علي الباشاحين خطوت لأخرج من غرفتي، كان الخوف مني على مسافة ذراع . كان وجودي بقربها خطيئة، وخطيئتي الكبرى أني فارقتها عند المساء. كان فراقاً مُراً علقماً كمن يجتث روح مظلوم في "الساحة العامة"[1] ويكبّر فوقه إني أرى يقيناً: أن أذبحك، لا بل أصلبك، لا بل أرجمك، كلمات نتنة تجترها أفواههم كخنازير تأكل قذارات من غير عناء.

بعدها تساوت الألوان، وليست كل الألوان، وظهرت الغابات على حقيقتها، والمساحات الوردية التي افترشت نفسها أمام ناظرينا ما هي إلا مستنقعات تصطاد أحلام الأزهار وتقتل العصافير في مهدها. لم تكن سوى غُولاً ذاك الذي خوفتنا منه العجائز على ضوء السراج، لا بل ذاك " الهرط" [2] الطويل حين يبتلعنا الخوف فنهرع لضم أمهاتنا وتمنعنا القوانين التي سنتها الحروب. تلك التي منعتني أن أقضي ليلة واحدة معك بجوار "مقبرة الشيخ عقيل" [3]، تلك التي لفّت حول عنقي ألف ليلة أخرى، تنقر فيها الطير رأسي ثم أهرب من طوفان النوحيات وأصلب نفسي على "دوّار الدلة"[4] كشاخصة في الطرقات . يرمقني أهلي من بعيد وهم ممنوعون من الاقتراب، وتقبلني النسوة المارات كالسيارات. يا لحظة تفوح منه رائحة المسك والعنبر! ثمَّ أشتري قلادة كُتب عليها الله أكبر، وأقف بين الشهداء في مقبرة "اعزاز"[5] أصلي صلاة الخائف على جسدي المسجى أمام ناظري، وأتدرّب على حرب المشاعر المقدسة وفي عنقي بيعة ورهان درع ليهودي.

حاصرتني الآلام حصار الأيام الثكلى التي تبكي على من فارقها، وتنوح كل يوم ولا تتعب: أنا أم الشهيد، أنا زوج الشهيد، أنا أخت الشهيد، أنا بنت الشهيد. تهيل عليه التراب وتنتظر يوم القيامة بفارغ الصبر لتأخذ حقها. تلبس عليه السواد وترفض كل اغراءات المصابيح . فأيّ هاجس أكبر من هاجس الروح بالفراق، وأيّ ورد يليق بالمقابر تلك التي نلقيها فوقها لتستبغ برطيبها ألم الفراق.

ذاك الألم الذي يأكل ذاكرة المغتربين كدودة دالية خضراء، يوقفهم عند الحدود ويدقّق أوراقهم : من أنتم ؟ لقد ضاعت السجلات. لكن وحدها البوابات تلك التي تتذكر الوجوه، وجوه المتصوفين الذين أتعبهم الانتظار على أبواب الأولياء، وناموا على مفارق الأحزان في خيم الذكريات.

كل يوم، يقف على باب ذاكرتي هاجس يدفعني بشدة لاحتضن "مئذنة الجامع الكبير" [6] وكلما اغفو يهزني الشوق فاستيقظ فزعاً .. إنهض، كيف ينام العشاق "وما أطال النوم عمرا"!  ثمَّ أقول، يا لخوف فؤادي من غدٍ تركض عقاربه مسرعة، تسبقه خطوات الموت، تأكل أعمار المتنزهين على شواطئ الحرية كل يوم، وتنتحر الأماني المزروعة بين " الألغام" [7] وتسقط سنابل الحنطة كشواهد قبور أسقطتها جحافل البربرية.

لا يمكنهم -مهما فعلوا- أن يهزموا الحب السرمدي الذي بيننا وشرانق من " التوت"[8] منه ابتنينا. ينتابني كلّما سمعت اسمك رهبة الخشوع وأنا واقف في " رسوم المستجاب"[9] استمده من حنين أبو فراس الحمداني " وجعلت منبج لي محلا"، ويلتصق ريح " الزيزفون"[10] في ذاكرتي اشتمه بعمقٍ كريح يوسف حين ربي لدعاء يعقوب استجاب.

أدفن أنّاتي في سواجيرك حلماً "غُزيلّياً"[11]، وأراقب من خلال نافذتي عصفوراً يبني عشه من جديد تحت كرمة العنب، واعتصر ألمي من زيتونك زيتاً يضيء طريق المعثرين بين أزقة الجنة الموحشة. وأبحث كل صباح فوق وسادتي عن فسيفساء دراويشك بين" فلافل الفيحاء وفول يشار ومشبّك جالو " [12]. وحينما أنهض من فراشي أتعثر بركام" مبنى البريد"، فأكسر قلمي الرصاص لأبريه من جديد.

العتبة المقدسة أمام باب منزلي تنتظر قدمي لتعرج معي، ومفاتيحي التي في جيبي تذكرني كل يوم أن أتحسسها. تلك الأحلام سقطت مني سهواً جميلاً حين خطوت حاملاً في جعبتي "نشيج الزيزفون"، ولا شيء يملؤ دفاتر مخيلتي سوى رشفة قهوة سديمية تحت أشجار اللوزية الخضراء عند "ضوء القمر" .

 

د. علي الباشا

كاتب سوري، مقيم في السويد

.......................

[1]  إشارة إلى الساحة العامة في منبج.

[2]  شخصية خرافية مخيفة.

[3]  مقبرة معروفة في منبج.

[4]  أحد الساحات " دوار في منبح" صلبت فيه داعش الشباب بعد قتلهم.

[5]  مدينة اعزاز شمال سورية، حيث تم دفن ابن أخي.

[6]   الجامع الكبير في منبج.

[7]   الألغام التي زرعتها داعش وحصدت الأرواح.

[8]  قول ابن الوردي عن منبج: منبج أهلها حكوا دود قز عندهم تجعل البيوت قبورا * رب نَعِّمْهم فقد ألفوا من شجر التوت جنة وحريرا

9  قول أبو فراس الحمداني: قِف في رُسومِ المُستَجاب وحَيِّ أَكنافَ المُصَلّى * فَالجَوسَقُ المَيمونِ فَالسُقيا بِها فَالنَهرُ أَعلى * تِلكَ المَنازِلُ وَالمَلاعِبُ لا أَراها اللَهُ مَحلا * أوطِنتُها زَمَنَ الصِبا وَجَعَلتُ مَنبِجَ لي مَحِلّا

[10]  شجرة الزيزفون، شجرة مالوفة في منبج.

[11]  قول محمد منلا غزيّل رحمه الله : وأطياف منبج عند المغيب وأحلام منبج بين الشجر.

[12]  محلات يعرفها أهل منبج.

 

باﻷمس وأنا اتنقل بين الصحف الإليكترونية، وأتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وأتقلب هنا وهناك بين القنوات الفضائية، وقعت بالصدفه على فلم  The حميد طولستDiscovrey أو La découverte  الذي حاول مخرجه "تشارلي ماكدويل" الإجابة عن التساؤلات المحيرة والمقلقة لإشكال وعي الإنسان، من دون غيره من الكائنات الحية، بأنه يحيا ويعيش ويفنى، وجهله التام بالغاية الخفية من تربص الموت به، لإنهاء وجوده الدنيوي، وانتزاعه من ملاذاته الحياتية، وحرمانه من رغباته وشهواته التي يزداد تمسكا بها كلما تقدم في العمر وتوغل في الحياة، وذلك من خلال قصة لــ"جاستن لاثر" التي تحكي فيها عن توصل عالم وباحث الكبير -"توماس هاربور" الذي لعب دوره في الفلم الممثل المقتدر "روبرت ريدفورد"- إلى إثبات علميا وجود حياة بعد الموت، الإكتشاف الذي دفع، بعد سنة، بالكثيرين إلى الإنخراط في تجربة الإنتقال إلي العالم الآخر، عالم الروح ، على أساس أن الموت ليس إلا خطوة ثانية بعد خطوة الحياة، وعتبة مرور إلى اللامتناهي الأبدي، وذلك فرارا من كل ما يشوش على طبيعة وجود الإنسان وآفاق كينونته، إلى عوالم الروح، التي اختار البعض العبادة والتصوف وشدة الإيمان والتقرب من المولي عز وجل، كوسيلة للولوج إليها،  واتخذ البعض الآخر التأمل والسكون والتصوف و"اليوجا" كسبيل لبلوغها، وتعاطي فريق ثالث "أقراص الروح" كطريق للوصول إلى عالومها الخفية ... كأقراص الـ" دي إم تي"، ونبات "الأياوسكا" الذي كانت قبائل الأمازون تتناولها خلال طقوسهم الدينية لتحقيق وهم الحقيقة الكاملة المُخَلِّصة من صدمة الموت القاسية، وما يعيشه بسببها من حياة مزدوجة بين واقع ملموس مرئي بالأعين البشرية، وعالم خفي معروف ومدرك بالروحه، ويصعب رؤيته خباياه إلا بالبصيرة  أو العين الثالثة، التي نبهنا الله عز وجل لوجودها، والمغطاة بغطاء يمنع العقل البشري من إدراك ما خفي عنه منه، لسلامته، بدليل قوله تعالى "لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ منْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ". تلك العين التي يكشف عنها الله لمن يشاء، ويفتح عليه فتوح العارفين، فيطلعه عما خفي عنه من ذاك العالم، الذي لا يستطيع أي سويٍّ من بني البشر أن يمنع نفسه من التفكير فيه والإنشغال به، والذي برع كل من "روبرد ريدفورد" و"ريتشار أورورك"و"كتري ديمارتينو" و"رون كندا" في  تشخيص الإشكال  بفنية عالية.

 

حميد طولست

 

محسن الاكرمينفي متحف النسيان ممكن أن يسكن الماضي برفق بدون تنبيه يقظة مفزعة، في متحف التناسي ممكن أن يصبح الماضي امرأة تركت عطرها الفواح عند من يعشقها حيلة للعودة بسحبه. من عجزنا الجماعي استراق سمع خبايا المستقبل من سماء الأرض، حينها ممكن أن نتسلح بمغامرة التغيير و فض بكرة غد خبايا المستقبل.

من حساباتنا الخاطئة أن تبقى أسلحتنا الفكرية والعاطفية المحولة نحو المستقبل بدائية، من سوء نزوة إرضاء غرورنا المتدفق بالكبرياء نحرق مراحل الطريق دون أن نقف بمتسع الوقت الكامل لمعرفة الوصايا العشرة للألواح والوقوف على علامات ترقيمها.

من أصعب الإشكالات غير المفككة حين تفشل قدرتنا على التعامل مع سماء الغيبيات العلوية والسفلية، حين لا نستطيع إيجاد ايجابيات سواء كانت كلية أو جزئية عن الظواهر الغيبة غير المتحكم في نتائج قدريتها علينا. من سوء تقديراتنا حين نسقط الحزن والحب من أوراق كتاباتنا و تفكيرنا، حين ينتهي الوجع برسم الشفاه على مرايا الحياة بالتنوع الممتد غير المنتهي، حين نعيش بالتعب الحامل لكل همومنا ومآسينا، حين تكون البدائل الممكنة أوالمفكر فيها أسوء سوءا، ويمكن من خلالها أن نخسر فيها قلوبنا وأفكارنا ووهج الحياة الباقي، حين تخفي علينا شهب السماء الساقطة استراق محددات الخسائر بمبدأ تدبير المخاطر. حين ذاك ممكن لشر التملك والكبرياء أن يتقوى علينا سوءا ويفسد النور الآتي حتى من نوافذ الهواتف اليدوية.

 نقط التشابه تلعب أحجية الرعب الآتية من جدران كئيبة، نقط التشابه أفسدت الزمن الجميل وتعيش الفوضى وسوء الترتيب، نقط التشابه بدأت البحت عن ألوان جديدة لسماء الحقيقة حين تضيع ولا تعتدل، حينها تبدأ في تقليص عددها وصناعة فواصل الاختلاف.

هي الحياة الخاطئة حين آمنا أن الحب لا يهرم ولن يتحرش بذوات خلافاتنا، حين آمنا به كما سمعناه عند مغنية أم الشرق. هي الحياة أحببنا أم كرهنا لها مقاطع عديدة ملتصقة بالمرآة الخاصة لكل منا ولن تزيح وجوها منها حفظا للماضي الجميل، هي الحياة التي لها اللحظات الصامتة ولا بوح جماعي، لها الصورة النمطية المسوقة بإرفاق بسمة أو دمعة بالتناوب غير العادل.

لنشتغل على قوى التغيير، فممكن أن تكون البدائل أسوء فنخسر الآخر والذوات، ممكن أن تكون الحصيلة مفصلية حياتية تقتضي إعادة الترتيب، ممكن أن نصنع من  اللحظات المقطعية من حياتنا عشق الفرح وحلم الأمل بفواصل متلاحقة، ممكن لفكر الصياد الطماع أن يخرج عفريت سليمان من قمقم سجنه الأزلي، ممكن للعفريت ألا يرضي كبرياء طلبات الصياد، وممكن أن يهدد العفريت الصياد بالقتل، لكن ممكن لعقل الصياد المفكر وقلبه الهادئ أن يرجع الجني إلى فانوسه بأمان.

 

محسن الأكرمين

 

عبد الله الفيفيما تنفكُّ عُقدة العَرَب الحضاريَّة المعاصرة تَحْمِلُهم على أن ينسبوا كلَّ فضيلةٍ إلى الآخَر.

إنه الاستلاب. 

يكفي أن تتمشَّى في شوارع مدينة (الرِّياض) لتُدرِك ذلك الاستلاب اللغوي الحضاري. ولم تَعُد العُقدة غربيَّة فحسب، وإنما أصبحت عالميَّة أيضًا، فكلُّ ما ليس بعربيٍّ جميلٌ عند العَرَب! سترى مفردات هنديَّة، وفارسيَّة، وتركيَّة، وفرنسيَّة، وإنجليزيَّة، وصينيَّة، المهم أن لا تكون عربيَّة، وإنْ لم يكن لها معنى! أو ربما استُعملت كلمة عربيَّة ظنًّا أنها أجنبيَّة! 

والبدعة الجديدة هي نسبة ما يصح أن يكون عَرَبيًّا إلى الأجنبي، كالقول في كلمات يمكن أن يكون لها وجهها من لسان العَرَب إنها يونانيَّة أو لاتينيَّة.  ونضرب مَثَلًا بكلمة "لَجْنة".  جاء في بعض المعجمات المعاصرة، كمعجم "المنجد في اللغة والأعلام" عن مفردة (لجنة): "الجماعة يجتمعون للنظر في الأمر ويرضونه.  وهي إمَّا يونانيَّة من (ليجون)، أو لاتينيَّة من (ليجو)."

  نعم، كلمة (لَجْنة) من مُحدَث الاستعمالات، فليست بمستعملة- فيما أعلم- في تراثنا العَرَبي.  ولم أقف على استعمال الكلمة، في شِعر أو نثر، قبل القرن العشرين الميلادي. قال (أحمد فارس الشدياق):

ألم تر أربابَ المعارفِ عَوَّلَتْ

                     عليهِ ومنهمْ عارفٌ شَرَفَ العَرَبْ

تَحَرَّى غناءَ الناسِ في نَظْمِ لَجْنَةٍ

                      تُجَدِّدُ رَسْمَ العِلْمِ في سالفِ الحِقَبْ

وقال (محمَّد توفيق بن أحمد بن علي العسيري العباسي، 1304- 1355هـ= 1887- 1937م)، الشاعر المِصْري، نِسبته إلى قبيلة (العسيرات)، النازل قِسمٌ منها بمِصْر العليا، ويقال إن هذه القبيلة تنتمي إلى (العباس بن عبد المطَّلب):

لَجْنَةُ التَّوفيقِ أَرضَى حُكمَها

                    إِنْ أَبَــى سَعدٌ وإِنْ يَستَثقِلِ

أمَّا في لغة العَرَب قديمًا، فنجد قولهم:

"لَجَنَ الوَرَقَ يَلْجُنُه لَجْنًا، فهو مَلْجُونٌ ولَجِينٌ: خبَطَه وخلَطَه بدقيقٍ أَو شعير. وكلُّ ما حِيسَ في الماء فقد لُجِنَ. وتَلجَّنَ الشيءُ: تَلزَّجَ... أَبوعبيدة: لَجَّنْتُ الخِطْمِيَّ ونحوه تَلْجينًا وأَوخَفْتُه إذا ضربتَه بيدك ليَثْخُنَ... وتَلجَّنَ القومُ إذا أَخذوا الورقَ ودَقُّوه وخلطوه بالنَّوَى للإِبل. وفي حديث جرير: إذا أَخْلَفَ كان لَجِينًا؛ اللَّجينُ، بفتح اللام وكسر الجيم: الخَبَطُ، وذلك أَن ورق الأَراك والسَّلَم يُخْبَطُ حتى يَسقُط ويَجِفَّ ثم يُدَقُّ، حتى يتَلجَّن أَي يتلزَّج ويصير كالخِطْمِي. وكلُّ شيءٍ تلزَّج فقد تَلجَّنَ، وهو فعيل بمعنى مفعول. وناقةٌ لَجُون: حَرُون... قال ابن سيده: اللِّجانُ في الإِبل كالحِرَانِ في الخيل. وقد لَجَنَ لِجانًا ولُجونًا وهي ناقةٌ لَجُونٌ، وناقةٌ لَجُون أَيضًا: ثقيلة المشي، وفي الصحاح: ثقيلةٌ في السير، وجَمَلٌ لَجُونٌ كذلك. قال بعضهم: لا يقال جمَلٌ لَجُونٌ إِنما تُخَصُّ به الإِناثُ، وقيل: اللِّجانُ واللُّجُون في جميع الدواب، كالحِرَانِ في ذوات الحافر منها. غيره: الحِرانُ في الحافر خاصَّةً، والخِلاء في الإِبل، وقد لَجَنَتْ تَلْجُنُ لُجُونًا ولِجانًا."

(ابن منظور، لسان العَرَب المحيط، (لجن)).

أفلا يمكننا القول، بناء على هذا الاستقراء اللغوي: إن لكلمة (لَجْنة) وجهًا من العَرَبيَّة، يغنينا عن الزعم أن أصلها يوناني أو لاتيني؟  وضبطها بفتح اللام، لا (لِجْنَة)، بكسر اللام، كما نسمع نطقها أحيانًا، ولا (لُجْنة)، بضم اللام. وجمعها (لِجان)، بكسر اللام.

لَجَنَ الشيءَ يَلْجُنُه لَجْنًا: خلَطَه، وحاسَه.  وهل اللَّجنة إلَّا خليط من الناس؟

وربما كان دور اللِّجان كذلك أن تحوس الأمور حَوْسًا، لتستخلص منها ما تتمخَّض عنها من نتائج!

ومن جهة أخرى فإن اللِّجان تلجِّن الأمور، أي تمزج الرؤى حولها، وتدرسها، وتخبطها، وتدقُّها، وتسهِّلها، حتى تلزِّجها تلزيجًا، وبالجُملة تطبخها طبخًا حتى تستوي، أو ربما تَفْسُد كأيِّ طبخة!  وكلُّ هذا له أصلٌ من المادة اللغوية (لجن)، كما رأينا.

على أن بعض اللِّجان كالإبل اللِّجان، أي الثقيلة في المشي!  تأخذ بالحكمة القائلة: "في التأنِّي السَّلامة وفي العَجَلة النَّدامة"!

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

مادونا عسكر"الخالد بتقديري هو من خطا بجماعته خطوة حاسمة في الميدان الّذي تفوّق فيه. الخالد هو الّذي جعل وسطه، بفضل جهوده، خيراً ممّا كان قبل ولادته. الخالد هو الّذي ثقّف وأنمى جانباً من الشّخصيّة العامّة، فكان له في تكوينها أثر لا تمحوه الأعوام والدّهور." (ميّ زيادة)

بهذا المعنى العميق للخلود، كانت ميّ تعي أنّ الكتابة نقش في النّفوس، وولوج في تكوين الفكر الإنسانيّ. وليست الكتابة مجرّد رصفٍ للكلمات وتعبيراً عن المشاعر أو تعبيراً عن الذّات. إنّها عمليّة تثقيف وتنوير وتطوير للعقل. لذلك من اطّلع على أدب ميّ زيادة، وتحديداً خطاباتها المتعدّدة الّتي كانت تلقيها في أيّة مناسبة دُعيت إليها، يراها تستدعي التّاريخ والثّقافات المتعدّدة بما يتناسب ومناسبة الخطاب، ما يعني أنّ خطاباتها لا تندرج ضمن إطار المدح أو الكلام المنمّق، بل كانت تنتهز هذه الفرص لتحفر رقيّ الفكر في الوعي الجمعيّ، فتستفزّ العقل للتّساؤل والتّأمّل والنّقاش. فكلّ خطاب أو مقال لميّ فيه ما فيه من التّفاصيل الّتي تغني العقل وتحيله للبحث، كأنّي بها تريد في ذلك الخطاب أو المقال أن تزرع في المستمع والقارئ بذور المعرفة والعلم والثّقافة. وهناك فرق شاسع بين زرع المعرفة واستعراضها؛ فالزّرع يفترض جهداً شاقّاً ووعياً متكاملاً ورصانة فكريّة، تفتح نافذة الأسئلة لدى القارئ، وأمّا الاستعراض المعرفيّ ففوضويّ ولا يؤثّر في القارئ.

يستشف القارئ من خلال مقالات ميّ وخطاباتها أهمّيّة حضورها وجلال هذا الحضور في الوسط الأدبيّ، فهي الكاتبة المحاطة بهالة الفكر، وليست معنيّة بأيّ أمر غير هذا. فإذا تحدّثت عن الوطن خلا أسلوبها من الشّعارات الرّنّانة والكلام الّذي يمرّ بالنّفس ليشعلها، ثم ما تلبث أن تخمد الشّعلة لسطحيّة الكلام وتكراره. وإنّما ميّ زيادة تعرض تأمّلها ووعيها بشكل محاكاة أو نقاش مع القارئ فتوقظ في داخله تساؤلات عن فهمه الشّخصيّ للوطن. وإذا تحدّثت عن التّآخي بين الأديان، استدعت التّاريخ كما قرأته بوعي وحياديّة وإنصاف مشيرة إلى تفاصيل وأحداث تاريخيّة، ترفع من مستوى القارئ الفكريّ، ولا تنحدر به إلى حضيض الغرائز. وإذا تحدّثت عن الثّقافة الغربيّة أدخلت القارئ في حضارات تعرّفت عليها فعرّفته بها، لا لتبهره بهذه الحضارات، وإنّما لتقدّم مثالاً آخر للحضارة مع الحرص على عدم التّمثّل بها والتّخلّي عن الهويّة الخاصّة. وإذا تحدّثت في العلم كشفت عن كاتبة متميّزة ومتفرّدة في المعرفة، تجيد نقل الرّؤية العلميّة ليفهمها القارئ، ما يندر في وسط الكاتبات بشكل عام. وإذا تحدّثت عن المرأة آثرت تسليط الضّوء على قدراتها ومسؤوليّاتها وعلمها ومعرفتها بعيداً عن إقحام الرّجل في ما يشبه التّنافس أو الحرب، فموضوعها في هذه الكتابات ليس الرّجل وإنّما المرأة. وإن ذكرت الرّجل فلأنّه لا يمكن تجاهله كعنصر في المجتمع، وإنّما أرادت ميّ أن ترفع من قدرة المرأة الفكريّة وتسليط الضوء على شخصيّتها وتركيبتها الإنسانيّة. "تتهيّب المرأة أمام مقدرة الرّجل لاعتقادها أنّه أبرع منها في الإلمام بالأمور من جميع جهاتها. فما أشدّ خيبتها يوم ترى الرّجل الذّكيّ الحسّاس لا يدرك ولا يريد أن يدرك من الحسنات أو السّيّئات إلّا وجهاً واحداً فقط (ميّ زيادة)

 ولئن كانت ميّ تشقّ طريق الخلود، سعت جاهدةً لبلوغ أكبر عدد من القرّاء، وذلك من خلال عدم انحيازها لأحزاب أو سياسات أو مواضيع معيّنة. فعلى سبيل المثال، رفضت ميّ معالجة شؤون المرأة فقط والالتزام بمجلّات نسائيّة وحسب، لأنّ هذا الالتزام يحدّ من تطلّعاتها وطموحها في التّأثير في التّكوين الفكريّ العام، و"تشير مقالاتها في "الأهرام" إلى عزمها على الخروج من الدّائرة المحدودة للمجلّات النّسائيّة والأدبيّة والثّقافيّة الّتي كانت تكتب لها سابقاً بالدّرجة الأولى، لتصل إلى جمهور أوسع من القرّاء." (مقدّمة كتابات منسيّة للمستشرقة أنتيا زيغلر، دار نوفل، بيروت، ط1، 2009).

يعدّ هذا الخروج من دائرة المواضيع المحدودة وبلوغ جمهور أوسع من القرّاء تحقيقاً لمفهوم الخلود كما أرادته ميّ. ومع أنّها كانت ترفض رفضاً قاطعاً أن تتدخّل في السّياسة إلّا أنّها وبذكاء حادّ لعبت دوراً سياسيّاً مهمّاً.

و"في معزل عن السّياسة" لعبت ميّ زيادة دوراً سياسيّاً لا يستهان به، سواء شهّرت بانتهاك حقوق مصر الشّرعيّة بنظام القضاء المختلط، أو طالبت بمبادرات إداريّة في شؤون تخطيط المدن، أم تذمّرت من التّقصير في المجال الصّحيّ، أم سعت في صدّ مشاريع قانونيّة لتشديد الرّقابة على الصّحافة، أو منع المسكرات، أم اتّخذت من الدّيكتاتوريّة في ظلّ سياسة اليد الحديديّة لمحمد محمود مناسبة لتأمّلاتها حول الحكومات والشّعوب، أم أثارت مناقشات كتلك الّتي دارت حول إدخال التّعليم الإجباريّ في مصر الّتي احتلّت الصّفحة الأولى في "الأهرام" لعدّة أسابيع.

بذلك كلّه وغيره، صارت ميّ زيادة مرجعاً للنّقد وحجّة أخلاقيّة اجتماعيّة ساهمت بأوجه مختلفة بتكوين الرّأي العام، إمّا من خلال مقالاتها وتعدّد ردود الفعل عليها، أو بالرّدّ العلنيّ أحياناً على رسائل قرّاء طلبوا نصيحتها ومساندتها، أو بشكل استطلاع للرأي مثل الاستفتاء حول إنشاء شرطة نسائيّة في مصر؛ فقد انهال على جريدة الأهرام على إثرها أكثر من ألف رسالة من رسائل القرّاء، نشرت منها ما يزيد عن الثّلاثمائة في الأسابيع التّالية." (مقدّمة كتابات منسيّة للمستشرقة أنتيا زيغلر). كما يذكر الباحث الفلسطينيّ د. جوزيف توفيق زيدان في مقدّمة كتابه "الأعمال المجهولة لمي زيادة" ص 25، أنّ رأي جلّ الّذين كتبوا عن أنّ ميّ لم تكن تُعنى بالسياسة لا يمكن التّمسّك به، لا سيّما بالنّظر إلى مقالاتها في "الأهرام"، وإن أسهمت الكاتبة نفسها في خلق هذا الانطباع من خلال أقوالها.  كما كان لميّ مساهمات إذاعيّة تمثّل استثناء يذكر، فعبر هذه الوسيلة الإعلاميّة الّتي كانت حديثة العهد اتّجهت الكاتبة إلى جمهور جديد مواصلة شقّ طريقها إلى عامّة النّاس. (مقدّمة كتابات منسيّة للمستشرقة أنتيا زيغلر)

إذاً، فميّ أديبة متمدّدة في الوعي الإنسانيّ من خلال معرفتها الواسعة وحضورها الأدبيّ والثّقافيّ، وتواصلها المباشر مع القرّاء ومناقشتهم من خلال الرّسائل والمقترحات والاستفتاء. وما هذا التّمدّد إلّا تأكيد على أنّ كلمة ميّ تأصّلت في الوعي الإنسانيّ، وساهمت إلى حدّ بعيد من خلال تحرّرها الفكريّ في أن تبني فكراً موازياً لدى القارئ. فميّ لم تكن مجرّد كاتبة تدغدغ حسّ القارئ ببعض العبارات الجميلة أو الصّور الخياليّة الّتي تداعب مشاعره. بل كانت امرأة فكر تخلق نقاشاً حيّاً بينها وبين القارئ في جميع المواضيع، التّاريخيّة منها والعلميّة والوطنيّة والاجتماعيّة والفكريّة والسّياسيّة. ما يجعلنا نكوّن صورة واضحة عن أديبة جليلة تؤثّر في الأدب العربيّ الّذي عاصرته، كما تؤثّر في الأدب المعاصر بل في تكوين فكر الإنسان المعاصر، من ناحية الارتقاء بالفكر وتنوير العقل.

نحن أمام ميّ زيادة المرجع، وقد أقول المدرسة الّتي تعلّم بكلمتها كيف نربّي الفكر الإنسانيّ على جميع المستويات بدل أن نغرقه في التّفاهات، بل بدل أن ندخله في هيكليّة التّفاهة.

قد لا نفهم لماذا لم تدخل ميّ في تكويننا المعرفيّ، أقلّه ككاتبات، وقد نفهم إذا تتبّعنا تفاصيل عديدة من شأنها أن تثير التّساؤلات حول عدم انتباهنا إلى مرجعيّة أدبيّة وثقافيّة يمكن أن تغني فكرنا وخبرتنا في الكتابة. ومن ضمن هذه التّفاصيل عدم التّركيز على الفكر والانشغال الأكبر بالبوح عن المشاعر وعدم التّوغّل الجدّيّ في المعرفة. من ناحية أخرى، لعلّنا ما زلنا بعيدين عن النّطق بالحكمة، حكمة المرأة. ولعلّنا لا نقدّر ذواتنا حقّ التّقدير انطلاقاً من قدراتنا الشّخصيّة. وإنّما غالب الظّنّ أنّنا ما زلنا نبحث عن ذواتنا جاعلين الآخر محور البحث. وأعني بالآخر الرّجل الّذي ما برحنا ننافسه لنثبت حضورنا. بيد أنّه ينبغي إثبات الحضور بمعزل عن المنافسة معه والقياس عليه.

قد لا نفهم لماذا لم نقرأ عن ميّ إلّا صورة هشّة بعيدة كلّ البعد عن صورتها الحقيقيّة وحضورها الجليل في الوسط الأدبيّ. وقد نفهم، إذا أعملنا العقل في الخبر كما يقول ابن خلدون، وولجنا سياقاً أدبيّاً وتاريخيّاً وحلّلنا بعض الشّخصيّات الّتي عاصرت ميّ زيادة من خلال سلوكهم الحياتيّ وعقدهم الذّكوريّة وانفصام شخصيّتهم  ونظرتهم للوجه الواحد للمرأة، وربّما خوفهم من الحضور المتحرّر مقابل تأصيل وتجذير الفكر الدّينيّ.  كلّها أسباب ممكنة ومشروعة التّساؤل. إلّا أنّه ما من خفيّ إلّا سيظهر، وما من مكتوم إلّا سيُعلن عنه، ليصبح واضح النّور يعشي ذوي الأعين كليلة النّظر.

 

  مادونا عسكر/ لبنان

 

محمد صالح الجبوريالذكريات القديمة لها مكانة في القلب والعقل والنفس، وهذة الذكريات تبقى خالدة مهما تغير الزمان، المدينة مصدر العلم والثقافة، عندما يزور الإنسان المدينة لأول مرة يصاب بالدهشة والإستغراب، وهو يرى التطور العلمي والصناعي، وجمال المدينة وحدائقها الجميلة التي تسحر القلوب، وتبعث في النفس الهدوء والتأمل لهذه الحياة، ألمدينة العامرة بأسواقها المنوعة، و مطاعمها التي تقدم أفخر الأكلات منها الكباب الذي هي من الأكلات الشعبية التي يقدم معها اللبن وشربت الزبيب، والمشويات، والقوزى، والتشريب، الباجة، ومالذ وطاب من الأكل، والمقاهي المنتشرة في معظم أحياء المدينة،وعلى ضفتي النهر، ومدن الألعاب ودور السينما والمسارح، المثقفون تجدهم في المكتبات التي تحتوي على أنواع الكتب، والمجلات  والصحف، الاسواق منوعة ومرتبة حسب عرض البضاعة، أسواق الأقمشة الملابس والأحذية، والتراثيات، واسواق الذهب، واسواق المواد الغذائية، في المدينة يكتسب الإنسان الثقافة و العلم، الجامعات هي مراكز الثقافة والبحوث منتشرة في المدينة، الإيجابيات كثيرة في المدينة، وعلى الإنسان يختار الأماكن ألتي يتواجد فيها، وان يختار الأصدقاء الذين من أصحاب الأخلاق الحسنة، والذين يمتلكون ثقافة عالية، اما السلبيات الموجود في المدينة كأصحاب السوء و الأخلاق السيئة، والإبتعاد عنهم، وعدم التردد على الأماكن السيئة، الإنسان ينبغي أن يثقف نفسه بالقراءة و حضور الندوات المفيدة، والعلم والثقافة سلاح قوي يستخدمه الإنسان في حياته، ونبقى نعيش مع الاحداث التي مرت مرور الكرام، وأصبحت ذكريات من الماضي.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

شاكر فريد حسنالشفاعمري عبد الهادي قصقصي شاعر رصين مرهف الاحساس، مسكون بحب وطنه، ملتصق بقضايا وهموم شعبه، ومفتون بالقصيدة الكلاسيكية العمودية العروضية، وما يميزه خصوبة الخيال والقدرة على الاتيان بالصور الشعرية الفنية الواضحة الانيقة الخلابة.

اصدر ديوانين شعريين، هما : " إن الحمامة تنتشي بهديلها " و " قبس القصيد ". وبين يدي ديوانه " إن الحمامة تنتشي بهيديلها "، الذي كان قد وصلني هدية منه حين صدوره، ولكن شواغل الحياة وهمومها ومشاكلها وضغوطاتها حالت دون الكتابة عنه، فالمعذرة يا شاعري.

جاء الديوان في 100 صفحة من الحجم المتوسط، وضم بين ثناياه 37 قصيدة تتناول موضوعات وطنية وسياسية ووجدانية ورومانسية ومناسبات اجتماعية ورثائيات. وكتب الناقد الاستاذ محمد صفوري مقدمة له، ومما قاله: " قصائد الديوان تثبت قدرة شعرية وفنية جديرة بالتقدير والاهتمام، إنها قصائد تفوح بعبق الماضي وعذوبة المستقبل المؤمل، ليعيدنا الشاعر إلى تراثنا العربي الأصيل، ويعزز أصالتنا وانتماءنا لهذه الأرض التي عُجنا من أديمها، اجسادنا وليمدنا بالأمل، لنحلم بالمستقبل الذي لن نحيد عنه ".

قصائد الديوان جميلة شفافة في الفاظها ومعانيها، تنساب انسيابًا رقراقًا عذبًا شجيًا، تحفل بالتعابير التصويرية الفنية التي تنم عن حسٍّ انساني مرهف، وتذوق رائع للجمال في كل مفردة من مفرداته، التي يختارها بعناية فائقة واهتمام بالغ، وتتصف بمتانة العبارة، واناقة الحروف، وسلامة الأسلوب، وسحر اللغة، وروعة الأداء والصياغة والتراكيب والموسيقى الداخلية الهادئة الطلية، كصوت الحمامة في هديلها، فضلًا عن توظيف الأساطير، وابتكار الصور الفنية واضحة المعالم، واللغة الرشيقة الحية، والإحساس الوطني والقومي والعروبي، والنظرة الاستشرافية التفاؤلية المشرقة، رغم المكابدة والألم والوجع والقلق الحضاري، وما يعصف في حياتنا من معارك وحروب وصراعات طائفية وفوضى خلاقة.

يبدأ شاعرنا عبد الهادي قصقصي ديوانه بقصيدة " متألق هذا الربيع بموطني "، حيث يتغنى بالربيع الطلق ويصور جمال الطبيعة وسحرها ومناظرها الخضراء في بلادنا، ويذكر اسماء الأشجار وأنواع النباتات التي تنمو في أرضنا السمراء المعطاء، ويبدع في الوصف حين يقول:

متألقٌ هذا الربيعُ بموطني

              وتكحلَّتْ من سحرِهِ الابصارُ

سجادةٌ خضراءُ تفترشُ الثرى

              بالأخضر الشجري تمَّ إطارُ

رسمتُ مشاهد لوحةِ ألوانها

                وكواكبٌ  إكليلُها   والغارُ

تتوفر الخيراتُ في جنباتِهِ

                وفواكه مشهورةٌ وخضارُ

وسنابلُ القمحِ المباركِ حبَهُ

               يحني السنابلَ حبُّهُ المقدارُ

والزعترُ المحرومُ من قطَافِهِ

              منع الأهالي  قطفهُ  انذارُ

والصخرُ والقندولُ رمزُ صمودِنا

              والتينُ والزيتونُ والصبارُ

والتوتُ والرمانُ طابَ شرابُنا

             والزيتُ من زيتونِنا نختارُ

وفي قصيدته الثانية يشدو لمدينته " شفاعمرو "، ويفاخر فيها، لأنها تجمع أخيار الناس في أحضانها، ويتحدث عن روح التسامح بين اهلها، وعناق الهلال والصليب، فيقول :

بلدي الحبيبُ معزتي ومفاخري

                     وبديله لا أرتضي بمكانٍ

متألقٌ بلدي الجميلُ بأهلهِ

                     وبنهضةِ الإنسانِ والعمرانِ

ومعالمُ التاريخِ تثبتُ مجدَها

                     من عهدِ كنعانِ إلى عثمانِ

جمعتْ خيارَ الناسِ في أحضانِها

                      وتآلفت في أقدس الأديانِ

وتعانقُ الأجراسُ صوتَ مؤذنٍ

                      وأهلَّةٌ تدنو من الصلبانِ

وكنيسةٌ دقَّتْ بجانبِ مسجدٍ

                      وتجاوبتْ في خلوةِ الاخوانِ

أما في قصيدة " إن الشعوب إذا ثارت ستنتصر "، يحاكي ويصف أحوال الامة واوضاع الشعوب العربية الواقعة تحت وطأة القهر والاستبداد، ويحيي البواسل والأحرار في الوطن العربي، مؤكدًا على حقيقة أن الشعوب إذا وقفت على رجليها وهبت وثارت على انظمتها فهي المنصورة في نهاية المطاف :

لا يدرك البغي والحكامُ عاقبةً

             إن الشعوبَ إضا هبت ستنتصرُ

إرادة الشعب قد حقَّتْ نجاعتها

             قد أحبط الظلم والطاغوت يستترُ

ما للعروبةِ في أحوالها غضب

           من ظلمِ حكامٍ جاروا وما اعتبروا

ويهتف شاعرنا لأيار عيد العمال العالمي، وشهر الكفاح ورمز النضال الطبقي ضد الظلم والاستغلال والعبودية والرأسمالية، والشهر الذي يعيد للأذهان نكبة شعبنا ومأساته المستمرة، ملوحًا بالراية الحمراء الخفاقة عاليًا كالنسر، ومبشرًا بفجر الحرية والانعتاق :

شهر الكفاحِ مناصرٌ لمطالبٍ

               نصر الشعوب لحقهم قد لاحا

والكادحونَ تفجرتْ احقادُهم

               من ظالمِ حقَّ الورى اجتاحا

والرايةُ الحمراءُ تخفقُ عاليًا

           كالنسرِ يخفق في الفضاءِ جناحا

ولا ينسى عبد الهادي أمه الحبيبة فيكتب لها في عيدها الميمون، فيبغي رضاها ورشف طعم الحنان من صدرها، ويخاطبها قائلًا :

أغصانُ حبّكِ برعمتْ في خاطري

               زهرًا وعطرًا من شذى ريّاكِ

كم كابدتْ عيناكِ من وَهَن الكَرى

               وتألمتْ من  موجعي   عيناكِ

وإذا شعرْتُ بوعكةٍ في حالتي

              لمستْ جبيني   بالحنانِ   يداكِ

وفي الديوان قصائد عن حرب لبنان، والأقصى الشريف، وناصرة البشارة وقلعة النضال، ومكة المكرمة ، وغزة هاشم الصامدة بوجه الحصار والهمجية والعدوانية الاسرائيلية الاحتلالية، التي تأبى الخنوع :

وغزةُ هاشمٍ تأبى خنوعا

              لقهرِ الظالمينَ المجرمينا

وغزةُ هاشمٍ تُفني غزاةً

            ومجدُ نضالِها عبر السنينا

وفي قصيدته " أوفى التهاني والأماني "، يهنئ صحيفة " الاتحاد "، سنديانة شعبنا الباقية بعيدها، هذه الصحيفة التي تنير الفكر وتدافع عن الحق جهرًا، وتطالب بالعدالة، وتنشد السلم، ويحكي عن تاريخها العريق الماجد ومواقفها الجريئة بوجه السياسة العنصرية، وتظل منارة الأحرار :

أنارت للجميع دروبَ نهجٍ

              تمثَّلً  بالكفاحِ   وبالعنادِ

تدافعُ في سبيلِ الحقِ        

         ولا تخشى ملامات الأعادي

وأنباءٌ تزودُها بصدقٍ

          مقالات  تُسَطَرُ     باجتهادِ

وتاريخٌ تألقَ منذُ عهدٍ

     مناصرةً الضعيفِ من اضطهادِ

ومرجعُ إرثِنا الوطني فيها

         يدوَّنُ بالنزاهة   والسدادِ

تكالب بالعدالةِ مستحقًا

      وتبغي السلم في كل ارتياد

وفي قصيدة " يكرم المرء عرفانًا بقيمته " يحيي ويبارك للأديب محمود عباسي بمناسبة يوم ميلاده، ويثمن انجازاته المتميزة في حقل الثقافة والفكر والأدب، ولا سيما مجلة " الشرق "، التي كان لها دورَا رياديًا في الحراك الثقافي في هذه الديار، فيخاطبه بكلمات جميلة تنبض بالمحبة والاجلال والتقدير، أديبًا وانسانًا، فيقول :

أديبُنا الفذُ في الآفاقِ منطلقٌ

         قد أتحفَ الجيلَ من إبداعهِ الأدبي

ترادف الاسمُ والمحمودُ في صفةٍ

        هذا الأديب الأُلى من نُخبةِ النجبِ

شمسُ المعارف في الأقطارِ ينشرُها

          فكرًا منيرًا لأهل العلمِ  والأدبِ 

مجلةُ الشرقِ من تحريرِهِ انبثقتْ

          منارةُ الشعرِ والآدابِ   للعربِ

قد أثمر الفكرُ انجازًا يشرَفُهُ

       وينهل الجمعُ من ابداعه الخصبُ

ويفرد في ديوانه قصائد يرثي فيها شاعر فلسطين والمقاومة محمود درويش، والشاعر ماجد مهنا عليان، وصديقه رمز التحدي محمد حسين نمر، والطبيب النبيل المعطاء موفق ذياب، وهي قصائد مؤثرة، صادقة النبرة والاحساس، تطغى عليها العفوية والشفافية، ومما قاله في رثاء الشاعر الكبير محمود درويش :

يا بلبلَ الشرقِ والأوطانِ هاجسُهُ

               للشعبِ للأرضِ كانت له السببُ

لآلئ الشعر قد أبدت محاسنها

            في محفل الفن قد سادت بها الرتبُ

نار القصيدِ صَلَتْ للخصمِ أفئدةً

            وعابرون أتاها  اللؤم    والغضبُ

نجم القريض فنون الشعر أبدعها

            ترنَّمَ العودَ  والأغرابُ   والعربُ

ويتناول العنصرية المتفاقمة في المجتمع الاسرائيلي، وينشد السلام العادل، الذي يحقق أماني واحلام شعبنا الفلسطيني بالحرية والخلاص من براثن الاحتلال الجاثم على صدره، قائلًا :

ليت السلام يحلّ في اوطاننا

          ليعيش في وطن الألى أحرارُ

ويمكن القول، أن قصائد ديوان " إن الحمامة تنتشي بهديلها " لعبد الهادي قصقصي ذات احساس عالٍ، ونبرة شعرية هادئة، تزخر بالعاطفة الرقيقة، وصفاء روحه ووجدانه، وانسانيته كشاعر مبدع حساس يحلو له الشدو والغناء والهتاف في جو من الحرية والمحبة والاخاء والتسامح الانساني، بعيدًا عن التعصب الديني والطائفي، فالإنسان عنده اولً واخيرًا.

فأجمل التحيات للشاعر وزميل القلم عبد الهادي  قصقصي، مع التمنيات له بالمزيد من العطاء والابداع والتألق الشعري.

 

 بقلم: شاكر فريد حسن   

 

1122 متاهة

ربما من نافل القول التأكيد بأن الرواية هي خطاب اجتماعي ونفسي وتاريخي لأي شعب أو مجتمع في لحظته التاريخية المعنية، وهذا لا يعني بأنها الوحيدة في ذلك، وأنما هي الأقدر من بين الأشكال الفنية والأدبية على التقاط تفاصيل الحياة اليومية واحتضان الأنغام المتنافرة لإيقاع عصرها المتغير، لذا صار الرواية نصا قادراً على توثيق لحظتها التاريخية، بكل ما فيها من تفكك واضطراب واهتزاز للثوابت والايديولوجيات والبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي بذلك تقوم بتشكيل ليس الوعي وحده وأنما الوعي المضاد لكل الثوابت، هذا الوعي الذي يستعيد العالم بوساطته الأسئلة للذات الفردية والجمعية مؤكدة على إدراك الوجود ووعي الحياة. وهذه النظرة للرواية يمكن سحبها وتطبيقها على النتاج الروائي العالمي كله. بما في ذلك الروائية العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص.

وهنا، في وقفتنا هذه، نجد أن الشاعر والروائي والباحث العراقي بُرهان شاوي في روايته المسلسلة "المتاهات" يجسّد الفهم الشامل لمفهوم الرواية باعتبارها خطابا تاريخيا ونفسيا ومعرفيا، ولا أغالي إذا ما قلت بأن " المتاهات" تشكل انعطافة جديدة في معالم الرواية العراقية الحديثة، فقد جاءت مكتظة بأسئلة الوجود والحياة والمعنى الكامن فيها، وإعادة قراءة المراحل التاريخية التي مرت بها العراق، والمنطقة، بل هي تعيد قراءة المقدس  الديني بدءا من أسطورة خلق آدم وتجلياتها في الأديان مرورًا بإشكالية الخطيئة والخير والشر، وتجليات الرغبة في انفلاتها وفي كبتها بحيث تتفجر إلى أفعال عنف وتدمير وأذى نفسي وجسدي، مرورًا بكل التاريخ الروحي للإنسان.

يحاول الروائي بثرهان شاوي في روايته المسلسلة "المتاهات" إعادة تشكيل وقائع الحياة القاسية والفجة بشكل جمالي ، وإقتناص لحظات الإختلاف بين الحياة الواقعية وبين إعادة تشكيل روايتها أدبيًا . وقد اعتمد الكاتب في متاهاته التسع (متاهة آدم / متاهة حواء/ متاهة قابيل/ متاهة الأشباح/ متاهة إبليس / متاهة الأرواح المنسية / متاهة العدم العظيم)، كما نوه الباحثون فيها، على تقنية دمية الماتروشكا الروسية وكذلك الصندوق الصيني، حيث تتداخل الروايات ليس على طريقة ألف ليلة وليلة ، حيث تروي شهرزاد رواياتها المتداخلة والمختلفة وإنما تتداخل الروايات هنا لتعيد نفسها في زمان ومكان مختلف ، وبأسماء شخصيات جديدة ، لكنها تعيد دورة الأشياء البشرية وجوهر الأحداث نفسها.

لا تهاب "متاهات" بُرهان شاوي من اقتحام وتفكيك الثالوث المحرم:  الجنس/ الدين/ والعنف السياسي أو السلطة، من منطلقات تاريخية ومن خلال مناهج التحليل النفسي الفرويدي وما بعد الفرويدي، متكئة على رصيد معرفي هائل،  متناصة مع روائع الدب العالمي، وتاريخه الموسيقي والتشكيلي، والمثيولوجي، بسرد لا يخفي تماهيه مع جماليات السرد السينمائي، متجاوزة عراق السبعينات والثمانينات والتسعينات وفترة ما بعد الاحتلال 2003، لتكشف عن تاريخ العنف المنفلت والأعمى، متخذة مع حياة الناس الأفراد بُنية حكايتها الطويلة، متوغلة في أعماق النفس البشرية، كاشفة عن تجليات الرغبة العارية والجامحة، و هابطة إلى بئرها الغامض والمخيف والصادم لكل المنظومات الأخلاقية السائدة، لتكشف في هذه الروايات التسع عن قدر الإنسان المأساوي كفرد وعن تفاهة الوضع البشري كتاريخ. 

ومن الناحيو الجمالية والمعرفية فهي روايات تحتفي بالشك وتحنو على الإيمان العميق الذي لا بد أن يقود إلى شك جديد.

"المتاهات" سلسلة روائية تكشف عن عمق سوء الفهم بين البشر الذي يقود إلى الفاجعة في أغلب الأحيان، وهي لا تهاب الكشف عن الغرائز الجامحة ، وعن الحب المحاصر بالنوايا المريبة، ومن هنا فهي تنطوي على  كشوفات نفسية جريئة لأعماق الإنسان ورغباته الدفينة ومواجهة صريحة معها، حيث يتداخل المرئي واللامرئي ، الواقعي والسحري ، الجنسي والسياسي.

ربما من الناحية الأدبية يمكن التوقف عند هذه الرواية الملحمية التي تحمل سمات التجديد في السرد الروائي بأنها تضم 304 شخصية روائية، بينها 119 حواء  و 185 آدم، حيث تحمل كل الشخصيات النسوية اسم "حواء" أو "إيفا" إذا ما كانت أوربية أو مسيحية، و185تحمل كل الشخصيات الذكورية اسم "آدم": ونادرًا اسم " قابيل" أو "هابيل" وهذه تجربة جديدة في السرد الروائي.

"المتاهات" روايات عن الإنسان في متاهة النفس ومتاهة الوجود، روايات فلسفية، نفسية، تاريخية، تحتفي بالشك واللايقين لتأكيد متاهة الإنسان في هذا الوجود، ويمكن التوقف عند "حواء الكرخي" في " متاهة إبليس" حين تبوح قائلة: "أنا حواء الكرخي ، أشك في كل شيء .طمأنينة اليقين تخيفني ، بينما قلق الشك يمنحني الطمأنينة . الشك هو الذي يقودني إلى الحقيقة ، لكن الحقيقة متاهة ..متاهة تفضي إلى شك جديد .. نعم الحقيقة هي متاهة صامتة "..

 

م.م مسار غازي

 

شاكر فريد حسنتركي عامر، ابن بلدة حرفيش الجليلية، من الأصوات الشعرية والادبية المهمة الجادة، عرفناه في اواخر السبعينات والثمانينات من خلال المنابر الاعلامية والثقافية في بلادنا، وكانت البدايات في صحيفة الأنباء ومجلة صدى التربية ثم في مجلة الشرق وصحيفة الاتحاد ومجلات الجديد، والمواكب والاسوار وغيرها من المجلات والدوريات والملاحق الثقافية .

تركي عامر يكتب الشعر بالفصحى والمحكي، بالإضافة للمقالة النقدية الساخرة، عمل مدرسًا لموضوعي الخدمة الاجتماعية واللغة الانجليزية حتى العام 2000، ثم عمل امين مكتبة في المدرسة الاعدادية والثانوية ببلدته، بعدها انشأ موقعًا الكترونيا اطلق عليه اسم ورقستان، ومنذ سنوات متفرغ للأدب والكتابة، وينشر كتاباته على صفحته الفيسبوكية وفي عدد من المواقع الالكترونية .

ولتركي عامر العديد من المؤلفات والاصدارات والاعمال الشعرية والنثرية، نذكر منها: ضجيج الصمت، نزيف الوقت، استراحة المحارب، فحيح الضوء، من مواخذ الروح، سطر الجمر، لن اعود الى المرعى، أكل الولد التفاحة، العائلتقراطية – مداخلات في الاجتماع والسياسة، صباح الحبر – مداخلات في الأدب والثقافة، صواريخ عابرة للقرارات .

تركي عامر شاعر غاضب، وصوت صارخ في البرية، وفارس من فرسان اللغة العربية، يتمتع بذائقة ادبية وثقافة موسوعية شاملة، وصاحب مخيلة خصبة واسعة، وجواد شعري جامح يحاكي الوطن وهمومه، ومنحاز لجموع المعذبين في الأرض، ويطرق في قصائده الشعرية ونصوصه النثرية موضوعات من واقع الحياة، وهموم السياسة والمجتمع، والمأساة الفلسطينية وجراحات الوطن واوجاعه وعذابات ناسه المسحوقين .. لنسمعه يقول عن نفسه :

بلا غَرَض إديولوجيّ مُسَمَّى

أحبّ الحياة وأكره الموت

أحاول بدم القلب خربشات

على ورق الرّوح

أقرأ كلّ ما تقع عليه عيني ويدي

وأكتب أقلّ من القليل بكثير

أحبّ السّفر والأنثروبولوجيا

أحلامى الصّغرى والكبرى

تتلخّص في مشهد واحد أحد

كرتنا الأرضية الطّيّبة

ترفل بعباءة من حرير سلام

وترقص على لحن محبة

يسيل من دفاتر غيم دافئة

ليغسل شبابيك الرّوح

حتّى الينابيع

قصائد تركي عامر تخلو من التكلف والصناعة اللفظية، وتتسم بالطوابع السياسية والوطنية والاجتماعية والمواقف الانسانية الغاضبة المتمردة .

وفي دواوينه الشعرية نلتقي شاعرًا ملتزمًا أبيًا أصيلًا، شاعر الصدق والوثبة، شاعرًا مقاتلًا ومحاربًا بالكلمة والقصيدة والموقف الجذري الثابت، شاعر يعانق الجرح ويسكن الالم والوجع والهم الفلسطيني والإنساني، مرفرفًا في فضاءات وسماوات الابداع والالهام والتوهج الشعري .

ورغم شفافية نصوصه إلا أنها محملة بدلالات متعددة، ومشحونة بأفكار عقلانية نيرّة، وتعبوية متقدمة، يبدع في سكبها ونسجها بقالب نثري، وبلغة شعرية رشيقة وحيّة، مازجًا بين الرمز الشفاف، وشعرية الاداء، ورقة النبض والاحساس .

وتنضح قصائد تركي عامر بالإرهاصات اللغوية الايقاعية، منتشيًا بالبوح والتحليق، شفافًا ومتزنًا على مستوى اللفظ والصور والايحاءات والاستعارات والمحسنات البلاغية، ويشدنا إلى نصه وهو يمتطي صهوة النشيد بكل خصائص التجربة وحرارتها، فتخرج كلماته من بين سجايا اللحظة الشعورية، مفعمًا بالمشاعر الجياشة الحالمة، والرؤية الفلسفية، ومسكونًا بهاجس الوطن وقضاياه المصيرية، ومعبرًا عن الهموم الذاتية والجماعية :

لِفُ الإكسيرِ: إمامٌ

إِلاّ منتصبًا لا يركعُ قُدَّامَ المحرابْ.

والكافُ: كتابٌ مِن وردٍ،

لا تُفتحُ سيرتُهُ

إِلاّ مِن خلفِ حجابْ.

والسّينُ: سؤالُ السُّكَّرِ يسكنُهُ السّمّاقُ، سلالتُهُ

سببُ الأسبابْ

والياءُ: يئنُّ/ يموءُ ذهابًا كي يحيا،

ويعنُّ/ يموتُ إِيابْ.

والرّاءُ: رحيقُ الرّغبةِ يُدْخِلُهُ،

مِن دونِ حسابْ،

جنّاتٍ ما وردَتْ في أيِّ كتابْ.

وما يميز القصيدة العامرية العمق والكثافة الشعرية والصور المزدحمة والخيال الشاسع الامين على الواقع، وذات سبك متين وبناء فني سليم ومفردات مدهشة.

ويمكن القول، تركي عامر شاعر متمرس يمتلك أدواته، ومكتنز باللغة، يحافظ على عناصر القصيدة والخلق والابتكار الشعري، ويكرس شعره للوطن والأرض والانسان والجمال والحلم والحقيقة والثورة الطبقية .

فأطيب التحيات للصديق الشاعر والناثر والناقد تركي عامر، والتمنيات له بالحياة المديدة الزاخرة بالعطاء والابداع والنشاط الثقافي، وبانتظار المزيد من كتاباته واصداراته.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

احمد الشيخاوييعتبر الشاعر المغربي محمد اللغافي، نموذجا في النضال الإبداعي والحياتي، على حدّ سواء، ولم تزل تحكمه خلفيات البيئة التي خرج منها، كونها عنوانا للهامش، ملطّخا بشتى الأوبئة السياسية والمجتمعية، ما صنع من الرجل، طرازا خاصا يبلور مواقفه بجرأة وصلابة وتقديس رسالة، أيضا، دونما المهادنة في تمرير قناعاته وما يحسه تجاه ذاته، أولا، ثم منظومة ما ينبثق عنها انتهاء.

يكتسي منجزه الشعري، طابع الفرادة، من ماهية منتصرة لكائنات الهامش، ومعتقدة بفلسفة تبني الأبعاد الإنسانية في المغامرة الإبداعية المتشبعة بلغة الخلق وخطاب الواقع ورؤى الاستشراف.

الشيء الذي جعل العديد من الأقلام تتناول تجربته، ولو أنه لم ينصف، لحد الآن، كما يجب، شأنه في ذلك، شأن أصوات كثيرة، تعزف على ذات الوتر، وتترنم بسيمفونية جيل التهميش والضياع والإنكسار.

يقول الدكتور محمد عزيز لحبابي:

علمت أن تلك المجموعة من الشعراء المجهولين.تسكن بإحدى ضواحي الدار البيضاء الصاخبة وتعيش في غفلة من التاريخ..إنهم جميعا شباب قانعون بما يسر الله لهم مقتنعون بان للشعر مستقبلا ومزايا ..ولذلك ينسجون للغد شعرا بجهود وعرق وابتسام.

من هم..؟

قد أفرغت كل ما اعرف عنهم، أسماء غفل بلا شهادات بلا سيارات بلا مساكن .ولا عنوان مضبوط رصيدهم الوحيد هو ما يريدون أن يحققوه في المستقبل بالشعر وللشعر. ..

فتحت (سوق عكاظ) فعثرت على أعلام نكرة في الآداب.. محمد اللغافي.. رضوان مصطفى.. محمد كوبري.. وحميد بركي.. وثلاث أسماء. شطب عليها من تحت القصائد.. سنقف عند اثنين منها ..الأولى (كلمة رجل البارود).

: (النصان الآتيان هما للشاعر محمد اللغافي..وقد شطب على الاسم من تحتهما (لظروف خاصة

[ممكن أن أطرق بابك يا شعر

ممكن أن اجعل الأبناء مردودين إليك

عائدين بالقوافي

سابحين في بحورك

ممكن أن اقرع بابك يا شعر

فأوظف الحروف بين وكنة البياض

فوق صدرها الحنين

اصنعها بيت حلمي

وأنوم عليها الحزن

حين يستيقظ أمسي](1).

ويقول الشاعر والناقد المغربي عبد الهادي روضي:

 إنها رؤية الشاعر للعالم والأشياء المحيطة بذاته، رؤية تنتهي بالاستفاقة على مشهد بانورامي أكثر درامية، يكشف انهيار الأفق الرؤيوي للذات الشاعرة وللعالم:

(عائد من فوضاك

 تسيج زرقة السبت

في ركنك المعتاد

كبطل فاشل

تعلن انهيار العالم )(2).

ويقول الكاتب المغربي رشيد الخديري:

[إن الشاعر محمد اللغافي يخلق لنفسه عالما في عوالم متماهية مع الذات الشاعرة، المتشظية، القلقة، فهو يناقش قيم الشعر الأثيرة: المرأة/ الواقع/ الحب/ الحلم / الحلم الإستهامي ....بلغة شعرية شفافة وبسيطة تعكس روح الشاعر وهمومه الوجودية، ولاشك أن الشاعر محمد اللغافي يروم التأكيد على جوهر الإنسان، الحامل للمرآة نكاية في هذا الواقع المتشظي المرتكن أساسا إلى عوالم تمتح من المتخيل والواقعي والأسطوري، وبتتبع النسق الشعري الذي خطه الشاعر يتضح جليا المراهنة على الذات، والتي أخذت تلوينات استعارية واجراءات بلاغية تروم تأسيس خطاب شعري، شفاف لكن مسالكه غير آمنة تحتاج إلى خبرة متسلق وتأمل حكيم، حتى نتمكن من فك طلاسمه وشفراته، والوقوف عند أهم تمظهراته وإشاراته](3).

من هنا نجد الشاعر محمد اللغافي، مجددا، يعتبر الفعل الإبداعي، منوطا بتراكمية مسجلة لهوية عمر بأكمله، وكل كتابة تجب ما قبلها، والإبحار إنما يجدر أن يكون في اتجاه واحد، المستقبل ومواكبة إفرازاته، خاصة ونحن نعلم، جميعا، مدى تجاوزات عالم التقنية، لأحلامنا المشروعة، وجوره على إنسانيتنا، من خلال تغريب الروح ونفيها، حدا بات معه سؤال غائية الشعر خصوصا والأدب بشكل عام، أكثر إلحاحا على لحظات العدمية التي نشاكس تطاولاتها، ونحاول مسح الضباب عن مراياها، سعيا وراء ملامح إنسانيتنا التي تشوهت كثيرا، وتكاد تضيع بالكامل.

هذا الكتاب، يحوي عدد من المقالات التي قاربت تجربة شاعرنا المبدع، بصمتها أسماء وازنة في مشهدنا الأدبي، وهي أقل ما يمكن قوله في حق مبدع عصامي، تكالبت عليه الإيديولوجيات وتفاصيل حياة الحيف والتهميش، لكنه لم يستسلم، بل خاض مقامرة مجنونة، ضد التيار، كي يثبت هويته ويعطي معنى لوجوده، كإنسان أولا ثم كمبدع يأبى أن يكون مجرد بوق تتقاذفه أيادي طعن الثقافة والحقيقة والإنسانية.

ليس ذنبا أن تعقّ الغصن، صديقي الصعلوك النبيل، وثق بأني احتراما ومحبة، أرفع لك القبّعة.

 

شاعر وناقد مغربي

........................

هامش:

(1) مقتطف من مقالة " مغربيون من نوابغ القرن الواحد والعشرين " للراحل د.محمد عزيز لحبابي.

(2) مقتطف من مقالة " المتنسك بشجرة الشعر " للناقدعبد الهادي روضي .

(3) مقتطف من مقالة " معالم الكتابة في ديوان يسقط شقيا لمحمد اللغافي، كتبها المغربي رشيد الخديري.

 

 

لا تثبت التسمية لمصطلحٍ ما الّا بعد أن تنضب التجربة العميقة له ثم تظهر تداعياتها الأثرة وتأخذ رواجاً واسعاً، وهذا ما حصل مع مصطلح أدب السجون إذ أنه ظاهرة قديمة لكن أخذ صداه وقعا عالمياً بعد أن وقع أصحاب الكتابات الأدبية في قضبان السجون ومنها بدأت تنطلق تلك الكتابات مطالبة بالحرية، والتمسك بالوطن والقضية الإنسانية ولا سيما أن كان المسجون بتهمة سياسية  أديب، أو صحفي.

وهذا الكتاب يعدّ من أكثر الكتب التي سلطت الضوء على قضية شغلت كثيرا من المثقفين ومازالت إلى يومنا هذا محوراً هاماً لمؤتمرات ومنظمات عالمية وهي (الإنسانية والحرية)، التي غيبتها الحكومات ذات سلطة الحزب الواحد بقيت الى حاضرنا تعاني من هشاشة متشظية وغير مستقرة ولا سيما في المجتمعات العربية . ففي تقديم هذا الكتاب يذكر لنا الاستاذ فخري كريم أن صدوره وترجمته كانت " كمبادرة لموجهة عسف نظام صدام البعثي وتصفياته الجسدية التي طالت المئات من الشيوعين تحت التعذيب وبالإعدامات). وبعد سقوط حكومة البعث أرى أن إعادة صدوره وطبعه مرة اخرى يعدّ وثيقة تاريخية هامة ؛ لتؤكد على القضية التي أُعدم بسببها الكثير من الشيوعين الاحرار وإننا جيل متمم لتلك الرسالة مواصلة السعي وراء الحرية والظفر بجميع حقوق المواطنة، وعلى الرغم من اختلاف التجارب والزمان والمكان لصدور اليوميات في اوربا حينها، ومن ثم العراق لكنّ هناك رابطاً مشتركة بينهم هو إقصاء الكلمة الحرة وتكميم الأفوه للديمقراطين الشيوعين، فنظام البعث لا يختلف عن الفاشية، وفوتشيك يظهر لنا بطلاً  صنعه التاريخ النضالي، فحين أُتيحت له فرصة الكتابة، كتب تلك اليوميات لتكون مصدراً لمن بعده لمواصلة النضال والقضاء على الدكتاتوريات التي فقدت إنسانيتها وبدأت تقضي على كلِّ من يخالفها الرأي . وهناك مشاهد كثيرة سردها الكاتب  دخلت في عمق التاريخ وتحولت الى ما هو عالمي، فقصر بيتشيك كان أخر محطة يقيم المعتقل فيها ثم ينتقل الى موته المنتظر لكنّ يوليوس واجه شيئاً اصعب من الاعدام " لم تكن الأيام الأولى في قصر بيتشيك سهلة تماماً غير أن هذه الضربة أعنف ضربة تلقيتها هناك . لقد انتظرتُ الموت لا الخيانة " . وهذا النص يؤول بصورتين: الأولى خيانة أصحابه الذين اعترفوا وباعوا القضية، والثانية بشاعة التعذيب التي ارغمتهم على الاعتراف . لكنّ الأمل ينبض متدفقاً بلا توقف عند يوليوس " كلنا نعيش هذه الحالة . اليوم قبل شهر قبل عام نستدير الى الغد وحده دوماً الذي يوجد فيه الأمل . أن مصيرك قد تقرر وبعد غدٍ سترمى آه ولكن من يدري ماذا يمكن أن يقع غداً، فغداً يتغير كل شيء " . النص يوضح حالة التشبث بالحياة من قبل يوليوس وهذه دعوة لمن بعده المصرّين على الأمل . ويمكننا أن نعدّ هذه اليوميات الأدبية صرحاً مزخرفاً تنطلق منه أهمية أدب السجون، ويوليوس اسطورة مازالت تتناقل عبر الاجيال وتحمل قضيها الإنسانية والغرض من الكتابة لا يتمثل في بيان المرء أنه على حق او مصيب، بل محاولة لتحريك المشاعر الساكنة ويكفي لنا أن نرى العدوان عدواناً وهذا ما فعله فوتشيك .

 

موج يوسف

 

ثامر الحاج اميناللغة ــ كما نعرفها ــ هي أداة توصيل الأفكار والرغبات والمشاعر ومكون رئيسي في تشكيل هويات الشعوب، ومن اللغة ولدت اللهجات المتعددة لتكون طريقة من طرق أداؤها وايصالها الى الآخر، ولأن اللهجة بنت البيئة المحيطة، فانها وعبر سنوات من التداول اصبحت جزءً من الهوية المحلية وكاشفة لمرجعية المتحدث بها، فنجد لهجة مميزة لابن الريف والبادية والصعيد، ولدينا في العراق مايدعم هذا التنوع، حيث تجد للموصلي لهجته وكذلك للأنباري والبغدادي والجنوب بشكل عام، وهذا الأمر تسلل الى حقول الابداع فظهرت الوان من الغناء والشعر خاصة بكل بيئة، فظهر شعر النبط ــ ويسمى ايضا القصيد ــ  الذي شاع استخدامه في منطقة شبه الجزيرة العربية، وعلى صعيد الشعرالشعبي  نجد انه من النادر ان تقرأ لشاعر جمع بين لهجتين مختلفتين وكتب فيهما نصوصا شعرية مثل ما انطوت علية تجربة  "مظفر النواب" الشعرية التي انفردت بخاصية في استخدام المفردة، فقد تعامل النواب مع المفردة الشعبية وتوظيفها في عموم شعره بشكل يثير الدهشة والتأمل وذلك من خلال مزجه بين لهجات مختلفة يدل على استلهامه الارث العراقي الغني بالدلالات،  فهو وأن كان ابن بيئة وحاضنة مدنية ــ بغداد ــ الاّ ان قاموسه الشعري حفل بالعديد من رموز الريف العراقي ومفردات الوسط والجنوب واستحوذ الهورومعالمه الساحرة على مساحة غير قليلة من منجزه الشعري فكان المشحوف والجبيشة والمردي والقصب حاضرة وبقوة في قصائده، وقد أجاب النواب عن هذه المفارقة (الكثير من الناس يستغربون كيف أستعمل لغة الجنوب وأنا لم أعش فيه، وفعلا لم أعش حياة الهور بل كنت أزور المنطقة لخمسة أيام او ستة أيام، ولكن لحساسية المفردة هناك وموسقتها والانفعالية التي بها فقد سيطرت عليّ سيطرة تامة)، ياترى كم شاعر عاش هذه الحساسية وتمكن من ترجمتها لصالح نصه الشعري مثلما فعل النواب ؟ فانك حينما تقرأ اشعاره تكاد لاتصدق ان هذا الشاعر المنحدر من عائلة ارستقراطية قد تربى في بغداد وتلقى تعليمه العالي في مدارسها وذلك بسبب مايظهر عليه من تماهي مع حياة الجنوبيين الفقراء وانغماسه التام في تفاصيل حياتهم وحكاياتهم ولهجتهم فتجد قاموسه الشعري حافلا بالمفردات القريبة من حياة ونفسية الجنوب العراقي (أحاه، إشاه، ملهاش، كضك، لساع، حسك، عطابه، الكيظ، دخيلك، غرشه، افيش، شدهني، جثير،شكد، تجزي، نكضني، مسبوجه سمج، التفك) وهذا غيض من فيض والملفت للنظر هو استخدامه المفردة الجنوبية (جا) التي تشكّل هوية ابن الجنوب واللازمة في حديثه عندما يتحدث بها امام ابناء المدن الاخرى، حيث وظفها النواب في قصيدة " حسن الشموس " على لسان الأم وهي تستفز غيرة ابنها الثائر:

جا هو لعب دم الشعب يبني ... ؟

جا هو الشرف شكلين .. جاوبني

***

ثامر الحاج امين

 

عدنان ابوزيدانتقل عصر الخبر النقلي، من الصحافة التقليدية، الى وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح يُبث من موقع الحدث عبر الموبايل، صوتاً وصورةً، من دون الحاجة الى مراسل متخصّص.

هذا التطور، أنهى خصوصية الصحيفة في التفرد، الا في النادر القليل، كما اختزلت سرعة الارسال والنشر، الزمن، وباتت الاخبار تنشر على مستوى واحد من الوقت تقريبا.

الصحافة الغربية، التي تُموّل نفسها، في الغالب، من عائدات انتاجها، ادركت هذا التحول المفصلي، فسعت الى جذب القراء والحفاظ على مستويات الاهتمام، باعتماد التقارير الخاصة، والتحقيقات المبتكرة، والعمود الصحافي، وهي نوافذ تنسجم مع التطورات الجديدة، ما دفع الصحافة الغربية الى الاعتماد عليها، ان الصحيفة الرقمية او الورقية مهما بذلت الجهد في الخبر، فأنها لن تتفوق كثيرا فيه، لعدم قدرتها على تحقيق التميّز، بحكم انتشاره اللحظي عبر التقنيات الحديثة.

أصبح العمود الصحافي، وهو المساحة الحرة التي تضعها الصحيفة أمام الكتّاب بنافذة محددة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات، سمة مهمة للصحف، لكي تتمّيز.

وقد حرصت الصحف الغربية، على ابراز اسم الكاتب وصورته، كي تؤكد للجمهور، انّ الرأي يعبّر عن وجهة نظر كاتبه، حصرا، وان مهمة الصحيفة ايصاله الى الجمهور.

وفي أسلوب مماثل، شرعت صحف غربية في التركيز على التحقيق الصحافي الذي لا تستطيعه مواقع التواصل والتراسل الفوري، بانتقاء المواضيع الثرية المضمون، والتي تحلّل الظواهر وتستقصي ما وراء الاخبار.

على هذا النحو، تحافظ الصحف الغربية على القراء، لكنها في ذات الوقت، تقف على خط المواجهة لانها تطرح آراء ووجهات نظر، لتصبح ساحة صدام بين الأيديولوجيات، على الرغم من حرص الاعمدة والتحاليل والتقارير على النصوص الاحترافية، الخالية من اللغة المسيئة او الاتهامات، حتى المبطّنة منها.

في العام 1801، بدأت صحيفة "نيويورك بوست" على يد ألكساندر هاملتون منصتها التي أعلن منها الحزب الفيدرالي وجهات نظره، بما في ذلك الهجمات على الخصوم وفي مقدمتهم، توماس جيفرسون.

كان ديدن الصحافة الأمريكية المبكرة، هو التحزب، ويمكن القول ان الأحزاب السياسية هي التي أسست الصحافة اليومية، في وقت مبكر من القرن التاسع عشر. وبمرور الزمن تحررت الصحف من سطوة الأحزاب، نحو الاستقلالية.

ولكي تتخلص اكثر من هيمنة الأدلجة، اكتشف طالب طب شاب يدعى بنيامين داي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر أنه إذا أنتج صحيفة رخيصة، فإن المزيد من الناس سوف يشترونها، وهذا يعني فرض المزيد من الرسوم للحصول على إعلانات العملاء، و كانت صحيفة Day’s New York Sun أول جريدة نجحت في الابتعاد عن التمويل الحزبي.

ومنذ ذلك الوقت، باتت فكرة الحياد هي الهدف والوسيلة، كما كان العمود اليومي والتحليل والتحقيق الخاص، هو الذي يميز صحيفة عن أخرى، ويبرز هويتها.

وأسّس هوراس غريلي، في العام 1841 لفكرة فصل التقارير الإخبارية عن التحقيق و كتابة الرأي، في صحيفة "نيويورك تريبيون" ومنح للرأي صفحته الخاصة، وجعل من تحقيق الواقع الاستطلاعي، "المانشيت الرئيسي" اليومي.

و أطلق غريلي، أيضا فكرة المقال "Editorial" وهو العمود الذي يقدم رأي المؤسسة في الاحداث، على رغم الحياد الذي تلتزمه الصحيفة.

وبحلول أوائل القرن العشرين، تمتّع الكتّاب بمساحات اوسع في الصحف، وابرزت الصحف صورهم، للإشارة إلى القراّء بأن هذا هو رأيهم، وليس تقريرًا إخباريًا.

على هذا النحو، اكتسحت أعمدة الصحف الشهيرة، عالم النجومية، مثل الشاعرة الهزلية فرانكلين ب آدمز في صحيفة "نيويورك تريبيون" في عشرينيات القرن العشرين، و "إل إتش مينكين" في الثلاثينيات والأربعينيات. ووصل عدد قراء "وولتر ونجل" الذي نشر عموده في الصحيفة من 1920 حتى 1960، إلى نحو 50 مليون شخص في اليوم. واستمر هذه الاهتمام الشعبي بأعمدة كتاب مثل جورج ويل، وتوماس فريدمان، وجيل كولينز.

سوف تصمد الصحافة التقليدية، إذا ما حافظت على العمق في البحث عمّا وراء الخبر، بالعمود والتحقيق والتحليل، مهمّشة الاخبار، التي سوف تختص بها وسائل التواصل الفوري.

 

عدنان أبوزيد

 

سهى بطرس قوجاوقف متأملا مطولا في باحة منزله، مُمدًا بنظره لأبعد نقطة في السماء سارحًا ومفكرًا في أمور تحمل من الغرابة ما يجعل الحياة تبدو غريبة وعجيبة في تدابيرها! ينظر ويطأطأ رأسه نحو الأرض وكأنه يقيس المسافة التي لا قياس لها ما بين السماء والأرض. أنه يبحث عن أجوبة لتساؤلات تخطر في باله وتتضارب مع ما يتصارع في أعماقه. يريد أن يفهم ويعرف: لماذا ما يأتي يذهب، ولكن ليس بدون عواقب باختلاف وقعها؟! يريد أن يقول: لما لا نحاول أن نكون أكثر تفهمًا لذواتنا، ولما لا نقدم على المحاولة في بناء إنسان جديد يختلف عن ذلك المولود المتأثر بذاك القديم المتوارث؟!

أنها طبيعة الحياة وطبيعة من يعمل فيها ولكن ليس كلها يحمل القسوة ذاتها أو الغرابة أو التلاعب ذاته أو التغيير نفسه. هناك اختلاف وهناك تباين ما زال هنالك إنسان من جنسين مختلفين يقطنها، هناك قدوم يعقبه رحيل وما بينهما هو ما يبقى غير مفهوم ومُبهم.

هل الإنسان فعلا جُبل من الخطيئة أم على الخطيئة؟!

 الإنسان منذ أن خلق وهو في تطور ولكن في الظاهر وليس الباطن. هناك إدامة واستمرارية وهناك بقاء على الحواف، كثير من الحواجز البشرية تصارع من أجل ان تُبقي آخرين على حافة الحياة وكأنها تريد أن تنهي أعمال لم تبصر البداية أو تنهي حياة ما زالت توها تبتدئ وتتبرعم في الربيع. هناك تقليد وزيف في سبيل حجب ما هو حقيقي! هنالك نوع من عدم التوافق الذاتي يعيشه البعض ويريدون ممارسته على الغير، هناك محاولة ولكن ليس من أجل الأفضل بل من أجل التسارع في الهدم وخلق جدار صلب كل من يصله ويتكأ عليه يصبح بنفس درجة صلابته وقسوته.

فالإنسان لم يخلق من الخطيئة بل يسعى إليها حينما تأتيه الفرصة والمصلحة، فهي ليست مفروضة ولكن هو يفرضها حينما يلبسها مثل أي ثوب. لا أعرف لما الإنسان غالبا ما يراوح في نفس النقطة محاولا أن يعمل منها حفرة كبيرة تتسع لكل ما يُلقى بها؟! أليس هذا ما يسعى إليه مرات كثيرة حينما يعيش الضياع والتشتت مع نفسه، وحينما هو نفسه يرغب في أن يكون مجرد هيكل فارغ يسكنه صدى افكاره الفارغة؟!

الحياة لا تنتهي وهي محاولات وليس محاولة واحدة، إن خبت في الأولى فما زال هناك ثانية وثالثة بما إن إرادتك باقية بنفس قوتها وإصرارها. إنك إنسان وإنك خلقت من المحاولة ومن أجل أن تكون، فلما لا تحاول أن تغير من مصيرك بحيث يبقيك إنسان على الدوام مع نفسك ومع الآخر؟ وكون على يقين أننا لا نملك حياتنا ولكن نملك أن نجعلها تمتلك ما يجعلها يستحق قيمتها، فأجعلها تستحقك وأجعلها تبدو أنيقة بك.

حينما نكون بصدد فهم الحياة، فلابد من أن نفهم أنفسنا أولا والتقرب منها، أنها ساعات تأتينا لتعقبها أخرى، تأخذ ما تأخذ لترحل ببعضها والآتي بعدها لا يعوضها ولا يشبهها. نعم .. جميع ما في الحياة يذهب ليأتي غيره، أنها سُنة الحياة التي تغير الكثير من المصير باختلاف تواجده في الحياة وحياة ما في الكون وبمساعدة الإنسان نحو الأفضل والأبقى. 

ويا ريت لو يبقي كل إنسان نظره نحو الشمس لتنير بصيرته وليعرف كيف يضع خطواته وكيف يصنع ساعاته وكيف يعيش يومه ويطور من قدراته في سبيل التغيير والتطوير والإصلاح. 

 

سهى بطرس قوجا

.

علجية عيش (في تعقيب الأديب الطاهر يحياوي على الروائي أمين الزاوي)

عقّب الأديب الجزائري الطاهر يحياوي على تصريحات الروائي الجزائري أمين الزاوي حيث قال هذا الأخير في مقال له أن "القارئ باللغة العربية يخوّف أكثر من الشرطة والأئمة"، وقد أكد الأديب الطاهر يحياوي أن اللغة العربية هي التي أنجبت صلاح الدين وهواري بومدين وجمال عبد الناصر والملك فيصل وعمر المختار والعربي بن مهيدي وفاطمة نسومر وعميـروش ومولود قاسم وعبد الحميد بن باديس، فهل سيرد الزاوي على يحياوي أم أنه سيلزم الصمت ويعمل بمقولة " أكتب وضع بصمتك واترك النقاد ينتقدون"

وفي هذا التعقيب جدد الأديب الطاهر يحياوي موقفه من أدب الطابو الذي يقوم على ثلاثية : "المقدس والسياسة والجنس"، وقال الأديب الطاهر يحياوي أن "أدب الطابو" تيار دار عليه الزمن أو كما قال هو أكلته الأيام، لأن ما يحدث اليوم في كل الأوطان العربية تجاوز كل الحدود ولا حاجة للشعوب اليوم إلى (طابو السياسة) ، وقد بدا تعقيب الأديب الطاهر يحياوي في البداية على مقال الزاوي بلغة عتاب، ليتحول إلى حرب كلامية شنّها عليه، لاسيما والروائي امين الزاوي معروف بجرأته في الطرح واعتيادة على تكسير كل الحواجز، وتجاوزه الخطوط الحمراء اثناء الكتابة، ربما أمين الزواي كباقي الكتاب المتحررين، قد يخرج عن دائرة الوعي وهو يكتب بحرية، بحيث يصف الأشياء على طبيعتها، وكأنه يرحل بالقارئ إلى العصر الذي ظهر في أول البشر آدم وحواء وهما بدون غطاء يستر عوراتهما، ولذا يرى أن الكتابة وجب لأن تكون عارية، والحقيقة أن الكاتب عندما يريد التعمق في الكتابة فهو قد يختار الوقت الملائم لكي يتحرر من كل شيئ حتى المقدسات.

و قد استعمل الأديب الطاهر يحياوي مصطلح المقدسيين من أنبياء وأطهار وصالحين وشرفاء؟!، حيث ربط ما يكتبه هذا الروائي بالقضية الفلسطينية، حتى يثير مشاعر القارئ العربي (المحافظ والمتحفظ)، هذا القارئ الذي يجعل من كل كتابة متحررة على انها خارجة عن المألوف، أو عارٌ إن صح القول، إذ نجد الأديب الطاهر يحياوي يدعو إلى عدم الخوض في هذا النوع من الكتابات، لدرجة أنه خاطب الزاوي باسلوب الردع، عندما قال له في تعقيبه: " وأنت يا دكتور ممن يقيمون للمصطلح اصطلاحه، وإلا فبأي حق أن تكتب في أدب الطابو كما يحلو لك وتجعل من نفسك ومن كتابتك (طابو) وترفض أن يكتب الناس عنك أو عن غيرك"، ويعتبر الأديب الطاهر يحياوي قضية الكتابة ضد المقدس والكتابة دفاعا عن المقدس ليست قضية جديدة في الفكر وفي الثقافة وفي الإبداع وليست قضية مقتصرة على أمّة من أمم العالم من أقصاه إلى أقصاه قديما وحديثا، فهذا هو الفكر وهذه هي جدلية العطاء والإبداع القائمة على الرأي والرأي الآخر وعلى الأخذ والعطاء، كما أضاف.

و المتتبع لتعقيب الأديب الطاهر يحياوي خاصة عندما قال : لم يحدث في تاريخ الإنسانية أن طلع دكتور دكتاتور يقول للناس أنا أكتب كما أشاء وأنتم لن أسمح لكم بأن تكتبوا عني أو عن أدبي، يقف على أنه يحذر من "الدكتاتورية الفكرية" ، ويريبذلك القول أن من حق الناقد أن ينتقد وبالطريقة التي يراها هو، ومن حقه أن يدافع عن القارئ واحترام ذوقه وإيديولوجيته، وأن لا يلصق به وصف مسيئ ومشين، وهنا نجد أن صاحب الرد أي الأديب الطاهر يحياوي محق ، لأنه ليس من حق أي كاتب مهما كان مستواه (دكتور/ ليس دكتور) أن يتهم القارئ باللغة العربية بالإرهابي، كما ليس من حق أي كاتب ان يصف القارء باللغة الفرنسية أو بلغة أخرى أجنبية بالخائن أو العميل أو الداعي إلى التطبيع، لأن الكتابة لا دين لها ولا جنسية، ونلاحظ أن الأديب الطاهر يحياوي في تعقيبه على الروائي امين الزاوي اشار إلى نقطة مهمة جدا، وهي جرائم الإستعمار الفرنسي، ما زال الجزائريون يعيشونها إلى اليوم .

 نعم..، فتاريخ فرنسا كما قال الطاهر يحياوي منذ أن عرف المجتمع الدولي دولة اسمها فرنسا وهي تستعمر الشعوب، وتفتك بالبشرية الإنسانية دون أي اعتبار، وتاريخ استعمارها الإجرامي في الجزائر على مرأى من أعيننا وفي عقر دارنا لا يحتمل الشك والاحتمال، وما تزال فرنسا إلى هذا العهد متمسكة بالاستعمار التقليدي القديم في جنوب إفريقيا بالرغم من أن كل العالم أقلع عن الاستعمار التقليدي ولكن لا أحد قال عن اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية أنها لغة استعمارية ويربطها بصفة الاستعمار والاستعمارية، وإسرائيل تمارس الاحتلال والقمع والإرهاب، وتمارس قتل المدنين والأبرياء والأطفال والنساء وتدمر حتى المدارس والمستشفيات وتحرق المزارع نهارا جهارا أمام العالم وأمام كميرات العالم، ولكن لا أحد قال عنها أنها لغة استعمار وظلم وأنها لغة تنتج ثقافة الحقد الإنساني وثقافة الاستعمار، وألمانيا النازية كانت جريمة كبرى في تاريخ الإنسانية وتهديدا لكل العالم ولا أحد اليوم يقول عن الألمانية أنها لغة نازية وفي الاتحاد السفياتي حقد خمسة وعشرون مليونا في (الثورة الحمراء) ثورة الشيوعيين الذين أرادوا أن يطبقوا الماركسية بالقوة، وهي اقتتال شعبي واسع ولا أحد يربط بين اللغة الروسية وتاريخ الجريمة التي وقعت.

نؤيد هذا الرأي الذي لا يأتي إلا من مثقف جزائري حرّ، الذي وصف التطرف بأنه سلوك إنساني قديم لدى كل شعوب المعمورة، هذا التطرف كما قال تغذيه أسباب سياسية اجتماعية وتربوية، فكل شعب في أيّ دولة مؤهل لأن تظهر فيه نزعة التطرف سواء الديني أو الأخلاقي أو السياسي أو الاجتماعي، إذا غابت ضوابط المجتمع، ، وغابت ثقافة التربية الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية وغابت العدالة، ونضيف نحن "التطرف الفكري" ، فالفكر أضحى بحاجة إلى الأمن، ومن يحميه ويدافع عنه من العقلانيين، ورفع عن أصحابه نزعة التعصب، ومما لا شك فيه أنه لا أحد يدعم موقف الزّاوي في جعل اللغة العربية لغة إرهاب، لأنها لغة القرآن قبل كل شيئ، إلا أننا نعيب على الأديب الطاهر يحياوي وهو يتحدث عن التطرف بكل أشكاله بأنه لم يتطرق إلى وضعية الجزائر وما عاشته في بداية التسعينيات، فيما سمي بالعشرية السوداء، اغتيل فيها مثقفون وكُتَّاب وإعلاميون، دافعوا عن حرية الرأي والتعبير، ونادوا بالتغيير، لا يهم إن كانوا يمثلون التيار الفرنكفوني أو العروبي، وهو الذي قال: إن التطرف دائما يأتي ردا لفعل، فالصراع بين المثقفين ليس بالجديد، وفي كل دولة نسمع عن ميلاد ألفريد دريفوس جديد ALFRED DREYFUS، وكان هذا الظهور بداية الصراع بين المثقف والسلطة.

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/14454

الإختلاف فقط في الجنسيات (أوروبي، عربي أو أفريقي)، وألفريد دريفوس كان ضابطا فرنسا من أصل يهودي برتبة قبطان، أدانته المحكمة الفرنسية لتسريبه معلومات عسكرية إلى ألمانيا ، في 22 ديسمبر 1894 ، بحيث تم نفيه إلى الجزر الغابرة، رغم غياب أدلة تثبت تورطه..، وقد حولت هذه المحاكمة إلى إشعال نارا سياسية كبرى عصفت بالحياة الاجتماعية والسياسية في فرنسا، وبينما سكت رجال السياسة عن هذه القضية آنذاك وقف عدد كبير من المفكرين والفلاسفة للدفاع عن دريفوس ومن بينهم الروائي "إميل زولا"ZOLA في رسالة له إلى رئيس الجمهورية الفرنسي التي عنونها " إني أتهم"، زولا الذي اتسم بنزعة تفاؤلية كبيرة وبقناعة كاملة على انتصار الفكر على السلطة، فقد كان كتاب زولا بمثارة الشرارة الأولى في تبرئة دريفوس، وهكذا نشأ مفهوم المثقف أول ما نشأ بفرنسا مع انفجار هذه القضية.

ما يعيب على المثقف العربي، أن صراعه ليس مع السلطة فقط، وإنما الصراع الحقيقي هو صراع بين المثقف والمثقف نفسه، صراع بين الأنا والآخر، صراع بين الثابت والمتغير، ويظهر ان هناك تنافس كبير بين الكتاب والأدباء والمفكرين وحتى النقاد، تنافس بين من يكتب أكثر، ومن له الجرأة في طرح المشكلات، ومن هو الأفضل، وأصبح الصراع على الألقاب لا أقل ولا أكثر، ومن له الأحقية في حمل صفة هذا أديب وذاك مفكر ، وينظرون إلى الكاتب المبتدئ بأنه ما زال في الخشبة الأولى من السُلَّمِ، فقضية دريفوس سجلت باعتبارها صراعا ثقافيا انتصارا "للإنتلجانسيا الدنيا " على "الإنتلجانسيا العليا"، أي انتصار صغار المثقفين على كبار المثقفين...

 السؤال الذي يمكن أن نوجهه للأديب الطاهر يحياوي هو: هل يوجد كاتب كبير وكاتب صغير، أم أنه يريد الحديث عن "الإنتلجانسيا " كما تمت الإشارة إليه آنفا، وقد يُطْرَحُ السؤال بصيغة أخرى، كيف نحكم على الكاتب ونقول يوجدذ كاتب كبير وكاتب صغير، والكتابة هي نفسها كتابة، وماهي مقاييس الكتابة عند الكاتب ، هل بعدد الإصدارات، أم بالشهادات ( دكتور/ ليس دكتور)، أم أنه كاتب بالفطرة، أي أنه ولد وفي يده قلم ذهب ، أم أنه يشبه سيدنا عيسى الذي تكلم في المهد، أم سيدنا يوسف الذي علمه الله تأويل الرؤيا و..و..الخ، ثم أن هذا الأمر يقودنا إلى معرفة إذا ما كانت الكتابة سلوك فطري في الإنسان أم سلوك مكتسبٌ ، تتطور مع الوقت عن طريق القراءة والبحث والتنقيب في أمهات الكتب؟، وكما قال: الفيلسوف الفرنسي جول لانيو، نحن نبحث عن مثقف أو مفكر يلعب بالسياسي دون أن تحرقه نار السياسة، وفي الأخير نقول أن اللغة العربية تظل المعيار الحقيقي للمسلمين، لأنها لغة القرآن، أما تعلم اللغات الأجنبية فهي من أجل مواكبة التطور العلمي والعصرنة، والصراع بين المعربين والمفرنسين له ظروفه التاريخية والسياسية.

 

علجية عيش بتصرف

 

شاكر فريد حسننزيه حسون شاعر وطني ملتزم مرهف الاحساس، صادق الاداء، وصوت جميل عذب في حدائق الشعر الوطني الانساني والغزلي الوجداني . عرفناه منذ سبعينات القرن الماضي من خلال قصائده التي كان ينشرها في أدبيات الحزب الشيوعي "الاتحاد" و"الجديد" و"الغد".

وكنت تعرفت على نزيه حسون شخصيًا في أحد مخيمات العمل التطوعي في الناصرة، التي كان يشارك فيها ويلقي قصائده في أمسيات المخيم .

أصدر نزيه ديوانه الشعري الاول العام 1980 بعنوان " ميلاد في رحم المأساة " وكنت كتبت مداخلة عنه نشرت آنذاك في مجلة " الكاتب " المقدسية، لصاحبها الشاعر والكاتب أسعد الأسعد، وتبعه بديوانه الثاني " أبحث عن جسد يلد النصر " في العام 1983، بعد ذلك صدر له كتاب " أروع ما قيل في توفيق زياد " العام 1997، ثم توالت بالصدور كتبه دواوينه " سمفونية الحزن المسافر" (2006)، و" مزامير من سورة العشق " (2007، و" تأخذ القصيدة ملامحك " (2008)، و" أبحث عن وطني في وطني " (2009) و"عشق على سفر " (2010) و" ما تيسر من عشق وطن " (2012)، ولآلئ الفكر " (2013)، و" لحظة عشق تشعلني " (2013) .

وهو يكتب القصيدة العمودية الكلاسيكية، وقصيدة التفعيلة، والقصيدة الحديثة، ويجيد الكتابة بكل الالوان والانواع .

نزيه حسون شاعر ملتحم وملتصق بقضايا وطنه وشعبه وأمته، فهو ابن الوطن الفلسطيني، يعيش مأساته وهمومه الصغيرة والكبيرة، وجراح شعبه ومعاناة أمته .

وفي كل كتاباته يمزج نزيه حسون بين حبه لوطنه وحبه للمرأة المعشوقة، فالمرأة وطن، والوطن امرأة يعشقها بكل أحاسيسه ونبضات قلبه، والعنوان العريض لقصائده هو العشق بكل ما يمثله من وجد وشوق وحنين ونبض وجدان وعواطف جياشة ملتهبة، واندماج عاطفي . ويوظف لغة الغزل والعشق للتعبير عن ارتباطه والتصاقه بالوطن وجغرافيته وانسانيته، والبوح عن مشاعره الوطنية والوجدانية بأعذب الكلام وأرقه، فلنسمعه يردد قائلًا :

أرض الجليل الى عينيك يحملني عشق يكاد بنار الشوق يصليني.

هذي زهورك والأفنان باسقةٌ تنمو بروحي على هباتِ نسرين

هذي ربوعك بالزيتون قد غرست على السفوح كروم اللوز والتين

أرض الجليل واين الدرب يلقيني ما عاد اغراء النساء يثيرني

انت النساء جميعهن اميرتي لكني في الحب فارسك الوحيد.

وتتسم قصائد شاعرنا نزيه حسون بالحس الجمالي، والرقة والعذوبة والرهافة والشفافية والعفوية الجميلة، والصور الشعرية المبتكرة الجديدة التي تضفي على المشاهد التي ترسمها دينامية تجعل القارئ يستحضرها في علاقة بما تشير اليه من قضايا وهموم انسانية ورؤى فكرية وجمالية .

نزيه حسون صاحب شاعرية متوقدة، مرهف الاحساس بفكرة الحب، يحلق عاليًا بلغة شعرية مصطفاة، يراقص النجوم، ويغني الحلم، ويطرد الأحزان من النفوس، وينسج من خيوط الشمس جداول ماء على خدود الانهار، ويرسم بريشة فنان همسات ندى ولحن القلوب . وتحتشد قصائده بالصور الجديدة والتشبيهات والاستعارات والوان البديع، وينجح بالجمع بين الايجاز والمجاز والرمز واستخدام لغة الروح التي تصعد الى قمة التكثيف، وينساب داخل ايقاع بسيط وهادئ يمتد في رؤى رومانسية بأقصى صورها وأشكالها ومجازاتها:

يَزْدادُ جُرْحُ القَلْبِ إنْ هَبَّ النَّوّى

وَالقَلْبُ إنْ هَبَّ زَادَ اتِسَاع

إنِّي عَشِقتُكِ قَبَلَ مِيلاد الهَوَى

قَبْلَ انبِلاج النُّور في الكونِ المُشَاعْ

وَرَضِعْتُ هَذا العِشقَ مِثلَ مُتَيمٍ

قلبي لأَمْرِ العِشقِ يَنْصاعُ انصِياع

عجَبَا لِنارِ العِشقِ تَكوي رُوحَنَا

وَنَظَّلُ نَهْرَعُ نَحْوها مِثلَ الجيَاع

إنِّي سأرثِي في بُعَادِكٍ مُهْجَتي

وأقول ُ يا قَلْبِي عًلى الدُّنْيَا الوَداعْ

وفي الاجمال نصوص نزيه حسون متنوعة الاغراض والموضوعات منها الوطنية والغزلية الوجدانية الانسانية، وما يميزها أسلوب الطرح الذي يجمع جمال المبنى وكمال المعنى، إضافة الى الرومانسية التي تطبع روح القارئ بمشاعر انسانية راقية تأخذه الى عوالم وآفاق جميلة تخفف من وطأة الواقع القاسي، وهي بمنتهى الروعة والبساطة والعمق والجمال التعبيري والاحساس الشفيف الصادق .

وتحية خالصة وباقة ورد للصديق الشاعر الجميل العذب نزيه حسون، متمنيًا له المزيد من العطاء والابداع الشعري

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

نبيل عودةاقرا بشوق كبير رواية 1948 تأليف جورج أوريل، التي تقع في دولة إيرستريب 1 وهي مقاطعة من دولة عظمى تدعى أوشينيا (بريطانيا العظمى سابقا)، في عالم متخيل صاغه جورج اوريل بذكاء حتى لا يتهم من الحزبيين العقائديين، رغم انهيار نظامهم، بانه يشوه تاريخ ثوراتهم الاشتراكية، ويرفضون المقارنة التي تصعد تلقائيا لفكر القارئ عن العلاقة بين الرواية المتخيلة والحقيقة المجسمة في انظمة سقطت، دون ان تجد حماية حتى من أقرب كوادرها واعضاء حزبها او جيوشها العقائدية.

حسب الرواية يتميز النظام السياسي الذي يسمي نفسه بالاشتراكي بانه نظام استبدادي قمعي يتحكم بالنظام وأعضاء الحزب ويعتبرون الفردية والتفكير الحر بوصفها جرائم فكر. يعاقب عليها من يتهم بالتفكير الحر بالإعدام. جرائم التصفية بما في ذلك تصفية القيادات المؤسسة للنظام (هذا جرى في حكم ستالين بتصفيته القيادات التي قادت الثورة الاشتراكية) لأنها ربما ما زالت متمسكة بالفكر الثوري الذي خاضت به الثورة، لذا هي خطر على الأخ الكبير (الرفيق الحاكم المطلق) ربما لأنهم يعارضون استبداده او يختلفون على اسلوبه الديكتاتوري، ولم يصبحوا أقرب للنعل الذي يرتديه. 

الرئيس (الأخ الكبير) سيطر وأصبح الطاغية ويرمز اليه بصفته ديكتاتور يعد حتى انفاس المواطنين. وله في كل موقع لوحة شاشة كبيرة لمراقبة المواطنين والموظفين وهمساتهم والاعدام او المحاكمات تمحى من سجلات التاريخ. لذا ملايين الأسماء التي أعدم اصحابها ومحيت اسماؤهم من السجلات الحكومية.

  بطل الرواية، وينستون سميث، موظف طبعا عضو حزب لا يفقه شيئا من فكره، ووظيفته هي التزوير وقلب الحقائق ضمن وظيفته التي يصفها جورج اوريل بطريقة تثير لدى القارئ السخرية بأكثر اشكالها سوادا. مثلا الحكومة اعلنت عن نمو اقتصادي بنسبة 10% لكن النمو كان اقل من 4% يجب تصحيح ان توقعات الحكومة هو نمو اقتصادي 3% ونجحت الحكومة بجعله 4%. الخطة مثلا انتاج 160 مليون حذاء لكن الانتاج كان 56 مليون حذاء لذا تزور الخطة الى ان الهدف كان 45 مليون حذاء فأنتجنا 56 مليون حذاء، وهكذا دواليك الرفيق الأخ الكبير دائما دقيق في التنبؤات بكل ما يخص الدولة والانتاج.

وزارة الحقيقة مثلا مسؤولة عن الدعاية ومراجعة التاريخ؛ وعمل سميث هو إعادة كتابة المقالات القديمة وتغيير الحقائق التاريخية بحيث تتفق مع ما يعلنه الحزب على الدوام. يتلقى الموظفون في وزارة الحقيقة تعليمات تحدد التصحيحات المطلوبة، وتصفها بالتعديلات عوضًا عن التزييفان والأكاذيب التي تحرق وتختفي من السجلات. لذا يعكف جزء كبير من الوزارة على تدمير المستندات الأصلية التي لا تتضمن تلك التعديلات. وبذلك يذهب الدليل على كذب الحكومة أدراج الرياح. يجتهد وينستون في عمله ويؤديه على أكمل وجه، مع أنه يبغض الحزب سرًا ويحلم بإضرام ثورة على الأخ الكبير. ويثير جورج اوريل في سرده الشكوك حول ما آل اليه مصير والديه اذ أنهما "اختفيا" وهو بجيل صغير ولا يتذكر عنهما شيئا.

طبعا هناك جوانب مثيرة عديدة اتركها ليكتشفها القارئ ويتمتع او يحزن لما حدث لحلم انساني كان كبيرا فتلاشى.

رواية1984، يمكن وصفها برواية خيالية لكنها تفضح الأنظمة الشمولية (النازية والفاشية والشيوعية)

طبعا سينتقدني بعض الرفاق على الصاقي الشيوعية بالأنظمة الاستبدادية، لأنهم مع الاسف غاطسون بنومة اهل الكهف على افكار قديمة تضليلية، لم تخدم الفكر الماركسي الانساني، ولا الفكر الشيوعي بل السلطة الديكتاتورية وعبادة الزعيم لدرجة تأليهه. من هنا ايها الرفاق بدا الانهيار في النظام الذي رأينا به حلما انسانيا راقيا وعادلا، اعطيته انا شخصيا نصف عمري.

ما زلت بوسط الرواية. وانصح كل انسان يملك تفكيرا حرا وعشقا للأدب الجيد ان يقرا رواية 1948، ويفكر بحقيقة الأنظمة التي حلمنا ان تكون خلاصا للإنسانية من الاستغلال والاستبداد والتحكم بعقل البشر بالأساطير والأكاذيب والارهاب.

كتبت هذا النص قبل ان انهي الرواية بدافع أنى يجب ان اقول شيئا عن هذا العمل الروائي العظيم.

واتمنى من كل انسان يحترم فكره وعقله ان يقرا هذه الرواية ويفكر بتفاصيلها ويقارنها مع انظمة سقطت دون ان يقوم أي شعب عاش تحت سلطتها "العادلة" بالدفاع عنها، حتى جيوشها وقفت متفرجة لا يعنيها سقوط نظامها. بل ربما ساهمت بسقوطه بصمتها ووقوفها على الحياد، مثبتة ان النظرية التي تشوه لا تجد من يحميها وينتصر لحزبها ودولتها، وللأسف تحولت الأحزاب التي كانت تفتخر بانها تضم ملايين الأعضاء الى مجرد تنظيمات مفلسة لم تجد عشرة اشخاص يقفون لحمايتها، بل حتى اعضائها كانون يتمنون نهايتها.

 

نبيل عودة

 

احمد الشيخاوي[أتقصد أن أتوارى عن عيون أحبتي، وأختفي بين أحراش الذل، وأهجر تلك القلوب المتألمة وجميع تلك الأماني والأحلام..؟ ماذا عن تضحيات الأجداد؟ ألم تكن دماؤهم نهرا مازال يروينا؟(1).

وأنت تطالع مجموعة "نجوى الذكريات" للقاص المغربي احمد العكيدي، الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، تتبين كيف أنها انتهجت لونا مغايرا في القص، بحيث حرّرت الذات الساردة من متاهة وتشعب الشخصيات، وقد اكتفت بالخطاب الموجه للآخر وأحيانا الغائب، فيما الحضور النرجسي خاطف ومقل، كل ذلك لكي تحيل على نيوكلاسيكية في السرد، تجرد تشظيات الذات والوطن، وتتحف بسلاسة اللغة، والاتكاء على أسلوبية الاسترجاع وتقنين مناولة الأماكن، ما منح مثل هذه السردية نكهة خاصة، خلافا لما ألفناه من تجارب تغرق في التفاصيل، وفوضى الشخوص، وغير ذلك من الزوائد الذاهبة بروح وجمالية القص.

تقع المجموعة في مائة صفحة من القطع المتوسط، تدور في فلك واحد تقريبا، يحتفي بالأقصوصة وازنة باحترام تقنياتها، قدر الإمكان، مع تركيز شديد على استنطاق هوياتي، يقلب المنظومة المفاهيمة المتجذرة في حس الانتماء، ويتباهى بالذاكرة، كونها ترمز إلى فتوحات وبطولات ودماء الأجداد.

ولكن دون التفريط في تيمات أخرى، تترجم بلورتها البعد الإنساني، في هوية لامة مشتركة، ومسوّقة لقيم الفطرة والاعتدال ومعاني الخيرية والحب والتسامي والجمال.

بحيث نجد لها ظلالا، ومخملية عبور، مابين الانشغالات الهوياتية والوجودية، مثلما تزكي ذلك العديد من نصوص المجموعة.

نسوق له الاقتباس التالي، كذلك:

[أطلّ برأسه عبر النافذة؛ فلامسته قطرات الماء الباردة، وانتقلت إلى جسده انتعاشة غريبة أحيت بباطنه عواطف ميتة، وحفزت في دواخله مشاعر جامدة...

أخذ صندوق أسراره أو كما يسميه صرة الكآبة، المغلق مند الواقعة ونفض الغبار عنه والأتربة، هذه رسالة من حبيب قد هجر، تلك صورة له في زمن قد ولى، يتباهى بتدخين سيجارة أيام المراهقة، تأمل ملامحه وقتئذ لا شيء تغير، هو نفس الجسد النحيل، التجاعيد فقط أصبحت تؤثث كل جسمه، هذا تذكار من زميل الدراسة انقطعت الأخبار بينهما منذ أجل غير قريب](2).

من هنا تتضح أهمية الذاكرة، بوصفها نورا أصليا، تؤوب إليه جميع خيوط السرد في هذا المنجز، فيما التتابع أو تعاقب الأجيال، مجرد هوة، ومساحات مشوهة ومشوشة على صفحات التصالح مع الجذر، وخيارات ربط الاتصال به، والعودة إلى مركزيته في دورة شبه كاملة، تصون للخلف ملامح تعصرنه، ورهانات تقدميته، دونما تنكر أو عقوق.

مثلما نقتطف له، في سياقات عاطفية، هذا النفس الرومانتكي الزاهي، الغامز بلغة القلب النقية، بل وشعرية الصلة بالنوع المقابل، كضرب هادر بإيقاعات تمجيد الأنثوي، يقول:

[لم تكن هي نفسها عندما فتحت الباب وخرجت، لم تكن تحمل معها مجلتها النسوية وهاتفها الوردي الرائق، حتى عطرها الفرنسي الجميل لا يفوح في الفضاء كعادته.عيناها حمراوان وشفتاها ذابلتان من غير مكياج، وجهها شاحب تغطيه سحنة الأموات...

مرت من أمامي في مكان التقائنا المألوف كأني غير موجود، لم تنظر قط نحوي كأنها لم تراني، ابتاعت باقة ورد كبيرة فازدادت حيرتي: الورود في قاموسي رمز الفرح والسرور وحالها ليس كذلك...

همست لها وهي عائدة بكلمات جميلة؛فالتفتت نحوي في ذهول وحدقت بي شاردة الذهن للحظات حسبتها الدهر حتى كادت نظراتها تخترق فؤادي.تسللت قطرات العرق الباردة فوق جبيني وأحسست بأن الجميع يراقبني وبأعداء التضامن الطبقي يشمتون بي ويتبجحون بصحة نظرياتهم حول حتمية الصراع الطبقي.ثم ركبت سيارتها وذهبت من غير لوم ولا عتاب] (3).

وإذن ...هو خطاب القلب المدغدغ بشعرية الوجود، ليس ينغص على انسيابيته وسلسبيل جريانه في عروق عاشق الوطن بليلاه، سوى راهن الطبقية البغيضة، صانعة كامل هذه الأقنعة، والأوجاع المبطنة بالفرح الهارب.

مجرد ماكياج، الحب كشعور أسمى وأهل لفوقية، بحيث يفسده تكلّفنا إياه، معلنين إفلاسنا الوجداني، ما دمنا قد خنّاه بهذا الشكل، وبدل أن نقدّسه، تلطخنا بتأويلاته الخاطئة والمغرضة، فكان ما صبغ بالزيف، هويتنا، وأضطرم له غبننا في مفردة مطلية بأريج الفراديس، وهبة فرطنا بها كثيرا، وربما استثمرناها في غير ما ولدت هي له، غسل أخطائنا التي غالبا ما نحمل التاريخ مسؤوليتها.

يقول أيضا:

[تفقد صفحاتها على جدران قلبك، اقرأها بعبق الحب، واكتشف ماهيتها بعد هذه السنين.فك شفرتها بعدما استعصت عليك كل هذا الزمن وقد غطى البياض معظم شعرك وعرى الترحال مقدمة رأسك.

تأملها بشغف جارف، امزجها بأنفاسك واستنشق بلسمها لدائك، داعبها بعاطفتك، سافر معها في أحلامك، ارسمها على بياض عواطفك، انقشها على نواة إحساسك، ثم أخبرني..أخبرني عن ظلال الهوى البهيجة في ثناياها وحطّم عنك أغلال نزواتك التي لهت وراءها.

لا تتأوه، أعرف أن صدرك يضيق بالكلمات، لطالما رغبت عنها واشتهيت المحسوسات.

ما بالك اليوم تدق باب بيتي، ألم ترو عطشك تلك الماديات؟](4).

هي نجوى خفيضة، حافظة لوصايا القلب الخالدة، بلا شك، وإن اختلطت أوراق الانتماء و صدحت بفلسفتها انشطارات الذات، وانكسرت عند حدود الماديات، روح الكائن، وتغرّبت ونزفت لأسر واستعباد الجسد.

بذلك، نكون إزاء قاص واعد، لم يجدّف في فضاء القص، أبعد من التخيل، كي يدهشنا بنفسه السردي، عبر منطق الاكتفاء بخطاب نيوكلاسيكي، استطاع الاستعاضة به، عن الفراغ الذي من الممكن أن يخلفه دأب الإكثار من الشخصيات، وتداخل عوالمها، حدا تنزلق مع اللعبة السردية، إلى خندق الحكي المنمط المضجر.

ناورت الذات الساردة، على نحو مقنّع، مقنع بشذرات القص، والج في أبجديات وخلفيات الذاكرة، ممسوسا بنبرة الأنوي، لينسج في الأخير، كهذه فسيفساء سردية، تتشاكل في معمارها مفاهيم العاطفي والهوياتي والوجودي.

ناثرة مزق الذات والوطن، ومنحازة لصف إنسانية ونورانية وروحانية الكائن، وقد خانه كل ما هو امتداد وظلال ومرايا له، بحيث لم تبق سوى الذاكرة، أفقا للتصادي والإيجابية والخلاص، يؤثره هذا الكائن المطعون في إنسانيته، ويشتهي المغامرة في متاهاته المدبجة بتاريخ البياض والانتصارات والأمجاد.

 

أحمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

.....................             

هامش:

(1) مقتطف من أقصوصة" شذرات وطن" صفحة3.

(2) مقتطف من نص "النور الأول"صفحة25.

(3) مقتبس من نص" بؤس وورود" صفحة37.

(4) مقتطف من نص "كلمات" صفحة 78.

 

شاكر فريد حسنعرفت الحركة الأدبية المحلية والمشهد الشعري في هذه الديار على امتداد السنوات المنقضية عشرات الشعراء برزت أسماؤهم على الصفحات الأدبية والمجلات والدوريات الثقافية. ومن هذه الأسماء الشاعر والفنان التشكيلي والناشط الثقافي أسامة ملحم، ابن بلدة كفر ياسيف .

تعود معرفتي بالصديق أسامة ملحم إلى أيام الطفولة، عندما التقاه الأديب المرحوم ميشيل حداد (أبو الأديب) وكتب عنه في مجلة "لأولادنا" كرسام شقيق الفنان كمال ملحم، وكان حينها في الصف الخامس الابتدائي .

ثم تقريته في صحافة الحزب الشيوعي "الاتحاد، الغد، والجديد"، بعدها تعرفت اليه شخصيًا عندما قام بزيارتي في العام 2007 وأهداني كتابه الموسوم "نقرزات" وهو لوحات نثرية وقطرات من حبر الروح، وتقديم الصحفي حسين سويطي .

ويشغل أسامة ملحم مدير مجلة "ميس" الثقافية الدورية، وعضوًا في اتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين، وله رصيد وكم كبير من النصوص الشعرية والنثرية والمقالات في المجال الادبي والسياسي .

وصدر له : سادر، باب الريح، جرة ماء ورد، حبل الرحيق، رسائلها التي ظلت في الدولاب، الرساؤلات، كطاوي ثمان "، بالإضافة إلى مسرحية سياسية اجتماعية بعنوان "الشيء الأسود الكبير " .

قصائد أسامة ملحم تتمحور حول مواضيع مختلفة في الحياة والفلسفة والقلق الوجودي والهموم الانسانية، وهي في غاية الجمال، وقمة الابداع والنضوج والتكامل الفني والتجديد والابتكار والآتيان بالصور والمعاني الجديدة، وتتميز بالغموض والرموز في الكثير منها، فضلًا عن الأبعاد الفكرية والفلسفية والوجودية العميقة . إنها ومضات فيها الكثير من سحر اللغة وأناقة الكلمة والبيان والاعجاز اللغوي، وتنطوي على صور مركبة مشعة جميلة، والفاظ متناغمة، وفيها الكثير من الإيحاءات، والتناص واضح في طياتها وبين ثناياها .

ويطغى على قصائده الشعور بالبؤس والقلق والاغتراب الذي يقود إلى ضياع ذاته الفردية والجمعية . ورغم روح السوداوية التي تشيع بين سطوره، إلا انه يغلف سواده بالرومانسية الجميلة والحلم الوردي، فيقول في قصيدة له بعنوان " بابُ الرَّيح " :

شُو ضَلّ مِنْ حُبّنا غَيْرِ ألوَهِمْ

وَأوْراقْنا صارَتْ مَهَبِّ ألرِّيحْ

شُو ضَلّ مَعْنا مِنْ بَقايا الحلِمْ

وَتَنشوفْ بًعِضْنا بِدْنا ألِفْ تَصْريحْ

شَو ضَلّ مِنْ سَكْرِةْ هَوانا

غَيْرِ العَتَبْ والهَمّ والتّجْريحْ

غَيْرِ السَّهَرْ والغَمِّ وْكَلامِ النّاسْ

تَرَى ؟! ما كَنْشْ حًبّنا عَنْ جَدّ وْصَحيحْ

أسامة ملحم يحاول عبر شعريته أن يعيد ترتيب الحياة من خلال تفاصيلها التي لا نكاد نلاحظها بغرض الوصول لمعيار معادل للحياة المتداعية التي تخللنا بقسوة مرعبة، ونجده يرسم لوحات صورية فائقة الدقة، وهي ميزة بارزة لديه، ويرتكز على هذه الصورية لتحقيق المشهد الجمالي لدى نفسه ثم لدى المتلقي، وكل ذلك يرسمه ويعبّر عنه بلغة مفتوحة مبنية على تفاصيل الشكل، ورشاقة التعبير، وبقوة ونبض وروح شعرية عالية، وقدرة فائقة في ترسيخ بنيان الصور الشعرية داخل النص الواحد .

ومن حيث الابداع الشعري ينتسب أسامة ملحم لتيار الحساسية الشعرية الجديدة التي تنشد كتابة مغايرة للسائد، ورؤيا مركبة للوجود الانساني، والتقاط الصور التي تقترب من الهم الانساني، وهي وجعه الشخصي، وينهل من لغة شعرية تعشق التجريب .

إنه باختصار شاعر مفعم بالإحساس المرهف والفكر التقدمي النيّر، ممسك بتلابيب اللغة، متمكن من ادواته ببراعة مشهودة، وموسوم بالصفاء والبهاء . فله أطيب التحيات والتمنيات بالمزيد من العطاء والتألق والتوهج الابداعي

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

محمد صالح الجبوريالبرامج التلفزيونية التي لها مكانة في القلوب تبقى لها نكهة، وطعم مميز، وإسلوب ممتع تنقلنا إلى عالم آخر، هذه البرامج التي تحاور شخصيات معروفة متمكنة في الأداء واللغة، وحسن الكلام، ولها القدرة على طرح مواضيع منوعة في مختلف مجالات الحياة، ومن تلك البرامج المتميزة برنامج (أطراف الحديث) الذي يعده ويقدمه: د. مجيد السامرائي وهو برنامج ناجح يلقى إعجاب المستمعين في كل مكان، السامرائي يحاور ضيوفه بمهنية عالية، ويحاول باسلوبه الحصول على المعلومات المهمة منهم، وهو يختار أفضل الشخصيات التاريخية والعلمية والفنية والرياضية، ربما قدمت قناة الشرقية هذا البرنامج من أفضل برامجها، وهي لديها برامج منوعة تهم شؤون الناس، و تهتم بمشاكلهم، الإعلام يقدم كل شيء يهم المواطن، برنامج اطراف الحديث ينقلنا إلى عالم الماضي بطيبته، والى تلك السنوات التي مرت ولم تبقى سوى ذكرياتها، في الماضي نكهة طيبة، المستمع يرغب أن يحصل على معلومات في مختلف المجالات، والحديث مع شخصيات مهمة ومعروفة يضيف للحوار أهمية كبيرة، إن نجاح البرنامج يعتمد على انتقاء الشخصيات، وإختيار المواضيع، وكفاءة المعد وثقافته ومعلوماته، و سيطرته على الحوار، د. مجيد السامرائي شخصية إعلامية مقتدرة، له خبرة في الحوار، ويحظى بإهتمام المستمعين، تحياتي له، البرنامج وثق أحداث وتواريخ مهمة لشخصيات مهمة ومهن وحرف في مختلف مجالات الحياة، ولبرنامجه الممتع النجاح والموفقية.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي