لها . وكل هذه الخلافات انعكست في كتاب أصدره غوركي بعنوان – (افكار في غير أوانها)، والذي اعيد طبعه فقط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ولا يسمح المجال للتوقف عنده تفصيلا، ولكن من الضروري الاشارة هنا، ان غوركي قد تراجع عن تلك الافكار بعد محاولة اغتيال لينين، واعتذر له عندما زاره بعد المحاولة تلك، ولكن مع هذا، فقد ارتأت السلطة ان يسافر غوركي الى اوربا (للعلاج!)، (وبعكسه سنرحّلك..)، كما قال له لينين مازحا...

 

أ. د. ضياء نافع

 

عمار كاظم محمدتلعب الترجمة في حياة الشعوب والحضارات دورا محوريا ومهما جدا في احداث التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية في المجتمعات التي تطمح نحو التطور والرقي، ذلك ان الترجمة هي دائما جسر التواصل والتلاقح الحضاري بين الشعوب والامم وهي الدافع والمحرك الرئيسي للتطور، فكلما ازدادت حركة الترجمة وما ينتج في ميدانها المعرفي، كلما زادت الافكار والتطلعات والسعي نحو التغيير بما تنتجه من افكار جديدة ومعارف تزيد افق المجتمعات وتزودها بالحلول لما يعترض سبيلها من مشاكل.

لقد سمي عصر المأمون بعصر الترجمة او العصر الذهبي للترجمة لما مثله هذا النشاط من فعالية مهمة كانت السبب لحركة الفكر العربي النشطة فيما بعد، لكننا وازاء هذا الواقع المزري والمهزوم فكريا وثقافيا مع تزايد سيطرة الفكر الدوغمائي والقبول الخانع اضحت حالة الترجمة كحال الواقع الثقافي الذي نعيشه حيث تطرد العملة السيئة دائما العملة الجيدة من السوق كما يقال .

ربما ترتبط حالة الترجمة بحال القراءة في العراق وفي العالم العربي عموما وليس ما اتحدث عنه الان هو مجرد انشاء او من فضول الكلام فبحسب احصائيات اطلعت عليها على موقع منظمة اليونسكو فقد بلغ عدد الكتب المترجمة إلى العربية في ثلاثة عقود من عام 1970 إلى عام 2000  ما يعادل 6881 كتابا وهذا ما يعادل ما نقل إلى اللغة الليتوانية التي يبلغ عدد الناطقين بها أربعة ملايين شخص فقط،  وكان تقرير الأمم المتحدة قد كشف عن وضع مزر بهذا الخصوص إذ أن العرب لا يترجمون إلا خمس ما يترجمه اليونانيون في الوقت الحاضر، اما في احصائيات عام 2005 على صعيد الترجمة فنصيب كل مليون مواطن عربي من الكتب المترجمة يساوي 4.4 كتاب، بينما يبلغ نصيب كل مليون إسرائيلي 380 كتابا، وكل مليون مجري 500 كتاب، وكل مليون اسباني ما يقارب 950 كتابا، أما عن سوق الكتب، فتبلغ في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حوالي 30 مليار دولار، ونحو 10 مليار دولار في اليابان، وتسع مليارات دولار في بريطانيا، وتبلغ مبيعات الكتب اجمالاً في كل انحاء العالم 88 مليار دولار، نصيب العالم العربي واحد المائة فقط.

ونعود مرة اخرى الى الترجمة واهميتها وصعوبتها في ذات الوقت فان من المفارقات العجيبة أن أكبر رب عمل للمترجمين العرب في البلاد العربية هو القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج، ذلك أن الالية التي تعرقل حركة حركة الترجمة في العالم العربي هي عدم جود سوق عربية للمترجم العربي ماعدا سوق العقود والوثائق الشخصية التي تبقى سوقا صغيرة قياسا بعدد المترجمين الذين يمارسون ترجمة العقود والوثائق الشخصية، اما العلوم التي تدرس في الجامعات العراقية عموما فهي تدرس باللغة الانكليزية وهذه خسارة كبيرة للمترجم والطالب واللغة العربية والثقافة العربية، فلا سياسة رسمية للترجمة العلمية والأدبية، ولا سوق للترجمة التجارية والوظيفية، ولا بنك معلومات للمترجمين وللأعمال المترجمة، ولا دور نشر تهتم كثيرا بنشر ما يترجم .. ولا شركات توزيع للكتب يوثق بكلامها ..، ولا تكوين يواكب السوق الدولية ويرقى إلى مستوى التحديات التي يواجهها المترجم، ولا مصادر عربية كثيرة يطمأن إليها في دراسات الترجمة والبحث فيها.

امام مشاكل كبيرة كهذي بالاضافة الى تردي واقع التعليم الاساسي يتخرج سنويا الالاف من طلاب اللغات والتربية والاداب واغلبهم الا ما ندر وهم غير متمكنين في الاساس من اللغة التي تعلموها والتي سينسوها بعد سنوات من البطالة والعمل في حقول أخرى بعيدة كل البعد عن اختصاصهم ودراستهم ناهيك عن الكسل العقلي الناتج عن عدم المطالعة والقراءة والاحتكاك بمن يتكلمون تلك اللغة.

المترجم في عالمنا العربي دائما موضع للشك والريبة واتذكر في سنوات العراق المظلمة منذ عام 2005 الى 2008 كيف كانت كلمة مترجم كافية وحدها لارسالك الى الجحيم بدون مقدمات وكيف تعرض الكثير من الاساتذه الى التهديد والاغتيال لمجرد انهم يعرفون لغة اخرى او على ضوء اعتبارات طائفية او سياسية دون التفكير في ان رحيلهم او اختفائهم هو خسارة للبلاد وللتعليم المتردي من الاساس في تلك الفترة .

على ضوء ذلك كيف يمكن أن نقيم حال الترجمة في العراق وماهي المعايير التي يمكن بها معرفة قيمة الترجمة في اي كتاب يصدر دون وجود مؤسسة تعنى بتقييم جودة الترجمة واجازتها باعتبارها صالحة للنشر من عدمها خصوصا في عراق ما بعد عام 2003 والفوضى التي نعيش فيها من تداخل التخصصات وغياب المؤسسة الرسمية عن اداء دورها وامتلائها بالفساد والبطالة المقنعة وعدم وجود منهج واضح لاتجاه الترجمة وما يراد منها في هذه المرحلة؟.

ان غياب كل تلك المقومات في وقتنا الحالي جعلت من حقل الترجمة لا يمثل سوى جهد فردي يقع عبئه على عاتق المترجمين وحدهم في الاختيار والعمل وتطوير الذات اما ما يتعلق بترجمة الكتاب فهي خاضعة لمتطلبات العمل التجاري والرواج في السوق وما ترغب به دور النشر دون ان يكافأ الجهد المبذول بالترجمة ما يستحقه فعلا من كد وتفكير وبحث ومعاناة.

 

ان مهمة المترجم في الوقت الحالي مهمة مضاعفة الصعوبة فهو من ناحية بحاجة الى تطوير نفسه وثقافته في اللغة التي يترجم عنها وفي ذات الوقت ابقاء جسر التواصل مع الثقافات الاخرى صالحا على الرغم من العقبات ونقلها الى المجتمع الذي يعيش فيه علها تحدث فرقا في المفاهيم وتنعكس على الواقع باتجاه تحسينة نحو الافضل وهي مهمة ليست بالسهلة لكن المخلصين الحقيقيين يقومون بها على الرغم من كل شيء او كما يقول سكوت فيتزجرالد " عصفور حي خير من نسر محنط".

يقول عالم اللغات الاسباني خوليو كاساريس " تعتبر الترجمة دائرة للكمارك تمر من خلالها سلع مهربة من المصطلحات الاجنبية اكثر مما تمر من اية حدود لغوية اخرى ان لم يكن موظفو الكمارك يقظين"  وهو يقودنا للتساؤل هل الترجمة علم ام فن ؟  والجواب أن الترجمة في التخصص علم وفي الادب فن، اي بمعنى أنه وفيما يتعلق بالكتب العلمية فان على المترجم ان يكون مدركا للمفاهيم والاصطلاحات في التخصص بينما حين يتعلق الامر بالكتب ذات الطابع الادبي والفني ان يكون المترجم على معرفة واطلاع على التعابير والتراكيب اللغوية وما يوازيها في حقل اللغة المنقول اليها لاضفاء الطابع الفني على العمل بشكله الابداعي.

ان هذا بالتأكيد يعني ان على المترجم ان يكون واسع الاطلاع ويقرأ في كل الحقول وفي كل ما يقع تحت يده في مختلف التخصصات ويضيف يوميا الى قاموسه اللغوي والمعرفي ما يعينه على اداء وظيفته في الترجمة في مختلف الحقول مما يعني وعلى حد قول احد استاذة الترجمة إن " المترجم مثقف رغم انفه " ذلك أن كل معلومة وكل مصطلح وكل قراءة جديدة هي بالتأكيد اضافة وتوسيع في افق المعرفة لدى المترجم وتمكين له من الخوض في غمار الترجمة بادوات متجددة .

في النهاية فانني اعتبر ان الترجمة تجربة لا تقل في عملها وجهدها عن تجربة مؤلف الكتاب، فالمترجم في رأيي يعيد ابداع العمل في لغة اخرى ليوصل لنا التجربة بكل ما تنطوي عليه قدر جهده وقدر ما تسمح به اللغة المنقول اليها العمل رغم انها تتفاوت بالتأكيد من مترجم الى آخر طبقا لمهارته وقدرته وثقافته وموهبته في الصياغة، تبقى الاعمال العظيمة المنقولة الينا في لغتنا هي نتاج لجهد الترجمة ويبقى المترجم دائما الجندي المجهول في هذه العملية ولولاه لما عرفنا الكثير مما يبدع في عالمنا ولظلت الثقافة العربية محصورة في افق ضيق لا يتجاوز مدياتها وبيئتها المحلية .

 

عمار كاظم محـمد

 

1077 جذوروصلني بالبريد هدية جميلة من الصديق القديم الشاعر مجيد حسيسي، ابن بلدة دالية الكرمل، وهي ديوانه الشعري الجديد "جذور كرملية" الصادر عن دار "الحديث" لصاحبها الناشر فهيم أبو ركن، الذّي جاء في 145صفحة من الحجم المتوسط والورق الصقيل وبطباعة أنيقة وغلاف مقوى، واشتمل على باقة فواحة الأريج والعبير من قصائده العذبة السلسة، التي تتناول موضوعات واغراض شعرية متنوعة، في الحب والوطن والارض والطبيعة والرثاء والقلق الوجودي وهموم العصر وقضايا الإنسان والحيا.

مجيد حسيسي شاعر وكاتب أنيق ومجيد، معرفتي به تعود الى سبعينات القرن الماضي حين كان ينشر قصائده وكتاباته الادبية في صحيفة " الانباء " المحتجبة، وهو ينتمي لرهط من شعراء وأدباء الكرمل أمثال: المرحوم سلمان ناطور ووهيب نديم وهبة وزياد شاهين والراحل معين حاطوم وفرحات فرحات وفهيم أبو ركن وهيام قبلان وملحم خطيب وسواهم . وديوانه " جذور كرملية " هو الكتاب الثالث عشر الذي يصدر له بعد " كلمات متشردة، القضية رقم 31 مع الأديب فرحات فرحات، أبدية النار الباردة، وهج الأصوات النازفة، محطات، منك الثرى، حيفا والمهاجر، البديلة، بصمات من ذهب، وطني على ظهري، عزف على جراح الصمت، وبيت القصيدة".

يهدي مجيد حسيسي ديوانه الى " أفراد أسرته، والأهل والاقارب، والاصدقاء الأوفياء، والى شريكة حياته، زوجته الحبيبة التي شاركته انتماءه "، التي يقول عنها: " ركيزة البيت، ورمز الطهر في زمن الجفاء".

واستُهِلَّ الديوان بمقدمة للناقد د. منير توما، وهي نص الكلمة التي كان قد القاها في حفل تكريم مجيد بدالية الكرمل، ومما قاله: " إنه المبدع المتألق بإبداعاته من شعر ونثر دون كللٍ أو ملل، بل يمارس ذلك بمتعة واشتياق نحو الإتيان بحلو الكلام في قصائد بالغة التمام، تتنوع بروافدها وفروعها، وفي مقدّمتها الحِكمة ومحبّة الإنسان لأخيه الإنسان من خلال أغراض شتى طرقها أستاذنا وشاعرنا الكريم فأجاد وأبدع على الدوام، ليس بموهبته الشعرية المتميزة فحسب، بل بكرمه الحاتمي في مواقف متعدّدة عهدناها بشخصه الكريم، وخُلقه النبيل، ومنبته الأصيل " .

 

قصائد الديوان في شتى الأغراض، وجدانية، إنسانية، غزلية، وطنية، فلسفية، رثائية، ووصفية، بالغة الجمال، ناضجة فنيًا، رصينة، جزلة، متينة الحبكة والتراكيب، رفيعة، رقيقة، منسابة كشلال، فيها حزن وشجن، وفيها انتماء وطني واضح، واشراقات أمل، مترعة بالعواطف الصادقة الجياشّة، ومشحونة بالوجدان المتقد والإحساس الانساني المرهف النابض، ومثخنة بالجمالية الفنية والعفوية والشفافية الناعمة الهادئة، وفيها من الرؤى والافكار الدالة على عناصر الابداع والجمال وسعة الخيال المجنح والوصول الى نص شعري بليغ التأثير والتعبير والاشارات .

وما يسم هذه القصائد صدق العاطفة، وحرارة التجربة، والعمق والتكثيف في الصور والمعاني، والقوة وجودة السبك، والانسيابية المموسقة في معانيها وأفكارها وابعادها الإنسانية، ودقة الوصف والتعابير، والقدرة الفائقة على اختيار الكلمات والمفردات المجازية البلاغية الجميلة الفصيحة.

مجيد حسيسي شاعر تسكنه الروح والنزعة الإنسانية، يتمتع بثقافة حسية وجمالية، وصاحب فكر متوقد نيّر، لم يترك غرضًا ولا بابًا ولا موضوعًا شعريًا لم يطرقه ويتفاعل معه . يحمل وطنه في قلبه، وعلى ظهره، ولم يتركه أبدًا يتدحرج كصخرة سيزيف، غنى للحب والوطن والانسان، وناجى الحبيبة، وطرح قضايا المرأة، وتفاعل مع الظواهر الاجتماعية وجعل من فؤاده دفيئة للمعاناة والمكابدة والمشاعر الإنسانية، مكللًا بالحب والعشق والشوق والحنان، متوجًا بالقلق الوجودي العصري من شرور الحياة ومآسيها، داعيَا للتسامح والسلام والمحبة بين أبناء البشر والديانات السماوية .

ومن نوافل القول أن نصوص ديوان مجيد حسيسي " جذور كرملية " تحمل بعدًا وجدانيًا وانسانيًا عامًا، مزنرة بحرارة الوجدان، مشرعة على هموم وآمال رحبة، ومغمسة بوجدانيات وطقوس الحب والاشراق، إنها شذرات مصفاة مكثفة، قالت وأسمعت، فوصلت شذية ندية حريرية تعرف الطريق إلى البهاء، وتعرف كيف تتغلغل في النفس ريحانًا عندما تود النفس البشرية الخروج الى الفتها وطبيعتها المتجددة، تزخر بالفتنة التي لا تخطئها عين او احساس يتلبس البلاغة في تكسير المألوف وصولًا الى ما هو فوق الواقع والخيال ما يجعل الدهشة تتألق وتتوهج بقدر حيوي في القصيدة .

ومن أنفاس الشاعر وأجواء الديوان اخترت قصيدته " كوني ظلالي " .. حيث يقول:

 

أقومُ إليكِ أشكوكِ لأحيا

وأُحيي فيكِ أيَامَ الوصالِ

فلا الأيّامُ تُسعفنا لنبقى

ولا الأحلامُ تأتي بالمُحالِ

فأنتِ بنفسِ إحساسي حنينٌ

وأنتِ الحُسْنُ كحّلهُ مقالي

فهاتي السّعدَ نجدلُهُ بحرفي

ضفيرةَ عَشْقِ أحلامِ الخيالِ

لنمسحَ كلَّ إحساسٍ بسوءٍ

ونمسِكَ في تلابيبِ الجَمالِ

فكوني كل آمالي وسَعدي

وكوني الشمسَ لي كوني ظلالي

وفي المجمل ديوان "جذور كرملية" لمجيد حسيسي يكشف عن واحد من أكثر شعراء الداخل الفلسطيني رقة وعذوبة وانسانية وانسيابية، فهو يصطاد قصيدته اصطيادًا، ويكتفي بما يصيد من رشاقة اللغة وجذلى صورتها، فلا يتكلفها ولا تتكلفه، ولا يزيد عليها أكثر مما تستحق، حتى انها تبدو سمفونيات حب وحياة وامل واغنيات وترانيم شجية وشذية، أو سلسلة معزوفات موسيقية تتهادى بين نسائم ربيعية، أو لقطات ولوحات تشكيلية رسمت لتكون قصائد عشق وجمال ودفق عذب هفهاف .

فكل الشكر والتحية للصديق الشاعر العريق الراقي الملهم مجيد حسيسي، مع أحر التهاني بصدور ديوانه "جذور كرملية" واطيب التمنيات له بالعمر المديد والحياة العريضة والعطاء المتجدد المتواصل.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

1074 ندوةمنذ القديم والأدباء والفلاسفة يأخذون من العلم بنصيب بل كانوا يتعمقون فيه ولا يكون الإنسان فيلسوفا مثلا إلا إذا كان رياضيا حتى إن أفلاطون كتب على باب أكاديميته "من ليس مهندسا فلا يطرقن علينا بابنا" واحتذت الثقافة الإسلامية حذو الثقافات القديمة فكان الأدباء والفلاسفة علماء في ذات الوقت شأن الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن خلدون عرف الأدب بأنه الأخذ من كل فن بطرف لكن تبحر العلوم وتخصصها جعل هذا الأمر مستعصيا في العصر الحديث مما جعل الإحاطة بها أمرا مستحيلا لكن الإلمام بقواعدها العامة أو المعارف الإجمالية أمر لازب والذي لا يتوفر على تلك المعارف العامة تكون ثقافته عرجاء ومعرفته شوهاء فالأصل أن يتوفر المثقف على مبادئ العلوم العامة بل إنها تساعده في تخصصه سواء أكان فنيا أم أدبيا أم فلسفيا والجهل بها قد يوقعه في أخطاء جسيمة تطعن في مصداقية ثقافته وجدوى حكمته شأن العالم الذي لا يتمكن من اللغة فيعجز عن التعبير أو يقع في أخطاء لغوية تضر بمصداقية معرفته وتجعله مضطربا في مواجهة الجمهور فكما أن مبادئ العلوم لا زمة للأديب أو المتفلسف لاشك أن مبادئ اللغة والآداب لازمة للعلماء والفلك هو أحد أشرف العلوم وأسنى المعارف لأنه مرتبط بالسماء الشامخة الباذخة اللانهائية والمعانقة للمطلق فكل ما يرتبط بها هو مرتبط بالمطلق والسامي واللانهائي.

2- علم الفلك نشأته ومساهمة علماء الإسلام فيه:

وفي ثقافتنا العربية الإسلامية شكلت المعارف الفلكية زادا خصبا لقريحة الفلاسفة والشعراء والنثار بل الفلك نشأ أول الأمر من رحم الملاحظة المستديمة بدافع الفضول الإنساني أو الحاجة البشرية المرتبطة بالطقس والمطر وما يتعلق به من رزق ومن كلأ ومراع وسفر في الفيافي وفي أعالي البحار أو ضبط الزمن ومعرفة المواسم الدينية والعبادات وكان للإنسان العربي فضل في إثبات ملاحظاته وتدوين أرصاده شان الشعوب القديمة كالبابليين والفراعنة والإغريق فالآيات القرآنية صريحة في الحديث عن عظمة الله في خلق السماوات والنجوم والكواكب والحاجة إلى ضبط أوقات الصلوات والمواسم الدينية واتجاه القبلة تحتم على العقل المسلم ضرورة تحري هذه المعارف وضبطها وتدوينها وإتاحتها للناس لحاجتهم الماسة إليها والمسلمون الذين عنوا بنقل المعارف القديمة الهندية والفارسية والإغريقية عنوا بترجمة التراث الفلكي القديم وهضمه ثم الإضافة إليه فالبابليون مثلا تركوا معجزات في المعرفة الفلكية لعل أهما "الساروس" أي الدورة والتي تعني أن كل كسوف شمسي يتكرر بعد 11 سنة تقريبا كما اكتشفوا فلك البروج ويعني ذلك المسار الذي تتبعه الشمس في حركتها الظاهرية خلال العام والإغريق منذ أرسطارخس وإيراتوستين قعدوا المعارف الفلكية مستعينين بالرياضيات فاستطاع إيراتوستين حساب محيط الأرض مسترشدا ببئر شهيرة في الإسكندرية ويعد بطليموس أب العلوم الفلكية فهو الذي جمعها ونسقها وبوبها في كتابه العظيم" المجسطي في الفلك" والعنوان يوحي بالفخامة والعظمة وهضم العقل المسلم تلك المعارف ثم شرع في نقدها وتقديم الإثراء والقواعد والاكتشافات الجديدة شأن عبد الرحمن الصوفي الذي استدرك على بطليموس بعض النجوم فيما يعرف بالمجموعات النجمية في كتابه الشهير "صور الكواكب الثمانية والأربعين" والبتاني دارس قوانين حركة القمر وعمر الخيام مصلح الأزياج والبيروني المتبحر في النجوم حتى عده الغربيون أعظم عقل في التاريخ على الإطلاق وكانت الاكتشافات الإسلامية قاعدة علمية ولعل أعظم نظرية إسلامية هي تلك التي نسفت نظرية بطليموس الذي جعل الأرض محور الكون والنجوم والكواكب والشمس تدور حولها منخدعا بالحركات الظاهرة لها فأعاد علماء الإسلام الأرض إلى موقعها الحقيقي فجعلوا الشمس محور الكون والكواكب تدور حولها وكانت هذه النظرية سندا لكوبرنيكوس في إذاعة نظريته الجديدة تلك التي شكلت ثورة في علم الفلك في العصر الحديث ثم استعان بها كبلر وجاليليو ونيوتن ويكفي العقل المسلم فخرا أن أسماء كثير من النجوم مازالت بأسمائها العربية في الأطالس الفلكية الحديثة كفم الحوت والدبران وسعد السعود والطائر وهناك أكثر من تسعين نجما مثبتا باسمه العربي في الأطالس الفلكية الأمريكية والأوروبية واستدرك البيروني على إيراتوستين في حساب محيط الأرض واقترب كثيرا من الرقم الحقيقي هذا غيض من فيض المعارف الإسلامية الفلكية التي توجت المسلمين سادة العلوم الفلكية في العصر العباسي خاصة مما جعل العلامة جورج سارتون يفرد لهم جزء خاصا في كتابه العظيم "مقدمة لتاريخ العلم" وأثنى عليهم كل المستشرقين الغربيين كتوينبي وستانوود كوب وآدم ميتز وجوستاف لوبون وغيرهم

3- علاقات تاريخية بين الأدب والفلك:

 عرف ابن خلدون الأدب بأنه الأخذ من كل فن بطرف أي نصيب ولا غرو أن وجدنا الثقافة الفلكية حاضرة في الشعر والنثر القديم والحديث بل رأينا كثيرا من الأدباء يتوفرون على معرفة فلكية دقيقة وصحيحة بحسب ما توفر ذلك الزمن والمعرفة الفلكية حاضرة بمفرداتها في النص القرآني وتشكل دافعا للعقل لسبر أغوار الكون وللعين لتسريح النظر في آفاق السماء " والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما بدأنا أول الخلق نعيده" "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" "والسماء والطارق وما أدراك ما لطارق النجم الثاقب" وأنه هو رب الشعرى" وترى تلك المعرفة الفلكية البسيطة المبنية على الملاحظة والتجربة والتي شكلت نواة المعرفة الفلكية قبل الإسلام حاضرة في الشعر والنثر ففي الأمثال العربية القديمة "أريها السها وتريني القمر" فالسها نجم خفي في كوكبة الدب الأكبر وفي الذيل تحديدا تمتحن به قوة البصر ومن يراه بعينه المجردة فإن بصره حديد ومعنى المثل أنك توضح لشخص أمرا دقيقا أو خفيا فيعرض عنه ويتحدث لك عن الجلي الواضح كمن يشير إلى القمر ومن لا يرى القمر؟ وشكلت النجوم بجمالها وسموها والشمس بعظمتها وفائدتها والقمر بلونه الماسي تشبيهات بليغة وكنايات لطيفة واستعارات بديعة في الشعر كما جاء في قول النابغة:

فإنك شمس والملوك كواكب: إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

**

فإنك كالليل الذي هو مدركي: وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

 وفي قول لبيد بن ربيعة:

بلينا وما تبلى النجوم الطوالع: وتبقى الديار بعدنا والمصانع

وفي معلقة امرئ القيس الشهيرة الخالدة المتأملة في جمال الليل ووحشته والوسواس الطارئ على الخاطر والخوف المقترب من صميم القلب:

وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلــــــــي

قفلت له لمـــــــا تمطى بصلبه وأردف أعجـازا وناء بكلـــكل

ألا أيها الليل الطويل ألا انجـل بصبح وما الإصباح منك بأمثـل

فيا لك من ليل كأن نجومــــــــه  بكل مغار الفتل شدت بيذبــــل

ويرد كثيرا في شعر الجاهليين ذكر الأنواء ومفردها نوء وهي تعني أفول نجم في المغرب وطلوع نظيره من المشرق والنوء مرتبط بنزول الغيث ونمو النبات وتوفر الكلأ حتى قالت العرب في أقوالها:" مطرنا بنجم السماك الأعزل" أو بنجم الشرطان أو النثرة ... وبقيت هذه الكلمة في كلامنا الدارج فنطلقها على المطر عامة والأنواء مرتبطة بمنازل القمر في ثمان وعشرين منزلة ينزل القمر في كل ليلة في واحدة ومنها الشرطان والبطين والدبران وسعد السعود وسعد الأخبية وسعد الذابح وسعد بلع .. ويحضر ذكر هذه المنازل في أشعار الجاهليين كثيرا.

ومن الطرائف التي تساق في هذه المقام أنه إذا كان نجم الشعرى اليمانية قد ارتبط بضبط السنة الشمسية وكان شروقه في الفجر إيذانا بفيضان النيل وما يتبع ذلك من ماء وطمي ورزق وزراعة فإن القاهرة عاصمة المعز اسمها فلكي تماما فالقاهر اسم المريخ كما أن كيوان اسم زحل والمريخ في العربية الجميل الحسن فلا شك أن ذلك الكوكب الأحمر الجميل والمرهب قد أثار بحسنه خيال المعز وبناة العاصمة فقرر تسمية المدينة الجديدة على القاهر أي المريخ وهكذا طلعت القاهرة فلكية بامتياز.

ومما ورد من إشارات فلكية لطيفة في الشعر الأموي قول شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة:

أيها المنكح الثريا سهيلا: عمرك الله كيف يلتقيان؟

هي شامية إذا ما استقلت: وسهيل إذا استقل يمان

والثريا التي يتحدث عنا الشاعر كانت امرأة فاتنة أحبها عمر لكنها تزوجت من سهيل وهو غير كفؤ لها بحسب رأي الشاعر فكيف تم الجمع بينهما ؟ وهل يمكن الجمع بين الثريا تلك النجوم الست المجتمعة في برج الثور والتي تنتمي للسماء الشمالية ونجم سهيل في كوكبة الجؤجؤ المنتمي لجنوب الكرة السماوية والذي يرى من نصف الكرة الجنوبية وهو نجم عملاق يبعد عن الأرض ب400سنة ضوئية ويتخذ كنقطة مرجعية في توجيه السفن الفضائية في رحلاتها بين الكواكب إضافة إلى الشمس.

لكن المعرفة الفلكية تظهر بشكل جلي في شعر أبي العلاء المعري والذي يدفع إلى الحيرة في ذلك كون الشاعر ضريرا فكيف تهيأت له هذه الدقة في الوصف للكواكب والنجوم والتي يعجز عنها المبصرون؟

في مرثيته الشهيرة لأبي حمزة الفقيه والتي مطلعها:

غير مجد في ملتي واعتقادي : نوح باك ولا ترنم شاد

الأبيات الأخيرة فلكية بامتياز:

زحل أشرف الكواكب دارا: من لقاء الردى على ميعاد

ولنار المريخ من حدثان الده: ر مطف وإن علت في اتقاد

والثريا رهينة بافتراق الشم: ل حتى تعد في الأفـــــــــراد

واللبيب اللبيب من ليس يغ: تر بكون مصيره للفســـــــاد

وفي قصيدته الشهيرة "عللاني" وهي قصيدة شبابية نافس فيها المعري المبصرين معرفة دقيقة بالمجموعات النجمية وحركتها الظاهرية وغروبها وشروق غيرها بلغت حد الإعجاز:

رب ليل كأنه الصبح في ال:حسن وإن كان أسود الطيلسان

ليلتي هذه عروس من الز:نج عليها قلائد من جمــــــــــــان

وكان الهلال يهوى الثريا :فهما للوداع معتنقــــــــــــــــــان

وسهيل كوجنة الحب في الل: ون وقلب المحب في الخفقان

ضرجته دما سيوف الأعادي: فبكت رحمة له الشعريـــــــان

ثم شاب الدجى وخاف من الهج:ر فغطى المشيب بالزعفران

ونضا فجره على نسره الوا:قع سيفا فهم بالطيـــــــــــــــــران

فهو هنا يشير إلى الهلال والثريا والشعرى الشامية واليمانية والنسر الواقع بشكل دقيق لا يعرفه المبصرون.

وتحدث المعري في أشعاره عن الاقتران أي اجتماع الكواكب وهي ظاهرة فلكية دورية حيث تقترب الكواكب من بعضها للراصد الأرضي ومن أهمها اقتران المشتري بزحل وكان العرب يتفاءلون به خيرا:

قران المشتري زحلا يرجى:لإيقاظ النواظر من كراها

وهيهات البرية في ضلال: وقد فطن اللبيب لما اعتراها

تقضى الناس جيلا بعد جيل: وخلفت النجوم كما تراهــا

بل تساءل عن مولد الشمس القديم في مثل قوله:

ومولد هذي الشمس أعياك حده: وخبر لب أنه متقادم

وفي قصيدة وصف" معركة عمورية" وهي قصيدة خالدة من قصائد الشعر العربي العباسي يتحدث الشاعر عن ظهور مذنب لعله مذنب هالي وتشاؤم المنجمين منه واعتقادهم بخسارة المعركة إذا قرر المعتصم خوضها والمذنب في السماء ومن الحكمة تأجيل الحرب لكن المعتصم كفر بالمنجمين واحتكم إلى السيف وحرر عمورية وكسب المعركة:

السيف أصدق إنباء من الكتب: في حده الحد بين الجد واللعــــــــب

بيض الصفائح لا سود الصحائف: في متونهن جلاء الشـــك والريب

والعلم في شهي الأرماح لامعة: بين الخميسين لا في السبعة الشهــــب

وخوفو الناس من دهياء مظلمة: إذا بدا الكوكب الـــــــغربي ذو الذنب

وصيروا الأبراج العليا مرتبة: ماكــــــــــــــــان منقلبا أو غير منقلب

كما تحضر المعارف الفلكية البرهانية والعيانية في النثر في خطب الإمام علي في نهج البلاغة وفي مقامات الهمذاني والحريري ناهيك عن نثر الرازي والكندي وابن سينا وابن طفيل وابن رشد والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وإخوان الصفا وغيرهم.

3.4- الثقافة الفلكية في الأدب الحديث ونماذج لأدباء اشتغلوا بالفلك:

بتطور العلوم في العصر الحديث هذا التطور الر هيب ومنها علم الفلك الذي كشفت لنا فيه المراصد عن عوالم جديدة لم نكن نسمع بها ولا أسلافنا من سدم ومجرات وكوازارات وعدسات تثاقلية وثقوب سوداء وغيرها وأمام الفضول المتزايد لاكتناه سر المجهول واستجابة فطرية لقوله تعالى "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم" خاض كثير من الأدباء في لجة السماء راصدين ودارسين ومستمتعين ونجد حضورا قويا للنجوم والكواكب والأقمار في أشعارهم حتى إن السياب الذي أقعده المرض في عز شبابه وطوح به الألم تمنى نفسه سندبادا لا يخوض في بحر الأرض بل في بحر السماء حيث النجوم سفن والهلال زورق وهو السندباد:

وفي المساء كنت أستحم بالنجوم

عيناني تلتقطهن نجمة فنجمة وأركب الهلال سفينة

كاني سندباد في ارتحال

شراعي الغيوم ومرفئي المحال

ولعل محمود باشا الفلكي هو أكبر عربي خاض في الفلك وجمع بين التاريخ والأدب والعلم وقد حقق الكسوف الذي وقع في زمن النبي عليه السلام يوم وفاة ولده إبراهيم وحدد مدته والساروس الذي ينتمي إلية والمناطق التي مسها من الكرة الأرضية. ولعميد النثار في القرن التاسع عشر الشيخ ناصيف اليازجي في كتابه البديع " مجمع البحرين" أي الشعر والنثر مقامة فلكية ذكر فيها منازل القمر، وأسماء البروج، والأنواء وأسماء الشهور القمرية قديما، وأيام الأسبوع الجاهلية وحذا حذوه ولد إبراهيم فاشتغل بالمعارف الفلكية فضلا عن تبحره في اللغة العربية. وتحضر المعرفة الفلكية في كتابات جرجي زيدان ويعقوب صروف وشبلي شميل وفرح أنطون وغيرهم.

ولعل المعرفة الفلكية تحضر بشكل جلي في كتابات الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير مجلة العربي السابق والعالم الكيمائي وصاحب كتاب فلكي أدبي بامتياز "مع الله في السماء" وفي كتابات مصطفى محمود الذي اشتغل بالفلك وهو الطبيب المختص في الأمراض الصدرية والصوفي النبيل وقد بنى مسجدا في الزمالك وبنى إلى جواره مرصدا صغيرا حتى يتعبد المؤمن في المحراب وفي قبة السماء معا وقد دعا الكاتب الكبير نجيب محفوظ إلى زيارة المرصد ولبى نجيب الدعوة وقال عقب ذلك :لقد رأيت أشياء رهيبة.

فالعلم يقود إلى الإيمان والعلم غذاء والدين دواء كما ذكر حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي.

5- ضرورة الحفاظ على مثل هذه الندوات العلمية وتكريسها في شكل ندوات دورية وجعل شهر أغسطس شهرا عربيا للسماء

 إن على شبابنا اليوم الاقتداء بالسلف في الأخذ بالعلوم وللأمة ماض مزهر فيها فالمستقبل في العلم وعبادة العالم ليس كمثلها عبادة كما أن على القيمين على تدبير الشأن العام تكريس الندوات العلمية الدورية في ربوع الوطن العربي تتبادل فيها الأراء وتتلاقح فيها العقول فهي معرفة وفرجة وتسلية وتربية ولم لا جعل شهر أغسطس شهر السماء وتخصيص ليلة عربية ليلة لمراقبة ورصد السماء أسوة بالدول المتقدمة ؟

 

إبراهيم مشارة

...........

كلمة ألقيت عصر الجمعة 16 أغسطس في ندوة علمية أطرها  المرصد الجزائري للفلك والفيزياء الفلكية والجيوفيزياء  في بلدتي زمورة

 

يتحدث ساراماغو في روايته التي نالت جائزة نوبل للاداب عن وباء يصيب السكان يعميهم فجأة ويخوض اول العميان وطبيبه ومجموعة من مرضاه و زوجة الطبيب الوحيدة التي لا تصاب بهذا الوباء مغامرات في اماكن الحجر الصحي و نزاعات يسلط فيها الكاتب ضوءا ساطعاً على الرغبة في التسلط و التحكم و ولادة الانظمة المستبدة و الاستضعاف و كذلك ينجح في تصوير مشهد الانتفاض ضد الظلم و ضعف المجتمعات تجاه الظلم وانخراطها في انانايتها التي تجعلها ضعيفة امام المتسلطين.

ثم يرسم ساراماغو مشهداً سينمائياً مؤثراً عن حالة الفوضى التي تصيب المدينة بعد اصابة كل سكانها بالعمى و كيف يصبح العيش صعباً في خضم تلك الفوضى التي يصورها بعيون الناجية الوحيدة من الوباء وهي زوجة الطبيب التي يصور من خلالها المشاهد التي تراها ويصور كيف تتبلور جماعات من العميان يتوكأون على مجموعاتهم ليتمكنوا من العيش والعثور على اماكن تأويهم وابتكار اساليب لمعايشة العمى كما يصور اولئك الذين يعيشون على الحكاوى الفارغة و لا هم لهم سوى التبشير بالقيامة ونهاية البشرية والجحيم والهلاك و الخ .

من المؤكد ان ساراماغو كان مبدعاً ليس في تشكيل منحوتته الروائية بل في ابتكار الموضوع والخيال الثري الذي صور من خلاله البشرية دون عيون ولعله اراد من وراء ذلك ان يقول ايضاً اننا مع اننا نمتلك عيون ونستطيع ان نرى الا ان هناك عالماً ربما خفي عنا نحتاج الى حاسة خاصة لادراكه و لربما نحتاج الى تطور خاص في عقولنا لكي ندركه.

لقد تغير العالم من حول العميان لمجرد انهم فقدوا نظرهم فأصبحوا يرونه من خلال ذاكرتهم ويتخيلونه عبر خيالاتهم

والسؤال هو ماذا لو كان في هذا العالم الوسيع جوانب خفية عنا؟

ماذا لو كنا عميان ولا نرى سوى تخيلات؟

ماذا لو كان ما ندركه لا يساوي شيئاً امام ما خفي عنا؟

هل هذه الاسئلة مشروعة و لها ما يبررها؟

ادرك تماماً ان تلك الاسئلة بحاجة لاجابات وان ساراماغو فتح كوة بأتجاه ما و لربما من الصحيح القول ان عالمنا حقاً عالم العميان.

 

 اياد نجم الجيزاني

 

مالكة عسال1- تقديم: هكذا شئت أن أعنون تقديمي لرواية (الجمجمة والزورق) للمبدع التونسي فوزي الديماسي ...

إنه فوزي الديماسي المشتعل بالإنسانية والحب، يركض في جيوب مرافق الطبيعة النقية، كما بعثها الله إلى الوجود بصفاء الأحجار الكريمة باحثا في مغاراتها بخيوله الجامحة، عن جواب مقنع لسؤال مؤرق، ظل ضوؤه الشارد يلكز وجدان مبدعنا، يستجدي قيمة الإنسانية، التي دهستها حوافر الأزمنة المظلمة.. فمبدعنا تسلح بثلاثة أشياء كعدة قائمة بذاتها :

1ــ الرقع الطبيعية التي اتخذها ميادين يركض فيها دون توقف،

2ــ لغته التي امتطى عرشها يراوغها ويبوح لها وبها،

3ــ أحباره يسيل دمعها ..

أشياء ثلاثة أسرجها وتسلق تلالها بحثا عن الفجر، عن أيامه المضيئة، عن حقوله المزروعة بالعشب الأخضر، عن ظل يحمي تحت أجنحته الفقراء من رعب الزمن الجاحف ..

حين انحدرت مع الشلال الروائي لرواية مبدعنا فوزي الديماسي (الجمجمة والزورق)، استوقفتني عدة أشياء، من بينها

ــ الغرابة في السرد،

ــ جعبة الذات المبدعة الممتلئة بالحزن والأمل معا،

ــ التنوع اللغوي الذي أضفى سحرا فنيا ملفتا..

الحزن والألم والغرابة في السرد

أمسكت بخيط السرد، تستفزني معانيه السلسة، منجذبة بحياكة اللغة، وفنية التراكيب، والحذلقة في تتابع الجمل والفقرات، إذا بي أهوي في قعر الغرابة، حيث شاء مبدعنا أن ينحرف عن السرد بلغة المباشرة، لينغمس في لغة خيالية ترفل في كيد الغرابة واللامعقول، مما يجعل القارئ في حيرة من أمره، متسائلا عما يريد السارد قوله من وراء هذه الحكاية، وماهو المعنى المطلوب الذي يهدف إليه..

(شدّني الخوف إلى جذع ذعري . تقيّأت الجبّانة سكّانها، وانتشرت الجماجم، والعظام في الفضاء، تحلّق الموتى حولها، وراحوا جميعا يراقصون العويل، ارتفع نشيج الأرض تحت أقدامهم، وامتدّت ألسنة الغبار تخدش وجه الفجر. انتشر)

وهذا الغلو في الخيال لم يأت من باب السماء، ولا هطل به غيث مباغت، وإنما من ذعر الذات المبدعة، وما تعيشه من تشرذم وتيه وذهول، من هول أزمة الأوضاع الإنسانية، وانتظاراتها المعلقة، وأحلامها المغتالة في مساحات قاحلة تعج بالوباء، وميادين متلبّسة بضباب عتيق، تتخللها جبال كرسم دمعة قديمة على وجنتي الوجود، تتابع اضطرابها في صمت؛ واقع ملتبس، طافح بالكبت والإحباط، يطفو بأشلاء القتلى، منهمر بالدمع ودماء ضحايا الحروب والقتل، لا يسمع فيه إلا النشيج، يمزّق صمت المكان، ويبعث في أرجاء السكون صدى بكاء، جعل الذات المبدعة تعيش أجواء عصيبة في مرامي متاهات لانهائية..، ودروب مقفلة تفضي إلى طريق مسدود ..

اللحظات المشرقة باعثة على الأمل

وأحيانا أخرى، حين تصادف الذات المبدعة، لحظة فرح، أو تعيش أجواء سارة، تتدفق بالآمال، وتتورد فيها الأحلام، ترسم واقعها المنشود كما تشتهيه، مزهرا بصهيل الفجر على حافة حلم يؤذن في الناس، (موجها بوصلته نحو واحات من بياض، تدفع الناس نحو فلك الحياة، وألسنتهم ترمّم بالذكر في بساتين النجوى طيورا ونخيلا وماء، وعلى جبين الأفق البعيد ترفرف الزغاريد).. هكذا المبدع يصارع الخبث ليحوله واحاتٍ من النخيل، وبساتينَ من رحيق السوسن، أوهام وأحلام وآمال تتدافع زمرة واحدة في ذاكرة الذات المبدعة، لتتحول بقدرة قادر إلى نور يضيء السراديب المعتمة، وما تلك إلا رغبة ملحة في نفسية الشاعر يريد تحقيقها، رغم العسر وغير الممكن؛ فيصوغ الأمل في قصيدة أو شذرة أو نص فني يثير شهية القراء ..

الكدح والتعب من أسرار البقاء

فالذات المبدعة تناجي حيرتها، منغمسة في ذهول الحياة الملتبسة، تحاول تحقيق طموحها في خلق أفق مشرق، ينهمر بتباشير الصباحات السعيدة، لكن القمم العاثرة تحـول دون تحقيق ذلك، وفعلا في غياب آليات التغيير، وفي ظل السياسات الفاشلة المسطرة، والخطط المحبطة، ليس بيد المبدع أية أداة لتحقيق ذلك، لكن إصراره الملح سيمكنه من ركوب صهوة التحدي، للكدح في مناكب الحياة وبعث الحياة في الموت، وإضرام النار في اللّيل البهيم، والحفر في صخب الصخر لبلوغ الزيت، (فما خاب من جعل السّعي دينه، وديدنه التّراب إقبالا ما بعده إدبار، فالصبح بين ظهر انينا قريب)..عناق الحياة بأمل كبير وابتسامة مطلقة، وركوب موجة التجاوز والتحدي، أي النضال في أوسع نطاقه ، والكد بأوفى أسلحته لتمزيق ليل القعود، وتكسير للعجز القيود، لأن تحقيق الأحلام لا ينال بالتمني، وإنما بمواصلة الكفاح، وشحذ السواعد، وبناء الأفكار، لهدم خيام الليل المطنبة، واستقبال خيوط الصّباح المشرقة ...

(ثمّ أخذنا بعد وقت من الانتظار رماده، وانطلقنا بعزم ننثر رماده على رؤوس الجبال، وعلى رؤوس القبور، كنّا منطلقين نحثّ في روحينا لغة التدفّق والحركة، نثرنا رماده في كلّ درب، وفي كلّ قفر، وعلى قمّة كلّ جبل، ثمّ توجّهنا بعد كدّ جنونيّ نحو البحر لنعلّم موجه فتنة الحياة وشوقها، مرحنا، كدحنا، سعينا، وكان الأمل في زرع آيات الفجر في الآفاق أقصى غايات عملنا)

رفيقة مبدعنا في حنايا الكون

لم تكن رفيقة مبدعنا إلا الذات الشاعرة، التي يقتفي أثرها، بين الصخور، والكتبان الرملية، والشواطئ، يتابع شطحاتها، ورقصاتها العفوية، بين مفازات الكون، بكهوفه ومغاراته، وشساعة صحاريه، وتلاطم أمواج بحره، وصخب لياليه، ووجع أزمنته، وسدوم ظلمته ، أشياء تعتمل بمطارقها في رأس المبدع، فساحَ في رحاب الكون يحاور ذاته المبدعة، وما سلاحه غير لغته، يشحذها في زواياه الفسيحة، لتجيبه عن أسئلته الملحة، هو ركض لانهائي بحثا عن الجمال لما هو ذميم، وعن فتق أسرار مبهمة، لفهمها، وعما يريح النفس من أثقال هذا الزمن الجاحف ..بل وقد تكون رفيقة مبدعنا تلك القصيدة الغائبة الحاضرة، ينتظرها تأتي مكتملة ممطرة بحلول، للشائك من هذا المعقد ..لعمري لهذا هو حال المبدع الصادق مع نفسه وإبداعه، ومع ما يعيشه من هموم إنسانية تنهش أحشاءه، وتدمي روحه، وتصيب مشاعره بعسر هضمي، فيلجأ إلى الإبداع عله يجد بلسمه الشافي ، هواجس متعاقبة، فبمجرد ما ينزل المبدع منجزه في مخطوط، حتى يركض مهرولا وراء حدوس مشرقة، يشحذ على شفرتها ذاكرته ولغته من جديد، ليأتي بالمكتمل ...

(سألت الأفق، وكذا الرّمل، وزبد البحر، سألت دمعتها، لا جواب يطفئ لهيب البحث في فؤادها، فتّشت بين الصخور، بين ثنايا الموج الهادر، في شعاب الملح، في حمرة الأفق المتثائب، في رحم الوجود)

الجانب الفني والتنوع اللغوي

لغة مبدعنا فوزي الديماسي تبدو سهلة المنال، لكنها تضرب السهل الممتنع بتنوعها الهائل، فهي تمتص من شهد القرآن الكريم بكل تجلياته، وترفل في لبوس شعري بامتياز، وهذا يبين بالكاد أنواع المشارب اللغوية التي نهل منها مبدعنا، ومدى تمكنه من الأدوات الفنية في الصياغة والتركيب....

بلاغة الأسلوب بالتناص مع القرآن الكريم

لقد اعتمد مبدعنا السيد فوزي الديماسي اللغة القرآنية، فتناول الصور والرموز من كتاب الله، بتوظيف المعاني القرآنية بنجاح، حيث لوحظ ذلك في أكثر من عبارة، (.. في صحف الأوّلين، وقليل من الآخرين)

هذه العبارة التي تتناص مع آيات من الذكر الحكيم، وبالضبط من سورة الواقعة، التي يقول فيها عز وجل (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين). (وفوق رؤوسهنّ سرب من الولدان يرتّلون) التي تناص فيها أديبنا مع الآية الكريمة (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) من نفس السورة.. (وفجأة زلزلت الأرض زلزالها) من سورة (الزلزلة)، ليس ضعفا من المبدع، ولا تعويضا لعبارة غائبة، وإنما إثراء لغوي، نتج عن تنوع مشارب القراءة والاطلاع، مما أحكم لغة مبدعنا فوزي الديماسي، وأثراها، وجعلها متنوعة ومتينة. واتخذ التناص كشكل من أشكال الإيجاز اللغوي بأسلوبه البليغ، الذي يعتمد التكثيف وفي ذات الوقت، يعبر عن معاني عميقة، أي طريقة تعبيرية بليغة تعكس الإيحاء بالمعنى، والعمل على تمكينه في نفس المتلقي، كضرب من الوصف تخيّره مبدعنا للإفصاح عن أملاءات غائرة في نفسه؛ وليس بمفرده من سار في هذا النهج، بل نجد ثلة من المبدعين، قد جنحوا إلى هذا اللون من التعبير اللغوي في تلابيب قرآنية، سواء في نثرهم أو أشعارهم، باعتبارها صيغا مبالغة، تضفي على اللغة متنا وفصاحة في التعبير بأسلوب بليغ ..

الشعر كلون ساحر ينمق الأسلوب بالجمال

فالرواية منذ بدايتها حتى النهاية، صيغت بأسلوب شعري بكل ما تعنيه الصور الشعرية من معنى، حيث تلبست اللغة بعدة لبوس مجازية وإيحائية، وترميزية، تختبر الجانب التخييلي الترميزي في القارئ، عنى ذلك الشاعر عن قصد أو بغيره ..

وأحيانا تتدفق القصائد بكل مقوماتها الشعرية التي تضرب مهجة الحداثة حد الشهيق، بأسراب صورها، وصياغات أسلوبها، وانتقاء ألفاظها وإيقاعها، الذي يخلق نوعا من الدهشة لدى القارئ .. ولم يكتف أديبنا بأسلوبه الشعري، بل أحيانا ينمق روايته بقصائد شعرية، زادت من توهجها، وإشراقتها، وهذا يبين مدى تكسير الحاجز الشاهق بين السرد الروائي والصياغة الشعرية، رغم خصوصيات كل من الجنسين...

على سبيل الختم

أديبنا فوزي الديماسي، قلم ذو نبوغ لغوي، سيال في العديد من الأجناس الأدبية، له حنكة ومراس في تناول المواضيع الاجتماعية، ودراية في الصياغات الأدبية الممتعة بمهارة، لي شرف متابعته عن قرب ..

 

مالكة عسال

بتاريخ 15/01/2019

 

محمد صالح الجبوريصدر عن دار المتن (بوح الدخان) حكايات من مدينتي الجزء الثاني للكاتبة ميادة الحسيني، رقم الإيداع 2037 لعام 2019م، قام بتصميم غلاف الكتاب الفنان السوري (ديلاور عمر)، الكتاب يحتوي على (36) حكاية، من حكايات مدينة الموصل التي تعرضت إلى الدمار والخراب والحصار والقتل والتهجير، والرعب، من قبل عصابات داعش، ظروف قاسية مرت بها المدينة، الوضع مؤلم، محبة المدينة و تاريخها دفعت الكاتبة لكتابة حكايتها الواقعية من أرض الحدث، كتب المقدمة الناقد سعد الساعدي، تحدث عن إسلوب الكاتبة والواقعية والسرد الجميل، الكتاب يحتوي على قصص وهي (إحتضار، جسر الأمل، بوح أرض رافدين، بقايا رماد، واحد من أبناء الوطن، لمصر في مدينتي حكاية، خلود حزن، قائد وطفلة، دقائق معدودة، وأخيراً وصلت عبير، صولجان الأميرة أحلام طفلة، العيون اوصدت، صوت من بعيد، حلم الحرية، رضا، حين غادرت الرياح، سحر دجلة، قطعة الحلوى، مالك والعلم، رحلة يمامة، حداد الفراشات، مكتبة وشيخ كبير، لص عاشق، معلم وطفل، الأسد، أمي إليك أكتب، عروس العبارة  سوار في النهر رانيا، تيم، محمد والعبارة، أيها النهر ما بالك تؤلمني، و للكاتبة اهداء، ومقالة للأستاذ الدكتور ابراهيم العلاف، وكذلك رؤية للإعلامي هشام الكيلاني، الكاتبة وثقت تاريخ المدينة لفترة من الزمن من خلال قصصها الواقعية، بإسلوب وسرد جميل، ولا أريد الإطالة في الشرح، اترك القاريء هو الذي يعطي رأية، وانا مجرد عرضت الحكايات للاطلاع عليها.. الجهود التي بذلتها القاصة ميادة الحسيني جهوداً كبيرة، اتمنى لها النجاح والموفقية.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

 

ضياء نافعيقولون انه النصب الوحيد في العالم لمذيع في الاذاعة، وبالنسبة لي شخصيا وحسب معلوماتي المتواضعة، فانا لا اعرف فعلا اي شئ مماثل لهذا الذي شاهدته اليوم في احدى ساحات مدينة فلاديمر الروسية، مسقط رأس المذيع السوفيتي الشهير ليفيتان، وهي المدينة التي تبعد في حدود 200 كيلومترا عن العاصمة الروسية موسكو، والتي كانت في غابر الازمان واحدة من مراكز روسيا القديمة.

 ولد المذيع يوري بوريسوفيتش ليفيتان في مدينة فلاديمر العام 1914، واصبح المذيع الاول في الاتحاد السوفيتي، وهو الذي أذاع يوم التاسع من مايس / مايو العام 1945 بيان الدولة السوفيتية عن استسلام المانيا الهتلرية وانتهاء الحرب واعلان النصر، وهناك احصائية طريفة تشير، الى ان المذيع ليفيتان قرأ اكثر من (2000) نشرة أخبار عن مسيرة واحداث تلك الحرب، والتي يسميها الروس – (الحرب الوطنية العظمى)، وهكذا ارتبط اسم ليفيتان بيوم النصر في تاريخ روسيا . لقد سمعنا عندما كنّا طلبة في الاتحاد السوفيتي في ستينات القرن العشرين، ان الالمان قرروا ان يعدموه بعد ستالين رأسا، ولكن المصادر الروسية الرسمية الحديثة اعتبرت هذا القول مجرد اشاعة تداولها الناس - ليس الا- انطلاقا من شهرته وسعة شعبيته بين المستمعين آنذاك، وأشارت تلك المصادر الى ان هناك وثيقة ألمانية تعلن مكافأة قدرها(250)الف مارك الماني لمن يقبض عليه او لمن يقتله، وهو مبلغ ضخم وكبير جدا بالنسبة لتلك الايام، ولهذا فقد كان ليفيتان محاطا دائما برجال الحماية ايام تلك الحرب، وكان مكانه سريّا . وللعلم، نود ان نضيف هنا، ان ليفيتان هو الذي أذاع خبر انطلاق اول انسان سوفيتي الى الفضاء يوم الثاني عشر من نيسان / ابريل العام 1961، عندما طار غاغارين الى الفضاء وعاد سالما، وهو حدث تاريخي عالمي طبعا، لهذا يطلقون على ليفيتان الان تسمية – (صوت التاريخ وصوت النصر).

امتدت حياة ليفيتان من العام 1914 الى العام 1983، وقد اتخذت ادارة مدينة فلاديمر (مسقط رأسه) توصية بشأن ضرورة الاحتفال بالذكرى المئوية لولادته العام 2014 وذلك باعتباره الابن البار للمدينة التي تفخر باسمه، وقررت تلك الادارة اقامة نصب خاص به في مدينة فلاديمر تخليدا له، وهكذا تم اعلان المسابقة بين النحاتين الروس، وشارك في المسابقة (36) نحّاتا روسيّا من كل انحاء روسيا، وفاز بها النّحات الذي قدّم فكرة لاقامة نصب يتميز بالابتكار(وبكل ما تعني كلمة الابتكار فعلا)، اذ ان النصب ركّز على الصوت وكيف كان الناس ينتظرونه ويصغون اليه عن طريق المذياع بكل لهفة وتعاطف، اي ان النّحات جسّد مهنة المذيع وطبيعتها، ولم يجسّد شكل المذيع او جسمه كما جرت العادة في التماثيل والنصب الاخرى، وهكذا تم تنفيذ تلك الفكرة، وتم تدشين النصب العام 2015 (في يوم الراديو الذي يصادف 7/5، وعندما كانت روسيا تحتفل بالذكرى السبعين للنصر). وضع النصب في ساحة وسط مدينة فلاديمر اطلق عليها اسم ساحة ليفيتان. نرى هناك شخصيتين في ذلك النصب هما الجد وحفيده، ينظران ويستمعان بكل انتباه الى ميكروفون معلّق امامهما على عمود به مصباح لاضاءة الشارع، وعلى هذا العمود توجد لوحة حديدية صغيرة، فيها صورة للمذيع ليفيتان مع الاشارة الى سنين حياته . لقد اراد الفنان ان يقول، ان الجد العجوز (وهو يتوكأ على عصا بيده) مع حفيده الصبي كانا يستمعان الى بيان النصر، اما الابن (والد الصبي) فقد كان يحارب آنذاك في جبهات القتال .

الساحة التي يقف فيها النصب معبّدة بالحجر بشكل جميل وانيق، وتحيطها الاشجار الباسقة، وفي اطراف الساحة توجد المصاطب المنسقة الجميلة . لقد جلست انا على احدى هذه المصاطب، وتأملت النصب الطريف هذا بدقة، واكتشفت ان الجد وحفيده يرتدون ملابس بسيطة سوفيتية الصنع ومن طراز ذلك الزمان بالذات، وشاهدت اسراب الحمام تتطاير حول النصب وتتمشى حوله بسلام ووئام، وجاءت امرأة مسنّة، وأخذت ترمي الحبوب لتلك الطيور، وكانت الطيور تتزاحم على هذه المرأة كي تحظى بالطعام ... وكان هناك اناس بمختلف الاعمار يسيرون – ذهابا وايابا - حولنا بهدوء دون ان ينظروا الى النصب او الى تزاحم الطيور حول تلك المرأة....

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

ناهز صمتي ما يتجادل به عشرة شعراء في امرأة نست رائحتها عند اول عاشق

لم أكمل هيأتي لكثر ما تكدس في المرايا من ايامي المصابة بالتشابه والانتظار والمقاهي التي يعجبك دخانها الخالي من النساء والأمراض التي تتوعدك خيرا ً!

لعل في القصيدة متسع من الهواء المتفق عليه كي اصرّح جيدا ان ام كلثوم كانت خاطئة جدا وهي تربي الحب كمنتج لا يهرم فلم نصرّ على سؤالها حية وميتة ولنسئلن الذين تماثلت قلوبهم للصباح. أليس الحب تعديل في الفطرة المدهونة بكلام الورد؟ تعديل في فطرة الذين لم يكتشفوا في المرآة وجوههم أليس هو جرأة منظمة على قطع الحوار بيني وبين هؤلاء الجالسين في القران يأكلون ويشربون يلقون عليّ التحية والمحبة والوصايا كلما تبلج صبح وفي البلاء إذا تجلى. أليس أنا من تحرّش بهذه الجرأة المطرودة من لساني حتى ناولته السر أنثى إثر أنثى وحرب تلو حرب فلما مددت يدي الى جيبي أخرجت تاريخا من السوء والخيبات طششتها في جمع من أشباهي. قلت لا تقربوها ولكن انظروا اليها فالنظر اليها يذكر بالحياة والحمد لي بان اسماءكم لم تغادر أعشاشها ولم يفصل بينكم وبينها الرصاص المتاخم لهوائنا المخضب بغبار المفاجآت والشعر

لم اعد ادراجي حينما قرروا ان الحروب ضرورة معرفية فـــــــــــي نص الوجود

وان الحياة بوصفها مغامرة لا بوصفها حمامة هي خيول تجر التأويل ولا تفلح الى أطفال يصاهرون بين الرصاصة والعصفورة ويتسللون الى رؤيا الملك ليخطفوا سبع سنبلات وأخر يمتن منهن حسدا وينهض الملك في صباح خائن فيقول ان رؤياي محرّفة ولا يندهش وماهي بمحرفة ولكن الملك لــم يكمل هيأته ولا يثق بالفقه العابر للأجناس ولا الديمقراطية التي نست عورتها عند بوابة التاريخ

الثورات ممتلكات غادرها الأنبياء ... هم لم يتركوا ارثا غير أسمائهم والتواصي بهذه الثورات.. قالوا هذه أمانات فردّوها الى أهلها وتوقعونا في الحوادث المعبرة.. ولتعلموا ان الوصايا ليست بيوضا حتى تفقس الثوار عنها ان الوصايا هي انقضاض التجربة على أخطأها فتوضأوا بأسمائنا وتوكلوا على التجارب ستنطق اكفكم بالأوطان.. فاذا ازدادت الارحام بمثل ذلك فقد حضرنا

ليست الثورات اكتشافا في النوايا ولا عبورا الى الاشكال الكاملة وليست من منتجات الصبر كما توهم العالقون بصدأ التواريخ ...انها عين لا نريد ان نبصر بها أو أنها قابلية التاريخ للانتباه من النوم ..... قابلية التاريخ على تحمل العطش وهو يقرأ بصوت عال ... قابليتي على عشق الهاء في (انا انزلناه) الهاء التي حسمت عين ابن عربي بالعمى واشرق بها رجال لا تلهيهم سياسة ولا بحث خارج

التواريخ تؤكد شهيتها وتنسى جملها الفعلية، وهكذا تداولوا النخلة وتركوا مريم تربي وليدها في اشباه الأسئلة. تداولوا القميص وتركوا يوسف في أحسن القصص يحرس رؤيا الملك من التسوس يحرس ذكريات البئر من نسيان اخوته

لذلك لم أكمل هيأتي وركنت الى نيتشه وهيجل وماركس والذين من بعدهم شيئا قليلا ولم اعد ادراجي كان الطريق طويلا وانا على عجلة من فهمي وكنت خائفا من الله جدا وكنت من الأفعال الناقصة وكنت من الأعياد التي نست ميعادها وكنت آتي البيوت من ظهورها وكنت اسمي سنابلي في اليقظة وانساها في الرؤيا وسقط الوقت من يدي فاستحالت الازهار اقفالا وكنت أرى في وجوه الفقراء فلسفة متروكة

في رغوة الضلالة فنسيت اسمي ومكثت أضمد نسياني زهاء مطر مصّر على دلالته فلما سكت المطر ترددت على الذاكرين اسمي كثيرا فقالوا ما اسمك نكاية بي قلت انا سبيل منقطع ويتهيأ لي أني وردة في طور الاستعارة وأحيانا دمعة عاشق توارت في وحل العمر ...قالو بل انت فكرة وصياد تربّى على صور الفرائس ... وقت أتلفه النعاس.. قلت هاتوا برهانكم- هاتوا قمصانكم كي اختبر بصيرتي - قالوا كل تفاحة هي حبلى بالندم وكل امرأة عاقر لا رائحة لها فلا تحل لك الاناث حتى تتذكر ندمك

ثم ان التفاحة التي تدلت على قلبي كان نصفها خطأً ونصفها صوابا، فالذين عبروا أسمائهم وتوارثوا قلوبهم وتواصوا بالنصف الثمين كانوا انبياء، ذهبوا قمرا إثر قمر يصححون يسار التفاحة، والذين تلقفوا الخطأ واختلفوا في تأويله كانوا شعراء، لعب المجاز في انسابهم ولا زالوا يشبهون صوابها، حتى شبت الأوثان في ملامحهم، ووقفت فيهم اشتهي نصفا وأتمنى الاخر. شاخت اصابعي وهي تؤدي الأمانات الى غير صباحاتها واركض في الثورات اجدد وجوه الأنبياء في المرايا التي تطايرت تطاير الرؤوس

ناهز كلامي ما تفعل رائحة امرأة في عشرة شعراء أتلفوا العمر في حيازتها

 

حيدر الاديب

العراق

محمد عرفات حجازيالكتاب اسمٌ لما كُتِب مجموعًا، ويعني ما كُتِب فيه، ويعني الصحيفة، كما يعني الفَرْضُ والحُكْمُ والقَدَرُ، والجمع كُتُب. والكتاب الالكترونيّ E-Boo  هو نشرٌ الكترونيّ يُنْتَج ويُنْشَر ويُقْرَأ على أجهزة الحاسوب أو أجهزة الكترونيّة أخرى، وقد يكون الكتاب الالكترونيّ مُقابلًا لكتاب ورقيّ مطبوع، وقد يكون قد أُلِّف بصورة الكترونية من البداية.

يتميّز الكتاب الالكترونيّ بسهولة النقل والتحميل والتخزين، كما يُوفّر إمكانية استخدام الأقلام والتعليق ووضع إشارات أثناء القراءة، كذلك يُمكن تغيير حجم الخط، والبحث عن كلمات، بالإضافة إلى سهولة الترجمة إلى عدّة لغات أخرى غير التي تمّ تأليفه بها، ناهيك عن إمكانية عرضه على الطلاب في قاعات الدراسة باستخدام وحدة عرض البيانات LC  أو جهاز العارض الجداري، والكتب الالكترونيّة أسهل وأسرع في النشر من الكتب المطبوعة.

ومن عيوبه: أنّ أنواع وصيغ الكتب الالكترونيّة مُستمرّة في التغيّر والتطوّر بمرور الوقت مع تطوّر التقنيات، كذلك ليست كلّ الكتب مُتاحة في صورة الكترونية.

والقيم جمع قيمة، وشيء ما ذي قيمة أي كونه مُفضّلًا عند الآخرين؛ وذلك لاعتبارات نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أخلاقية أو جمالية. وتختلف القيم عن الأخلاق في كون القيم تُعدّ بمثابة قواعد ومعايير، أما الأخلاق فتُطلق على الأفعال والسلوكيات، ما يعني أنّ القيم ميزانٌ للأخلاق.

إنّ محتوى الكتاب مرآة للاحتياجات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات، والتشابهات بين أشكالها عبر الثقافات والزمن تُظهر نزوع عقول البشر، في مراحل مُعيّنة من تحضّرها، إلى إنشاء مؤسّسات وأنماط اجتماعية وحضارات مُتشابهة.

وبالإضافة إلى ما تتّسم به الكُتب من حيوية لصيقة بجوهرها، فهي تنفُخ في المجتمعات الروح؛ فتساعد الأفراد والثقافات على تحديد وجهاتهم ومعرفة ذواتهم، ليتواصل بعضهم ببعض، وترتبط نفسٌ بنفس، وماضٍ بمستقبل، ومستقبل بماضٍ. وتقول المُؤرّخة بابرا تشومان في كلمتها أمام مكتبة الكونغرس عام 1980م أنّ: الكُتب حَمَلةُ الحضارة. من دون كُتُب يُصبح التاريخ معقود اللسان، والأدب أخرس، والعلم مُعوَّقًا، والفكر والتأمّل في ركود تام. من دون كتب، ما كان للحضارة أن تشهد تطوّرًا؛ فالكُتب مُحرّكات التغيير، ونوافذ مفتوحة على العالم. الكتاب مُعلّم وساحر ومصرفيٌّ عُهِد إليه بحفظ كنوز العقل.. الكُتب هي الإنسانية بحروف مطبوعة، وهذا التصوّر من قِبل تشومان يمكن اعتباره ركنًا أساسيًّا في النزعة الإنسيّة في القرن العشرين.

وتُتيح الكتب إمكانية الوصول الحُرّ إلى المعلومات، وهو مبدأ هام في المواطنة الديمقراطية المستنيرة. هذا، واكتسبت الكتب أهمية رمزية في أوساط الجماعات الدينية الرئيسية كلّها، ويُشار إليهم أحيانًا بعبارة "أهل الكتاب"، بل إنّ الأهمية الرمزية للكتاب شأنها عظيم في أوساط الخارجين عن تعاليم الدين.

وبغضّ النظر عن الأجندة التي يُروّج لها كلّ كتاب على حدة، فإنّ الكُتب في النهاية ـ بمحض وجودها في ذاتها وتعايشها مع مُجمل أدبيّات العالم المطبوعة أو الالكترونية ـ تدعم النزعة الفردية، والتعددية، والنزعة الإبداعية والعقلانية، وحرية انتقال المعلومات، والتفكير النقدي، والحرية الفكرية.

ومع انتشار الكتب الالكترونية بصورة مُكثّفة في السنوات الأخيرة، وتداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، ثارت ثائرة أصحاب دور النشر الورقي، وبعض الكُتّاب الذين ينشرون أعمالهم على نفقتهم الخاصة، إلى جانب بعض أعضاء مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب، ويُجادل هؤلاء بأنّ عملية تصوير الكُتب الورقية ونشرها الكترونيًّا عملٌ غير أخلاقي، كونه اختراقًا لحقوق الملكيّة الفكرية، إلى جانب أنّه يضرُّ بمصالحهم وأرباحهم المادية.. في المُقابل، يُحاجج ملايين الأفراد بأنّ تلك العملية إنسانية بامتياز، وتهدف لنشر الفكر والثقافة، ومُساعدة ذوي الدخل المحدود لاستكمال حياتهم البحثية والعلمية في مُقابل جشع دور النشر.

إنّ دور النشر تُمارس هنا نوعًا من الإرهاب الفكري، ويحاولون مصّ دماء الفكر.. وما هذه إلا محاولة، من أعداء الإنسانية، لجعل إمكانية الوصول إلى رأس المال الفكري مُتعذّرة أو معدومة.. وهذا التوجّه تعبيرٌ عن نبذ عميق للإنسانية، يُسهّل انزلاق البشر إلى هاوية أخلاقية بعيدة الغور.

إنّ الكتاب الالكتروني يُثير قضايا الأمن الثقافي بالنسبة لمن لديهم وعي بالخطر الذي تُشكّله الأسلحة الحديثة.. هل يمكن النظر إلى الكتاب الالكتروني بوصفه ناجمًا عن ردود فعل لظروف اجتماعية هدامة، بما فيها الاعتناق الهستيري لأفكار تُغازل قيمًا محلية وتُزيّن وهم الخلاص لمُعتنقيها، وتُشكّل هذه الأفكار الأساس الذي تنهض عليه رؤى يوتوبية يمكن في سبيل تحقيقها تبرير أي أفعال؟

إنّ الذين يتمسّكون بتوجّهات مُرتبطة بالحداثة والنزعة الإنسيّة يرون أنّ الكتاب الالكترونيّ عملٌ خيّر، أما المتطرفين فيرون ذلك وسيلة أساسية وفعلًا تحريريًا وخلاصيًا من أجل البشرية.. إنّ عملية النشر الالكترونيّ تؤكّد بوضوح قوة القيم المشتركة لحقوق الإنسان أو الديمقراطية على سبيل المثال، وأثر نشر المعلومات وتقارب الأفكار في التقدّم الثقافي، كما يُتيح الاستغلال الفعال للكتب مُواءمة الذكاء الاجتماعي اللازم لمُواجهة مُشكلات عالمية.. وبالنسبة لأصحاب النزعة الإنسانية، فإنّ رفاهة الإنسان هي المقياس، فهم يُعزّزون قيمة الإنسان، ويُشجّعون تنمية الفرد لإيمانهم بأنّ التنمية الفكرية والروحية والأخلاقية لكلّ إنسان تُثري المجتمع، وبالجملة، هم فئة أبعد ما تكون عن أن تغفل القضايا المجتمعية.

وختامًا نقول: إذا كان الإرث الثقافي للمجتمع الدولي هو حصيلة الإرث الوطني لكلّ الأمم، وكانت الإنسانية هي الطرف ذا المصلحة ـ مُستقلّة عن التنظيمات الوطنية؛ إذن فالآثار الثقافية (الكتب) تنتمي، نظريًّا، لكافة البشر. ومن جهة أخرى، فإنّ تطابق هويّة الأجناس البشرية يُبطل التصنيفات القائمة على التقسيمات الجغرافية أو الدينية أو الاجتماعية، لذا، فالأشخاص الذين يُحاولون حجب ثقافة معينة إنما يُرهبون ـ إن لم يكن يُدمّرون الإرث الثقافي لجميع البشر.

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

1073 عندما تكون من هناؤوجدتُ في صندوق البريد "اشعارا" يخبرني بالحضور الى دائرة البريد لإستلام طردا مسجلا باسمي

الحقيقة أنا اخشى من هذه الاشعارات ورسومها المسجلة! لا اعرف لماذا هذه الخشية؟ لكنها بشكل عام تقلقني! ربما هو شعور قديم متأصل في داخلي نتيجة عدم ثقتي بالانظمة وحكوماتها القاهرة، عموما..

 ذهبت الى هناك، قدمت بطاقتي الشخصية، فسلمتني موظفة البريد الجميلة مظروفا كبيرا

هنا اِطمئنّتْ روحي، وفرحت أساريري، لأنّ المظروف يوحي بكتاب في داخله!

وفعلا حين فتحت المظروف وجدت مفاجأة جميلة، أنّها تحفةٌ مرسلة من العراق بتوقيع الشاعر العراقي "رشيد مؤمن" وديوانه الأخير المعنون:  "عندما تكون من هنا"

الكتاب بغلاف أنيق يغلب عليه اللون الأسود المتدرج نحو الاعلى وصولا الى اللون الرمادي الداكن،

الذي يتشبه بسماء غائمة. اكتفى اللون الاسود بلوحةٍ لقارب محطم في وسط أهوار تحيلك الى جنوب العراق

لوحة الغلاف جميلة ومعبرة بطريقة حسية الى معاناة أهلنا في جنوب العراق ..

هذه اللوحة حملت توقيع "احسان الجيزاني" هناك تحت القارب كُتبت كلمة "شعر" باللون الأحمر

فيما أخذ اسم الشاعر "رشيد مؤمن" اللون الأبيض الناصع، تناغما مع الخطوط البيضاء تلك التي خططت

القارب الساكن في الهور، التصميم جميل جدا حملَ توقيع "نور الدين الوادي"

" عندما تكون من هنا"

هذه الجملة الشعرية تدعوك للانتباه وتجبرك على التوقف والتفكر في صياغتها ومدلولها لذلك اختارها

الشاعر بذكاء شديد لتكون"عنوانا موحيا" لمجموعته، ومما زادها ايحاءً انها كُتبت باللون الأسود المتموج

في سماء اللوحة الرمادي! أما الجهة الأخرى من الغلاف فجاءت بيضاء وفي قمتها صورة شخصية للشاعر

وهو يتأمل في الفراغ بوجه حزين وتحت الصورة أختيرت مقاطع من نصوص المجموعة :

 

لم يكن علي أن اموت اليوم

فصلتي به قديمة

ولا أحد يعلم أن رأسي مأواه.

-

قبل يومين إبن جارتي الوقحة ضرب

ابني

فانفجرت غضبا

ورحت أوبخ جارا آخر

-

حاوية البضائع تصل غدا

تحمل دمى جنسية وألعاب نارية

وفيه طلبية تخصني

صديق ..

صنع في الصين.

 

تحت هذه المقاطع في اقصى اليمين وجد شعار الدار التي تبنت طباعة هذه المجموعة

وهي دار "دراويش للنشر والترجمة" مع رقمها الدولي وموقعها الالكتروني ..

جاءت هذه المجموعة ب " 206" صفحات من القطع المتوسط وحملت هذه الصفحات " 102"

نصا شعريا أي بمعدل "نص لكل صفحة"

 

 

 

المجموعة بمجملها أنيقة وفخمة كما أنّها تحمل الكثير من الشعر والجمال

وبالتالي فهي تستحق وبجدارة أن تقتنى، وأن تقرأ فلغتها سهلة، رشيقة، وعميقة تحكي ألم التفاصيل

 مدلولها واضح بدلالاته لا يحتاج الى الكثير من الجهد للوصول الى المعنى الذي اراده الشاعر

والذي يخص تفاصيل الحياة ومعاناتها..

في النهاية تبقى لغة هذه المجموعة بتراكيبها السلسة هي "خاصية" يمتاز بها الشاعر الصديق

"رشيد مؤمن" هذا الانسان النبيل ..

المعروف من خلال نشره الدئوب على صفحته الشخصية باسلوبه السلس، الممتع، الذكي،

والراصد لأدقّ التفاصيل.. انها بشكل عام نصوص حياة تحاكي ابعد النقاط في دواخلنا..

شكرا جزيلا للشاعر الصديق "رشيد مؤمن" على حرصه الشديد على وصول المجموعة لي

وهذا جمال يضاف الى جمال المجموعة متعة قراءتها. انها هدية جاءت لتمنحني تواصلا جميلا

مع الشعر العراقي والجيل الجديد الذي يعوّل عليه كثيرا ..

امنياتي لك يا رشيد بالتوفيق والنجاح على طريق طويل من الشعر والعطاء

اخيرا وددت أن انقل بعضا من أجواء هذه المجموعة الجميلة :

لو أنك لم تولد في العراق

لربّما كنت فرنسيا

حينها لن تضحك

على نكتة المترجمة العجوز

.

أو هنديا

لا يكره أميتاب

لأنّه طويل كافلامه

 

لربّما امريكيا افتقر

بسبب الانهيار العظيم

.

لا تشغل نفسك

فالاحداث متشابهة

وأنت هو المختلف

.

ما لا تطيقه هو الضوء

فكل ما يهمك لون الذيل بعد الغروب

.

لكنك انت .. ولم تنتبه

فحياتك أطول نكتة

واخترت أن تحير العالم

بمدى موتك

***

ماجد مطرود/ بلجيكا

 

 

زيد الحلياعرف شغف د. طه جزاع في القراءة، لاسيما عالم الروايات، وهو شغف لا يعادله شيء، سوى حبه لقراءاته في الفلسفة، باعتبارها تخصصه الاكاديمي، ووجدت ان قراءاته المكثفة، كونت شخصيته، وحددت اختياراته في انحيازه لهذا الفكر أو ذاك، وعززت نزعته الإنسانية وانفتاحه على ثقافات وحضارات أخرى، وعلى مختلف جوانب الفكر الإنساني.. فالقراءة عنده كما أراها، هي لذة القلق، سمو الروح، ونبل الغايات، وفعل حي للتفاعل والحوار والجدال المستمر، وتربية للحس النقدي، وهي ايضا فعل تطهر، وتطهير وسمو وتسامي بأرواحنا .. وحين اهداني مؤلفه الاخير (كابوس ليلة صيف) ظننت ان الكتاب دراسة في الفلسفة او بحثا فيها، او مجموعة من مقالاته جمعها في كتاب، غير اني فوجئت بعد قراءتي الممتعة للكتاب، عدم استطاعتي تصنيفه، وفي اية خانه اضعه، فهو ليس بكتاب خواطر، ولا فلسفة، بل هو يتجه صوب المكتبة القصصية بقوة، ثم اغير رأيي لاحقاَ، بالقول انه كتاب فلسفي بامتياز، او مقتطفات من سيرة ذاتية .. انه كتاب مثل قطعة فسيفساء فكرية، لكن بأسلوب مرن قابل للتداول والنقاش والاستيعاب.

لقد خرجت بانطباع راسخ، ان مضمون الكتاب، ومساراته الفكرية والفلسفية، يقصده المؤلف، ويهدف اليه، وربما هذا الانطباع يعكر مزاج د. جزاع، كونه بالضد تماما من ما اشارت اليه مقدمة الكتاب التي سماها المؤلف (تنبيه) وهي بثلاث كلمات، لكنها بمعنى واحد، انشرها نصا: (اعلنُ هنا بكل صراحة وشفافية ووضوح ان المقصود في هذا الكتاب ومحتوياته، هو ذلك الحيوان الخدوم الصابر الاليف، كبير الرأس، قصير الذيل، طويل الاذنين، شارد العينين، الذي يُسمى حمارا .. وان اي تشابه بينه وبين اي فرد من ابناء البشر، امر غير مقصود، ومحض مصادفة، إلا اذا كان الشبيهُ مؤهلاً لذلك)

حمار مثقف !

اذن، الكتاب يسبر غور حيوان، دائما يتحمل اذى الانسان، لكني في ثنايا قراءاتي للكتاب، اشفقت على الحمار، الذي حمله الكاتب كل وزر ورؤى الانسان، واصبحت افكار الحمار والانسان، صنوان في المعنى، متغيران في الفهم .. فعلى مدى ست ليال، يُضرب الانسان (ابو صماخ) الذي البسه المؤلف، ثوب الحمار، بسوط الفلسفة وتنوع الافكار، وهو سوط من حرير، ومنها نعرف ان الحمار ليس سهلا، بل هو مثقف، فرحلته مع الحرف والكلمة والفكرة، رحلة مكنته من عبور الأمصار ومن التعرف على ثقافات وحضارات وآداب مختلفة، دون جواز سفر أو حتى تذكرة، وجعلته هذه الرحلة في تعطش دائم للمعرفة والثقافة دون أن يعرف أن الأمر سيشكل إدمانا لذيذا سيرافقه مدى الحياة...

كنت اظن، ان الكونتيسة دي سيجور"،الاديبة والقاصة الشهيرة، روسية المولد، فرنسية الثقافة، هي الاهم، التي تشد القارئ بأسلوبها المتميز، حين تجعل الافكار الفلسفية والحكم الحياتية على لسان الحمير، لكني للأمانة وجدتُ حمار الفيلسوف د. طه جزاع اعمق، واقرب في توصيف واقعنا ... نفهم، من (ابو صماخ) ان الحياة البسيطة، هي خير ما توصل إليه عمالقة الفلسفة والفكر بعد كم كبير من البحث والاستنتاج والاستدلال على مدار التاريخ بُمختلف عصوره، وان التعقيد في الحياة تم رفضه من قبل عدد ضخم من المُفكرين والفلاسفة والعلماء، ويُمكن القول أيضاً، أنه على مدار التاريخ البشري الطويل لم تكن البساطة في الحياة خياراً كما يراه البعض بل كانت ضرورة مُلحّة وقصوى، لكن الحمار في (كابوس ليلة صيف) يؤكد من جانب آخر ان الحياة عند من يمثلهم، بدأت بالتعقّد والتشعّب، فأصبحوا في ظل هذه الموجة الشرسة من العنف هو الذي يُطلق عليهم بالإجماع لقب " ابو صابر" الذي يتحمل الاسى دون ردة فعل !

كتاب د. جزاع، يحتوي على جوانب فلسفية و فكرية خاصة كثيرة، لها دلالاتها المجتمعية، ويضم بين طياته، حكايات (الحمار وجحشه الابيض الصغير) وهي حكايات عديدة، تحفل بالمعاني المعاشة في درابين حياتنا اليومية، نلمس فيها بوضوح لمسات الفيلسوف والمفكر.

واختتم سطوري، بالقول، يخطئ كثير من النّاس حين يتوهّمون أنّ قراءةَ مثل هذا الكتاب، الذي تجري فحواه على لسان حيوان، مثل (الحمار) هو ضربٌ من ضروبِ العبث، وشكل من أشكال الترف الفكري، ولون من ألوان تزجية الوقت فيما لا يعود على القارئ الواعي بالنّفع.. بل هو لون ونهج، يستطيع من خلاله الكاتب أن يمرّر رسائلَه وتوجيهاته، وبثّ أفكاره التي يؤمن بها، وقد نجح زميلنا العزيز بهذا المنحى .. ونأمل منه المزيد .

ان كتاب (كابوس ليلة صيف) يشبه الموسيقى نسمعها، ونعيد الاستماع إليها حسب المزاج، وأحيانا لتغيير المزاج.. غير انني اقول بثقة: أهلا بالفيلسوف الكبير، المتواضع د. طه جزاع ..

 

 زيد الحلّي

 

 

 

 

عمار حميديعد الألماني بيرتولد بريشت احد اهم الكتّاب المسرحيين العالميين الذي كتب اعمالا مسرحية استمدت شهرتها وتأثيرها من خلال الحقبة التاريخية التي مرت بها المانيا في العهد النازي وكذلك معارضته لحكم هتلر من خلال هروبه وكتابة اعماله خارج المانيا في ذلك الوقت مستعرضا القمع والطغيان ومنتقدا له، وبعيدا عن التقديم لأعماله والتي من الممكن ان يطلع عليها القارئ فأن تميزه ونجاحه في اعماله تركز على عنصر هام اختص به وهو أن المتلقي يعتبر المحور الأهم في تأليف العمل المسرحي، فمن اجله تكتب المسرحية، كي تثير لديه التأمل والتفكير في الواقع والدفع لتغييره من خلال اتخاذ موقف ورأي من القضية المتناولة في العمل المسرحي. ومن أهم أساليبه التي أوجدها في كتابة المسرحية:

هدم الجدار الرابع: ويقصد به جعل المشاهد مشاركا في العمل المسرحي، واعتباره العنصر الأهم في كتابة المسرحية. والجدار الرابع معناه أن خشبة المسرح التي يقف عليها الممثلون، ويقومون بأدوارهم، بمثابة غرفة من ثلاثة جدران، والجدار الرابع هو جدار لامرئي وهو الذي يقابل الجمهور.

التغريب: ويقصد به تغريب الأحداث اليومية العادية، أي جعلها غريبة ومثيرة للدهشة، وباعثة على التأمل والتفكير.

المزج بين الوعظ والتسلية، أو بين التحريض السياسي وبين السخرية الكوميدية.

استخدام مشاهد متفرقة: فبعض مسرحياته تتكون من مشاهد متفرقة، تقع أحداثها في أزمنة مختلفة، ولا يربط بينها غير النسق العام لأحداث المسرحية.

تقديم استعراضات غنائية خلال مسار الاحداث في المسرحية وذلك كنوع من المزج بين التحريض والتسلية.

ومن هذا المنطلق فأن البنية المسرحية العراقية الان لديها مصدر ثري للأغتناء والاستفادة من عناصر بريشت المسرحية تلك عبر التحولات والتغيرات التي شهدها المجتمع العراقي ولازال ، فأذا استغل المسرح العراقي بشكل فاعل ومؤثر هذه العناصر الاساسية في مذهب بريشت المسرحي وخاصة مفهوم هدم الجدار الرابع فأنه بذلك سيكون عنصرا هاما في اثارة المجتمع العراقي وتمرده على واقعه الحالي كما سيحقق المسرح ذلك الشعار الذي يقول (أعطني خبزا ومسرحا أعطيك شعبا مثقفا) ، فالمجتمع العراقي بحاجة ماسة الان لدفعه نحو التحريض والتغيير ولن يكون المسرح الا احد أهم وسائل هذا التغيير.

ولن يكون العنصر الثاني (اي التغريب) غريبا من الاساس على واقع المجتمع العراقي وتقديمه من خلال المسرح عبر مزجه مع عناصر مستمدة من خيال المؤلف المسرحي وخلق العناصر الجاذبة للمتلقي والتفاعل مع الموضوع المسرحي.

اما بقية العناصر التي يتبعها بريشت في اعماله المسرحية فأن المشهد العراقي على ارض الواقع زاخر بها ، فالمجتمع في العراق يقابل مشاكله بالسخرية تارة وبالغضب والحزن تارة اخرى كذلك يعود بالذاكرة الى ازمان ماضية يحن اليها لكنه يفتقر الى النظر نحو المستقبل ورسم الخطط له وهذا مايمكن ان يقدمه المسرح وتحريك المجتمع نحو ذلك الاتجاه من خلال اساليب بريشت.

في هذه المرحلة الراهنة فأن المجتمع العراقي بحاجة ماسة الى المسرح لتغيير واقعه ونجاح المسرح العراقي في هذه المهمة سيكون كبيرا اذا ركز على اساليب بريشت وكذلك مخيلة المؤلف العراقي المسرحي الغنية والمبدعة.

 

عمار حميد مهدي

 

المسرح من أهم الوسائل التي تبث كثيرا من الجمال وتسهم في تثقيف المجتمع على الحالات السلبية وقد كان محل اهتمام الناس به ورغبتهم الشديدة في الحفاظ على المسرح واستمراره و من هنا جاء اهتمام الدولة في شؤون المسارح لما له من اثر عميق في الجوانب: (الثقافية والاجتماعية والسياسية).

فقد كان وراء ظهور المسرح كوكبة من العباقرة والكتاب العظماء الذين أفاضوا بعلمهم وقدرتهم المميزة على المسرح مما جعله من أبرز الفنون. وقاموا بدمج كثير من الفنون داخله مما أعطاه بريقا خاصا وتفرد به وتميز عن باقي الفنون بل جعله من أكثرها قدرة على إيصال الرسائل الجمالية والفكرية التي تصب في مصلحة المجتمع .

الظروف الاجتماعية لظهور المسرح :

وتقام المسرحيات في أثينا أبان حفلات ديونيسوس" إله الخصب والنماء" وقد اعتاد اليونانيون أن يقيموا للآلهة حفلين: حفل في الشتاء بعد جني العنب وعصر الخمور فتكثر لذلك الأفراح وتعقد حفلات الرقص وتنشد الأغاني ومن هنا نشأت الكوميديات. وفي فصل الربيع إذ تكون الكروم قد جفت وعبست الطبيعة وتجهمت بأحزانها مما أفرز فن التراجيديا.

وشهدت الكوميديا تطورا كبيرا منذ منتصف القرن الخامس قبل الميلاد. ومن أهم الكوميديين نجد أريستوفانوس في مسرحيته الرائعة (الضفادع). وانتشرت الثقافة الهيلينية في أصقاع العالم بفضل غزوات الإسكندر الأكبر، وذاع صيت المسرح اليوناني بكل أنواعه وقضاياه وأبنيته الفنية.

وإذا تأملنا معمارية المسرح اليوناني وجدنا العروض المسرحية تقدم في الهواء الطلق في فضاء مسرحي دائري محاط بمقاعد متدرجة من الأسفل إلى الأعلى على سفح الهضبة في شكل نصف دائرة (المدرج)، ويحضره ما بين 15000و20000 من المشاهدين الذين كانوا يدخلون المسرح مجانا؛ لأن المسرح من أهم المقاطعات العمومية التي كانت تشرف عليها الدولة- المدينة ووسيلة للتثقيف والتهذيب الديني والتطهير الأخلاقي.

فنستطيع القول هنا إن المسرح كان من أهم الوسائل لبث كثير من الاغراض الجديدة وتثقيف المجتمع على الحالات السلبية ونرى أيضا رغبة الشعب في الحفاظ على المسرح واستمراره واهتمام الدولة في شؤون المسارح والاهتمام بها ؛ لأنه يعد وسيلة لتثقيف الشعب ونشر الثقافة الهادفة للمجتمع.

أبرز الأسماء الذين قاموا بالبذرات الاولى لإنشاء المسرح:

 وقد كان أعظم الكتاب المسرحيين في تاريخ المسرح، هم أولئك الكتاب الذين شبوا في كنف المسرح، وتربوا في أحضانه، ونهلوا من موارده مباشرة. كان أولئك يكتبون وفي بالهم ظروف مسارحهم وإمكاناتها وفي حسبانهم كل صغيرة وكبيرة، مما يمكن تنفيذه لما يدور في أذهانهم، وتخطه أقلامهم.

ونجد أن واحدا من أعظم كتاب المسرح في التاريخ وهو الشاعر المسرحي شكسبير الذي درس أدب الإغريق وخاصة الثلاثة العظام منهم وهم: (اسخيلوس، سفوكليز، يوربي). واستخرج كثير من القواعد في هذا الفن.

أيضا جاء أريستوفانوس الذي يعد اشهر كتاب الملهاة الإغريق وقد عاش مابين448-380ق-مإذ كتب ما يزيد على أربعين مسرحية لم يصل إلينا منها ؛ إلا احدى عشرة مسرحية كانت من أشهرها مسرحية : (السحب و الضفادع) .

وحديثا جاء بريخت:1898-1956م وهو كاتب وشاعر ومخرج مسرحي ألماني اشتهر بما يسمى "المسرح الملحمي" إذ يواجه الإنسان برؤية نقدية، ومسرحياته توجه للعمل، وأهم مسرحياته:"اوبرا البنسات الثلاثه""حياة جاليلو""دائرة الطباشير" أما مسرحيته السيدة الطيبة فأرى أنها امتداد للمسرحية الأولى.

ثم جاء أيضا تشيخوف1860-1904مالقصاص والمسرحي الروسي إذ اشتهر بكتابة المأساة الطويلة، وربما البعض تسأل ما الفرق بين المأساة، والملهاة وباختصار فنهاية الرواية إذا كانت مفرحة سميت ملهاة واذا كانت حزينة اطلق عليها مأساة .

ابرز التطورات في المسرح العالمي :

شهد المسرح الحديث في العقود الأخيرة تطورا كبيرا في مجال التكنولوجيا، وقد شمل هذا التطور ميادين معمار المسرح والسينيوغرافيا (الفضاء والمناظر والمسرحية) والضوء والصوت والأزياء. Nbsp

ومما لاشك فيه إن هذا التطور أدى بشكل مباشر إلى خلق آفاق جديدة أمام المخرجين والمؤلفين والممثلين باكتشاف سبل وأدوات وإمكانيات جديدة في التجسيد الإبداعي والخلق الفني، ناهيك عن تحسين ظروف التلقي، إذ أصبح بإمكان المتلقي أن يشاهد العرض في ظروف إنسانية أفضل في ظل إمكانيات وتجهيزات حديثه على كل الأصعدة : (الصوت، والصورة، والمسافة، والراحة)، مما يتناسب معروح العصر. فنستطيع القول ان كثيرا من التطورات أحدثت المسرح العالمي ولكنه لم تثر على مضمونه، ولا على جوهر العمل الفني وإنما أسهمت بالارتقاء في العمل الفني وظهور أعمال أكثر واقعية ودقة و ديمومة من أجل تطوير العمل المسرحي اذ تقع على عاتق الشعوب فهم من يعملون على تطوره وعطاء روحية جديدة .

ختاما نستطيع القول إن المسرح ظهر في العصور القديمة مرتبطا بالطقوس الدينية التي تقدم إلى الآلهة، وهو شبيه بما نجده اليوم في الطقوس الدينية المسيحية . كانت تلك هي البذرة التي انبثق عنها المسرح الأول . وبعد ذلك ظهرت الفرق الإنشادية في المسرح، وكان المسرح يعتمد على كثير من الفنون المتداخلة فيه.

 

غزوان العيسى

 

المقدمة: تعرف الوحشية بعدها مدرسة من مدارس الفن التشكيلي، على أنها اتجاه فني يقوم على التقاليد التي سبقته مع مطلع القرن العشرين، إذ اهتم مرتادوها بالضوء المتجانس والبناء المسطح فكانت سطوح ألوانهم تتألف من دون استعمال الظل والنور، أي من دون استعمال القيم اللونية، فقد اعتمدوا على الشدة اللونية بطبقة واحدة فقط.

مما جعل من خصائصها كمدرسة أو مذهب فني ، يكمن في " عنف التباينات، والثورة اللونية، وانفجار الألوان، وأسبقية اللون على الرسم وسرعة الإنجاز" وهذا التحول بمثابة قطيعة عما كان يشغل فيه الضوء والظل من أساسيات الرسم التي يبدأ من خلالها الشخص الولوج إلى فن الرسم، ؛ لكن فنانِين مشهورين في أوروبا خالفوا هذه القاعدة في مطلع القرن الماضي، مستعملين أسلوباً يعتمد على اللون بشكل أساسي، وهو ما جعل الرسوم تظهر كأنها تعبر عن الخوف والرعب.

والوحشية مدرسة في فن التصوير ظهرت في أوائل القرن العشرين في مدينة باريس، وتمثل المرحلة الفرنسية للمدرسة التعبيريةExpressionnisme التي ظهرت نتيجة الثورات الفنية المتلاحقة التي بشر بها منذ حقب سابقة كل من الفنانين جويا Goyaودولاكروا Delacroix وتورنر Turner، وتفجرت رسمياً في المدرسة الانطباعية Impressionnisme بريادة الفنان مونيه Monet ورفاقه، ووصلت قمتها بأعمال الفنانين الكبار الثلاثة فان غوغ van Gogh، وجوجان Gauguin، وسيزان Cézanne، وكانت المدرسة الوحشية قمة هذه التطورات و الانتقالات الفنية في أكثر من مجال .

اذ بدأ مؤسسوها في نحو عام 1904م بالرسم وكان لها ثلاثة مَعارض، وكان قادة الحركة كل من أندريه ديرين وهنري ماتيس. في عام 1906م ، فلما شاهدها الناقد لويس فوكسيل، وشاهد تمثالاً للنحات دوناتللو قال لدوناتللو إنه وحش من الوحوش. تلك التسمية التي أطلقها فوكسيل على التمثال تحولت لاحقاً إلى اسم لهذه المجموعة، وأصبح أسلوبهم الجديد له تسمية هي "الوحشية". فنقول هنا إنه أبرز التغيرات التي أحدثها رواد أو أعلام هذه المدرسة هي عدم استعمال الظل والضوء أو بمعنى أدق الابتعاد عنه والميول نحو المصطلحات اللونية والألوان البارزة والمثيرة ، وهذا ما يخص التغيرات .

إما التسمية الوحشية فقد جاءت من استعمال اللون بكيفية معينة وجعله المركز في التأثير في الرسومات ، فضلا عما جاء من تسميتها من قبل احد كبار الناقدين الفنيين باسم " الوحش " على أحد الأعمال النحتية فقاموا باشتقاق هذا الاسم من كلمة الوحش وأيضا هذا يعكس قوة تأثير اللوحة أو النحت .

أبرز أسماء المدرسة الوحشية ، الرسام الفرنسي هنري ماتيس (1869-1954م )، إذ يعد زعيما " للوحشية ويعد أيضاً من كبار أساتذة المدرسة الوحشية، ومن أبرز الفنانين التشكيليين في القرن العشرين.

وأيضا الرسام والمصور الفرنسي جورج رووه (1871ـ1958م )، كان في بداية عهده وحشيا في الأسلوب، ثم اقترب بعد ذلك من التعبيرية.

وقد جاء بعده الفنان الفرنسي راؤول دوفي الذي ارتبط اسمه بهذا الأسلوب ، الذي يشار إليه بصفته أحد أساتذة المدرسة الوحشية، بالمنسوجات وارتبطت شهرة دوفي بأبرز أعماله الفنية، وهو التصوير الجداري العملاق المنجَز بالألوان الزيتية، والذي كلَّفته إياه شركة كهرباء فرنسا، لعرضه في سرادق الكهرباء في المعرض العالمي ألذي أقيم في عام 1937م .

ومن الفنانين الذين تسلسلوا من ضمن هذه المدرسة الفنان الفرنسي موريس فلامنك (1876 -1958م )، أحد رواد الوحشية، وهو من الفنانين المنسيِّين؛ إذ لم يقدَّم له سوى معرضين: الأول برواق شاربنتييه في باريس عام 1956م ، أي قبل سنتين من وفاته، والثاني في متحف الفنون الجميلة في مدينة شارتر عام 1987م . فنقول هنا انه من ابرز الفنانين العالميين ، لقد كان الرواد المؤسسون لهذه المدرسة التي تميزت عن باقي المدارس بأسلوبها الفريد وقوة الوحات والبساطة في الأعمال الفنية والابتعاد عن الدقة ؛ لأنهم يرون إن الدقة تظل العمل الفني وتسبب له الضعف .وقد نالت هذه المدرسة شهرة عالمية واسعة في الوسط الفني

من خلال هذه الخاتمة نستطيع القول هنا ان المدرسة الوحشية حصلت على تسميتها من أسلوبها المتميز والمخيف إلى حد ما وهي أيضا من المدارس التي حصلت بها كثير من التطورات والانفتاحات على افاق جديده في الفن وايضا فهنالك كثير من المعارض الفنية في أبرز المتاحف العالمية التي تخص المدرسة الوحشية فمثلا على هذه متحف الفن الحديث في سان فرانسيسكو ومتحف الفنون الجميلة في فرنسا؛ وبعض الأعمال لعلم من أعلام هذه المدرسة وهو الفنان هنري ماتيس رائداً وعلماً من أعلام هذه المدرسة.

 

غزوان العيسى

 

احمد الكنانيمما طاله النقد في أسطورة الأدب الرفيع للوردي المديح من الشعر والتفاخر بالقبيلة والأنساب؛ ذلك لان هذا النوع من الشعر فيه ما فيه من شحذ الهمم والتذكير بالأمجاد وبالتالي الدعوة للتناحر والاقتتال وهو عكس المرجو من الشعر من الدعوة للسلام والوئام .

 ويتعدى ذلك هذا اللون من الشعر الى مديح الشعب هذه الأيام والتمجيد بالأوطان فهو تفاخر ودعوة للتناحر أيضا...

الوردي ينظر الى الشعر كقطعة فنية وظاهرة اجتماعية، وله الحق في ان يدلو بدلوه وينتقد ما شاء له من النقد للشعر كظواهر اجتماعية اتسمت بها البيئة الشعرية العربية وأدت الى كوارث بشرية من صراعات وحروب نتيجة لذلك ..

الشعراء مجموعة من الشحاذين المنافقين بنظر الوردي .

 وبناءً عليه فالشعر فتنة عرقية وعصبية بغيضة ودعوة للاقتتال . .

وللإنصاف ان شعراء المديح بل حتى الشعر المغنى الممنتج من مطربي المديح هذه الأيام حولوا الشعر الى بضاعة مسجاة تباع وتشترى من دون الالتفات الى شخص الممدوح بعدل او ظلم هو كالزبون يدفع إزاء بضاعة ولا ينظر الى شخص الزبون بل الى أمواله

الشعراء الكبار يترفعون عن الخوض في المديح والهجاء لانها وضاعة لا تناسب الافذاذ .

هذا اللون من الشعر هو احد فنون الشعر وله مبدعيه ونجومه الامعة التي أغنت الشعر وجعلته اكثر ثراءاً و من الناحية الفنية طَرَزَ الأدب العربي بأروع ما يكون من لآلئ البيان وأصفى من رحيق شقائق النعمان، خصوصا في فترته الأموية، وصراع الهجاء الذي وصل الى أوج عظمته على يد جرير والفرزدق ..

نقرأ ونستمتع بالصور البلاغية النادرة من شعر جرير وهو يهجو بني نمير، سحر من الشعر لاحق هذه القبيلة كاللعنة الدائمة:

أَتَلتَمِسُ السِبابَ بَنو نُمَيرٍ 

         فَقَد وَأَبيهِمُ لاقوا سِباب

أَنا البازي المُدِلُّ عَلى نُمَير

    أُتِحتُ مِنَ السَماءِ لَها اِنصِبابا

إِذا عَلِقَت مَخالِبُهُ بِقَرنٍ    

    أَصابَ القَلبَ أَو هَتَكَ الحِجابا

تَرى الطَيرَ العِتاقَ تَظَلُّ مِنهُ  

       جَوانِحَ لِلكَلاكِلِ أَن تُصابا

فَلا صَلّى الإِلَهُ عَلى نُمَيرٍ        

      وَلا سُقِيَت قُبورُهُمُ السَحابا

ونقرأ التفاخر بأعلى صوره هي هذا البيت:

إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً

             دعائــــــــمهُ أعزُ وأطولُ

الالتفات الى الوجوه البلاغية الساحرة في هذا البيت من الايماء الى وجه بناء الخبر، والتعريض لتعظيم الشأن، وما الى ذلك من الوجوه، تعني الكثير لرواد الأدب والبلاغة، وهذا هو مبتغاهم من دون النظر الى سوءات هذا النمط من الشعر من النواحي الأخرى غير البلاغية .

الوجوه البلاغية في هذا البيت تحاكي في بيانها وفصاحتها الآية القرآنية: "ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" كما أشار اليه السعد التفتازاني، بل أسهب في توضيحه في شرح المطول .

وأريد هنا ان اكمل ماتوصل اليه الوردي في بيان شعر المديح لكن بنسخته الفارسية، وهي لا تقل خطورة عن اختها العربية ...

وبالالتفات الى الشعر الفارسي وهم ابطال الميدان في التفاخر بعرقهم وبطوالاتهم مثلهم مثل الاخوة الأعداء من الأدباء العرب... يظهر في المقدمة الفردوسي والشاهنامة التي كتبها او في الأصح أكملها نزولاً عند رغبة الشاه الساماني، وهي ملحمة تفاخر بالعرق الفارسي وأفضليته على بقية الاجناس والأعراق حيث أرخ فيها الفردوسي الرموز الفارسية وأشاد ببطولاتهم بطريقة أسطورية في الفترة الساسانية الى فترة السقوط المدوّي لإمبراطوريتم العتيدة على يد العرب المسلمين

 نظم الفردوسي الشاهنامة بما يقرب الستين الف بيت من الشعر تفوح من بين جنبي بعض تلك الابيات رائحة نتنه تزكم النفوس

اسمع لهذه الابيات:

عرب ﺭﺍ ﺑﻪ ﺟﺎﯾﯽ ﺭﺳﯿﺪﻩ ﺍﺳﺖ ﮐﺎر

ﮐﻪ ﺗﺎﺝ ﮐﯿﺎﻧﯽ ﮐﻨﺪ ﺁﺭﺯﻭ

ﺗﻔﻮ ﺑﺮﺗﻮ ﺍﯼ ﭼﺮﺥ ﮔﺮﺩﻭﻥ ﺗﻔﻮ

ﺩﺭﯾﻎ ﺍﺳﺖ ﺍﯾﺮﺍﻥ ﮐﻪ ﻭﯾﺮﺍﻥ ﺷﻮﺩ

ﮐﻨﺎﻡ ﭘﻠﻨﮕﺎﻥ ﻭ ﺷﯿﺮﺍﻥ ﺷﻮﺩ

فهو يبصق على الزمن الذي ساد فيه العرب على الفرس " تفو برتو چرخ گردون تفو "

تلك القصيدة تبتدء بسموم عنصرية عرقية مقيته من شاعر يتوسط تمثاله طهران، ويعتبر محلاً للفخر والاعتزار من قبل دعاة القومية الفارسية وغيرهم ممن يتستر وراء قوميته بلباس ديني مذهبي:

ﻋﺮﺏ ﻫﺮ ﭼﻪ ﺑﺎﺷﺪ ﻣﺮﺍ ﺩﺷﻤﻦ ﺍﺳﺖ

ﮐﺞ ﺍﻧﺪﯾﺶ ﻭ ﺑﺪ ﺧﻮﯼ ﻭ ﺍﻫﺮﯾﻤﻦ ﺍﺳﺖ

ﭼﻮ ﺑﺨﺖ ﻋﺮﺏ ﺑﺮ ﻋﺠﻢ ﭼﯿﺮﻩ ﮔﺸﺖ

هو يعتبر العرب أعداء أينما حلّوا واينما ذهبوا، أعداء في كل الأحوال " عرب دشمن است "

في الضفة الآخرى نجد ذوي الهمم العالية من الشعراء تختلف نظرتهم الى شعر المديح والتفاخر

جلال الدين الرومي يفرق بين مديح السلاطين الجبابره الاشقياء والعدول المتقين منهم:

مي بلرزد عرش أز مدح شقي

بدگمان گردد ز مدحت متقي

اذن عرش الرحمان يهتز اذا مدحت شقيأ

وعكسه مدح المتقي

ناصر خسرو له رأي آخر في المديح هو الأشد وطأة وأعظم قيلا:

من آنم که در پای خوکان نریزم

مر این گوهری دُرّ لفظ دری را

هو يصور شعر المديح بنثر الجواهر تحت اقدام الخنازير فيترفّع عن ممارسة هذا اللون من الشعر، فيقول:

أنا لا انثر الجواهر و الدرر تحت ارجل الخنازير

وبالفعل لم يعرف عن هذا الشاعر الكبير قولا مادحا لمن يعتبرهم خنازير بعيدين عن الطهر والفضيلة وهو وجه الشبه بينهم وبينه.

 

احمد الكناني

 

احمد ختاويرغيف الله ومسغبة الحرف والايمان

لعل هذه الصورة التي جمعتنا بفندق الحراكته المتواضع بعين البيضاء، ولاية أم البواقي /، ذات ملتقى مغاربي للقصة القصيرة جدا رفقة الاديبين، الناقد محمد محق، والاديبة، الشاعرة والقاصة مليكة الماوردي من المغرب الشقيق، رفقة المرحوم، الورع طبعا، الاديب ميلس بوحفض، حول عشاء بسيط بساطة هذا المجمع، أقتسمنا خلاله رغيف البساطة والمحبة والإخاء وناقدنا الكبير محمد محقق يقضم بهذا التواضع " كسرة الله " كانت هذه الكسرة، وهذا الرغيف عنوان ومركزية التواصل في تلك الاثناء، وصديقنا المرحوم، الاديب ميلس بوحفض، يمطرنا " رغيفا من المحبة و التواضع، يقضم معنا ما كتب الله من " قوت " في أجواء أخوية .

لم يقضم المرحوم رحمة الله خزائن الناس، ولا صناديق " النيمية ولا الغيبة، كان يقضم معنا " رغيف الله " وها هو اليوم يرحل عنا، مشفوعا يهذا " الرغيف الرباني " وقد اصطفاه الله أن يكون بجواره في ليلة يوم أغر، ومن أعز أيام الله " الوقوف بعرفات " .

بجاه " هذا " الرغيف الرباني " نرفع أكف الضراعة الى الذي اصطفاه إلى جواره، الرؤوف، الرحيم، أن يعوضه هذا " العشاء المتواضع بما تشتهيه نفسه والأنفس بجنة الخلد، يا أكرم الاكرمين .

أكرمنا الله نحن الثلاثة وغيرنا بهذا الشهم الذي كان " صاحبنا " على منوال الاخيار، والصحبة مع الاخيار، هذه إلا جزء من " صحبة " إن شاء الله في جنة الخلد، أجمين لنا ولكم،

فلندعو له بواسع الرحمة والغفران، و اللهم " ارزقنا من بساطة " الرغيف والصحبة في الدنيا والاخرة، وأحسن وفادته ووفادتنا، لنتقاسم هذه " الصحبة الميمونة " المتواضعة مع أعز أنسان رحل عنا ومآقينا لم تجف من دمعها بعد، وإن كان قضاء الله وقدره، لكن للمشاعر دمع وتأثر آخر .

رحمة الله عليه، ولي أوبة إلى خصال وفضائل هذا الشهم الابي : الاديب المرحوم ميسلس بوحفص في ورقة لاحقة بإذن الله.

 

كتب : أحمد ختاوي

 

 

بكر السباتينما يميز نجيب محفوظ أنه ابن البيئة المصرية التي عبر عنها من خلال مشروعه الروائي الضخم متنقلاً في تعاطيه للمجتمع المصري ما بين الرواية الرمزية والواقعية والاجتماعية والتاريخية، ساعده في ذلك قدرة مجسّاته الفنية على سبر أغوار المجتمع وتشريحه ومن ثم إعادة تجميعه وفق رؤية فلسفية محفوظية يمكن إسقاطها على المشهد المصري في كل زمان ومكان فتتبدى لنا الحارة بكل عناصرها كأنها لا تتجدد إلا في حاضنتها التاريخية المتراكمة زمانياً بينما تحافظ البيئة على شكلها ونبضها وظروفها المتردية حيث السلطة التي تحاصر الروح المصرية وتمنعها من التحليق، فينشغل الناس ببعضهم، وتجأر أصواتهم عالياً بملء ما في أعماقهم من أسقام، وهم يكابدون مشقة الحياة في الدكاكين والمقاهي والجمعيات التموينية والمقاهي والخمارات والمواخير والدوائر الحكومية ومحطات الباصات ومراكز الشرطة.. ينفسون عن الكبت الرابض في أعماقهم من خلال الضجيج الذي عبر عنه محفوظ بواقعية صادمة حتى لا يجني القهر رؤوسهم المسلوبة الحجا، التي تونع كلما يغشاها الوعي فيحين قطافها وتنهزم أمام الأضاليل.. فضلاً عن تكرار المشهد السياسي المصري ومخرجاته من فقر وتشرذم وقهر وثورات تقمع وحكم عسكري يستحوذ على الإنسان المصري وإعلام هجين.. وتعتبر رواية "بداية ونهاية " لنجيب محفوظ من أهم أعماله الواقعية.

لقد تجلت واقعية أدب نجيب محفوظ بأدق سماتها في رواية" بداية ونهاية".. فالراوي العالم كان يتمتع بأسلوبه السردي الذي تعامل مع الجملة الخبرية متضمنة في سياقها تيار الشعور المتدفق، في رصد التوترات النفسية، والحوارات الجوّانية، مع تقديم الوصف الوافي للأمكنة، في إطار زمن تراكمي حُجِّمَتْ في سياقه الذاكرة البعيدة المتشرذمة.

أما الوصف فقد كان سمة بارزة في أسلوب كتابة هذه الرواية، سواء كان وصفاً بيئياً للشخوص والأمكنة، أو تحليلياً للأعماق البشرية في سياق مواجهة الشخوص للأزمات الداخلية والخارجية.

والبوح الذاتي مفتوحاً على المتلقي ضمن الجمل الخبرية في السرد، بينما كان منغلقاً في كثير من الأحيان بداخل الشخوص؛ ما جعل الأزمات أثناء حل العقدة التي جاءت في ذروة الحدث، تعتمل داخل الشخوص، فتتحول إلى دوافع باتجاه الموت انتحاراً. وكأن الكاتب يتنبأ للمجتمع بذات النهاية؛ إزاء الظروف التي كانت تعانيها الطبقة المتوسطة في مصر آنذاك، والتي هبطت بها الظروف إلى الطبقة الفقيرة الكادحة. وكأنه إعلان يحرض على رفض هذه النهاية بالمواجهة الفاعلة والتغيير.

لقد عالجت الرواية الفترة الزمنية ما بين عام 1935 م حتى 1939 م من تاريخ مصر. وحاول نجيب محفوظ أن يصور حياة الطبقات الثلاث في القاهرة وصراعاتها عن طريق رسم حياة أسرة فقيرة في هذه الرواية. فالكاتب يصور تطلعات کلٍّ من الطبقة الشعبية والمتوسطة والأرستقراطية من خلال صراع ملحمي في مجتمع تشاركي يقوم على البقاء للأقوى وقد تفشت في الطبقة التي تنتمي إليها هذه الأسرة عدة ظواهر موضوعية مثل: الفقر، الظلم، الدعارة، الأمية، العمل الشاق، ورفض الواقع المتأزم أو قبوله كأمر محتوم. وهذا التصوير في الواقع يعبر عن نقد الكاتب للمجتمع المصري آنذاك.

* ملخص رواية “نهاية وبداية”

الخط الدرامي في الرواية يقوم على صراع أسرة "کامل علي" مع الفقر بعد موت عائلها مخلفاً وراءه زوجته وابنته الشابة(نفيسة) وولدين في سن الدراسة (حسين وحسنين) وولد ثالث (حسن)عاطل عن العمل بعد فشله في التعليم. وترك للأسرة معاشاً محدوداً لا يتجاوز خمسة جنيهات مصرية في الشهر.

وتدور أحداث الرواية حول کفاح الأم وأبنائها في سبيل الحياة في وقت لا تتعدى فيه ميزانية الأسرة کلها شهرياً مبلغ الجنيهات الخمسة هذه. وفي غيبة التأمينات الاجتماعية وبسبب انتشار الفساد والاستغلال تتعقد الأمور أمام هذه الأسرة ويعاني أفرادها الکثير تحت وطأة الحرمان وأوضاع المجتمع القاسية.

وينتهي حسن الابن الأكبر إلى الحياة في حي الرذيلة تاجر للمخدرات والنساء، أما حسين الأوسط فيقبل العمل بشهادته المتوسطة، حتى يتيح الفرصة لأخيه حسنين ليكمل دراسته ويلتحق بالكلية الحربية. أما الابنة نفيسة فاقدة الجمال فيطردها سليمان البقال من حياته بعد أن زلت معه ثم تستمرئ السير في طريق الرذيلة دون أن يعرف أحد، وتساعد أخاها حسنين وأمها بالمبالغ القليلة التي تحصل عليها.

يتخرج حسنين ضابطا. فيتنكر لأسرته وخطيبته ووسطه الاجتماعي ويتطلع إلى الارتباط بالطبقة الثرية، عن طريق الزواج منها.

يعود حسن جريحا مطاردا من البوليس إلى أسرته، ويستدعى حسنين في نفس الوقت إلى قسم البوليس ليجد أخته متهمة بالدعارة. يدفع حسنين أخته للانتحار غرقا تخلصا من الفضيحة، ويتذكر حياته ويجد عالمه ينهار فيلقى بنفسه في النيل وراءها.

لقد حلل نجيب محفوظ المجتمع المصري بموضوعية تلقائية غير زائفة أو متكلفة.. من خلال صراع الطبقة المتوسطة مع الطبقات الأخرى.. راصداً بمجساته الفنية الصراع من خلال مقاومة أسرة (كامل علي) السقوط في طبقة الفقراء.. والتطلع نحو الطبقة الغنية.. موضحاً تداعيات الأزمة المتفاقمة التي تعتمل في كل شخصية حسب طبيعتها لرصد ردود الأفعال المتشابكة في سياق الحدث الرئيس، خلال زمن تراكمي؛ كي تصل التوترات التي ألمت بالشخصيات إلى ذروة الحدث بما فيه من تشنجات رافقت بعض الشخصيات المتقاطعة والمتنافرة، وصولاً إلى فاجعة النهاية وطرح الأسئلة الكبرى عن مصير الطبقة المعنية برمتها.

وكدأبه فقد حقق أدب نجيب محفوظ اندماجاً غير مسبوق في نسيج وطنه الاجتماعي والثقافي، وأصبح الإنسان المصري يدرك تاريخه في القرن العشرين من خلال عدسة نجيب محفوظ الثاقبة المنقبة، الجريئة المحايدة، بعيداً عن مدوني التاريخ الرسمي ومؤرخي الملوك، وباتت شخصياته الخالدة نماذج يحتذى بها أو يتعين تجنب سلوكها، ورصدت أعماله التي غطت مساحة عريضة من الوجدان العام محنة الإنسان وعظمته في كل مكان ما استحق جائزة نوبل عن مجمل أعماله الروائية.

وختاماً فإن رواية "بداية ونهاية" تعد تحفة فنية من روائع الأدب العالمي و هى تنذر العقلاء بأن الثورة الجامحة آتيه لا ريب لو لم تتحسن أوضاع المجتمع، وربما كانت نبوءة محفوظية بانهيار النظام الملكي بمصر وقيام ثورة 23 يوليو لأنه كان من المستحيل أن يستمر مجتمعا بهذه الآفات الاجتماعية الخطيرة و السوس ينخر في عظامه بكل هذه الشراسة

وهي أيضاً واقعية صادمة وأسئلة متشائمة تنبأ من خلالها نجيب محفوظ بالربيع العربي حينما خرجت الإجابات من معاقلها لتنفجر في وجه الطغيان.. فنجيب محفوظ روائي لكل الأجيال ورواياته لا تشيخ في وجه الزمن الذي مهما ابتعد بالحياة المصرية فلن يخرج من إطار التوقعات المحفوظية لكاتب يُعد ابن بيئته المصرية بكل أبعادها.

10 أغسطس 2019

***

بقلم بكر السباتين..

 

 

مادونا عسكرعقد الخلائقُ في الإله عقائدا *** وأنا اعتقدتُ جميع ما اعتقدوه

(محيي الدّين ابن عربي)

في هذا القول لابن عربي يتجلّى جوهر العلاقة مع الله وترتسم ملامح الإنسانيّة الرّفيعة الّتي بلغت رتبة الإيمان الكامل. فالإيمان تدرّج اختباريّ وانتقال من الفكر الدّينيّ إلى الفكر الإيمانيّ. أي من الفكر المنغلق في دين محدّد إلى الفكر الّذي يحاكي العلاقة مع الله أو بمعنى أصح لا يعد الإنسان يرى إلّا الله، الله فقط. وتتّسع هذه الرّؤية كلّما ضاق الفكر التديّنيّ، لأنّ هذه الحالة هي حالة ارتقاء فوق الحرف، والنّصّ، والتّصوّر. إنّها المرحلة الّتي يكتمل فيها الوعي الإيمانيّ فيعي جوهر الدّين وقوّة الإيمان. فيرى الجمال الإلهيّ في كلّ ذرّة من هذا الكون ويراه فيه بالدّرجة الأولى. والانتقال من الفكر التّديّنيّ إلى الفكر الإيمانيّ لا يعني بالضّرورة التّخلّي عن الدّين أو الخروج عنه، وإنّما هو تخطٍّ للنّمط الدّينيّ وميكانيسم التّفكير الدّينيّ الّذي يرى الإنسان في إطار ضيّق ومحدود ولا يتطلّع إلى البعد الإلهيّ في الإنسان. إنّها الحالة المتجرّدة المتماهية مع النّفخة الإلهيّة في الإنسان، وارتقاء فوق مادّيّة الدّين وعنصريّة الفكر الدّينيّ وتشدّده في ادّعاء امتلاك الحقيقة.

كما أنّ هذه المرحلة الإيمانيّة الّتي بلغت ما بلغته من الوعيّ والإدراك وانفتاح على النّور الإلهيّ والمحبّة الإلهيّة تتخطّى مفهوم التّسامح أو ادّعائه بين المتديّنين. فالقول بالتّسامح بين الأديان فيه شيء من التّعالي، وربّما التّكبر وكأنّي بالمتديّن يحسن إلى المختلف معه عقائديّاً أو يمنّ عليه بالتّسامح. الوعي الإيمانيّ والوعي والإحساس اليقين بالحضور الإلهيّ وغمر الحبّ المتدفّق في الأعماق الإنسانيّة وفي الكون وفي الوجود يحيي في الإنسان إنسانيّته المتفاعلة مع الخليقة كلّها.

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي

                     إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَ صُورةٍ

                       فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ

                    وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن

أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توههتْ

                    ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني

(محيي الدين بن عربي، ترجمان الأشواق)

تتّضح لقارئ هذه الأبيات عمق الفكر الإيمانيّ، كما يتبيّن الانتقال من الفكر المنغمس بقشور الدّين إلى الفكر الإيمانيّ المنغمس بالعشق. ولئن انغمس بالعشق اتّسعت دائرة الإيمان وتفتّح العمق الإنسانيّ المشار إليه بالقلب (لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ). فالقبول القلبيّ دلالة على انصهار القلب الإنسانيّ بالقلب الإلهيّ ودلالة على عقل تمنطق بالفكر الإلهيّ. ويمسي الحبّ هو الدّين والإيمان، ما يعني التئام الدّين بالإيمان. وذاك هو الجوهر الحقيقيّ للدّين. هذه الحالة الإيمانيّة السّامية تجرّد الإنسان من الشّعور بالحبّ أو الكره، من قرار القبول أو الرّفض للآخر. إنّها حالة الحبّ وحسب؛ وكأنّي بالعمق الإنسانيّ يصبح شبيهاً بمياه البحار، لا ثغرات فيها بل نسيج واحد. ولا تناقضات عاطفيّة بل إرادة عشقيّة، ولا صراعات داخليّة باحثة عن الحقيقة بل تجلّ إلهيّ يتوهّج في الفكر الإنسانيّ، ولا صلوات لله الفكرة، بل مناجاة لله الشّخص. ولا حاجة بعد للبحث عن حقيقة وهي النّور المتدفّق بتجدّد لا نهائيّ والفيض الّذي لا ينقطع واليقين الّذي ينمّي الإحساس بالله. الإيمان الكامل هو لحظة الإحساس بالحضور الإلهيّ، ويقول فيه القدّيس يوحنّا في رسالته الأولى: "ونحن قد عرفنا وصدّقنا المحبّة الّتي لله فينا. الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة، يثبت في الله والله فيه." الإيمان الكامل هو الثّبات في الحبّ الإلهيّ، حيث تجتمع المعرفة باليقين (عرفنا وصدّقنا) فيتجاوز الإنسان التّسميات والدّلالات اللّفظيّة والمعاني الظّاهريّة واللّغة الجامدة. فالمحبوب هو في الحقيقة الحبّ عينه بغضّ النّظر عن كلّ التّسميات لهذا الكائن الأعلى المتسامي الّذي ستهيم به الأنظار يوماً عندما تسقط جميع الأديان، فينجذب النّظر إليه وحده، الـ "هو الّذي هو".

"ألا فتّشوا مذاهبكم بإخلاص، فتِّشوها بلهفة العاشق، فتّشوها بطهارة الطّفل، وحرقة التّائه، وإيمان المحتضر، تجدوا فيها السّلامَ الّذي إليه تطمحون، والطّمأنينةَ الّتي بها تحلمون، والحريةَ الّتي باسمها تترنَّمون. (ميخائيل نعيمة)

مادونا عسكر