هاشم عبود الموسويكلٌ منا يعرف "يوليوس قيصر" من خلال انتصراته العسكرية وأمجاده وفتوحاته شرقا وغربا، حتى صار أعظم قائد شهدته روما وإنتهى به الأمر أن أصبح دكتاتورا مدى الحياة .

ولكن هنا أريد أن أُذكّر بشأن اهتمامه الأدبي... وبالرغم من أنه كان يتمتع بشخصية طاغية لقوتها وتفردها في عالم السياسة فان مؤلفاته هي أيضا تتمتع بسحر خاص وآخاذ..

كتب يولوس قيصر "عن القياس" دفاعا عن النقاء اللغوي الذي تميز به اسلوبه، وقد تم تأليف هذا الكتاب اثناء عبوره جبال الألب عام  54ق.م . وفي طريقه الى اسبانيا عام 46ق.م نظّم قصيدة شعرية بعنوان "الطريق" .. وللقيصر كتابان بعنوان " ضد كاتو".. وهما يردان على مديح شيشرون وبروتوس لكاتو الرواقي (الأتيكي) غريم قيصر، وكخطيب وضعه كونتليانوس ندا لشيشرون نفسه..أما الأخير فيمتدح نقاء لغة قيصر وصقلها علاوة على قوة تأثيرها ثم ينوه على نحو خاص باسلوبه الساخر في الإلقاء . ومن العجيب أن القيصر نفسه لم يأخذ عطاءه الأدبي مأخذ الجد، فبالنسبة له كانت المسألة مجرد تسلية وقت الفراغ من جهة ووسيلة للدعاية السياسية من جهة أخرى ..و هكذا يجب ألا نغفل رأي قيصر وهو يتحدث عن أعماله التي وضعته بين الأدباء، عندما ترك الكتب الآتية : " مذكرات عن الإنجاز " و"عن الحرب الغالية (سبعة كتب) " و"عن الحرب الأهلية (ثلاثة كتب) ".

وفي الأدب اللاتيني كله لا مثيل لإسلوب قيصر من حيث النقاء والصفاء، فهو صاحب الأسلوب الشهير : " تجنب الكلمة غير المسموع بها من قبل وغير المعتادة كما تهرب من صخرة تبدو لك عن بعد وأنت في عرض البحر "

 

د. هاشم عبود الموسوي

ناجي ظاهرثلاثة نجوم شقت طريقها في الظلام

كان ذلك في اواسط الثمانينيات عندما افتتح الاخوة في "حركة ابناء البلد" صحيفة "الراية" وبعدها "الميدان"، في الناصرة، ليوصلوا رسالتهم الوطنية النابعة من اعماق القلوب والارواح، وشكلوا طاقما حرصوا على ان يكون مهنيا إلى اقصى ما يمكن لإصدار صحافة تؤدي دورها على اتم وجوهه، وكنت واحدا من ذلك الطاقم واوكلت الي ادارة التحرير دور المحرر الادبي.

في تلك الايام تدفّق علينا في صحيفة الراية وبعدها الميدان، سيلٌ من المثقفين السياسيين والادبيين وقد تعرّفت على العديدين منهم، وما زالت تربطني ببعض منهم علاقات مودّة ومحبة حتى هذه الايام، وقد تعدّدت اهداف اولئك المتدفقين، فمنهم من يريد ان يقدّم الخدمة الاجتماعية ومنهم من يريد ان يقدّم الخدمة الوطنية الخالصة، ومنهم يريد ان يقدم عطاءه الادبي في مجال اهتمامه الشعري او السردي، وقد برز من بين هؤلاء ثلاثة من الاخوة الذين ترددوا على صحيفة الميدان تحديدًا بكثافة تكاد تكون يومية، وكانوا يفدون الينا مستقلّين الباص من وادي عارة، قرية مصمص ومدينة ام الفحم تحديدا، ليقدموا اسهامات في تقدّم تلك الصحيفة ورفعة شأإنها، وهؤلاء هم: عادل اغبارية، احمد ابو حسين وعبد الحكيم مفيد اغبارية، الاول قيل لي انه توفي مبكّرًا، ولم يُكمل المسيرة، والثاني انضم الى التجمع الوطني الديموقراطي الذي شكّل ابناء البلد، في بداياته الاولى، عمودَه الفقري، وقد احتل مكانة رفيعة فيه الى ان اغتالته يد المنون وهي لمّا يزل غضًا طريًا في ميعة شبابه. الثالث انضم في فترة تالية الى الحركة الاسلامية الشق الشمالي الذي وضعته السلطات الاسرائيلية خارج القانون، وقد تسنّم مراكز اعلامية وسياسية لافتة حتى وفاته في مثل هذه الايام قبل ثلاث سنوات(20‏/11‏/2017).

لقد شق كل من هؤلاء المرحومين الثلاثة طريقه حافرًا صخورَ الحياةِ بأظفارٍ صُلبةٍ وارادةٍ لا تلين لها قناة، وكنت انظر اليهم كزملاء واصدقاء بكثير من الاهتمام والاكبار، كونهم جاؤوا شبه خالي الوفاض من المعرفة والمهنية، وكان ما يلفتني اليهم تلك الرغبة الهائلة في العمل الاعلامي. وهناك العديد من المواقف التي ما زلت اختزنها في ذاكرتي، وهل امتلك سوى اختزانها؟.. عن هؤلاء، فقد كان كلٌ منهم يتّصف بنوع ما من التوجه الينا في الصحيفة، ففي حين كان احمد ابو حسين كثير الصمت كثير التفكير والتريّث، كان عبد الحكيم صاخبًا عالي الصوت عميقَ النظرات، وبين الاثنين وقف عادل مرتبكًا حائرًا ومتريثًا.

مما اذكره بكثير من المحبة والحنين إلى تلك الايام التي انطبق عليها ما قاله ابو العلاء المعري وهو:" رُبّ يومٍ بكيتُ منه ولما صِرتُ في غيرهِ بكيتُ عليه"، ان اولئك الاخوة الثلاثة، كثيرًا ما كانوا ينتظرون اشارة من رئيس تحرير الصحيفة الصديق العزيز عوض عبد الفتاح، للانطلاق في الاعداد لتحقيق صحفي، غير عابئين بما يتكبدونه من مصاعب وخسائر، وقد لا ابالغ اذا ما قلت انني كنت اشعر ان ما كنت اعتبره خسارة كانوا يعتبرونه ربحًا صافيًا، وكان كلٌ منهم عندما يعود وبيده تقريره الصحفي، المس ما يرافقه من حيرة، فهل سيوافق رئيس التحرير على التقرير؟ ام سيرفضه، اما رئيس التحرير فقد كان يتعامل بمهنية، فاذا اعجبه ما يُقدّم اليه، وقلّما اعجبه للحقيقة، فانه ينشره بعد اعمال قلمه فيه حذفًا وزيادةً، واذا لم يعجبه قام بوضعه جانبًا، حتى اذا ما غادر صاحبُ التقرير، القى بتقريره في سلة المهملات وهو يقول: هذه الكتابة لا تليق.. اريد صحافةً مهنية. وكان رئيس التحرير قد جاء من العمل في الصحافة الانجليزية وخبر اسرار مهنة المتاعب، وادرك ابعادها ومتاهاتها.

الان وقد مضت تلك السنوات، ومضى معها من اتحدث عنهم من عالمنا الى عالمهم الاخر، اسجل ملاحظتين اراهما غايةً في الاهمية، هما:

*ان اولئك الاخوة المتدرّبين، لاقوا الكثير من العنت والمعاناة ابان تلك الفترة، ويعود هذا كما هو واضح، الى انهم وفدوا للعمل في الصحافة من باب الهواية الذي لا يستهان به في جميع المجالات، ولو انهم درسوا الصحافة وتعلّموا اساليب عملها لما عانوا تلك المعاناة، وقد يكون ما اقوله هنا قاعدة في الحياة والنجاح، صحيح ان الهواية هي الدافع والمُنطلق لكل عمل نقوم به ونبغي الانجاز الحقيقي فيه، غير ان الدراسة تعزّز الموهبة، واعتقد من هذا المنطلق ان الموهبة وحدها لا تكفي وتحتاج للدراسة الى جانبها لنتمكن من تقديمها على اكمل وجه.

*ان اولئك الاخوة الثلاثة، باستثناء عادل الذي اختفت آثاره منذ سنوات، تمكّنوا كلٌ على حدةٍ ووفق قدراته، ان يتسنّموا اماكنهم في الحياة فقد تمكن احمد ابو حسين من ان يكون رجلًا مؤثرًا في التجمع الوطني الديموقراطي، وقد رحل قبل سنوات شابًا يانع الخُضرةَ والعطاء، مما ترك اثرًا محزنًا مؤسفًا لدى كل من عرفه وخبر مزاياه الرائعة، اما عبد الحكيم فقد انطلق بعد تلكم الفترة الاولى في حياته مثلَ صاروخٍ مُوجّه، فتألق في حياته العملية، فمن هذا الموقع الهام الى ذاك، ومن هذا العمل إلى غيره، يتنقّل بخفةِ غزالٍ مدرك لكل ما حوله، وقد جمعني به اكثر من عمل وموقف، ففي مركز يافا للأبحاث اجتمعنا معا في تحرير مجلة المركز، بالتعاون مع ادارة المركز، وفي النشاطات الثقافية الاجتماعية التقينا في اكثر من محاضرة ولقاء، بعدها كنت اتابع عبد الحكيم عن بعد، فهو يكتب وينشر في هذه الصحيفة او تلك، الى ان تسنّم موقعًا مرموقًا في صحيفة "صوت الحق والحرية". لقد احرز عبد الحكيم في حياته القصيرة نسبية الكثير من الانجازات، فقد وضع العشرات واكاد اقول المئات من المقالات التي دلّت على انه عرف اخيرًا طريقه، وبرع فيه. لقد رحل هؤلاء الاخوة الثلاثة عن عالمنا بعد ان رافقناهم في خطواتهم الاولى، وبعد ان تألقوا في سماء حياتنا الاعلامية، مثل نجوم قادرة على الاشعاع... حتى بعد رحيلها.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

عبد الجبار نوريأنبهرتُ وأنا أطالع فصول من كتاب (الغربال الجديد) للأديب العربي "ميخائيل نعيمه" وهومفكر وواحد من الجيل الذي قاد النهضة الفكرية والثقافية للأدب العربي، تعرض لمنجزات أدباء الشرق والغرب بنقد ذاتي بجرأة أديب متمكن لهُ أكثر من 34 منجز أدبي، يقول في مكسيم غوركي: {أنهُ مؤسس المدرسة الواقعية الأشتراكية وناشط ثوري من خلال رواية الأم والقاع، وإن مسرحية غوركي في القاع جاءت بمثابتة قرار هائل يتهم النظام القيصري الأستبدادي والأقطاعي بأنهُ يدوس الناس ويطرحهم في الحفرة ويشوّه أرواحهم، وإن رسالتهُ في الحياة أن يكافح من أجل رفع الأنسان من القاع إلى القمة حيث يجب أن يصنع الحياة صناعة ثورية جديدة مضيئة تحت راية الحقيقة }أنتهى.

إن مسرحية غوركي (في القاع) تعتبر أول دراما في الأدب الروسي بمعالجة القضايا الأجتماعية والفلسفية، فوجدته في الفصل الثاني من كتابه القاع أو الحضيض في نشوب الأختلافات والمناكفات بين سكان الطابق السفلي حول (الضمير والشرف) فيتدخل غوركي على لسان بطل المسرحية (بافل) تهدئة الضجيج بشعار (الآتي أجمل) بأنتظار الأمل بأشراقة الغد، فهو الأديب الحالم بحل لغز الصراع الطبقي بين اللبراليين المنحرفين وبين المثقفين الحقيقين الصامدين هم الذين ينورون طريق التحرر والذي هو سيمياء عنوان مقالتي في أيحاءات مكسيم غوركي عن ماهية الأديب وموقعهِ في التغيير القادم، الأدباء مهندسو النفوس البشرية. 

أن مسرحية غوركي (في القاع أو الحضيض) جاءت تحدياً وفاضحاً للنظام القيصري الأستبدادي الأقطاعي، وثمة قطارٍ يقودهُ أرعن يسحق الناس ويشوّه أرواحهم، بلغ غوركي فيها الذروة لا تقل عن رواية الأم، أختار للمسرحية قبواً قذراً رطباً منعزلاً ضيقاً أستعمل كمبيت تمتلكهُ أمرأة جشعة شرسة متهالكة على المال، يأوي خليطاً غير متجانساً من البشر فكراً ونزواتاً وطباعاً تكوّنْ نفايات بشرية ميتة حيّة ذات نزواتٍ مختلفة، فكانت رمزية غوركي في رواية (بالقاع) جغرافية روسيا، أما الكائنات الحية الميتة الشعب الروسي المستلب والمسحوق، لذلك مُنعتْ من قبل الحكومة القيصرية بعد أن عُرضتْ أكثر من ثلاثين مرّة .

وفي رسالة للينين إلى مكسيم في 16-11-1909 {بودي أن أشد على يدك بقوة فقد عادت موهبتك الأدبية على الطبقة العاملة الروسية وغير الروسية بالنفع العظيم، ولدي أمل أننا نلتقي معاً ---- لن نلتقي كأعداء بل كرفاق في الكفاح، وبدلالة شهادة أخرى من ستالين الذي يبدو أنهُ متأثراً بمسرحية غوركي (بالقاع) أستوحى منها " أن الأدباء مهندسو النفوس البشرية (يقصد مكسيم غوركي) .

مكسيم غوركي Maksim Gorky 

1868 – 1936 أديب روسي وناشط سياسي ماركسي، مؤسس الواقعية الأشتراكية التي تجسّدْ النظرة الماركسية للأدب، حيث يرى " أن الأدب مبني على النشاط الأقتصادي " في نشأته ونموه وتطوره، وأنهُ يؤثر في المجتمع لذا ينبغي توظيفهُ في خدمة المجتمع، وهو في طليعة أدباء عصره في أستقراء وتبني هذا الرأي كنظرية علمية في عالم الأدب والثقافة .

 فهو قصصي وكاتب وناشط سياسي ماركسي الهوى والأنتماء، عارض علناً النظام القيصري وأعتُقل مرات عديدة، وسُجن أكثر من مرّة إلى أن بزغتْ ثورة أكتوبر 1917 المظفرة، فأعطاها كل ما يملك من عبقرية وحيوية، وكرس نضالهُ الثوري ما تبقى من عمره حتى سقط مغدوراً بيد أحد التروتسكيين في 18 حزيران 1936، وقربه وصداقته لرموز الدولة السوفيتية مثل لينين الذي أصبح الصديق الشخصي له، وستالين ومن قادة الحرب والدولة، ووقف إلى جانب حزب البلاشفة ومن مؤيدي الحركة الأشتراكية الديمقراطية في روسيا، وشارك فعلاً في ثورة 1905، وسخر قلمهُ في دعم خطهم السياسي ضد المنشقين والتروتسكيين، فهو نذير الثورة الذي بشّر بهبوب العاصفة الثورية بقلمه الذي خط به خطوط الواقعية الأشتراكية، كان ثورياً ساهم بشكلٍ فعال في أشعال الفتيل الثوري، حيث كتب عدة مقالات ثورية يقول فيها : --- مزيداُ من الجرأة أيها الرفاق --- مزيداً في الأيمان بقوة الجماهير الثورية التي في طليعتها البروليتاريا .

وأن العذاب النفسي الذي يلازم مكسيم والمحتبس في ذاته منذ طفولته المعذبة بفعل التسلط والصراع الطبقي في المجتمع الروسي، خاض تحدياتٍ نضالية وكفاحية خطيرة --- بيد أنهُ ربحها في رواية " الأم " كتبها مكسيم بعد فشل ثورة 1905 وقبل ثورة أكتوبر المجيدة، وقد وصفها لينين يأنها جاءت في وقتها، صوّر غوركي العمال الكادحين بمظهر قوي كعملة نادرة مطلوبة عند الدولة كذراع يحرك أقتصادها بعكس ما ينظر بعض الكتاب إلى العمال بأنهم يستحقون الرحمة والعطف، تمكن في رواية الأم من فضح النظام القيصري القائم على الظلم والأضطهاد من خلال الحديث الشيّق والمنمّق بواقعية من خلال (ميخائيل بلاسوف) الذي عاقر الخمرة للهروب من واقعه المرير كأحد العمال البائسين فهو سكير لا أبالي عنيف يكره الأخرين حتى أفراد أسرته، غير مهتم بما يجري حوله، وجعل أم (بافل) هي بطلة الرواية تتحول فيما بعد إلى مناضلة بعد موت زوجها الشرير ميخائيل بلاسوف ونفي أبنها (بافل) إلى سيبيريا كسجين سياسي، فهي تعلم أن الدموع لا تنضب في عيون الأمهات، رغم خوفها وقلقها على مصير أبنها، ألا أنّها تشعر بالفخر بأبنها وهي تشاهدهُ يرأس الأجتماعات السرية ويتحدث بأشياء لا تفهمها، وعندما سُجن أبنها تابعت مسيرتهُ، وأصبحت توزع المنشورات السرية التحريضية ضد النظام مع أصدقاءه، وتبنت القضية وأصبحت كغيرها من الرفاق المناضلين متفهمة معنى التحرير فأندفعت أكثر وحين تجد جمهرة من العمال والكسبة والفقراء تندس بينهم وتخطب فيهم قائلة : تعرفون أيها الرفاق لماذا صدر حكم النفي على أبني؟ لأنهُ يريد أن يبين لكم الحقيقة التي هي عملكم المضني وسرقة جهودكم وقواكم ولا يكون نصيبكم ألا المرض والجوع والفقر، كل شيء ضدنا، والجميع يستغلوننا، وفيما نحن نغرق بالوحول حتى آذاننا بينما نرى التخمة والترف على الطبقة البورجوازية الطفيلية، وبينما كان الكاتب غوركي منهمكاً في كتابة الرواية يصمتْ برهة ويضع قلمهُ جانباً ويتمتم : متى يا رب يكون عندنا أمهات يفرحن في حين يرسلن أولادهن إلى الموت من أجل الأنسانية؟.

مثل هذه الأم التي رسم لها غوركي أن تكون صمام أمان للبروليتاريا لكسر القيود وهدم قلاع الطغاة والمستبدين، عندها لن يستطيع أحد من أن يغتال روحاً جديدة بُعثتْ من جديد.

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

 

يسري عبد الغنيأنا لا أبحث بحثًا مفصلاً في حكم الشعوب وأمثالها ودراسة شخصياتها، فهذا يحتاج إلى فصول طويلة تحتكم إلى منهج البحث العلمي، على أن أحق الأمثال علينا بالدراسة المفصلة أمثالنا، ففيها تقاليدنا وأساليب تفكيرنا، وشخصية وطننا الحبيب، ولها مميزاتها التي تطبعها إلى جانب البساطة والعمق وطابع الخفة والمرح الذي يتسم به شعبنا الضحوك، وإني لعارض شيئًا من زهورها الباسمة على سبيل المثال..

يتندرون على تلك التي لا تتأنق إلا خارج بيتها فيقولون: " بره وردة وجوه قرده ".. ويقولون فيمن يتدخل فيما لا يحسنه: " أخرس وعامل قاضي ".. ويقولون في معان أخرى: " البطيخه القرعة لبها كتير "..ويقولون: " لما يشبع الحمار بيعزق عليقه ".. و" قالوا للجمل زمر قال: لا فم مضموم ولا صوابع مفسرة ".. ويسخرون من القبيح الذي لا يحس عيب نفسه ولا يحاول التستر، فيقولون: " عورة ودخلتها الضهر ".. ويقولون: " على ما تتكحل العمشة يكون السوق خرب " و" المفلس يغلب السلطان " و" اتلم المتعوس على خايب الرجا "..

ويعرضون بمن ينصح غيره بالنزاهة ويبيح لنفسه أن يكون مطاط الذمة فيقولون: " يفتي على الإبرة ويبلع المدرة ".. ويقولون: " الخايب زي بياع الباذنجان ما يهاديش صاحبه إلا بالسودة ".. ويقولون: " النصاب ياخد من الحافي نعله ".. كما يقولون: " الخيبة عز تاني "، فيجملون في ثلاث كلمات المعنى الذي أراده الشاعر العربي حين يقول:

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن

يخلو من الهم أخلاهم من الفطن

هذه بعض أمثالنا الضاحكة، نعرضها على سبيل المثال لا الحصر مع مراعاة أنه من الواجب علينا تمجيد الممتاز من أمثالنا والتعريف بها، وفي نفس الوقت علينا أن نوضح أن بعض أمثالنا ربما كانت صالحة لوقت مضى إلا أنها لم يصبح لها مكان اليوم في عالمنا الحديث الذي تطورت أساليبه ومثله العليا الذي ينهج إلى السرعة والإقدام، وإلى مسايرة العلم ومسابقة الزمن .

وأذكر هنا أنني قرأت أن صحفيًا نابهًا، قال: إنه بعد أن تخرج في كلية الآداب، اختار العمل بالصحافة، وسأله عمه ذات مرة:

ـ انت بتشتغل إيه يا ابن أخويه ؟

ـ فقال له: صحفي

ـ قال له: يعني إيه صحفي دي ؟

ـ قال: يعني باكتب في الجرائد والمجلات

فقال عمه: قول يعني جرنالجي.. يا شيخ روح شوف لك استخدامه في الحكومة.. دول بيقولوا: " إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه ".. وسمع الصحفي من عمه ذلك المثل فضحك متعجبًا . ولكنه سار في طريقه، فلم يجر وراء الميري، ولم يتمرغ في ترابه، ولو اتبع ذلك المثل لما أصبح اليوم صحفيًا يشار إليه بالبنان، بل كان من أسرى الوظائف والدرجات.. وكم جنى هذا المثل على مواهب وعبقريات فربطها بعجلة الميري، وأقعدها عن العمل الحر، ميدان التجارب المفيدة والمغامرات المربحة.. فما أحرانا بأن نحيل مثل هذه الأمثال إلى التقاعد.. وكم بين أمثالنا العامية الخالدة من أقوال منحرفة من نوع هذا المثل يجب أن نطهر منه هذا التراث المجيد الذي نفخر به.. ونعتز بما فيه من روائع الحكمة وسديد المنطق..

وترى رجلاً ينفق بغير حساب إذا رزقه الله الرزق الوفير، غير عابئ بما قد يطلع به المستقبل، وإذا دعوته للاتزان في الإنفاق.. قال لك باستهتار: " يا سيدي إحيني النهاردة وموتني بكره.. ولا يهمك أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب "، أليس من الأنفع أن نعدل هذا المثل فنجعله هكذا: " وفر مما في الجيب لما في الغيب " .

أو تلك الأمثلة التي تقول لنا: " إمشي سنة ولا تعديش قنا "، أو تلك التي توصي الزوجة أن تنتف ريش زوجها أولاً بأول حتى لا يلوف بغيرها، وحبذا لو جعلته دائمًا على الحديدة لتضمن بقاؤه لها، أو ذلك الذي يقول: " يا عم خذ من عبد الله واتكل على الله " و" أسأل مجرب ولا تسأل طبيب "، والواقع يقول أن الله خلق الطب والدواء، والطب يتقدم كل يوم بحمد الله، فلا يصح أن نلجأ إلى العلاج البدائي المتخلف الذي يضرنا ولا ينفعنا، وليتنا نقول: " أسأل مجرب ولا تنسى الطبيب " .

وتلك الأمثلة عن الحماة التي تسمم العلاقات العائلية وتهدم بنيانها، أو ذلك الذي يقول لك: " رزقك حيجيلك لحد عندك.. الرزق مش بالشطارة "، وبالطبع هذا يخالف ما دعانا المولى عزل وجل إليه بأن نسعى في مناكب الأرض ونأكل من رزقها، أو ذلك الذي يجامل صديقه بالباطل ويقول لك: " الصاحب علة " .

ويدعوك رجل للقعود عن الإصلاح بين الناس فيقول لك: " وانت مالك.. خليك على البر.. ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه ".. أين هذا من قولهم: " الناس للناس.. ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط ".. ما أجدرنا بأن نعمل بالتي هي أحسن وأن نترك اللغو عن القول !!. وللحديث بقية وبقية ان أحيانا المولى

 

بقلم/د.يسري عبد العني

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – كل شئ يمكن ان تجده في العالم، عدا الاب والام.

التعليق – الله ! ما أجمل هذا المثل، هكذا صاح صاحبي عندما سمع المثل الروسي هذا. أيّدته انا طبعا، وقلت له - لا يوجد عند الانسان – اي انسان – أعزّ وأقرب من الوالدين.

**

الترجمة الحرفية – اللسان الطويل ليس من أقرباء العقل.

التعليق – طبعا، اذ لو كان من أقرباء العقل لما أصبح (طويلا !). الصورة الفنية في هذا المثل مبتكرة بكل معنى الكلمة، وهي في غاية الطرافة والدقة ايضا. هناك امثال وحكم كثيرة عند مختلف الشعوب حول اللسان، وكلها تؤكد، ان اللسان الطويل ليس من أقرباء العقل فقط، وانما من ألدّ أعداء العقل ايضا. لنتذكر نموذجا واحدا من تلك الامثال، وهو المثل العربي – اللسان أجرح جوارح الانسان.

**

الترجمة الحرفية – لا تسأل الاطرش عن تغريد البلبل.

التعليق – قال صاحبي وهو يضحك، انه بعض الاحيان يسأل الطرشان حول تغريد البلابل متعمدا، كي (يتمتعّ !) بثرثرتهم ويحدد مستوى (طرشهم الثقافي !)، ولهذا فانه ليس موافقا على ما يدعو اليه المثل الروسي. ضحكت أنا، وقلت له، ان المثل لا يجبرك على ان تخضع له، خصوصا اذا كنت (تتمتع !) بالحديث مع (الاطرش بالزفّة)...

**

الترجمة الحرفية – العيش و الحياة ليس مع الثروة، وانما مع الانسان.

التعليق – هذا جواب حازم وصارم ورائع ل (اللواتي !) يبحثن عن زوج غنيّ ليتمتعن بثروته، بغض النظر عن كل شئ آخر، وكم من مآسي حدثت بسبب هذه المفاهيم (التجارية !) في المجتمعات كافة، وليس فقط في مجتمعاتنا...

**

الترجمة الحرفية – دون ان تتذوق، لن تعرف الطعم.

التعليق – مثل منطقي واضح المعالم، وهو ينطبق على كل شئ في الحياة، ف (النظرية دون تطبيق ميّتة) كما يقول المثل الاغريقي الفلسفي القديم. لنتذكّر مثلنا البسيط والعميق – التجربة احسن برهان...

**

الترجمة الحرفية – ليس الحصاد من الندى، وانما من التعرّق.

التعليق – الحصاد يأتي نتيجة عمل الانسان وجهده، اي (من عرق جبينه) كما يشير القول العربي المأثور. المثل الروس هذا – واقعي وحقيقي ورمزي ايضا.

**

الترجمة الحرفية – بالدموع لا يوجد حلّ للمصيبة.

التعليق – تسيل الدموع عند المصائب غصبا على الانسان وبلا ارادته، والدموع تخفف الضغط الهائل للمصيبة على النفس الانسانية، ولكن الدموع ليست حلّا لمعالجة المصيبة طبعا. المثل الروسي منطقي جدا، وهو يذكّر الانسان بضرورة التماسك والتحلّي بالصبر عند المصائب...

**

الترجمة الحرفية – البحر يحب الشجعان.

التعليق – والشجعان يحبون البحر ايضا. نحن نتذكّر ونتعاطف طبعا مع ابيات الشعر التي ذهبت مثلا، عندما جاءت معذّبة الشاعرالاندلسي (...من غيهب الغسق) وسألها – (... أما خشيت من الحرّاس في الطرق؟)، فقالت له الحبيبة الشجاعة يكل ثقة - (...من يركب البحر لا يخشى من الغرق).

**

الترجمة الحرفية – كل انسان حدّاد سعادته.

التعليق – نعم، هذا صحيح، و(الحدّاد!) يصنع كل شئ بالعمل اليدوي الشاق والصعب، اذ انه يتعامل مع الحديد. مثل جميل وعميق، ويؤكد على ان سعادة الانسان من صنع عمل ذلك الانسان، عمله الشاق والصعب، الذي يشبه عمل الحدّاد وهو يطاوع الحديد.

 ***

أ.د. ضياء نافع

.......................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا.

ض. ن.

 

يسري عبد الغني(1909 - 1987 م)

ولد في قرية أم خنان (مركز قويسنا - المنوفية) - وتوفي في القاهرة.

عاش في مصر وزار بعض الدول العربية وغير العربية.

حفظ القرآن الكريم في كتاب قريته، ثم حصل على الشهادة الابتدائية، ثم حصل على شهادة الثانوية العامة بترتيب الأول على مستوى الجمهورية من مدارس دسوق ثم التحق بكلية الطب جامعة القاهرة، وتخرج فيها (1929).

عمل طبيبًا بمستشفى دسوق، وظل يرتقي في مناصبها حتى أصبح مديرًا لها، ثم فصل من عمله (1952)، فانصرف إلى العمل بعيادته الخاصة بالقاهرة.كان يعالج معظم أدباء أيامه بالمجان بل كان يعطينا الدواء بالمجان أيضا -أضف ألى ذلك أنه كان يجري لبعضهم بعض العمليات الجراحية البسيطة عنده أو عند زملائه دون أي مقابل-

قرأ أمهات كتب الأدب ودواوين الشعر العربي في مكتبة والده، فضلاً عن كتب الفلسفة والفقه والتفسير والأصول، وغيرها.

كان عضو ندوة شعراء الإسلام بجمعية الشبان المسلمين ورابطة الأدب الحديث بالقاهرة، وندوة كرمة ابن هانئ، ودار الأدباء بالقصر العيني، وترأس ندوة شعراء العروبة قرابة عشر سنوات كثالث رائد بعد خالد الجرنوسي وعبدالله شمس الدين.

أصدر الشاعر الداوين التالية: «مواكب الحياة» - المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة - 1980، «مع الله ورسوله» - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1987، «مع الحيوان» - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1987، «رحلة العمر» - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1988، «عودة الطائر» - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1990، وله قصائد نشرتها صحف ومجلات عصره وبخاصة الجديد، والهلال والثقافة، والفيصل، وجريدة الأهرام، منها: «دموع الشباب» - مجلة السياسة الأسبوعية - (ع77) - القاهرة - 27 من أغسطس 1927.«انتظار» - مجلة الشعر - القاهرة - أكتوبر 1978.«ليالي السقام» - مجلة الجديد - القاهرة - أول من مارس 1981.

شعره معظمه قصائد مطولة، فيه عواطف دينية ووطنية وحس قومي جعلته يتغنى بأمجاد الوطن وثورة يوليو وجمال عبدالناصر في كثير من قصائده، وتتنوع أغراضه بين وصف الطبيعة والحيوان، والغزل العفيف، والاجتماعيات والإخوانيات ورثاء أعلام عصره، والتفكر في أحوال الدنيا وتصاريفها. وتميل كثير من قصائده إلى القصص الشعري في أسلوب طريف، ومنه ما حكاه في رثاء ضرسه (قضى في صحبتي ستين عامًا)، وله قصائد مال فيها إلى السطر الشعري والشكل التفعيلي، في شعره طرافة وجدة خاصة في ديوانه «مع الحيوان».

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

........................

مصادر الدراسة:

1 - مؤلفات المترجم له.

2 - أحمد مصطفى حافظ: شعراء معاصرون - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1983.

: شعراء ودواوين - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1990.

: تقديم ديوان «عودة الطائر».

3 - سهام سيف الدين علي غنيم : الطبيب الأديب عزت شندي - رسالة ماجستير - كلية البنات الإسلامية - جامعة الأزهر - أسيوط 1991.

4 - الدوريات: مصطفى السحرتي: الشعر لدى عزت شندي - مجلة الثقافة - (ع81) - الهيئة العامة للكتاب - القاهرة - يونيو 1980.

مراجع للاستزادة:

- عبدالله شرف: شعراء مصر - المطبعة العربية الحديثة - القاهرة 1993

 

 

نبيل عرابييضفي الضوء على الحياة سحراً مميزاً، وله من المعاني والمزايا المختلفة قدر ما للكتب الجيّدة والموسيقى الرائعة. فالضوء الذي يسبح فيه العالم هو مصدر إدراك، ومصدر الحياة ذاتها بكلّ تأكيد، وكذلك الأمر يُمكن أن يكون مصدراً لمتعةٍ بالنسبة للعين اليقظى.

أحياناً، يكون الضوء ساكناً لامعاً وهو يضرب الأرض مباشرة. وأحياناً أخرى يكون صافياً متلألأً، يرسم المنازل والناس بأسلوبه الخاص، وفي مواقع أخرى يفيض حيوية تجعل الجمود ينتفض حركة وحياة، قاطعاً مسافة طويلة إلينا من قلب هذا النجم الملتهب.

والضوء، إضافة إلى كونه كيميائيّ مميز، وأوراق الشجر عبارة عن معامل كيميائية، يتحوّل فيها ضوء الشمس والماء إلى طعام، ويتدفق منها الأوكسجين مانح الحياة إلى الهواء لكي يستنشقه الإنسان،هو عنصر أساسيّ لا يمكن التهاون بشأنه في أغلب أنواع الفنون البصرية، كالرسم والتصويرالفوتوغرافي والسينما والمسرح .. ولكن أغلبنا ليس من الفنانين! لكننا نستطيع أن نأسر بريق الضوء، ونجعل له حيزاً في حياتنا اليومية، عندما نطلق العنان لعيوننا على امتداد الرؤية، لنرى مدى الجمال الذي يختزن في اقتفاء أثر الضوء والظل، عند أول شعاع ينسلّ فجراً ممهداً لتدرّج خلّاب، ومع مرور شمس الصيف بأمزجتها المتقلبة عبر حقل ما، وعندما يترقرق بشفافية على جناحي فراشة، ويتهادى كالثوب المزركش على جدار حجري خشن، أو ينعكس فوق صفحة مياه هادئة، وهو ينير سطح كوكبنا الصغير، ويمدنا بالكثير من عناصر الحياة التي نحتاجها، فكلنا نستطيع أن نرى الضوء بأعيننا أو بقلوبنا.. فلنتمتّع به.

 

نبيل عرابي

4.10

سبق ان طرح احد محرري دور النشر  على الكتاب والمؤلفين الذين يحررون كتبهم ومؤلفاتهم على منصته السؤال الاتي: هل انتم مستعدون؟ وتكرر نفس السؤال بصيغ محتلفة على مواقع دور نشر مشابهة .

المقصود بالسؤال : هل انتم مستعدون لمحاورة الجمهور؟ والسؤال يرتبط بسلسلة من الاسئلة ولكن الاساس الذي بنيت حوله هو:

هل انتم مستعدون؟

1 - للحوار المباشر وغير المباشر مع الجمهور "القاريء القراء"

2 - للرد على اسئلة القاريء؟

ونتوقف هنا قليلا لان القاعدة الاساسية اوالعامة : "القاريء اولا" بعد نشر الكتاب او المؤلف .

دور النشر العالمية لا تهتم بالمؤلف. اهتمامها الاول بالقاريء او الجمهور ولا تأخذ رأيه بنظر الاعتبار ، لان مهمتها تقنية وتسويقية وليست فلسفية او تقديم هذا الكاتب او المؤلف على ذاك حسب اهميته .

المشكلة تكمن هنا!

جمهور الكتاب هو من يحدد اهميته وليس خبرة او موهبة المؤلف او اهميته!

3 - هل تتقبل النقد اثناء حوارك مع القاريء؟

والمقصود النقد السلبي او وجهة النظر النقدية السلبية التي ربما تبحث عن المثالب بقصد او بدون قصد ، وهو اشبه بتنبيه للمؤلف او الكاتب اشار اليه ضمنا منذ البداية بالسؤال "المفتتح" : هل انتم مستعدون؟

ويمكننا ان نرجع لمعرفة المزيد من خفايا السؤال او الى ما يمكن ان نسميه: "تهذيب المؤلف او الكاتب"" .

لانه فيه تحذير من الاستخفاف بالقاريء "الجمهور" او النقد المباشر وغير المباشر للمؤلف او كتابه ، يؤثر على عملية تسويق الكتاب وتوسيع نطاق جمهوره وهو ما يعني دار النشر بالدرجة الاولى ولا تعنيه اهمية المؤلف او محتوى مؤلفاته .

 كيف تعرف دار النشر ردود فعل المؤلف او الكاتب وموقف القاريء "الجمهور" من كتابه؟

هذا السؤال يخص المؤلف بالدرجة الاولى ، لان مهمة دار النشر ان ترشد المؤلف الى قوائم تحتوي على عناوين وايميلات القراء المسجلين لديها او دور النشر الاقل اهمية التي تساهم بالتعاون معها في تسويق الكتب والمؤلفات،

 او ان تطلب من المؤلف ان ينشأ قوائم بريدية خاصة به وبمؤلفه تضم نبذة تعريفيه بالمؤلف والكتاب او محتوى كتابه او مؤلفه .

عند هذه النقطة او منها تشير  حجم المراسلات وردود افعال   المؤلف ومدى تفاعلة مع القراء واجاباته وتفاعله مع ردود الافعال السلبية او الايجابية اضافة الى قدرته على اقناع القاريء باهمية كتابه بشكل مباشر او غير مباشر .

وهذه العملية المشتركة رغم بساطتها وتوفر أدواتها تحدد مدى نجاح الكتاب وانتشاره على نطاق واسع او فشله .

هذا كل ما يتعلق بموقف دار النشر من كتابك .

لذا يحرص الكتاب والمؤلفين الذين يتعاملون مع دور النشر العالمية على التفاعل بشكل ايجابي مع القاريء"الجمهور" مهما كانت ردود افعاله سلبية اتجاه الكاتب او محتوى كتابه.

وباختصار: الجمهور بنظر دور النشر العالمية هو الذي يحدد درجة نجاح الكتاب، ونجاح الكتاب الشرط الوحيد لتحقيق ارباح .

اما دور النشر العربية فانها تعتمد على ما يدفعه المؤلف لقاء طباعة كتابه ومعارض الكتب التي تقام سنويا ولكن ليست لديها حرية المشاركة بجميع اصداراتها لذا فالمؤلف يدرك ان كتابه ليس بالضرورة ضمن معروضات دور النشر .

 نلاحظ من خلال ذلك مدى ضعف النشاط التسويقي لدور النشر العربية رغم ان بعضها عريقة ومعروفة في الدول العربية ولكنها لم تستطع مواكبة ما فرضته تطورات عصرنا على صناعة الكتاب اوعمليات التسويق الوجه الاخر لـ "لاعلام والعلاقات العامة" . 

 

قيس العذاري

20.11.2020

....................

هامش :

1 - بامكان دور النشر العربية الاستفادة من خبرات دور النشر العالمية والخطوات التي تتبعها في اصداراتها .

2 - لفت الانتباه ان : "الاعلام والعلاقات العامة" تخصص ضروري لدور النشر والصحف والمجلات "الورقية والرقمية" ويدرس كمادة رئيسية بجميع التخصصات الاعلامية وكتخصص مستقل في كليات الاعلام العربية والاجنبية .

عنوان الفصل : العلاقات العامة والتسويق .

 

سمية العبيدي(الأرض سَنة..)

مع إن مقدمة هذه الرواية لا تكاد تختلف عن كل ما كتبت العبيدي في بدايات روايتيها السابقتين.. حيث تُوظف البدايات عندها لتوضيح النص وإلقاء الضوء عليه، كما إنها تكون جزءاً مهماً منه . غير أن المقدمة هنا تتميز عن المقدمة في روايتيها السابقتين في أنها لم تُستق من واقع الحياة ولا من مجريات الرواية كما يحدث في تلكما الروايتين بل المقدمة هنا رأي في الحروب والمعارك وما يتبعهما من تغيير على النظم الاجتماعية و الانعكاسات الضارة والسلبية التي تنطوي عليها سواء أكانت نتائج الحروب سلبية أم ايجابية - وذلك ما لا يحدث الا نادراً - وقد أشار اليها بعض القراء والمتابعين بأنها دفق من تشاؤم وعلى النقيض من ذلك أنا أرى إنها تنطوي على نوع من التحذير يستبق الأحداث التراجيدية التي يمكن أن تتبع الحروب التي لا فكاك منها والتي بسطت راحتيها بقوة في جوانب وربوع الشرق الأدنى، كما تفعل ذلك الآن في الشرق الأوسط .

كما إنها تختلف عن سابقتيها في طريقة طرح الفكرة وترتيب أحداث الرواية وتسلسل أحداثها، في هذه الرواية تنقسم الأحداث الى قصص منفردة مفصولة تلم المقدمة شتاتها وتنظمها عقداً واحداً لا انفراط فيه . ولولا هذه المقدمة لقلنا إن هذا الكتاب ما هو الا بضع وعشرة من القصص القصيرة . وسبق للكاتبة نفسها ان شبهت هذه الرواية - في مقال آخر -بالاخطبوط  إذ تقوم المقدمة مكان الرأس منه أما القصص الفرعية فما هي الا أطرافه العديدة .

2019 سمية العبيديوهذه الفصول التي تبين طوايا البشر ونزعاتهم وأهواءهم وترصد طرقهم وآلياتهم في سبيل تحقيق أمانيهم ورغباتهم وتوضح التفرد البشري والإنساني في اختيار دروب وسبل النجاة بأرواحهم من عواصف الإبحار في الشر والخير ومنعطفات وزوايا الممكن والمستحيل حتى يناقض بعضهم بعضاً في طرق الهروب من الأذى والتشتت والفوضى الى أحلامهم أو الى واقع بديل نابذين واقعهم المرفوض الى ما قد يكون أسوأ منه أو متربصين في أماكنهم لا يريمون عنها بانتظار أن تطرق النهاية أبوابهم بهدوء وصمت . فركوب الطوف مغامرة خطيرة لا حدود لها غير إن الشاب سامر يخاطر وكلنا يعرف اندفاع الشباب وتهوره غير إن سامر درس الأمر من مختلف جوانبه ورأى الممكن والمستحيل ولذا وظف كل ما يعرفه لخدمة هدفه فحققه ولو بعد انقضاء عدة سنوات قضاها مفكراً في كل ما يمكن أن يخدم هدفه ويؤدي الى نجاح تجربته ووصوله الى البر الذي ينشده سالماً معافى .

وعلى النقيض من هذا نرى الفيلسوف يجزع من نهايته لذا يضع حداً لحياته فيهرب من تشوفه وانتظاره لهذه النهاية المفترضة بالانتحار. في حين تتشبث المرأة بالأمل وتنتظر من أولادها ما لم تربهم عليه وهو النجدة والاهتمام بالغير. أما سعاد فتفني نفسها في سبيل الواجب تجاه أطفالها - ومع إنها فقدت اتزانها ورشدها - غير إنها لم تزل متمسكة بذلك الواجب الذي يلزمها به مجتمع تخلى عن الأواصر التي تشد بعضه الى بعض بالود والمحبة حتى داخل اللبنة الصغيرة الأُسرة . وفي حين نرى العسكري يرفض أن يتنازل عن عرشه الوهمي أو يشارك به أحداً يحاول سامح أن يثرى دون تفكير أين سيستعمل وينفق هذه الثروة ويظل يجهد نفسه بلا جدوى . ونرى المرأة تنظر ببلاهة للجزيرة (الحقل) التي انشطرت لتبتعد بها عن زوجها مع إنها في غاية الحاجة لهذا الزوج فهي حامل . كما نرى الأب ينظر ببلاهة ويصطبر على فراق ابنه الذي لا يزال طفلاً ويرضى بتسليمه الى مستقبل مجهول لا ملمح من نور فيه .

ومع كل الطرق التي انتهجها أبطال القصص ومنهم سامر الا إن النهاية أدركته وهو يحاول جاهداّ الوصول الى مكان لا زالت الحضارة ترتع في أحضانه والكيان المتماسك يشده بقوة فهو يمثل إرتكاساً في الزمن الى الأحسن ونزوعاً الى الموروث الذي انقطعت أسبابه فهو هنا يعترف بلسان جيله بالخطأ المتعمد الذي ارتكبته الأجيال المتأخرة بهجرة أصولها وعادات أجدادها وملاحمهم ومشاعرهم التي خلدتها التواريخ المكتوبة على الورق فقط والتي نزعتها الأجيال المتأخرة من نفوسهم وعن جلودهم مثل ثياب رثة .

ونلاحظ بلا ريب إن الرواية تنتهج أُسلوب السرد من بعيد فلا سؤال ولا جواب ولا رد ولا تعليق وبذلك توحي لنا الكاتبة أن الرواية حدث غير متحقق واقعياً حتى الآن ولكنه يمكن أن يقع فهو عقوبة للموغلين في طرق الشر وانتهاج القوة والعنف وسيلة لاقتياد العنصر البشري الى الموت وتدمير الذات .

 

سمية العبيدي

 

 

يسري عبد الغنييعود إلى طه حسين كثير من الفضل في تحريك الركود الذي كان يحيط بالنقد الأدبي في مطلع القرن العشرين، وقد طرح طه حسين حول دراسة الأدب كثيرًا من الأسئلة، وأثار عدد من القضايا، كما دعا إلى تطبيق بعض مناهج النقد الغربي على الأدب العربي، ومن أهم القضايا التي أثارها طه حسين، ونشأت عنها مناقشات واسعة أحيت الدراسة الأدبية النقدية: قضية (انتحال الشعر)، وقضية (الشك) في وجود بعض الشعراء، وبخاصة الشعراء الذين عرفوا بقول الشعر العاطفي العفيف الذي يعرف بالشعر العذري.

على أن لطه حسين جوانب أخرى مهمة فيما يتصل بطريقة تناوله للأدب العربي، فقد طبق المناهج التي استفادها من المستشرقين، وكانت تعلق أكبر الأهمية بالبيئة التي أحاطت بالأدب من ظروف سياسية واجتماعية وجغرافية.

وطه حسين إلى جانب ذلك صاحب حس لغوي موسيقي مرهف، وقد وقف وقفات طويلة عند كثير من قصائد الشعر القديم، في كتبه (حديث الأربعاء) و (حديث الشعر والنثر) و(مع المتنبي) ، وقد أضاءت هذه الوقفات جوانب الشعر، وحببت إلى الناس قراءته.

كذلك اهتم طه حسين اهتمامًا كبيرًا بالشعر في العصر الحديث، وقدم فيه نظرات تنهض على أساس القراءة المتذوقة، والفقه اللغوي الصافي، وإن كان أحكامه لا تحظى باقتناع كل النقاد.

ومن العسير القول: بأن طه حسين صاحب نظرية نقدية كاملة ومتميزة، فلقد كان يستخدم مناهج عدة، فيها الحس بالتاريخ، والتذوق اللغوي، وفيها الاهتمام بالحياة الاجتماعية، وبمسيرة الكاتب الشخصية، وهو لم ينفذ إلى النفوس عن طريق دعوته إلى نظرية محددة، بمقدار ما نفذ إليها عن طريق خبرته الواسعة بالتراث العربي وفهمه النافذ لنصوص الشعر وتقريب كل ذلك إلى أذهان الناس وتذليل سبله أمامه، ويكفي لكي تطلع على طريقة تذوق طه حسين للنص الأدبي وتقديمه إلى القارئ أن تقرأ على سبيل المثال كتابه: (مع المتنبي).

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

نبيل عرابيمَنْ قطعَ لكَ بطاقةَ هذا الحزنِ المتدلّي من عينيكَ،

مَنْ أَوْقدَ هذا التنّورَ المتوهّجَ في أنفاسِكَ،

مَنْ سَوّرَ هذا الحلمَ في باحاتِ ذاتكَ،

مَنْ  أَخْرَسَ هذا الصوتَ المُجَلجِلَ في عَصْفِ روحِكَ،

وكأنّ التاريخَ سُلالةُ ريحٍ تعبثُ بقسماتِ الحياة،

فتُعيدُ تركيبَ تفاصيلها،

كُلّما خطرَ لها،

وباللونِ الّذي تراهُ مُناسباً،

فوقَ صفحةِ مياهٍ أضْحَت راكِدَةً،

إلّا مِنْ لُصوصيّة الحُشرية وما تبقّى من حُبِّ الفضول،

وكأنّ التاريخَ كتابُ أَرَقٍ،

لا يخجلُ من تقليبِ صفحاتِ الزّور المُستترِ بشوكِ الصبرِ المُتسلّقِ دوماً في الحَنجرة، والعين، ونمطِ العيشِ الرّتيب...

وكأنّ فصولَ السنةِ الواحدةِ تشكو ألَمَ الفراق فيعودُ الخريفُ زائراً، ويُقيمُ الشتاءُ طويلاً، ويعتذرُ الربيعُ عن موعدِهِ، كعادتهِ، ويرحلُ الصيفُ إلى غيرِ عودة...

وكأنّ العدَّ العكسيَّ على أصابعِ اليدِ الواحدةِ يُكرّرُ نفسَه، كُلّما نما في الكَفِّ بُرعمٌ وكلّما حزمَ الطفلُ الشقيُّ أمتعتَهُ إستعداداً لأكثر من احتمال سفر، على دربٍ بانت ملامحُها في أكثر من قنديل، وغابت إنحناءاتها مع مواسم الضباب الآتي من احتراقٍ عبثيٍّ هادىء...

فغدا الدربُ الضبابيُّ صبحاً..

ومساءً..

لايهتمُّ لأمرِ القناديلِ المعتادةِ على شُحِّ مخزونها وانحسارِ نورِها، والإكتفاء بتعليقها دون الإهتمام للفتِ الأنظار إليها.

***

نبيل عرابي

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – من ينام طويلا، يعيش مديونا.

التعليق – سبق وان أشرنا الى مثل روسي مشابه شكلا ومضمونا لهذا المثل، وهو – طويلا تنام خيرا لا تنال، ولكننا – مع ذلك - ارتأينا تثبيت هذا المثل هنا لانه اكثر دقة اولا، واكثر طرافة ثانيا.

**

الترجمة الحرفية – لا تمدح نفسك، دع الناس يمدحوك.

التعليق – مثل حكيم. يوجد مثل عربي يقول – من مدح نفسه فهو كذاب. المثل الروسي هنا لا يشير الى ذلك، ولكنه يقول – لا تمدح نفسك،  الا ان الجزء الثاني من المثل الروسي مهم جدا، اذ عندما يمدحك الناس، فان هذا يعني انك تستحق ذلك، اي ان المثل العربي والمثل الروسي يكملان بعضهما البعض -  من يمدح نفسه فهو كذب، ومن يمدحه الناس فهو حقيقة و صدق.

**

الترجمة الحرفية – لا تسرع بالموت، دع الشيخوخة تأتي.

التعليق – الموت حق، وكل نفس ذائقة الموت، ولكن على الانسان – مع ذلك - ان يحيا محافظا على نفسه وصحته. هناك امثال واقوال مأثورة كثيرة عند مختلف الشعوب تؤكد على ضرورة هذا المفهوم السليم للحياة. لنتذكر القول المشهور في تراثنا  - (اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا).

**

الترجمة الحرفية – الفأرة ليست كبيرة، لكن اسنانها حادة.

التعليق – مثل طريف جدا، وهو رمزي طبعا، اذ انه يذكّر الانسان بعدم الاستهانة بالظواهر الصغيرة حوله، والتي يمكن ان تؤدي الى كوارث هائلة في مسيرة حياته.  لنتذكرالمثل الشهير بلهجتنا العراقية، الذي يقول –  الحجارة الما تعجبك تفشخك. يوجد مثل ياباني يقول – التعاسات الكبيرة تحدث من اسباب صغيرة...

**

الترجمة الحرفية – ليس صعبا حمل الحقيبة، اذا كان الخبز فيها.

التعليق – مثل رمزي جميل وحقيقي فعلا. الخبز يعني الحياة واستمرارها، والمثل يؤكد، انه ليس صعبا على الانسان ان يقوم ب (حمل الحقيبة !) التي تطعمه، مهما تكن هذه (الحقيبة !) ثقيلة.

**

الترجمة الحرفية – لا تتفاخرعند الذهاب الى الحقل، تفاخر بعد العودة منه.

التعليق – رغم ان الصورة الفنية في هذا المثل ترتبط بطبيعة الحياة القروية، الا ان المعنى العام لهذا المثل عميق جدا، فما أكثر هؤلاء الذين يتفاخرون ويتبجحون قبل (بداية العمل !)، ولكن الواقع يبّين حقيقتهم (بعد العمل !). مثل صحيح وشامل في كل المجتمعات.  يوجد مثل بلهجتنا العراقية يقول – (رجّال اللي يعبي بالسكلة ركي) (السكلة – سقيفة لبيع الرقّي، او البطيخ الاحمر كما يسمى في   بعض البلدان العربية).

**

الترجمة الحرفية – ارتداء المعطف ليس للجمال، وانما للدفء.

التعليق – قال صاحبي، ان هذا المثل يجب ان تعرفه كل النساء. قلت له ضاحكا – كل النساء وبعض الرجال ايضا. استمر النقاش بيننا حول هذا المثل، وتوصلنا – بعد التي واللتيا – الى ان  الدفء هو الهدف طبعا، ولكن المعطف الجميل يمنح الدفء ايضا...

**

الترجمة الحرفية – الوئام يوسّع البيت.

التعليق –- مثل جميل ودقيق جدا. يقول المثل الياباني – الخصومات في البيت تزرع الفقر.

**

الترجمة الحرفية – دون ان تذوق المرّ، لن تعرف طعم الحلو.

التعليق – صحيح جدا، وما أكثر الامثال عند الشعوب، والتي تستخدم مفهوم المقارنة للوصول الى معانيها، ونذكر هنا مثلا من جورجيا يقول – اذا لم تر الظلام لا تعرف قيمة الضياء....

**

الترجمة الحرفية – الايادي العاملة لا تعرف الملل.

التعليق – الملل يتعارض مع العمل، وهذه حقيقة ثابتة وواضحة في الحياة الانسانية. قال صاحبي، انه يتذكّر الان المثل بلهجتنا العراقية عن – (الماعنده شغل يلعب..) فقاطعته وقلت له – لا تكمل، فالمثل معروف للجميع...

***

أ. د. ضياء نافع

..............................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا.

ض. ن.

 

محسن الاكرمينمن مصفوفات الحياة التي لن تتغير منذ زمن بدء الخليقة، حين لا نتمكن بتاتا التنقل من أبعاد الظلام إلى أحياز النور إلا بقبس علم يقيني. من سنن الحياة الدائمة حين يكسبنا الخوف مجموعة من الأسئلة البديلة عن فزع النفس حتى من صورة المرآة التي تفتننا مرارا لترتيب الذات عندها. قد تراودنا الرؤى الروحانية المتأنية بسير الجذب، ولكنا نفزع مما نخلف وراءنا من آثار الأقدام على رمال متحركة وغير ثابتة. قد نثق بحتمية نتيجة مسألة المقلاع الفيزيائية ونحن في صغر السن ونتحايل على اصطياد روح متعة لا فريسة. قد نسقط أرضا حين تضعف سرعة الحياة الواقفة، ونصبح نحن الفريسة بعينها، فقد (يصطاد الفهد للضرورة فقط، لا مكان لصيادي المتعة في الغابة، القتل للمتعة عاهة بشرية). قد لا نستطيع معاودة الوقوف قياما من ثقل حمل الذات الذي يزيد كرها على كره حين نفقد توأم الروح.

من لفافات النور قد نصنع قطن الحياة والنجاحات، ومن صدق الحقيقة قد نقلع بامتياز أفقا وتحقيق الأهداف المرجوة، و قد نضبط منبهات ساعاتنا الجماعية باليقظة وبناء لبنات التغيير. قد تكون الحياة غواية تخرجنا من توجساتنا الضيقة وتعلمنا قانون الجذب بكل أعراضه. قد تكون حروف الحياة لا تمتلك حرفا واحدا من كلمة الموت، لكن الموت لن تكون مرادفا طيعا للحياة، بل ضدا بنهاية الغواية الحياتية.

من سيئات معاملاتنا أننا نعمل على ترتيب متممات الموت ولا نثق وثوقا كاملا في أحداث المستقبل القادم وما يخفيه من مآسي أو أحلام نجاحات، لكن لندع قلوبنا تقول للحياة (شكرا... وأهلا بأنفاس حب التغيير). قد نعايش الموت و الكل يخافه مهابة، لكننا جميعا نحترمه لكرمه الحاتمي حين ينهي ألم الحياة. قد تترك الحياة رسم الشفاه الأحمر على الخدود الذكورية، لكنه قد يزول موتا بماء حمام بارد.

نحتفي بالحياة كرما (ببسمة طيعة وبقلوب فرحة... وبسعي نحو أفق النجاح بكثير من الإيمان...)، كما نحتفي بالموت حسرة ودمعة، لكنها في الأخير هي القواسم المشتركة بالتمايز بين فيض الحياة و مثوى الموت. وقد يتغذى طرفا على الآخر(الموت تتغذى من الحياة). هي ذي الحقيقة التي نتعايش معها باحتشام، ولا نقدر على تغييرها بمعادلة التصويب البنائي نحو فهم إشارات الحياة. هي حقيقة بناءات الثقة في المستقبل نحو النجاح فقط، والذي قد يشكل لنا جميعا فزعا ونخاف من حلم  نجاح الذي قد ينقلب كابوسا مفزعا. هو نور الحياة المشع في كل منّا من خلال مكاشفة النفس، وتخيل الصورة التي تكون نموذجا ثم (السعي اليومي لتصبح هذا الشخص المتخيل...). هي الحياة التي تستلزم الوثوق في الذات واقتحام المجهولات بلا رجعة انتكاسة، وبمعاودة المحاولات. هو النجاح الذي يزيح تفكير الموت ويبعث في الحياة الصوت العالي والحماسي الداخلي (سأنجح في المستقبل...).

قد لا نمتلك الراحة النفسية في حياتنا اليومية إلا من خلال مسكنات ومنومات ليلية صيدلانية. قد يمتلكنا القلق والحزن ولا نقدر على خلق التوازن النفسي الداخلي (فلا أحد يستطيع أن يأخذ منك ألمك غير الموت...). قد يكون قانون الجذب ملائما كصيغة للتعود على فرح النجاح، والسفر خارج الزمان والمكان ثم (الوقوع في حب النفس أولا...). قد تفكر روحانيا في النجاح، فينجذب إليك بطواعية، ومرات عديدة يتحقق بمعاودة الكرّة مثل (نملة الإسكندر المقدوني)، فحين تقنع عقلك بأفكار النجاح فهي تمهد طوعا بأن تصبح على أرض الواقع مكسبا ميدانيا.

 

محسن الأكرمين

 

يسري عبد الغنيدارت حول معجم القاموس المحيط للفيروزأبادي مكتبة تشرح أو تنقد أو تستدرك، وكان أعظم كتاب اتصل بالقاموس شرحه للزبيدي، أبي الفيض، محمد مرتضى، المولود سنة 1145هـ، المتوفى سنة 1205هـ شهيداً بالطاعون، الواسطي العراقي أصلاً، الهندي مولداً، الزبيدي تعلّماً وشهرةً، المصري وفاةً، الحنفي مذهباً، الأشعري عقيدةً، كما كان يصف نفسه في كثير من إجازاته (فهرس الفهارس والأثبات 1/527)، إلاَّ الوفاة، فما تدري نفس بأي أرض تموت.

ابتدأ تأليفه حوالي سنة 1174، بعد قدومه إلى مصر بسبعة أعوام، وسنّه إذ ذاك تسعة وعشرون عاماً، وأكمله سنة 1188، وقضى في تأليف جزئه الأول ستة أعوام وبضعة أشهر، وصنع طعاماً بعد إكماله هذا الجزء، وجمع طلاّب العلم، وشيوخ الوقت، وذلك في سنة 1181، وأطلعهم عليه، فاغتبطوا به، وشهدوا بسعة اطلاعه، وكتبوا عليه تقاريظهم نثراً ونظماً، وأكمل الأجزاء التسعة الباقية في سبعة أعوام وبضعة أشهر، فالجزء الأول منه ألّفه في شطر زمن تأليف الكتاب كله، ومكث في تأليف الكتاب أربعة عشر عاماً. وطلب الملوك وواقفو خزائن الكتب تحصيله، وبذلوا فيه الأموال (تاريخ الجبرتي 4/142، ومقدمة عبدالستار فرّاج للطبعة الكويتية من التاج).

وطُبع من التاج أولاً خمسة أجزاء بالمطبعة الوهبية بمصر سنة 1287هـ، ولم تكمله، ثم طُبع كاملاً في المطبعة الخيرية في عشرة أجزاء سنة 1307هـ.

وعنها ظهرت مصورة دار ليبيا للنشر والتوزيع في بنغازي سنة 1386هـ = 1966م. ثم تولّت وزارة الإرشاد في الكويت إخراجه في طبعة محقّقة تحقيقاً حديثاً أشرف عليها الأستاذ عبدالستار فرّاج، ثم آل الأمر إلى الأستاذ مصطفى حجازي (معجم المطبوعات العربية 2/1727، وتاريخ نشر التراث للطناحي 44 و157 و170، والكتاب المطبوع بمصر في القرن التاسع عشر للطناجي أيضاً 88 و94). واحتُفل منذ سنوات بإكماله في أربعين جزءاً. وكانت مدة نشره سبعة أو ثمانية وثلاثين عاماً، من سنة 1385 إلى سنة 1423هـ، أي من سنة 1965 إلى سنة 2002م. (نقد هذه الطبعة الأستاذ حمد الجاسر في مجلة العرب في سلسلة مقالات طويلة، ابتدأت في الجزء الخامس من السنة الخامسة سنة 1390هـ = 1971م، وأكثر ما عني به المواضع والأنساب؛ إذ كان متخصصاً فيهما).

ومزيّة التاج في المعجمات سعته، فهو أكبر معجم عربي، واستفادته من مراجع كثيرة سبقته من المعجمات وغيرها من كتب فروع التراث، وأنه سدّ ما في القاموس من خلل، وقوّم ما فيه من اعوجاج، فأضاف إليه كثيراً من المواد والصيغ والمعاني، في أصل المادة، وفي المستدرك الذي يجعله في آخرها، وبيـّن المصادر التي أخذ منها القاموس، وذكر الروايات المخالفة، وخلافات اللغويين، ووضح وكمّل، وأتى بالشواهد، وذكر اختلاف نسخ القاموس، ونسخ أصوله، وفيه زيادات واسعة من الضبط ليست في أصله. ونقد مادته، وتتبع منهجه وبيّن اختلاله في أحيان، وانتصر للجوهري حين رأى الحق معه، وتتبع تصحيف القاموس وخطأه واضطرابه في التفسير، وعني بالتنبيه على المجاز، وعلى أصول معاني المواد ومقاييسها.

وعيب التاج ما انتقل إليه من القاموس من أجل محافظته على عبارته من الفوائد الطبية والأعلام والمصطلحات، وهذه كلها ليست من مادة المعجم، وفقد الترابط في سياقه في بعض المواضع من أجل التزامه أيضاً بلفظ القاموس، ومن أجل تفريقه استدراكه عليه بين أوساط المواد وخواتيمها، وأنه لم يطلع على بعض المعجمات ومنها البارع لأبي علي القالي، وأنه أهمل ألفاظاً قليلة في اللسان، وألفاظاً أتى بها في شروحه (انظر في مزايا التاج وعيوبه المعجم العربي 2/528 – 540. وأشار إلى أن له مقالاً في مجلة مجمع اللغة العربية بعنوان: فائت التاج)

ويُضَمُّ إلى ذلك أن الزبيدي عوّل على الجمع، ولم يُعنَ كثيراً بالتحقيق، ونقل عن مخطوطات بعضها غير متقن، فوقع في أخطاء كثيرة (مجلة العرب، السنة الخامسة 5/480)، وأن مراجعه لم تكن حاضرة بين يديه في كل المدة الطويلة التي ألّف فيها الكتاب، فكان يرجع إلى نسخ مختلفة بعضها غير تام.

ولكنه بقي أوعبَ المعجمات، وجمهرةَ علومٍ واسعة من التراث العربي العريض

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

......................

راجع كتابنا معجم المعاجم العربية، دار الكتب العلمية، بيروت

 

 

حيدر عاشوركلما أجدد لقائي بالأديب والشاعر رضا الخفاجي يدخل في قلبي بلا اذن ولا استئذان فأحبه أكثر واحترمه بشكل كبير، لا يمكن وصف الشعور والإحساس عند رؤيته، وكان قد طلبني بالاسم ان التقيه وفرحتي كانت لا توصف وهو يهديني كتابين الأول (ما زلت أسعى)  صدر عن دار الرقيم في مدينة كربلاء المقدسة والكتاب الثاني (فاتحة الكرنفال) مجموعة شعرية طبعت بمطبعة بغداد سنة 1988 حيث تجاوز توزيعها (4350) نسخة.. كان من الطبيعى، ان اقرأ (ما زلت أسعى) قراءة متفحصة ودقيقة فوجد فيها كل ما يريد ان يقوله عن نفسه أولا وعن الأصدقاء الذين كتبوا عنه منذ نصف قرن من الكتابة والسعي والبناء، فمجايلي الخفاجي عن قراءتهم للكتاب ستعود إلى أذهانهم ذكريات عزيزة، عن هذا الرجل الفذ، مما يطيب لىّ أن أشرك القراء معى فيه. لم أكن من الأشخاص المقربين جدا من رضا الخفاجي، مثلما كان أصدقائه المقربين، ولكنه كان يدعوني من حين لآخر للانضمام إلى لقاءاته المتكررة، وكنت أفرح دائما بهذه الدعوة ولا أتخلف عنها قط، إذ كان مجرد وجودي بقربه كنت اسمع خلالها كثيرا من الأفكار النيرة.

فكتاب (ما زلت أسعى) مسيرة نصف قرن في الشعر والمسرح الشعري والدراما، للشاعر المخضرم والاب الروحي لجميع شعراء مدينة كربلاء المقدسة (رضا الخفاجي).. يضم صوراً تذكرنا إذا نسينا، وتحفظ الملامح الجديدة لحقبتنا إذا حاول الزمن في محاولته، أن يطمسه. أعتقد أن هذا الكتاب كُتبْ تحت حسنْ النية وبراءات جمّة، منها براءة اللغة، وهي ذات ميزة احترافية، لا تخلو من عمق المعرفة والخبرة والنضوج الفكري. فالكتاب يضعنا أمام ذات تعّبر عن معاناتها بالصراخ التوثيقي، أو قد تضعك أمام فنّان يمتطي وسيلةً للتعبير عن هواجسه، وحيواته في سبيل التذكير ان نفع. ويقول -مظفر النواب- في احدى قصائده : ان النهر يظل لمجراه أميناً.

فـ(ما زلت أسعى) هو نوع من الاهتمام الخاص، يظل ساري المفعول مع امتداد الزمن، متزايداً بإبداعات الشاعر (رضا الخفاجي). وقد أعتبر بحق شاعر الرمزية الروحانية الحسينية.. ففي قصائدهِ وأعمالهِ المسرحية وجدت الروحانية الرمزية ايناعها الاقصى في التعطش للوصول الى النشوة الروحية. من هنا تتضح معاناة الذات الشاعرة لدى( الخفاجي)، وتطلعها الى الاحساس بالوصول الى القيم الحسينية الخالدة التي تفتح الطريق الى النور العظيم الذي صنعه الامام الحسين(عليه السلام) بدمه الطاهر، والتوغل في ابعاد ثورته الكونية، الالهية. فالخفاجي وقف وجهاً لوجه أمام عظمة المصيبة، وكأنها لاتزال قائمة، فيرى كل ما حوله مخلد دائم؟ يقول في احدى قصائده: 

2012 رضا الخفاجيخمسون عاماً من مسيرتنا ... في عالم الايثار والشعرِ

في عالم الاضداد نرصده ...   مستيقظون على مدى الدهرِ

نرثي مقاتلنا ونكرمهم ...  كي تحتفي الاجيال بالنصرِ

فالإيثار كما يراه يتولد في روح الانسان الشاعر غير عابئ بالزمان والمكان، يصنع مصيره الخاص، يحدوه أمل الديمومة والبقاء، ويحيا بكبرياء وعصامية، لأنه اكتفى بذاته بعد ان خلصها من رواسب الأنا. وبهذا كتاب رسالة واضحة تقول: بقدر ما تطرح نفسك من سواك تحقق وجودك.

فجمع في (ما زلت أسعى) بين الذاتي والموضوعي والشخصي والمعرفي. وقد يكون الكتاب يحكي سيرته الشخصية بالذوات الموضوعية والمعرفية.. شعور بضرورة الانتماء الى الجذور الادبية، بمعنى الاحساس بالفضل لأولئك الذين قدموا وعانوا الكثير لكي يؤسسوا خطوات واثقة ومهمة في تاريخ الابداع الكربلائي الاصيل بوجه الخاص. فقسم أبواب الكتاب الى عشرة اقسام أولها المقدمة التي حكى بها عن حلمه الاوحد في تصدير مجلة متخصصة بالمسرح الحسيني كمشروع عاقره منذ اواسط السبعينات من القرن الماضي باعتقاده ان المسرح الحسيني ليس بمسرح مناسبة بل هو مسرح رسالي ومشروع حضاري نهضوي يعتمد في منظومته الفكرية على الفكر الحسيني. بذلك شكل كادر صحفي ادبي متكون منه كرئيس تحرير والاديب (طالب عباس الظاهر) كمدير تحرير والشاعر والمسرحي (عقيل ابو غريب) محرر وكاتب.

وفي ثانياً تحدث عن الحركة الثقافية في كربلاء برموزها الادبية والصحفية. اما ثالثاً كانت سيرته الذاتية، وكان ينتهب فيها صور من أعماق الماضي، ومن أغوار النعيم الشعري وصياغته، الذي توارثه عن أبيه، كما توارث مهنة صياغة الذهب، ولا تزال روحه الشعرية مشدودة الى تقديم كل جديد في ظل ابوية العتبتين الحسينية والعباسية اللتان فتحن له الطريق الى حلمه بإصدار مجلة (المسرح الحسيني) بكادرها الذي ذكرناه مسبقاً. فيما ذكر في رابعاً، أعماله الشعرية والمسرحية والفكرية المطبوعة كمنجز ابداعي منذ عام 1988 الذي تجاوزت 25 مطبوعاً، و22 مطبوعاً تم طبعهما باللغتين العربية والانكليزية، اضافة الى 6 كتب منها (ما زلت اسعى). في خامساً، ذكر كل الأسماء والصحف والمجلات التي تناولت منجزه الابداعي، ورسائل الماجستير التي أخذت مسرحياته وكتبه كأطروحة فكرية علمية. وسادساً، ذكر 13 عمل مسرحي قدم على مسارح كربلاء وعدد من المحافظات العراقية وبعض الدول العربية . اما سابعاً، تناول 6 مسلسلات اذاعية كتبها بشكل خاص لبعض الاذاعات العراقية وما زال متواصل في عطاه الاذاعي. وثامناً، عد الجوائز والشهادات التقديرية التي منح بها في المهرجانات محلية وعربية ودولية. تاسعاً، جمع المقالات النقدية والانطباعات الفكرية التي كتبها في الصحف والمجلات. عاشراً، دوره في نقل فكره الشعري والمسرحي 12 فضائية عراقية اجرت معه لقاءات منفردة. ويختم (ما زلت اسعى) بصور لمراحل حياتية اضافة الى قصيدة كتبها قبل نصف قرن ونشرت في مجلة الف باء العراقية.

بذلك يريد ان يؤكد (رضا الخفاجي) بعد نصف قرن انه صالح للقراءة . فهو حقاً لون خاص من ألوان الشعر الحسيني ونمط من أنماط التجربة المسرحية الحسينية على الرغم من أنه كان بارزاً منذ عام 1988 بمجموعته الشعرية الاولى (فاتحة الكرنفال).. فهو شاعر انساني، روحاني حسيني بامتياز.. (ما زلت أسعى) مسيرة نصف قرن في الشعر والمسرح الشعري والدراما أخر اصداراته عن دار الرقيم للنشر والابداع في مدينة كربلاء المقدسة. 

 

حيدر عاشور

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية –  من النعجة لن يولد ذئب .

التعليق – مثل ساخر وطريف، والصورة الفنية فيه ساطعة، والمعنى المقصود به واضح جدا ولا يحتاج الى اثبات، ومع ذلك، فان هذا المثل ضروري جدا لهؤلاء الساذجين من البشر (وما أكثرهم، خصوصا في مجتمعاتنا)، الذين لا زالوا يعتقدون بامكانية مثل هذه الظواهر . يوجد مثل كوري يقول – من بذور الخيار لن ينمو الباذنجان .

**

الترجمة الحرفية – لص البيت أخطر من اللص الغريب .

التعليق –  قال صاحبي، ان هذا المثل سياسي بامتياز . ضحكت انا وقلت له - فهمت قصدك، ولكن هذا المثل ظهر في روسيا قبل ظهور تلك السرقات (التي تقصدها في حياتنا السياسية !)، فضحك صاحبي وقال – ان هذا المثل قد تنبأ مسبقا بذلك وحذّرنا من (حرامي البيت !)، ولكننا لم نأخذ تحذيره بنظر الاعتبار مع الاسف الشديد، لأننا كنّا عندها قاصرين....

**

الترجمة الحرفية – واحد يذنب، ويتهمون الجميع .

التعليق – مثل صحيح، يرسم – بدقة واختصار - صورة تتكرر في كل زمان ومكان، وقد علّق صاحبي بأسى قائلا – ... وخصوصا في هذا الزمن  الرهيب، عندما يقوم مخبول بجريمة ارهابية وحشية، فيتهمون امما وشعوبا باكملها ...

**

الترجمة الحرفية –  اللص يسرق جيدا، عندما يكون الليل معتما .

التعليق – كل السرقات تتم في (العتمة!)، الا ان صاحبي اعترض بشدّة على ذلك، وقال - ان السرقات الكبرى عندنا تحدث في وضح النهار، فضحكت انا وقلت له - اعتراضك صحيح جدا، لأن (حاميها حراميها) .

**

الترجمة الحرفية – من الافضل ان تعطي، مما ان تأخذ .

التعليق – قال صاحبي - لا ينطبق هذا المثل على كل الحالات، فالبخيل يفضل الأخذ على العطاء دائما، قلت له – كلامك صحيح، لأن البخل مرض يصيب الانسان، والمثل الروسي يقول – الغني البخيل افقر من الفقير، ولكن هذا المثل يتحدث عن الاكثرية من الناس الطبيعيين، الذين يخجلون ان (يأخذوا)، ويفضلون ان (يعطوا)، حتى اذا كانوا هم  انفسهم محتاجين .

**

الترجمة الحرفية – كلمة الحنان أحلى من العسل .

التعليق – مثل جميل جدا . قال صاحبي، لو استطيع لارسلت هذا المثل بالبريد المسجّل العتيق الى اصدقائي ومعارفي كافة، فضحكت انا وقلت له – ذكّرني، عندما تبدأ بتنفيذ هذه الفكرة (الجهنميّة)، كي اعطيك انا ايضا قائمة متكاملة باسماء اصدقائي ومعارفي وعناوينهم، كي ترسل المثل لهم ايضا، فضحك صاحبي وقال – هذا يعني اننا ... في الهوا سوا....

**

الترجمة الحرفية – بالصراخ تخيف الغربان، ولكن ليس لمعالجة الامور و الاعمال .

التعليق – مثل ساخر من هؤلاء، الذين (يصرخون !) ليس الا في كل توجيهاتهم، دون ان يعرفوا معنى  التخاطب الطبيعي والانساني بين البشر . لنتذكر المثل الجميل وحكايته بمختلف اللهحات العربية عن الحيّة،  وكيف انها تخرج من (الزاغور، كما نقول بلهجتنا العراقية) عند سماعها الكلام الحلو ...

**

الترجمة الحرفية – من يطرق الباب، يفتحون له .

التعليق –  ونحن ايضا نقول - من يطرق الباب يسمع الجواب، رغم ان المثل الروسي يذهب أبعد من سماع الجواب، اذ حتى يفتحون له الباب. ولكن في كل الاحوال، فان كل هذه الامثال، هي دعوة للانسان ان (يطرق الباب)، اي ان يعمل و يحاول، لا ان يجلس دون فعل وينتظر ليس الا ...

 

أ. د. ضياء نافع

...................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا.

ض. ن.

 

محمد عبد الكريم يوسفتقول الحكاية أنه في يوم من الأيام، قال بوسيدون مخاطبا أثينا وهو يضرب صخرة الأكروبوليس برأسه الثلاثي: "سأمنحك الماء" فظهرت للوجود نافورة ماء مالحة . ردت أثينا وهي تضرب الصخرة برمحها القوي قائلة: " وأنا سأمنحك شجرة ." فنبتت شجرة زيتون بثمارها اللذيذة المغذية وأوراقها الظليلة وخشبها الذي يوفر الوقود للتدفئة ." وحدث اقتراع على الأفضل، وفازت أثينا بالتصويت، ومنحت اسمها لمدينة جميلة سميت باسمها، وهكذا ولدت مدينة "أثينا" . 

في الدورة الأولى للألعاب الأولمبية التي جرت عام 776 قبل الميلاد تكريما لزيوس، تم تدليك أجسام الرياضيين  بزيت الزيتون اعتقادا منهم أن حكمة أثينا وقوتها ستمكنهم من الفوز في الألعاب، وكان يتم تتويجهم بتيجان من أوراق الزيتون، وتكريمهم بزيت الزيتون .

كانت شجرة الزيتون ولا زالت بنت الشمس المشرقة المحببة عبر العصور من دون منازع.

تُعد شجرة الزيتون  شجرة مقدسة لدى الكثير من الشعوب، وخاصة شعوب حضارة شرق المتوسط من ايطاليا إلى اليونان إلى تركيا إلى سورية مرورا بلبنان و فلسطين. وكان من المعتقد أيام اليونان القديمة أنه إذا قمت بتلميع تمثال زيوس بزيت الزيتون، فسيشرق زيوس ويبتهج ويمنحك حياة طويلة وسعيدة ومديدة، وكان التمثال العاجي والذهبي الذي يبلغ ارتفاعه 13 مترًا في أوليمبيا، والذي صنعه النحات الشهير  فيدياس إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم مصقولًا دائمًا ومطليا بزيت الزيتون. 

أشجار الزيتون قديمة قدم الدهر فقد عثر علماء الجيولوجيا على أوراق زيتون متحجرة، يعتقد أنها تعود إلى 60.000 سنة، في جزيرة سانتوريني البركانية . ومع ذلك، يبدو أن أشجار الزيتون كما نعرفها اليوم نشأت منذ حوالي 6000 إلى 7000 سنة في المنطقة المقابلة لبلاد فارس و بلاد ما بين النهرين وسورية ولبنان وفلسطين واليونان . وقد تمت زراعتها لأول مرة تجاريًا في جزيرة كريت في عصر مينوان، كما يتضح من اللوحات الجدارية في كنوسوس، و ربما كانت مصدر ثروة لحضارة مينوان . وفي وقت لاحق، طور الفيلسوف اليوناني القديم أرسطو زراعة الزيتون وحوله إلى علم يتم دراسته في الأكاديميات  العلمية.  وصار زيت الزيتون سلعة تجارية قيمة ومصدرًا رئيسيًا للازدهار والثروة في أثينا الكلاسيكية القديمة كما استخدمه الأطباء لدهن أجساد الملوك والرياضيين والمحاربين.

لأشجار الزيتون أهمية خاصة في جميع جوانب الحياة ولها بعد سحري تقريبًا فقد  نظر الناس إلى غصن الزيتون - ولا يزال - كرمز للوفرة والحكمة والمجد والسلام.  كانت الأغصان المورقة لشجرة الزيتون تُقدم إلى الآلهة والشخصيات القوية كرموز للبركة والتطهير والتطهر، كما تم استخدامها لتتويج المنتصرين في الحروب الدموية، وكذلك  في الألعاب الرياضية الأولمبية .

ومنذ مطلع القرن السادس قبل الميلاد، صارت أشجار الزيتون محمية بقوانين خاصة، وضعها المشرع القانوني ورجل الدولة، سولون، كما أصدر المراسم والقوانين حول كيفية زراعتها وتقليمها  وقطعها وكيف يتم التمييز بين أشعار الزيتون العادية والملكية والمقدسة وكان يعتقد الأشجار المقدسة نبيلة تماما كونها من ابداع الآلهة أثينا فكان يعاقب بقسوة من يرتكب جرما ضد شجرة الزيتون على أعلى المستويات وكان يعاقب المجرمون بحق الزيتون إما بالنفي أو مصادرة الممتلكات أو حتى تطبيق عقوبة الإعدام عليهم .

لقد تم تكريم  وتبجيل شجرة الزيتون في الحضارات الأخرى الكثيرة  مثل الحضارة المصرية  وذهبت الأديان إلى اعتبار شجرة الزيتون مقدسة  في معظم الأديان  بما في ذلك اليهودية والمسيحية والإسلام . في الديانة المسيحية، يرمز زوج من أشجار الزيتون إلى العهدين القديم والجديد.  وأيام طوفان نوح، أحضرت حمامة غصن زيتون إلى نوح، للدلالة على نهاية الطوفان.  اليوم، لا يزال زيت الزيتون يستخدم في العديد من الأديان لمختلف الطقوس الدينية المقدسة.

يعتبر الزيتون وزيت الزيتون في الحياة اليومية  جزءًا رئيسيًا من محميات البحر الأبيض المتوسط الشهيرة . ويستخدم زيت الزيتون في الصابون ومستحضرات التجميل وحتى لطرد العين الشريرة، و غالبًا ما يقدمه الإغريق والسوريين كهدية لبعضهم البعض كرمز للمحبة والوفاء .

 

يحترق خشب شجرة الزيتون ببطء، لذا فهو يدوم طويلاً . إنه خشب صلب، ويمكن استخدامه لصنع العديد من الأشياء والأواني الجميلة الصلدة ذات الرائحة العبقة .

تتميز أشجار الزيتون بالمرونة والقدرة العجيبة على التكيف مع الطبيعة القاسية: فهي لا تحتاج إلى الكثير من المياه و تقاوم الجفاف والرياح العاتية و تتجدد بعد الحرائق وعمرها مديد ، وتدل غابات الزيتون البري التي توجد في أعالي الجبال والغابات  الكثيفة إلى أن الشجرة تستمر في الحياة طويلا طويلا وتستمد حياتها من قوة أثينا الآلهة التي أهدتها للحياة في مبارزتها مع بوسيدون.   توجد أشجار زيتون في البساتين حول البحر الأبيض المتوسط  ويقال إن عمرها قرون، وقد تم عرض أعمار بعض أشجار الزيتون لفترة تصل إلى 2000 سنة أو أكثر لبعض الأشجار الفردية . و شجرة الزيتون من نوع فوفيس التي تعيش في جزيرة   كريت (إحدى الأمثلة الكثيرة )، إذ يقدر عمرها  ما بين 2000 و 4000 سنة!  وكلما كبرت أشجار الزيتون، أصبحت أكثر كرامة وحكمة . إن جذوعها الملتوية ,، وعقدها وندوبها، وأقفالها المظلمة المجوفة، وأوراقها الفضية المتلألئة في الشمس تمنحها شخصية مميزة لها سموها الخاص وعبقها الخاص وحكاياتها الأسطورية.

يحتفل العالم بشجرة الزيتون في الأدب والفن والنثر والشعر، وقد أشار هوميروس في الأوديسة إلى زيت الزيتون على أنه "الذهب السائل" ويقول في الجزء الثامن السطر 450: " بمجرد أن قام أوديسيوس بتثبيت الصندوق الذي يحتوي على الهدايا التي قدمها له الفينيقيون، دعته مدبرة المنزل للاستحمام حيث غسلته الخادمات ودهنه بزيت الزيتون، وألقين عليه عباءة جميلة."

أما الشاعر اليوناني العظيم أويسياس إيليتس الحائز على جائزة نوبل للآداب لعام 1979 فقد وضع زيت الزيتون في مرتبة رفيعة تجمع اليونان في حال تفككها، فالذهب السائل له قيمته في جمع شمل اليونان وتوحيدها في وجه عاتيات الزمن حين يقول:

Εάν αποσυνθέσεις την Ελλάδα,

στο τέλος θα δεις

να σου απομένουν

μια ελιά, ένα αμπέλι κι ένα καράβι....

Που σημαίνει:

με άλλα τόσα την ξαναφτιάχνεις....

 

Οδυσσέας Ελύτης

الترجمة الإنكليزية:

If you take Greece apart,

In the end you will be left with

an olive tree, a vineyard and a boat...

which means that with these items

you can rebuild Greece...

 

Odysseas Elytis

 

الترجمة العربية:

إذا فككت اليونان إلى أجزاء

ستكون في النهاية وجها لوجه

مع شجرة زيتون وكروم عنب وقارب..

وهذا يعني أنك بهذه المكونات

يمكنك اعادة بناء اليونان.

فان جوخ والغرام بأشجار الزيتون

رسم فينسينت فان جوخ ما لا يقل عن 15 لوحة لأشجار الزيتون، كان معظمها في سان ريمي -دي- بروفانس في عام 1889. وبناءً على طلبه الخاص، عاش في ملجأ هناك من أيار 1889 حتى أيار 1890 حيث رسم حدائق المصح الذي يعيش فيه، وعندما كان لديه إذن بالمغامرة خارج أسواره، تجول بالقرب من أشجار الزيتون وأشجار السرو وحقول القمح واكتشف أسرار وجمال الطبيعة الغناء .

كان للوحات أشجار الزيتون أهمية خاصة لفان جوخ  فقد  مثلت الحياة والألوهية ودورة الحياة  حيث تُظهر لوحاته لجامعي الزيتون العلاقة بين الإنسان والطبيعة من خلال تصوير إحدى دورات الحياة أو الحصاد أو الموت.  لقد أراد فان جوخ أن يبين كيف يمكن للأفراد، من خلال تفاعلهم مع الطبيعة، التواصل مع الإله عبر الشجرة المقدسة .

 وقد وجد فان جوخ الراحة في التفاعل مع الطبيعة.  إذ أنه عندما رُسمت سلسلة رسومات شجرة الزيتون عام 1889، كان يعاني المرض والاضطراب العاطفي، إلا أن  هذه اللوحات تعتبر من أفضل أعماله الفنية ، فعبر رسم الريف والحقول المحيطة وأشجار السرو وأشجار الزيتون،  أعاد فان جوخ الارتباط بالطبيعة من خلال الفن. و أكمل ما لا يقل عن 15 لوحة في عام 1889  من "أشجار الزيتون الموقرة  " المنتشرة في جميع أنحاء جنوب فرنسا وقد كتب عنها:

تأثير ضوء النهار والسماء يعني أن هناك مواضيع لا حصر لها يمكن العثور عليها في أشجار الزيتون.  أبحث بنفسي عن التأثيرات المتناقضة في أوراق الشجر، والتي تتغير مع نغمات السماء.  في بعض الأحيان، عندما تكشف الشجرة أزهارها الباهتة والذباب الأزرق الكبير و تطير خنافس الفاكهة الزمردية والصراصير بأعداد كبيرة، كل شيء مغمور باللون الأزرق النقي.  وبعد ذلك، عندما تأخذ أوراق الشجر البرونزية نغمات أكثر نضجًا، تصبح السماء مشعة ومخططة باللون الأخضر والبرتقالي .  ثم مرة أخرى، في فصل الخريف، تأخذ الأوراق نغمات بنفسجية شيئًا من لون التين الناضج، وهذا التأثير البنفسجي يتجلى بشكل كامل مع تباين أشعة الشمس الكبيرة المبيضة داخل هالة الليمون الفاتحة الباهتة . في بعض الأحيان، أيضًا، وبعد الاستحمام، رأيت السماء الوردية والبرتقالية بأكملها، مما أعطى قيمة رائعة وتلوينًا فريدا للأخضر الفضي . ومن بين كل هذا كانت هناك نساء يرتدين ألوانا وردية  أيضا يجمعن الثمار.

وقد وجد فان جوخ  أشجار الزيتون مطلوبة ومقنعة .  كتب إلى شقيقه أنه "يكافح من أجل صيد (أشجار الزيتون) و زراعتها في لوحاته . إنها فضية اللون  عتيقة جميلة حنون ، وأحيانًا تحتوي المزيد من اللون الأزرق داخل أوراقها الخضراء، وأحيانًا تكون مخضرة، برونزية، بيضاء باهتة فوق تربة صفراء، وردية، وبنفسجية ملونة برتقالية اللون. ... صعب جدا أن ترصد حكاية شجرة الزيتون ." ووجد أن بستان الزيتون الخفيف فيه شيء سري للغاية، وعتيق للغاية . إنه لأمر جميل للغاية بالنسبة لنا أن نجرؤ على رسمه أو أن نتخيله." 

يلخص المتحف الوطني للفنون هذه السلسلة من لوحات فان جوخ ويقول:

في أشجار الزيتون  قوة تعبيرية فريدة لأشكالها القديمة والعقد وقد وجد فان جوخ مظهرًا من مظاهر القوة الروحية التي كان يعتقد أنها تسكن الطبيعة كلها.  لقد استطاعت ضربات الفرشاة أن تجعل التربة وحتى السماء تبدو حية بنفس حركة حفيف الأوراق التي تحركها رياح البحر الأبيض المتوسط وتعطيها وميضها. لا يبدو أن هذه الضربات الفردية القوية مرسومة على القماش بفرشاة محملة بشدة . إن الطاقة في إيقاعها المستمر توصل إلينا، بطريقة شبه جسدية، القوة الحية التي وجدها فان جوخ داخل الأشجار نفسها والقوة الروحية التي كان يعتقد أنها شكلتها.

أغنية لشجرة الزيتون:

شجرة الزيتون مثال حي للبقاء  ومقاومة الاحتلال  والعطاء و الاستمرار. لقد سجل التاريخ أن هناك أشجار زيتون لازالت حية يعود عمرها لأربعة آلاف عام و أكثر . وقد تكون أغنية الطبيعة لشجرة الزيتون أجمل أغنية . لقد شاهدت الشاعرة الأمريكية المبدعة إيرين لاثام  لوحة فان جوخ التي تحمل عنوان:" أشجار الزيتون والسماء الذهبية والشمس " وتأثرت بها كثيرا فكتبت أغنية جميلة لأشجار الزيتون  تقول فيها:

النص الإنكليزي:

To an Olive Tree

(after "Olive Trees with Yellow Sky and Sun" by Vincent van Gogh)

 

You sit squat and happy,

your gnarled branches

reaching across blazing sun,

no rain,

and herds of grazing goats.

 

You say, shine on me!

Come, or don't come.

Welcome.

For the hungry, you drop fruit.

For the troubled, you offer

a balm of oil.

For me, you share

a fallen twig

shaped exactly like a smile.

I spread my quilt

beneath your limbs

and rest for a while.

النص العربي:

إلى شجرة زيتون

عقب مشاهدتي للوحة "أشجار الزيتون مع سماء صفراء وشمس" للفنان فنسنت فان جوخ

 

أنت تجلسين القرفصاء وسعيدة ،

وتصل فروعك المعقدة

لأشعة الشمس الحارقة،

لا مطر،

وقطعان ماعز ترعى بسلام .

 

تقولين، تألقي بأشعتك علي!

تأتين أو لا تأتين.

أهلا بك.

 

للجائعين، تقدمين الثمار.

وللمضطربين، تقدمين

بلسما من الزيت.

 

بالنسبة لي، أنت تشاركيني

غصينا ساقطا

تماما يشبه الابتسامة.

 

أنشر لحاف بلدي

تحت أطرافك

وأستريح هنيهة .

بين الأخضر الأزرق والسماء الصافية والأشعة الذهبية وقطرات الفن الجميل والطعم الفريد يتيه الإنسان في التعبير فتضيع المفردات بين تفاصيل اللغة لتبقى شجرة الزيتون رمزا للصمود والبقاء والحرية من فجر التاريخ إلى يومنا الحالي.

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

قاسم المحبشيأشلاء الياسمين وبدون مولا من العقل والوجدان، بل من المكان، والزمان من الفضاءات الحميمة التي تحتضن الكائن؛ المنزل، الشارع، الحي، البلدة، المدينة، الأرض، السماء، المواسم الليالي الأيام، النجوم الغيوم، المطر، الشمس، القمر، الشجر، البحر، الموج، النهر، الجداول الرمال، الجبال، الوديان، الحيوان، الأنوار، الظلال، الأشكال والألوان، الغناء، الرقص، النحت، الرسم، الأزياء، الألعاب، العصافير، الأعشاش، الافراح، الاتراح، الألآم والآمال والأحلام. الخ وكل تلك الأشياء الصغيرة الحميمة المؤطرة في السياق الحي الفوري المباشر لكينونة الكائن التي يعيشها متدفقة لحظة بلحظة من حياته. تلك الاشياء الصغيرة بتفاصيلها الحميمة التي تظل عصية عن النسيان هي التي يستلهمها الإنسان، المفكر، الفنان، ويعيد صيغتها إبداعياً ( فكرة، أغنية أو قصيدة أو قصة أو رواية أو لوحة تشكيلة فنية جميلة أو سيرة ذاتية أو رؤية فلسفية.الخ) أنها أغنية الأرض المنتزعة من أرضها رمزياً بما تحمله من رسالة إنسانية جمالية ذات دلالات ومعاني سيكولوجية وميتافيزيقية واجتماعية ثقافية سامية تهذب الأذواق والنفوس، والفنان لا يأتي المعجزات؛ بل هو ابن بيئته وربيب زمانه. وتمنحه موهبته المرهفة القدرة على إعادة صياغة الحياة في قالب فني يسر النظر، ويطرب السمع، ويبعث الشعور بالمتعة والفرح والجمال أو الحزن والشفقة والامتعاض والنفور. والفنون لغة درامية عالميّة للتعبير عن المشاعر الإنسانية النّابعة من أعماق الكينونة التي تتكلم وجودها الحي في هذا العالم. ومن بين الفنون جميعها فالمسرح أهمها ذلك لأنه الفن الوحيد الذي يعيد تمثيل الحياة بكل صخبها ومداراتها التراجيدية والكوميدية (الحزينة والمضحكة) أمام الكائنات العاقلة التي تعيش وتمارس ادوارها المختلفة في واقع الحياة اليومية وبهذه المعنى تعد الحياة كلها مسرحية والإنسان هو الذي يمثلها والتاريخ حبكتها. وكل كائن إنساني هو ممثل لادوار الحياة المختلفة؛ دور الأب ودور الأم ودور الابن ودور البنت ودور التلميذ ودور الطالب ودور العاشق ودور الزوج ودور الأخ دور الصديق ودور القاضي ودور الوفي ودور الخائن ودور الحكيم ودور المحامي ودور المنقذ ودور الحاقد ودور المحب ودور الفقير ودور الغني .. الخ من ادوار الحياة التي لا تعد ولا تحصى. فمن هو ذلك الذي يمتلك الموهبة والقدرة على تمثيلها دراميا؟! أنه الفنان، الفنانة، الكاتب المخرج والممثل الممثلة الرسالة.

كتب الأديب اللاتيني الضرير خورخي لويس بورخيس في وصفة محنك ابن رشد مع كتاب الشعر لارسطو طاليس قائلا " بالأمس وقف عند كلمتين مريبتين في بداية كتاب "الشعر" وهما "تراجيديا وكوميديا". لقد وجدهما سنوات من قبل في الكتاب الثالث من "البلاغة"، لم يسبق لأحد في نطاق الإسلام أن خمن معناهما، وبدون جدوى، أتعب صفحات كتاب الإسكندر الأفروديسي، وبدون جدوى، قارن بين الترجمتين اللتين قام بهما النسطوري حنين بن إسحاق وأبو بشر متى، والكلمتان اللغزان تتررددان في كتاب الشعر يستحيل تلافيهما. ترك ابن رشد القلم، وقال لنفسه (دون ثقة كبيرة) بأن ما نبحث عنه يكون عادة قريبا منا، خبأ مخطوط التهافت، واتجه نحو الخزانة حيث تصطف مجلدات كثيرة من كتاب "المحكم" للأعمى ابن سيدة منسوخة بأقلام خطاطين فرس، سيكون من باب الخداع أن نتخيل بأن ابن رشد لم يراجعها من قبل ولكن استهوته الآن لذة ورجع إلى تصفحها من جديد، وسمع صوتا رخيما نظر من الشرفة، في الفناء الأرضي الضيق فرأى بعض الأطفال يلعبون شبه عراة، كان أحدهم، واقفا على كتفي آخر، يمثل المؤذن بصورة بارزة : عيناه مغمضتان جيدا، وهو يتلو "لا إله إلا الله" أما الصبي الذي كان يحمله ولا يتحرك فكان يمثل الصومعة. وكان الآخر راكعا على ركبتيه في الغبار، يمثل جماعة المؤمنين. استمر اللعب وقتا قليلا، فقد كان كلهم يريد أن يكون المصلين أو الصومعة، سمعهم ابن رشد يتشاجرون ويتعاركون في لهجة بريئة، يمكن القول إنها الإسبانية البدائية التي يتكلم بها عوام المسلمين في إسبانيا. فتح ابن رشد كتاب "العين" للخليل، وفكر بكبرياء أنه لا توجد بقرطبة (وربما الأندلس كله) نسخة أخرى من هذا المؤلف الكامل الذي أرسله إليه من مدينة طنجة الأمير يعقوب المنصور. ذكره اسم هذا الميناء بأن الرحالة أبا القاسم الأشعري، الذي جاء من المغرب سيتناول في حضرته طعام العشاء هذه الليلة في بيت فرج عالم القرآن. يقول أبو القاسم إنه بلغ مهالك امبراطورية الصين، ويقسم المشنعون، استنادا على ذلك المنطق الذي يتولد عنه الحقد أنه لم يصل أرض الصين أبدا. إن الاجتماع سيستغرق ساعات لا محالة ولهذا رجع ابن رشد إلى كتابة "التهافت" معجلا. وظل يعمل إلى حين الغروب" (ينظر، خورخي لويس بورخيس، ابن رشد وقلق العبارة) والمعنى أن فيلسوف قرطبة العربي الذي لا تعرف ثقافته الفن المسرحي المرئي لم تسعفه اللغة وحدها من أكتشاف معنى الكلمتين اليونانيتين (تراجيديا وكوميديا) في كتاب بويطيقا فن الشعر لأرسطو وهكذا دائما تحجب الثقافة المعنى. ولو أن ابن رشد يعرف المسرح لما نظر في كتاب العين للخليل ولكان أكتفى بمشاهدة تمثيلة الصلاة والأذان التي كان يؤديها الأطفال في فناء المنزل.

تلك الخاطرة هي التي تداعت إلى ذهني وأنا اشاهد الجزء الثالث من مسرحية بدون مقابل للفنان الموهوبة الدكتورة رغد الأمير وطاقمها الفني الرائع على خشبة مسرح قصر الجيزة الثقافي في شارع الهرم البارحة. ذهبت بغرض حضور حفل توقيع المجموعة القصصية أشلاء الياسمين  للدكتورة سماح عبدالموجود. وتلك هي المرة الأولى التي ازور فيها قصر ثقافة الجيزة. إدارة الأمسية الأستاذ المستشار صالح شرف الدين وهو شاعر وروائي وناقد مصر كبير.

البارحة شاهدت أم الدنيا في تألقها الإبداعي الذي لم اشاهد مثله في أي مكان من الوطن العربي؛ هناك في قصر ثقافة الجيزة تجلت المواهب الإبداعية في تنويعة مدهشة من القصة القصيرة والشعر والغناء والموسيقى والنقد والاوبريت في فضاء رحيب ومبهج قل نظيره. مر زمن طويل منذ شاهدت مسرحية حية وجه لوجه ولا اتذكر منذ متى كان ذلك. وكم أحسست بالفرق بين مشاهدة الدراما مباشرة أو عبر القنوات الفضائية ووسائط الاتصال الاجتماعي. البارحة فقط سنحت لي الفرصة برؤية الدراما المصرية بالعين المجردة. كنت قريب من خشبة المسرح وشاهدت المخرجة والبطلة الفنانة رغد الأمير وطاقمها الفني من الممثلين والممثلات الشاب وهو يأدون الأدوار الدرامية بكفاءة واقتدار وبساطة وتلقائية كما هي في الحياة العادية. شدتني المسرحية وجعلتني اعيش لحظة خاطفة في عالمها الدرامي؛ انتبهت وتفاعلت وتعاطفت مع البطلة الوفية المغدورة آمال التي خذلتها صديقتها وفاء بخطف خطيبها الذي احببته بكل جوارحها واسمعته تباريح عشقها شعرا ونثرا ولكن الغيرة والحسد في قلب صديقتها وفاء التي منحتها ثقتها المطلقة ولم تشك ابدا في نوايها كانت هي من صرعتها. في لحظة تراجيدية مؤثرة سقطت البطلة مغشية على خشبة المسرح وهي تضع يدها على قلبها. كان ذلك بعد لحظة من كشفها حقيقة خيانة وفاء التي تزوجت خطيبها .في ليلة الزفاف كشفت خيانتها فطلقها العريس وتمسك بحبيبه الأولى ولكنها ماتت بين يديه في مشهد حزين. كان ممثل دور الأخ بارع في التمثيل. تلك المسرحية ذكرتني بالوظيفة التطهيرية للفن المسرحي الذي قرأتها في الأدب اليوناني منذ زمن طويل؛ تطهير الذوات بعد خضها بالعصف الوجداني الفاعل والمنفعل.

أما أنا وصديقي المثقف العميد عبدالله محمد صالح أبو رعد القادمان من الشاطىء الجنوبي للبحر العربي فلم يكن لدينا ما يستحق القول في ذلك المكان والمقام الا قصيدة فيما يشبه السلام والتحية لمصر وأهل الكرام وكان الفنان المبدع مصطفى المغربي بصوته الشجي جوهرة الأمسية وسكرها واليكم الخاطرة :

يا مصرُ يا أمَ الوجود سلامُ

زهت العروبةُ فيكِ والأحلام

 

من أينَ أبدأُ في عُلاكِ وكلما

يخطو اليراعُ، يخونُهُ الإقْدَامُ

 

يامن علوتِ مهابةً وجلالةً

حتى أفاضَ بمدحكِ العلامُ

 

قال ادخلوها فالأمانُ شريعةٌ

والحكمُ عدلٌ والديارُ سلامُ

 

ياخيرَ  جندِ الأرضِ دمتِ عظيمة

يا مصرُ أنتِ لأمتي الصمّامُ

 

قلبي سُيلقي الآن  فيكِ رحاله

فالجودُ نيلٌ والندى أهرامُ

 

فعلى الكنانة تزدهي آمالنا

وعلى الكنانة تشرقُ الأحلامُ

 

لي فيك حلمٌ لا تزولُ نجومُهُ

لي فيكِ مالا تدركُ الأقلامُ

يا مصر يا أم الوجود سلام

***

قاسم المحبشي - الجيزة

 

 

لطيف عبد سالمبعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ الأدبيَّة بالعودةِ من جديدٍ إلى أروقةِ الساحةِ الشعرية، إثرَ إعلانها حصول الشاعِرة والكاتبة الأمريكيَّة (لويز غليك) على جائزةِ نوبل للأدب للعام الحالي 2020م. ومما تجدر الاشارة إليه، أنَّ هذا المنجز الرفيع الذي حققته غليك وهي بعمر (77) عامًا، جعلها في موقعِ رابع امرأة تتربع على عرشِ جائزةِ نوبل للآداب منذ عام 2010م، والمصنفة رقم (16) التي تفوز بجائزةِ نوبل منذ بدء العمل بها في عام 1901م. ويرى المتخصصون أنَّ تتويجَ غليك - التي توصف بأنَّها شاعرة ذات بصيرة عالية وإحساس إنساني مميز - أنهي القطيعة الطويلة للأكاديميَّةِ السويديَّة مع المشهدِ الشِّعْريّ الذي ودع جائزة نوبل للأدب منذ عام 2011م عندما حصل آخر الشُعَراء على هذه الجائزةِ في حقلِ الأدب، والتي منحت آنذاك إلى الشاعِر السويدي (توماس يوستا ترانسترومر) الذي يشار إليه بوصفه من أكبر شُعراء السويد في القرن العشرين، فضلًا عن أنَّه يُعَدّ واحدًا ممن يشكلون وجه الثقافة السويدية في العالم. ويضاف إلى ذلك أنَّ غليك تُعَدُّ بوصفها أوّل أمريكيَّة تفوز بالجائزة بعد سبعة وعشرين عامًا من فوزِ مواطنتها الروائيَّة (توني موريسون) بهذه الجائزة التي كان مواطنها الشاعِر (بوب ديلان) قد فاز بها في عام 2016م.

اللافت للنظرِ أنَّ فوزَ غليك بجائزةِ نوبل للأدب في عامِ الجائحة، أثارَ جدلًا كبيرًا في الأوساطِ الأدبيَّة العربيَّة، مصحوبًا بموجةٍ عاصفة من ردودِ الفعل المتباينة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي من بينها ما تميز بحدةِ اللهجة في انتقادِ ما ظهر من إجراءاتٍ للأكاديميَّة السويديَّة، بل ومهاجمتها حيال طبيعة القرارات التي تتخذها بشأنِ اختيار الأدباء المؤهلين لنيلِ جائزةَ نوبل للأدب، واصفة إياها بالانحياز الصارخ في قرارتِها إلى السَيْطرةِ الأوروبيَّة والأمريكيَّة، في إشارةٍ إلى وجودِ عوامل مؤثرة في مسارِ عمل هذه الأكاديميَّة التي تُعَدّ المؤسسة الأبرز في حقلِ الآداب بدولةِ السويد، واتخاذِها القرارات بشأنِ منح الجائزة المذكورة، والتي تلزمها المضي قدمًا في ترسيخِ آليات اختياراتها التي تلبي متطلبات الهَيْمنة الأوروبيَّة والأمريكيَّة بالاستنادِ إلى رؤى العديد من المتابعين العرب.

لعلَّ أبرز الطروحات التي تتناسل من عامٍ إلى عام على شكلٍ أوسع، وربما أخطر، هو رؤية شريحة واسعة من هؤلاء المتابعين أنَّ إدارةَ الأكاديميَّة السويديَّة تدور في حلقةٍ مفرغة من أيامٍ طويلة، إذ بمقدورها تجنب هَيْمنة الكبار، والنأي بنفسها عن كلِّ ما يسيء إلى الأهدافِ المتوخاة من إنشاءِ الجائزة موضوع بحثنا، عبر السعي الحثيث في محاولةِ البحث عمن يستحق الحصول عليها، مؤكدين أنَّ هناك الكثير من الأدباء فيما تباين من بلدانِ العالم بوسعهم حيازة جائزة نوبل للأدب؛ لانَّ ما قدموه من نتاجٍ إبداعي لا يقل بحسبهم أهمية عن عطاء الشاعِرةِ الأمريكيَّة (البيضاء) التي منحت الجائزة هذا العام، في رمزيةٍ تعكس الغياب التام لتكافؤ الفرص ما بين أدباء العالم في نهجِ إدارة الأكاديميَّة السويديَّة، والمتأتي من إصابة العقل البشريّ بشرورِ النظرة العنصريَّة التي تفرض على من يؤمن بها الركون إلى فكرةِ تغليبِ الانتماء الفئوي الضيق، من أجلِ ضمان تحييد تدخلات معايير وأسس القياس الموضوعيَّة في مهمةِ رسم صورة  الكفاءة الأدبيَّة على الرغم من أهميتها في مثلِ هذه الفعالياتِ الإنسانيَّة، الأمر الذي يفضي إلى المُساهمةِ في تأمينِ فرص المُنافسة - من دون قيودٍ ناظمة - على حيازةِ هذه الجائزةِ التي تمنح سنويًا من الأكاديميَّة السويديَّة إلى المؤلفين؛ تثمينًا لمساهماتِهم البارزة في مجالِ الأدب، حيث تنص لائحة جائزة نوبل على أنها تُمنح للشخص الذي "ينتج في حقل الأدب عملا أكثر تميزا يصب في تعزيز الاتجاه المثالي".

إنَّ التوجسَ الذي أبداه العديد من المتابعين والمهتمين بالشأنِ الأدبي، ينبغي أنْ لا يقمعَ فكرة الإبداع، والذي مرده هنا إلى أنَّ الشاعِرة غليك التي أسهمت في إثراءِ القارئ الأمريكي والأوروبي بتنوعِ نتاجها، لم يكن اسمها معروفًا لدى المتلقي في المحيط العربيّ، كمعرفته بالشاعرة الأمريكيَّة إميلي ديكنسون (1830 - 1886)، وحتّى المتخصصين في مواضيعِ الأدب لم يكن لهم اطّلاعٍ كافٍ على منجزِها الأدبي الذي يتطلب الحكم عليه معرفة دقيقة بمكنوناته، إذ يمكن الجزم بأنَّ كلَّ ما تعرف عليه القارئ العربي من كتبها، يقتصر على مجموعةٍ شعرِيَّة واحدة من مختاراتِها، كانت قد  أصدرتها في عام 2009م، ووسمتها باسمِ (عجلة مشتعلة تمر فوقنا). وفيما عدى تلك المجموعة اليتيمة، تعذر علينا إيجاد أثرٍ يُذْكر لهذه الشاعِرةِ، أو لقصائدها في المكتبةِ العربيَّة.

إنَّ عدمَ كفاية اطلاع أغلب المثقفين العرب على التجربةِ الشعريَّة للشاعِرة غليك، المولودة في نيويورك عام 1943م، لا يعني إغفال ما حفلت به سيرتها الذاتية من نتاجٍ شعريّ، فضلًا عما حظيت به من تكريمٍ جهات عريقة، وما حصدت من جوائز أدبيَّة رفيعة، فلا عجب إنْ أشادت الأكاديميَّة السويديَّة بالشاعِرة غليك التي تقع موضوعات الأسرة والعلاقة الزوجية في قلب تجربتها الشعرية، حيث يصبح الشعر امتداداً للسيرة الذاتية، ولا أدل على ذلك من إشارة الأكاديميَّة السويديَّة في بيانِ منح غليك الجائزة، إلى أنَّه من بين أسبابِ منح الجائزة هو: "صوتها الشاعري المميز الذي يضفي بجماله المجرد طابعًا عالميًا على الوجود الفردي"، ووصفها مجموعتها الشعرية (الجحيم) بأنها: "مجموعة كُتبت ببراعة، وتفسير رؤيوي لأسطورة بيرسفوني ونزولها إلى الجحيم بعد أن يأسرها هاديس إله الموت". كذلك أشاد رئيس لجنة جائزة نوبل، أندرس أولسون، بصوت غليك الشعري واصفًا إياه بـ "الصريح والصلب والمليء بروح الدعابة والسخرية اللاذعة"، بالإضافةِ إلى قوله: "إن مجموعاتها الشعرية الاثنتي عشرة تتميز بالتوق إلى الوضوح"، إلى جانب تأكيده صرامتها الأخلاقية وعدم رغبتها في قبول مبادئ الإيمان البسيطة.

في السياق ذاته، يؤكد أصحاب الشأن والاختصاص أنَّ قصائِدَ غليك تأخذ القارئ في رحلاتٍ داخلية تستقصي خلالها أعمق المشاعر وأكثرها حميمية، بأسلوبٍ قريب، وقدرة عالية على تأليف الشِّعر البسيط الذي يمكن لجميع الناس فهمه والارتباط به وتجربته، من دون أنْ يقلل ذلك من عمقِ فكرها وأصالة صوتها الشعري. كما يشير الكثير من الباحثين إلى أنَّ غليك تعاملت في شعرها مع واقع الوجود الإنساني والتجارب المؤلمة فيه، وركزت على موضوعاتٍ من أمثال: الموت، الطفولة والحياة العائلية، فضلًا عن استلهامها في الكثير من أعمالها الميثولوجيا الإغريقية وشخصياتها، وبخاصة النسوية منها، مركزة على تجربة الخيانة التي تتعرض لها هذه الشخصيات كما هو الحال مع (بيرسفوني) و(يوريديس). وتصف غليك بعض ملامح تجربتها الشِّعريَّة بالقول: "ما أتشارك به مع شعراء جيلي هو الطموح، وما أخالفهم فيه هو تعريف هذا الطموح". وتضيف أيضًا قائلة: "لا أعتقد أن الإكثار من المعلومات يصنع دائماً قصيدة ثرية. ما يجذبني هو المضمر، الذي لا يقال، الإيحاد، الصمت المعتمد البليغ. ما لا يقال في القصيدة يضمر قوة أكبر. غالباً ما أتمنى أن تصنع قصيدة كاملة من هذا التعبير، أي ما لا يقال، فهو يوازي غير المرئي".

تملك غليك، مسيرة حافلة بالإنجازات التي ساهمت في حصولها على   العديد من الجوائزِ الأدبيَّة المرموقة، والتي من أبرزها: نيلها في عام 1993م جائزة بوليتزر للآداب التي تقدمها سنويًا جامعة كولومبيا بنيويورك، حصولها في عام 2014م على الجائزةِ الوطنيَّة للكتاب الأمريكيَّة التي تُعَدّ من أعرقِ الجوائز الأدبيَّة في الولايات المتحدة، وفي العالم كله، فضلًا عن حيازتها على جائزةِ بولينغن للشعر، جائزة الشاعر والس ستيفنسن، ميدالية العلوم الإنسانيَّة الوطنيَّة في أمريكا التي قلدها إياها  الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في عام 2016م، بالإضافةِ إلى اختيارها أميرة لشعراء الولايات المتحدة (2003 - 2004). ومما تقدم يتضح لنا أنَّ غليك توجت تقريبًا بكل الجوائز التي يمكن أن يحلم بها شاعر أمريكي.

جدير بالإشارةِ أنَّ غليك التي أكدت ذاتَ حوارٍ أنَّ كرهها للحواراتِ الصحافية، لا يعني أنَّها منعزلة، فهي امرأة اجتماعية جدًا، عملت أستاذة للأدب الإنجليزي في جامعة ييل الأمريكيَّة، ومحررة لسلسلةِ المختارات الشعرية، فضلًا عن انجازها في مسارها الأدبي اثنتا عشرة مجموعة شعريَّة. وما تيسر لنا معرفته من منجزها الشعري هو ما يلي: مجموعتها البِكر المولود الأول عام 1968م، الحديقة 1976م، انتصار أخيل 1985م، أرارات 1990م، الحدقة المتوحشة 1992م التي أهلتها للفوز بجائزة بولتزر للآداب بعد عام من صدورها، فيتا نوفا 1999م، العصور السبع 2001م، الجحيم 2006م، حياة قروية 2009م، ليلة مخلصة فاضلة 2014م، بالإضافةِ إلى مؤلفين، أولهما صدر عام 1994م تحت عنوان (براهين ونظريات)، والذي تضمن مجموعة مقالات عن الشعر، والآخر وسمته باسم (الأصالة الأمريكية)، وهو مقالات حول الشعر صدر عام 2017م.

بالاستنادِ إلى ما أتيح لنا من الدراسات، فإنَّ خيبةَ الأمل، والهجر، والفقد، والعزلة والتأمل في تقدّم العمر والشيخوخة والموت تُعَدّ ثيمات غليك الأثيرة، إذ أنَّها كما يصف بعض النقاد ("شاعرة عالم ينهار)، فلا غَرْوَ إنْ وصِفَ شِعرها من بعض الباحثين بالقتامة والسوداوية، إلا أنَّ قصائدها على الرغم من ذلك الوصف، لا تبعث على الكآبة على الإطلاق؛ لأنها نصوص ذكية تجيد التقاط المفارقات في علاقاتنا البشريَّة، وتقاربها بروحٍ من التفهم والتسامح. وكما يصف بعضهم غليك بالقول: "تنقل انهيار العوالم الفردية بهدوءٍ وبساطة، عبر نصوص هامسة تحتاج الكثير من الإنصات إلى فجوات الصمت فيها". وفي هذا الإطار تقول غليك: "أفترض أن كفاحي ومباهجي ليست فريدة من نوعها. لا يهمني أن أجعل الضوء يسلط عليَّ وعلى حياتي بحد ذاتها، وإنما أن يسلط على كفاحي ومباهجي، على البشر الذين يولدون ثم يجبرون على الخروج".

 

لطيف عبد سالم 

 

 

نبيل عرابياقترب الليل من النافذة الشفافة.. معلناً حلول موعد الصمت اليومي، في حضرة شمعة نحيلة، لا لون لها، لا رائحة لها.. ولا جدوى من ذوبانها سوى أنها تسامر الصمت بمرارة حين يطلّ عليها من شرفة الغياب..

أتراه دمعاً هذا الذي يقطر منها..!

أتراها حياة هذه التي تجعلها منتصبة في مكانها لساعات طويلة، دون أن تأتي بحركة ما،أو أن تغادر موقعها..!

أتراها تكتفي بلهيبها ، وإن كان لا يقوى على مواجهة زفير مسلّط عليها.. ينفث فتات الحزن العالق في شعاب الرئتين المشبعة بثاني اكسيد الهموم..!

غريب أمرك أيتها الشمعة المجهولة المصدر.. من أين لك كل هذا الصبر على الوقوف كحارس قصر ملكي، يخشى أن يهش ذبابة إذا حطّت على أنفه.. كي لا يخسر وظيفته..!

غريبٌ أمرك حقاً..! كيف تكتمين هذا الكم الهائل من الأسرار، وأنت على مسافة يتمناها كل مظلوم من ظالمه، لينقضّ عليه ويثأر لنفسه..!

هل تعني النار المشتعلة فوق رأسك أنك تنبضين بالحياة.. وأنك تمارسين دورك فيها، وتقومين بالمهمة الموكلة إليك على أكمل وجه..؟

أجدك تلتزمين الصمت دوماً.. وتتركين لمن استضافكِ على مائدته، أو في غرفته، أو في طقس من طقوسه أن يسبغ عليك الصبغة- الهدف من حضورك..

وبالمقابل، فحين تغفل العين عنك، فتتركين وحيدة.. إلا من هدوء يصمّ آذان الجدران.. فإنك كثيراً ما تجعلين الذي أهملك، يدفع الثمن غالياً.. حتى يصل الأمر أحياناً إلى الخروج عن دائرة السيطرة.. فلا تكتفي ثورة غضبك بالحجر.. فتطال البشر، وما من تهمة توجه إليك.. وما من عقاب ينفع في حال إثبات تورّطك المباشر في جرائم الحرائق غير المفتعلة...

وعجيب أمرك أيضاً.. فكيف تستطيعين أن تجمعي في قامتك، التي مهما طالت، ومهما ثخنت، كل هذه المساحة من الحضور والتعبير، وإلى حدّ كبير، في كل مل من شأنه أن يقرع باب الحاجة والشعور الإنساني، فقد رافقت حقبات طويلة من الحضارات التي شهدها التاريخ، وبالرغم من كل الأزرار التي صرنا نضغط عليها لنحصل على النور الكافي لتفاصيل حياتنا.. إلا أنك ما زلت صاحبة وجود فاعل في ميادين عدة وشتّى، لا تنفع فيها المنافسة معك، ولا طعم لها، ولا معنى لوجودها، إن لم تكوني " سيدة الدار" فيها.

 

نبيل عرابي