علاء الخطيبفليم روائي قصير. يحمل عنوان تبولة وباي هو جديد المخرج العراقي جعفر عبد الحميد

يناقش الفيلم التواصل الإنساني بين ثقافتين، قصة شيقة تتحدث عن المخرجة المسرحية العراقية فاتن ذات الروح المرحة التي تنتقل حديثاً إلى شقتها الجديدة وتمد جسورها بكل محبة وطيبة مع جيرانها غير عابئة باختلاف الثقافات لتنشر الدفء والفرح بينهم.

تلتقي برجل إنجليزي متقاعد يسكن بنفس العمارة. مقابل شقتها، هذا الرجل الذي تأقلم مع حياته بعد الوظيفة  فقد روّض نفسه على نمط يومي للحياة، يخروج من المنزل بموعد يومي محدد لإستنشاق الهواء، ويعود بصحبة جريدة اليوم، يتناول الشاي، يستمع للمذياع، في محاولة لقضاء الوقت والانتصار على الساعات الطويلة من الفراغ، بعد أن إنتهت حياته الوظيفية.

تنشأ بين فاتن والرحل المتقاعد علاقة إنسانية جميلة، فتذوب المسافة الكبيرة على صعيد الطِباع عند الإثنين و تبدأ الهوة بالتقلص لتصبح ربما بطول الممر بين شقة الفنانة العراقية وشقة الرجل المتقاعد.

692 فلم

في هذا الإطار الدرامي الخفيف الظل، يسعى المخرج وكاتب السيناريو الدكتور جعفر عبد الحميد الى خلق فضاء من التعايش وقبول الاخر من خلال تجسيد جانب من اليوميات التي يمر بها كل من المهاجرين وأيضاً أهل البلاد القدامى، وهم يعيشون مراحل التعرف، والرفض والقبول للآخر، والتعايش أو عدمه بين الإثنين.

العمل من بطولة الفنانة العراقية الرائدة أحلام عرب، وهو جزء من منجزها الهام في بريطانيا، من أعمال سينمائية ومسرحية، بعد أعمالها المسرحية والتلفزيونية في العراق، التي بدأت من مراحل دراستها بمعهد الفنون الجميلة ببغداد في أواسط السبعينات.

يشارك الفنانة أحلام عرب البطولة الممثل البريطاني المخضرم بوول ريدلي، الذي يمتلك تاريخاً حافلاً بالسينما والمسرح في المملكة المتحدة.

“تبولة وباي” من إنتاج أريج السلطان، المنتجة والمخرجة العراقية - البريطانية، التي لها تجربة هامة من العمل مع كبريات المؤسسات البريطانية الإعلامية، مثل الـ بي بي سي والقناة الرابعة. وكان لها مؤخراً شريطاً تسجيلياً عن شيوع الثقافة الكورية الجنوبية في العراق؛ كان قد بُثّ فيلمها الوثائقي على قناة الجزيرة الإنجليزية.

مؤلف ومخرج “تبولة وباي” هو جعفر عبدالحميد، الذي كان أخرج عام ٢٠١١ الشريط الروائي الطويل الناطق بالإنجليزية، “مسوكافيه”، من بطولة أحلام عرب. وقد عُرض “مسوكافيه” ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان “رين دانس” السينمائي بلندن، وكذلك بمهرجان الخليج السينمائي بدبي. وكان جعفر عبدالحميد قد أكمل رسالتي الماجستير والدكتوراه في بريطانيا، مختصاً في أطروحة الدكتوراه بالإقتباس الأدبي في السينما.

 

علاء الخطيب – لندن

 

شاكر فريد حسنالراحل أحمد حسين شاعر مشاكس استثنائي مميز، ومتفرد بفكره وشعره ومواقفه، ومن الاصوات الشعرية الفلسطينية الجميلة . له قصائد في غاية الشفافية والروعة والجمال. وما يميزه تجليه وتوهجه الشعري، وعنف انفعاله وحرارة العاطفة، وذراه المجازية والتعبيرية، وقوة تراكيبه ومتانة صياغته اللفظية، وأناقة الصور الفنية والمجازات والاستعارات البلاغية، وكثافة لغته الفريدة .

إنه نبي الغضب والرفض والتحدي، وشاعر المقاومة والوطن والتراب، وشاعر الحزن الجميل. أشعاره تتدفق وتنبض بالإحساس الوطني والنزعة القومية العروبية والروح الانسانية، وخياله خصب شاسع وواسع .

أحمد حسين آمن على طوال حياته بأنه يجب على القارئ الارتفاع والسمو والرقي إلى مستوى الشاعر ونصه، وليس هبوط ونزول الشاعر إلى ذائقة العامة ومستوى ثقافتهم ومعرفتهم ووعيهم الشعبي . ولذلك ظل شاعرًا نخبويًا يكتب ما يمليه عليه فكره وعقله وإحساسه وعواطفه ومزاجه وضميره الوطني.

وأحمد، كما يقول صديقه وصنوه الأديب والمثقف الراحل نواف عبد حسن في معرض حديثه عن ديوانه " زمن الخوف " : " ليس كشعراء " الاعلام " الذين استمرأوا " الطبطبة على الظهر " والابتسام لأنفسهم امام موجات الاثير، والذين يستظلون تحت لحية الشهرة، ان احمد يحزم اعصابه ويوقدها على نار الفجيعة، يتنفس المأساة  ملء الرئتين، فيروعننا في قدرته على صياغة ما يقتنصه من صور، وما يرتعش في رحم الغد، فالنبوءة مجسدة بصورة او بأخرى، في نهاية كل القصائد، والرعب بحجم الدهشة ".

ورغم مكانته الادبية البارزة تعرض المرحوم احمد حسين للتعتيم والتغييب والتهميش، نتيجة مواقفه المغايرة المختلفة النوعية والجذرية، وحوصر من قبل المؤسسة الفلسطينية الرسمية. وصدق الكاتب الفلسطيني/ الاردني موسى حوامدة بقوله : " الشهرة لم تكن هدف أحمد حسين بل كانت الحقيقة غايته ووسيلته وظلّت واضحة جليّة في كل ما يكتب ويفعل، لذا خسر وظيفته وكثر أعداؤه، وخاف من التقرّب منه كثيرون ونفر من مواقفه وحدتّه النقديّة والسياسيّة عديدون ".

أحمد حسين كان رافضًا للخطاب السياسي الفلسطيني السائد، وتجلى ذلك في كتاباته السياسية والفكرية وفي قصائده.

كان يغني بالبكاء، وبالحزن يفرح من جديد، وكانت حياته وطبيعته ثائرة متمردة، شغوفَا بخوض البحار الهائجة.

ومن جميل ما كتبه احمد حسين هذه القصيدة الهفهافة الشفافة الطلية الجميلة كالحسناء، ذات الايقاع والنغم الموسيقي والمضمون الواضح، كان قد نشرها في مجلة " البيادر " المقدسية، التي كان يصدرها الصحفي جاك خزمو، في عددها الصادر في ايلول العام 1977، ويقول فيها :

غنائي لعينيكِ يعني البكاءَ

غنائي لوجهكِ يعني السفَرْ

وجدْتكِ في الحزنِ

لا تبرحيهِ

فمنه المواعيدُ

منه السحابُ

ومنه المطرْ

ومنه الترابُ الذي صار دمعأَ

بعينيّ ...

خبّأت أين الشجرْ؟

وجدتكِ في الحزنِ

طال اللقاء ُ

ثلاثين بُعدَا

ثلاثين سبْيَا

ثلاثين عارْ

وجدتكِ بين انصرافي ووجهي :

أمامي انتظارُ

وخلفي انتظارْ

تعلّقتُ من نظرتيّ، التَفَفْتُ

على غصن لوز كشعَر امرأه

متى تُطْلقني أصرْ منكِ شيئاً

فسبحانَ وجهكِ

سبحان صدركِ

سبحانَ حِضنكِ، ما أدفأه ْ

تعلمّتِني ! كيف دار الزمانُ

فصِرتُ انا النقشُ، انتِ الحجرْ

وكنتُ كما تعلمين – المُغنّي

وكنتُ ....

ولكن لماذا تظنين أني بكيت ُ

قديمَا .. قديمَا

فهل تسبق الكلمات الصور ْ

إذن فاسمعيني، اسمعيني

غناءَ يُعرّشُ فوق الدروبِ

اذا ما تَذكرتِ صوتي ... انهمرْ

أنا الحبُّ، لن تفقديني

وفيكِ ترابٌ

وحول اريحا شجرْ!

يبقى القول، أحمد حسين ظاهرة شعرية وقريحة شاعرية ممتزجة بعاطفة حساسة قوية، وأسلوبه الرشيق الرصين يدل على اطلاع ومعرفة عميقة وذوق في اللفظ والمعنى والمبنى . والاهم في نصوصه عمق التجربة وصدق الشعور واصالة الاحساس . فسلامًا لروحه وله دفء القلب .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

احمد الشيخاوينجد هذه المجموعة ثرية بصورها الشعرية، تؤرّخ للحظة خواء، ببصيرة تكتب أزمة الذات ومكابداتها، خارج دائرة الضوء، أي داخل حدود جغرافية السّواد، من هنا تبدأ رحلة الشاعر المغربي محمد اللغافي ، منهكا بوصايا الأمومة وتعاليمها كزاد، لسفر حياتي وإبداعي سرمدي ، يتحسس المفقود ويطارد خيوط الضوء.

بذا نهتدي إلى كون الشعر ، في الغالب، لا يفسّرُ بسوى حجم صمود الكائن ونضاله داخل دهاليز حياة صادمة بفجائعيتها وعتمتها وشحّ أعيادها.

إرسالية بنصوص شبه مغلقة، ليس يفكّ شفرتها سوى طقس الإنصات عميقا، لأصوات الهامشي والبعيد جدا.

[قالَتْ

أخْجَلُ وَالنّجومُ تَرانا

أسْدلِ السّحابَةَ وَاقْتَرِبْ

أسْدَلْتُ السّحابَةَ

فانْكَسَفْنا].

هي خطى الحرف، حين تنرسم على خرائط البحث الشاقّ عن معنى للذات، في أفق حياة موازية، سانحة لتصيّد أدنى صور الطمأنينة والخلاص.

[رَبّتْ عَلى كَتِفي يا ألله

أحْسِسْني

 بِالْاطْمِئْنانِ].

هذا الأمل القابع مشتعلا في عينيْ المشوقة، وحده وحده يهب معنى لهذه الذات المسافرة بترهّل، في جيوب الفراغ .

المشوقة في زئبقية تجلّياتها، كأنّما تضمّد المعاناة بحضور رمزي، غير مستساغ.

[هَلْ تَعْلَمينَ

ماذا

أفْعَلُ الآنَ ؟

اللّيْلُ ماطِرٌ هُنا ..

غائِمٌ مِثْلَ قَلْبي

الْفَراغُ مُكْتَظٌّ بي

 وَحْدي

في مِعْطَفيَ الطّويلِ أجْمَعٌ شَتاتَ ظِلّي

وَأصَفِّرُ

عَلى إيقاعِ خَطْوي الْمُتَرَهّل

أرْقُبُ

عَسَى أنْ يَتَدَلّى بِهُدوءٍ

بَريقُ

عَيْنَيكِ لِأطْمَئِن].

مجرّد فوقية أو تسام نرجسي، لمناطحة إسمنتية الواقع، وإبراز كم هو موقف القصيدة ممّا سواها، هشّ للغاية، وغنائي، يناغي بالعاطفة، ويعزف على أوتار القلب، وإن رصد بجبن وخجل مشهدية الكائن في رقصته المشوّهة، على جمر الآخر والحياة.

[أَعِدُكِ

لَنْ أجْرَحَ الْبابَ الْإسْمَنْتي

بأصابِعي الْهَشّةِ

لَنْ أحْدِثَ خَدْشاً

في صِباغَةِ اللّيْلِ

سأغْفو عَلى شَطِّكِ

مَع الْمَلْفوظات

 

 

هَل أُصَدّق الرّؤيا

وأذبحُ أصابعي واحِدا واحِدا

قٌرْباناً لًكِ].

هذا الليل، ليل الأحجية المنفلتة، السابح في آدميتنا، يقتضي ترتيبا وإن على سبيل الارتجال والتسلية ، لكن...بلغة وصْد باب وفتح أخرى.

[جُبِلْنا مِنْ تَعَبٍ

رَفيقَتي

تَعالي نُغْلِقُ باباً

وَنَفْتَحُ أخْرى

نَحْنُ مُجَرّدَ

قِشّة في مَهَبِّ الْحُبِّ

تَعالي نَهُشّ عَلى هَذا الْفَراغ

 يَنْفَلِقُ لَنا الْمَدى

فَتَطيرُ

مِنْ بَيْنِ أصابِعِنا فِراخُ اللّيْلِ

 وَنُعِدُّ قُهْوَتَنا

بَعْدَ

 أنْ

 نَكْنِسُ حَطْبَ الّذينَ تَنَكّروا لِعُشْبِنا الْأخْضَر].

الليل السرمدي بوصفه منصّة للحلم الذي يجود على الذات بشتى معاني الوجود والتواجد الإيجابي، علاوة على كونه متّهما هو مسروق أيضا، ما يضعنا إزاء موقف إرباكي، تدبّجه صياغة فلسفية تحاول تبرير هذا الضياع.

[كَمْ مَرّة بُعِثْتُ فيكِ

وَأعْدَمَني حُرّاسُكِ

ما عُدْتُ حَذِراً

وَلا أهابُ

حُرّاسَكِ 

طَيّعَةٌ أوْتارُكِ قيثارَتي الْحَزينَةِ

مُتَوَتِرَةٌ أصابِعي

تَدُكُّ الْأنْغامَ

تَتَمَزّقُ الْأغْنِياتُ سَريعاً

في بالوناتِ ثَلْجٍ

تَتَبَخّرُ الشّمْسُ

لِتَشْرُقَ ابْتِسامَةٌ طازَجَة

تَتَقَمّصُني مُبْهَماً

مُتَقَلّباً كَخَريفٍ تاهَ عَنْ فَصْلِهِ].

وإذن... منذ الولادة ، يسترسل الليل منفتحا على جملة من المعادلات الإنسانية الصعبة، كي يختبر وجود الكائن، وما أسرع تهشمّ المرايا الروحية ، عند عتبات الكسوف الذاكراتي في تأجيجه لمآسينا.

يكون هذا الليل، ليل البوح الممسوس بتشظيات الذات، جدّ ثقيل .

هذا الليل إذ يغزو مغلّفا بما يستعير منّا من أقنعة، ننتشي بأحلامه المخففة من أوجاع ارتطامنا بالواقع الموبوء، ونحن نتلمّظ عناقيدها على نحو برزخي، يتهجّى أبجديات غيبوبتنا المختارة، حدّ الثمالة.

الليل كمعلّم أكبر، ليس يزدان بسوى ملح الأمومة وهي تمارس على تجاربنا فعل الوصاية ، دونما بخل بمعجم تعاليم الحنو والخبرة والنضج.

هامش:

أنظر كتاب " مكتظ بك أيها الفراغ، شعر طبعة أولى2017، محمد اللغافي، ردمك.

 

احمد الشيخاوي

 

  

 

 

ضياء نافعآخر عمل ابداعي قام به دستويفسكي في حياته هو القاء خطابه عن بوشكين، عندما شارك في حفل تدشين تمثال بوشكين بموسكو في حزيران / يونيو 1880 (انظر مقالتنا بعنوان – حول خطاب دستويفسكي عن بوشكين)، ولهذا يسمّي نقاد الادب هذا الخطاب ب (وصيّة) دستويفسكي قبل رحيله الابدي، اذ حدد دستويفسكي في ذلك الخطاب كل مفاهيمه عن الادب ودوره في المجتمع، وعن قيمة بوشكين واهميته لروسيا وشعبها وتاريخ ادبها من وجهة نظره، وليس من باب الصدفة ابدا، ان هتف بعض الشباب الذين كانوا يحيطون به في تلك الاحتفالية ويستمعون اليه وهو يلقي خطابه ذاك قائلين – (ان دستويفسكي نبيّ !)، وهو التعبير المتحمس والمتطرف عند الشباب في الكثير من بقاع العالم .

 الا ان الوقائع في حياة دستويفسكي لا تشير الى انه كان يستشهد بنتاجات بوشكين او افكاره ومكانته اثناء مسيرته الابداعية او رسائله الى الآخرين، كما نرى ذلك بوضوح وصراحة عند بعض الادباء الروس الكبار مثل غوغول او تورغينيف او تولستوي ...الخ، رغم ان دستويفسكي قد تقبّل خبر مقتل بوشكين في مبارزته الشهيرة برعب وحزن شديدين، وكان عمره آنذاك 16 سنة ليس الا، وتشير بعض المصادر الروسية، الى انه اراد حتى ان يعلن الحداد مع اخوته نتيجة هذا الحدث التراجيدي بالنسبة لهم، وعندما انتقلت عائلة دستويفسكي بعد فترة قصيرة من موسكو الى بطرسبورغ للعيش هناك، فانه كان يتحدث و يرغب فعلا بزيارة تلك الغرفة، التي فارق فيها بوشكين الحياة في تلك المدينة .

 ومع ذلك كله، فان موضوعة (دستويفسكي و بوشكين) لازالت تعدّ ولحد الان واحدة من الموضوعات المثيرة والمهمة امام الباحثين في مجال تاريخ الادب الروسي من الروس ومن غير الروس ايضا، اذ لم يسبق لأحد قبل دستويفسكي ان (اكتشف!) مكانة بوشكين وقيمته واهميته في تاريخ الادب الروسي، ولم تتكرر ظاهرة (الاكتشاف) هذه بعد دستويفسكي ايضا في مسيرة الادب الروسي، وفي هذه النقطة بالذات تكمن اهمية هذه الموضوعة وطرافتها، اذ نجح دستويفسكي بتقريب بوشكين (ان صحّ هذا التعبير) نحو الاتجاهات الفكرية، التي يؤمن بها دستويفسكي نفسه، بما فيها حتى محاولة اثبات ان بوشكين أقرب للنزعة السلافية من النزعة الغربية، حيث كان الصراع وطيسا في الفكر الروسي آنذاك بين النزعتين (وكان دستويفسكي طبعا الى جانب النزعة السلافية) . ومن الطريف ان نذكر هنا ما قاله غوركي مرة حول دستويفسكي وبوشكين، اذ أشار غوركي، الى ان دستويفسكي يجسّد (العبقرية الروسية المريضة) أما بوشكين فانه (عبقريتنا السليمة)، وكلمات غوركي تلخّص – بدقّة واضحة جدا - كل الموقف الفكري السوفيتي تجاه موضوعة (دستويفسكي وبوشكين)، وهو الموقف الذي استمر طوال كل الفترة السوفيتية كما هو معروف. هذا، وقد كتب أحد المعلقين حول قول غوركي ما يأتي – نعم، دستويفسكي عبقرية روسيّة مريضة، ولكنه كان يحب بوشكين بصدق واخلاص، لهذا استطاع ان يثبت ما اكتشفه في نتاجات بوشكين بانه مفكّر روسي أصيل وكبير، وانه يجسّد الفكرة الروسية والنموذج الاخلاقي للشعب الروسي كما حددت تلك (العبقرية الروسية المريضة).

 ان افكار دستويفسكي حول بوشكين (والتي جاءت في خطابه المذكور) هي الخلاصة النهائية لكل تأملاته حول الادب الروسي والشعب الروسي والفلسفة التي يجب – من وجهة نظره – ان تنطلق و تسود في الحياة الفكرية الروسية (وحقق دستويفسكي كل ذلك ارتباطا ببوشكين واستنادا اليه)، وعلى الرغم من انه انطلق من بعض الافكار التي جاءت عن بوشكين عند بعض الادباء و النقاد الروس قبله مثل بيلينسكي وغوغول (خصوصا عند غوغول، الذي يستشهد في بداية خطابه بكلماته عن بوشكين وكما يأتي – بوشكين هو ظاهرة استثنائية، ومن الممكن ايضا الوحيدة للروح الروسية، واضيف أنا من عندي - تنبؤية)، الا ان دستويفسكي استطاع في خطابه ذاك بلورة افكار جديدة ومتكاملة عن بوشكين، وان يقول كلمة جديدة بكل معنى الكلمة لم يسبقه أحد في اعلانها، ولهذا يشير الباحثون الى ان دستويفسكي (اكتشف) بوشكين، وقد أشار الاديب الروسي أكساكوف بعد ان أنهى دستويفسكي كلمته تلك الى ذلك قائلا، ان هذه الكلمة قد حددت – وبحسم – المكانة الحقيقية لبوشكين في التاريخ الروسي .

 ختاما اريد ان اتوقف هنا – وبايجاز - عند موقف شخصي طريف حدث معي مرة حول علاقة دستويفسكي وبوشكين، وذلك في الايام الاولى بعد وصولي الى جامعة باريس لاكمال دراستي العليا هناك في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، اذ كنت واقفا في ممر القسم الروسي مع مجموعة من الطلبة الفرنسيين، وكانت هناك مدرّسة سوفيتية تقف معهم ايضا، وقد سألها أحد الطلبة السؤال الآتي – من هو الكاتب الروسي الذي كتب رواية بالرسائل ؟ فقالت انها لا تعرف، وان ذلك يقتضي البحث في المصادر الروسية، ثم توجهت اليّ قائلة – هل يمكن لك ان تساهم معنا في الحديث هذا، فقلت لها مبتسما – عندما كنّا ندرس في روسيا، فاننا كنّا نوصي بعضنا ان نجيب عن اي سؤال لا نعرف الاجابة عنه بدقة، انه على الاغلب بوشكين، ولكني اود هنا ان اقول بدقة، ان دستويفسكي قد كتب رواية بالرسائل، وهي روايته القصيرة (المساكين)، ولكن هناك في مسودات بوشكين توجد ورقة تحمل عنوان - رواية في رسائل، اي ان بوشكين فعلا خطط لذلك، ولكنه لم يحقق خطته . فسألني الطالب الفرنسي – وهل كان دستويفسكي يعرف بذلك ولهذا كتب روايته تلك؟ فقلت له مبتسما – استخدم نفس جملة المدرّسة السوفيتية – لا اعرف، وان ذلك يقتضي البحث في المصادر الروسية .

 

أ. د. ضياء نافع

 

زرياب هو لقب الفنان علي بن نافع، الذي له اثر بارز ومهم في تطور المجتمع الأندلسي فنياً واجتماعياً، وقد أثرت أعماله وكل نصائحه في المجتمع الاسباني، الموصلي الذي قدم للخدمة في بلاط الخليفة العباسي هارون الرشيد، وقد غنى زرياب في أحدى جلسات الخليفة وأعجب به، وجراء الحسد والمنافسة بسبب عشق الخليفة لغناء زرياب وأسلوبه الفني الراقي والرفيع تمت مطاردته من قبل حساده فهرب الى مكان بعيد وهي الأندلس.

683 زرياب

جلب زرياب الى الأندلس  ثقافة اجتماعية وفنية وذلك من خلال زيادة الأوتار في العود وترا خامسا براعة منه، كما قام بجعل مضارب العود من قوادم النسور، وكان بالإضافة الى ذلك عالما بالنجوم، واهتم بتقديم النصائح لأهل الأندلس، ومن تلك النصائح وجوب ترتيب وتمشيط شعورهم واستخدام العطور وأواني الزجاج على الموائد وطريقة تناول الطعام، وفن الطبخ، ولبس الألوان البيضاء في الصيف والألوان الداكنة في الأيام  الباردة. وذكر في فضل الأندلس "أسماء الآلات الموسيقية في اشبيلية وربما التي ادخلها زرياب، وما في هذا البلد من أصناف أدوات الطرب كالخيال، والكريبج، والعود، والروطة، والرباب، والقانون المؤسس، والكتيرة، والقار، والزلامي، والشقرة، والنورة، وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقة، والبوق، وان كان جميع هذا موجود في غيرها من بلاد الأندلس فانه فيها أكثر، وليس في بر العدوة من هذا شيء إلا ما جلب إليه من الأندلس.

من الآثار العربية الأندلسية هي الغناء المعروف اليوم بالفلامنكو، يؤكد ذلك المستشرق الاسباني (خوليان ريبيرا) وأصبح الفالامنكو رقصة مصاحبة للغناء والتي يرقصها كل أفراد الشعب الاسباني ويستعمل فيها الصاجات الخشبية، وتعتمد الرقصة على عضلات الساقين والحركات التعبيرية ويتعلمها الأطفال من الآباء والأمهات وتشبه تقريبا رقصة (الجوبي) في الريف العراقي.

بالنسبة الى مراسيم الأعياد والمناسبات الدينية والدنيوية في المجتمع الأندلسي فلابد من الإشارة الى أن العرب المسلمين والأسبان النصارى قد اشتركوا في تقاليد الاحتفالات والمشاركة في مراسيمها مما يؤكد روح الامتزاج الحضاري والتعايش والتفاعل بين العادات والتقاليد لكلا الشعبين والديانتين، اذ قلد أهل الأندلس جيرانهم النصارى والأسبان في المشاركة بأعيادهم وأفراحهم وهذا دليل واضح على الامتزاج. ومن الأعياد الدينية عند الأسبان ميلاد السيد المسيح عليه السلام في 25 كانون الأول الليلة اللطيفة والليلة القديمة التي هي آخر ليلة في السنة الميلادية. وكلها تعرف بالنابيدادس.

 

ترجمة واعداد:

الاستاذ المساعد لقاء محمد بشير حسن

جامعة بغداد/ كلية اللغات/ قسم اللغة الاسبانية

 

ابراهيم يوسفعندما نَشْتُم العجلة يا صديقي*؟ فينبغي أن نَلعن معها الشيطان، توخيا لمزيد من الحسنات، وإمعانا في طلب التوبة والرحمة والرجاء. ولئن أطعتني ولعنت الشيطان معي، ونالتك المغفرة وعفو رب السماء؟ فكفكف دموعك وهوِّن عليك وتعال معي فاسمع للمرة الثانية، حكاية عائشة بنتُ سعدٍ بن أبي وقاص، وقد أرسلتْ مولاها "فنداً" يأتيها بنار. كان في الطريق ليلبي حاجة سيدة الدار، حينما أبصرَ قافلة تتأهبُ في رحلةٍ من المدينةِ إلى الشام.

وهكذا سار مع القافلة وعاد معها بعد عام من الغياب، ليتذكّرَ مولاته من جديد وحاجتها إلى النار! فراحَ يجري مندفعا ملهوفاً يحملُ لمولاتِه ما طلبته من الجمر منذ عام. لكنه من فرطِ سرعته تعثرَ فهوى وتبدَّدَ الجمرُ على الأرض. فنهضَ من زَلتة ممتعضاً وهو ينفضُ الرماد عن ثيابه ويلعنُ العجلة ويقول: تَبَّا لسرعتي.. لولا العجلة لما ضاعتِ النار! وهكذا يا صديقي لولا عجلة الدنيا لما توقفت المجلة؟ ولا تأخَّرَتْ حسرتُك على غياب "الآداب".

هذه حضارة مربِكة وفترة مفصلية صعبة، لمن عاشوا وعانوا وتألموا مثلنا، فالعالم يتسابق بفائض من العجلة والقوة المفرطة.. والفنتازيا أيضا. والنزاع على المكاسب والأمتيازات قائم منذ الأزل، لينال كلٌ ما يفيض عن حصته للبقاء. لكن الماضي لم يخلُ من الحب والفرح والأمل، والحاضر مقلق ومعقد، والمستقبل إلى سؤال.

وما يجري بفعل النسبيَّة والتئام الطاقة والكتلة وسرعة النور؟ فلا يدركُ من كان في مثل بساطتي ما تمخضت عنه عبقرية أينشتاين، وكيف تكون معادلة الطاقة ومواكبة الكتلة وسرعة الضوء؟ أو هي "كارثة" نيوتن "المتعصب" ممن أمعنوا في "خراب" الكون.. في حساب الفعل وردة الفعل، وقدرة الكتلة في التسارع والعزم.

حمدا لله يا مهند أن أهلي وأهلك ماتوا قبل العولمة، فلم يدركوا المحمول والنانو وخصائص سرعة الحاسوب، فأبي على لسان محمود درويش؟ كانَ من أسرةِ المحراثْ لا من سادةٍ نُجُبِ – وجدّي كان فلاحاً بلا حَسَبٍ ولا نَسَبِ"، مات مغمورا فلم يذكروا شيئا في "كتاب البلدية" عن آدميته، ولا حتى عن مآثر محراثِه ونشاطِ ثوريه.

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء؟ هكذا تحولت المعرفة إلى داء، على حساب الحسن بن هانىء طيب الله مثواه، للتحري عما خفيَ من العلل والأمراض. وهكذا تحولنا بقسوة وتصميم إلى تقنين المياه وتعليب الطعام، واكتشاف ڤيروس نقص المناعة وترقق العظام والسرطان. ثم اختزال الزمن بطائراتٍ أعدت للسفر وليست للحرب، فبلغت سرعتها أعلى من الصوت بأضعاف. "وأليكسا" الآلة العمياء تأمرها فتستجيب بسرعة الخاطر لتفعل لك ما تشاء، بدلا من السير على الأقدام والدراجة الهوائية، ومن الحبر والورق والكتابة بريش الطّير والغزَّار، والحنين إلى ساعي البريد يطرق أبوابنا، يحمل إلينا حنين المسافرين بين يديه.

هذا زمن التوتر والقسوة ومتاهة المحمول والحاسوب. وفائض من الوقت يبدده كل واحد على هواه، في حكاية "الأمير الصغير رائعة دو سانت إكزوبيري"، وعطش الأمير رائد الفضاء الآتي من كوكب آخر؟ وكيف بدا لنا يتقصّى أحوال أهل الأرض هادئا مطمئن البال مرتاح الأعصاب، وهو يمشي الهوينى في الطريق إلى الغدير، ليشرب ويعود هادئا هانئا كما جاء! فتبا يا صديقي للانجازات والمعرفة العلمية في فكر الإنكليز وعبقرية الألمان.

كتبت نصا بهذا المعنى بعد غياب  جريدة "السفير" عنوانه: عندما يقتلك الحنين..؟ نشرتِ النص مواقع عديدة، ستجده "بفضل النت" والسرعة وعجلة العصر ونيوتن وأنشتاين، وعباس بن فرناس عالم الرياضيات والفلسفة والفلك والكيمياء، ممن اشتغلوا أيضاً بالموسيقى والضرب على آلة العود، نكاية فحسب بأوروبا والأميركان.

مهما يكن الأمر يا صديقي..؟ فهذا الكائن البشري المنكود، سيصحو عقله يوما ويندم على ما ارتكبت يداه، لينبذ التسلط والأذى، ويحطم بنفسه آلة السرعة وأدوات الحرب والموت. وهكذا تبدأ رحلة بناء الإنسان على أساس أسلم وأمتن. ولئن كانت النتيجة على خلاف ما نرجو أو نتكهن..؟ فتكون إرادة الباري عزَّ وجلّ هي السبب.

بالعودة إلى "الآداب" وصلب المقصود من موضوع المقال؟ فالدكتور سهيل إدريس أحسن الله إليه وطيَّب مثواه، وهو المؤسس الأول لمجلة - ودار الآدآب.. كان قد درس الشريعة وتخرَّج شيخا بعمامة ولحية وقفطان.

لكنه سرعان ما تخلى عن زيِّه الديني، لينصرف إلى الحيّ اللاتيني، ويتابع دراسته العليا بالقرب من "البانتيون وحديقة اللوكسنبورغ وجان فالجان"، وينال الدكتورا في الأدب العربي من السربون إحدى أعرق الجامعات. وفي هذا الحي ومن غرفة فندق تطل على "مقبرة العظماء" ظهرت حكايتي: "على كرسي لويس الرابع عشر".

هكذا استوعب الرجل الفكر الغربي عن طريق القراءة والترجمة والتفاعل مع المحيط، ليرفد جيلا كاملا بفيض من الثقافة والمعرفة المشهودة. وحسنا فعل عندما لجأ إلى الآداب والترجمة، وتخلى عن المشيخة والتبشير بالموت وعذاب القبر، ونأى بنا عن الرايات الحزينة الخفَّاقة فوق المساجد، لا ترتاح ولو يوما واحدا في العام.

ومجلة الآداب لم تتردد يوما، في نشر نتاج ألمع الكتاب والشعراء على مساحة "الوطن" العربي من المحيط إلى الخليج، ممن يثيرون الضحك بصوت يخدش الآذان وهم ينادون ذات يوم: بترول العرب للعرب..! أولئك المفكرون من الكتاب والشعراء، ممن واجهوا في بلدانهم الاضطهاد، والتعسف والتنكيل بفعل نواياهم وحسب.

لكن هذه الدار الثقافية العريقة توقفت للأسف، بعد مجالدة مستحيلة بفعل الخسائر المالية، الناتجة عن تراجع عدد مشتري الصحف الرافد المالي الوحيد، بالإضافة إلى حظرها من الدخول إلى كثير من بلدان الجوار، دون أن تترك فرصة التدخل لمن أبدوا رغبة بالمساعدة في التمويل، ممن أرادوها ربما فرصة مناسبة لمصالحهم.

"وخطـطنا في نــقى الرَّملِ * فلم تحفظِ الريحُ ولا الرملُ وعَى". هكذا توقفت "الآداب" عن الصدور حالها حال "السفير".. إحدى ضحايا فترة تحوّل العصر نحو متاهة  بلا حدود. وهكذا طوت برمشة عين في رأس السنة عهدا من النضال المجيد، فانتهى أمرها وأقفلت أبوابها ولتخبز بالأفراح في الأردن وسائر الديار العامرة.

فسماح إدريس تولى الإشراف على "مِحْرَدِ" الآداب، وقد رأيته مرة أو مرتين يظهر على إحدى وسائل الأعلام، وطلال سلمان أطفأ النور وأغلق أبواب "السفير"، وراح يناكد الزمن "ويتسكع مشرداً" "على الطريق".

ولو عدت معي إلى بهيَّة وبدايات السينما المصريّة، وكيف ضاع العمر يا ولدي في متاهة العمر الأخير، وشهدتَ ما شهدتُه في مراهقتي على الشاشات؟ وما سمعتُه من القارئة وسوء الطالع في الفنجان..؟

لسمعتني بفعل الحسرة على الماضي، أردد ما علق في ذاكرتي المنهَكة: "غنِّ وقولْ عالنّاي.. عيشة الغريب الزّاي.."!؟ من بقايا فيلم مغرق في القدم. شاهدته على أطراف الماضي البعيد، ولعله كان في عالم اليوم سخيفا لا يستحق الاهتمام؟ لكنه لا زال حيّاً في وعيِ عبر طيات الزمن، بفعل حاسات الجسد ونشاط الخيال والروح. لا سيما وأنت الناقد السينمائي وصاحب الخيال العلمي الخصيب. ولو أنني لا أتذكر تفاصيل الفيلم أو مراميه؟ إلاّ أنه يتحدث عن انتفاضة ورعشة الحب الأخير. ذكريات تدور في فلك الخيبة والمرارة وحزن القلب العميق.

دارة دوري فينا.. ضلي دوري فينا، تينسوا أساميهن.. وننسى أسامينا. لا علامة فارقة للوجع كالنقطة والفاصلة أنهي بها رسالتي إليك.. لكنها نقلة البيَّات البالغة في الرِّقة والشجن، لا تدانيها كل الفواصل والحدود.

ولا أدري والله يا صديقي، من أين تأتيني هذه الدموع المستنفَرة البغيَّة، لتنال مني وتقهرني..؟ غادرتْ كل القوافل، ولا زلتُ أنتظر"رحلة إبن فطومة" في محطة علم الغيب، نحو دار الأمان محطتي ومأواي الأخير.

 

إبراهيم يوسف - لبنان

......................

* في التعقيب على: لماذا اختفت "الآداب" المنشور.. في موقع السنابل

للأخ الصديق مهند النابلسي

"تعا تا نتخبّى من دربِ الأعمارْ

وإذا هنِّي كبروا ونحنا بقينا صغارْ

وسألونا وين كنتوا .. وليش ما كبرتوا أنتو .. منقلن نسينا

واللي نادى الناس .. تيكبروا الناس .. راح و نسي ينادينا"

https://www.youtube.com/watch?v=rTts79RsEBE

 

ليس غريبا ان تسمع ان فلانا عاقا لوالديه فذلك يندرج تحت بند عقوق الوالدين وتلك باتت ظاهرة وللاسف يعاني منها المجتمع، بل الاغرب ان تسمع ان ابا عاقا لاولاده وتلك كارثة لايحمد عقباها..

نعم هذه الحقيقة المرة التي اتت ا’كلها مؤخرا تحت اي نوع من المسميات، فقد تعدد العقوق واتخذ اشكالا مختلفة، فمن الاباء من يترك زوجته الحامل غير آبهٍ بالمولود البرئ الذي سياتي الى هذه الحياة ولايهمه ان كان ذكرا او انثى او ماذا سيكون اسمه..

ومن الاباء من يترك اطفاله الصغار ويهاجر الى بلاد العم سام حيث الخضرة والماء والوجه الحسن والخدمات غير مكترث ماذا سياكل الصغار!ماذا سيشربون!مالذي ستفعله زوجته بغيابه خصوصا ان كانت ربة بيت في ظل ظروف قاسية تعيش عبئا على اهلها الفقراء اصلا او من ذوي الدخل المحدود من الذين بالكاد يدبرون امرهم او بوجود زوجات اخوانها اللائي اعتدن العيش بطريقة ما، فتجد هذه الزوجة تحمل اعباءًا تنوء الجبال لحملها لالشئ سوى انها وجدت نفسها مسؤولة عن اطفال بلا معيل لاحول ولاقوة لهم، وبحكم تربيتها تستبسل هذه الام لتوفر لقمة العيش لصغارها مضحيّة بكل شئ راحتها، سعادتها، كرامتها تزاول اي مهنة خياطة، عاملة، طباخة، او انها تقوم بالطبخ حسب الطلب وفي احسن حالاتها اذاكانت موظفة فالامر اهون، فيما يلهو الاب ويلعب باحضان الطبيعة مؤسسا حياة اخرى بعيدا عن الضحايا الذين تركهم بلا ماوى دون ان يرف له جفن، واب اخر تجده قد انزل اطفاله الى سوق العمل ليبيعوا مختلف الاشياءاكياس نايلون(علاكة) مناديل ورقية في التقاطعات بين العجلات والشاحنات الكبيرة تحت وطأة الخطر والزجر والنهر ليحصلوا على قوت يومهم الذي سينتهي بعد عناء طويل بعد ان ياخذ الاب منهم المال بحجة انه مسؤول ويصرف على بيته وهو نائم في فراشه او جالس بكرسيه امام باب المنزل يطالع هذا وذاك او يقضي وقته باحد المقاهي منتظرا الصغار الذين منعهم من المدرسة ليعملوا بدله في ورشات الحدادة او النجارة اوبدفع العربات اواي نوع من الاعمال المضنية وقد دفع العديد من الاطفال حياتهم ثمن ذلك اما بالتغرير بهم اوخطفهم اوالمتاجرة باعضاءهم البشرية او الانجراف بطرق غير مشروعة، كل ذلك بسبب تخلي او عدم وعي ومسؤولية الاباء عن اداء مهامهم فهؤلاء هم بحق اباء عاقون..

 

مريم لطفي

 

عمار حميديشكّل الحدث العامل الاساسي والرئيسي في عملية السرد، فهو الذي يعطي الصورة المتفاعلة للمكان من خلال الاحداث الجارية فيه، ولكن ماذا عن السكون؟ ماهي البُنى الصورية التي يستعين بها السرد عندما ينعدم الحدث في المكان ويملأه السُكون وماهي تفاعلاته وتأثيراته في المكان وهو الأمر المختلف تماما لحالة التفاعل مع الحدث في المكان؟

ان الحالة المناسبة لتصوير الاحساس بالسكون والتفاعل معه في المكان سرديا هو الأيحاء بأن لاتحرك ساكنا فيتولد الأحساس أن (السكون عمَّ ارجاء المكان) حسبما توحيه التعبيرات السردية.

للسكون احساس له مميزاته، وأول هذه المميزات هي انعدام الاحساس بمرور الزمن مقارنة مع الحدث (في حالة تسارعه مثلا) كما انه قد يعطي اشارة ايجابية للتفاعل وهو (الشعور بالهدوء) او تفاعلا سلبيا (الشعور بالعزلة والابتعاد) كما ان السكون يمكن ان  يمنح للأشياء الموجودة في المكان الخالي من الحدث قيمة أكبر لتأكيد وجودها بالمقارنة مع حالة طغيان الحدث الذي يجعل الموجودات ثانوية في المكان عبر عملية السرد.

كذلك تستعين عملية السرد في بعض الاحيان بالتصويرات المبنية على الحدث لأعطاء احساسا اعمق للشعور بالسكون مثل صوت دقات القلب او دقات عقارب الساعة في المكان الساكن او صوت الرياح القادمة من البعيد، اي انها تأثيرات حسّية تزيد من قيمة السكون وحجمه في المكان.

كما تستعين عملية السرد بأسلوب آخر يجعل من السكون امرا لاتُعرف قيمته الحسية الا بعد أنتفاءه عن طريق ادخال حدث قوي ومفاجئ الى المكان الذي يسيطر عليه السكون كأن يقال (شق الصراخ السكون الذي كان قائما) او (دخل الشخص واقتحم هدوء المكان)، وهذه الاحداث تنبه القارئ الى ان السكون كان ذا تأثير قوي في المكان قبل ان يدخل حدث أقوى في الصورة التي يقدمها السرد.

وبالعودة الى البداية في أن الحدث هو العامل الرئيسي في السرد وان السكون او انتفاء الاحداث يأخذ الحيز الأقل الا انه يبقى ذو تأثير مهم على القارئ وبدونه لاتوجد قيمة ذات معنى لتوالي الاحداث من خلال ربطها بالسرديات التي تتناول السكون وتوقف الحدث، بل ويمكن ان يكون السكون في عملية السرد حجر زاوية لنهاية احداث وبدء احداث اخرى من خلال احتواءه لعنصر التهيأة للحدث القادم.

 

عمار حميد مهدي.

 

674 تصير شمة 1فسحة مع الفنان وخبير الآلات الموسيقية الأستاذ ماهر الشريف:

الأمكنة بعطورها النادرة وتواريخها حيث الذاكرة تنبش في خرائط المسرات ..و هل ثمة مسرات زمن العولمة حيث محو الأنماط والسير بالكائن الى رقم متروك والأمكنة المفعمة بالوجدان الى متحف مهجور..يحضرني هذا وأنا في قلب المدينة التونسية العتيقة وتحديدا بحي باب سويقة العتيق وفي غفلة من الضجيج والأفتعال والكذب والوهم أمنح النفس الأمارة بالجميل والمحبذ والمطمئن شيئا من غفوات الذاكرة الخصبة..الأزة والأنهج والحوانيت وما تراكم في الذاكرة من تواريخ وأحداث ووجدانيات حيث البهاء سيد المكان والزمان..من ذلك وأنا أهم بفتح الباب والولوج الى حيز آخر من ذاكرة باب سويقة..تذكرت القصيدة الرائعة (أبعاد) للشاعر العراقي الكبير سركون بولص ومنها بالخصوص :

 " العازف في ركنه

يعانق عوده بوداعة كأنه يصغي

إلى بطن حبلى بينما أصابعه تعذّب الأوتار..."

نعم حدث ذلك وأنا أجلس الى رجل ذاكرة وفنان وحكاء من طينة أخرى ...حدثني عن المكان..باب سويقة عن أحواله بن الأمس واليوم وبحسرة الفنان والحرفي والموجوع بالآه تزحف على الأحاسيس تكشف شيئا من شجن الذات..يحنو على آلاته التي يصنعها ويتعهدها يحاورها ويسمع أناتها العالية...هي موسيقى من نهوند وصبا..

كان يحدثني عن حي باب سويقة بأدق التفاصيل ومن عقود طويلة الى يومنا هذا عن الثراء الثقافي والديني والمعماري والتقاليد والأسواق واللباس وعادات الناس وغير ذلك كثير فكان بمثابة حارس ذاكرة وحكاء ماهر...كيف لا وهو السيد ماهر الشريف الذي جعل من محله لبيع وصنع وتعهد الآلات الموسيقية المكان الهادئ الشبيه ببيت الحكماء بمثابة بيت الذاكرة أيضا ...فنانون من المرق والمغرب ومن العالم وفدوا عليه كخبير آلات موسيقية ..صور وذكريات ولقاءات الود والفن والصداقة لنذكر الفنان العراقي نصير شمة والفنان التونسي لطفي بوشناق ...مثلا..

خفة أنامله وهو يعزف أويصون الآلات وكذلك وهو يحدثك بحرقة الانسان المحب لبلاده والمكتوي ببعض أحوالها في أيام الخواء الاعلامي والتفاهات المتلفزة والسقوط القيمي وانحسار الثقافي والحضاري في البرامج والمنوعات وسط هيجان للرداءة ومشتقاتها في الفنون والآداب...يا حسرة على روعة وجمال باب سويقة..قالها وفي القلب لوعة وآه..

الحانوت بمثابة التحفة الفنية ما ان تدخل وتجلس ينتابك شعور بأنك في عزلة عن العالم الخارج ويالها من عزلة رائقة فيها السفر مع الجميل والثري والمفيد والمطرب والأخاذ..فسحة مع الذكريات حيث الذاكرة رواية مفتوحة على المدهش ...

674 تصير شمة 2

باب سويقة المكان والمكانة كنا نتحدث وتذكرت كلام المسرحي الراحل المنصف السويسي ذات لقاء معه بدار الثقافة بباب سويقة بنادي الأدب والفنون الذي كنت أديره في تلك السنوات من تسعينات القرن الماضي "...انا أجل منطقة باب سويقة فهي معقل من معاقل النضال الوطني وقديما منذ العهد الاسباني كانت هذه الجهة من مدينة تونس خلاصة هذا الانتماء التونسي ففيها كل الشرائح والرؤي والقيم ومنها التواضع ونبذ الوصولية فزعماء تونس وغيرهم من رجالاتها ونخبها من هذه البيئة ومنهم والدي عزالدين السويسي، فهناك بطحاء العجائب وأدباء تونس مثل جماعة تحت السور والمقاهي الغنائية كما في "الكافي شانطة" ومن الأسماء نذكر كرباكة وخليفة الاسطمبولي والهادي الجويني وشافية رشدي ومنور صمادح والصادق ثريا وغيرهم من الادباء والشعراء، حيث أسس بيرم التونسي جريدة المسلة، كما شهدت هذه الجهة من تونس الفداوي وهو الحكّاء المتجول أو ما يعرف بالمسرح السردي وصندوق العجائب والكراكوز ومسرح الدمي... كانت هناك انماط واشكال من الفرجة وقد امتزج ذلك بالنضال وبالمدرسة العرفانية والكتاتيب وهو ما جعل الروح الوطنية تنطلق منذ الطفولة. والدي عزالدين السويسي كان ينتمي لأسرة المسرح والصحافة، حيث كان هناك تداخل مهم بين الفنون والاعلام والأدب والنضال وقد اسس صحيفة الاخبار وفيها مواقف لا تروق للاستعمار آنذاك واسس ايضا اول فرقة محترفة وهي الفرقة البلدية للتمثيل العربي وهي الان فرقة مدينة تونس حيث كانت كلمة العربي في التسمية في ابعادها المعادية للاستعمار وقد لعب الاسلام دورا حضاريا رائدا في بعث الروح النضالية ضد الاستعمار وهذا كله ساهم في نسج كياني آنذاك..." .

نعم ان علاقة الفنانين بالمدينة متينة باعتبارها حاضنة ثقافة وتاريخ وعادات وتقاليد ولعل ذلك يشير الى ضرورة المحافظة على المدينة ومعمارها حيث تشهد في محيطها القريب بالخصوص نوعا من التشويه والسلخ عبر الفضاءات الفوضوية وخصوصا مشاهد التهرئة والانحسار وخاصة أمام البضائع المختلفة والكاملوت على عبارة الكاتبة سلوى الراشدي التي نشرت منذ سنوات مجموعة قصصية بعنوان " باب الذاكرة " بسطت فيه ما يتهدد المدينة العتيقة من اهمال وضياع واندثار ثقافي من ذلك ما يرد في الصفحة 27 من هذه المجموعة "...قد تتعثّر أحيانا في بضاعة مصنوعة بتايوان أو باليابان أو إيطاليا فتحثّ الخطى كأنّما تنشد المدينة العتيقة التي لم نبلغها بعد... ".. هذه المجموعة التي نعني " باب الذاكرة " على غلافها لوحة للرسامة سهير الراشدي ابنة الكاتبة وقد نشرت في 136 صفحة وفي طياتها 13 قصة : اغتراب حكاية ووشم ومن ذاكرة النسيان وبائع الكعك وهل وصل الساعي ومن ذاكرة عجوز دينا معمر ودع الباب مفتوحا وهل نلتقي وانسلاخ وحديث الحجارة وباب الذاكرة ومحطات وفي بلاد فولتار...

في هذا المكان الواقع بباب سويقة يمضي الفنان والخبير ماهر الشريف في شؤونه وشجونه لا يلوي على غير القول بالقيمة والعلو بعيدا عن السقوط والتداعيات المريبة والمربكة التي نشهدها اليوم في الحياة اليومية

 

شمس الدين العوني

 

"الرجل الذي يعامل المراة على انها ملكة دليل على انه تربى على يد ملكة اخرى"..شكسبير

تسعى المجتمعات الشرقية الى تقييد وتحجيم دور المراة واعادتها الى عهود موغلة في القدم تبيع وتشتري بحرية وكرامة المراة ،رغم ان الاسلام كرمها واغدق عليها الحقوق لتكون مصدر اشعاع والهام في الاسرة اولا والمجتمع ثانيا،لكن للاسف الشديد فما زالت هناك ترسبات من عهود خلت تحمّل المراة-الزوجة-اعباءا واحمالا لاتطاق تحت عدة ذرائع الغرض منها هو اذلال المراة ثم سد النقص عن طريق اذلالها..

ومن هذه العادات تسلط "الحماة" على الكنة واعتبارها ملكا صرفا مما ملكت يمينها ويمين ابنها،فتبدا بممارسة كل انواع القهر بكل مااوتيت من قوة لتسد نقصها وتصل حد الاشباع-هذا ان وصلته-،فلاتفتأ ان تتداول الالفاظ النابية من شتم وسب ولعن مستغلة ان "الكنة"لن تجيبها اما لان اخلاقها تمنعها من ذلك او لخوفها من الزوج الذي يفتك بها،خدمات على مدار اليوم،حرمانها من حقوقها الزوجية والانسانية تصل الى حرمانها من الدراسة والعمل والخروج وقد تصل الى منعها من زيارة اهلها،عد الانفاس عليها ومنعها حتى من الادلاء برايها ،اضف الى ذلك التعنيف الجسدي الذي تتلقاه من زوجها الذي لم يرمش له جفن وهو يرى كرامة زوجته تهدر بهذا الشكل..

هذه المخلوقة المغلوبة على امرها المستسلمة لقدرها في سبيل تربية ابنائها،تجد نفسها فريسة من قبل زوج لايحترم الحياة الزوجية وقدسيتها وحماة تكيل لها الكيل بمكيالين، وقد نسيت تماما انها كانت في يوم من الايام كنةً ايضا وربما كانت تطبق عليها نفس الاحكام او شيئا منها،وبدلا من ان تستوعب هذه الكنة كإبنة لها تبدا باستخدامها كأي مستخدم وبلا رحمة لانها تحمل لقب"كنّة"،فمالاترضاه على ابنتها بل وتقاتل من اجل اسعادها وتذليل الصعاب من اجل تيسير حياتها،ترضاه وبكل الرضى لكنّتها مبررة ذلك بالعادات والتقاليد البالية التي ورثتها..

اذا نظرنا نظرة تفحصية لكل شرائح المجتمع سنصل الى حقيقة مفادها ان الثقافة تلعب دورا في حياة الافراد والمجتمعات ،وان ثقافة المراة هي الوتد الذي تقوم عليه الحياة،فلو كانت الام-الحماة- على مستوىً من الثقافة وان كان بسيطا ومستوىً من التدين الذي ينهى عن اذلال الانسان لان "الدين معاملة وليس طقوس"لما وقعت ببراثن السوء والاساءة لهذه الانسانة التي انيطت اليها مسؤولية ادارة اسرة من زوج واولاد،كيف تديرها وهي تتعرض بكل لحظة لكل انواع العنف المادي والمعنوي من قبل الزوج والحماة،وقد يشاركها افراداُخر مثل بناتها اللائي يمارسن نفس الدور وابناءها وزوجها-اب الزوج- ،فتجد الزوجة نفسها فريسة والكل يتحكم بها دون استثناء،بل انها تعجزان تجد الجهة المركزية التي تكون تابعة لها لتاخذ اوامرها منها،هذه الازدواجية بالتعامل والتشرذم في ممارسة الادوار يخلق افات اجتماعية لاحصر لها وعقدا وشروخا في نفس الزوجة واطفالها فيما بعد،بل وان احد اسباب الطلاق والتي بدات تنشط في الاونة الاخيرة في مجتمعاتنا هو تسلط الحماة واهل الزوج وتحكمهم بكل تفاصيل الحياة خصوصا اذا كان الابن-الزوج-مطيعا الى حد الثمالة ملبيا رغباتهم"الجائرة" دون قيد اوشرط متناسيا كل حقوق السماء تجاه زوجته وأم اطفاله،هذه الخروق والعادات الغير سوية تؤدي الى خروقات نفسية ومجتمعية لاتحمد عقباها،وتشير الاحصائيات الى ارتفاع حالات انتحار النساء بسبب العنف الاسري الذي يسببه الجور والقهر من قبل الزوج واهله..

لابد من وضع حد لانتهاكات حقوق المراة من خلال جمعيات المجتمع المدني وسن قوانين تمنع الاساءة الى المراة وايقاف تعنيفها واخذ اجراءات رادعة لذلك،وتوفير ملاذا امنا لها ولاطفالها في حال تعذرت حياتها في بيت الزوجية،وللدول المتقدمة باع طويل في ذلك..

ولتكن لنا في رسول الله اسوة حسنة حيث قال"انما النساء شقائق الرجال مااكرمهن الاكريم ولا اهانهن الالئيم"..

 

مريم لطفي

 

قربه عدد من النقاد والمتابعين ومتذوقي الادب والشعر بالشاعر العربي الكبير نزار قباني لشعره ورهافته حول المرأة والحب والغزل والحرية والجمال، ولتمرده على القييم البالية لتقييد حرية المرأة وأبداعها.

ولد يوم ٣ أكتوبر العام ١٨٩٥ في بلدة ريفية (قسطنطينوفو) تقع على ضفة نهر (أوكا) في ناحية (ريازان) وسط روسيا، وأنتحر يوم ٢٨ ديسمبر العام ١٩٢٥في فندق (إنغليتير)، وفي أحد غرفه عثر عليه متدلياً بحزام حقيبة على عمود للتدفئة الكهربائية، الهوتيل الذي هدم لاحقاً عام ١٩٨٧ في العاصمة القيصرية (بطرسبورغ). والذي شهد مشهداً تراجيدياً بأنتحار شاعر جميل وشفاف ورقيق عن عمر ناهز ثلاثون عاماً في قمة فتوته وأبداعه وعطائه، ويعتبر من ألمع شعراء روسيا، لكن هناك من يعتقد أنه قد قتل في زحمة الصراعات السياسية أنذاك، حيث التحولات السياسية الكبرى على أرض روسيا تمخضت عنها ثورة أكتوبر العظمى، والذي كان من الداعيين لها ومؤيديها لكن سرعان لم يجد لنفسه مكاناً بها، ولم يرى فرقاً بينها وبين سلطة القياصرة، وهذه تركت تداعياتها السلبية على مجمل حياته. تزوج في وقت مبكر من أمرأة في فوران شبابه وأنجبت له ولد وبنت وبسبب هذياناته وسكره وعربدته هجرها في ظروف صعبة جداً رغم ميله الديني والأيمان بالخالق عكس أقرانه من الادباء والشعراء وعلاقتهم بالجمال، أعتبر من شعراء الطبيعة الروسية بما تتميز به أشعاره من صفاء وجمال. تعرف وأتخذ منها كزوجة الراقصة والفنانة الامريكية (إيسدورا دونيكان) وهاجر معها الى أوربا وأمريكيا، لكنها لم تتحمل فوضويته رغم أنها تكبره ب ١٨ عاماً. فعاد الى روسيا رغم تمرده على الوضع السياسي القائم وموقفه المسبق من ثورة البلاشفة ربما أعتقاده الديني هو الدافع النفسي والفكري والسياسي، حتى في موته حضرت أمه مراسيم التشييع والدفن وطلبت أن يدفن على أساسيات ومعتقدات الديانة المسيحية، لكن لم تجري الأمور مثل ما أرادت وتمنت . عاد الى الاتحاد السوفيتي بعد أن هجرته زوجته الامريكية. عاد وفي داخله ندم ورغبة بالعودة الى زوجته الروسية أم أولاده فاصطدم بالواقع حيث وجدها متزوجة من رجل أخر، فلم يبقى أمامه خيار الا توديع أطفاله وبعد يومين شيع نبأ أنتحاره. رغم قصر حياته، لكنه تعرض الى ثلاثة زيجات فاشلة، قد تكون واحدة من الاسباب كما تعزى له هو أدمانه على الكحول.

من أشعاره

غدًا أيقظينى ساعة الفجر

يا أمى الصابرة

علىّ أن أغدو عبر تلال الطريق

لألقى ضيفا عزيزا

فى الأجمة الكثيفة اليوم

أبصرت آثار عجلات عريضة على المرج

وتحت الغيوم المتشتتة

كانت الريح تهز قوسها الذهبى

غدا يسرع مندفعا مع الفجر

مميلا القمر قبعة تحت الشجيرات

وعلى السهل المنبسط

لعوبا يتأرجح ذيل مهرته الأحمر

 *

أيقظينى غدا ساعة الفجر

وأوقدى فى الغرفة الضوء

يقولون أنى سأصبح قريبا

شاعر روسيا ذائع الصيت

 *

أتغنى بك أنت...أتغنى بالضيف

بالديك والموقد والمأوى..

وعلى أغنيتى

يندلق حليب بقراتك الشقراء

 *

هى ذى السعادة الحمقاء

نوافذ بيضاء تطل على حديقة

وفوق البركة ينحدر المساء الهادئ

بجعة قانية

طاب مساؤك أيتها السكينة الذهبية

حيث تنطرح ظلال البتولا على الماء

وجمع من الزاغ فوق السقف

يتلو صلاته المسائية على مسمع النجوم

*

وفى مكان ما، عبر الحديقة

حيث تزهر شجيرة الكالينا

فى ردائها الأبيض تتغنى صبية رقيقة خجلى

بأغنية ناعمة

 *

وعلى الحقول تنبسط برودة الليل

مسوح رهبان زرقاء

أيتها السعادة العزيزة الحمقاء

يا وردة الخدود الغضة .

*

الشاعر يسينين رغم قصر حياته الادبية (الشعرية)، لكنه ترك نتاجاً ثراً في تاريخ الشعر الروسي والعالمي، وما زالت محط أهتمام أدباء العالم. تعرفت عليه لأول مرة في مطلع الثمانينيات في العاصمة بغداد من خلال نتاجاته وحول ما نشر عنه وعن حياته وأشعاره في العاصمة بغداد في مطلع الثمانينيات في مجلة الثقافة للمرحوم صلاح خالص، وكان الفضل الأكبر في تعريف القراء العراقيين والعرب عليه، هو الاستاذ حسب الشيخ جعفر الذي تناول حياته وشعره.

ولد ونشأ في عائلة ريفية فقيرة، وقد تفرد بموهبته الشعرية منذ الصغر وسط أحضان الطبيعة وبين جداول الحقول وصهيل الخيول ورائحة الأرض ظل طيلة حياته يتغنى ويكتب ويحن الى ضيعته الريفية والتي أصبحت جزء من نتاجاته الادبية وأبداعه، والتي لم تفارقه في جملة تفاصيل حياته، وما زالت تقام على تلك الأرض مهرجاناً شعرياً سنوياً أعتزازاً بأنتمائها الى الشاعر يسينين. وهناك جائزة سنويه بأسمه تمنح للادباء المبدعيين. وقد أقيم تمثالاً له وسط مدينته. في بداية حياته حاول والده والذي يعاني من ضنك العيش أن يبعده عن موهبة الشعر، فأخذه وأنتقل به وبالعائلة الى العاصمة ووجد له مكاناً للعمل في متجر للحوم، لكنه سرعان ما تركه رغم العوز المادي، لانه موهبة الشعر كانت طاغية على شخصيته، ففي هذه الاثناء تعرف على الاديب والشاعر الكبير (ألكسندر بلوك)، الذي كان شاغل الصحف والنقاد بشعره، فرحب ألكسندر به أشد ترحيباً وساعده في نشر أشعاره بأهم الصحف والمجلات الواسعة الانتشار، مما درت عليه أموالاً، أنقذت نوع عما أزمته المادية.

وقد قال عنه الاديب الكبير (بوريس باسترناك) ” لم تلد الأرض الروسية مَن هو أكثر محلّية وأكثر عفوية،

مَن هو أكثر وطنية وأفضل توقيتاً ممّا هو سيرغي يسينين…

وفي ذات الوقت، لقد كان يسينين مثالاً حياً ينبض بالأدب، الذي

يواصل تقاليد بوشكين، الأدب الذي ندعوه ذروة المبدأ الموزارتي.. ”

شهد الاتحاد السوفيتي بعد موت قائد ثورة أكتوبر الزعيم لينين ١٩٢٤صراعات حادة بين قطبين بحزب البلاشفة تروتسكي الذي كان من قادة ومنظري حزب المناشفة، لكنه أنضم الى البلاشفة قبل ثورة أكتوبر، وبات أحد قادتها ولاقى أهتماماً كبيراً من القائد لينين فوصفه من أنظف العقول في قيادة الحزب، وستالين الذي فتح أبواب الحزب الغير متعلمين بين صفوفه على حساب مباديء الحزب الاصيلة، وأنتهى هذا الصراع الى الافتراق السلطوي في الحزب، ختمها ستالين بقتل رفيقه تروتسكي شر قتله في ألة (الفأس) بعد أن لاحقه وهو خارج البلد الى المكسيك، والبلد الذي ختم مسيرة حياة مفكر وسياسي، قتل على يد الشيوعي الاسباني (رامون ميركادير)، والذي كان يحظى بثقة عائلة ليون تروتسكي، والذي تبينت لاحقاً علاقته مع المخابرات السوفيتية، وقام بفعلته بتوجيه من الرئيس ستالين، وقد حكم عليه عشرون عاماً وهي أقصى عقوبة يسمح بها قانون البلد (المكسيك) وبعد خمسة عشر عاماً خرج من السجن ووصل الى موسكو وتم تكريمه ومنحه وسام لينين، وقال قبل مماته ” ما زالت صرخة تروتسكي يرن صداها في ذهني طالما حييت، عندما فج رأسه بالفأس. لم يكن هذا الصراع بمعزل عن الحياة العامة في روسيا وتحديداً الادباء والشعراء والتي تركت ظلالها التراجيدية على مسرح حياة الشاعر يليسين كغيره من الادباء والشعراء. الذي كسر نفوس الكثير من الحالمين بمبادئ الثورة والعدالة. في تلك الفترة سقط العديد من أصدقائه الشعراء ضحية المناخ الشرس، وسقط هو في دوامة من التوجس والخبال النفسي شدته إلى حافة الجنون. كانت روح الشاعر سيرغي يسينين تنبض بشعر وروح بوشكين / باسترناك / ليرمنتوف. ونثر وأدب تشيخوف / تورغنيف / دستوفيسكي. من يقرأ حياة ستالين وقيادته للبلد والحزب فعلاً الرئيس العراقي صدام حسين مستفاد من تجربته في الحكم بقتل رفاقه على فرضية الشكوك والتميز. كما كان يروى.

 

محمد السعدي - مالمو

 

محمد العباسيكثيرا ما تصورت أن تأتينا جارة أو قريبة لنا طلباً في أن نقبل بتزويج أبنتنا الوحيدة لابنهم.. وتأتي الأم في سرد مناقب الفارس المرتقب بقول صفات كالتالي: من المسجد للبيت.. ومن البيت للمسجد.. "ما عنده أصحاب.. لا يطلع ولا يسهر" .. كل يوم "يحّن" ويقوم من النوم "يوّن".. يبغي "مرة" .. يقول زوجوني.. وإحنا "عاد" ما "بنلقى" أحلى ولا أحسن من بنتكم المصون.. بنت الحسب والنسب.. إلخ "!!

يا أختاه.. جارتنا أو قريبتنا الكريمة.. ابنك الكريم ليس مستعدا لبناء حياة زوجية وتحمل المسئوليات والتبعات.. هو إنما بحاجة ماسة إلى أنثى (تلطيفاً للوصف)!  فهل من مقومات الزواج أن يكون الزوج بلا أصحاب؟  بلا علاقات اجتماعية؟  بلا خبرة في متطلبات الحياة؟  هل مؤهلات تبعات الزواج وإدارة الحياة الزوجية الصلاة فقط؟  وهل سنحكم على فتاة في عمر الزهور بقضاء حكم مؤبد مع "الأعمال الشاقة" دون وازع من ضمير مع رجل متعطش لإشباع نزعاته الجنسية المكبوتة؟!

قد تقبل فتاة ما بمثل هذه المواصفات كنوع من الجهاد في سبيل الله.. كفاح ترجو من وراءه كسب الآخرة.. ونبذ للحياة الدنيا.. مثلها مثل الفتيات والنساء اللاتي أغواهن "الدواعش" للانضمام إليهم تحت مسمى "جهاد النكاح"!  أو فتاة صغيرة لا حول لها ولا قوة يزوجها أهلها ضحية لكهل (بل ذئب بشري) كي ينفق ويغدق عليهم.. طبعا قد تختلف الآراء كل حسب معتقداته وتربيته.. لكن ليست هكذا هي التوقعات والأمنيات عند عامة الناس.. فللحياة الزوجية تبعات ومتطلبات وتكاليف ومسئوليات لها بداية وليس لها نهاية.. وللعيش سوياً وبناء عش الزوجية انعكاسات قد تكون بعضها حساسة وقد تؤدي إلى خلافات واختلافات في وجهات النظر وتتعارض فيها الآراء والمصالح والأذواق.. وبسببها قد تتفاقم بعض الأوضاع لتشمل كافة أفراد الأسرتين وتتعقد الأمور وتتداخل وتؤدي إلى ما لا يُحمد عقباها!!

بعض الزيجات في عصرنا هذا تقع ضحية للظروف المادية.. التي معها قد يضطر الزوج للدخول في معضلة الاقتراض من أجل توفير التكاليف.. مهر مبالغ فيه.. تأسيس عش الزوجية من سكن لائق وتأثيث مناسب ومصاريف حفلة الخطوبة و"العرس".. ربما أيضاً تكاليف باهظة لقضاء شهر العسل.. ومثل هذه الأعباء قد تترك ندبة غائرة على الحياة الزوجية لسنوات لاحقة.. ولمثل هذه الضغوط تبعات نفسية قد لا تندمل.. حتى بات البعض في اختياره لشريكة حياته يضع في حسبانه وظيفة الزوجة.. معاشها.. وهل تمتلك سيارتها الخاصة (حتى لا يضطر لشراء سيارة لها!!).. بل هنالك من يحسبها من كافة الجوانب "بالمسطرة والقلم والآلة الحاسبة".. مثلاً يضع في حساباته حتى الوضع المادي لأسرتها وعدد أخوتها (الذكور بالذات) ليرى كم ستكون نسبتها من "إرث" أبيها !!

بعض الزيجات تكون خاطئة منذ وهلتها الأولى.. بالذات تلك المبنية على أوهام الحب والغراميات بين أروقة المدرجات الجامعية وتلك الطرقات المعروفة في كل مدينة باسم "شارع الحب".. أو بعد ابتسامة عابرة في مجمع تجاري وتبادل لأرقام الهواتف.. وحوارات "ماراثونية" في عتمة الليل.. واتصالات بالصوت والصورة عبر تطبيقات الهواتف الذكية.. ومواضيع على شاكلة "إنتي أحلى وحدة آرقمها" وإن نجحت في صده وتمنعها عن الخروج معه يزداد لها شوقاً وهياماً.. فيتزوجها من أجل نيل مراده منها.. ولن يكف أبداً عن مغامراته الرعناء، ولن يمسح من هواتفه الأرقام الكثيرة التي لملمها يمنة ويسرة.. فيقعان كلاهما ضحايا لبعضهما البعض.. ويعودان من جديد مع كل مشكلة مهما كانت تافهة للبحث عن أمل زائف وقصة حب ملتهب كـما "قيس وليلى".. ولطالما قلت فيهما: لو أن "قيس" كان قد نال مراده من "ليلى" لما كتب فيها القصائد !!

لكن لنقل أننا من باب حسن النوايا نتزوج أملاً في بناء أسرة سعيدة.. غير أن البعض قد يقضي على أحلى فترات الزواج وهي فترة الخطوبة بقتلها في مهدها.. ويقضى على أجمل أيام الحياة الزوجية في السنة أو السنتين الأولى بحمل سريع لإرضاء الأهل من الطرفين.. لتنتهي الحالة الزوجية ويتحول الزوجين الجديدين إلى أبوين.. ومع أول طفل تتضاعف المتطلبات وتتكالب المسئوليات والضغوط.. ليتحملا معاً مسئولية نشأة إنسان جديد.. مولود مظلوم من لحظة ولوجه للدنيا.. ومعه تأتي كافة صنوف الالتزامات المادية والمعنوية من رعاية خاصة وحليب خاص وطعام خاص لا يباع إلا في الصيدليات بتكاليف باهظة.. و"حفاضات" ورضاعة.. وزيارات مكوكية مكلفة لعيادات الأطفال.. ومن ثم الحضانة فالروضة وصولاً إلى المراحل الدراسية.. ويكبر الطفل ومعه ينطلق وابل من المشكلات والمتطلبات من كل صوب وحدب.. وهكذا !!

فجأة.. "المعاش" لا يكاد يكفي.. الزوجة لم تعد بالفراش.. العواطف الجياشة تذبل والغراميات تضمحل.. فالرضيع (الضحية) يبكي طوال الليل لسبب مجهول.. وأخوه الأكبر بسنة أو سنتين قد (بلل) الفراش.. والأم (الشابة) يقظة بين هذا وذاك.. وورائها "دوام عمل" في الصباح حالها حال الزوج.. لكنها هي المُطالبة برعاية الأطفال والسهر على راحتهم على حساب راحتها هي، كعادة النساء عندنا.. الحياة الزوجية الهانئة تبخرت قبل أوانها..عواطفها قد تبعثرت بين حاجات الزوج والأطفال.. أصبحت مُتهمة بأنها لم تعد تبالي بالزوج.. فقط لأن الزوج والزوجة معاً لم يمعنا النظر في المستقبل القريب ولا البعيد.. لم يستمتعا بالحياة الزوجية الهادئة السعيدة في أحضان بعضهما البعض لأطول فترة ممكنة.. بل تعجلا.. واستعجلا.. ولم يتأملا !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

بكر السباتينصحيح أن التاريخ يكتبه المنتصرون ولكن نقاط التلاقي في السرد التاريخي بين المتنازعين تتحول إلى مرتكزات لتأويل نقاط الخلاف والخروج تالياً بالرواية التاريخية المقبولة.. كتابة التاريخ لا تتم في ليلة وضحاها لأن الرواية التاريخية تفاعلية وغير مكتملة إذْ تتعدد التأويلات والحكاية واحدة.. وهذا ينطبق على الحكايتين التاليتين للخروج بخلاصة القول بعيداً عن السرد التاريخي كي نُخْرِجَ النص من مأزق التجاذبات التي تحول الرواية إلى سلاح إعلامي في يد القادة إبان إي صراع ينشأ على الأرض.. هذه مقاربة بين الخيال والواقع وكلاهما يعتبران من نتاج العقل البشري في سياقي الفكر والفعل.

تقول الحكاية الأولى على لسان راوي الملك الذي يمثل سلطة الأقوى بأن أهل مملكة ما اعتادوا على تقديم الهدايا لملكهم في كل عام.

وفي اليوم الموعود احتار الفلاح الفقير فيما سيهدي للملك، فلا يوجد لديه الكثير ليقدمه.

ذهب الفلاح الفقير إلى قصر الملك، حيث احتشد الجميع، كلٌ أتى بالغالي والنفيس ليقدمه هدية.

وقف الناس خارج أسوار القصر، وكلٌ يتباهى بما لديه، وبهديته.

فُتحت أبواب القصر لعامة الناس لتقديم هداياهم، وبعد ساعاتٍ طوال جاء الدور على الفلاح الفقير، فسأله الملك: ماذا لديك لتقدمه لنا أيها الرجل؟ فأجابه الفلاح: سأقدم إليكم يا مولاي "أغلى ما عندي". فسأله الملك: وما هو أغلى ما عندك؟ فأجابه الفلاح: انه هذا الطائر «القونو». فتعجب الملك، وسأله وما الذي يميز هذا الطائر ليكون أغلى ما عندك؟ فرد الفلاح: يساعدني في الصيد، فهو يغرد وينادي على الطيور من أبناء فصيلته وجنسه، فيأتون مسرعين لنجدته أو لتلبية دعوته فيقعون في الشراك التي أنصبها لهم في الحقل.

إلى هنا يتفق الرواة على التفاصيل والتداعيات التي أخذت مجرى النهر إلى الشلال.. ويأتي الخلاف بين سلطة الرواية التي يسردها راوي الملك والراوي المحنك المتردد الخائف من بطش الملك الذي أخذه التأويل إلى نهاية أخري قد تنصف الطائر ومالكه من بطش الملك.

الرواية الأولى سردها راوي البلاط الملكي الشاهد على الحدث منوهاً إلى أن الملك قام غاضباً، وأمسك برأس الطائر وقطعه قائلاً: هذا طائر خائن وكذاب، ولا يمكننا قبول الخونة والكاذبين في مملكتنا، فهو لا يستحق العيش ها هنا، ونحن لا نريد في المملكة من يخون قومه حتى لو كان حيواناً!

من هنا تسوق الخاتمة إعلامياً لتثبيت حكم الملك من خلال بث الرعب في قلوب الرعية.

طبعاً الحكاية تنتهي عند موقف الملك إزاء الطائر.. لكنها من جهة ثانية لا يجب أن تمر دون تأويلات أخرى، ربما لو طُرِحَتْ في حينه؛ ستخرج الطائر من المأزق وتجعله محظياً عنده.. فلو قال أحد رجال البلاط الذين يؤمنون بسياسة التسامح بأن الطائر كان يحذر بقية الطيور من جنسه كي تحتاط للأمر فلا تقع في الفخ من باب الشهامة والإباء، فلم تستجب تلك الطيور لندائه فهبت لنجدته رغم أنها تعلم بأن الفخ ينتظرها..  ربما لاحتسبها الملك حينها شهامة من الطير فيكافئ صاحبه ويتقبل الهدية وربما يعمم حكايته ليجعله رمزاً للتضحية لأجل الملك نفسه.. هنا التأويل سلاح ذو حدين.

وفي سياق المفهوم ذاته سنأخذكم إلى حكاية أخرى مشهورة.

تقول الحكاية الثانية بأن الملك الجبار عزم على قتل كلّ من يشك بنواياه، وأخضع المقربين منه للاختبار، حتى سقط فيه أحدهم فأمر بمعاقبته بطريقة مبتكرة، إذ جوَّعَ مجموعة من كلابه التي يثق بها، وأمرها بالانقضاض على رجل الحاشية المُدان في ساحة مكشوفة محاطة بالجمهور وهو جالس في المقدمة كي يتشفى بالضحية التي وقفت والأغلال بيدها في حضرته، وأخذت تستدرّ عطفه مذكرة إيّاه قائلة:

هل هذا جزاء من أخلص في خدمتك وخضع لأمرك طوال عشرة أعوام يا مولاي!

 لكن الملك أصر على موقفه دون أن يستجيب لدموع الضحية "فكيف يتراجع ملك عن قراره".. وبعد إلحاح استجاب الملك لطلبه في منحه مهلة عشرة أيام يقضيها مع الكلاب قبل أن يرضخ لها فتنهش لحمه. خلال هذه الفترة كان الرجل المدان يعامل الكلاب بالحسنى ويطعمها بيده حتى كسب ودها ووفائها.. لذلك حينما آن موعد القصاص رفضت الكلاب الاستجابة لأوامر الملك.. فما كان منه إلا أن أمر بقطع رأسه بعدما اكتشف حيلته.. من هنا انقضت الكلاب على الملك انتقاماً لسيدها الجديد الذي اعتنى بها خلال الأيام العشر وفاءً له.. إلى هنا لم تكتمل الحكاية، فسارع راوي السلطة يثني على موقف الملك ويحرض على قطع رؤوس من دربوا هذه الكلاب الخائنة للعهد. لكن خاتمة الحكاية أخذت التأويلات إلى جهة النقيض، حينما علم الراوي بأن الكلاب ماتت بالسم الذي كان يملأ جسم الملك المحاط بالخونة فانقلبت تأويلات الرواية رأساً على عقب..

فلاحظوا بأن التأويل الأول يعتمد على بقاء الملك حياً وفي يده الصولجان، على اعتبار أن الخائن ومعه كلابه لا بد من القصاص منهم، ولكن في التأويل الثاني المعتمد على نهاية الملك وموته بالسم يتبين كيف أن الكلاب التي يرعاها الإنسان أكثر وفاءً من الخلِّ والرفيق والحاكم، فيما يذهب التأويل إلى أنه كلما زاد البطش اقتربت نهاية الظالم.

 

بقلم بكر السباتين

 

ضياء نافعبونين – هو آخر العنقود ضمن الاسماء العالمية الشهيرة في تاريخ الادب الروسي، العنقود الذي ابتدأ بالشاعر بوشكين في القرن التاسع عشر. ولد بونين عام 1870 في روسيا وتوفي عام 1952 في فرنسا، حيث كان لاجئا (بعد ثورة اكتوبر1917 التي رفضها) وتم دفنه هناك . لقد عاش بونين في وطنه (50) سنة، واصبح اسما لامعا في مسيرة الادب الروسي، وعاش في فرنسا لاجئا (32) سنة، وكان يعدّ هناك ابرز اديب روسي خارج روسيا، وحاز على جائزة نوبل للآداب عام 1932 (وهو اول أديب روسي يحصل على هذه الجائزة). لقد كان بونين طبعا من الادباء الروس المغضوب عليهم في الاتحاد السوفيتي، خصوصا في الفترة الستالينية، ولكن حذف اسمه في مسيرة الادب الروسي او عدم الاعتراف به لم تكن مسألة يسيرة، وهكذا عاد بونين جزئيا (ان صحّ هذا التعبير) الى القارئ الروسي داخل روسيا السوفيتية آنذاك في الفترة التي استقرّت تسميتها بمرحلة (ذوبان الجليد) بعد وفاة ستالين، لكن دون الاشارة طبعا الى جائزة نوبل او مواقفه الفكرية الواضحة والصريحة بالنسبة لثورة اكتوبر، بل تم (الافراج!) عن بعض مؤلفاته قبل ثورة اكتوبر بالاساس، وقد شاهدت بام عيني ردود فعل القراء الروس وهم يتزاحمون ويقفون في الطابور بمخازن بيع الكتب السوفيتية من اجل الحصول على نسخة من كتب بونين، التي أعادت دور النشر السوفيتية طباعتها وتوزيعها عندئذ في تلك الفترة، وقد ازدادت عودة بونين الى القراء الروس بالتدريج وبمرور الوقت، اذ ان بونين هو كاتب عملاق متعدد المواهب، فهو شاعر وقاص وروائي وكاتب مقالة من الطراز الفريد والمتميز بكل معنى هذه الكلمات، وليس عبثا، ان الباحثين العرب، الذين كتبوا عن الموضوعة العربية في الادب الروسي قد توقفوا طويلا وتفصيلا عند بونين (وخصوصا البا حثة المصرية الكبيرة أ.د. مكارم الغمري) .

الا ان هذه العودة لم تكتمل كما يجب الا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي العام 1991، اذ ابتدأ الكلام العلني والصريح في روسيا الاتحادية رأسا عن بونين باعتباره اديبا كبيرا، وباعتباره اول كاتب روسي حائز على جائزة نوبل، وهكذا تأسست جمعية من محبيه للحفاظ على تراثه في روسيا، وتم نشر أعماله الابداعية كافة (بما فيها التي كتبها في فرنسا)، وهكذا ايضا ظهرت عام 1995 (اي بعد اربع سنوات فقط من انهيار الدولة السوفيتية، وفي الذكرى 125 على ميلاده) عدة تماثيل له رأسا في روسيا، وبالذات في الاماكن الذي كان بونين يرتبط بها، وهي ظاهرة فريدة في التاريخ الروسي، اذ لم يسبق لاي كاتب في روسيا ان اقيمت له عدة تماثيل في آن واحد، وهذا يبين طبعا حب القراء الروس وتقديرهم العالي لهذا الاديب ورغبتهم المخلصة (بل تعطشهم الحقيقي) لعكس هذا الاهتمام به في تلك الذكرى .

 نتوقف فليلا عند تمثال ضخم له في مدينة فارونش، وهي المحافظة التي ولد فيها . . يجلس بونين في ذلك التمثال على جذع شجرة وهو بكامل اناقته (ويرتدي حتى وردة بدل رباط العنق) ويوجد كتاب مفتوح جنبه على ذلك الجذع، وينظر بونين بتأمل وقلق الى بعيد، وهناك كلب ضخم عند قدميه . لقد اراد النحات ان يجسّد بونين الارستقراطي وقد قرر ان يترك وطنه، ولهذا جعله في أبهى ثيابه اولا لانه واحد من الارستقراطيين الروس، ولكنه كان غارقا في القلق وهو ينظر الى الافق البعيد، لانه كان مضطرّا ان يترك وطنه نتيجة تلك الاحداث المحيطة بوطنه، اما الكلب الوفي الذي كان عند رجليه، فانه كان يرمز الى تلك الحياة المتفرّدة التي ستبقى تتذكره، رغم انه سيتركها على الارض التي سيغادرها . التمثال هذا يقع في متنزه كبير ورائع قرب جامعة فارونش، وقرب المكتبة المركزية للمدينة . لقد زرت انا شخصيا هذا التمثال عدة مرات، وأذكر اني كنت اقف مرة عنده متأملا، واقترب مني أحد سكان تلك المدينة، وقال لي انه لاحظ اهتمامي بالتمثال، وفهم باني اجنبي، وبدأ يتحدث عن الفخر والاعتزاز بهذا التمثال باعتباره (ابن مدينته فارونش)، وبانه (اول كاتب روسي يحصل على نوبل)، ولم اخبره طبعا باني اعرف كل ذلك، ولكني سألته – (لماذا يوجد عند قدميه كلب ؟)، فقال – (ان بونين كان يحب الصيد دائما، وان النحات صوّره وهو يتهيأ لرحلة الصيد)، فقلت له مبتسما – (وهل يذهب االانسان الى الصيد وهو يرتدي احلى الملابس والوردة حول عنقه ؟)، فانزعج من سؤالي وتركني، وقد رويت هذه الحادثة الطريفة بعدئذ لاصدقائي الروس، وضحكنا طويلا ...          

 وفي نفس ذلك العام ايضا (1995) تم تدشين تمثالين لبونين في مدينة صغيرة هي - يليتس، وتقع قرب فارونش (و تابعة لها). لقد ولد بونين في هذه المدينة الصغيرة وكان تلميذا في مدرستها، ولهذا تم افتتاح تمثالين له، الاول فريد من نوعه لبونين التلميذ، وهو يجلس وترك الزي المدرسي جنبه، والتمثال الثاني وهو يجلس على مصطبة ويضع ساقا على ساق ويرتدي قبعته وهو في حالة تأمّل . وفي نفس العام ايضا تم افتتاح تمثال لبونين في مدينة اريول، وهو تمثال ضخم جدا ويقف بونين بقامته على منصة عالية جدا، ويعدّ واحدا من اضخم تماثيله في روسيا .

ولم تتوقف حملة اقامة التماثيل لبونين في روسيا، اذ تم افتتاح تمثال له في العاصمة الروسية موسكو عام 2007، وفي مدينة يفريموف عام 2010، وفي مدينة نوفغورد عام 2011، ولا يمكن التوقف تفصيلا عند كل هذه التماثيل، اذ ان كل واحد منها هو تحفة فنية بكل معنى الكلمة .

لقد قال لي أحد الباحثين الروس مرة، ان روسيا تريد ان تعتذر من بونين، ولهذا أقامت له كل هذه التماثيل الكثيرة والمتنوعة، فقلت له ما أجمل هذا الاعتذار وما أروعه .

 

أ. د. ضياء نافع

 

اقتبست هذه الجملة من إحدى كاتبات مجموعة "أنا الحكاية"، أعجبني هذا التعبير جداً، ورأيته يعبر عن صفة غابت عنا من زمن ليس بالقصير، ولكن هل يمكن أن تعود بعد هذا الغياب؟

عن أنوثة المرأة أتحدث، وأعني بها الجمال الداخلي، والخارجي، الرقة، والضعف، والقوة، الجاذبية، والحياء، وكل صفة فطرية وُلدت مع المرأة، وأُصر على أن الصفات الانثوية فطر الله كل امرأة عليها مُتحدية كل الإدعاءات بأن المرأة ليست لها طبيعة خاصة، للوصول إلى نتيجة المساواة بينها وبين الرجل. أنا أرى أن المرأة بالفعل مخلوق رقيق لكنه غير ضعيف، يتميز بالعاطفة واللين وهذا لأنها السكن والرحمة، لكن مع احتفاظها بصفتي الحزم والشدة، فالأم قد تكون في الغالب الأقرب للأبناء، لكن هذا لا يسلبها التفكير المنطقي العقلاني.

ورغم كل المحاولات والجهود من الجمعيات الحقوقية النسائية لإقرار حقوق المرأة، والمطالبة بالمساواة المطلقة بينها وبين الرجل، إلا أن المرأة لم تحصل على حقوقها. فهناك مساواة أقرها الله تعالى بين البشر رجالاً ونساء، لكنها مساواة تكاملية كل منهما يكمل الأخر، ويستمد وجوده من وجود الأخر. وما أراه تحقق هو التشبع بالأحاديث عن المرأة، وحقوق المرأة، إلى الحد الذي صار فيه هذا الحديث مملاً، ومع ذلك لم تنل المرأة أياً من هذه الحقوق فعلياً، بل فقدت الكثير من حقوقها، وتقديرها لنفسها، وتقدير الآخرين لها.

لقد فقدت المرأة صفتها كامرأة، وأصبحت كائن يتحرك ليل نهار ليبحث عن طريق لتحقيق ذاته، والنضال في قضية محسومة من قديم الأزل، تحاول التخلص من آثار الماضي لأن هناك من بث في عقلها أفكار تتمحور حول التخلص من كل ما يميزها، بحجة أن هذا ضعف، أو أنها تفنى لتحيا الأسرة. وكان التركيز على هدم مفهوم ومعنى الأسرة من أهم الافكار التي انهزمت بداخل كل من المرأة والرجل، فانشغلت المرأة في البحث عن ذاتها، ولم يستطع الرجل القيام بدورها، بل ألقى عليها مزيد من الاعباء، كضريبة تتحملها للحصول على المساواة التي تنادي بها، وفي النهاية يدفع الأبناء فاتورة هذا النضال.

تنادي آراء عديدة بأن نتقدم، ونواكب التطورات والتغيرات العالمية المتلاحقة، حتى لا نتسم بالتخلف، لكني أطالب بوقفة لبرهة قليلة، ونعود بضع خطوات إلى الخلف، لنلقى الضوء على وقت كانت تختفي فيه المرأة وراء نقاب ثقافي، وجدار عالي من التقاليد يفصلها عن المجتمع. لكن كان لها دور اساسي سواء على مستوى منزلها الصغير، أو على مستوى المجتمع الأكبر والدولة، كان لها كيانها واحترامها، وفكرها، وقيمها التي تبثها في أطفالها. كانت المرأة تتمتع بكل ما تفتقده حالياً، وبكل ما تحاول الحصول عليه من مكاسب، كانت تتمتع بالقوة والنفوذ، والأنوثة والاحترام والتقدير من الجميع. بل كانت تتمتع بحقوقها كاملة عند الزواج، فعلى سبيل المثال كانت المرأة تضع شروط لكل ما تريده في وثيقة الزواج، عكس ما يحدث حالياً فرغم أن خانة الشروط متوفرة في قسيمة الزواج، لكن إذا فكرت الفتاة في أن تضع ولو شرط صغير، يكون هذا بداية لفسخ العقد قبل أن يُكتب.

وبداخل منزلها، رغم أن القرار يبدو للرجل منفرداً، إلا أن المرأة كانت عامل أساسي، ومؤثر في أي قرار. ورغم أنها كانت تتوارى داخل المنزل، لكنها كانت تنال من التعليم والثقافة ما يكفي لأن تُثقف، وتُربي جيل كامل، سليم نفسياً، واجتماعياً، وتربوياً، عكس الآن مع وجود كل وسائل الاتصال، وأنواع متعددة من التعليم، إلا أن هناك انعدام للثقافة، وانحدار لمستوى التعليم.

عندما كانت تدخل المرأة أي مكان كان يقف لها الرجال تقديراً واحتراماً، فكانت تمارس انوثتها وكونها امرأة في رُقي، وقوة، وكان يمارس الرجل أيضاً ما نفتقده فيه الآن من صفات نخوة، ورجولة. وأقول "رجولة" بكل ما تحمله هذه الصفة من معاني من قوة، وشهامة، وحماية، وإحساس بالمسئولية، ولا أقول "ذكورة" أي الصفة البيولوجية التي تميز الذكر عن الانثى، وللأسف لم يتبق من أغلب الرجال الآن إلا هذه الصفة البيولوجية.

قد يظن البعض أنني أطالب بأن نعود للعصور القديمة، والتواري خلف النقاب، والمشربية، وأن تعود المرأة من حيث بدأت، أنني أطالب بأن نخلع النقاب من على عقولنا، وأن تتحلى المرأة بالثقة الكاملة لتعود لطبيعتها، التي تستمد منها قوتها، وتكتسب بها حقوقها فعلياً، وتناهض أي أفكار تنفي عنها صفة فطرية تميزها لا توصمها.

وأطرح هنا تساؤل...

لماذا فقدنا بوصلة الحقوق والحرية في ظل كل ما نعيش فيه من تحرر، وتطور، وانفتاح على العوالم الاخرى، بينما كنت نمتلك هذه الحقوق في ظل عصور الانغلاق على الذات؟

 

د. سوسن الشريف

 

662 Russell.fwBertrand Russell 1872-1970

الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1950

اختارها وترجمها عن الإنكليزية بتصرف

مصدق الحبيب

 

- سوف لن أموت أبدا من أجل معتقدي لأنني قد أكون خاطئا فيما اعتقدت.

- أن تخشى الحب هو ان تخشى الحياة، ومن يخشى الحياة يكون ثلاثة ارباع الميت. الحذر في كل أمر واجب إلا في الحب فقد يكون قاتلا لسلام الحياة وهنائها.

- لا يمكن للشخص المتحضر ان يتمتع بالجنس دون ان يكون مقرونا بالحب.

- يحيى الحب ويزدهر عندما يكون حراً وتلقائياً، ويذوي ويموت عندما يتحول الى واجب.

- من السهل ان تقع في الحب، ولكن الصعب هو ان تجد من هو قادر على ان يتلقفك حين تقع.

- الزواج عند النساء هو النمط الاعتيادي للحياة، لكن عدد المرات التي لا يرغبن في ممارسة الجنس مع ازواجهن قد يفوق ما تنفر منه بنات الهوى.

- أصعب ما نتعلمه هو معرفة أي الجسور علينا ان نعبر واي منها علينا ان نضرم فيها النيران ونمضي دون ان نلتفت الى الوراء.

- المشكلة الكبرى في هذا العالم هي ان الحمقى والمتهورين لا تنقصهم الثقة بالنفس فيما ينزوي العباقرة والشك يملأ رؤوسهم.

- الحرب لا تقرر من كان على صواب، انما تقرر أي الأطراف سينجو.

- ليس هناك أمة فاضلة كما يدعي أبناؤها، كما وليست هناك أي أمة سيئة كما يدعي اعداؤها.

- يتشبث المدافعون عن الرأسمالية دائما بقداسة الحرية التي تتجسد في تصورهم بضرورة السماح للمتنفذين بممارسة الطغيان ضد المغضوب عليهم.

- لا تعوّل على أمر ينقله غبي عن ذكي لان الغبي سينقل ما هو قادر على استيعابه.

- من الصعب ان نجد قيل وقال ونميمة حول فضائل الآخرين، انما فقط حول خطاياهم.

- اذا سلمنا بوجود الله، فلابد ان يكون أكبر من أن يغضب على من يشكك بوجوده.

 

 

661 الرواية النسويةالدكتورة، الباحثة الاكاديمية / فاطمة الزهراء بايزيد: مساءلة "المبحثية" في اقتفاء أدب الطفل.. وتشذيب الشوائب فيه.

من الأسماء الوازنة التي اعتلت منصة قاعة الفكر والادب بقاعة " أحمد رضا حوحو ببسكرة، الدكتورة، الباحثة فاطمة الزهراء بايزيد، باحثة وأكاديمية، تخصص أدب معاصر برتبة محاضر أستاذة الأدب المعاصر بجامعة بسكرة، صاحبة عدة مؤلفات وأطاريح فكرية ونقدية، في السيمائية وجماليات الشعرية والاسلوبية وغيرها من الاطاريح .

من مؤلفاتها على سبيل المثال لا الحصر " كتبها الخمسة في الاختصاص: أورد منها ما يلي كعينات:

1- الرواية النسوية بين سلطة المرجع وحرية المتخيل

 2- المكان دلالات وجماليات

 3- إضاءات نقدية في الادب العربي بين القديم والحديث .

 وغيرها، والتي شكلت حضورا لافتا ومتميزا في التعاطي مع أدب الطفل " نهجا ومنهجية واستقراء لحيثياته من منظوره التشكيلي، التضميني،الاستباقي،بين التآلف الاستشرافي،واستنباط المسار والسيرورة، عبر منعطفات " صوفية "شفافية الطرح البيني، بعيدا عن أطاريح صوفية ابن عربي، أو " جلجلات " سليم بركات مثلا أو طلاسم " التعاطي "بشكل " استعلائي مع عالم الطفل " مدّا ومدى ومنظومة بعيدا أو بمنأى عن النتاج العقلاني الممكن في محاولة " توليف " مخزون " الخيال و" والمخيال " اقتفاء أو استقراء، أو حتى " توليف " بدائل " أطاريح لا تستجيب لمألوف التوليف معا من منظور إحالة " الاستنتاجات، والتصورات إلى مدلولها وانحناءاتها و" منشئها " التخييلي، في ضوء إخضاع المتخيل فيه - أي الوعي الطفولي - عبر مراحله العمرية، - كأقصى - مسارات للتعاطي معه " نمطا "كليا " بمعنى بعيدا عن دائرة منظومته الطفولية، من اجل استجلاء واكتشاف " منظومة الطفل " لا سبقا " إستعراضيا ينطلق من غوغائية كونية خاوية، وإلا أضحى " أو بالأحرى أضحت هذه الإحالة " شكلا محنطا " لا يفيد في أي شيء، وقد يحول عالم الكتابة اليه وفيه ضربا من " دمى الموميات " في زمكانية طفولية لا تفيد لا الطفل ولا " مرتكزات " أدب الطفل " على الإطلاق ..

الذي يتوفر على مخزون إستيعابي " تأهيلا " بالضرورة القصوى التحصيلية تؤهله لأن يخوض في أدب الطفل دون عائق : دارسا أو مبدعا على حد سواء،ذهبت ذات المحاضرة في طرحها العميق والتنظيري والتطبيقي .

الدكتورة الباحثة فاطمة الزهراء بايزيد في سياق مداخلتها النوعية بعد أن عرجت بمنهجية باحثة متمرمسة على مختلف " المعارج عبر حقب متعاقبة في الوطن العربي وعلى رواد من درسوا وأبدعوا في أدب الطفل .

شددت الباحثة، الاكاديمية في هذا السياق ليس بمفهوم الساسة ولكن بمفهوم الدارسين على ضرورة " وعي الباحث " والمبدع معا على عدم الخروج " من رواق " المبحثية " إن تعلق المبحث بالدراسة، وبرواق وبوثقة " جماليات الابداع في كينونتها التبسيطية، لكنها كما أردفت أن تكون هذه الابداعية : رافدا لتجليات المبدع فيعكسها وجوبا وإيجابيا، مؤثثة بجمالية القول، دون الخروج عن منظومة الطفل العمرية المخيالية كعالم الحيوانات مثلا وغيرها مما يثير شعفه وفضوله الفطري والمكتسب معا. .

صناعة منتوج إبداعي للطفل، لا يستدعي فقط نقل أخبار الحيوانات أو غيرها مما يدور في فلك " مخيلة الطفل " وإنما يستدعي التعاطي مع ذلك بمراس وبحذر كيلا ينحرف التعاطي عن مساره، فيصبح " إبداعا لا معنى له. .

إيداع البديل الإبداعي ضمن بوتقته - من منظور الباحثة - يستدعي بالضرورة، ايضا الالمام بالجانب التربوي، دون الوقوع في الرتابة التضمينية، التقليقنية أو " شحن " خيال الطفل " بمكونات لا تحدث بدائل ممكنة .في إشارة منها لعناصر وعي لاحق يكتسبه الطفل من خلال منحه فضاء كيكنونة تتحرك وفق تطور مراحله العمرية،دون تجريد هذا " الإسداء " من مرتكزاته الأساسية ومحاوره المفصلية ..مدّا وحوارا ذاتيا، وسياقا ممنهجا .

الكتابة للطفل، كما أشارت المحاضرة، بقدر ما هي " تلقين " كما يرى البعض، فإنها عملية " معقدة للغاية، تستدعي التعامل معها بدقة متناهية للغاية،

فإذا كان رواده مثلا " الشاعر الكبير سليمان العيسى، قد استوفى شروط هذا التعامل الحذر، بوعي شاعر، باحث، مطل على أغوار مشاعر الطفل وغيره من رواد أدب الطفل عبر أزمنة مختلفة، فإن مثلا الأديب السوري زكريا تامر في رائعته " رندا " أعطى " في ازدواجيته الابداعية بُعدا طفوليا و" كهوليا " معا في ذات الوقت ببدلة واع، تمكن من التوفيق بين الموقعين " الطفولي والكهولي،

سياقات كثيرة ومتعددة أسست لها وتطرقت لها الدارسة الباحثة فاطمة الزهراء بايزيد كورقة عمل وتخطيط وإيصال المبنى والقيافة و" فراسة المبدع " ضمن مداخلتها التي لا تسعني هذه العجالة للتطرق إلى كل عوالمها وفصولها، والتي كانت مفصلية " بحثية، أكاديمية، تمكنت من خلالها من التميز والتفرد، والاغتراف من " كينونتها " المبحثية، مما ينم على أن الدارسة، تمتلك ناصية أدواتها بتلقائية وعفوية وبمراس .

ستكون لي أوبة أخرى مع تضاريس  مبحثيتها في ورقة أخرى سأقتصر ها هنا - مبدئيا - على ما تناولته الباحثة، الدكتورة الاكاديمية فاطمة الزهراء بايزيد، بوعي : الممكن " وب" إيجابية حقة " مستنبطة من تجربة مريرة وأكاديمية بعيدا عن الخواء الفكري الجزئي أو الكلي،فأعطت لدلالات " أطاريحها إتبعاثا : " دلالة القوة والمتانة " في طرح الأطاريح الشاملة ذاتها : مرصعة بأياليات القوة التنظيرية ..في " ملامح " شكلت لدى القاعة والحضور قناعة بأن الدارسة الاكاديمية فاطمة الزهراء بايزيد أستوعبت بحكم التجربة والممراس " لعبة " التعاطي مع أدب الطفل ضمن سياقاته الممكنة، مما خلق " الإدهاش لدى المتلقي وقد كنا نصغي، بقناعة أن المحاضرة : لم تحذ قيد أنملة عن المأمول فيها وفي شغفنا كقاعة وحضور

عموما وصلنا الى قناعة أن الدارسة الاكاديمية فاطمة الزهراء بايزيد في محاضرتها القيمة تمكنت بوعي باحثة من تشذيب الشوائب الزائدة في التعاطي مع أدب الطفل

ولي أؤبة ألى مضامين أخرى في تجلياتها،

في ورقة أخرى .بإذن الله

 

كتب: أحمد ختاوي /  الجزائر  

 

احمد الشيخاويشهدت جزيرة صقلية الإيطالية، مؤخرا، محفلا ثقافيا فنيا وشعريا، أسهمت في تلوين فصوله، العديد من الفعاليات، من بلدان مختلفة، مكّنت لأصوات متميّزة من التغريد باسم التشكيل والشعر، على نحو خاص.

سجّلت تونس حضورها اللافت، عبر هذا الملتقى الدولي الهام، ممثّلة بالفنانة التشكيلة والشاعرة التونسية الجميلة، سماح بني دواد، هذه الأخيرة التي شرّفت وطنها وعبره المشهد الثقافي العربي كاملا، بقراءات رصينة ومدهشة اقتطفتها من منجزها الشعري المعنون" نار عطبها ثلج" والذي لاقى اهتماما واستحسانا من لدن النقاد، وفي سائر الأوساط الثقافية، وطنيا وقطريا.

أضافت إليه من وحي انشغالاتها بفن التشكيل، لمسة أنثوية ساحرة، نكّهت التظاهرة وأثرت متونها، عنوانا ومضمونا.

بحيث شاركت بلوحة تحت عتبة" نصف تائه" وما تتدبّج به من دلالات وضمنية تباهي به لغة الصورة مدغدغة بخطاب الألوان، وهي تختزل جملة من القضايا والمشاكل الموسوم بها جيل الحداثة، باعتماده جنس النوفيلا الإبداعية في مختلف الأشكال والأنماط التعبيرية.

تقول المبدعة التونسية سماح بني داود أنها رسمت هذه اللوحة، ميدانيا، وفي زمن قياسي لم يتعدّ النصف ساعة، اشتغلت فيها وعلى غير المعتاد منها في السالف من تجارب فنية، على "الأكريليك" والألوان الزيتية، ما منح اللوحة تشبّعا بمادة معجون الأسنان، القهوة، الكركم كملوّن أصفر، فأدهشت عشاقها بأسلوبية محرّضة على زخم من التساؤلات حول كهذه تقنية، محيلة على فيض من أسرار عوالم التشكيل إذا يقارب في ما يُستلهم منه ويفيده، عالمية الرّسالة وشموليتها، برغم أنه، أي هذا الضرب من الفن، من العدم أو اللاشيء.

تجدر الإشارة إلى أنه وبعد هذا النجاح الذي حققه حضور الثقافة العربية، من خلال مشاركة دولة تونس، في شخص الفنانة والشاعرة سماح بني داود، تم اعتماد كمّ لا بأس به من نسخ إصدارها الباكورة " نار ثلجها حطب"، لدى مكتبة القضاة بمدينة "سيراكوزا" الإيطالية، مع العمل على ترجمة المنجز إلى اللغتين الإيطالية والفرنسية.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وكاتب مغربي

 

يعرّف ابن جنّي اللغة بأنها أصوات يعبر فيها القوم عن أغراضهم، والقهوة صوت أصله من قها، يقول ابن منظور في لسان العرب: أقهى عن الطعام واقتهى أي ارتدت شهوته عنه من غير مرض، وأقهى الرجل إذا قلّ طعامه فهو أقهم، وقهي عن الشراب أي تركه، وعيش قاهٍ أي رفيه. ويطلق لفظ القهوة على الخمر واللبن والخصب والرائحة والقائمة تطول، وقد سبقت كلمةُ قهوة شرابَ البن المغلي فلم يعرف العرب القهوة قبل الإسلام ولا بعده إلا بسبعة قرون رغم أنّ أصل القهوة من اليمن أصل العرب، وبمناسبة ذكر القرون يقال للتيس المسن الضخم القرون قهوان، فسميت القهوة قهوةً لأنها تذهب بشهية شاربها إن كانت بنّا مغليا أم خمرا معتقة من تمر أو عنب.

قال أبو نواس:

يا قهوةً حُرّمت إلا على رجلٍ     أثرى فأتلفَ فيها المال والنَشَبا

الغوص في أصل الأشياء حرفة لا يتقنها إلا عاشق، ولا يبصر عين فرائسها إلا باشق، فإن اشتبه عليك أمر فاٌرجع لأصله، ففي ذلك تجريد غمد العقل عن نصله، قالها الشيخ الوقور لضيوفه وهم يشربون قهوة غير قهوة أبي نواس. 

القهوة امرأة غير كل النساء، هي لا تحلو إلا بوجود ضرة أو أكثر، أشربتها يوما دون أنْ تتجمع عليك الأفكار كمطر آذار؟ كل قطرة فكرة، كل فكرة ضرة تشدك اليها فالأفكار نساء تغار، وربما كانت القهوة أما تلد بناتها أفكارا، تسأل البنت أباها أأحضرت لي هدية وهي متعلقة بأحد أطرافه المتعبة، ولا يرف للقهوة جفن فهي غير كل النساء.

في محلات العطور الراقية، تتنازع عليك الروائح كالغواني، كل منها تريك بعض مفاتنها ليستقر على عنقك أو معصمك عبيرها، ولأنّ كثرة الخيارات تولد الحيرة والاشتباه، تذكرْ يا صديقي ما قاله الشيخ الوقور لضيوفه، عندها سيقدم لك أحدهم بعضا من حبيبات القهوة لتشمها فترجع حاسة الشم عندك لأصلها، فكأنّ القهوة ملكة تأمر جندها فينتظمون صفوفا، أو مقطوعة موسيقية لا مجال للحن نشاز في محرابها البهي، أو انها ببساطة امرأة غير كل النساء.

عندما تكسر حاسة قيودها تتبدل بقية الحواس تباعا، فإذا أدركت احداها ما ليس لها كخروف قفز جدولا، سارت بقية القطيع في أثره، فسق خراف حواسك الى المرعى وارعها من " أخرجَ المرعى" فلربما رأيت صوتا أو سمعت نورا، شممت لونا أو لامست عطرا، وحسبك أنْ تتذوق المعنى، "سبح اسم ربك الأعلى"، وعند الوصول الى روضة الحقيقة، تُدرَك الأسرار بلا حواس، وما عُلم بهذه الطريقة، يصعب على أي لغة تثبيته وتحقيقه.

طوبى لمن هتك سترا وأفشى سرا

يقول المؤرخ البريطاني الشاب بيتر فرانكوبان في كتابيه الصادرين بالإنجليزية "طرق الحرير" الصادر عام ٢٠٠٠ و"طرق الحرير الجديدة" الصادر قبل شهرين بأن الشمس بدأت بالمغيب غرب العالم لتعاود الشروق في أصله أي شرقه، والمتتبع لآثار الاقدمين يكتشف بأنّ ما يجري على الساحة السياسية والاقتصادية العالمية يكرر نفسه تكرارا مملا، فربما ثأر الأباطرة البريطانيون ومن بعدهم الأباطرة الأمريكان لسلفهم الروماني فيلاريان، عندما صعد على ظهره أحد أباطرة الفرس عام ٢٦٠ بعد الميلاد ليمتطي جواده فيأمر بعدها بسلخ جلد صاحب الروم، من ايران على شكل عقوبات، وتكتشف بأن جعجعة العالم الغربي عندما سيطرت روسيا على شبه جزيرة القرم عمرها يزيد على ٢٥٠ عاما- وصفت رد الفعل الأمريكي والاوربي بالجعجعة لأن ترامب نفسه مستعد للاعتراف بحق روسيا في منطقة القرم وإزالة العقوبات الأمريكية ضدها اذا نجحت روسيا بتحجيم الدور الإيراني في سوريا ضمن صفقة تسوية، فتقارب ايران وروسيا قديم، وأنّ الصين ، ذلك التنين الجاثم المالئ للفراغ أينما وجد، تعيد بناء طرق عمرها ألفي سنة على شكل سكك حديدية.

قال الشيخ الوقور لضيوفه وهم جلوس تحت غيمة من بخار القهوة المتصاعد من فناجين أنيقة بأن المؤرخ نفسه قد ذكر في كتابه الأول أنّ منظمات صهيونية مثل ستيرن اليهودية والتي كان أحد أعضائها اسحق شامير أرادت التحالف مع هتلر خلال الحرب العالمية الثانية ضد القوات البريطانية مقابل نقل اليهود الى فلسطين فردت القوات البريطانية بمنع المهاجرين اليهود من السفر الى فلسطين بل وقامت بتدمير سفنهم المحملة بالنساء والأطفال بعد سنوات من وعد بلفور، وزاد ذلك المؤرخ الشاب، والكلام للشيخ الوقور، بأن السبب الرئيس الذي دفع ألمانيا النازية لتجويع ومن ثم قتل ثلاثة ملايين ونصف أسير سوفيتي وكثير من اليهود هو فشل التوقعات الألمانية بأن الأراضي السوفيتية المحتلة ستنتج محصولا كافيا من القمح، فقاموا بالتخلص من الأفواه الزائدة بنظرهم. ببساطة لو توفر القمح لما حدثت المحرقة، وهنا أذكر بأنّ  جون بيركنز صاحب الكتاب الذي ترجمته "اعترافات قاتل اقتصادي" قد أفرد فصلا سماه انقاذ صدام لشافيزـ رئيس فنزويلا السابق- إذ أنّ أمريكا كانت تريد إزالة حكم شافيز ولكنّ احتلال الكويت حوّل نظرها مؤقتا من فنزويلا الى العراق، فما تراه الآن على الساحة الفنزويلية قديم أيضا.

بعد أن تقرأ جيشا من الكتب تكتشف أنّ المعرفة واحدة وأنّ المنطق مادة المعرفة، قالها الغزالي ومن بعده هيجل، وأقول بأنّ من المنطق أنْ تسعى لأصل الأشياء لتعرف كيف بدأت وكيف عاشت وكيف تموت، ولأنّ الأيام دول والتاريخ خبر كما قال ابن خلدون، يسعى كل ذي سلطان ومواليه من ذوي الخذلان ليحيطوا التاريخ بغابة من التفاهة والنسيان، يخفون عيوبهم ويظهرون عيوب غيرهم وعيوبهم أشد وأكبر، فعندما تتشاجر بنت مع عائلتها في بلد ما مثلا ترى الطبول قد اعتلت المنبر، وعندما يصرح مسؤول اتحاد الشباب في الحزب الحاكم في الصين بأنهم قد احتجزوا ٨٠٠ الف مسلم لأنهم يحملون أفكارا سيئة يجب مكافحتها فتلك قضية لا تكاد تذكر، وعندما تفصل أمريكا أطفال المهاجرين عن أهلهم فتلك مسألة يستحسن أنّ تُقبَر.

يقول الشيخ الوقور بأنّ الطبل آلة يشد عليها الجلد ونحوه لينقر عليه، يكون ذا وجه وذا وجهين، داخله فراغ يملؤه هواء. لمْ يعرف ضيوفه لِمَ قال ذلك واستمروا بشرب القهوة.

فسأله أحد الضيوف: هبْ أنّـا على حق، فَلِمَ الحال كما ترى؟ استبشر الشيخ بسؤال ضيفه وقال هذا سؤال جميل، وزاد: الحق هو ذلك الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتناقض، والحق ظاهر ومن أراد أنْ يكفره – يغطيه ويخفيه – سيحتاج الى مجهود كماكنة إعلامية أو سطوة سياسية، ومعركة الحق مع الباطل قصيرة، فإنّ طالت فلا يخرج الأمر عن احتمالين: الأول، أنّها معركة باطل مع باطل ولنا بمعركة المعسكر الشرقي مع الغربي، حارة أو باردة، مثل. والثاني: أنْ لمْ يستوفِ أهل الحق شروط النصر، فلو انتصر المسلمون في معركة اُحد رغم مخالفة الرماة أمر الرسول لَما كان لأمر الرسول وزن، فالنصر على قدر الاستيقاظ، ومَنْ عَمُقَ استيقاظه تأكّـدَ نصره، والسيف معلوم وموجود ولكنْ ضاقت الأيد أنْ تحمله.

وعادة السيف أنْ يزهى بجوهره   وليس يعمل إلا في يَدَي بطلِ

قال العارف بالله بعد أنْ شرب قهوة من كأس محبة ربه أنّ من يقوم بالطاعات والأفعال السنية من دون لذة فتلك طاعة قد خلت من معناها، كالجوز الكثير بدون لب، وانّى تصير البذرة دون اللب شجرة؟ وإنْ دخلت جنة يا طالب الشوك فلن تجد فيها شوكة سواك.

سرُّ القمح والطين النار والصبر خبز الدرويش، تُطهى وتُحرق بالنار حتى تجد الطريق، النار تطهو الخبز والعشق يطهو الدرويش.

طابت قهوتكم.

 

د. تميم امجد توفيق

 

حسن الحضريلا شكَّ أن عملية الترجمة لها أهميتها الكبرى في الامتزاج الحضاري والتبادل الفكري -ولا سيما في ظل عصر العولمة الذي يعيشه العالم منذ عقود- بجانب أثرها الكبير أيضًا في الغزو الثقافي إذا لم يتم تنقيحها؛ والملاحَظ أن عملية الترجمة تتم أحيانًا بطريقة مشوَّشة، ولا تعتمد على المعايير العلمية الصحيحة، وتحتاج إلى وضع ضوابط فكرية جادة؛ فنحن نجد أن كثيرًا من الأعمال المترجمة تتم ترجمتها ترجمةً حَرفية دون مراعاة للمعنى، وهذا يفسد الذوق ويقدِّم صورة غير صحيحة عن ماهيَّة ومضمون النص المترجم.

فالترجمة الجيدة هي التي تراعي ثلاثية أبعادها، التي تتمثل في: مضمون النص، واللغة الأم، ولغة الترجمة؛ فكل نصٍّ يندرج تحت فنٍّ بِعَينه، وذلك الفن له مصطلحاته العامة والخاصة، وكل مصطلح له مدلوله اللغوي والاصطلاحي؛ كما أن كل لغة لها مفرداتها، واللغة الأم هي التي وُلِد النص مِن رحِمها، فهو متشبِّع بخصائصها، وهي التي توجهه بمفرداتها إلى المعنى المقصود، وكل لغة أخرى يُترجَم إليها ذلك النص؛ لها خصائصها ومفرداتها ودلالاتها الخاصة، التي تزيد أو تنقص عن نظائرها، وقد حبا الله تعالى لغتنا العربية بخصائص لا توجد في لغة سواها، وهذا يتطلب من القائمين بالترجمة إليها أو منها؛ أن يكونوا على دراية واسعة بها، وفهمٍ عميقٍ لها.

ومن هنا تتضح ضرورة الاهتمام بتوظيف ذلك الثراء اللغوي والفكري الموجود في لغتنا العربية، والعمل على الإفادة منه في أثناء التعامل مع النص المراد ترجمته؛ حيث إن بعض الألفاظ في اللغات الأخرى تكون محدودة المعنى، ضيقة الدلالة، بحيث تكون معبِّرة في إطار لغتها فقط، ولكنها عند الترجمة إلى العربية بما يقابل تلك الألفاظ؛ يتجه المعنى في اتجاه آخر، ولذلك يجب مراعاة التعامل مع المعنى وليس مع اللفظ فقط في أثناء الترجمة؛ منعًا لنشر أفكارٍ مغلوطة لا ذنب فيها للنص المترجم.

ولا يكفي الاهتمام بمضمون النص المترجم باعتبار لغة ألفاظه؛ بل يجب أيضًا مراعاة "لغة موضوعه"؛ فأحيانًا يكون موضوع النص متعلقًا بلغة أخرى غير لغة ألفاظه، ومعرفة لغة الموضوع تفيد في فهم معاني مضمون النص، وبالتالي تساعد في ترجمته ترجمة صحيحة، عن طريق الإحالة إلى الأصل، وتتبُّع المدلولات والمرادفات؛ إضافة إلى ضرورة الإلمام بثقافة الكاتب، وموقفه من موضوع النص الذي نقله إلى لغته -اللغة الأم لألفاظ النص- لأن ذلك يفيد في معرفة ما قد يكون لحق بالموضوع من تحيُّز أو تحامُل، وحينئذ يجب معالجة ذلك بالإشارة أو النقد في أثناء الترجمة.

وإذا كانت الترجمة تساهم في تبادل المعارف والثقافات؛ فإن القيام بها بطريقة عشوائية؛ يساهم في رسم صور مزيفة عن الثقافات الأخرى، وهذا يؤدي إلى تضييع الوقت في معارك علمية ليس لها أساس، وربما أدى أيضًا إلى التقليد الأعمي مِن قِبَل الضعفاء الذين لا هدف لهم إلا تقليد الآخر دون النظر إلى ما يوافق الهويَّة الشخصية والمجتمعية.

 

حسن الحضري - عضو اتحاد كتاب مصر