محمد عبد الكريم يوسفيقول بابلو نيرودا "احرميني الخبز إن شئتِ؛ احرميني الهواء؛ لكن لا تحرميني ضحكتك." لأن ضحكتك يا سيدتي الغالية زهرة برية لا أريد قطفها ولأن قطف الزهور قتل للروح الحية وتخلص من الجمال الطبيعي الذي وهبه الخالق لنا من دون تكلفة . وتختلف عادة قطف الزهور وفق المجتمعات فبعضها يبغض الزهور وبعضها يتفنن في العناية بها . وتجد في مجتمعات أخرى مهرجانات سنوية وفصلية للزهور وكأنها كائن بشري له هويته الخاصة واعتباره القانوني فتجد له رقما وسجل نفوس وهوية، وهناك من يسقي الزهور بعرقه يحادثها صبح مساء ويتفنن في العناية بها لتصبح جزءا غاليا من روحه . هل فكرت أن تضع نفسك مكان زارع الورد؟ كيف ستكون مشاعرك عندما تمتد يد غادرة لتقطف زهرة اعتنيت بها ستة أشهر أو سنة على أقرب تقدير؟

والزهرة قد تكون فكرة أو بشرا أو نباتا أو حيوانا .

يقول نيرودا في مكان آخر "تستطيع أن تقطف الزهور لكنك أبداً لا تستطيع وقف زحف الربيع . "صحيح أن جمال الزهرة يجني عليها ولكن الزهور تعود لتبرعم وكأن شيئا لم يكن لتستمر في الحياة من جديد .

وإذا كان العلم هو نبراس الأمم تهتدي به في ظلمات التخلف لتدرك سبيل التنور والتطور فإن كثيرا ممن سخروا كل وقتهم وجهدهم للعلوم سعيا لخدمة أممهم والبشرية دفعوا حياتهم ثمنا لذلك تماما مثل الزهور الجميلة التي تمتد لها اليد الهمجية لتقطفها وتحتبسها في أنية محلاة بالذهب .

الجاحظ من كبار الأدباء في العصر العباسي . سمي بالجاحظ لجحوظ عينيه وبروزها من موضعها و منذ سنوات عمره الأولى تعلق بالقراءة ومطالعة العلوم، حيث كان يقضي وقتا طويلا في دكاكين الوراقين للقراءة، خلّف إرثا أدبيا زاخرا منه كتاب الحيوان وكتاب البيان والتبيين .

عندما قارب الجاحظ من بلوغ 90 عاما، أصابه شلل أفقده حركته، وبينما هو جالس في مكتبه يطالع بعض كتبه المفضلة، وقع عليه صف من الكتب أرداه قتيلا، مات الجاحظ تحت ركام الكتب .

العالمة ماري كوري (1867-1934م) رائدة علم الإشعاع وأول سيدة تحصل على جائزتي نوبل الأولى في الفيزياء والثانية في الكيمياء، وهي أول امرأة اكتسبت رتبة الأستاذية في جامعة باريس، قتلها شغفها بالعلم والعمل، فقد توفيت بسبب إصابتها بفقر الدم بعد تعرضها للإشعاع لأعوام طويلة .

أما هيباتا (370-415م) فهي أول امرأة عالمة تخصصت بالرياضيات ودرست أيضا الفلسفة وعلم الفلك وكانت لا تحب الظهور أمام العامة . إلا أن جمهور المثقفين كان مهتما بها إلى حد كبير مما سبب حرجا كبيرا للكنيسة التي كانت تدرك مدى خطورة أفكار هيباتا على الكنيسة لدى عموم الناس .

هددت الكنيسة بقتلها مرات عديدة إذا لم تتوقف عن نشر الفلسفة الأفلاطونية إلا أنها لم تأبه لتهديدات الكنيسة وألحت على مواصلة تعليم الفلسفة الأفلاطونية، حيث قتلت على يد جمع كبير من المسيحيين الذين اتهموها بالسحر والإلحاد .

أما ديكارت شيخ الفلسفة فقد قضى نحو عشرين عاما بجانب ملكة السويد كريستينا التي أحبت أن تتلمذ على يده في بلادها الباردة وكان لا يروقها أن تتعلم الفلسفة إلا في الرابعة صباحا فاخترق البرد صدر ديكارت وذهب وإذا كان جمال الزهرة يجني عليها فقد جنى على ديكارت فكره العظيم . البعض يعتبره عبقري زمانه والبعض الآخر يعتبره من المغفلين .

الكسندر بوغاندوف عالِم روسي لديه اهتمامات عديدة، فهو فيزيائي وطبيب وفيلسوف وكاتب خيال علمي واقتصادي وثوري، في عام 1926م أصبح مديراً لمعهد فصل الدم.

حينما كان يعمل علي فكرة تجديد الشباب باستخدام نقل الدم، وقد قام بهذا الأمر للعديد من المشاهير منها أخت الزعيم السوفيتي "لينين"، قام بوغاندوف بحقن نفسه بدماء أحد مرضاه وكان مصاباً بالملاريا والسل، فمات بالعدوى بعد فترة قصيرة.

ويليام بولوك مخترع أمريكي، وُلد في جرينفيل في نيويورك . فقد والديه في سن مبكرة، واصطحبه أخوه للعمل معه في مجال الميكانيك، وكان "بولوك" مهووساً بقراءة الكتب العلمية مما ساعده على معرفة الكثير في هذا المجال. اخترع الطابعة الدوّارة عام 1863م التي أحدثت ثورة في عالم الطباعة . ونتيجة لسرعتها الكبيرة والفائقة، مات بولوك وهو يصلح واحدة من تلك الطابعات عندما سُحقت رجله تحت واحدة من الآلات بينما كان يحاول رَكْل بَكَرة في مكانها، أصيبت قدمه بالغرغرينا حتى توفي خلال عملية بَتْر رجله سنة 1867م .

ومن بين الشعراء الذين قتلهم شعرهم يمكن أن نذكر المتنبي الذي كان بعض شعره سبباً لمقتله، والمتنبي شاعر العربية الكبير الذي شغلت حياته وشعره حيزاً كبيراً من دراسات المتخصصين في الأدب العربي؛ حيث كان يكتب للنفس العربية، والإحساس العربي، والنبض العربي، الذي لا يرتبط بحدود أو فواصل تاريخية.

وكان المتنبي يستعلي على الشعراء، ويكثر من السخرية منهم ومن شعرهم، على نحو جعله هدفَهم جميعاً، وكان يكثر من الفخر بنفسه، فهو القائل:

سيعلمُ الجميعُ ممن ضَمَّ مجلسُنا       بأنني خيرُ من تَسعى بِهِ قَدَمُ

أنا الذي نَظَرَ الأعمى إلى أدبي       وأسمعتْ كلماتي مَن به صَمَمُ

وفي إحدى قصائده التي كتبها في صباه يقول:

إن أكن معجَباً فعُجْبُ عجيبٍ لم يجد فوق نفسهِ من مزيدِ

أنا تربُ الندى وربُّ القوافي وسمامُ العِدَى وغيظُ الحسودِ

أنا   في   أمةٍ   تداركها   اللـهُ   غريبٌ   كصالحٍ   في   ثمودِ

ويقول في مكان آخر :

أيُّ   محلٍّ   أرتقي أيُّ عظيمٍ أتقي؟

وكلُّ ما خلقَ اللَّهُ وما   لم   يخلقِ

محتقرٌ   في   همَّتي كشعرةٍ في مَفْرِقي

هكذا كان المتنبي في تقديره لذاته، يراها الأعلى دائماً، والأحق بالمجد والشرف، ولا يتنازل عن هذه الرؤية تحت أي ظرف من الظروف.

والغريب أن المتنبي قتل بسبب الهجاء؛ على الرغم من أن الهجاء لا يمثل ركناً أساسياً في ديوانه؛ فعندما ترك المتنبي سيف الدولة أمير حلب الذي كتب الكثير من القصائد في مدحه ومناقبه؛ بعد أن وشى بينهما الواشون؛ اتجه إلى مصر لمدح واليها كافور الإخشيدي الذي كان عبداً أسوداً مثقوب الأذن، ولكن كافور خذله؛ فأطلق المتنبي فيه لسانه يهجوه، فنجده في قصيدته يبالغ في هجائه لكافور، ويصفه بكل صفات الرجل الدنيء من الكذب وإخلاف الوعد والغدر والخيانة وخسة الأصل والجبن ومع هذا الهجاء الشديد اللهجة لكافور؛ استطاع المتنبي الخروج من مصر دون أن يمسه سوء، وجاء مقتله بسبب قصيدة هجا بها رجلاً يسمى "ضبة بن زيد"، يتعرض فيها لحادثة مقتل أبي ضبة، وقد فر وترك أباه، وهو يستخف به فيقول فيها:

ما أنصفَ القومُ ضُبَّهْ وأمّه الطُّرطُبّهْ

وَمَا عليكَ مِنَ القَتْلِ إنَّما هيَ ضَرْبَهْ

وَمَا عليكَ مِنَ الغَدْرِ إنَّما   هِيَ سُبَّهْ

ما كنت إلا ذُباباً نفتكَ عنّا مِذبّه

وإنْ   بَعُدْنا   قليلاً حملْت رُمحاً وحَرْبَهْ

إن أوحشتْك المَعَالي فَإِنَّها دارُ غُرْبَهْ

أو آنستْك المَخَازِي فإنَّهَا لكَ نِسْبَهْ

وفي القصيدة أبيات كثيرة؛ يتعرض فيها المتنبي لأم ضُبة، ويرميها بأفحش التهم، وكان لأم ضبة أخ يسمى "فاتك بن أبي جهل الأسدي"؛ فلما بلغته القصيدة أخذ الغضب منه كل مأخذه، وأضمر السوء لأبي الطيب، وعندما علم أبو نصر محمد الحلبي بِنية فاتك حذر المتنبي فلم يزده هذا التحذير إلا عناداً، وركب المتنبي وسار، فلقيه فاتك في الطريق و أراد المتنبي أن ينجو بنفسه، فقال له غلامه ألستَ القائل:

الخيلُ   والليلُ   والبَيداءُ   تعرفني       والسيفُ والرُّمح والقرطاسُ والقلمُ؟

فثبت المتنبي حتى قتله فاتكٌ، وقتل ابنَه محمداً وغلامَه، وهكذا كانت نهاية هذا الشاعر العربي الكبير التي جاءت بسبب شعره .

كمال ناصر (1924-1973) الشاعر الفلسطيني ترك مجموعة كبيرة من الكتابات والأعمال الشعرية. وأهم آثاره النثرية افتتاحيات مجلة "فلسطين الثورة"، وكان يتولى رئاسة تحريرها منذ إصدارها في حزيران 1972 حتى تاريخ استشهاده. ومذكراته التي كتبها بعد سقوط الضفة الغربية بيد الاحتلال الصهيوني تدل على صدق عميق امتازت به شخصيته وعلى طراوة بروح شاعرة نبيلة . وأبرز آثاره الشعرية مجموعة قصائد نشرت سنة 1959 تحت عنوان "جراح تغني"، وملحمة بعنوان "أنشودة الحق" غنى فيها للوحدة العربية بحمية وحرارة، ومجموعة شعرية بعنوان "أناشيد البعث"، وديوان "أغنيات من باريس". كما كتب ثلاث مسرحيات هي "التين" و"مصرع المتنبي" و"الصح والخطأ".

تبنى كمال ناصر شعائر الوحدة الوطنية الفلسطينية ووحدة قوى الثورة الفلسطينية ومارسه قولا وعملا أثناء رئاسته لدائرة الإعلام والتوجيه القومي في منظمة التحرير، فنظم الإعلام الفلسطيني وأصدر مجلة فلسطين الثورة وعزز الأجهزة الإعلامية وأكسبها بعداً ثورياً فلسطينيا وزودها بخير الكفاءات العالية الفعالة ومنع ظهور أي انقسام داخلها فكان جديرا بلقب "ضمير الثورة " الذي أطلق عليه.

كان كمال ناصر يؤمن إيمانا قاطعاً بأن القضية الفلسطينية هي محور التاريخ العربي المعاصر، كما كان يؤمن باستمرار الثورة الفلسطينية ويقدس مقاتليها حملة السلاح ويرى فيهم "العزاء الوحيد. "

ولهذا السبب قرر الكيان الإسرائيلي التخلص من كمال ناصر المقاوم عن طريق اغتياله بعميلة نوعية نفذت في لبنان باستخدام الزوارق المطاطية وجهود عملاء إسرائيل على الأرض بقيادة أيهود باراك الذي صار رئيسا لوزراء العدو الإسرائيلي فيما بعد.

أما ناجي العلي فلا يعرف تاريخ ميلاده على وجه التحديد، ولكن يرجح أنه ولد عام 1937م في قرية الشجرة الواقعة بين طبرية والناصرة، بعد احتلال إسرائيل لفلسطين هاجر مع أهله عام 1948 م إلى جنوب لبنان وعاش في مخيم عين الحلوة، ثم هَاجر من هناك وهو في العاشرة، ومن ذلك الحين لم يعرف الاستقرار أبدا، فبعد أن مكث مع أسرته في مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان اعتقلته قوات الاحتلال الاسرائيلي وهو صبي لنشاطاته المعادية للاحتلال، فقضى أغلب وقته داخل الزنزانة يرسم على جدرانها. وكذلك قام الجيش اللبناني باعتقاله أكثر من مرة وكان هناك أيضاً يرسم على جدران السجن. سافر إلى طرابلس ونال منها على شهادة ميكانيك السيارات. تزوج من وداد صالح نصر من بلدة صفورية الفلسطينية وأنجب منها أربعة أولاد هم خالد وأسامة وليال وجودي. أعاد ابنه خالد إنتاج رسوماته في عدة كتب جمعها من مصادر كثيرة وتم ترجمة العديد من كتبه إلى الإنجليزية والفرنسية ولغات أخرى.

اخترع ناجي العلي شخصية حنظله و تمثل صبياً في العاشرة من عمره، ظهر رسم حنظله في الكويت عام 1969م في جريدة السياسة الكويتية، أدار ظهره في سنوات ما بعد 1973م وعقد يديه خلف ظهره، وأصبح حنظله بمثابة توقيع ناجي العلي على رسوماته. لقي هذا الرسم وصاحبه حب الجماهير العربية كلها وبخاصة الفلسطينية، لأن حنظله هو رمز للفلسطيني المعذب والقوي رغم كل الصعاب التي تواجهه فهو شاهد صادق على الأحداث ولا يخشى أحداً.

ولد حنظله في 5 حزيران 1967م، ويقول ناجي العلي إن حنظله هو بمثابة الأيقونة التي تمثل الانهزام والضعف في الأنظمة العربية.

وبسبب رسوماته التي كانت أقوى من الرصاص، أنهت رصاصة غادرة حياة الرجل العبقري ليبقى حنظلة حزينا يقف حائرا على ذكرى الرجل الذي اخترعه من نور علمه ومعرفته وألمه بسبب الواقع العربي المؤلم .

هذا غيض من فيض زهور انتشرت رائحتها العبقة لتغمر الأجواء وانتهت حياتها بسبب رحيقيها العبق . فكم من زهرة جنى عليها عطرها ؟ العدد لا يحصى بالتأكيد .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

الحياة قائمة على أساس التّوازن، سواء أكان هذا التّوارن طبيعيٌ مقرون بطبيعة خلق الكون أو التّوارن الذي يصنعه البشر . فكلّ اكتشاف او اختراع قام به الإنسان على مرّ القرون جاء بما يناسب وقته وبتوفّر العناصر والأسباب الأساسيّة لاختراع او اكتشاف شيء ما .

وعند تتبعّ الأسباب النّاجمة عن اختراع أكثر الأشياء تأثيراً وأهمّيّة للوجود، نجد أنّ سبيل اكتشافها كان محاطاً بهالة من الضّغوط والاضطرار وظروف صعبة ومتشابكة، وجد الفرد عندها أنه بحاجة ماسة إلى هذا العنصر. فتحرّكت بداخله كوامن الإبداع لابتداع شيء يواكب متطلبه. ولا شكّ أنّ هذا المخرون الإبداعي بداخله لم يكن ليكتشف لولا الاضطرار والحاجة. فانكفأ يبحث ليجد ضالته التي ستغدو فيما بعد شيئاً مهمّاً يخدم البشريّة كافّة.

كثير هو التساؤل حول الحكمة من خلق الباطل في هذا العالم؟ ما الحكمة من بقاء الأشرار على قيد الحياة يصنعون الحروب والقتل والدّمار. ينتجون الاسلحة والمتفجرات الّتي هي أساس خراب العالم والسّبب الرّئيسي لفناء مجتمعات باكملها.، فالأسلحة الكبيرة عندما تقيض بأيدي الأشرار لا شك أنّها ستؤدي إلى هلاك الحرث والنسل .

الحكمة الكونيّة دائماً ما تعطي أسبابها وغاياتها . فإنّنا لو أحطنا بالخير المطلق والعدل والمساواة والحبّ والاستقامة والرّاحة المطلقة المشتملة على جميع بني البشر، فإنّنا ومن ناحية سنأخذها بغض النّظر عن عدة نواحٍ لما استطعنا أن نلتمّس الحاجة النّاجمة عن فعل الاضطرار الّذي يؤدّي بالنتجية إلى الاختراع والاكتشاف ؟ إنّ الاكتشاف هو أحد مفاتيح الغموض الّتي تحيط بهذا الكون العظيم وهو باب موصد بعدة اقفال مختلفة التصميم. تولج لنفس الخارطة وتفتح باب المعرفة والاختراع .

العالم الامريكي صامويل موريس مخترع جهار التلغرام يعدّ أنموذجا حيّاً لمدى براعة الإنسان إن أراد الغوص في عمق هذا العالم واستخراج الجوهرة بجو يحيطه الخذلان والإهمال. فكان اكتشافه قفزة نوعية في انتاج وسيلة لم تكن متاحة أو ربّما صعبة التّخيل بإمكانيّة استيجادها. ولكنّه كافح وخرج بها في جوّ اضطراري عندما كان يريد التّواصل مع ذويه في المدن الأخرى ليعطي اختراعه سلسلة نتاجات فكرية انتهت بالتّكنولوجية الحالية المتطورة المتضمنة عملية ارسال البيانات بواسطة البث اللامرئي.

ولنفس المضمون ها هو العالم البريطاني أرثر سي كلارك والذي استلهم فكرته من الصاروخ الحربي وانطلاقته حول الأفق بأن يبحث عن إمكانيّة البث حول العالم بواسطة الأقمار الصّناعية، ليخرج بثورة علميّة تكنولوجيّة يعتمد عليها العالم الحالي في مختلف مجالاته وهي المرتكز الرئيسي لتقدمه وتطوره. وقد كان الصاروخ الحربي ملهما له!

نتمنى لو كانت هذه الاختراعات باجواء تسودها الطمأنينة والاسترخاء والسلام والعدالة ! ولكن النظام الطبيعي للخليقة يفرض غير ذلك كي تتحقق عمليّة التوازن المستمرة بتقدّم الأجيال واختلاف الأزمان وتبدل الأحوال. وبالنّهاية فإنّ الأمر يؤدي الى سلسلة من النتائج التي تنتهي إلى قضية فصل واحدة. أما عملية التوازن الكوني فهي غير محتاجة إلى أي ممّا يقدمه البشر ويكتشفه ويخترعه ويبتكره. لأنّ الطّبيعة الكونية قائمة على نظام دقيق محدّد منذ الأزل ولن يختلف باختلاف الأزمان وتقدمها. فالبحر ينضب ان انقطع المطر. والمطر لا ينقطع ما دامت البحار والأنهار والمحيطات موجودة. والحياة تنعدم لولا وجود الأوكسجين في التركيبة الكيميائية للهواء. والأوكسجين لا يختفي ما دام الغلاف الجوّي موجود. وهكذا بالنسبة لباقي الموجودات المرئية والمحسوسة في الكون، بعضها مكمّلاً للآخر ومحقّقا توازناً طبيعيّا وفق نظام محدّد لا يحيد منذ مليارات السّنين.

الحكمة تسبق الحكم فمن كان يمتلك الحكمة، لِمَ يتعجّل في إصدار أي من قراراته وترسيخ اعتقاده!

وكثيراً ما امرنا القرآن بالتفكّر والتّدبّر وكان في موضع التّدبر يخاطب أولي الألباب وليس عامّة الناّس ..

فاللب هو العمق وان سبر اغواره يؤدي الى التوصل لعمق المسالة واهميتها .

وقد خلق الله تعالى البابا استطاعت ان تقتحم عالم الاكتشاف والاختراع كي تعطي تفسيرا واضحا او صورة عميقة عن ماهية التوازن الكوني ودرجة دقة الخلق.

 

بقلم سجى الجزائري

 

 

أصبحت الخلافات الزوجية وحالات الطلاق ظاهرة وللأسف منتشره وبشدة وزادت أكثر وتعملقت فى المرحلة الأخيرة ولأن ما تم بناءه على اساس ضعيف من الطبيعى انه سينهار عاجلاً ام اجلاً وكذلك العلاقة التى تُبنى على اساس ضعيف وغير منطقى لا تستمر وسواء انتهت العلاقة بالطلاق او الإستمرار فهى علاقة منتهية فى كلا الحالتين وما أكثر الأزواج المنفصلين عاطفياً تحت سقف واحد ولعل من أبرز الأسس الضعيفة التى تُبنى عليها العلاقات الزوجية هى ان العريس جاهز للزواج فى أقصى سرعة ممكنه وطالما انه جاهز للزواج فلا يجوز رفضه اطلاقاً رغم ان المنطق يقول ان الزواج فى فترة قصيرة ليس ميزة اطلاقا , فطالما ان الزواج تم خلال فترة قصيرة معنى ذلك ان العروسين لم يتمكنوا من فهم بعضهم البعض وإستيعاب كلا منهم لشخصية الآخر واسلوب تفكيره وحقيقة اسلوبه فى التعامل مع الآخرين وفلسفته عن الحياة الزوجية ورؤيته الشخصية عن شريك الحياة وطالما ان المواقف هى التى تُظهر حقيقة الإنسان وخلال فترة الخُطبة القصيرة كان الإحكتاك بينهم اما زيارات منزلية فى إطار رسمى وفى نفس الوقت يتخذون إجراءات واستعدادات الزواج وبالتالى فإن الزواج فى أسرع وقت ممكن تكون نتيجته ان يجد الطرفين انفسهم معاً تحت سقف بيت واحد وللاسف غُرباء عن بعضهم البعض فكيف يكون الزواج فى أسرع وقت ممكن يُعتبر فرصة لا يمكن تعويضها ؟؟؟ ولكن الصواب ان الزواج فى فترة قصيرة يعتبر مُغامرة كبيرة ربما يكون ضحيتها أم مطلقة بعد عدة اشهُر او زوجة تعيسة الى أخر العمر ... !!

وايضاً هناك فتاة تأخذ قرار مصيرى مثل الزواج على اساس شكل وملامح العريس فتراه يبدو عليه مظاهر رجولة جذابة , وسيم وشكله بصفة عامة يروق لها فــ تقرر الزواج منه وهذا ايضا اساس ضعيف جدااا جدااا لأقصى الحدود فــ منذ متى كان الانسان بشكله وان الأهم هو الشكل دون الإهتمام بالجوهر ومحاولة معرفته وفهمه جيداً

ويوجد ايضا نوع من الفتيات الزواج بالنسبة لها مصدر لإشباع رغباتها الجنسية فقط فترى العلاقة الزوجية من أضيق منظور لها وتختزل علاقة قوية كــ العلاقة الزوجية فى العلاقة الحميمة فقط وهذا ايضا مبدأ جعل كثير من الفتيات يقعن فى زيجات فاشلة بسبب تسرعهن على العلاقة الحميمة وكأن الزواج ماهو إلا غرفة نوم فقط وليس حياة بكل تفاصيلها

وايضا من الاسس الخاطئة التى تُبنى عليها علاقة زوجية هى عدم نظرالفتاة الى المستقبل وتجردها من بعد النظر عند إتخاذها قرار مصيرى كهذا فتختار شريك لحياتها يجذبها معه نحو الأسفل ولا يصلح ان يكون أب يفتخر به ابنائها فى المستقبل

ولكن هناك نوع من الفتيات ترى ان الزواج شىء جميل وليس هناك أجمل من علاقة حللها لنا رب العالمين من أجل ان يكون للإنسان شريك لحياته ولديه أسرة وابناء وبيت مبنى على اساس المودة والرحمة ولذلك يجب ان تُبنى العلاقة على اساس سليم لانها علاقة دائمة وليست مؤقتة ولذلك لا توقف حياتها على انتظار العريس لكى تستمتع بعلاقة حميمة وتعيش شهر عسل بل تسعى لبناء كيان خاص بها تتعلم وتعمل وتطور من ذاتها وسيأتى العريس فى الوقت المناسب الذى حدده لها رب العالمين

ولذلك قررت كتابة رواية تحمل نفس الاسم (شهرالعسل) لعل الفتيات تستفيد من تجربة شخصيات الرواية وتستفيد من النهاية التى وصلت لها كلا منهن وتكون مساعد لها وحافز على ان تفكر جيدا عند اتخاذ قرار مصيرى كــ قرار الزواج واحببت ان اوضح لهن ان النهاية هى الأهم , وان للبداية حديث وللنهاية حديث آخر

وان أنصحهن وأقول الأهم النهايات السعيدة وليس البدايات الجميلة

وليس كل العسل فيه شفاء للناس فهناك عسل مسموم يُميت الإنسان ويظل الإنسان على قيد الحياة

 

إيمى الأشقر

...........................

رابط تحميل الرواية للإطلاع عليها

https://www.mediafire.com/file/zobjrkf7klanb3a/%25D8%25B1%25D9%2588%25D8%25A7%25D9%258A%25D8%25A9_%25D8%25B4%25D9%2587%25D8%25B1_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B9%25D8%25B3%25D9%2584_.pdf/file

 

رشيدة الركيككلما تأزم الإنسان انتعشت النزعة الإنسانية من جديد، لتنادي بصورة إنسان منتظر بعدما تطفو الظلال على الساحة.

هو ظل إنسان يشكو من غياب صاحبه ويهدد بالزوال رغم حضور الشمس في أوجهها مع كل ظهيرة.

يتأزم الإنسان وتتأزم صورته عبر التاريخ ليرسم ملامح الهزيمة والحيرة والإحساس بالضياع في اتجاه الطريق المسدود. وكأنه لم يبق سوى العيش في الماضي على جناح الذاكرة متمتعا بنشوة الزمن الجميل الذي لم يعد له أثر أو فاعلية إلا في مخيلة صاحبه الموشوم جسده بالقهر والأسى.

صورة قاتمة عن إنسان اليوم وكأنه ميعاد الزمن الصادم لكل وجود يشكو الغياب...

ولأن من الأجزاء يتكون الكل سيظل الأفراد هم من يشكلون المجتمع ومن يحددون ملامحه وأحواله، وهكذا تنتعش الأمراض الاجتماعية وتتنامى بشكل لم نعد نقدر على المقاومة والاستيعاب سوى بالسخط والتحسر.

تتعالى كل الأصوات لتكون صدى المجتمع تشكل عنه صورة قاتمة تغطي الوجود ليغيب مفهوم الألوان والجمال الذي تعلمناه من تذوقنا لطعم الحياة في الزمن الجميل.

كل حي أصبح شيئا وكل روح أصبحت صنما جامدا لا يتكون إلا بالصورة التي أعطيناها له وأحببنا أن نراها فيه وكأنه إنسان آخر يعطي للمخيلة مساحة أوسع في الحياة معلنا وجوده الذي كان عليه أن يستمر.

هي حقيقة مؤلمة تكشف عن تصحر المشاعر وجمودها، ليتختر دم المجتمع في كل أعضائه مما يقلل من قدرته على الحركة ومن سرعة المشي دون سند يظهر عجزه ويعلنه بشكل تتقيد فيه كل الإرادات والقدرات ،وتسجن اختياراته الممكنة التي كان يتباهى بقدرته عليها فيما مضى وترمي به في بحر من الأماني والأمنيات تعطي معنى للوجود .

اضطر الإنسان إلى استدعاء لكل من الخيال والذاكرة لأنه لم يعد يمتلك غيرهما، وإن كان خيالا لا علاقة له بالواقع سوى تركيب لصورة في شكل غريب، فإمكانية حدوثه ضعيفة لكنها ممكنة أكيد في عالمنا الفردي وهو عالمنا الإستهامي الداخلي، بعيدا عن كل حقيقة ممكنة . وكأنه زمن الإستيهامات ما ينقد الإنسان من واقع مرير،ويضيع المجتمع بضياع قدرة الأفراد على العطاء.

أما الذاكرة فهي قدرة الإنسان على التذكر و استعادة الأحداث من جديد متخطيا حدود الزمان والمكان بشكل فردي لكل ما حدث في واقع مضى وطويت صفحاته ويظل الحنين له يناشده ويعيد العيش فيه في حياة داخلية تبعث عن اللذة والمتعة، كل شيء فيه جميل لأنه لم ولن يعود، وإن استحال على الإنسان تغيير أي شيء في مجريات أحداثه إلا باستدعاء الخيال من جديد.

إنها لعبة إذن يعيشها إنسان اليوم في حياة لا علاقة له بالحاضر وليس فاعلا فيها ومع ذلك لا يملك سوى رمي نفسه في أحضان الماضي المتقادم والذي لا يريد نسيانه ولا يقوى على ذلك ،لأن صورتنا عن الحاضر قاتمة فيها سخط وعتاب وإحساس بالقهر والرغبة في الشكوى والأسى.

لم يعد حاضرنا يحرك فينا نشوة العيش والحلم من أجل المستقبل إلا بهوس الإستعداد له.

هكذا هي ملامح الأفراد تشكل صدى مجتمع يدعونا إلى التفكير في التغيير والدعوة له مع بث الروح فيهم من جديد، كل جميل برمجناه بروح يائسة قاتمة صادمة، كل فرحة تماهت مع قرحة وخوف وترقب، كل جميل مع قبيح ينطق بتفكير مشوش.

لم يعد الإنسان يستعمل عقله إلا من أجل السواد والخوف والترقب وانتظار لطريق مسدود بروح باردة وحماس انطفأ وشموع لم يعد لها مكان في زمن تشع فيه أضواء مزيفة.

عموما صرنا نشكو أمراضا اجتماعية تدق وتعلن عن ضرورة حب الحياة والدعوة لإنسان بروح جديدة تستطيع استطعام لذة الحياة من جديد.

قد نعتقد أن تواجد حياة الأفراد وصورتهم بعيدة كل البعد عن صورة المجتمع، ونسقط في فخ السخط على واقع المجتمع والذي في الحقيقة ليس إلا واقع الأفراد ليشكل واقع الإنسان في عصره.

لكن سنظل أنا وأنت من يشكل هذا المجتمع ويبث الروح فيه من جديد بالكثير من الأمل في غد أفضل ولن يتحقق ذلك إلا بتكرار المحاولة من أجل الرقي بنفوس تتنفس الصعداء وتعاني الاختناق ،قد تأبى العيش كلما اعتقدت أنه لا جدوى منها .

هكذا يكون مربط الفرس أكيد في تحسين صورتي عن نفسي و الذي لن يكون بعيدا عن تحسين صورة المجتمع بل إنهما محايثان ومتلازمان لبعضهما البعض، فمتى أصيب عضو من الأعضاء كان على الجسد أن يعيش فترة نقاهة بأكمله.

سيظل حديثنا عن الإنسان هو حديث عن المجتمع وعن النوع، ستظل النزعة الإنسانية اليوم تفرض نفسها مع كل أزمة إنسانية كما يشهد لها التاريخ.

سيظل رواد التنمية الذاتية ودعوتهم لسماء صافية تكشف روعة تواجد اللون الأزرق والأبيض معا في سماء انتهت دموعها مع انقضاء خريفها وشتائها ومع كل الغيوم التي كان لابد منها من أجل غد أفضل وصيف معطاء.

تأزم الإنسان فترة من الزمن تعيشه الإنسانية بين الحين والآخر وتستطيع تجاوزه بنزعة إنسانية تدعو لها العقول الراقية بعد الكثير من التأمل،قارئة للأحداث بصورة أجود وأصفى بألوانها الجميلة لتظهر العصافير من جديد لتسمعنا أنغام الحياة دليل على وجود روح تتمتع وتستشعر كل جمال.

سنعود بفضل التنمية الذاتية إلى إنسان تاه مع زحمة الحياة فتشوش تفكيره ليعكس صورة قاتمة لكنها ستصفى بفضل حب الحياة وإرادتها وحب الاستمرار والإصرار على حب الذات المنسي في كل الأقاويل تنصب نفسها أفكارا تخرج من أفواه الحكماء.

إرادة الإنسان للحياة تحتاج إلى من يخاطبها بفطرة صافية، لتزرع من جديد روح المبادرة والإصرار

لقهر المخاوف لأننا سنظل دائما نمتلك كل القدرات وسيظل الزمن يستسلم أمامنا ونهزم كل الظروف التي ستقتل إنسانيتنا ،سنلعب مع الحياة بمنطق لاعب الشطرنج الذي لن يقبل تشويش فكره مركزا على أهدافه وسيغير خطته وفق الظروف،لكنه لن يضيع أو يتوه.

وإن طالت شكوانا وإن أحسسنا بنوع من النكوص لحياتنا النفسية سيحرك فينا أطفالنا طبيعتهم التي لم تلوث الإحساس بكل ما هو جميل بداخلنا والذي أصبحنا نشعر بغربة اتجاهه وكأنه الغريب الذي يسكننا على نحو غريب.

لقد أخذنا الترحال إلى واقع حياتنا النفسية والذات الجماعية التي تعاني النكوص كمرحلة طبيعية لمراحل عمر الأشخاص والأمر سيان بالنسبة للمجتمع ليعكسان معا واقع إنسان اليوم. و لربما في هذا الرجوع انطلاقة جديدة لواقع جديد ولبشرى بحياة أفضل، فالعظماء ينبثقون من الأزمات...

يبدو أنه انتهى زمن الشكوى والحنين وحان موعد عودة الإنسان لإنسانيته ولم يعد الوقت أو الحاجة للبكاء على الأطلال الذي يقتل فينا روح المبادرة وسمو النفس وشموخها.

هكذا اختفى عالم الظلال والأشباح الزائف المرتبط بنور الشمس وظهر العالم الحقيقي الأبدي الخالد، هو حقيقة إنسان صادم للظروف وقاهر لها،شامخ أمام الآلام ومستفز لها...

هذا هو أنا وأنت أيها الإنسان بعدما استهوانا منظر النجوم في السماء بعيوننا فاخترقناها بعقولنا وإن ظلت بعيدة عنا نظرنا لها، لم يقهرنا جبروت الطبيعة أصبحنا أسيادا عليها بالفكر والعلم.

بالفكر والعلم اليوم سنعود إلى أوج العطاء بقهر الأفكار الصامتة والقاتلة لكل القدرات،وإن خضنا التجربة تعلمنا من النكوص أن الحياة ستستمر مع كل صيحة ديك في الصباح إعلانا ليوم جديد وعلينا أن نتعلم منه وأن نصل إلى حقيقة مفادها كل شيء كما هو فيما مضى لكن نظرتنا إليه تغيرت بتشويش الفكر فتحية لزمن نكوص إنسان في زمن مضى...

 

بقلم رشيدة الركيك

 

 

سلس نجيب ياسينالحفاظ على علاقات جيدة واخوية مع الجميع امر مهم لسير وتكملة عملية النجاح خصوصا ان كانت محكمة بضوابط الاحترام والاعراف المتبادلة مثلا. وبها يكون الانسان امام خيارات متعددة لا ختيار ما يناسب من احباء يخدمون رؤيته وما يريد الوصول اليه في كل مرحلة خاصة ان علمنا وعرفنا ان الناس تفرعت مواهب وقدرات مختلفة فما تقدمه انت من اضافات للناس على سبيل المثال قد يستعصي علي والعكس الصحيح وسط كل ما قلنا واشرنا وجب بل لابد من اختيار الناس ذوي الثقة والمصداقية والجدية للتعامل معهم في اطار مشروع وبرنامج نجاحك سواء اكان على المستوى القريب او البعيد والعملية طبعا (النجاح) تحتاج دائما وكما نشير ونركز الى نوع من الصبر والحنكة والحكمة والتخطيط وطول النفس لا غير

 

بقلم الكاتب: سلس نجيب ياسين

محمد صالح الجبوريرسائلي التي اكتبها مع قهوة الصباح، وهي تحمل كلماتي الجميلة وشوقي واحساسي، تلك التي كتبتها بلون شعرك الذهبي، وحبرها من دموع عينيك، رسائلي من طراز خاص ، مطرزة بالوان فساتينك، الوانها متعددة، جميلة، لايفهما غيرك، (الا انت)، تحمل اجمل العطور التي تحبينها، رسائل ممزوجة بالحنين، ومعطرة بشذى الورود، رسائلي تحمل حكايات العيد وافراحه، رسائلي يحملها (الحمام الزاجل)، وهو يعلم انها أمانة، رسائلي تصلك بأسرع وقت، لان الطيور لاتعرف الكذب و الغش والخداع، رسائلي تبحث عنك في كل مكان، رسائلي تحمل أغاني فيروز، في صباح ربيعي مشمس، رسائلي تحمل قصائد قيس، وقصائد جميل، تحمل حب العاشق الولهان الذي اتعبه الزمان والمكان، رسائلي ربيع دائم، وعيون ماء تروي الأرض وتجعلها جنة خضراء تسر الناظرين ، رسائلي رقيقة عذبة طيبة، رسائلي وفاء ومحبة واخلاص، رسائلي صدق ووفاء وعهد وميثاق، هذه رسأئلي التي أبعثها اليك نامي قريرة العين، وأطمئني لأني لااعرف الغدر والخيانة والخداع، مهما طال الزمن الحب شيء مقدس رغم عذاب السنين، وأعلمي ان الأصالة والوفاء والصدق نادر في هذا الزمان ، والايام قادمة و سوف يظهر اليقين.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحافي

 

 

صائب خليلمرت الإنسانية بعصور تغيرت فيها التركيبة الاجتماعية مرات عديدة، فبدأت بالمشاعية حيث كان الجميع يعمل بشكل مشترك من اجل الجميع. بعد ذلك جاءت مرحلة العبودية، ثم مرحلة الاقطاع، لتنتهي بالرأسمالية فالاشتراكية التي تراجعت وحوصرت مؤخراً، رغم انها مازالت تقاوم الاندثار. لكن هذه الانتقالات ليست متساوية في أهميتها، ويمكننا ان نقسمها إلى ثلاث مراحل من الناحية المبدئية. فالعبودية والإقطاعية والرأسمالية يمكن تسميتها بمرحلة واحدة تتميز بالاستغلال الاقتصادي للإنسان. ومن السهولة ان نرى مدى التشابه بين العبودية والإقطاع. فيمكن النظر الى الفلاح كعبد يعمل في الحقل لصالح سيده مقابل حصة ما. كذلك يعمل العامل بالأجر لصالح الرأسمالي. لكننا لا نجد شخصاً يعمل من اجل آخر في المرحلة المشاعية، لماذا؟

ليست القضية أخلاقية أو تعاون انساني، بل هي مسألة اقتصادية بحتة. فأدوات الإنتاج التي كانت متوفرة لذلك الإنسان في ذلك الزمان، لم تكن تتيح للفرد أن ينتج ما يزيد كثيراً عن حاجته للبقاء على قيد الحياة. ولا فائدة من عبد لا ينتج إلا ما يكفي لإدامة حياته. ولكن ما أن تطورت تلك الأدوات والمهارة، واصبح إنتاج الفرد يجعل منه شيئا قابلا للاستغلال، حتى بدأ عصر الاستغلال.

ومرت القرون الطويلة، واخذ الاستغلال اشكالا مختلفة، ولم يتم الاعتراض عليه حتى وصل الانسان الى الأخلاقية التي تتيح له ان يرى حقيقة ان لا افضلية لأحد على أحد، فعاد ليضع علامات الاستفهام ويرى الاستغلال ظلماً مرفوضاً، ويطرح الأسئلة حول النظام الاقتصادي الذي يعتمد عليه وما يسببه من آلام للبشرية.

ماركس بين هذا الظلم بشكل حسابي بسيط واعطاه اسما رياضياً هو: "فائض القيمة". أما جيفاراً فأعطاه الرمز حين قال: "حيثما يكون الظلم، سأكون موجوداً" معلناً ولادة الانسان الذي يشعر بألم المظلوم ويشعر بالمهانة لأي ظلم يسلط على أي شخص، ويبدي الاستعداد التام للسفر إلى حيث يكون هذا المظلوم ليقف معه وكأن الظلم يمسه هو ويجرحه في كرامته.

لم يكن جيفارا أول من شعر بذلك بالتأكيد ولم يكن أول من اعلن تلك المبادئ، لكنه ربما كان اكثر من تفرغ لهذه المهمة النبيلة وارتبط اسمه بها على نطاق العالم. فصارت صورة وجهه دعوة للإنسان بجميع لغات الأرض إلى رفض الظلم، والى الشجاعة اللازمة لذلك، وقد قدم حياته لتكون شهادة صدق على ما كان يقول.

جيفارا.. هدية الارجنتين إلى البشرية.. كان يمكن ان نحتفل بعيد ميلاده التسعين (14\6\1928) لولا عصابات مرتزقة السي آي أي التي اغتالته غدراً. لكنها لم تستطع اغتيال الرمز في نفس البشرية. الرمز الذي يحفزها فتتطلع إلى عالم سعيد يخلو من الاستغلال.

لنحتفل به مع الموسيقى، رغم كل شيء:

https://www.youtube.com/watch?v=-RYQQ518aEo

صائب خليل

 

عبير خالد يحيىلا شك أن المرأة الشاعرة أو المرأة الكاتبة لها في الكتابة الأدبية أسلوبها الذي يميّزها عن الكاتب الرجل أو الشاعر الرجل، وأعتقد أن هذا القول سيثير علي العديد من الآراء المعارضة من الجنسين على حدّ سواء (وقد حدث هذا فعلًا) بادعاء أن الإبداع لا يقف عند حدّ جنس المبدع، وأنا لا أنكر ذلك، لكن أي إبداع؟ هل نستطيع أن نوازي بين رجل يكتب الأدب النسوي وبين المرأة عندما تكتبه؟

والأدب النسوي هو أدبٌ مُختلَفً على ماهيّته- و انقسمت الآراء حوله بين مؤيّد ومعارض، يمكننا أن نقول: "بأنه الأدب الذي يكون فيه النص الإبداعي مرتبطًا بطرح قضية المرأة والدفاع عن حقوقها دون ارتباط بكون الكاتب امرأة"

وبغض النظر عن المؤيدين والمعارضين للمصطلح، من وجهة نظري، مجرّد الجدل في هذا الأمر هو إقرار بموقع ومكانة هذا النوع من الأدب، وترسيمه بسماته العامة، مع مطواعيّته لقبول سمات أخرى يفرضها التغيّر المجتمعي بمقتضى التطوّر المتسارع للعالم المحيط. فأنا مِن مَن يقرّ هذا النوع من الأدب، سواء كتبه ذكر أم أنثى، وأميل إلى معقولية أن الكاتبة الأنثى تكتبه بمصداقية أكبر.

بالعودة إلى ادعاء أن المرأة تنقصها التجربة في كتابتها، أطرح السؤال التالي :

هل كل ما يكتبه الرجل كان عن تجربة شخصية ؟ هل كل من كتب عن المعتقلات و والسجون كان مسجونًا أم معتقلًا ؟ لا أريد أن اذهب بعيدًا جدًا أنا امرأة وكتبت عن المعتقلات شعرًا، وكتبت عن الحرب قصًّا وشعرًا، وأحسب أن معظم شاعرات وكاتبات طروادة نون النسوة قد كتبن في مواضيع كثيرة مشابهة لم تكن أقل إبداعًا مما كتبه الرجل في نفس تلك المواضيع...

ويكفينا أن نعترف أن الأدب هو قليل من الواقع، وكثير من الخيال، فإن كان الواقع هو التجربة فهي بالأساس الجزء الضئيل الذي يمكن الحصول عليه بسهولة بالسؤال والبحث عنه، وما أكثر الألسن التي تحكي، وما أوسع معلومات جوجل وما أثراها! ويبقى للخيال فضاءه الواسع الذي يتنافس فيه الجميع...

وأما الادعاء الثاني، بتمحور شعر المرأة حول الرجل، فلي فيه رأي أتمنى أن تعيه المرأة الشاعرة، خُلقت المرأة من ضلع الرجل، نعم، من داخله هو، فوجب أن تكون هي المركز، ذلك أبدع نزار وغيره عندما تغزّل فيها، لكن لمّا انعكست الآية، وتغزّلت هي بالرجل، بدت انبطاحية ! ولا يليق بها الانبطاح، فهي خُلقت لتتربّع على عرش قلبه، لا لتتمرّغ على أرض الوجد تطلب الوصل وتشكو من هجر الحبيب و التولّه به، هذا يتنافى حقيقة مع بنيتها التي صوّرها الله عليها،

لذلك نجد أن قصائد نزار التي أطلقها بلسان (هي) لم تأتِ بذات الصدق في الشاعرية التي قال بها بقية قصائده بلسانه هو كشاعر رجل، وهذا لا يعني أن المرأة الشاعرة لا تجيد كتابة قصائد الحب، تجيدها جدًا عندما تكتبها بأنفة وعزة وعفة، برمزية بعيدة عن الإسفاف، وصدق ينعكس من الصور الشاعرية بعيدًا عن التصنّع والقولبة البلهاء ...

وتكتب المرأة شعرًا لا يموت عندما تكون حرّة، خارج المدارات التي تتمركز حول مفهوم واحد هو من يناصفها أساسًا، عندما تؤمن أن عليها أن تكون في مكانها اللائق بغض النظر عنه، ليس مطلوبًا منها أن تكون في مواجهته، ولا في إثره، ولا حتى في مجاراته، هي حيث يحتّم عليها النجاح أن تكون، عندها ترى العالم من منظار كبير، ترى كلّ قضاياه و مشكلاته مادةَ كتاباتها، تتقمّص كلّ شخصياته دون وجل، و تكتب برسالة مجتمعية راقية بعيدًا عن الإسفاف...

والأدب النسوي تحديدًا هو ساحتها، إن صالت وجالت فيه لن يجاريها كاتب أو شاعر، لكن دون أن تقصر مداد قلمها عليه فقط، بل لها أن تناوش به في ساحات الأدب كافة لتخطّ به وفيها عملها الخالد.

 

د. عبير خالد يحيي

 

 

ضياء نافعقدّم المرحوم العلّامة طه باقر لنا – نحن العراقيين – ترجمة (كلكامش) قبل عشرات السنين، وارتبط اسم طه باقر منذ   لملحمة ذلك الحين ولحد الان في وعينا باسم بطل تلك الملحمة، والذي كتبه طه باقر هكذا – (كلكامش) بالكاف. تذكرت ذلك وانا اود ان اتحدث عن الكتب الروسية حول هذه الملحمة الفريدة والرائعة في تاريخنا الرافديني وتاريخ البشرية ايضا، واحترت كيف اكتب اسم الملحمة وبطلها، هل اكتبه (بالكاف) كما جاء عند استاذنا طه باقر، ام اكتبه (بالقاف) كما جاء عند استاذ عراقي كبير آخر هو المرحوم عبد الحق فاضل، ام اكتبه (بالجيم) كما استقرت كتابته في معظم المصادر العربية؟ وقررت اخيرا كتابته بالجيم (على وفق اللفظ المصري لحرف الجيم هذا) لانه الاقرب الى كل المصادر العربية والاوربية ايضا، واعتذر لاستاذي عالم الآثار العراقي الكبير طه باقر، والذي يبقى رائدا لنا جميعا في مضمون عمله التاريخي العلمي الكبير ذاك، واعتذر لاستاذنا عبد الحق فاضل، الرائد الكبير الآخر في دنيا الترجمة والفارس في عالم اللغة العربية وآدابها .

ونعود الى جلجامش وملحمته بالروسية . قام الشاعر الروسي غوميليوف بترجمة نص هذه الملحمة عام 1919 عن الفرنسية (انظر مقالتنا بعنوان – غوميليوف الشاعر الروسي المخضرم)، وغوميليوف هو شاعر ومنظّر روسي كبير أعدمته السلطة السوفيتية عام 1921، وبقيت محاولته الترجمية تلك شاهدا على عبقريته شاعرا ومترجما في تاريخ الادب الروسي، الا ان النقد الادبي الروسي لاحقا لم يتناول طبعا اعمال هذا الشاعر والمترجم بالبحث والدراسة بعد اعدامه، بل وانعكس هذا الموقف سلبا حتى على زوجته الشاعرة آنّا أخماتوفا وابنه الباحث والمؤرخ ليف غوميليوف (ولا مجال هنا للحديث عنهما)، وهكذا بقيت ملحمة جلجامش منسية بترجمته، على الرغم من انها كانت محاولة رائدة في تاريخ روسيا ومسيرتها الفكرية، وبقيت كذلك منسية لحد الان، رغم عودة النقد الادبي الروسي للكتابة عن غوميليوف في روسيا الحديثة، وربما يعود السبب في كون ترجمته ليست كاملة اولا، وثانيا لوجود بعض الاخطاء هنا وهناك وحتى اضافات كتبها غوميليوف نفسه (واشار هو نفسه اليها كي يجعل النص قريبا من القارئ ومفهوما له)، ومن المؤكد ايضا ان السبب يعود ايضا لظهور ترجمة اخرى بالروسية عام 1961 عن الاكدية مباشرة، والتي قام بها دياكونوف وصدرت في كتاب رائع الاخراج مع دراسة لتلك الملحمة وهوامش غنية جدا حولها . ان صدور هذه الترجمة في عام 1961 يعني ايضا، ان الكلام عن غوميليوف كان لا يزال (غير مرغوبا به!) رغم بعض الكتابات هنا وهناك حوله، وهكذا اكتسحت ترجمة دياكونوف عن الاكدية (ان صح التعبير) ترجمة غوميليوف عن الفرنسية، والتي اصبحت الان تمتلك اهمية تاريخية ليس الا باعتبارها اول نص بالروسية للملحمة رغم كونها غير متكاملة كما اشرنا آنفا. هناك اسم آخر في تاريخ ترجمة جلجامش بالروسية وهو شليبكو، الذي انهى ترجمتة للملحمة عام 1920، وكان من المفروض ان تنشر، ولكن ظروف عشرينات السلطة السوفيتية حالت دون ذلك، ولم تظهر هذه الترجمة الا عام 1987، ولم تكن كاملة، وظهرت كاملة عام 1994 ليس الا، وفي كل الاحوال بقيت ترجمة دياكونوف في صدارة كل الترجمات (اعيد طبعها عام 1973) لدرجة، ان معهد الثقافات الشرقية القديمة في جامعة الدراسات الانسانية الحكومية قد أصدر عام 2012 كتابا بعنوان – (محاولة ترميم ترجمة دياكونوف)، وذلك من قبل مجموعة متخصصين في قسم تاريخ وآداب الشرق الاوسط القديم في الجامعة المذكورة، وهي محاولة فريدة في تاريخ نشر الكتب او اعادة طبعها في روسيا، وتدلّ بلا شك على اهمية هذه الترجمة في الاوساط الثقافية الروسية منذ صدورها في الاتحاد السوفيتي آنذاك، ولحد الان في روسيا الاتحادية اليوم .

اما الجديد في هذا المجال، فهو كتاب صدر عام 2015 من تأليف يميليانوف (وهو عالم متخصص في علم السومريات)، وجاء ضمن سلسلة مشهورة جدا من الكتب عنوانها – (حياة العظماء) (الترجمة الحرفية لهذه السلسلة هي – حياة الناس الرائعين، وهي سلسلة كتب بطباعة فخمة وتحتوي على العديد من الصور الملونة، والتي تصدر منذ زمن الاتحاد السوفيتي واستمرت دون انقطاع لحد الان) . يقع كتاب يميليانوف في(358) صفحة من القطع المتوسط، وقد تم طبع (3000) نسخة منه، وجاء باخراج مدهش الجمال ابتداء من غلافه الرائع الذي يحمل ثلاث صور لجلجامش وزقورة اور الخالدة.

لا يمكن بتاتا ايجاز محتوى هذا الكتاب المهم، الا اننا نحاول هنا في ختام عرضنا السريع ان نقدم للقارئ بعض الكلمات التي جاءت في تقديم هذا الكتاب، وهى كما يأتي –

اذا ما وضعنا كل الكتب التي اصدرتها هذه السلسلة، فان كتاب جلجامش يجب ان يحمل الرقم الاول، اذ ان بطل هذا الكتاب هو الاول في مسيرة الانسانية، فهو اول قائد سياسي، واول بطل محارب في المعارك، واول البناة، واول انسان اراد ان يتغلب على مصيره وعلى الموت، واول بطل ثقافي أبقى قصته وسيرته الذاتية للاجيال القادمة ... وما أروع هذه الخلاصة، وما اعمقها !

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

هنالك اجناس ادبية اعتقدنا بانها انقرضت، منها فن المقامة الذي يقوم على فنون كتابية كنا نعتقد كذلك بانها انقرضت كالجناس والطباق والسجع والبديع وسواها من اساليب كتابية قديمة كانت تشكل مساحة واسعة من ادبيات تراثنا القديم . وركن النقاد الى ان فن المقامة اقتصر على عصري الهمذاني والحريري، الذي وصل فيه فن المقامة ذروته كجنس ادبي مستقل لا يشبه الشعر ويختلف عن النثر باستخدامه للمؤثرات التي يشغلها الطباق والسجع والجناس والبديع وسواها، اضافة الى الصوت فهي تعتمد في جزء كبير منها على الاصوات سواء بتبديل الحروف او الحركات الاعرابية او بتقابل الحروف والحركات لتؤدي معان مختلفة تأتلف احيانا وتتناقض في احيان اخرى كما في المقطع الاتي من مقامة حكايات بغدادية "2" :

"فقد نَضَبَتْ أنْهارُنا وجَّفَتْ آبارُنا ويَبُسَتْ اشْجارُنا وأفَلَتْ أقْمارُنا؛ خَيْرُنا إنْحسَرْ وشَرُّنا إنْتَشَرْ؛ مَوارِدُنا تَذْهَبٌ إلى غَيْرِ مَواضِعها وأمْطارُنا تَأتي في غَيْرِ أوانِها؛ فأصْبَحْنا في زَمَنٍ لا يُطيقُنا ولا نُطيقُه؛ وطَقاطيقُنا غَيْرَ طَقاطيقِه؛ طَقاطيقُنا أغاني جَميلةٌ وألحانٌ وطَقاطيقُه ُ إنْفِجاراتٌ وغُبارٌ ودُخانٌ؛ وعلى هذا المِنْوالُ سارَ ويَسيرُ الحالُ"

فن المقامة يقوم على اللعب بالالفاظ والمعاني المتقاربة شكلا والمختلفة معنى واداء، ومثل هذا الفن يحتاج الى قدرة استثنائية ومعرفة واسعة بمعاني المفردات ودلالاتها المعنوية والصوتية لتؤدي فكرة الكاتب او المؤلف او يوصلها الى القاريء بشكل صحيح وعلى قدر من المتعة والفائدة.

نجد في مقامات زاحم جهاد افكار ومعان عصرية او معاصرة في منحى مقاماته ولولا ذلك لظن القاريء بانها تنتمي او من عصر الهمذاني والحريري، ويكاد القاريء لا يعرف غير هذين الاسمين اللامعين في فنون كتابة المقامة ماضيا وحاضرا، ولكن زاحم جهاد استحق بمقاماته المسماة "مقامات بغدادية" التي اصدر منها ثلاث مقامات، استحق الانضمام الى كتاب المقامة الاوائل المجددين بمقاماته الجديدة والمعاصرة بمواضيعها ولغتها .

هنالك مواضيع معاصرة لكن يمكن ان تنطبق على عصور اسلامية عديدة قديمة وحديثة كالحوار التالي الذي يشكو من سوء المسؤولين والحكام، وهذه الشكوى تمتد بعمق في التاريخ العربي والاسلامي لاكثر من 1400 سنة عدا فترات قليلة بهذا التاريخ الطافح بالحكام الجائرين :

"جَعَلْناهُم وُلاةَ أمْرَنا فَجَنَوا خَيْرَنا وشَكَروا غَيْرَنا؛ وَعَدُونا بِالمَنَّ والسَلوى ووَهَبونا الفِتَنَ والبَلْوى؛ فَعادَتْ حواضرنا قُرى وغَدا ماؤُنا قِرى .قلت: ومَنْ هؤلاءْ ؟

قال: أتَحَدَّثُ عَمَنْ يُريدُ أنْ يَعودَ مِنْ جَديدٍ بَعْدَما نَكَثَ بالوُعودِ والعُهودِ مُنْذُ زَمَنٍ لَيْسَ باِلبَعيدِ"

مقامات بغدادية "2"

وهذا هو واقعنا بالفعل الان فمن حكم 15 عاما ما زال متشبثا به ويريد العودة للحكم باستعماله الوسائل والحجج والمكر والعهود والوعود الزائفة عن طريق انتخابات مشكوك بنزاهتها، بالف طريقة وطريقة التوائية .

ما يبذله الشاعر والاديب زاحم جهاد من جهود في اعادة الاعتبار لفن المقامة، جهد كبير لا يضطلع به الا قلة من الادباء لانه يتطلب جهدا مضاعفا بتطويع فنون المقامة الصعبة كالطباق والجناس والبديع والسجع والحوار والقص وغيرها لتستوعب مواضيع معاصرة، سواء كانت ذات منحى سياسي او اجتماعي او لغوي باعتبار ان فن المقامة يقوم بالاساس على اللغة، وما يمكن ان يستخلص منها من تأثيرات صوتية ومعان مختلفة تؤدي الاغراض والمعاني التي يريد ان يوصلها المقاماتي الى القاريء، والمثال الواضح في هذا الصدد : "مقامات بغدادية" . اضافة الى توظيفة للموروث الديني وغبر الديني بطريقة عصرية ممتعة بلغتها ودلالاتها كما في هذا المقطع من مقامة "مِنْ دالِ العُنْقودِ ولآلئ العُقودِ" :

تَحْتَ سَقْفٍ مَرْفوعٍ غَيْرِ مَسْنودٍ؛ وعَلى بِساطٍ غَيْرَ مَزْرودٍ؛ جَزاءٌ مِنَ الحَميدِ الوَدودِ؛ كَما جاءَ في الكِتابِ المَسْرودِ؛ والحَديثِ المَسْنودِ؛ وكَلامِ أَسَدِ الأُسودِ أمامِ الشُّهودِ؛فَكَيْفَ تَتَنَكَرُ الحُشودُ للعُهودِ والوعودِ؟

مقامات بغدادية "1"

جميعها تصور واقع الحال في العراق بشكل واقعي وحقيقي بتطويع فن المقامة، الذي يحتوي على وسائل او فنون كتابية تشد القاريء وتبعد عنه الملل كالطرائف والايحاءات الطريفة والممتعة لمعاني بعض المفردات وجناساتها، لتشكل في النتيجة لوحة فنية باهرة لا تدخل الملل في نفس القاريء، خاصة ان مواضيعها معاصرة تنتقل بين اجواء حقيقية يمر بها المواطن على الصعيد السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي .

الشيء الجديد الذي اضافه المقاماتي والاديب زاحم جهاد مطر لفن المقامة اضفاء الطابع القصصي الحديث على المقامة بتوسيع الحوار والسرد الذي يتخلل المقامة، واهتمامه بالمكان كاحد العناصر الاساسية، وهذه العناصر تدخل في اطار التقنيات القصصية او من مقومات كتابة القصة المعاصرة، اي اننا امام عمل يمزج فن كتابة المقامة باساليبه وشكله التراثي مع استخدام التكنيك والتقنيات الحديثة بكتابة القصة وابرزهما الحوار والسرد اللذين يضفيان على المقامة طابعا ممتعا ومعاصرا، وهذا يدخل في التجديد والريادة بكتابة المقامة اي الحفاظ على اصولها والتجديد بالمضامين واساليب وطرق الكتابة باستخدام التقنيات الحديثة، بحيث يمكن ان نطلق عليها اسم "مقامات معاصرة" لتمييزها عن "المقامة التراثية" التي اشتهرت على يدي الهمذاني والحريري .

لم يكن ذلك متنافرا مع المقامة، فهنالك من يرجع المقامة او اصولها الى الحكواتي، او انها مستمدة منه وتمثل الوجه الاخر للحكواتي، فهذه العناصر ليست دخيلة او متنافرة مع فن المقامة بما فيها الحوار والسرد والقص والمكان والزمان وغيرها من عناصر القصة وتقنيات القص، ولكنها لم تأخذ طابعها المعاصر او ابعادها المعاصر في المقامة التراثية كما يفعل زاحم جهاد،فقد استفاد من جميع هذه العناصر مع المحافظة على اصالة المقامة باستخدامه للبديع والجناس والطباق والسجع التي تشكل البنية الاساسية لفن كتابة المقامة .  

المقامات او النماذج المقاماتية التي قدمها زاحم جهاد مطر لحد الان ذات مستوى رفيع الى حد ما، لا يقل عما وصل اليه فن المقامة في ازهى عصوره كفن كتابي وتراثي ممتع ومفيد، وبذلك فانه اعادة الاعتبار اليه كفن تراثي بعد ان ركن للنسيان لقرون طويلة من خلال توشيحه بمواضيع معاصرة بلغة تتوسط الاعتماد على الجناس والطباق والسجع والبديع التي كادت ان تختص بفن كتابة المقامة وحده، رغم وجودها بكثرة احيانا في العديد من النصوص والخطابات التراثية .

واذا اردنا ان ننقب عن المقاماتية في وقتنا المعاصر نجد ان زاحم جهاد مطر ربما يكون الوحيد بين الادباء، تجاوز حدود كتابة المقامة الى محاولة التجديد في مضامينها واشكالها من كتاب المقامة في عصرنا، كذلك نجد اليازجي الذي استطاع ان يحاكي الهمذاني والحريري بلغته الرصينة، ومعرفته المتشعبة باساليب الجناس والسجع والطباق والبديع، فاستحق ما كتبه بهذا الفن الصعب السهل، ان نطلق عليه اسم مقامة حاضرا وماضيا، تضاهي المقامة التراثية التي عرفت اوانتشرت على يدي الهمذاني والحريري في تراثنا القديم .

 

قيس العذاري    

  

 

احمد فاضلإنها ليست الجُمل فقط التي نقرأها للشواعر وهن يكتبن رواية على الرغم من أننا يمكن أن نقف لنقول:

- أي جُمل ؟

إنها حساسية الكتابة عندما تحول الشواعر أيديهن إلى السرد، فقد تنتمي تلك الأيدي إلى ما يمكن أن نطلق عليها بالملك " ميداس " الذي له القدرة على تحويل أي شيء يلمسه حيث يتم نقل فلسفة الشعر والبراعة فيه إلى النثر السردي كما هو في أغلب كتاباتهن، لقد نشأتُ في قراءة الشعر والمسرحيات لأن ذلك كان في البيت وبمجرد أن أصبحت معتادة على تلك القراءة بدت الرواية وكأنها شيء فضفاض، شاق، لا يمكن الوصول إليها كروايات " نانسي درو " المخيفة، ومع مرور السنوات وجدت طريقي إلى الشكل الجديد أولاً كقارئة وفي وقت لاحق ككاتبة حيث بدأت أرى أن المسافة بين هذين النموذجين لا تحتاج إلى أن تكون شاسعة، وأحياناً ليست كذلك إنها مسألة العثور على الروايات الصحيحة حيث يمكن للروائية أن تشترك في حسّ الشاعرة بالدقة، والكرم، والشعور المائل، والرؤية، والوداعة، والعلاقة مع اللغة، والتصوير، والاستعارة، فهل رواياتهن خيانة لهن على هذا النحو؟ إذا كان الأمر كذلك أعرض هنا لخمسة منهن يعرفهن القارئ لشهرتهن حيث بدأتُ في تجميع قائمة من رواياتهن المعاصرات المفضلة لبعضهن كشواعر، لكن هذا لا يفشل العكس تماما .

جانيت فرام، "صراخ البوم"

رواية مفعمة بالحيوية لا تُنسى ومذهلة، نتابع الرواية مع دافني ويذرز التي تروي كيف عاشت أختها في مستشفى للأمراض العقلية في ثلاثينيات القرن العشرين في نيوزيلندا حيث نجت من أهوال ووحشية موثقة بشكل كبير، الرواية يمكن أن تجعلني أبكي إنها قصيدة نثرية كتبت بأسلوب سردي مثير .

ايريس مردوخ " البحر البحر " 1978

في مجلة "نيويوركر"، تصف لورا ميلر "رواية الشاعرة بأنها " استبطانية "، مليئة بممرات طويلة من الوصف، وقطعة نادرة من السرد الروائي إذا كانت هذه هي معايير رواية الشاعرة مردوخ الحائزة على جائزة مان بوكر، يتوافق مع الصورة النمطية حيث ينتقل الفاعل وهو الشخص المتقاعد إلى المنزل بعد سنوات طويلة قضاها عاملا في البحر متفرغاً للقراءة وتناول الطعام بعد أن أعياه طعام البحر وكتابة المذكرات مما سنجد أنفسنا نضحك مع هذه الشخصية وشخصيات أخرى، هذه الرواية الذكية والمذهلة هي حول من نعتقد أننا في مقابل من نحن، شاعرة مقابل روائية ؟ مردوخ على حد سواء .

سيلفيا بلاث " جرة الجرس " 1963

في كل من شعرها ونثرها صوت بلاث هو مميز مثل إميلي ديكنسون من تركيبتها السردية إلى صورها، من إلحاح روايتها إلى سخرية وصفها، فإن غلاف هذا الكتاب هو خوذة دراجة نارية يضعها القارئ فإن العالم خارج الخوذة يبدأ في الظهور بعيداً، وأقل واقعية، وأقل اقتناع، ومفهوماً، وبالتأكيد أقل احتمالا، "جرة الجرس " هي رحلة في عقل الشاعرة، إنها رواية خطيرة نواجهها .

ديبورا ليفي، " حليب ساخن "

غرق ليفي في التأثير الحداثي الذي ترك آثاره عليها وعلى عملها الأخير " حليب ساخن "، جاء نتيجة لتأثرها بعزرا باوند، ديفيد هربرت لورانس، فرجينيا وولف، جيمس جويس وت . س . إليوت تستكشف من خلالها جوانب غير معتادة من الأمومة قد تصل لدرجة البشاعة أحيانا من خلال علاقة معقدة بين امرأة مسنة تعانى من شلل غامض الأسباب فتصل وابنتها لقرية صغيرة مدفوعتين للبحث عن علاج خارج حدود الطب التقليدى وتنفق الابنة كل ما تملك لعلاج والدتها، وتعانى خلال ذلك من علاقة غريبة وصعبة مع الأم المريضة التى دائما ما تكون غاضبة لحد يقترب بعلاقتهما دائما من حافة الانهيار .

إنها رواية شجاعة حميمية،، غنية بالحواس، أما حواراتها فهي شهادة على مهارات ليفي ككاتبة مسرحية لها رمزيتها، جملها، وحياة شخصياتها الداخلية، ومهاراتها كشاعرة أولا .

كيري هولم، " سكان العظام " 1983

مع هذه الرواية المؤلمة والمروية بغزارة

أسطورية، والمذهلة والمبهجة والمدهشة، كانت كيري هولم أول كاتبة نيوزيلندية تفوز بجائزة مان بوكر وأن كل صفحة فيها أصيلة، موثوقة، خالدة، تنبيهة، حالمة، ترابية، ميتافيزيقية تجعل منها رواية كبيرة حقا، تلخص عالماً واحداً في هذا البلد متعدد القوم مثل أي شيء آخر قرأته، إن تعقيد المناظر الطبيعية، ورفاهية العزلة والظلم، وما زال طابع ما بعد الاستعمار يحمل آثاره السلبية على المكان وقد أصبحت هذه الرواية أكثر وضوحًا الآن من أي وقت مضى، نظراً لأن لحظتنا التاريخية تتصارع مع قضايا الوطنية والتقاليد والتعايش والتسامح، وتقع المسؤولية علينا جميعاً - نحن الشعراء والسياسيين والشعب أيضاً للتعبير بصراحة - .

 

كتابة / الكاتبة الإيرلندية كاولن هيوز *

ترجمة / أحمد فاضل

.................................

* كاولن هيوز كاتبة إيرلندية فازت مجموعتها القصصية " جمع الأدلة " بجائزة Irish Times Shine / Strong، وهي زميلة في مؤسسة جيمس ميريل، مؤسسة بوغلياسكو، ورشة تين هاوس، وحصلت على منحة أدبية، وقد ظهرت أعمالها في عديد الصحف والمجلات الأدبية الرصينة كمجلة " جرانتا " ومجلة " شعر " و Best British Poetry، وغيرها، تقسم وقتها بين هولندا وايرلندا.

عن / مجلة جرانتا الأدبية

 

 

مادونا عسكر"أعتقد أنّ صمت الشّعر والعجز عن كتابته ومأزق الورقة البيضاء هي جميعها جزء من الشّعر نفسه. إنّها النّاحية الخفيّة من الكتابة الشّعريّة. إنّها ما يمكن تسميته ما وراء الشّعر أو ذاكرته الغائبة". (عبده وازن)

صمت الشّاعر الفرنسيّ بول فاليري قرابة الخمسة عشر عاماً قبل أن يكتب قصيدته الطّويلة الرّائعة "بارك الشّابة". ولعلّه صمت قسريّ يخشاه جميع الشّعراء ويشكّل هاجساً حقيقيّاً في حياتهم. ولعلّه شبح العجز الّذي يتراءى لهم كلّما تأكّد أنّ الشّاعر لا يكتب متى يشاء بل ينتظر لحظة وحيٍ تزلزل كيانه وتضرم فيه نار الشّعر فيكتب. قد تكون الفترة الزّمنيّة بين نصّ شعريّ وآخر سنوات، أو أيّاماً أو حتّى ساعات، فهل هو الوحي الّذي يصمت، أم إنّه الشّاعر الّذي ما عاد ينفتح على هذا النّور الموحى به؟ فمن العسير القول إنّ الوحي ينقطع، وذلك لأنّه خيوط نور تتجدّد كالخلق فيكون الإبداع. ومن العسير استحضار النّور عنوةً بهدف كتابة الشّعر. والشّاعر الّذي يصارع ورقته البيضاء لينتصر عليها أتى بنصّ فارغ هشّ فاقد للحياة.

قد يكون مأزق الورقة البيضاء كما يسمّيها الشّاعر الفرنسي مالارميه، هاجس جميع الشّعراء، لكنّه في الحقيقة ليس مأزقاً بقدر ما هو لحظة اتّحاد الوحي بالشّاعر ليكون الاثنان واحداً. فيستحيل الشّاعر هو القصيدة. ولئن كان الشّاعر يتعامل مع هذا الصّمت الشّعريّ كمأزق يضطرب ويخاف من فقدان القدرة على الكتابة الشّعريّة في حين أنّ الشّعر هو الّذي يكتبه وليس العكس. لا بدّ من صمت يفرض نفسه، إنْ على مستوى الوحي أو على مستوى الشّاعر ليتاح للّغة الجديدة أن تولد وتتفجّر من أعماق الشّاعر. فيكون صمت الوحي المتّحد بصمت الشّاعر ذروة الولوج في الشّعر لا أحد يتكلّم ولا أحد يسمع. لحظة تأمّل وارتقاء خالصين إمّا يدخلان الشّاعر في الصّمت النّهائي، وإمّا تولد قصيدة تُنسي ما قبلها ليتجلّى الإبداع خلقاً متجدّداً.

الشّاعر الحقيقيّ لا يكتب ذاته الّتي لا يعرفها يقينيّاً بل ينتفتح على نور الوحي يقطف ومضاته ليكتشف قدراته ويصغي إلى صوته الدّاخليّ، ويتعرّف على ذاته من خلال هذا الوحي. وكلّما تقدّم بالمعرفة ازداد التّأمّل والإصغاء وقد يبلغ هذا الصّمت الكبير الّذي يعتبره مأزقاً في حين أنّه القصيدة الأمّ، القصيدة الحقيقة الّتي هي الشّعر عينه. ومتى استحال الشّاعر لغةً بلغ منتهى العالم الشّعريّ وما عاد بحاجة إلى ورقة بيضاء يسكب فيها ذاته بل احتاج إلى كون أرحب يجسّد فيه هذه اللّغة/ القصيدة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

شاكر فريد حسنيوم أحببتك

داعب قلبي دفء المكان

وطغى سحر حضورك

كأمير قرأته في كتاب

يوم علمتني التحكم بدفة القارب

في مواجهة الأمواج

يوم رقص حولنا المساء

وتبسم لنا القمر

وغازلتنا النجمات

يوم نقر سنونو الزجاج

وطار منتشيا باتجاه الأضواء

ففرت دمعة جوى

فوق ساعديك

فمسحتها وخبأتني بين الاهداب

عندها انكشفت مخاوفي في أول لقاء

فمسحت شعري الطويل

بحفنة حنان

لكني عرفت انذاك

معنى جنة الله في الارواح

عرفت الفردوس في عيون ملاك

صاحبة هذا النص الوجداني الرهيف الشفاف والدافىء، هي ريم أبو ريا ابنة سخنين في الجليل الأشم.

والمربية ريم أبو ريا شاعرة ناعمة ورقيقة تكتب الشعر الحر، ولها حضورها في المشهد الشعري الجديد، تنشر نتاجها الشعري والنثري وخواطرها الأدبية على صفحتها الفيسبوكية، وفي عدد من المواقع الأدبية الالكترونية المحلية والعربية، ولها مشاركات في الأمسيات الشعرية والأدبية.

وكان قد صدر لها مجمع شعري بعنوان " شموخ البيلسان " .

تتنوع مضامين وموضوعات ريم أبو ريا، مما يكسبها رونقًا وجمالًا وبهاءً، ونصوصها مفعمة وممتلئة بالكثير من المشاعر الانسانية الوجدانية والوطنية الصادقة الجياشة.

وفي نصها المنشور أعلاه نجدها شاعرة عاشقة، مجمورة ومكتوية بلهيب العشق، تعبر عن مكنونات القلب، فتخاطب الحبيب وتناجيه، وتحرس حبه بأريج البنفسج وعطره المنثور، فنعيش معها قي أجواء من الرومانسية الحالمة، حيث الحب والشوق والحنان والجوى والاقحوان والنجمات والقمر، ونستشف في كلماتها الكثير من الشفافية والحس المرهف والعاطفة والأناقة المحببة.

كتابة ريم أبو ريا تتميز بتكثيفها اللغوي الشديد، الذي يجعلها تندرج في اطار ما يعرف بقصيدة الومضة أو الفكرة، وهي قصائد غالبًا ما تكون العلاقة مع الآخر/ الرجل هي محور النص، ما يجعل الخطاب موجهًا في الغالب من ضمير الفرد المؤنث/ الشاعرة، الى الآخر/ الرجل، حيث تبثه أشواقها وحنينها وتستعيد معه أجمل لحظات السعادة والفرح، حتى يتحول الى محور عالمها الذي تظل تدور حوله وتستمد منه احساسها الجميل بالحب والأمل.

ويبدو عالم ريم أبو ريا الشعري عالمًا ورديًا زاهرًا تظلله الأحلام، مزركشًا ومرخرفًا بألوان قوس قزح، انه عالم سحري خاص يتميز بنقاوته وجماله ورقته، وهي كزهرة ربيعية يفوح من بوحها رائحة الوفاء والنقاء والبراءة القوية.

ومن نافلة القول، قصيدة ريم أبو ريا تشدنا بعفويتها وأجوائها ولغتها الشعرية البسيطة الخلابة، ولما تتميز به من عدم التصنع في صياغة التعبير، والقدرة على الابحار في نهر المعاني والعبارات، فتنجح في انتقاء المفردة، التي تنساب معها بلا تصنع وبلا نحت متعب للذهن والفكر، ما يجعلها شاعرة جيدة تحث الخطى نحو مستقبل شعري واعد وأخضر.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

خلود البدري.. سفر الذاكرة .

في الإهداء كتب القاص :

" إلى كل من أسعدني، وأيقظ في نفسي طعم الصبا وسحر مذاق

الماضي، ورماني منذ طفولتي إلى ... الحياة

إلى زمن :

عبد الحليم حافظ .ص7

دائما كنت اسأل نفسي كيف كنت أحصل على الكتب ؟

ومن زرع في روحي حب القراءة .. نعم لقد وجدتني أقرأ كل شيء وأي شيء .لا أعلم كيف عشقت القراءة، كنت أقضي الساعات الطوال فيها، كان لا يشغلني شيء عنها، ذاكرتي تحتفظ بذلك. قرأت أمهات الكتب ولا زالت في مكتبتي، لمن تقرع الأجراس، زوربا، الجريمة والعقاب، البؤساء والكثير من الروايات العالمية. كانت كتب جبران خليل جبران معي دائما كالنبي، والمجنون وكنا في مرحلة الشباب الأولى نبحث عن الروايات العربية، ودواوين نزار قباني كديوانه "أحبك أحبك والبقية تأتي ".

وقع في يدي في أحدى المرات كتاب لعبد الستار ناصر "رسائل امرأة عاشقة " بحثت عن رسائل رجل عاشق، أتذكر قرأتهما بشغف، أحببت في هذا الكاتب الروح الرقيقة، الحلم بالسفر ورؤية العالم، الرومانسية العذبة.

قد يسأل أحد ما ويقول: لماذا أكتب هذا اليوم !؟ : اليوم، عادت بي الذاكرة لكل هذا وأنا أطالع المجموعة القصصية التي تحمل عنوان السفر إلى الحب لعبد الستار ناصر، والتي ضمت القصص التالية :النورس في مدريد، خصائص النوافذ، السيد دعبول، أبواب مفتوحة، ثمان قصص قصيرة جدا، السيد، طعم الصبا .

في قصته المعنونه " النورس في مدريد "اخترت مقطعا منها يُظهر رشاقة قلم الكاتب، وحسه المميز في الكتابة ." " كيف لهذا الهاجس ينمو، وأنا في بلد غريب جدا،لا أعرف إنسانا فيه، ولا أفهم حتى هذه اللغة الجميلة الناعمة؟ من ترى يطارد امرأة مثلي، ليس في ملامحها إلا ما يمكن أن ترى في شوارع أسبانيا، بل أدهشني جدا، هذا النفور الأنثوي الطاغي في وجوه النساء، هذه السعة الباذخة في العيون، تسحرني، وأنا امرأة على جانب بسيط من الجمال، كل طفلة وكل صبيّة وكل امرأة تمر حولي،تبهرني، كأني في شارع تتسابق فيه النساء . كنت ألتفت، مرة بعد أخرى،أبحث عن سر هاجسي، أقف فجأة، في منتصف الشارع، أو عند نافورة ماء، أو خلف عمارة أو عند باب سينما، أو قرب مكتبة، أو أحدق في إعلان .. وفي كل مرة، أنظر حولي، خلف ظهري، على يسار يدي علّني أرى هذا الشبح الذي يمرق في عروقي، يشق مساماتي ويدخل أبواب جلدي ..

لكنني أبدا لم أعثر على أحد، أو أثر، أو جواب .. وأهملت البحث عن هذا الكائن الخفّي، وبدأت أبحث عن أسرار هذه المدينة ."

من قصة النورس في مدريد /..عبد الستار ناصر ص42

رجعت بذاكرتي إلى أحدى محطات الحياة، السفر إلى الحب .. إلى صدى الأصوات البعيدة، إلى الشعر من خلال جهاز راديو صغير كان معي انصت إليه في الليل .. لأصوات إذاعية تصدح بقراءة الشعر الفصيح والشعبي،احلق معها حيث العالم الآخر، حيث الخيال الباذخ، لمعلمي الذي عُوقب بعد فوزي بالجائزة الأولى في مسابقة الخطابة، بسبب غيرة زميلاتي في الصف وكيدهن له، أتذكر شخصيته المميزه وأناقته، منذ فترة طويلة أحاول أن أتذكر أسمه، لكني أخفق في ذلك . والسؤال لماذا أتذكر هذه الأشياء الآن هل هو بسبب " السفر إلى الحب " !؟

ضياء نافعتوفي تشيخوف عام 1904، واول تمثال له – وياللغرابة !- تم تدشينه في المانيا عام 1908، وفي المدينة التي توفي فيها، أما في وطنه روسيا، فقد نسوه، بسبب الاحداث الجسام التي مرّت بها روسيا منذ ثورة 1905 ثم الحرب العالمية الاولى 1914 ثم ثورة اكتوبر1917 ثم الحرب الاهلية التي اعقبتها ثم المرحلة السوفيتية الصعبة في العشرينات، وتذكرته روسيا في الثلاثينات، عندما استقر الوضع فيها نسبيا، وهكذا ظهر اول تمثال لتشيخوف في المدينة التي ولد فيها وهي (تاغنروغ) في جنوب روسيا عام 1935، وهو تمثال نصفي تم وضعه امام البيت الذي عاش فيه تشيخوف، وقد حضر في حفل افتتاحه اقاربه، وقصّت شريط افتتاح التمثال اخته مارينا، واندهشت (مع زوجته الفنانة المسرحية اولغا كنيبر- تشيخوفا) من دقة تشابه وتطابق التمثال مع ملامح تشيخوف نفسه . وقد تم استنساخ هذا التمثال بعدئذ في معمل البرونز في مدينة تاغنروغ نفسها، ووضعوا النسخة المستنسخة في ساحة المدينة الرئيسة (الساحة الحمراء)عام 1944، الا انهم أزالوه بعدئذ ووضعوا بدلا عنه تمثالا ضخما لتشيخوف عام 1960 بمناسبة مرور مئة عام على ميلاده، وهو التمثال المركزي (ان صحت التسمية) لتشيخوف في روسيا و لحد الان، وليس من باب الصدفة ابدا، ان سافر الرئيس الروسي آنذاك دميتري مدفيديف خصيصا من العاصمة موسكو الى مدينة تاغنروغ كي يضع باقة ورد عند هذا التمثال، وذلك عندما احتفلت روسيا بذكرى مرور (150) سنة على ميلاد تشيخوف عام 2010، وهو حدث لم يتكرر في تاريخ الادب الروسي ابدا، ولا نرى ان هناك ضرورة للتعليق حول عملية التكريم هذه واهميتها من جانب الدولة الروسية لرجالات الادب والفكر فيها.

التمثال المركزي هذا يقع في مركز مدينة تاغنروغ، ويصوّر تشيخوف جالسا على كرسي وبيده اليمنى كتابا، ويبلغ ارتفاع التمثال اكثر من ثلاثة امتار وارتفاع قاعدته ايضا اكثر من ثلاثة امتار، وتحيطه حديقة غنّاء، وقصة هذا التمثال بدأت عام 1904، اي في سنة وفاة تشيخوف، عندما توجهت مجموعة من وجهاء المدينة بنداء الى مجلس الدوما آنذاك، يطلبون فيه الموافقة على وضع نصب لابن مدينتهم تشيخوف (والتي أصبحت مدينة مشهورة بسببه)، ويعلنون عن تشكيل لجان لجمع التبرعات اللازمة لتنفيذ هذا المشروع، وقد وافقت السلطات المحلية على هذا الطلب في حينها، وتم جمع تبرعات من اجل تنفيذه، وتم نشر اسماء المتبرعين في الصحف المحلية فعلا، الا ان الاحداث العاصفة في روسيا (كما أشرنا آنفا) حالت دون ذلك، وهكذا تم افتتاح التمثال النصفي امام بيت تشيخوف عام 1935، وعلى الرغم من ذلك، تم وضع حجر الاساس في مركز المدينة لذلك التمثال من قبل اخت تشيخوف، الا ان الحرب العالمية الثانية حالت دون تنفيذه، وهكذا وضعوا نسخة من التمثال النصفي كما مرّ ذكره، وعادوا الى تنفيذ الفكرة عام 1960 في الذكرى المئوية لميلاد تشيخوف .

بدأت تماثيل تشيخوف تتكاثر في المدن الروسية المختلفة، وخصوصا في تلك المدن التي ارتبط بها بشكل او بآخر، واهمها طبعا سخالين، التي زارها كما هو معروف وكتب عنها كتابه الشهير – جزيرة سخالين، اذ تم اولا افتتاح تمثال نصفي له عام 1959 في الكساندرفسكي – سخالينسكي، ثم تمثال نصفي آخر في عام 1975 في جزيرة سخالين نفسها، ثم في مناطق اخرى هناك في أعوام 1990 و1994 و1995 و2000، ثم ظهرت تماثيل اخرى في مدن روسية عديدة منها – تومسك ورستوف وسامارا وميليخوفو ...، ومن الطريف ان نتوقف هنا قليلا عند تمثاله في مدينة تومسك، اذ انه تمثال كاريكاتيري غير اعتيادي بالمرّة، وعنوانه – (انطون تشيخوف بعيون رجل سكران يرقد في ساقية ولم يقرأ قصة كاشتانكا)، ويرى بعض الباحثين ان هذا التمثال الكاريكاتيري جاء مضادا لتشيخوف لانه وصف المدينة في احد ى رسائله وصفا سيئا، ولكن اكثرية الباحثين يرون العكس، ويعتقدون ان مدينة تومسك قدّمت لتشيخوف تمثالا فريدا جدا، اذ لا يوجد في روسيا اي تمثال لاي كاتب بهذا الشكل، وقصة كاشتانكا الشهيرة لتشيخوف (والتي جاءت في عنوان هذا التمثال) تتحدث عن كلبة بهذا الاسم ضاعت من صاحبها ويصف تشيخوف معاناتها وحتى مزاجها، ثم وجدها صاحبها بعدئذ، و يكتب تشيخوف كيف عرفته وعادت اليه، وهي قصة معروفة جدا في اوساط القراء في روسيا وخارجها، وقد كتب ايليا ايرنبورغ مرة عن هذه القصة يقول، ان والدته قد هزّته وهي تخبره عن وفاة تشيخوف وتقول له – (لم يعد موجودا ذلك الانسان الذي كتب قصة كاشتانكا).

ولابد من التوقف اخيرا عند تمثال تشيخوف في موسكو طبعا، هذا التمثال الذي تم تدشينه عام 1998 عندما احتفلت روسيا بالذكرى المئوية الاولى لتأسيس مسرح موسكو الفني، الذي يرتبط بستانسلافسكي ونميروفتش دانتشينكو، المسرح الذي قدّم من جديد مسرحية تشيخوف الشهيرة – (النورس) وأعاد لها المجد (ولا زالت الستارة في هذا المسرح لحد الان تحمل صورة النورس)، وهي قصة معروفة في تاريخ المسرح الروسي والعالمي . تمثال تشيخوف هذا يقف امام بناية المسرح القديمة، وهو من البرونز وقاعدته من الغرانيت الاحمر، ويمثّل تشيخوف واقفا برشاقته وتواضعه وهو في حالة تأمل ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

عمار حميدمثل دجاج حُشِر في أقفاص على عجلات كنا كذلك في الستوتة الزاحفة وسط زحام شديد في شارع الجمهورية وقد زُينت من الداخل بورق رخيص رسمت عليه الزهور "لأضفاء لمسة من الجمال !"والصمت يخيم على النفوس بينما يعلو هدير المحركات التي ترفع درجة حرارة المكان يساعدها في ذلك حر لاهب وأسفلت غصَّ بالسيارات التي لاتعد ولاتحصى ليتحول الجو العام الى "أنفيرنو دانتي" ولكن هذه المرة في بغداد حين تتميز بالأنفيرنو الخاص بها، يخطر في الذهن ان دانتي عندما كتب ملحمته عن الكوميديا الألهية (مع التحفظ على بعض تفاصيلها) كان ينعم بأجواء ايطاليا اللطيفة الوادعة ونسيمها العليل فماذا لو عاصر السيد دانتي أجواء بغداد اليوم في صيفها الساخن خصوصا ليكتب القسم الخاص المتعلق بالجحيم (أنفيرنو) هل كان خياله سيذهب بعيدا في وصف جزئها المتمثل في الجحيم بأعتبار انه كان قاب قوسين او ادنى منه او انه كان سيهلك قبل ان ينتهي من كتابة أشعاره مختنقا برائحة وحرارة الأدخنة والغبار وانعدام الكهرباء.

أتصور انه سيقوم بأدخال واستعارة عناصر من الأساطير العراقية مبتدءاً بالأله (أنكي) أله الحرف والمهن والصناعات والمياه العذبة والخصوبة وهو يحزم أمتعته طالبا اللجوء في بلد آخر هاربا من ضيم وجحيم بغداد بدل ان يلتقيه ليكون مرشدا له في المدينة ثم يستعير شيئا كثيرا من ثيمة الحزن المميزة في بلاد الرافدين من خلال فنونها حيث سيقضي دانتي يوماه في جحيم زحام شارع الجمهورية وأسواق الشورجة والرشيد واصفا عذابات الناس هناك ومعاناة الحمالين والباعة المتجولين ثم سيقف بعدها على اطلال قناة نهر دجلة المشرف على الهلاك على يد وحش غريب يدعى (أليسو) مخاطبا اهل البلاد بكلماتٍ غنتها سليمة مراد لسكان أرض الرافدين ، فبعد ان كان يتغنى بـ(على شواطي دجلة مر) صار يعاتب الأن ويقول (الهجر مو عادة غريبة لا ولامنكم عجيبة).

ثم بدلا عن بياتريس (المرشدة التي يذكرها في ملحمته) سيجد مكانها في بغداد طيف تلك المرأة المجهولة التي نظم الملا عبود الكرخي على لسانها قصيدة المجرشة تجلس قبالة النهر المذبوح واصفةً حالة البؤس الأجتماعي والمعيشي الذي لاينتهي على هذه الارض وهي منشغلة بالمجرشة عاكفةً عليها تشكو ان الحروب والقهر قد طحنت الناس وسالت دمائهم انهارا ويتناهى الى سمعه كلماتها التي يكتبها على عجل ... ساعة وأكسر المجرشة وألـعن أبو راعـيها ... في تعبير عن رغبة مكبوتة مغلوبٌ على امرها للثورة على هذا الظلام.

ويستمر دانتي بأنتقاله في جحيم بغداد حيث يرى المعذبين على ايدي الشياطين الذين اتخذوا هيأة وزراء ونواب برلمان يجلدون ظهور المواطنين بسياط من اللهب وهم يركبون عرباتهم المصفحة ذات الدفع الرباعي فيما اتحد كل ثلاثة رؤوس منهم بجسد واحد كناية عن (السيربيروس) وهو من كلاب الجحيم التي ذكرها دانتي في ملحمته الأصلية ينهشون لحوم المعذبين البسطاء ويمزقونها.

سينتهي دانتي من كتابة فصل الجحيم في بغداد ويغادرها ولكن المعذبين في هذا الجحيم أمتد بهم العذاب لسنوات طوال لايعرفون متى سيصلون بعد ذلك الى مرحلة (المطهر) ومابعدها الى (الفردوس)! ، اما انا فنزلتُ لأكمل مشواري مشيا على الأقدام بعد ان يئست من عدم تحرك الستوتة وسط الزحام الشديد.

 

عمار حميد مهدي

 

محمد عبد الكريم يوسفأفكر دائما وأنا أقلب المواقف في الحياة أتدبر فاصلة هنا ونقطة هناك وأسأل نفسي دائما عن رمزية باب السنديان العتيق الذي يفصل حديقتي عن حديقتك وفكرك عن فكري ورؤيتك للحياة عن رؤيتي وكلنا في مسيرة العمر نمر بنفس المسار بين لحظة الأوج ولحظة الحضيض ، بين فرح الأولى الغامر، وحزن الثانية القاهر وكلاهما تحدثان من دون إرادة صاحبها في معظم الأحيان .

لحظة الأوج هي أجمل لحظات العمر وفي أحيان كثيرة نطرب لها ونشعر بالنشوة وأحيانا كثيرة تأتينا لحظة الأوج بعد أن نصير تحت التراب وحالنا حال جميع المبدعين في العوالم المتأخرة عن ركب الحضارة والتي في معظم الأوقات لا تكتشف مبدعيها إلا بعيون الغير .

ولحظة الحضيض من أقسى لحظات العمر لأننا نخسر فيها الكثير مما حققناه بعرق السنين وفي معظم الأوقات تأتينا ونحن فوق التراب وتقطف ثمرات عملنا كما يقطف الخريف أوقات الشجر ويذروها أدراج الرياح وفي لحظات أخرى تأتينا لحظة الحضيض بعد أن نكون تحت التراب وفي هذه الحالة يأكل الآباء الحصرم والأبناء يضرسون .

وبين فرح الأولى وحزن الثانية يصبح المرء حكيما وتصقله تجارب السنين ويدرك أن الفرح والحزن بنفس السوية والحكيم فقط هو من يقابل الفرح والحزن بنفس الدرجة من التروي .

يحكى أنه كان ولي العهد وكانت هي أميرة البلاط في مكان من الهند . وكان هو أجمل أمير وكانت هي أجمل أميرة وما كاد كيوبد إله الحب يهمس لهما أغنيته الرقيقة حتى صارا أجمل حبيبين وكانت سعادة العاشقين حديث الشعب الهندي بأسره. قضى العاشقان أجمل لحظات العمر على ضفاف الأنهار وعلى أطراف السواقي وتحت ظلال السنديان وفي يوم من الأيام أراد الملك أن يقتطع لحبيبته جزءا من الفردوس ويبنيه على الأرض فأقام الحدائق والممرات والمنتزهات وزرع أصنافا لا تحصى من الأشجار والظلال وأجرى العيون والينابيع لتسعد الملكة وتهنأ في عيشها . كانت الحديقة تحتوي من كل بستان زهرة ومن الكروم أصناف وأصناف وكان يرسل من ينظف ممرات الحديقة حتى تمشى الملكة حافية القدمين مرسلة شعرها الطويل متمايلة كغصون الشجر .

وفي إحدى الليالي وهما عائدين في ضوء القمر وإذا بالملكة تصرخ من الألم من لسعة أصابت قدمها ، لينظر الملك ويرى أفعى تنسل بين الأعشاب . لقد لدغتها الأفعى وأفاعي الهند من الشهرة بمكان لأنه الأكثر غدرا على وجه البسيطة والأكثر سمية وتنوعا . سقطت المعبودة الجميلة أرضا تتلوى من الألم لتهمد بعد أن خيم عليها الموت .

جن جنون الملك العاشق وألقى بين أيدي الأطباء ما يمتلك من ذهب وأحجار كريمة مكافأة لمن ينقذ الحبيبة الساكنة لكنهم وقفوا حيارى أما الجسد الهامد فقد فعل السم فعله بسرعة تلك الليلة المشؤومة . بكى الملك بعد ذلك وبكى طويلا وسقى بالدموع الحمراء قلبه وخدوده وقرر أن يقضي باقي أيام عمره بجانب قبر زوجته الحبيبة .

أمر أن يبنى لها قبرا لا مثيل له من الرخام الفريد الملون الشفاف والمرمر الملون اللامع . واستغرق بناء الضريح عاما كاملا . وعندما شاهده الملك الحزين رآه أقل مما تستحق الحبيبة الغائبة جسدا الحاضرة فكرا في قلبه وروحه فأمر بإنشاء الأعمدة والقباب الملونة بجانبه وعاد الملك العاشق الحزين فرأى أن المكان أقل مما تستحق حبيبته الغالية فأمر بإنشاء الأجنحة وتزيين الأعمدة وفرش الممرات بالسجاد العجمي الفاخر وطاب من المصممين إعمال عقولهم واختار أجمل ما في الكون من تصاميم داخلية وخارجية لتزيين المكان بما يليق بها وبجثمانها النائم تحت التراب . وقال لهم: " يا سادتي أريد أن أرى الجنة هنا مهما كلف الأمر ." وصار يتردد إلى المكان كل مساء وصار يزيل من الجوار كل منظر يشوه المعبد الجميل للنائمة الحبيبة .

وفي كل مرة كان يزور بها المعبد كان يعدل هنا ويزيل هناك واستهلك الملك كل خياله في التجميل والتزيين والزخرفة وكان يزوره الكثير من الأمراء ليستمتعوا معه في الجنة الجميلة التي لا مثيل لها .

في يوم الأيام ، كان الملك يتجول في فناء القصر الجميل وخلفه حاشيته والبنائين والمعماريين فوقعت عينه على قبر صغير منكمش بائس وسط هذه الجنة الساحرة التي استخدم فيها كل الفنون والعلوم . التفت إلى رئيس البنائين وقال له: " أزيلوا هذا القبر من هنا ." لقد كان هذا الضريح لتاج محل .

أليس هذا ما يفعله المبدعون مع حبيباتهم والفنانون مع ملهماتهم والأحبة فيما بينهم والأحزاب السياسية مع أنصارها والحكومات مع أعضائها . كلهم يفتقدون الاستدامة في الحب والعطاء ، يأتي الحب دفعة واحدة ويذهب دفعة واحدة .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

عبد الرضا حمد جاسمفي بغداد كتب الاستاذ أحمد فاضل/ بتاريخ 19/05/2018 وتحت عنوان: شارع المتنبي و المدينة الثقافية في جلسة بحثية أقامتها وزارة الثقافة و السياحة و الأثار : الدكتور سعد ياسين يوسف يدعو الى المباشرة بتنفيذ مشروع المدينة الثقافية في بغداد:

[دعا الباحث الأكاديمي الدكتور سعد ياسين يوسف إلى ضرورة وضع استراتيجية ثقافية تتولى رسم الخطط والسياسات الثقافية الرامية للارتقاء باستثمار المواقع التراثية ثقافيا لتفعيل ثقافة المجتمع والحفاظ على المواقع التراثية وديمومتها والمباشرة بتنفيذ مشروع المدينة الثقافية في بغداد واستثمار المواقع بين الباب المعظم وشارع الرشيد والمتضمنة لشارع المتنبي والمركز الثقافي البغدادي وبيت الحكمة والقشلة والسراي ومجمع المحاكم القديم والقصور العباسية ووزارة الدفاع].

.......................

رأي و اقتراح :

نعم شارع المتنبي معلم من معالم بغداد والاهتمام به واضح جداً سواء من محافظة بغداد او امانة العاصمة وفق تصورات و امكانات الدائرتين.

المهم الان الناس او "مرتادي" الشارع اتمنى او يجب ان يلتقوا ليمنعوا "تسييس" الشارع حيث هناك نَفَسْ بهذا الاتجاه نتمنى ان لا يتوسع وانتم تعرفون عندما يدخل السياسة والمال السياسي في ظروف مثل ظروف العراق ماذا ستكون النتيجة...

اقتراحي هو بهذا الاتجاه اي ان يدير المثقف هذا المكان الذي يحب، لأنه سيبحث بصدق عن تطور الثقافة ومن بعدها البلد....سيكون هذا المكان اكبر من شارع فهو يتمدد في شارع الرشيد باتجاه ساحة الميدان وباتجاه تمثال الرصافي وربما سيكون يوما المتحف البغدادي والمدرسة المستنصرية وحتى خان مرجان و جامع الخلفاء.

اتمنى ان "يُدفع" بهذا الاتجاه وان "يُتعاون" حتى ولو بالكلمة الصادقة للمساهمة في نشر المحبة والسلام والحفاظ على هذا الموقع/ الْمَعْلَمْ/ التاريخ/ الحاضر/المستقبل.

صور كثيرة لشارع المتنبي / قلب هذا المجمع الثقافي المقترح اولها واهمها وأجملها ... هي صورة المجتمع العراقي المُتآخ المتسامح المحب للثقافة الذي يمثله المتواجدون في شارع المتنبي كل يوم جمعة صباحاً...تجد العراق كله هناك لغات ...ديانات... قوميات... اشكال... اطوال... أعمار... مستوى معاشي... ومن الجنسين. تلك الصورة الجامعة التي يتمناها محب/ محبي العراق للعراق.

وانت تُقبل عليه (شارع المتنبي) تشعر بالانشراح والتَمَّيز والانفتاح لصور السمو والتسامح والهدوء في الكلام الذي يتراوح بين العادي و الهمس وردود الافعال والاختيارات و تعاملات البيع وزحمة الحضور و تنوع التواجد .

شارع المتنبي و المثقف العراقي هو الجزء الصالح النشط الحي الباقي من كبد العراق الثقافي أن صح القول...هذا الجزء الذي يجب أن يُنشط بالفعاليات والاحتفالات والمهرجانات حتى لا "يتشَّمع" و يفقد الجسم الثقافي العراقي حيويته ويصاب ب"الاصفرار ""النحول "و "الهزال" في طريقه الى "الموت".

في شارع المتنبي تجد كل الافكار وكل الاصدارات وكل المسميات وكل اللغات وكل الفعاليات لثقافية،

ندوات...مهرجانات..."استذكارات"... قراءات... اصدارات... محاضرات... ابداعات... محاولات... لوحات ... ذكريات... قاعات تعليم الرسم للأطفال... القنوات الفضائية... اللقاءات التلفزيونية... المقاهي الشعبية...الاكلات... المشروبات غير الكحولية... الندوات الجانبية... التعارف والمعارض

تجد الأساتذة وبعديد الاختصاصات والمواقع والاجيال كنت تتمنى ان تلتقي أحدهم يوماً... الروائيين ...الاجيال الجديدة من الشعراء... السينمائيين ...المسرحيين... مقدمي البرامج... اساتذة الجامعات وكل المهتمين بالشأن الثقافي. تجد عوائل كاملة...تقلب وتتصفح وتشتري الكتب وتحضر الفعاليات وتشارك وتساهم في جلسات مع من تحب بعيداً عن كل مضايقات...او تتنسم عبق المكان وتتمتع بذلك المنظر المعبر الجميل على شاطئ دجلة الخير. يرافق ذلك مرسى الزوارق الذي تحول الى مسرح عائم .لا يستطيع اي شخص ان يحضر او يشارك في كل ما يجري في تلك السويعات... الحياة النابضة تجعلك تسرع و تتباطئي و تلتقي و تتذكر و تستقبل و تودع و ترحب و يُرَحَب بك.

من يدخل الشارع يشعر انه يُنَظِفْ رئتيه وعينيه واذنيه وخلاياه العصبية من بعض /الكثير مما علق بها/فيها خلال اسبوع من متاعب و أحزن و آلام و ضيق....تجد نفسك هناك اخف وزناً من اي لحظة خلال الاسبوع الذي انتهى بتلك الجمعة لأنك ازحت بعض/الكثير ما حملته على كاهليك من تعب و عصبية... ينزاح هناك لتبدأ اسبوع جديد تتمناه أحسن.

شارع المتني يحتاج الى اهتمام خاص و بالذات/الخصوص من رواده بأن يلتقوا وهم كثر و بمختلف الاختصاصات الادبية والفنية لإعادة تنظيمه و وضع برنامج سنوي لنشاطاته كأن تُشكل لجنه يتم انتخابها من اصحاب المحال و رواد الشارع و المهتمين به و بالثقافة و من كل الاختصاصات بعيداً عن السياسة و العصبيات ...تلك اللجنة تتبنى و تُنظم الفعاليات و تلتقي مع الدوائر الحكومية وغير الحكومية المهتمة بشأن الثقافة و تبحث عن تمويل لتلك الفعاليات و النشاطات...وتتكفل بالاتصال او التنسيق مع النقابات و الجمعيات و النوادي الثقافية داخل العراق و خارجه و تطرح على المعماريون والمصممون والفنانون ان يقدموا مشاريع افكار لتنظيم الشارع و اختيار ما يناسب من الوان و اشكال و مجسمات للأرصفة و واجهات عرض الكتب وبيعها و تأثيث الأرصفة وتنظيم مسابقات لتصميم المطبوعات والتصميم بشكل عام لأن انتشار ثقافة الابتكار و التصميم جزء مهم من أو أحد مفاتيح تطور البلد والتفتح ونشر ثقافة الخيال والتأمل...و العمل على ايجاد/تخصيص مكان مفتوح دائمي للتصميم تنفيذاً او عرضاً ويشمل حتى تصاميم الأجهزة والمعدات والملابس والأحذية وعبوات التغليف والتعبئة والاثاث المنزلية وغيرها.

و العمل على ان يكون يوم خاص فصلي(اربعة ايام في السنه مع بداية كل فصل) للقراءة و تبادل الكتب و التبرع بها بحيث يكون يوم لكتب الاهالي لتشجيعهم على الاهتمام بالكتاب و حركة الكتاب و القراءة و ليس اصحاب المحلات او باعة الكتب فقط ويتم فيه او خلال ساعاته جمع الكتب النادرة و الثمينة بصيغة التبرع او البيع بثمن رمزي من اجل حفظها في طريق تأسيس مكتبة عامة كبيرة في ذلك المجمع محتوياتها من تبرعات الناس... لتكون يوماً مسرحاً عاماً و قاعة تضج بحركة الثقافة للندوات وتوقيع الاصدارات و الاتفاقيات الثقافية و تشجيع حركة الطبع والتوزيع والاعلان والنشر و الدعاية.

يحتاج شارع المتنبي الى وضع علامات ارشادية في المنافذ المؤدية اليه بتصميم متميز من تنفيذ رواد الشارع. وان تتبنى اللجنة المنتخبة القيام بأيام للكتاب في مناطق متفرقه في بغداد و نقترح ان تبدا بيوم في الكرخ واخر في الرصافة لغرض التجربة و متابعة ردود افعال المواطنين فيهما ثم يمكن تطوير ذلك بعد الدراسة.

*يحتاج شارع المتنبي ان يكون فيه مكان مخصص لمبدعي العراق و مثقفيه الذين اسهموا بدور فعال في اي شكل من اشكال الثقافة و ان يكون لكل واحد منهم تمثال نصفي مع لوحه تعريفيه و يوم يقترن بميلاده...كأن يكون للرصافي و الجواهري و السياب و يوسف العاني و جواد سليم او محمد غني حكمت...او الكرملي وبهنام ابو الصوف والقبانجي و علي الوردي و وغيرهم ...بغض النظر عن انحدارهم القومي او الديني او السياسي..

ان تعمل اللجنة على أن يكون هناك يوم للتراث الشعبي للقوميات التي يتشكل منها النسيج العراقي أو المطرز بها و بثقافتها و تراثها...ازياء... موسيقى... مأكولات

اي ان تكون هناك كرنفالات تشيع الفرح والسعادة و تكسر حالة الحزن التي تلف البلد.

ان تطرح اللجنة مشروع تشجير ووضع احواض للزهور و تسقيف الشارع بشكل يتلاءم مع صيف العراق اللاهب يُراعى فيه الجمال و الفائدة البيئية والسرعة في انجازه وتحريكه و ليس بسقف يجعل منه حمام او مسلخ في الصيف وتتبنى اللجنة مشروع استغلال أمثل لشاطئ دجلة المحصور بين جسر باب المعظم و جسر الاحرار.

................................

أقترح ان:

1.تتبنى كل صحيفة تصدر في العراق نصب كشك يحمل اسمها وبألوان جذابة لعرض الاعلانات وبيع الصحف وان يتواجد فيها أحد العاملين في تلك الصحيفة بلباس خاص يشيع الانفتاح والبهجة...وان تُقدم فيها الدعايات لإصداراتها. وان تتمكن شركات الاعلان من البروز هناك وتشجيع ثقافة الاعلان ...

2. توضع اماكن خاصة للمشاريع المستقبلية لتطوير بغداد والمحافظات وتأخذ راي الاخرين بها من خلال الاستبيانات وسجلات الملاحظات. هذا سيفتح المجال لنشاط ثقافي تجاري يزيد من حركة النشر والطباعة والاعلان والتوزيع الذي تعاني كل الجهات من كسادها وتخلفها.

3. يكون هناك يوم سنوي لكتاب الطفل يقام في شارع المتنبي يخصص للطفل وفعالياته بحيث يتحرر الاطفال حتى من مصاحبة اهاليهم لهم ليمارسوا الانطلاق والحرية والفرح وان يُفسح المجال لهم للشراء بأسعار زهيده مدعومة وتبادل الكتب والاستعارة. (تحت انظار الاهل من بعيد نوعما).

4. يكون هناك يوم مخصص لعرض وتبني براءات الاختراع والابداع والمساهمة في نشرها وتسويقها داخلياً وخارجياً... ومن فعاليات هذا اليوم ايضا تشجيع او نشر ثقافة الخيال العلمي وطرح الافكار او المنجزات بكل حريه وان يكون الشعار لذلك: اطرح اي فكرة حتى لو كانت مضحكه او غريبه، حتى لو كانت تقترب من الجنون لنشيع ثقافة الخيال العلمي التي لا تُمارس وربما لم يفكر بها وبأهميتها البعض.

5. يكون في شارع المتنبي يوم خاص للنكتة والقاء الحكايات والقصص القديمة التراثية والاغاني الشعبية.

6. يكون هناك يوم يخصص للأزياء الشعبية او التنكرية يشمل المتجولين واصحاب المحلات.

7. يكون هناك مكان للمواقع الالكترونية العراقة المهتمة و المهمة مثل (مؤسسة المثقف العربي) و(مؤسسة الحوار المتمدن) و(موقع الناس) و(موقع ينابيع العراق) و غيرها حيث الكثير من رواد الشارع هم من كتاب و متصفحي تلك المواقع كما لمسنا و عايشنا...

أسسوا تلك الهيئة و ادعوا الى انتخابات حرة لها في يوم محدد... ليتقدم كل راغب ليطرح افكاره و مقترحاته... ويحدد يوم له تاريخ ثقافي للانتخاب بشكل علني في الشارع و امام الجميع... وتُشكل اللجنة لتجتمع و تحدد نظام /طريق عملها بروح ثقافية عالية و شعور عالي بالمسؤولية

اذهبوا بارتياح و شفافية و صدق الى تجربة الحياة الصح التي ما عاشها الكثير منا لحد اليوم وهي حياة التعاون والابداع والامل والتضحية والبناء للمستقبل.

هل من مجيب ينتفض على الحال ويلتقي مع آخرين مثله ليكسروا (أحنه ما علينه)... ليكون شارع المتنبي موقع دائم لمهرجان ثقافي عراقي يستطيع ان يكون عالمي يوما ما.

ان شارع المتنبي بدون الفعاليات والتنشيط والتنظيم سيتحول الى بازار لبيع الكتب او الى مقهى كبير تعاد فيه الجمل و الاماني البعيدة فقط.

نتمنى ان يزداد الاهتمام به فوق المُلاحظ من اهتمام محافظة بغداد وامانة العاصمة وبعض دور النشر واهتمام الأساتذة من خلال تواجدهم...لكن التنظيم والتفكير الدائم به والابداع في انشاء واقامة الفعاليات يكسر الرتابة التي اكيد تتسلل اليه مع الوقت.

العراق بلد فيه شعب مر بالكثير و تحمل الكثير و عاش الكثير ...شعب منه و فيه اجيال ولدت والقصف والموت والدمار و العوز والمرض يحيط بها او احاط بها اينما توجهت...فلنجعل من هذا المكان او المركز او المنطقة الثقافية مكان للتأثير في الاجيال و اشاعة الامل فيها و السعادة و البحث عن النجاح و تبنيه و دعمه.

اتمنى ان يحفزنا هذا الطرح على ارتباكه و بساطته للتفكير بالعراق وبالذات الوجه الثقافي له وان يلتقي المثقف العراقي في الداخل والخارج لإنجاز مشروع ثقافي يستمر ليساهم في المحافظة على العراق المتنوع.

 

عبد الرضا حمد جاسم

عبد الباسط محمدتتكاثف الغيوم فى الافق شيئاً فشيئاً فتتكون السحب، وتتراكم السحب ببطء حتى يتحول الغيم الى مطر. غير أن المطر، الذى قد يكون بشرى خير وبركة، قد يستمر فى الهطول حتى يتحول الى سيل عارم . وهنا تنقلب البشرى الى كارثة وبدلا من الارتواء والازدهار يكون الخراب. ما اشبه هذه الغيوم بالتغيرات الدراماتيكية التى احدثتها الانترنت والهواتف المحمولة التى تكتنف مختلف الطبقات والعلاقات فى عالم يرفع شعار "التغير هو الثابت الوحيد" .

ولقد أضحت الانترنت وعائلتها او بالاحرى ثقافة الشاشة كما يشير اليها الكاتب أحد الموضوعات التي باتت تفرض نفسها على بساط النقاش والتمحيص لالحاحها وطغيانها على العلاقات بين بنى البشر و بين إخوانه من البشر، حتى أن كثير من المفكرين يصيفون هذا العصر بعدة أوصاف حيرتهم فوضعوها في شكل تساؤلات منها هل هو عصر العلم و التكنولوجيا؟ أو عصر الذرة و الرعب النووي؟ أم عصرا الاغتراب والقلق و الوحدة؟

و في ضوء ذلك فهم يرون أن أزمة الإنسان المعاصر إنما ترجع في صميمها إلى اغترابه عن الطبيعة و عن الأخرين بل حتى عن ذاته الذى انسلخ منها واصبحت كل افعاله وتصرفاته كما الاخرين الذين يقطنون العالم الافتراضى، لذلك يحدث الصراع و التوتر بين الفرد و واقعه الخارجي و يسؤ توافقه مع نفسه ومع الأخرين.

فبالرغم من إيماننا الكامل بعظيم الاثر الايجابى الذى خلفته الانترنت وعائلتها فإننا كذلك نؤمن بعدم وجود نظرية مثلى كما علمتنا الادارة وإذا كان الامر كذلك فإن التساؤل الذى يطرح نفسه فى رحى القضية .

هل حقاً ادت الانترنت وسائر تطبيقات التواصل الاجتماعى بهشاشة بالعلاقات الاجتماعية؟ وتاتى إجابتنا على هذا التساؤل أسفاً بالإثبات .

حيث جعلت الإنسان يقضي أغلب وقته وهو مطأطئ الرأس تجاه هاتفه الذكي أو جهازه الذي يمتلكه، فتمر الساعات دون أن يشعر. بل انه يحدث ذلك احياناً بأن يجلس أعضاء الاسرة بالساعات في المنزل ولا تسمع لهم صوتا، فكل واحد يكون في حاله ومع نفسه تقريبا، فضلاً عن وسائل المواصلات التى لا تخلو من ذلك أيضاً .فتجد الشخص مشتركا في عدة وسائل "كتويتر" "وفيس بوك" "وانستجرام" أو" اسكايب" يخرج من هذا لذاك. بل الادهى من ذلك ان تحادث الام بنتها وهى فى المطبخ والثانية فى حجرتها.

اليس لتلك المقدمات نتائج تعصف بالعلاقات الاجتماعية، وتخلف البرودة العائلية، وتضعف النوازع الانتمائية للاسرة . بل أننى أزعم أنها تؤدى إلى إحداث خلل في العمليات البيولوجية التي تتطلبها حالة التفاعل الشعورى والعاطفى مع تلك العلاقات .

فالخطر هو ليس أن يتحول العالم الى عالم افتراضى تختلف فيه الثقافات وتنصهر بداخله العلاقات فحسب، بيد أن مكمن الخطر هو أن هذه التغيرات تتفاعل مع بعضها بشكل خفى، الى أن تؤدى الى ظاهرة اخرى تسمى بالافلاس الفكرى. سنسلط عليها الضوء فى مقام غير هذا المقال لخطورتها الدامية.

وإذا كان ذلك كذلك فإن على عاتق وسائل الأعلام يقع – دورًا إستراتيجياً في تسليط الضوء وتوعية المتعاملين بأضرار وسلبيات أدوات التكنولوجيا، وحثهم على الاستخدام الانسب المتوازن الذى بمقتضاه لا يجعل السلبيات تقفز على الايجابيات. فلا ينبغي لنا التخلى عن هذه التوعية بحجة الانفتاح الحضاري والثقافى.

 

عبد الباسط محمد

فاروق مواسيلن أتوقف هنا على تعريف الموشح، وبداياته، وفنونه وأغراضه، وأشكاله، وما صدر عنه من كتب، ومن نظم فيه من وشّاحين، بل سأتوقف على سبب التسمية، وذلك من خلال مطالعاتي في مصادره، والمصادر عنه.

..

الموشح (موشح أو موشحة أو توشيح، وتجمع على موشحات أو تواشيح) من الفعل (وشّح)- بمعنى زين أو حسن أو رصع. وهو فن شعري يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي في أمور عدة، وذلك بالتزامه بقواعد معينة في الشكل الشعري، وبخروجه أحيانًا على الأعاريض الخليليلة، وباستعماله اللغة الدارجة او العجمية في خَرْجته، ثم باتصاله القوي بالغناء الذي استلزم هذا التغيير في أجزاء البيت (أي مجموعة الأقسام).

وقد اصطلح النقاد على تسمية هذه الأجزاء بمصطلحات هي :

1- المطلع 2- القُفل 3- الدَّور 4- السِّمط 5- الغصن 6- البيت 7- الخرجة

وثمة تسميات أخرى للتوزيعات المختلفة.

..

يقول ابن خَـلدون في مقدمته أن هذا النَمَط الشعري برع فيه أهل الأندلس:

"وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق فيه الغاية، استحدث المتأخرون منهم فنًا منه سموه بالموشح، وينظمونه أسماطًا أسماطًا وأغصانًا أغصانًا، يكثرون منها، ومن أعاريضها المختلفة".

(المقدمة: ص 583 المطبعة التجارية- القاهرة)

..

سمي هذا الفن بالموشح لما فيه من ترصيع وتزيين وتناظر وصنعة فكأنهم شبهوه بوِشاح المرأة المرصع باللؤلؤ والجوهر.بأشكاله وتطاريزه.

يقول صاحب لسان العرب نقلاً عن الجوهري في "الصحاح":

"الوشاح- بضم الواو وفتحها- يُنسج من أديمٍ عريض، ويُرصّع بالجواهر،وتشده المرأة بين عاتقيها وكَشحيها.

وهو كذلك في (لسان العرب):

"كِرْسانِ من لؤلؤ وجوهر منظومان مُخالَفٌ بينهما معطوف أَحدُهما على الآخر، تَتَوَشَّحُ المرأَةُ به."

(الْكِرْسُ : الْقَلاِئدُ الْمَضْمُومُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ هِيَ مِنَ الْوُشُحِ وَنَحْوِهَا، وَالْجَمْعُ أَكْرَاسٌ. وَيُقَالُ قلادة ذَاتُ كِرْسَيْنِ، وَذَاتُ أَكْرَاسٍ ثَلاثَةٍ، إِذَا ضَمَمْتَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ".

ملاحظة: لم يرد معنى "الموشح" بمعنى النمط الشعري في (لسان العرب) ولا في المعاجم القديمة.

المراد بالعاتق: مابين العنق والكتف، وبالكَشح: الخاصرة التي يدور الحزام حولها.

..

يبدو أن الاسم جاء كناية عن إضافة البهجة للشعر الغنائي، فالموشح وُضِعَ للغناء، وذلك لما فيه من زينة وتنويع. يتضمن الوشاح لؤلؤًا وجواهر مصفوفة بالتناوب، والموشح مصنوع من أقفال وأدوار بالتناوب، والشبه ظاهر، وذلك في اختلاف الوزن والقافية.

..

يصف حبيب حزان في كتابه الموسوعي المغمور عن الأندلس (الأدب الأندلسي) ، ج2، ص 1059 الوشاح بما فيه بعض التفصيل:

" الوشاح: قلادة من نسج عريض ترصع بثمين الجواهر على حاشيتيها من اليمين واليسار بصفّين يتقابلان في عقدة، ويتنافران مرة أخرى، وهكذا يستمر الترصيع بين التلاقي والتباعد، فيشكلان رسمًا جميلاً وبه تتحلى المرأة حيث تضعه على عاتقها الأيمن، وتعقد طرفيه على كَشحها تحت إبطها الأيسر".

..

يضيف محمد عناني في كتابه (الموشحات الأندلسية، ص 21) رأيا آخر:

"ولعلهم استلوا المعنى من "الموشحة" من الظباء والشاة والطيرالتي لها طرّتان على جانبيها".

(الطّرة القطعة الجانبية المختلفة).

..

هناك من رأى أن اللفظة سريانية "موشحتا"- (ܡܘܫܚܬܐ)- أي بمعنى "إيقاع" أو "ترتيلة من المزامير". وهذا الرأي مؤسس على أن الموشحات ظهرت في المشرق العربي، وتأثرت بشدة بالموسيقى الكنسية السريانية، حتى أن الردّات في أقدم الموشحات كانت تحوي ألفاظا سريانية.

(صلاح فضل: طراز التوشيح، وفي عدد من المواقع على الشبكة).

أما مصطفى صادق الرافعي فيسوق رأيًا آخر في سبب التسمية:

" الموشح، ويقال له التوشيح أيضًا، والذي نراه في أصل هذه اللفظة أنها منقولة عن قولهم "ثوب موشَّح"، وذلك لوشي يكون فيه، فكأن هذه الأسماط والأغصان التي يزينون بها هي من الكلام في سبيل الوشي من الثوب، ثم صارت اللفظة علمًا".

 

ب. فاروق مواسي

.........................

تاريخ آداب العرب، ج3، ص 140- دار التوفيقية للتراث.