ضياء نافعنعم، جلست فعلا جنب ناتاليا غانجيروفا، زوجة بوشكين، على مصطبة واحدة، وكانت في أحلى واجمل حلّتها، وهي تنظر الى الارض وتصغي بتأمل وهدوء لقصيدة يلقيها عليها زوجها الشاعر الروسي بوشكين، الذي يقف امامها . جلست أنا جنبها بهدوء ايضا كي لا أزعجها وهي تستمع الى زوجها  الذي كان يرفع يده اليسرى عاليا  و هو يقرأ احدى قصائده لها خصيصا، جلست بهدوء وبدأت أنظر الى بوشكين وأصغي اليه، ولم التفت الى ناتاليا، كي لا يدعوني زوجها بوشكين للمبارزة، مثلما دعى دانتيس، فأنا لا أقدر (ولا اريد) أن ابارز بوشكين وأقتله مثلما فعل دانتيس، ولا أقدر (ولا اريد) ان ابارزه وادعه يقتلني، وهكذا بقيت جالسا على المصطبة في موقعي ومحافظا على الهدوء دون أن أنظر اليها، كي لا أثير ردود فعل زوجها المشهور بالغيرة...

لم يحدث كل ذلك في المنام، كما قد يظن بعض القراء، وانما حدث في مدينة بودغوريتسا، عاصمة جمهورية الجبل الاسود، او (مونتينيغرو) كما يسمّيها الاوربيون، وهي احدى الجمهوريات الصغيرة (سكانها 620 الف نسمة لا غيرحسب آخر احصاء للسكان لديهم) التي انبثقت في البلقان بعد انهيار دولة يوغسلافيا الاتحادية  كما هو معروف، وقد تم اعلان جمهورية الجبل الاسود في العام 2006 ليس الا، والتي تعدّ في الوقت الحاضر أقرب الجمهوريات روحيّا (مع صربيا) الى روسيا الاتحادية ثقافيا وعقائديا (اذ ان اكثرية سكانها هم من الارثذوكس)، بل انها حتى كانت – في مرحلة من مراحل تاريخها البعيد – جزءا من الامبراطورية الروسية قبل تأسيس الاتحاد السوفيتي بفترة طويلة جدا، وهناك وقائع و وشائج تاريخية كثيرة مشتركة بين روسيا والجبل الاسود، لا يمكن الحديث عنها هنا بتفصيل.

وفي تلك الجمهورية، وفي عاصمتها، شاهدت نصبا طريفا جدا لبوشكين من البرونز، وهو يقف ويرفع يده اليسرى و يقرأ شعرا لزوجته الجالسة امامه على مصطبة، ويأتي المشاهدون ويجلسون جنبها، ويلتقطون الصور التذكارية معها ومع بوشكين، الذي لا ينظر اليهم، ويستمر بالقاء القصيدة لها . وهكذا جلست أنا ايضا جنبها على تلك المصطبة، وحاولت الاستماع معها الى قصيدة بوشكين...    

النصب الجميل هذا قدمته حكومة موسكو المحلية هدية الى عاصمة الجبل الاسود – بودغورستا عندما وقّعت المدينتان اتفاقا بينهما، وتم تدشين هذا النصب المدهش والرائع  العام 2002، واصبح يمثّل معلما سياحيا وثقافيا متميّزا من معالم تلك المدينة، ويقع في مركزها، وقد تم نصبه بمستوى الشارع تقريبا، بحيث يقدر المشاهد ان يختلط مع بوشكين وزوجته ببساطة، بعد ان يصعد درجتين عن الشارع ليس الا، والنصب يقف على منصة دائرية، ويتكون من تمثال كامل لبوشكين وهو يقف امام مصطبة، حيث تجلس زوجته ناتاليا غانجيروفا، وفوقها يوجد قنديل بنكهة القرن التاسع عشر. والنصب هذا محاط باشجار باسقة وخلفية خضراء تضفي على النصب جمالا خاصا، وامام النصب توجد لوحتان حجريتان، الاولى مكتوب عليها بالروسية، ان هذا التمثال هو هدية من مدينة موسكو الى مدينة بودغوريتسا، ومكتوب على اللوحة الثانية مقطع من قصيدة بوشكين عن سكان الجبل الاسود، ويقول فيها بوشكين، ان نابليون بونابارت سأل مرة من هم هؤلاء، وهل صحيح فعلا انهم لا يخشون قواتنا وقوانا؟ وهي قصيدة تمجّد شجاعة سكان الجبل الاسود . ومن الطريف الاشارة هنا، الى ان جمهور واسع من سكان العاصمة بودغوريتسا (بما فيهم مسؤولون كبار) يجتمعون عند هذا النصب  يوم (6) حزيران من كل عام للاحتفال بيوم ميلاد بوشكين، وكذلك للاحتفال باليوم العالمي للغة الروسية، والذي اعلنته الحكومة الروسية رسميا في يوم ميلاد بوشكين بالذات، ولم يأت هذا الاعلان طبعا بشكل عفوي، اذ ان بوشكين – كما هو معروف - يعتبر واضع اسس اللغة الروسية الادبية الحديثة، ويعدّ ابداعه قمة تطور هذه اللغة والنموذج المثالي لها.

تمثال بوشكين وزوجته ناتاليا غانجيروفا في عاصمة جمهورية الجبل الاسود يعدّ واحدا من أجمل تماثيل بوشكين في العالم (انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل بوشكين في العالم)، ويؤكد مرة اخرى، ان بوشكين هو رمز روسيا الخالد وممثلها الشعبي امام بلدان العالم كافة.

 

أ. د. ضياء نافع  

 

سليم مطرـ آن اوان تمردنا على الحقبة الخليجية ـ السعودية (الوهابية الداعشية) السوداء!

ـ لتستعيد بلدان المشرق العراقي ـ السوري ـ المصري دورها الثقافي والسياسي!

ـ ليصبح من المعيب اخلاقيا وثقافيا ان يتذلل مثقفينا لشيوخ الجوائز وصانعي داعش وناشري التعصب الديني، ومشعلي حروب العراق وسوريا وليبيا واليمن والجزائر!

ـ الخليجيون يمولون اكبر الجوائز العربية بينما دورهم الثقافي لا يتجاوز الـ 1%.. !!

ـ انهم ينفقون أكثر من 3 ملايين دولار سنويا . قطر وحدها تنفق بـ1.4 مليون دولار سنوياً. بهذا الملايين البائسة يشترون ضمائر غالبية المثقفين العرب. بينما هم يمنحون الهبات مئات المليارات لأمريكا ليشتروا منا ازبال الاسلحة لتغذية حروبنا وخرابنا.

ـ ان اخطر ما في هذه الجوائز، انها مهما ادعت الثقافة والحيادية، فان نتيجتها الطبيعية والتلقائية ان المثقف الذي ينتظرها يطوع ويدجن نفسه ومواقفة وابداعاته، بصورة واعية وغير واعية، بما يتلائم ويرضي الجهات الممولة للجائزة!

منذ اكثر من عشرين عام، تمكنت عصابات شيوخ الوهابية، بالتنسيق مع شياطين الغرب، من السيطرة على العقل العربي عبر ثلاثة طرق:

1 ـ بناء الجوامع الوهابية في انحاء العالم وتمويل أئمة التعصب.

 2ـ السيطرة على الاعلام من صحافة (مثل الشرق الاوسط والحياة والقدس)، وفضائيات (مثل الجزيرة والعربية وباقي فضائيات العهر).

 3 ـ من خلال الجوائز الثقافية التي دجنت المثقفين العرب ودفعتهم للتصفيق والتهليل لشيوخ الظلام، وفي احسن الاحوال السكوت عن جرائمهم.

هذه قائمة بأكبر واغنى الجوائز الثقافية التي يحلم بها غالبية المثقفين العرب ويتذللون لشيوخها:

ـ جائز البوكر: اماراتية ـ بريطانية

ـ جازة كتارا: قطرية

ـ جائزة الشارقة للإبداع العربى: اماراتية

ـ جائزة العويس الثقافية: اماراتية. كانت تسمى نوبل العرب

ـ جائزة اليونسكو-الشارقة (لا نفهم ابدا كيف توافق منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة ان تربط نشاطها بأمارة؟؟؟!!!!)

ـ جائزة الشيخ زايد: اماراتية

ـ جائزة الملك فيصل العالمية: سعودية

ـ جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية: الجامعة الأميركية في الكويت، (لماذا الجامعة الامريكية؟؟؟!!!)

ـ جائزة البابطين/ كويتية

ـ جائز نجيب محفوظ: الطريف والعجيب، ان هذه الجائزة هي الوحيدة المهمة الغير خليجية، لانها تصدر في مصر. ولكن ولكن ولكن، ياللعجب، انها  تابعة للجامعة الامريكية في القاهرة؟؟!!!

                                      *    *    *

الى اخوتنا في الخليج والسعودية. من المهم جدا ان تعرفوا:

نحن ابدا لسنا ضدكم كشعوب، وفيكم الكثير من اصدقائنا ورفاقنا المبدعين الشرفاء والمكافحين، وآخرهم الشهيد (جمال خاشجقي).

نحن ضد شيوخ الدم والتعصب والظلام، كما نحن ضد جميع الانظمة الظالمة في منطقتنا جمعاء.

 

سليم مطر ـ جنيف

 

اسماء محمد مصطفىحين سمعت أغنية (سامحيني) لعبادي العماري، وللمرة الأولى، استوقفتني، ليس لأنها أخذتني الى عوالم جميلة من الحب وطلب السماح فقط، وإنما لأنها كانت المرة الاولى التي تناهت فيها الى سمعي أغنية عراقية تتناول موضوعة تنازل رجل عن كبريائه واعتداده ليطلب من المرأة الحبيبة السماح، وهو تنازل يمثل قمة الحب ولايقلل من قيمة الرجل كما قد يتصور بعضهم وبعضهن، بل إنه يزيد من اعتزاز المرأة به وبحبه سواء أكانت تبادله الحب وهي هنا تعتز به وتحترمه وتحبه كذلك ام لاتبادله وهي في هذه الحالة تحترم موقفه، ومثل هذا الاحترام من فنان هو قضية إنسانية تستحق مبادلتها بالمثل من الجمهور لاسيما النساء :

" سامحيني

سامحيني يانبع ريحان حبي

الغاركَ بروض المحبة

سامحيني ياملاك الرغبتني

بهالحياة المالي بيهه جنت رغبة

سامحيني ياطلبتي البلعمر

والعمر ينطي البشر بالدنيا طلبه

وآنة رايي آنة رايي

بهالحجاية البيني وبينج بسيطة وموش صعبة

يارخص حبي وغلات اجفاي عندج

يارخص عيني المسجبة

جا نسيتي افلان انه

الماصح ورك وبورد كمتي اتكاتبيني

جانسيتي افلان انه

ذاك الاجي ولو جو هلج

تحت العباية اتلبديني

جا نسيتي امرار ماجي

ومثل جية المفصلة لمن تجيني

ها ترى جدم الصخر لان وتكلم

وهم صخر لو جان كَلبج كلميني

كلميني بعد مابياش اكَلج سامحيني

واخجل النفسي وسمعتي

لني واكَف بين اديج اتوسلج وتحاسبيني "

 

وحين أطلعت على سيرة عبادي العماري (عبادي هاتو فياض المحمداوي) الذي ظهر في ستينيات القرن العشرين ليكون أبرز مطربي الأغنية الريفية لم استغرب أن يغني"سامحيني"، فهو من مدينة العمارة / المجر، المسكونة بحب الفن والجمال، لاسيما إنها قريبة من عالم الأهوار الساحرة، وللمرأة دور في الحياة الاجتماعية والعمل والكفاح الى جانب الرجل، لذا اكتسبت مكانة اجتماعية، حيث المجتمع أكثر انفتاحا وأقل تعصبا، ولم تكن مهمشة تماما كما كنت اتصور. وهذه المعلومة عن مكانة المرأة في المجر عرفتها من خلال زوجي المجراوي، فأنا بغدادية ولم أحتك بمجتمعات جنوبية قبل زواجي ـ ومع ذلك كان هناك بعض الممارسات والأعراف المرفوضة التي أخذت تتقلص مع إتساع مساحة الوعي، ومن هنا تأتي أهمية الأصوات الفنية التي نادت ومنذ عقود بالانتصار للمرأة ضد الممارسات المسيئة، وليس التغزل بها فقط، ومنها صوت المجري عبادي العماري الذي كان مطربا ذا موقف ولايغني لمجرد حب الغناء، فقد دافع عن المرأة ضد الظلم ومن ذلك تقديمها ثمناً لتسوية الفصول العشائرية وله عن هذه العادة غير الإنسانية أغنية بعنوان (فصلية) أداها عام 1973 . يقال إنّ من كتب كلماتها هو الشاعر الشعبي ناصر محسن الساري :

"جابوها دفع للدار لاديرم ولاحنه ولاصفكَه ولادف النعر بالسلف لاهلهوله لاملكَه

سالت الناس عن قصة هالبنيه شعجب جارو عليها بغير حنيه

ورديت بكَلب حزنان من كَالوي فصليه

العنت ظلم التقاليد بالف حركَه عمنهه الاخضر الهرفي بسعر اليابس تحركَه

احديثه اتكول حوريه بربيع العمر مياله حرام ادموعهه الطيبات عالخدين همالهه

وين العطف والرحمه يفصاله لاسوت ذنب لاهيه جتالهجاهيجي حكم ديوانك المهيوب ودلاله علي تحرم فناجينه وكهوته وكعدت ارجاله

غصبتوها ظلمتوها حرمتوها هضمتوها وهبتوها لشخص ظالم حتى من العقل ما يملك اوشاله

يحاجيها بدفرته وكَال فصليه عساها ابخت من فصلوا واطو مهرة الفارس لوادم ماهي خياله

وحوبتها وراهم دوم تحركَهم بكل شهكَه

تتحسر تدير العين محد يرحم الشكوى اسيره تكَول جابوها بلارحمة ولاسلوى

ياديوان السلف بسك فحطنه من الفصل والثار والنهوه " .

 

كتب عن عبادي العماري باحثون ومنهم الباحث الراحل قاسم موسى الفرطوسي الذي وثق حياة العماري وذكر (أن عبادي من عائلة فقيرة وولد عام 1941 في كوخ من القصب والبردي ... تأثر بماشاع في الأهوار من أغانٍ فضلا عن تأثره بمطربي الريف الرواد كجويسم كاظم وسيد محمد وسلمان المنكوب وصالح الحمراني ومسعود العمارتلي، وغنى الهجع والبستة في مرحلة المراهقة . هاجرت العائلة الى بغداد عام 1958 وسكنت في منطقة شعبية اسمها الشاكرية فأتيحت له فرصة الغناء في (الشاكرية والميزرة والوشاش) ومن ثم مدينة الثورة سابقا، وفي بغداد التقى عبادي العماري برواد الطرب وتعرف عليهم امثال داخل حسن وحضيري بوعزيز وناصر حكيم وغيرهم الذين سبقوه الى الإذاعة والتلفزيون وعندما ذاع صيته أصبح مطربا معروفا تلاقفته مكاتب التسجيل في بغداد والمحافظات لاسيما بعد أن شكل ثلاثيا مع الشاعر عباس الخياط (صاحب تسجيلات الخيال) وعازف الكمان الشهير فالح حسن فغنى لعباس الخياط عشرات الأغاني ومئات الأبوذيات وكذلك غنى لمعظم الشعراء الرواد بالرغم من كونه شاعرا شعبيا حيث كانت أغانيه من نظمه وكانت موجهة وهادفة ضد العادات والتقاليد الاجتماعية والدخيلة على عاداتنا الاصيلة).

توفي العماري في أواخر ثمانينيات القرن العشرين بعد رحلة غنائية تمتد لأكثر من ربع قرن تاركا وراءه أغاني ومواويل مازالت ماثلة في ذاكرة مستمعيه الى جانب أغنيتي "سامحيني " و"فصلية" كـ " سليمة، بيَّن ماعندك وفه، قطار الشوق، لابالنجف لابالكوت، بت جبار، دكتور، الريم الأسمر، الشدة هينة تصير بمعاضد هواك، دار أهلي الزهية، عزاز والله أنتم علينا، ياعيني شو نمتي، شالو احبابك، إذا قال فيك الناس، وياي أخذ صورة، عرفنا أسباب زعلتكم علينه، توبة نتوب لا هايه بعيدة، هاك اسمع "، تلك الأغاني والمواويل والأبوذيات التي تمثل إرثا فنيا يستحق الاحترام والإشادة والحفاظ عليه بصفته صفحة مشعة من صفحات التراث العراقي الأصيل .

 

أسماء محمد مصطفى

 

شاكر فريد حسنأملي مرعي أبو جبل يمامة جولانية/ سورية، غزت عالم الشعر، وغردت فوق أشجار الكرز والتفاح، وهدلت بأغاني الحب، وهمس النجوم والقمر.

إنها مزدانة ومرفرفة باجنحة الفراشات المحدقة بعيون الظبيات في فضاء العنادل، تحمل ربة الشعر، وتغازل آكام النرجس والياسمين، وتتدفق رقة وحنانًا وبساطة وألفة، ترسم الضياء، وتزرع دروب العشق بالدموع.

هي موهبة شعرية مزهرة نضجت على نار هادئة، وشعرها عطر فواح متنوع الأغراض والرؤى، تمتلك روح الشعر وتصنع لنا قلادة قلم من حروف وكلمات حريرية وصور زاهية الألوان والأصباغ تزين بها أحاسيسنا وصفحات قلوبنا، التي تهفو لسماع نبضات فؤادها وآهاتها وخرير شلالاتها المتدفقة بكل ما هو جميل وانساني.

لقد شدتني منذ فترة بعيدة نصوص أملي مرعي الشعرية التي تقريتها في عدد من المواقع الالكترونية السورية، وعلى صفحتها على الفيسبوك، ووجدت فيها دفء الاحساس، ونبض الروح، ولغة العشق، والايقاع الموسيقي، والرومانسية الجميلة الحالمة، وكثافة النص، وشفافية التعبير، ورقة الهمس وصدق البوح والدفقة الشعورية. وهي نصوص نثرية تنهض على لغة الشعر الصافية الرائقة الطازجة المدهشة، فلنسمعها في هذا النص الجميل الرقراق العذب، الممتلىء بعبق الورود وعطر الريحان ، الذي يختزل بكل ما في صدرها وأعماقها من عواطف جياشة ونبضات قلب وخلجات وجدان، إلى حيث نشوة الروح وملكوت النفس، حيث تقول:

ليكتملَ صباحي

اقرأْني قُبلةً قُبلة

وأنا اقطُفك

وَردةً وَردةً

وهكذا

نُعيدُ بِناءَنا

من جَديد

أنت وانا ودائرة

من الولهِ

تلُفّنا بِجناحيّ

اللّهفة

أشهقُكَ وَردًا

من القلب

وتزفُرني عطرًا

من الوريد

واللافت في كتابة أملي هي المهارة الوصفية الشعرية، وانسيابية معانيها وكلماتها التي تتدفق بسلاسة تشتمل على التصوير التعبيري بفنية لفظية بادية للعيان، ولغتها الوردية الدافئة والاستدراجية الحية، وجرأتها في التعبير عن مشاعرها، وهذا ما نلمسه في هذا النص:

سَتبقى مائي النَديّ

الّذي يُبَلِّلُ صَحراءَ روحي

والّتي لَم تَشعُرْ قَطّ

بِمُتعَةِ هُطولِ الغَيثِ الأوّل

إلّا مِن خِلالِ مُزنِكَ الحامِلَة

ذَبذَبات الفَرَحِ المُشتَهى

أملي مرعي تسبح في ملكوت الابداع، وتحمل قصائدها المكثفة عبقًا ذكيًا، ونسمات مع حروفها ونصوصها الخصبة الموشاة برضاب الشوق والحنين، والأحلام الوردية، والهواجس الداخلية العميقة، التي تحفر أخاديد عميقة في وجداننا، وما قيمة القصيدة التي لا تعانق الروح والوجدان وتمس العواطف والاحساس ونبض القلب..؟!!!

ومن يقرأ وجدانيات أملي مرعي يطرب لها ويترنم مع كلماتها وايقاعاتها ومعانيها الأخاذة وايحاءاتها البعيدة، ويهيم ويحلق ويحيا في أجوائها وشطحاتها الرومانسية، وبين صورها الشعرية الأنيقة، ويرشف من ينابيع الالهام ، ويستمتع وينتعش من أريجها العابق المضمخ بالحب والدفء والسحر والجمال.

فهي تملك ناصية اللغة وقادرة على اختيار المفردات والكلمات والمعاني العميقة الخلابة المترعة بعوالم الرومانسية التي لها وقع على نفسية القارىء ومشاعره الخاصة ولواعجه الذاتية، ولنقرأ لها قائلة:

انتَظِرُكْ

وَحَساسين قَلبي

تَأبى الرُكود

تُزقزِقُ دونَ هَوادَة

تَقتاتُ علَى هَمسات

الأمسِ

تَلتَقِطُ المُفردات

حَرفًا حَرفًا

تُبَلّلها بِرضابِ الشّوقِ

وَعُصارَةِ الَّلهفَة

تَبتَلِعُها ثانِيةً ثانِيةً

وَتُخَبِّئُها لِلغَدِ

قوتًا وَزُوّادَة

وغني عن القول أن ما تكتبه أملي هي ومضات شعرية فيها بوح ومناجاة، وترنيمات عشق في قمة الشفافية والرومانسية، تحفل بالرشاقة والسلاسة والجمال الشعري والتصويري والايقاع الهادىء الذي يبعث الراحة في النفس والصفاء في الذهن، وتقدم لنا شعرًا نابضًا بالحياة والعواطف المؤثرة والاحساس الوجداني الجمالي، بنبرة هادئة، أنيقة راقية، تتسلل في ثناياه الحنين المتألم والعذوبة الناعمة:

بينَ الهَمسةٍ والهَمسَة

ألّفتُ لك فَقرةَ حُبٍّ

لِتكونَ تَعويذةً لِعَينيكْ

تَقيكَ مِن إعصارِ قَلبي

وَمِن لَهفَتي المَجنونة عَليكْ

وفي النهاية لك شاعرتنا المرهفة أملي مرعي أصدق التحيات مع أطيب الأمنيات بالمزيد من الابداع والعطاء والتألق أكثر.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

شاكر فريد حسنفريزة عوض العطية صوت شعري دافىء وواعد مفعم بالحب والانسانية، يأتينا من ربوع الشام، من سورية الحبيبة، ويحمل عبقًا خاصًا وجمالية شعرية، مشبعًا بالايحاءات، في صياغة العبارة وتركيب جمل النص، ومن رومانتيكية اللغة، ورومانسية البوح والتعبير. وتسحرنا بمضامينها وصورها ولغتها المنسابة، التي تقنعنا أن اللغة ليست وسيلة فقط.

فريزة العطية تنتمي الى قصيدة النثر، وجل قصائدها ذات اتجاه عاطفي، ولا تخلو من الروح الوطنية. وتتمحور حول قضايا وجدانية وعاطفية وانسانية، تعكس وتجسد مشاعرها الذاتية الدفينة وأحاسيسها الصادقة المتأججة في قلبها ونفسها.

ونصوصها نثرية باسلوب شعري شائق يخلو من الديباجة اللغوية الفارغة، تتوهج فيها اللغة.

فريدة العطية اقتحمت عالم الشعر منذ سنوات، ونشرت نتاجها في عدد من مواقع الشبكة العنكبوتية، وعلى صفحتها الخاصة في الفيسبوك، وصدر لها في العام الماضي ٢٠١٧، عن منشورات دار فلستينا/ الشجرة، مجموعة شعرية حملت عنوان " كلنا من ورق ".

تحمل قصائد فريزة العطية المعاني الوجدانية والعاطفية والانسانية، ويطغى عليها الصوت الانثوي الناعم اللطيف، وتحاكي الحب والجمال والحياة والواقع والطبيعة الخضراء الساحرة والكون والمطر والوطن الذبيح.

تمتاز بجيشان العاطفة، والاحساس المرهف، والعفوية الجميلة، والبوح الشفاف، والشحنات العاطفية الملتهبة المتشظية، فضلًا عن البساطة الآسرة، وسهولة الألفاظ، وعذوبة الكلمات، واللغة الحية الرشيقة المتدفقة. فلنسمعها في هذا النص المكثف المعنون " برق ولا مطر "تقول:

ما حال برقك؟

مر " وميضا " قي سمائي واختفى ...

فلا تهاطل على الروح قطرة

ولا نادم كؤوس القلب واحتفى

وهذا الغدير الذي

هيأت لك ضفافه

عكر الغياب ماءه وما صفا

حتى العناق اليتيم الذي ضمنا

ما ارتوى منه العليل ولا شفى

فما أقول لنصل الأشواق يلكؤني

وكلما أغمدته

استله الحنين

دمعة " على الهدب طفا

سأنكر قلبي ثلاثا "

وقبل صباح الفجر

إن سعى اليك ولو طوافا " وهفا

فريزة العطية شاعرة تحلق باجنحتها وتعبر بنا الى فضاءات لا حدود لها، وتخترق عوالمنا ووجداننا بالنص الرهيف والحلم الذي يدغدغ أحلامنا، وتأسرنا باحساسها الدافىء النابض بالحياة، المتدفق شلالات من نغم الروح وارتعاشات الوجدان، والخيال الخصب، والرؤى الحالمة، والصور الشعرية الأخاذة.

فأجمل التحيات لشاعرتنا السورية النامية التي وضعت قدميها في واحة الشعر، وتمنياتي لها بمستقبل شعري واعد، ومزيدًا من العطاء والتألق، والى الأمام.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

خالد جودة احمدالإنسان الفاهم لقواعد الاقتصاد حقًا هو من يحافظ على أصدقائه، فالاصدقاء موردًا يعد شديد الندرة، بمعنى أن بعض الناس قد يقضون حياتهم بحثًا عن هذا الصديق دون أن يجدوه، بالتالي حقيقة المشكلة الاقتصادية الوجدانية تتمثل فى كيفية احسان استثمار الموارد المتاحة والتى تتسم بالندرة، وهذا كلام يحتاج إلى تفصيل.

بداية تتعدد أنواع الموارد الاقتصادية حسب مفهومها الواسع إلى موارد طبيعية هبة من الله تعالى للبشر، وموارد بشرية تتمثل فى قوة العمل، ورأس المال الذى يعنى تراكم السلع والخدمات من العميلة الانتاجية وتسمى أيضا "الموارد الصناعية"، والانتاج ما هو الا التشكيل لمنافع اقتصادية بتحويل الموارد الطبيعية الغير صالحة للإشباع الإنسانى إلى موارد انتاجية صالحة لهذا الاشباع بواسطة العامل الإنسانى، من خلال مدخلات ممثلة فى الموارد الطبيعية والموارد البشرية ثم التشكيل (المعالجات) لنحصل على المنتج النهائى ممثلا فى السلع والخدمات (الموارد الانتاجية)، أما الاستهلاك فيعنى تدمير المنافع الاقتصادية الكامنة فى السلع والخدمات أي استعمالها فى الإشباع الانسانى.

أما ملخص تلك العملية من وجهه نظر اقتصادية وجدانية في بنود موجزة:

- أي إنسان فى حاجه إلى الشعور بالمحبة والاهتمام والتقدير من الآخرين وتلك حاجه انسانية غير مشبعة يسعى الانسان لاشباعها بتكوين مورد الاصدقاء.

- فى الحياة الاقتصادية تتسم الموارد بالوفرة، أما الأزمات الاقتصادية فتنشأ  أساسًا من سوء استغلال تلك الموارد وسوء توزيعها أيضًا، أما فى الحياة الوجدانية فالصورة عكسية حيث نجد ألوانا شتي من الموارد مثل المحبة والرضا وأشد تلك الموارد ندرة "الأصدقاء".

-على النقيض فالاستهلاك الوجدانى ليس تدميرا لمودة الصداقة اذا كان الاستثمار فى اشباع احتياجات المرء النفسية، ويكون الاستهلاك تدميريًا إذا لم تحافظ على موردك بمقابلة ود صديقك بود مماثل، أو إذا استغللت عطائه لك فاعتصرته اعتصارا ناسيًا تماما حقه عليك، ولعل المثل الشعبى يصف ذلك فيقول: "اذا كان حبيبك عسل فلا تلحسه كله"، فالاستهلاك الوجدانى الذي لا يؤدي للتدمير بل علي العكس، يعنى التمتع بصفاء الود وحسن التأييد وسلامة النية وصدق النصيحة من الصديق.

- وهنا تتضح قيمة الصداقة الوجدانية الاقتصادية، حيث الفقر الحقيقى هو ألا يكون للإنسان الصديق الصدوق الناصح الأمين علي صديقه، بالتالي تظهر المشكلة الوجدانية فى كيفية استثمار الموارد المتاحة على البدائل المتاحة والمتعددة حسب سلم تفضيل معين أي حسب أولويات محدده، لذلك يستخدم أسلوب التشغيل المناسب للعمل على المدخلات فى حياة الإنسان من الناس الذين يتعامل معهم، من خلال النص الشريف "الدين المعاملة"، أى إحسان معاملة الناس لاكتساب مخرجات مهمة من أسلوب التشغيل بالخلق الحسن وهم "الأصدقاء"، وهناك أدبيات كثر تدور حول أسلوب المعالجة المعتد به، نموذجًا المثل العربى: "تناسى مساوئ الإخوان يدم لك ودهم"، والشاعر العربي: (ولست بمستبق أخ لا تلمه علي شعث / أي الرجال المهذب) أي الصديق الذي اكتملت خصاله فغدي مهذبًا للغاية، ويصف مثلا عربيا آخر حالة الفشل الاقتصادى الانتكاسى الذريع فى تكوين هذا المورد الوجدانى فى حياة الناس فيقول: "الضعيف من ضعف عن اكتساب الإخوان وأضعف منه من ضيع من اكتسبه منهم".

 

خالد جوده أحمد

 

 

عبده حقيبحلول الثامن من أكتوبر2018 تكون مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة الإلكترونية قد طوت عشر سنوات من تجربتها في فضاء النشر الإلكتروني المهتم أساسا بحركية المشهد الثقافي في المغرب والعالم العربي إبداعا ونقدا ومواكبة وتطويرا أيضا ، رافعة بذلك رهانا كبيرا وشعارا رئيسيا تحت يافطة "من أجل ثقافة مغربية رقمية تواكب العصر"

ولم تكن مبادرة إطلاق هذه المجلة الإلكترونية نوعا من الاغترار بما أتاحته وتتيحه تكنولوجيا التواصل وشبكة الإنترنت من سهولة ويسر في النشر بأقل الوسائل كلفة مقارنة مع الوسائط التقليدية ، بل كان تنزيلها في الساحة الإعلامية الثقافية ضرورة ملحة تتغيا النهوض بنتاج الثقافة المغربية رقميا لكي تركب موجة عصرها وتتفاعل مع مستجدات ثورة الاتصال والمعرفة وتنخرط في فضاء إنتاج التراكم الرقمي إسوة بنظيراتها في محيطها العربي والعالمي بشكل عام.

ومنذ اليوم الأول من ميلادها كانت الأهداف والغايات واضحة والأولويات مرتبة إنطلاقا من راهن التصور العام السائد وقتئذ في واقع النشر الشبكي والإلكتروني من جهة لارتباط منظومة النشر بالأسانيد التقليدية (جرائد ـ راديوـ تلفاز..إلخ) ومن جهة أخرى لغياب أي مبادرة واعية بلحظتها التاريخية الموسومة بتعاظم دور الوسائط التكنولوجية وتأثيرها المباشرعلى مختلف أنماط وبنيات الإنتاج المادي واللامادي وخصوصا في حقل الآداب حيث جعلت من النص الإبداعي الأدبي نصا متشعبا منفلتا من قبضة الكاتب وتوجيهات خطاطته السردية إلى نص مفتوح على أفق انتظار محتمل يتغير وفق ذائقة كل متلق على حدى .

وتأسيسا على هذا كانت من بين أهدافنا الأولى هو إطلاق منصة إلكترونية تواكب وتتفاعل مع المشهد الثقافي وتفتح في وجه الكتاب والقراء الإلكترونيين نافذة مغايرة للرصد والتثقيف وصناعة محتوى رقمي مغربي ثري اعتمادا على أدوات وحوامل جديدة خلافا للوسائط التقليدية الورقية والميدياتية السمعية البصرية ...

كما كان من بين الأولويات إنصاف عديد من الأصوات المغمورة التي ذاقت مرارة التهميش والإقصاء العفوي أحيانا والمنهجي أحيانا أخرى من أن تجد لها كوة في أسوار الإعلام الورقي العتيد بالرغم من تألق وتمايز بعض إنتاجاتها الأدبية في الشعر والقصة القصيرة على مستوى جدة البنيات السردية والجمالية وتشكلات المعنى والخطاب مستفيدة في ذلك بالدرجة الأولى من حرية التعبير وانعدام الرقابة البعدية التي أتاحتها مختلف منصات النشرالإلكتروني من مدونات ومنتديات خاصة  ومجلات إلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

وبكل يقين تام لقد استطاعت مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة الإلكترونية أن تحقق في خلال عمرها القصير هذا ما لم تحققه بعض المنابر الورقية التي كانت وما تزال تكرس حضورها اليومي فقط لكي تستفيد من الدعم المالي للدولة كل سنة من دون أن تقدم أية قيمة مضافة للإعلام الورقي والثقافي المغربي برمته . 

ومما لاشك فيه أن آلاف الكتاب والمثقفين تساءلوا إبان الخطوات الأولى من إطلاق هذه المجلة الإلكترونية وما فتئ البعض منهم يتساءلون بعد عقد من الزمن من الحضورإن كانت مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة هي لسان اتحاد كتاب إنترنت مغربي الهوية والمنشئ على غرار اتحاد كتاب الإنترنت العرب الذي أسسه الدكتور محمد سناجلة سنة 2005 ومقره في الأردن . وكثيرا ما تساءلت بدوري عن جدوى تأسيس اتحاد كتاب إنترنت مغربي على أرض الواقع بمقر وهيكلة إدارية وقانون أساسي إذا كان هذا الاتحاد لن ينجو من مصير محتوم كجل الاتحادات والمنظمات التي إنتهت إلى التفتيت والتشرذم والمزاجية ومعارك التدافع نحو وهم القيادة وغدت أيضا وعاء لتفريغ جميع الإسقاطات الذاتية المرضية التي تعاني منها بعض النخب المثقفة المغربية القليلة من حسن الحظ .

لذلك ولتجنب السقوط في هاوية (اتحاد من المؤكد أنه كان سيولد ميتا) رفعنا شعارا "كم حاجة قضيناها بتركها" ووجهنا اهتمامنا أساسا على فاعلية النشر الإلكتروني وتنشيط فضاء الإعلام الثقافي الرقمي وتعميم أخباره وتحفيز أصوات الكاتبات والكتاب الشباب من أجل الارتقاء بهم إلى مصاف أصوات الكتاب الرواد في المغرب.

وبموازاة مع الحضور الفعال لمجلتنا ولتنويع قنوات التواصل مع كتابنا وقرائنا أنشأنا حسابات على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك وتويتر ولينكدإن وواتساب ومجموعات غوغل " مما أسهم في تعدد وتنوع منصات تواصلنا وتفاعلنا وبالتالي الرفع من منسوب عدد زوارنا في كل أنحاء العالم من الشرق العربي إلى أمريكا الشمالية وشرق آسيا وأوروبا حيث تتواجد أكبر جالية عربية هي في حاجة ماسة يوميا إلى جسر إنترنت للتواصل مع مستجدات حركية المشهد الثقافي في بلدانها الأصيلة ضمن أفق يحصن مكونات هويتها ويتطلع أيضا إلى تحديثها الإيجابي .

واليوم ونحن نشعل شمعتنا العاشرة وننتشي بهذه الغرة العقدية من العمل الجاد والمتواصل يكون لزاما علينا أن نعرض بعضا من الحصيلة ونطرح السؤال المنطقي والمركزي حول ماذا حققنا من إنتاجات وعطاء وتراكم للثقافة الرقمية المغربية وما هي الأهداف المنتظر تحقيقها في العشرية القادمة بحول الله تماشيا مع التطور المهول والجنوني للتكنولوجيات ووسائط التواصل الحديثة التي أضحت حاجة أساسية من حاجات استهلاكنا اليومي وخلخلت منظومة عديد من قيمنا الاجتماعية والأخلاقية والثقافية والسياسية والاقتصادية حيث أضحت أجهزة التواصل الإلكترونية بمثابة بوصلاتنا في متاهات اليومي لتصريف بعض أغراضنا المختلفة وأضحت أيضا نوافذنا المشرعة كل وقت وحين على الأسرار الخبيئة للمعلومة التي لم تعد حكرا على جهة حكومية ما وهي كذلك الكوة الضيقة في أسوار الرقابة الشاهقة للتلصص على أسرار المحظورات والطابوهات في السياسة كما في الجنس والدين ، مما بات يخلخل ثوابتنا الاجتماعية والأخلاقية والعقائدية ويهددها بتفسخ مجتمعنا ويدفع بأفراده إلى التحريض على العنف بوجهيه المعنوي والمادي قصد فرض قناعات ذاتية وأفكار إديولوجية ودينية تتدفق علينا كل آونة وحين مع صبيب الإنترنت وأيضا لتحقيق بطولة افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصا يوتيوب اقتداء بأبطال افتراضيين وهميين آخرين جلهم محصنين بواقي الديموقراطية في دول المهجر وخصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية ...

فلامناص إذن من الرد على هذا الهجوم الإلكتروني الخطير سوى بهجوم عقلاني ومسؤول يتدجج بسلاح الاهتمام بدور الفعل الثقافي بكل مكوناته التراثية والفنية والأدبية من جهة ومن جهة أخرى تطوير منظومة التربية والتكوين وذلك بجعل فضاءات التدريس ليس للتشحين والتحصيل النمطي والميكانيكي للحصول على شهادات جامعية أضحت معظمها لا توفر شروط العيش الكريم لجيل تائه في أدغال (الكونيكسيون) والعولمة بل بتطوير بنيات المؤسسات التعليمية لتصبح بين زواياها ورشات لاكتشاف الطاقات والمواهب الشبابية في الأدب والموسيقى والمسرح والسينما والعمل على خلق آليات جديدة لاحتضانها ومواكبتها ودعمها لتكون خير خلف لخير سلف في التراكم الثقافي للوطن .

وتجاوبا مع مقتضيات مدونة الصحافة والنشر التي تم تنزيلها منذ أواسط أغسطس 2017 والتي أقرت شروطا جديدة لممارسة مهنة الصحافة انسجاما مع مستجدات التحولات الإعلامية التي أفرزها الديجيتال وتكنولوجيات التواصل وبالرغم مما شاب هذه المدونة من لبس وثغرات وتأويلات ضربت في مقتل جل المكاسب الإعلامية والثقافية الرقمية التي حققها الناشرون الشباب الرواد منذ مطلع سنوات الألفين ، فإن مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة الإلكترونية وإيمانا بدورها الريادي الذي رسخته على مدى عقد من الزمن وراكمته في مجال الإعلام الثقافي الرقمي فقد أبت إلا أن تجنح إلى الالتزام بمقتضيات هذه مدونة وذلك بتوقفها لمدة نصف سنة تقريبا كنا خلالها جاهدين في البحث عن حل ناجع يضمن عودتها وفق الإطار القانوني الجديد وحل قمين بالحفاظ على رصيدها الثقافي والرقمي وهذا ما تحقق عبر تدشينها لمرحلة جديدة تميزت بتصميم جديد واسم نطاق "مدوناتي" توفره منصة "بلوغر" مجانا لكل لغات العالم وهي منصة تندرج ضمن مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ولينكدإن ..إلخ

ولم يكن من اليسير كذلك إقبار هذه المجلة الإلكترونية ب"جرافة" مدونة الصحافة والنشر لأن من دون شك سيكون إغلاقها إن لم نقل إعدامها خسارة كبرى للإعلام الثقافي الرقمي المغربي وإفشالا لمشروع ثقافي جاد وهادف يشهد بدوره الطليعي الكاتبات والكتاب في كل أنحاء الوطن العربي .

ألن يكون إذن من الحيف بل ومن الخطأ التاريخي الفادح إغلاق مجلة إلكترونية أنجزت زهاء ثلاثين حوارا مع أبرز الكتاب والأدباء والفنانين في المغرب والعالم العربي نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر حوار مع عميد المخرجين السينمائيين الراحل عبدالله المصباحي في حوار مطول هو الأول من نوعه يجريه المرحوم مع مجلة إلكترونية مغربية وحوار مع الفنان التشكيلي عبداللطيف الزين وحواران هامين جدا مع شيخ الشعراء المغاربة الدكتور محمد السرغيني وحوار مع الدكتور عبدالجليل ناظم عضو هيئة دار طوبقال للنشر وحوار مع سندباد الصحافة العربية الإعلامي التونسي الصافي سعيد وحوار مع الأديب الإيراني موسى بيدج مدير تحرير مجلة شيراز وحوار مع الإعلامي التونسي بقناة فرانس 24 توفيق مجيد وحوار مع الكاتب والصحفي التونسي حسونة المصباحي وحوار مع نسرين عامر سفيرة المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون ..إلخ

كما كرست مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة الإلكترونية خلال هذه العشرية تقليدا ثقافيا جديدا غير مسبوق في الإعلام الثقافي المغربي ويتمثل في فتح ملفات للنقاش في مختلف انشغالات الحقول الثقافية والإعلامية والإثنية شارك فيها نخبة من أبرز الأدباء والمفكرين والإعلاميين لايسع المجال لذكر أسمائهم ومن بينها ملف حول أنطولوجيا القصة القصيرة من جيل التأسيس إلى جيل الإنترنت وملف حول دور النخب السياسية والمثقفة في المجتمعات العربية وملف حول الكاتب المغربي وسؤال التفرغ وملف حول الثقافة الأمازيغية من حراك الواقع إلى إنتظارات المستقبل وملف حول مستقبل الملاحق الثقافية الورقية في زمن االأسانيد الإلكترونية وملف حول الدخول الثقافي في زمن الثورات العربية وملف حول أنطلوجيا الشعر المغربي مابين 2000 ــ 2010 وغيرها من الملفات التي تعتبر اليوم مصادر ومراجع من دون شك سوف تسعف الكثير من الباحثين للإجابة على أسئلة الثقافة المغربية في عشرية الربيع العربي.

أما في مجال الإصدارات الإلكترونية فقد كانت مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة الإلكترونية من بين البوابات العربية السباقة إلى دخول تجربة الكتاب الإلكتروني eBOOK  متطلعة بذلك إلى هاجس التأسيس لانخراط الكاتب المغربي في تجريب سند جديد قادر على هزم وتخطي مختلف المتاريس والعقبات التقليدية التي تقف سدا منيعا لمد جسور التواصل بين الكاتب والمتلقي ولعل من بينها تكاليف الطباعة الورقية والتوزيع وتدني القدرة الشرائية ...

وفي هذا الصدد تم إنجاز عشرات الكتب الإلكترونية لعديد من الكاتبات والكتاب لعل أبرزهم الشاعر أحمد بنميمون والشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة والشاعر العراقي سعدي يوسف والشاعر والناقد المغربي أحمد زنيبر والمخرج والمؤلف المسرحي محمد أمين بنيوب والشاعر الفلسطيني سليمان دغش والباحث المغربي جميل حمداوي والقاص عادل أمين من السودان والباحث الأمازيغي عبدالسلام الخلافي والشاعر والباحث السوسيولوجي عبدالنور إدريس والباحث والإعلامي محمد أديب السلاوي والباحث الفلسفي إدريس كثير ومحمد سناجلة رئيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب سابقا والكاتب الفلسطيني نبيل عودة والشاعر والباحث المغربي عبدالسلام فزازي والشاعر أحمد بلحاج آية وارهام والقاص عزالدين الماعزي والكاتبة أمينة شرادي والقاصة زوليخا موسوي الأخضري والقاصة والإعلامية ليلى الشافعي ..إلخ

وفيما يخص مجموع المواد التي نشرناها بين الخبر الثقافي والفني ومقالات الرأي والقصائد الشعرية والقصص القصيرة والفصول الروائية والترجمات والأبحاث في الأدب الرقمي فقد ناهزت جميعها تقريبا خمسة عشر ألف مادة بمعدل خمسة وثلاثون مادة منشورة في الأسبوع أي مئة وأربعون مادة في الشهر...

واليوم وبعد انصرام عقد من الزمن على إنشاء هذه السفينة الثقافية الرقمية المبحرة في محيط الشبكة العنكبوتية منذ الثامن من أكتوبر2008 يحق لنا أن نحتفي بل ونفخر بأننا قد أنجزنا كل هذا الحضور اعتمادا أولا وأخيرا على إيماننا الراسخ بأن المكون الثقافي المغربي بكل فسيفسائه وذخائر ماضيه وإشعاع حاضره لجدير بأن نشيد له جسرا للتواصل مع كل شعوب العالم للتعريف بحركيته وبأدبائه وفنانيه وتراثه ..إلخ معتمدين أولا وأخيرا على إمكاناتنا الذاتية المتواضعة وعلى ما توفره الوسائط التكنولوجية للإنسان من وسائل للتواصل والتفاعل مع أخيه الإنسان من أجل بناء مجتمع يسود فيه التعايش والسلم وتكافؤ الفرص ورغد العيش وتوزيع عادل للثروات وتعليم وتثقيف وإعلام حداثي وعقلاني يسهم بشكل كبير في إنقاد شبابنا في الحاضر والمستقبل من التغرير والسقوط بين أيدي قوى التخريب والظلامية والتعصب والتقسيم كل أعداء الديموقراطية ويحفزه على الإبداع والبذل والعطاء ونكران الذات . 

أخيرا وليس آخيرا  لايسعنا إلا أن نتقدم بشكرنا الصادق لكل الأقلام الأوفياء الذين ساهموا بكتاباتهم في رصيد هذه المجلة بآرائهم وأفكارهم وإبداعاتهم وكل الذين شاركوا في ملف هذا الاحتفاء العاشر وهم: عادل الامين كاتب وباحث من السودان مقيم في اليمن والدكتور عبد العزيز ابن عبد الجليل باحث في التراث الموسيقي والشاعر والناقد والتشكيلي رشيد المومني والشاعرة السورية فرات إسبرو الدكتور عبدالرحيم العلام رئيس اتحاد كتاب المغرب والكاتب والمترجم محمد الشركي والشاعر والصحفي محمد بلمو وبوجمعة العوفي شاعر وناقد فني مغربي والكاتب والناقد عبدالنبي دشين والكاتب والأستاذ الباحث عبد اللطيف الركيك ومحسن الأكرمين إعلامي/ مهتم بالشأن الإصلاح التربوي  

        

عبده حقي

 

رشيدة الركيكيعيش كل إنسان على أمل "إن مع العسر يسرا"، معنى استقاه الإنسان من قيمه المجتمعية المشتركة، ليتعلم بعد ذلك كيف يضمد جراحه ويعافيها فتتقوى مناعته عند كل معاناة.

هكذا، تعلمنا فيما مضى من مجتمعنا "ما ضاقت إلا وفرجت"،وأن الشدائد تصنع رجالا، مثلما يجعل الألم اللسان فصيحا، والأكثر كلما ازداد ألمه ازدادت فصاحته. تعلمنا أن نواجه مصاعب الحياة بحزم انطلاقا من القيم والتمثلات المجتمعية السائدة اقتداء بمن سبقونا حين نصفهم بالشموخ والقدرة على التعالي وقهر الآلام، خصوصا وأننا نؤمن بأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وأنه على قدر القدر يبتلى البشر.

تعلمنا و تعلمنا...لكننا اليوم تعالت صرخات الإنسان أينما حل بنبرة سخط على الأوضاع وكأنه لم يعد ما يبهج مع حرب المعيشة.

هو النقد اللاذع المميت والقاتل لكل الإرادات الإنسانية، بعد الجراح المجتمعية. وإن كان النقد دليلا على الرقي لكن رسالته تكتمل بالنقد البناء لا الهدام المدمر لكل القيم الإنسانية السامية.

هكذا يغوص الإنسان في البحر الميت دون قدرة على النجاة ويرجو الحياة من جديد بعد إعلان مراسيم الجنازة.

يسجن الإنسان في بحر الآهات وتنتقل كالنار على الهشيم لتشتعل وتتأجج من حيث لا ندري، بغضب فاضح قاتل لكل المبادرات.

هو الغضب ما يفسر حالات الرعب و الهلع المجتمعي والتخوف من المجهول بالتنبؤ بمستقبل معدوم، فترى الناس سكارى وما هم بسكارى في شكل هستيريا مجتمعية تتخذ من التيه المجتمعي أشكالا مفضوحة.

دعر وترقب تعكسه مواقع التواصل الاجتماعي تحكي وتعكس الفساد وتصور الشوارع وما يحدث فيها من سرقة، وضرب، وجرح، وقتل وانتحار، وانحلال  قيمي أخلاقي علائقي. هي حالة من الغليان لن تنطفئ إلا بانطفاء النار التي تحتها بروح جماعية.

هكذا لا تزال الحياة الاجتماعية تعيش نوعا من السخط والإحساس بالقهر والظلم المبرر،يجعلها تتمرد على كل القيم السامية والنظم الاجتماعية والقانونية والأخلاقية.

هي حالة قد يستعصي على من يعيشها أن يتأملها دون أن يصاب بعدوى اليأس المجتمعي بلغته المجسدة في كلمات أو سلوكيات تفضح إنسانا طالما تبجح بامتلاكه للعقل وقدرته على تنظيم حياته الاجتماعية،بوضع ضوابط لكل سلوك وسن دساتير تضع قوانين زجرية تعاقب من خالفها وأحل الفوضى بدل النظام، والجور بدل الظلم،ويبقى الاحتجاج حقا مشروعا ولكن له ضوابطه المتفق عليها عالميا وما ضاع حق من ورائه طالب .

هو العيش بشكل تعاقدي بين الأفراد داخل نظام واحد ومصير أوحد يجمعنا تحت شعار حريتي تنتهي عند بداية حرية الآخر، وأن الحق والعدل والإنصاف سيد المواقف في إطار القوانين الوضعية المتفق عليها باسم قانون الأغلبية.

العيش بشكل تعاقدي ما جعلنا نحل النظام محل الفوضى لتسفر عنه القيم الإنسانية النبيلة،هو ما خاطب في الإنسان إنسانيته فتحول إلى كائن ذكي بتحريك قدراته العقلية بدعوى من المجتمع الذي أصبح يِؤمن بأن زمن القوة والبقاء للأقوى عهد ولى وانقضى، خصوصا عندما تأكد الشخص أنه سينقرض في لحظة تفكيره بهذا المنطق،لا لشيء إلا لأن كل قوي هناك من هو أقوى منه،ثم أن التنظيم المجتمعي صار أعمقا عندما استحال العيش بعيدا عن المجتمع الدولي.

إنه قانون الغاب من يجعل البشر يحمل السلاح في وجه بعضهم، لا للدفاع عن النفس  مثلما تستعمل باقي الكائنات مخالبها ،و لكن الحقد والكراهية  من يحركها، لذلك لن تنطفئ ناره إلا بالقتل والتعذيب بأبشع الطرق،في صور لا إنسانية صادرة عن أوضاع إنسانية متراكمة بالغة التعقيد.

لقد اختلط الأمر على الإنسان ثارة يحمل السلاح الأبيض ليرقص تعبيرا عن الفرحة بنشوة حمل السلاح و الإحساس بالقوة التي لن تعكس إلا مخاوف ودعر حقيقي. ويبقى السؤال: هل المجتمع من فرض هذا النوع من السلوك،أم أن المسألة أخذت تنمو من زمن في الأوساط الاجتماعية بشكل تدريجي ولم نعر لها اهتماما؟

هل العنف دائما له ما يبرره؟ أم أننا جميعا كمجتمع يجب أن نناضل من أجل حياة أفضل

بالتربية بالحب بالإحساس بالأمان...؟

في زمن قريب كنا نعتقد أن حمل السلاح مرتبط بظاهرة المخدرات فقط، لكن على ما يبدو أن ثقافة حمل السلاح الأبيض بدأت تتجدر في مجتمعنا، حتى بدعوى حماية النفس من هجوم قد يباغتها: فمتى يعطي لإنسان الحق في إنهاء حياة إنسان آخر؟ متى يعطي الإنسان لنفسه الحق في تشويه الآخر؟

وسائل التواصل اليوم تعكس حقائق وتكشف بسخاء كبير سواء حقائق أو مغالطات محدثة ضجة عارمة تعكس صورا من الفساد، لكنها تفضح الناس وأسرارهم وتكشف عوراتهم بشكل ضارب لكل المعايير الإنسانية.

وسائل التواصل اليوم ساهمت بشكل كبير في نشر عدوى اليأس المجتمعي، وتقدم السخط والغضب لن تغدي العقول إلا بالإيمان بالعنف المضاد كرد فعل على كل أشكال العنف المجتمعي.

فمتى تحمل كل  أشكال الاتصال والتواصل على محمل الجد التحليل والنقاش للقضايا المجتمعية بشكل راق يخلو من الانفعال، وصرخات تكثر من صخب الحياة وضوضائها؟

متى سنتعلم تقديم المشاكل مع اقتراح الحلول؟ إلى متى سيظل المجتمع يقتات من دمه ويجد ضالته في الكثير من الفيديوهات الصادمة لكل تواجد اجتماعي إيجابي؟

كل المجتمعات تعيش أزمات، ومن الأزمات كما يقول التاريخ تبنى الأمم، بصمودها أمام الأمواج الهائجة. إلى متى سيظل العبث بالهوية المجتمعية والدينية كلما غضبنا؟

 ألم يحن الوقت لعودة الإنسان إلى طبيعته الخيرة المعطاء لكل الكائنات؟.

توالت الأحداث من يقتل بسبب العشق الممنوع، أو بدعوى البطالة والفقر، بينما الآخر يتعدى على حقوق الغير الذي يكافح في سبيل لقمة العيش ليغتصب حق الناس المشروع في الإحساس بالأمان في بيته وعمله وفي الشارع ليل نهار...

كل منا يعبر عن نفسه ضاربا عرض الحائط تواجد الآخرين و حقوقهم، تعالت صيحات من أجل الحقوق دون الحديث عن الواجبات، فأحس كل من يلتزم بالواجبات بنوع من القلق الوجودي.

ربما على الصيدليات أن تقفل في زمن لم يعد للأدوية مكانا ولم تعد تشفي أحدا، لأن الدواء لا يعالج الداء، وداء المجتمع هو أنيميا القيم الأخلاقية التي من شأنها تجعل الأفراد تستحي من الخطأ في حق الغير.

 أكيد أن القيم الأخلاقية هي من ستحارب الغش في المدرسة والفوضى في الشوارع واحترام خصوصية الغير والتحرش والسرقة و...

كلنا عيوب وعيبنا الأكبر أن نرى إلا عيوب غيرنا فقط، وكأنها آلية دفاعية نشعر من خلالها حالة من النقاء والصفاء الروحي. متى يصبح كل واحد منا يقوم بعمله على أحسن وجه بدون رقابة سوى الرقيب الداخلي؟

ما الذي يجعل بعض الدول تجعل بعض المحلات على الطرقات بدون مراقب والناس تشتري وتدفع الثمن في شكل تعاقد إنساني ساري المفعول، يدخل في منظومة القيم و في التركيبة السيكولوجية للأفراد ليعيش نوعا من التوازن الداخلي و الأمان المجتمعي.

 وإن كان حلما يراودنا بين الحين والآخر يبقى دائما حلما مشروعا.

 هكذا يحتاج كلنا لغذاء روحي قيمي داخل المجتمع سواء كحكومة أو كأفراد،بحيث لا أحد يرمي بالكرة لغيره،فالداء واحد والدواء أوحد،و لاشك أن الهستيريا المجتمعية أصابت الجميع بمظاهر مختلفة.

لم يعد يهمنا من بعضنا من يقيم شعائره الدينية فتلك علاقته بخالقه، بقدر ما يهمنا علاقته بالناس وتواجده الاجتماعي الإيجابي. فحتى الشعائر الدينية وجدت لضمان حقوق الناس وإحلال السلام بينهم، لا لتتحول العبادة إلى عادة خالية من عمقها كرسالة إنسانية سامية.

ربما وصلنا لمرحلة نريد فيها إنسان لا يؤدي أخيه الإنسان أو يحرمه من حقه في الحياة بأمان، ومن حقوقه المشروعة، فلن نختلف في كون جوهر الدين في الأخلاق:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فالدين معاملة،والعمل عبادة،فلسنا نعرف أي الأعمال ستدخلنا الجنة...

عموما كنا نحتاج لهذه المرحلة لوقفة بعد هذه الحالة الهسترية المكشوفة، لنغير نظرتنا المجتمعية للكثير من الأحداث والمفاهيم وندركها في عمقها،فلا ننتظر من أفراد اشتروا أصواتا من الذين باعوا ضميرهم أن يخدموهم،فالأمر سيان، فلا ننتظر شيئا لأن لا أحد يقدم المال لتقديم خدمة...

كلنا نشترك في الفساد ولا حل إلا بالعودة إلى القيم والدعوة لها في شكل تعاقدي وبرفع أصوات العقل بدل الغضب والسخط والتنكر لأرض نأكل من ثمارها،ونستنشق هواءها ونصطاف على بحارها، ونسقى من غيومها ونرفع أيدينا في اتجاه سمائها تضرعا لخالق الكون كلما قست علينا الحياة في لحظات هستيريا مجتمعية لن تزول إلا بالمقاربات التشاركية...

 

بقلم  رشيدية الركيك     

 

شاكر فريد حسنلماذا تخليت عني

وتركت قلبي يسبح في يم أحزاني

كنت لروحي نبض الحياة وطوق النجاة

كيف تنكرت لعهدي وتناسيت وصالي

لماذا اغتلت حبي ولهفة أشواقي

أيرضيك هلاكي بهذا التجني

ألم تصارحني يومها بهمس شفيف

أنني جنون العشق وكل الحنين

ووعدتني أن تكون لي سندي وعطر الربيع

فلماذا هجرتني وتحالفت مع أقدار زماني

وألقيت بي من جديد في جب صمتي ومتاهات السنين

رحلت فجرعتني مرير كأس الأنين

بعد ان أثملت أعماقي بصدق الهوى

وسقيتني من زلال حب بقدر حجم السماء

ثم خلفت هذه العاشقة تتخبط في عذاب النوى

وتغرق في سيل دموع الجور والجفاء

لم الكل يرتوي من نبع الجنان ويعيش في رخاء

إلا شمسي أنا لا مستقر لها في أي سماء

هذه القصيدة العشقية الرقيقة هي للصديقة الشاعرة المبدعة والقديرة الآتية من ربوع قرطاج في تونس الخضراء، الأستاذة سميرة الزغدودي، صاحبة الحرف الأنيق، والتعبير الجميل، والبوح الصادق، والايقاع الموسيقي الطربي العذب، التي راقتني قصائدها الوجدانية والعاطفية والرومانسبة المخملية العابقة بروائح النرجس والياسمين، الطافحة بالحب والعشق والشوق والوجد والرومانسية الحالمة، والمنشورة في عدد من المواقع الالكترونية وعلى صفحتها الشخصية في الفيسبوك.

وفي هذه القصيدة تساؤلات ومناداة وعتاب للحبيب الذي ترك قلبها يسبح في بحر احزانها، وتنكر لعهوده، وتناسى وصالها، وهو الذي وعدها يومًا أن يكون لها السند وعطر الربيع، لكنها هجرها وابتعد عنها وتركها تتململ وتتخبط في عذابها النفسي وتغزق بدموع الجفاء.

تقول سميرة الزغدودي عن نفسها في احدى قصائدها، أنها " الأصيلة بنت الاحرار والخضراء منبعي، سليلة الامجاد، الكرامة شيمتي والشهامة دربي، تونسية من أهل الهمم والصدق طبعي، قرطاجية الايمان منهجي، شمس نهاري وبدر ليلي، قيراونية الأصالة معدني وبهاء الروح ثروتي، بربرية جريئة عربية متمردة".

ما يميز شاعرتنا سميرة الزغدودي رهافة ودفء الاحساس، طلاوة التعبير، رقة الكلمات، جمال الصور الشعرية، وضوح النص، الصدق العفوي. فالكلمة الحلوة تهز كيانها ووجدانها والحانها المنسابة تجعلها تطرب وتطرب الآخرين.

وهي تكتب بلغة بليغة جميلة ممتنعة وممتعة، ولحروفها وقع يحاكي الوجدان ويدغدغ المشاعر بصدق وأصالة وشفافية، وفي كتاباتها تميز وأصالة وابداع.

ويمكننا القول ان عالم سميرة الشعري وردي مزركش بألوان قوس قزح، عالم سحري خاص يتسم بنقاوته وجماله ورقته، عالم زاخر بالجمال والعفوية المطلقة والبساطة الفاتنة والبراءة الجميلة.

سميرة الزغدودي حالة شعرية خاصة، ومستودع للعبارة الشفيفة الرهيفة والعاطفة العميقة بابعادها الشعورية، وبروحها المشرقة المحلقة. وهي ذات نفس عميق وصوت شعري جريء تجد فيه الصدق وعمق التجربة واللغة الحية.

فتحية من القلب للصديقة الشاعرة التونسية سميرة الزغدودي، وتمنياتي لها بالابداع والمزيد من التألق والتوهج الشعري، ولك الحياة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعكان موقف نابوكوف من دستويفسكي سلبيا جدا، وانعكس هذا الموقف في محاضراته عن الادب الروسي (انظر مقالتنا بعنوان – محاضرات نابوكوف حول الادب الروسي)، وقد أشار  نابوكوف  رأسا في محاضراته تلك، الى ان القارئ ربما لن يتقبّل كلامه عن دستويفسكي، ولن يعجبه، بل حتى ربما سوف يستاء منه، وذلك لشهرة وسمعة ومكانة مؤلف (الجريمة والعقاب) و(الاخوة كارامازوف) وغيرها من النتاجات المعروفة لدستويفسكي في روسيا وفي العالم ايضا . نحاول هنا ان نقدم صورة موجزة ومصغّرة جدا لموقف نابوكوف من دستويفسكي انطلاقا من  ضرورة معرفة القارئ العربي لمختلف جوانب الادب الروسي وتاريخه وخصائصه بشكل عام اولا، وثانيا، لاننا نرى، ان آراء كاتب روسي كبير مثل نابوكوف حول اديب روسي آخر كبير مثل دستويفسكي  تمتلك اهميتها الخاصة رغم كل ما فيها من تنافر- ان صح التعبير -  مع الآراء السائدة بشكل عام حول دستويفسكي ومكانته في دنيا الادب الروسي والعالمي .

 كتب نابوكوف في محاضراته تلك قبل كل شئ، الى انه لا يعدّ دستويفسكي ضمن ادباء روسيا الكبار، بل واعتبره (كاتبا محدودا)، واستشهد في بداية كلامه عن دستويفسكي باقوال الناقد الادبي بيلينسكي، والتي جاءت في رسالته المشهورة الى غوغول، في ان روسيا (لا تحتاج الى كنائس جديدة)، وعلى الرغم من ان بيلينسكي كان يتحدث عندها عن آخر كتاب لغوغول (انظر مقالتنا بعنوان –  رسالة بيلينسكي الى غوغول)، الا ان استشهاد نابوكوف  بكلمات الناقد المذكورة كانت تجسّد اشارة واضحة المعالم الى مكانة دستويفسكي، الذي يعتبره البعض - أكبر كاتب مسيحي في روسيا والعالم  ايضا، ويقارنوه  بالرسامين الايطاليين العظام، الذين ارتبطت شهرتهم بتجسيد الفكر المسيحي في اوربا مثل - رفائيل ومايكل انجلو ودافنشي، الذين رسموا تلك اللوحات الخالدة والشهيرة في  تاريخ الديانة المسيحية ، بل  ان  بعض النقّاد  اطلقوا على دستويفسكي فعلا تسمية – (رفائيل الادب) .

 يربط نابوكوف  مكانة دستويفسكي في هذا المجال (بعد الاستشهاد بجملة بيلينسكي تلك) بمضمون رواية دستويفسكي  – (الجريمة والعقاب)، والتي أكّد الكاتب فيها – كما هو معروف - على الجانب الديني (المسيحي بالذات) لبطلها راسكولنيكوف (انظر مقالتنا بعنوان – راسكولنكوف – بطل رواية دستويفسكي الجريمة والعقاب)، وكيف (ينبعث!) البطل روحيا في نهاية الرواية ويذهب طواعية للاعتراف بجريمته، وذلك  بتأثير علاقته بسونيا وحبه لها، او كما يكتب نابوكوف، بفضل (حب طاهر لعاهرة !)،  ساخرا من دستويفسكي وافكاره في تلك الرواية .

دستويفسكي الروائي ودستويفسكي الفيلسوف وحدة واحدة لا تتجزأ بتاتا، وقد دخل دستويفسكي الى تاريخ الفلسفة الروسية عبر ابداعه الادبي فقط ولم يكتب اعمالا فلسفية بحتة مثل تولستوي، لكن نابوكوف لم يأخذ بنظر الاعتبار خاصية  المزج بين الادب والفلسفة عند دستويفسكي، واعتبر ذلك اسلوبا يقلل من قيمة الادب اولا، ولا يمنح الوضوح الضروري واللازم للجانب الفلسفي ثانيا، ولهذا اصبح دستويفسكي بالنسبة له (كاتبا محدودا)، رغم  ان نابوكوف أشار في محاضراته تلك، الى ان دستويفسكي (كان يمتلك عبقرية الكاتب المسرحي وليس الروائي ..وذلك لان رواياته تشكّل سلسلة مشاهد وحوارات ..) .

 ان موضوعة علاقة نابوكوف بدستويفسكي قد أثارت الكثير من النقّاد والباحثين في مجال تاريخ الادب الروسي، ويمكن القول بشكل عام، انهم جميعا تقريبا كانوا ضد آراء نابوكوف هذه، واعتبروها متطرفة وذاتية جدا وبعيدة عن المواقف الموضوعية، التي يجب ان يتحلّى بها الادباء عند الحديث عن الادباء الآخرين.  

 

أ. د. ضياء نافع

 

نور الدين صمودكاتب هذه الكلمة الموجَزة شاعر تونسي معروف على الصعيد الوطني والعربي والدولي، له من الدواوين المنشورة أربعة عشر ديوانا مطبوعا، إلى جنب ما لم يُطبع من شعره المخزون في الحاسوب وهو في تقدير صاحبه يُناهز أو يجاوز نصف ذلك المطبوع، وله من الكتب النثرية المطبوعة مجموعة منها كتابان في تيسير علم العروض وموسيقى الشعر العربي المأثور عن أعلام الشعر العربي، وأطروحة دكتوراه المرحلة الثالثة ودكتوراه الدولة عن الشعر والقرآن الكريم.

وقد تعلم كاتب هذه السطور قبل ذلك أثناء دراسته العليا مبادي اللغة الفارسية في جامعة القاهرة على كبار أساتذتها خلال سنوات 1955/1958 على أشهرهم الدكتور محمد عبد السلام كفافي، ووقد واصل تعلم هذه اللغة في الجامعة اللبنانية 1958/59 على أستاذ اللغة الفارسية الإيراني محمد محمدي.

ولكن طول الانقطاع عن مواصلة تعلم اللغة الفارسية أنساه الكثير منها، ولم يُنسه ما حفظه من نصوص أعلامها مثل جلال الدين الرومي في (جواهر الآثار) التي ترجمها شعرا أو نظما وحققها ولخص حواشيها العربية والفارسية عبد العزيز صاحب الجواهر، ثم ترجمها نثرا أستاذنا محمد عبد السلام كفافي، فكانت الترجمة الشعرية أعذب لتوفر الوزن اللازم للشعر وكانت الترجمة النثرية أقرب وأوفى لمعنى النص لعدم الخضوع والاضطرار تحت حكم الوزن والقافية.

لقد كان كاتب هذه السطور، منذ بداية اهتمامه بالأدب عامة وبالشعر خاصة، وما زال، مغرَما بالشعر الفارسي عمومًا وبشعر عمر الخيام خصوصا وبرباعياته بصفة أخص، وقد دفعه إلى صياغة الكثير منها شعرا عربيا على بحور الخليل وأحيانا على بحر (الدوبيت) الفارسي كما يبدو من تسميته (دو + اثنان بيت شعر)

ولم يعدَّ الخليل بن أحمد هذا الوزن من البحور التي كتب عليها العرب شيئا من أشعارهم قبل وضعه لقواعد هذا العلم من خلال استقرائه للشعر العربي إلى عهده (100/170 هـ) .

لقد صاغ كاتب هذه السطور كثيرا من رباعيات الخيام شعرا عربيا فصيحا بالاعتماد على معرفته القديمة باللغة الفارسية مستأنسا بترجمات السابقين من الذين ترجموا الرباعيات عن الفارسية مباشرة والذين ترجموها عن لغات أخرى مثل الترجمة الإنكليزية لفيتز جيرالد التي اعتمدها محمد السباعي والد الكاتب المصري المعاصر يوسُف السباعي في تعريب الرباعيات في خماسيات في أوائل القرن العشرين، وقد ترجم الشاعر الكاتب المترجم إبراهيم عبد القادر المازني 13 رباعية فقط عن الترجمة الإنكليزية السالفة الذكر، كما ترجم الشاعر البحريني مجموعة من تلك الرباعيات بالاعتماد على معرفته الجيدة باللغة الفارسية مستعينا بالترجمة الإنكليزية التي يجيدها

ولشدة إعجابي برباعيات عمر الخيام أخذت في البداية أصوغ معاني يعضها صياغة شعرية على مخلف الأوزان والبحور الخليلية بالاعتماد على الترجمات النثرية التي تكون دائما أصدق وأشد التزاما بحرفية النقل والاستئناس يالترجمات الشعرية التي نستأنس بها عند صياغتها موزونة.

ويُسعد صاحب هذه الكلمة أن يقدم في البداية هذه الرباعية التي نظمت على طريقة يمتاز بها الشعر الفارسي، يكتبونه مثنوي أي ثنائيات، واعتبر العرب أن كل شطر بيتٌ فسموه بالعربية رباعيات، والرباعية الأولى وقعت تقفية جميع أشطرها بكلمة واحدة وهذه الطريقة معروفة في شعرهم، وهي على البحر العربي الطويل:

1) أرَى الكُفْرَ والإيمان بَيْنهـما نفـسْ*وما بين شكـِّي واليـقين كذا نفـسْ

وما دام عمْرُ المرءِ ليس سوى نفـَسْ*فكن حازما في صرف عمْركَ بالنفَسْ

1) 5 وأما الرباعيات الستة التالية فهي على المتقارب:

1) إذا أقبل الليلُ أنـْوي المَـتابْ*وترْكَ المدامِ وهجْـرَ الشـراب

وإذ جاء فصلُ الزهور فإني،*أ يا ربِّ، قد تبتُ عن ذا المتابْ

2) ذُق ِالراحَ قبل اعتزام الرحيلْ*وقبل الكرى تحت تُرْبٍ ثقيلْ

وشُمَّ الرياحـين في فجـرها*فلن يضحكَ الزهرُ بعد الذبولْ.

3) إلى م بذا الحرص تَقْضي الحياةْ*وتبقى تفكر في الفـقـر دومَـا

ألا اشربْ، فبعد الحياة المـماتْ،*وَقَـضِِّ حياتَـك سُـكرا ونومَا.

4) على شرفة القصر ذاتُ هديلٍ*تقولُ: تـُرَى أين ولـَّى ذووكْ؟

فوا لهـفـتـاه على ما مــضـى*وأعتـابُـه ذلّ فـيــها المـلوكْ

5) أحِــسُّ بنفسي دبـيبَ الفـناءْ*ولم ألـْقَ في العيش إلا الشقاءْ

ويا حسرتا إنْ قضيتُ ولم*أحُلَّ بفكريَ لغزَ القضاءْ

6) تـَرُوحُ حـياتي وليـست تعــود*كما هـبَّـتِ الريـحُ في الـفـَدْفـَدِ

ولم أطـْوِ نفسي على همِّ أمسي*ولم أطـْوِها عن هـمـوم غـدي

أما الرباعية الموالية فقد وقع الاضطرار إلى صياغة معناها على ما يمكن يُسمَّى مزيد المتقارب لضيق البحر عن أداء المعنى الذي قاله الخيام في وزن لغته:

إلهي ! وضعْتَ بكل الدروب شِراكا*وقلتَ لمن سار فيها: ستلقى الهلاكا

وحمّلتني ذنبَ سَيْري بتلك الدروب*فعفوًا إلهي! ومَن سوف يعفو سواكأ؟ !

والرباعيات الستة التالية وقعت صياغتها على البحر الخليلي الخفيف:

1) جاءني صوتُ هاتفٍ في الظلامِِ*آخِـرَ اللـيــل: يا غُـفـاةَ الأنـامِ!

اِستفيقوا ولـْـتملؤوا كأسَ راح ٍ *قـبل أنْ تمتـلي بخمـرِ الحِمـامِ ِ

2) إن هذا النهارَ والليلَ كانا*قبل كوْني، فدَوْرَةُُ الكونِ غايهْ

خففِ الوطءَ فالثرَى كان عينا*ذاتَ حسن جمالـُها لاحَ آيهْ..

3) سِرْ على الأرض في هدوء ورفق*فلعل التراب قد كان عينا...

لفتاةٍ كانت على الأرض تسعَى*فاحترمْ ذا الترابَ وامشِ الهويْنا.

4) سِرْ على الأرض في هدوء وأيقنْ*أن هذا التراب قد كان مقْلَهْ...

لفتاةٍ ظلـَّتْ على الأرضِ تمـشي*فامش فوق التراب مَشْيَ المُدَلَّهْ.

5) لا تُصاحبْ إلا القليلَ، فهذا*زمَنٌ ليـس فيه أهـلُ الوفـاءِ

ولْتصاحبْ أهلَ الزمان، لِـمامًا*مِن بعيد، فالقربُ كُنْهُ العَـناءِ

6) قال شيخ لمومس: أنت سكرى*كلَّ يوم نراكِ في إثر فاجرْ

فأجابت: صدقْتَ يا شيخُ، لكنْ*أ تُرى أنت مثلما أنت طاهرْ؟

1) شرب القاضي دماءَ الناس لكن*قد شربنا دم بنت العنبِ

نحن عربدنا، ولكـنْ أيُّـنا*شارب من دمنا المنسكب؟

2) ألْفُ ماضٍ فوق هذا الدرب، لكنْ *مَن تـُرى عاد ليأتينا بِـسرّْ؟

قبل أن ترحـلَ خُـذ ما تشتهي*لستَ ترجو عودة من ذا السفـرْ

3) مرَّةً واحدةً نحيا ونـُعْـدَمْ*فلماذا الخوف من موت محتـَّمْ؟

ولذا هَبْ أنّ جسمي ودمائي*ما هما إلا أنا، هل أنت تفهمْ؟

والرباعيتان التاليتان على البسيط

1) إن حان حَيْـني ونام الجسم في جدثٍ*وصَيَّروه أباريقًا وأكوابَا

فلتسكبوا الراح فيها إنها ظمئتْ*وكيف يظمأُ من أسقوه أنخابا؟

2) هل يمكن العيش في الدنيا بلا سَكَرِ*زمانَ تسقي الرياضَ السُّحْبُ بالمطرِ؟

واليومَ تَـنمو بها الأزهـارُ تُمْـتِـِعنا*وزهْـر تُربيَ مَـنْ يرعـاه بالنظر؟.

ويود صاحب هذه الكلمة أن يوضح أن الرباعيات عند الفرس عبارة عن أربعة أشطر مثنوي أي ثنائيات،عند الفرس اعتبرها العرب رباعيات ويمتاز الشعر الفارسي، واعتبر العرب أن كل شطر بيت فسموه العربية بالرباعيات، والرباعية الأولى وقعت تقفية جميع أشطرها بكلمة واحدة وهذه الطريقة معروفة في شعرهم، وهي مع التي تليها على البحر العربي الذي سماه الخليل بالطويل:

****

ويضيفُ كاتب هذه السطور إلى النماذج السابقة نماذج أخرى من صياغات لبعض رباعيات الخيام مع مقارنتها بترجمة بعض السابقين، فقد صاغ أحمد رامي جميع ما ترجمه من رباعيات الخيام على البحر السريع، وقد استهلّ ترجمته لها بهذه الرباعية التي غنتها أم كلثوم بتلحين رياض السنباطي :

سمعـت صوتا هاتفا في السحرْ

نادَى من الحان: غفـاة البشـرْ

هُبُّوا املأوا كأس الطلا قبـل أن

تُفـْعِـمَ كأسَ العمر كـفُّ القـدرْ

والملاحظ أنه قد أبدلت في هذه الرباعية كلمة (الحان) بكلمة (الغيب) وعوضت كلمة (الطـِّلا) بكلمة (المُنـَى)، ووقع الاختيار على كلمة (تملأ) بدل (تـُفعم) 

وقد صاغ كاتب هذه السطور الرباعية السابقة أكثر من مرة (على المتقارب):

1) سمعتُ من الْحانِ، وقتَ السُّباتْ،*نـداءً يقولُ: ألا يا غُـفاةَ) !

أفيقوا لسكْبِ الطِّلا قـبـل أنْ*تَفيضَ وتُملأَ كأسُ الحياة

2) أتاني من الْحانِ، وقتَ السَّحرْ،* نداءٌ يقولُ: غفاةَ البشـرْ

أفيقوا لِسَـكْبِ الطـّـِـلا قـبل أنْ*تَفيضَ وتُملأَ كأسُ العمُر

3) سمعت هتافا سرى في الظلامْ*يقولُ: أفـيقوا غُـفاةَ الأنامْ !

لِمَـلْءِ كـؤوسِ الطِّـلا قبل أنْ*تُفيضَ الحياةُ كؤوسَ الحِمامْ

4) سمعت هتافا سرى في الظلامْ*يقولُ: أفيقــوا غُـفاةَ الأنامْ!

لكي ما تُـفيضوا كـؤوسَ المدامْ*وتستَبِِقوا فيضَ كأس الحِـمامْ

5) سمعت نداءً سرى في الدجى*ينادي: انهضوا يا غفاةَ الورَى !

لسكب كـؤوس الطِّـلا قبل أنْ*تَفيـضَ وتُملأَ كـأسُ الردَى

وقد تصرف كاتب هذه السطور في صياغتها وقـلْبها عدة مرات على البحر السريع مع تنويع الروي:

1) سمعتُ صوتا هاتفا في الظلامْ*نادى مِـن الغيب: غـُفاة الأنامْ

هُـبُّوا امْلأوا كأس الطلا قبل أنْ *تـَملأَ كاسَ العمْر كفُّ الحِمامْ

2) سمعت صوتا هاتفا في الدجَى*نادى من الغيب: غفاة الورَى

هبوا املأوا كأس الطلا قبل أنْ*تـَملأَ كاسَ العمرِ كفُّ الـردَى

3) سمعت صوتا في الدياجي يَرِنْ*نادى من الغيب: هُـواةَ السُّباتْ !

هبوا املأوا كأس الطلا قبل أنْ*تملأَ كأسَ العمرِ كفُّ الممات

وأكتفي بما قدمته من صياغاتي الشعرية لما ترجمته شعرا من رباعيات الخيام، هذا ولي عودة إلى هذا الموضوع بطريقة أخرى آملا أن تجد هذه الصياغات الشعرية العربية التونسية طريقها إلى القراء العرب مجموعة في كتاب يستحقها الشاعر الفارسي والمزدوج اللغة شعرا ونثرا . !

 

أ. د : نور الدين صمود

 

 

محسن الاكرمينالمشهد الأول: حضن ثدي الألم: تعيش نوارة خلوتها الرفاعية حيث دخلت مرحلة البحث الحثيث عن بوابات تلبية حاجياتها النفسية بفيض نيل السعادة والكمال. ذلك النزوع جعلها تفرض على ذاتها قوسين لتحرير نفس الذات من أسر حضن ثدي الألم المستديم. تحرير ممكن أن يلقي بها بتمام التكامل في قبلات فرحة الحياة وسعد المكان، ممكن أن يطوح بها أرضا عبر رعشة كاملة حتى وإن جهلت نهاياتها الختامية. هي تلك الإشارات السميكة التي عمدت نوارة على رسم مساحاتها بالتضاد لتقليص الحضور وتأثيث جوهر لغة الابتعاد.

فيما أسيف فقد تخبلت كبة وجوده بين متناقضات أشعة عيون الحب والكف عن الكلام المباح. تفكير أسيف ينهل من قاموس وثاق الوفاء للعهد الصلب بينه وبين نوارة. لكن روح أسيف الداخلية تعيش فيضا من وحي غيب التخمينات السالبة لروح الحب والوفاء لمعشوقة الحياة. نعم يقول أسيف " من لم يقف على إشارات نوارة الظاهرة، من لم ترشده عباراتها المشكلة بطرز الكلام، فلن يقف على حقيقة ارتقاء أطوار العلاقة بالبناء أو الهدم".

 أشكلت إشارات نوارة المتعددة على الإدراك والاستيعاب لها بالوضوح التام. ضياع مسارات طريق علم الظاهر والصريح أطبق ظل شبحه خنقا على روح أسيف. فيما أعمال باطن قلب نوارة بحقيقة الحب لم ينكشف للعموم، ولا للذات ذات النسوك التصوفي، وحتى أن أسيف أصبح مرسم حبه لا روح له، ولا حياة متقدة بالتجديد.

سفر قلب أسيف في مطالبة المحبوبة بلقاء ود أصابه فصام التسويف على الدوام. وبين صفحات كتب أحاط نفسه بتل منها، وقف عند متم التفكير في نسخة ثقافته الباقية، حيث تأكد أن حب نوارة يتشكل من الهوى النقي المشبع بالعشق، وبين هالة روح نوارة لأنها أهل لذلك الحب الصادق.

توقف التفكير عند أسيف اليوم في كل المآلات الممكنة، في كل أحداث سراب التاريخ الافتراضي القادم. فكان لا بد من أن ينتقل أسيف إلى مستوى اعتناق الأمل والزهد عن الكلام. انتقل إلى الكشف عن كل البوابات التي توصل إلى يقين حياة الحب، ومبايعته بقبلة تطبع حرارة على الشفاه الوحيدة. حينها تذكر تاريخ الفاتنة "ميدوزا " وخطيئة ممارسة الحب المباح وسط بيت العبادة ولعنة الالهة وتحجر الحب في مدينة الأسطورة أثينا، تذكر بداية علاقته بنوارة وطفرة وصال التوحد الذاتي والروحي والمعرفي.

بالباب يد تلتحف خاتما أصبح يسمع عليه بالدق. سماع طرق موسيقي خفيف يكرر إشعار الحضور على لوح الباب الموصدة. تفكير أسيف تحرك بالتخمين عن ضيف السعد القادم إلى بيته. قبل التململ من كرسيه المنخفض أرضا، عمل على إطفاء صفاية سيجارته التي لازالت النار مشتعلة بحواشيها ، عمل بعد قيامه على فتح النوافذ للتهوية من ثاني أكسيد الكاربون، عمل على إطفاء الأنوار الكهربائية وترك نور الإله يلج إلى غرف بيته بالمجان ويحتلها بالحماية.

بدأ دقات الباب تتباعد وتقل امتدادا ، حينها أسرع أسيف إلى الباب وناوله بالفتح على مصراعيه بالتمام، كان آخر دخان السيجارة في صدره قد أحدث له سعالا خفيفا. لكن حين رفع من امتداد رؤية عينه اليمنى المائلة بحكم تموضع رأسه، استفاق من حكم سلطة عيون ميدوزا الحجرية إلى بسمة حبيبة القلب. إنها نوارة ، وبمتم قبلة شوق واحترام على الجبين وقف أسيف صامتا في حرم الجمال . كل ايات الترحاب نالته نورانية نوارة وهي لا ترد على أسيف إلا بصمت ابتسامة رسمت قوس قزح قرمزي بالمنزل. حينها ترى سعد الفرح الكامل مثل حضور قصيدة حب وذكرى ذكريات بعيدة...

المشهد الثاني: صمت الملوك

تحرك أسيف يمنة ويسرة وهو يخلي طريق نوارة من كل ما بعثر بأرض الغرفة، كان أمله في أول خطوة يمنى لنوارة ببيته أن يمد السجاد الأحمر أرضا بتميز الأنوار المشعة. توقف مليا حين تناول قراءة عنوان كتاب نزع منه الغلاف بالمناولة المتكررة " الحياة ومعنى سؤال الوجود ". توقفت نوارة عن السير قدما واقتنصت برؤية خاطفة وبقوة دلالة عنوان الكتاب بحد مشكلة كينونة الوجود ومعنى الحياة بين الذات والآخر. لحد الساعة كانت عيونها تحوم بالطيران مسحا لكل أرجاء البيت.

 حين توقفت وصولا بمرسم أسيف، استأذنته بأن أوحت إليه بكشف الحجاب عن الصورة المغطاة بمنديل أبيض يحمل كل شخبطة متنوعة من ألوان الطيف. كانت إشارات أسيف برفع الرأس وإسداله عموديا تدل على الإيجاب. وبطريقة تحمل صيغة الأبعاد اللاشعورية نزعت نوارة الغطاء بمهل عن اللوحة. حينها وعند الرؤية الكاملة جثت على ركبتيها بمقابلة اللوحة. إنها هي، والله هي ، نوارة التي تعيش ببيت أسيف أسيرة لوحة صماء بلا حركة ولا دوشة حياة. جميلة هي نوارة بدمعة عين وحيدة وابتسامة منكسرة مائلة الى يسرة الصورة. لم يستطع أسيف تفسير الجمع بين الدمعة والابتسامة. لكن إعجاب نوارة بتوأمها الورقي أناط عنه كل تبرير بالتلعثم المتباعد.

بين عالم نوارة المنظم بالتسلسل العقلاني والشد على رهافة الوجدان بالحساسية المفرطة. يعيش بالمقابل في الضفة الموالية أسيف في عالم العبث غير الخاضع لرقابة العقلانية واللاعقل، يعيش في نعش الفراغ الموحل في القدم.

 استطاع أسيف أن يسرق لحظة حب في ظل زمن المادة الذي يحتل أمة نساء حواء على السواء. استطاع برؤية نوارة أن يكبل الذات العبثية بين يديها ويفك عن الحب رماد التقادم . استطاع أن يغير وجه الحضارة في إحاسه الوجودي حين صارت نوارة كدوار شمس مزهرة، وعندها أعلن ثورة التغيير على رواسب الحضارة المنسية من سجل تاريخ حياته المنسي. استطاع قتل الأحزان وممارسة الحب عند طلوع فجر نور كل إصباح.

أضحت حياة أسيف مرتهنة بين الدعوة إلى نسق الترتيب التفكيري والنفور من طوق عبث لخبطة الحياة المميتة. حتى أنه غير ما مرة يسقط في خانة التفكير الطوباوي القادم من العصور الوسطى. حين أحس بقوسي معكوفتين من أيام الابتعاد والتراجع بالجفاء عند نوارة، سقط أسيف في مناولة قراءة أزلية "سيزيف"، حين عشق نوارة اتية من قمة الجبل ونوارة السفح. حينها تاه صعودا إلى الجبل ثم العود نزولا. شقاوة المعاودة ألف فيها أسيف حياة رواية ألف ليلة وليلة بدوامة لا تنتهي . أية عبثية كهذه يا أسيف في حياة برودة الحب؟، أي حب هذا في ظل عذاب الذات وجفاء الآخر؟، أين هي إنسانية الحب الوجودية بنهاية أسطورية "سيزيف"؟.

هي ذي فسحة المناجاة الروحانية بلغة الحوار الكتومة. لكن نوارة اليوم قررت الجلوس على سرير نوم أسيف لأول مرة. فبعد أن اعتدلت جلوسا متوسطة جانب السرير الأيمن من جهة زاويته الكاملة ، ضمت أسيف إلى صدرها وعيونها تمطر دمعا في ظل زمن جفاف السماء. حل البكاء بلسما حينما أصبح الكلام مؤامرة بين الإثنين يسقطهما كرها في خانة التورط في السجال البئيس. لم تكن جلسة أسيف مستوية لكنه آثر أن يمد يده فوق ركبتي نوارة وهو بجلسة قرفصاء منتصفة. عينه تتابع كل دمعة منها ولو همت بالسقوط. بين الدعوة إلى لمً دمعات العين ومداواة القلب الجريح بسعد الحب الممكن، سقط رأس أسيف بين ركبتي نوارة ولم يبرح مكانه ولو بكلمة واحدة غير ترديد لازمة قارة في الذاكرة السفلية " ... لا أناقش حبك ، فهو يقرر في أي يوم يأتي ...وفي أي يوم سيذهب...وهو يحدد وقت الحوار ...وشكل الحوار...".

(يتبع)

 

ذ/ محسن الأكرمين

 

علجية عيشأبدعت الشاعرة الجزائرية لوازنة بخوش وهي تلقي قصيدتها أمام شاعرات عربيات، في مهرجان الشعر النسوي في طبعته العاشرة بعاصمة الشرق الجزائري قسنطينة، فكانت في مستوى الإبداع النسوي، وقد اختزلت الشاعرة بخوش العولمة في أبيات شعرية تستهوي عقول المستمعين إليها وعلى أوتار العود زادت التوقيعات الموسيقية القصيدة جمالا وبهاءً، نقشت كلماتها في الذاكرة الشعرية

قرأت الشاعرة لوازنة بخوش "العولمة" بأسلوب قفزت من خلاله إلى مراتب المنظرين وهي تصف الواقع العربي في ظل الثورات العربية والحروب ألأهلية التي يشهدها العالم العربي ومخاطر العولمة على مستقبل الشعوب، تقول الشاعر بخوش أن العولمة أسواقها ملغمة .. اقتل خوك وشيع خوك، وهي بذلك تشير إلى الإرهاب الهمجي وتورط أبناء الوطن الواحد والملة الواحدة في عمليات التقتيل والذبح، فأعطت للعولمة لقبها الذي يليق بها، إذ تقول العولمة هودنة.. نصرنة.. زندقة..هرطقة.. ثم تمضي في سردها الواقع بلغة شعرية جذابة، فتقول : العولمة هي رصاصة مبتسمة، هي امتصاص للدماء، هي مشاعر ملغمة..، رسائل مُسَمَّمة، هي دعششة، حشحشة، تمتمة، خربشة، أقلمة، إلا أنها (حسب الملاحظين) أخطأت في قولها أن العولمة حوكمة، لأن الحكامة رشيدة، والأنظمة ذات الحكم الراشد لا تشجع على الإرهاب ولا تمارس ثقافة القهر والإستعباد للشعوب، بل يسعون إلى تهميش الثقافات المحلية وفرض نمط معين من الفكر والثقافة، ثقافة كونية عالمية يتم فرضها على شعوب العالم.

القصيدة هي من نوع الشعر الحر، وكما فهمها المتتبعون تدخل ضمن الشعر السياسي، والقليلون جدا من يعبرون عن واقع المجتمع العربي السياسي بأسلوب شاعري بعيد عن أيّ تحريض أو تهديد أو تأويل أو تمييع للحراك السياسي الذي تعيشه الشعوب، هي مشاعر امرأة تتوجع في صمت، ولكنها تأبى أن تظل هذه المشاعر مكبوتة، بل تطلقها وكأنها رصاصة في وجه دعاة العولمة الذين يرفضون تحرر الشعوب وتنوير عقولهم وتحريرها من العبودية والتبعية سواء كانت سياسية، اقتصادية أو ثقافية فكرية، ومما لا شك فيه أن الشاعرة جعلت من قلمها سلاحا تواجه به مخاطر العولمة والثقافات الغربية، دفاعا عن العروبة والدين والعادات والتقاليد العربية الإسلامية، في ظل الصراع بين الشرق والغرب، طبعا هي جرأة امرأة، وهي سمة طبعت المرأة الجزائرية سليلة نساء مقاومات، ونشير هنا أن هذه المفاهيم والمصطلحات التي ذكرتها الشاعرة في قصيدتها تحتاج إلى شرح معمق للوقوف على معانيها ومدلولاتها، وإن كان الجمهور قد تفاعل مع القصيدة، إلا أنه تفاجأ للإنسحاب المفاجئ للشاعرة التي أعلنت الرحيل بعد إلقاء قصيدتها، لأسباب تخصها هي، ولعل السباب تعود إلى الفوضى التي حدثت اثناء إلقائها القصيدة، كانت طبعا ثرثرة نساء، اضطرت محافظة المهرجان إلى التدخل لفرض الهدوء.

 

علجية عيش

 

محمد عبد الكريم يوسفعندما شعرت زوجة أنطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي بالغيرة في يوم من الأيام من الالتفاف الجماهيري الكبير وغيابه المتواصل أيام وأيام عن البيت داعبها قائلا" يدي التي تلوح للملايين ملك لك .”  كان أنطون سعادة يقصد ما يقول لأقرب الناس إلى قلبه .

ومن المواقف التي أعجبتني كثيرا في هذه الحياة في عام 2013 عندما خرجت السيدة الأولى أسماء الأسد مع طفليها بين الجماهير في ساحة الأمويين بين الحشود الغفيرة وكأنها تريد أن تسجل موقفا للتاريخ وللسيد رئيس الجمهورية وهو:" أنا مواطنتك يا سيادة الرئيس . مثلي مثل أي مواطن سوري."

إنما الحياة مواقف هذا ما يقوله الحكماء ..وقليلون من يدركون معنى هذه المواقف .

تروي الحكايات قصصا عن مواقف فيها الحكمة والطرافة والحزن ومن بينها اخترت لكم هذا الأسبوع هذه الحكاية الجميلة:

قال على عجل وهو يضع معطفه فوق كتفيه:" لقد تأخرت قليلا عن الاجتماع. علي أن أسرع." ثم خرج من البيت مسرعا. ركب سيارته و مشى بعيدا .في هذه الأثناء كانت هي تهبط الدرج درجتين درجتين مسرعة وتصرخ:" انتظر! انتظر!" .لكنها اكتشفت أنه قد رحل.

جعدت فمها كما تجعد جريدة وهمست لنفسها: " لقد نسي أن يعطيني قبلة الوداع." كان صوتها يرتجف تحت تأثير شعورها بالألم . اتصلت به بالهاتف وقالت له باتهام: " لقد غادرت المنزل من دون أن تعطيني قبلة الوداع." أجابها نادما: " أنا آسف يا حبيبتي " ردت: " لا بأس ."  وحاولت أن تبدو ناضجة تماما ثم أقفلت الخط .

تناولت فطورها بسرعة  ثم لبست حذاءها والتقطت حقيبتها المدرسية ثم بدأت تمشي نحو الباب وكتفيها منحنيين نحو الأسفل بسبب حزنها. وأثناء هبوطها الدرج للخروج، توقفت سيارة مسرعة أمام المنزل. نزل منها رجل . هرعت إليه مسرعة، وشع وجهها بالنور وكأنه شجرة عيد الميلاد .

غمرها بذراعيه ورفعها إليه ثم قال لها: " أنا آسف. لقد نسيت ." لم تقل شيئا. لكن فكها تألم من شدة ابتسامتها .

بعد مضي خمسة عشر عاما، لن يتذكر أحد أنه تأخر عن الاجتماع، لكن الفتاة الصغيرة لن تنسى أبدا على مر الأيام أن والدها عاد للبيت فقط ليعطيها قبلة الوداع.

و يُحكى أن غانـدي كان يجري بسرعة للحاق بقطار  وقد بدأ القطار بالسير  وعند صعوده القطار سقطت من قدمـه إحدى فردتي حذائه فما كان منه إلا خلع الفردة الثانية وبسرعة رماها بجوار الفردة الأولى على سكة القطار  فتعجب أصدقاؤه !

وسألوه ما حملك على ما فعلت ؟ لماذا رميت فردة الحذاء الأخرى؟

فقال غاندي الحكيم:  أحببت للفقير الذي يجد الحذاء أن يجد فردتين فيستطيع الانتفاع بهما  فلو وجد فردة واحدة فلن تفيده  ولن أستفيد أنــا منها أيضا.

ويحكى أن رجلا أعمى جلس على إحدى عتبات عمارة واضعا ً قبعته بين قدميه وبجانبه لوحة مكتوب عليها ": أنا أعمى أرجوكم ساعدوني  ".فمر رجل إعلانات بالأعمى ووقف ليرى أن قبعته لا تحوي سوى قروش قليلة فوضع المزيد فيها  دون أن يستأذن الأعمى . أخذ لوحته وكتب عليها عبارة أخرى وأعادها مكانها ومضى في طريقه لاحظ الأعمى أن قبعته قد امتلأت بالقروش والأوراق النقدية، فعرف أن شيئاً قد تغير وأدرك أن ما سمعه من الكتابة هو ذلك التغيير فسأل أحد المارة عما هو مكتوب عليها فكانت الآتي  ": نحن في فصل الربيع لكنني لا أستطيع رؤية جماله."

هي الحياة بما لها وما عليها رسائل وإشارات والمحظوظ هو من يفك الشيفرة ويفهم الرسالة المبتغاة منها دون عناء .

ألستم معي في ذلك ؟

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

سعيد مقدمكان حر المدينة على أشده، خرجت من كوت عبدالله متجهًا إلى الكواخة؛ كنت آنئذ ابن الثامنة عشرة.

رفعت يدي مؤشرًا إلى السيارة القادمة، فوقفت أمامي وركبت؛

كان يومًا مكفهرًا، طلبت من السائق أن يشغل المسجل لنستمع إلى أغنية ما؛ قال ونظره يراقب الجادة من المارين:

إن جهاز المسجل تعطل اليوم، ولا يفر الأشرطة بتاتا!

رجوته أن يناولني شريطا لعل حظي يشغلها فتخرجنا من هذا الجو المتعب وتنسينا بعض هموم اليوم.

مد يده تحت كرسيه وناولني ثلاثة أشرطة.

وضعت الشريط  في المسجل وحاولت أن أشغله، بدا وكأنه ميت، امتحنت الشريط الثاني والثالث، وعبثا ما حاولت؛ يبدو أنه بحاجة إلى تصليح كامل.

فوضعت الأشرطة أمام السائق على لوحة العداد.

ونسي أن يرجعها إلى مكانها، حيث كانت مخبأة تحت كرسيه.

والكل يعلم أن الحكومة الإيرانية كانت قد حرمت الموسيقى، سوى الأناشيد الدينية وتلك التي كانوا يسمونها ثورية.

وصلنا إلى حاجز تفتيش، وحاول السائق أن يخبئ الأشرطة، لكن أحدهم رآه.

أمرونا أن نترجل من السيارة، ثم بدأوا يفتشونها حتى أخرجوا الأشرطة المغناطيسية جميعها.

ولولا الأشرطة الثلاثة التي نسي السائق أن يخبئها، لمررنا بسلام.

قال السائق والاضطراب بائن على ملامحه:

إنها أشرطة مآتم ولطم، وبعضها أناشيد الثورة الإسلامية؛ ثم إن جهاز المسجل معطل.

 حدج مسؤولهم السائق بارتياب ثم قال:

سأمتحن المسجل والأشرطة، فإن كانت كما تدعي، تمرقون دون أن تتعرضوا لأي أذى، وإلا سأدمرها على رأسك!

نظر السائق نحوي وهمس مبتسمًا: الحمد لله أن المسجل معطل.

ودخل رئيسهم في السيارة ووضع الشريط في المسجل وضغط على زر التشغيل؛

وإذا بصوت عبدالأمير دريس يصدح عاليًا:

(مرمرني الصبر والشوق مرمرني)!

نظر الرئيس إلى السائق شزرا وقال: لابد أن هذا صوت (آهنكران)؟! (وكان آهنكران منشد الثورة آنذاك).

ثم وضع الشريط الثاني وكان صوت سميرة توفيق والثالث داخل حسن وهلم جرا.

نزل الرئيس والشرر يتطاير من عينيه، أحضر صخرة – ولم يعر اهتمامًا لرجاء السائق - وأمام أعيننا دمر الأشرطة كلها.

ومن يجرؤ على الاعتراض؟!

ثم دفع السائق نحو سيارته قائلا: انقلع أيها الكذاب المنافق! ترتكب الذنوب في وضح النهار، ولا تستحي.

سرنا والحزن رائن على وجه السائق، والامتعاض جلي على وجهي.

قلت أكلم نفسي:

إن لم يكن هذا، التحجر بعينه؛ فماذا عسى التحجر أن يكون؟!

وساد السكوت بيننا إلى أن بلغنا الكواخة.

 

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

 

شاكر فريد حسنأعرف الشاعر عادل جميل زعبي منذ صغري، من خلال محاولاته الأولى في كتابة الشعر، التي كان ينشرها في مجلة " لاولادنا" التي كانت تصدر عن دار النشر العربي في تل- أبيب، وتغير اسمها بعد ذلك إلى " مجلتي "، ثم عرفته حين شب وكبر، حيث واصل دربه ورحلته مع الحرف والكلمة، فطور موهبته وملكته الشعرية وأغناها بالمران والتجربة والقراءة والاطلاع الواسع، وراح ينشر كتاباته وقصائده الشعرية في صحافة الحزب الشيوعي، وخصوصًا صحيفة " الاتحاد".

عادل جميل زعبي من بلدة كفر مندا، رأى نور الحياة فيها العام ١٩٦٠، نشأ وتعلم فيها، وعاش بين احيائها وأزقتها.

عايش تجربة الحزب الشيوعي منذ تفتح وعيه، ومن خلاله تعرف على الفكر الايديولوجي الثوري والطبقي، الذي آمن وتسلح به، وانتصر له.

وفي العام ١٩٨٠ تعرض عادل للاعتقال بسبب نشاطه ومواقفه السياسية والوطنية، وتلتها بعد ذلك اعتقالات أخرى، لكن السجن لم ينل من عزيمته وارادته وايمانه، وانما شكل مدرسة له، وزاده تمسكًا بالطريق والفكر والكفاح لاجل شعبه، ودفاعًا عن قضاياها المصيرية.

امتلك عادل الموهبة منذ نعومة اظفاره، ومضى على حوافي الكتابة، التي تمثل بالنسبة له- كما قال مرة - ولادة قيصرية ادا تخرج يكون النهر في حالة شبق فيفيض.

حمل الهم والوجع الفلسطيني وسكن الوطن، ونسج حروفه الحريرية، وغزلها بجمال الكلمة، وتنوعت موضوعاته وأغراضه الشعرية، فكتب عن الوطن، والانسان، والعامل، والمرأة.وكتب في الحب أجمل قصائد الغزل والرومانسية.

فهو " لا يملك نافذة للريح، لكنه يملك قلبًا منكسر الخاطر، وخارطة للحزن، ووجهًا أسمر القسمات، بيته ضيق، لا كرسي للجلوس، لا فناجين قهوة، لكنه يملك ساحة الحبق ".

ولعادل زعبي عشرات القصائد الوطنية والوجدانية والرومانسية المتسمة بالعذوبة والشفافية والرقة والتدفق اللفظي، التي تمس القلب وتدخل في العمق دون استئذان، المنشورة في مواقع الشبكة العنكبوتية وعلى صفحته على الفيسبوك.

ولنستمع اليه في هذه القصيدة العاطفية الوجدانية حيث يقول:

ذري طقوس العشق

للعشاق

وخذي القليل من

الرحيل

حضن ولهفة وعناق

قبلي

على شعب السحاب

في الليل باب

وحدك من تفتحيه

ووحدك

مفتاح عقدته اليباب

ضمي فراغي

ودعيني

أشتهي فبك جماعي

إذ يكون

لحظة تلج التداعي

وأزنرك بنبضي

وبمزامير وداعي

اشربيني

ذات طيش

ذات كأس

فاض

من شغف الحنين

وتشظي

كرياح الياسمين

ويخاطب عادل العامل، ويحتفي معه، ويقدم له وردة بعيده في الاول من أيار:

ويهرب المساء كذكريات الأمس

والكون منشغل بهموم الآخرين

لا هم لا هم

فعيوني لا ترى الا احتضار الزمن المنسي

في وجهي الحزين

فلتعبر الأشياء

ولتمت الأسماء

فالكون اصبح ضيقا

والقلب مثلي مغلقا

والعابرون نسوا خطايا

وانبهاري بالوجوه الغاربات

سأعود ذاتي ذات مرة

سأعود قلبي ذات مرة

حين ترعش بي الحياة

كل أيار والمتعبون بالف خير

عادل جميل زعبي شاعر الفن الهادىء، والكلمة الملتزمة الناعمة، الحافلة برشاقة الالفاظ والسلاسة والجمال بقالبها وايقاعها الجميل، ويحملنا الى عالمه الشعري بكلماته الشجية الطلية، فيهز مشاعرنا ويشعل المواجد فينا.

وهو يكنب باحساس وخيال والتزام وطني وسياسي، ونصوصه مميزة شكلًا ومضمونًا، تنبض بحب الوطن، ومنحازة لقضايا الانسان الكادحة، متدفقة بالعواطف والاحاسيس والانفعالات والآهات والأحلام المكسورة.

انها نصوص زاهية الصور، أنيقة الحروف، رقراقة، صادقة الحس والانفعال، وذات ايقاعات خاصة تمتاز بالجمال والتأنق التعبيري.

عادل جميل زعبي شاعر خرج من شرنقة الابداع، يمتلك الموهبة، لكن أغمط حقة، ولم ينل الاهتمام النقدي، ولذلك بقي اسمًا في دائرة الطل، بعيدًا عن النجومية والشهرة المزيفة.

تحية الى الصديق الشاعر المنداوي عادل جميل زعبي، وتمنياتي له بالمزيد من العطاء الشعري، وليبق قلمك سيالًا شامخًا كشموخ الجليل، مع خالص الود والتقدير لك، انسانًا ومبدعًا ومكافحًا.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

شاكر فريد حسنايمن كامل اغبارية من الأصوات الشعرية الجميلة المهمة التي ظهرت على الساحة الادبية في التسعينيات من القرن الماضي، محدثة اتساعًا في خريطة الابداع الفلسطيني .وينتمي لجيل سامر خير وصالح حبيب وبشير شلش وعبد المحسن نعامنة وغيرهم.

وقد شد ولفت الأنظار بقصائده التي كان ينشرها في صحيفة " الاتحاد " ودورية " مشارف " الحيفاويتين.

أيمن كامل رزق اغبارية هو شاعر وكاتب مسرحي وباحث في السياسات التربوية الاسرائيلية، وناشط في مؤسسات المجتمع الفلسطيني. ولد في مدينة أم الفحم العام ١٩٦٨، ونشأ في بيت يعشق الكلمة والادب وشغوف بالمطالعة، حاصل على اللقب الثالث من احدى جامعات الولايات المتحدة، ويشغل محاضرًا في جامعة حيفا.

اقتحم دنيا الشعر وامتطى صهوة الابداع وهو على مقاعد الدراسة الأكاديمية، ونشر قصائده في الملاحق الثقافية الأسبوعية، ثم جمعها في ديوان شعري أسماه " تناثرت وأحب أن لا يجمعني أحد ".

شارك في الكثير من الندوات والأمسيات الشعرية، وترجمت بعض قصائده الى اللغات العبرية والانجليزية والألمانية.

وله مسرحيتان هما " الباص، وبياض العينين ".

والحقيقة أن الاكاديميا أخذت وسرقت أيمن من عالم القصيدة، وتركزت اهتماماته وانشغالاته في الدراسات الاكاديمية التربوية والابحاث العلمية بمجال اختصاصه.

لكنه فاجأنا العام ٢٠١٥ باصدار ديوان آخر، أي بقارق ١٥ سنة على صدور ديوانه الأول، واختار له عنوان " ملاقط غسيل ". لقي اهتمامًا وأصداء طيبة بين جمهور القراء والاكاديميين والمثقفين والمبدعين الفلسطينيين.

يكتب أيمن القصيدة النثرية، وهو باسلوبه ولغته ومفرداته ورموزه أقرب الى شعراء لبنان أصحاب  هذه القصيدة ، امثال أنسي الحاج ويوسف الخال وشوقي أبي شقرا وعلي أحمد سعيد ( أدونيس ) وغيرهم.

انه منحاز لوظيفة الشعر المعرفية، وينطوي خطابه الشعري ومشروعه الابداعي على قوة السبك والرمز والتناص ومتانة البيئة اللغوية والفنية للقصيدة، وعمق العلاقة التي تجمعه بمنابع الثقافة العربية والعالمية.

وهو مختلف في كتابته الشعرية عن غيره من شعراء بلادنا، إذ أنه يكتب بلغة سردية تعكس مستوى ثقافته ومعرفته وتجربته.

يعالج أيمن في قصائده قضايا متنوعة عايشها وعاشها ومر بها، ويتجلى أكثز شيء في انثيالات تعابيره وتأملاته الوجدانية في قصائده الرومانسية والرومانتيكية.

ومن قصائد أيمن اغبارية هذه القصيدة الجميلة بايحاءاتها وأبعادها المتعددة، بعنوان " طروادة " حيث يقول:

طروادة

في جوف حصان طروادة

استنكف محارب صرعته العتمة

هانذا أكتب اسمه بمعجون الأسنان

على مرآة الحمام.

هانذي أحصي مخاوفي بدلًا عنه

لأخفف عن سيف وحدتنا

.........

منذ حاصرت طروادة حصانها

لم يتغير في العالم الكثير.

ولم يحدث شيء مما انتظرناه.

خيل كثيرة

حلمت بدخول طروادة.

ومنها كتابي الأول

ديوان مليء بالفرسان والخسارات.

لم يلتفت إليه النقاد

ولم يعبأ به حراس الأسوار.

..........

منذ أن هدمت طروادة

لم تنجح القصائد بتغيير العالم

ولم يعد الشعراء يبتعدون عن انفسهم.

كتب كثيرة

حاولت استعادة الأحلام الضائعة.

ومنها كتابي الاول

ديوان مليء بالمرايا والفشل

ظل خارج تاريخ النهار والخيل.

لكنه منذها

احتل أكثر من وسادة

واستطاع أن يشبه وجه الليل

يمتاز نص أيمن اغبارية باشارات عميقة ودلالات حسية، واهم ملامحها الوحدة العضوية، والبيان الشعري الذي تنم به الجمل والصور والمجازات والمفردات اليومية التي يدرجها في متن قصائده،  بانفتاح الشعري على اليومي والهامشي والعابر، وفي الاعتراف الحميم والالم الشخصي.

والكثير من نصوص أيمن اغبارية ترقى الى أعلى مراتب الشعرية، رغم نثريتها، ترقى بصوتها، وحسها الانساني، وتوهجها، وانسيابها الشعوري الذي يولد من داخل الكلمات لا من ضجيجها.

ورغم أن قصائد ديوان " ملاقط غسيل " تشكل استمرارية رحلة أيمن اغبارية الابداعية المتطورة والمتجددة، إلا انها تدل على نقلة نوعية في دربه الشعري، فهي قصائد متطورة من الناحية البنائية الشكلية والايقاعية، والمضمون، ودلالات المفردات ووظائفها، وفي الصور الشعرية المبتكرة الجديدة.

ومن خلال قصائده يجعلنا أيمن اغبارية نستشف القضية الانسانية بكافة جوانبها، حيث يتجسد الهم والالم الانساني والقلق الوجودي.

وتظل الحقيقة أن ديوانه " ملاقط غسيل " يشكل خطوة رائدة وابداعية متطورة في مسيرته الشعرية المتشعبة، ويكشف أن أيمن اغبارية لم يقل كلمته الأخيرة بعد..!!

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

خالد جودة احمدناضل المثقف اللغوى المهندس عبد المنعم الغرورى في أكثر من قضية تتصل باللغة العربية منها (أمومة اللغة العربية لكل اللغات الاخرى) ومنها (التأصيل العربي) لكثير من المفردات في اللغات الاخرى ومنها (خلو القرآن الكريم من الألفاظ الأعجمية) موضوع كتابه الصادر طبعته الأولى 2009.

بداية ننظر الى جانب من سيرة هذا المكافح المهندس الذى قاده تخصصه المهنى في مجال المسننات (التروس) ليقف على عظمة لغة القرآن الكريم، فكانت قضيته الأثيرة التى بذل فيها جهودا مشكورة يقول رفيق دربه الثقافي الشاعر الكبير الراحل الوردانى ناصف (لفت نظرى بحبه الجارف للغة العربية وغيرته الشديدة عليها بشكل لم أره في كثير من العاملين بحقلها ..)، أما هو ذاته فيتحدث عن تجربته (رغم أننى أعمل في مجال هندسة الآلات .. إلا أن الله وجهنى بدون مقدمات إلى البحث اللغوى لحكمة لا يعلمها إلا هو)، ولكى نقف على منجزه الفكرى في هذا الحقل وبذله الكبير لقضايا اللغة نذكر ما قاله (فاذا بى أجمع المعاجم والقواميس العربية والفارسية والغربية على اختلاف أنواعها وكذا المراجع العربية ... فتأكد لى أن العربية أعطت جميع اللغات الكثير والكثير وأثرت فيها أيما تأثير (وفى كتابه بعد مقدمات شارحه للقضية تناول عدد (51) مفردة قيل أنها أعجمية وردت بالقرآن الكريم فرأى الغيور الغرورى أنها ليست كذلك بدراسة معمقه في عشرات المعاجم وبطريقة التنسيل (النحت) يثبت أنها عربية الأصل. والعينة تمثل مجتمعها الكلى فنقدم جانب بسيط من بحثه حول كلمة (كنز) فذكر بداية مواضع ورودها في الكتاب الشريف ثم معناها فى عدد من القواميس والكتب والمعاجم ويكتب عدد من المعادلات اللغوية بمنهج التنسيل العربي (النحت) منها كنز تساوي كز زائد كن ثم أشار لمعنى كز في القواميس اللغوية والكزاز تعنى البخل ومفردة (كن) تعنى بمعنى استتر وبالتالى يصبح المعنى والمبنى من أصول عربية وينتقد من قال أنها فارسية تأتى من كنج تساوي كن زائد جن فيقول أن جن مثل كن بمعنى استتر فاذا كان كنج نفسها من أصول عربية فكيف أعطى اللفظ (كنز) الى العربية!، هذا مثال من مباحثه الممتعة في هذا الكتاب.

نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته وأن يتقبل منه جهاده العلمى اللغوي.

 

خالد جودة أحمد

سعيد مقدمعندما تحن للغتك، لغة أمك وأبيك، لغة بلدك ووطنك؛ تحب أن تتكلم بها، أن تقرأ بكلماتها، أن تكتب بحروفها؛ عندها فقط، تستمتع بالسكينة والهدوء، وتحس بالراحة والطمأنينة؛ ما سرّ ضاد هذه اللغة الذي يجعلك تشتاق لها اشتياقا عميقا كعمق البحور!

وكثيرا ما نصحت أبنائي أن يحتفظوا بهذا الكنز الثمين الذي أين كنوز العالم منه.

ويا أبنائي، متى عشتم حياة دون لغة الضاد الكريمة، عشتم في ضياع. ولو خيرتم بين الخرس والنطق بسواها، فاختاروا الخرس دون تردد.

فيا أيها الذين آمنوا وأنتم الذين لم تؤمنوا، ألا يكفيها ويكفينا فخرا أن الله أنزل كتابه بها؟!

وعندما تقف على كُشك بيع الصحف في بلادي باحثا عن صحيفة أو مجلة عربية، ويطول بك الأمد ويتعبك البحث ولم تجد؛ عندها فقط، تحس وكأنك تعيش في غربة، فتضيق بك الواسعة، ويتصاعد زفيرك موشكا أن يحرق جميع ما في صدرك؛ وحدها المواقع الأهوازية المجازية تستطيع أن تسكّن ألمك.

هذه المواقع التي نهضت بنا نهضة جبار أفاق من نوم طويل وبدأت تسير بنا نحو الضياء بعد الظلمة التي استمرت لعقود؛ لكنها  - والعقبات من حولها - تسير بخطى وئيدة ومضطربة.

فهل يا ترى في ظل هذا الاضطراب الظالم تستطيع هذه المواقع أن تساعد شعبنا في الوصول إلى غايته المنشودة؟

وما انفك هذا الشعب يحبو في سفح تلك الجبال التي يقع المجد فوق قممها.

 

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

ويحدث أن يكتب الكاتب نفسه في نصوصه...

علي الحديثي يكشف لنا جوانب من حياته في مجموعته القصصية "المعبث" الصادرة عن دار ميزوبوتاميا / بغداد ٢٠١٣ ..

في ١١٢ صفحة وكأن كل قصة جزء لا يتجزأ من حياته..

رغم بساطة القصص ولكن تغلبت عليها الواقعية الذاتية بحيث تتعرف على القاص من أيام طفولته ودراسته إلى أن أصبح أستاذًا، كما تتعرف على علاقته بالأشخاص، بالأشياء، بالأدباء، بالكتب، مواقفه وظروفه الخاصة من وفاة الأبوين، انعزالاته، اختلافاته، حبه، جنونه، حكمته.. إلخ.

ما لاحظته في تجسيده للصور يُحاول دائمًا الجمع بين صورتين في مشهدٍ واحد:

نقرأ في ص١٤ من قصة "برغم أنفك يا موت... قبّلتني" :"لطالما حملتني صغيرًا على كتفها، فهل سيتعب كتفي اليوم حملها كبيرًا؟!

بهذه الكلمات أجبت صاحبي وهو يطلب مني أن يساعدني في حمل تابوتها، إلا أن الفرق بيننا إنها حملتني مسرورة، وحملتها حزينًا، ما أرقّ جسدها وهو يرقد على كتفي...

- حتى في موتكِ يا أمي ترفضين أن تتعبيني.

نرى في هذا المشهد صورتين، صورة حمله لوالدته وهي مغادِرة الحياة، هذا ما سبّب الحزن له، بحيث كأنه انعزل عن محيطه كلما أراده أن يحمل والدته لآخر مرة في حياته.. والصورة الأخرى استذكاره لوالدته وهي على قيد الحياة حيث كانت تحمله وهي في غاية السرور.

أمّا في قصة "صورتان" صفحة٨٤: "أدرنا رأسينا إلى الوراء.. أحمد.. محمد.. عباس.. صلاح.. الرَحلات ملأى بهم، قمنا جميعًا نحيي الأستاذ (مجيدًا) معلم القراءة، وهو يدخل علينا بالابتسامة والعصا... أنصتنا.. ولا ندري أحبًا بالدرس أم خوفًا من العفريت الذي بيده..  كُنا تلاميذ وكانوا أساتذة... كُنا أبناء وكانوا آباء... حتى كدنا نظن أن لكل واحد منا أبين.... أما اليوم فلولا فارق السن لما عرفنا من التلميذ ومن المعلم؟.. كنتُ أريد أن أُحدثكم عن الفارق بين الأمس الحي.. واليوم الميت.. تمنيتُ ذلك لولا دخول العاملة إلى الصف لتقول لي:

- عفوًا أستاذ... المدير يريدك.....

في هذا المشهد صورتان مختلفتان، صورة المعلم السابق بمكانته السابقة العالية في قلوب تلاميذه وفي المجتمع، والصورة الأخرى مكانة المعلم اليوم حيث قَلّت تلك المكانة وكأننا نسينا أن كاد المعلم أن يكون رسولا!

في صفحة ٥١ من قصة "ذات ليلة": ساعتين.. ثلاثًا.. لم يُطرق الباب.. استلقت على فراشها.. وراحت تتقلب فوقه إلى أن سمعت صوت المؤذن يدعو الناس إلى المقابلة الإلهية، فعضت شفتيها وهي تتمطق بهما، إلا أنها لم تستطع أن تمنع دموعها عندما عرفت أن صوت المؤذن هو صوته... وأنه تاب وعاد إلى ما كان عليه.

في هذا المشهد صورة توبة المحب واستبداله حبا دنيويا فانيا بحب إلهي باقٍ بعد أن كان فيما سبق "... كان يصرّ كل ليلة على أن يقبلها من شفتيها عند أذان الفجر ولا يتركهما إلا عندما ينتهي الأذان..."٤٩.

نستطيع أن نقول بأن القاص علي الحديثي قد وُفّق في تنسيق الصور في مجموعته القصصية هذه، وقد اضاف لها جمالاً مغايرًا، فهو له خبرة في الحياة وله خبرة على إعادة صياغة خبرته في الحياة، وليس كل من يملك خبرة في الحياة يستطيع صياغتها في كتاباته، لذا نستطيع أن نقول هذا ما مَيّز هذه المجموعة القصصية.

***

آشتي كمال