سوف عبيدتعدّدت وتنوّعت بعد سنة 2011 المناسبات والأمسيات والملتقيات والندوات والمهرجانات الأدبية وتوالت وشملت أغلب نواحي البلاد التونسية وعلى مدى فصول السنة وقد قام بأمر تنظيمها جمعيات جديدة في أغلب الأحيان بالإضافة إلى المبادرات الشخصية وقد ساهم في برامج هذه الفعاليات عشرات الأدباء والشعراء وعشرات الأديبات والشاعرات أيضا من جميع الأجيال والمشارب الفكرية والأدبية من تونس ومن العرب مشرقا ومغربا وكان للأدباء والأديبات من بقية أنحاء العالم حضورهم أيضا ممّا يؤكد هذا الزّخم الكبير من الحراك الأدبى في تونس على مدى السّنوات الأخيرة

وآن الأوان أن نقف متأمّلين ونحن على أبواب موسم ثقافي جديد في هذه التظاهرات الأدبية آملين أن تكون أنشطتها القادمة إضافة نوعية في مسيرة الأدب التونسي خاصة .

ـ 2 ـ

من المظاهر الإيجابية التي لابدّ من تسجيلها نذكر ظهور أسماء جديدة عزّزت قائمة الأدباء والشعراء التونسيين من الجنسين ولعلّ حضور الأديبات والشّاعرات أضحى أكثر عددا وذلك يعود إلى النسبة العالية للتمدرس في شتّى ربوع البلاد حيث وجد العنصر النسائي فرصته سانحة في المجالات الأدبية للتعبير عن محتلف القضايا والشجون بروح فيها الكثير من المعاناة ومن الجراة أيضا

ومن المظاهر الإيجابية نذكر أيضا ازدهار حركة النشر التي شملت الشعر والرواية ولم تقتصر على العاصمة فقط بل أضحت هذه الحركة تصدر كتبها في مختلف نواحي البلاد ,

ومن المظاهر الإيجابية التي لا بد من ذكرها تلك الصّلات الأدبية التي أصبحت وطيدة بين الأدباء التونسيين وبقية الأدباء في المشرق والمغرب وحتّى في بقية أنحاء العالم حيث أصبح العديد من الأدباء والأديبات من تونس يشاركون في المناسبات الثقافية التي تنتطم في بعض الأقطار العربية بل ويصدرون كتبهم فيها.

ـ 3 ـ

غير أن هذه المظاهر الإيجابية العديدة لا ينبغي أن تحجب عنّا بعض السلبيات التي من الأجدر تلافيها في مستقبل الأيام ومنها طغيان المظاهرالاحتفالية على المقاصد الأدبية في كثير من هذه التظاهرات فترى الحرص على نشر الصور والتسجيلات أكثر بكثير من الحرص على نشر النصوص وتوثيقها بل إنّ تلك الصور تنشر خالية من اِسم مَن فيها ومن ذكر المناسبة والتاريخ فهي بلا قيمة وثائقية .

وغالبية تلك التظاهرات سواء كانت أمسيات شعرية أو لقاءات أدبية أو حتى ندوات ومهرجانات لا نجد لِمَا قِيل وفُرئ فيها أثرا مكتوبا أو منشورا يمكن الرجوع إليه للاِطلاع والاِستفادة والنقد ليتسنّى اِعتباره إضافة في مدوّنة الأدب التونسي .

ومن السّلبيات التي لا مناص من الإشارة إليها صفة الاِرتجال في برمجة معظم تلك المناسبات وغياب المنهجية الواضحة في مواضيعها وفي أهدافها وفي قائمة المدعووين ممّا يجعلها أقرب إلى أجواء الولائم والأعراس والمناسبات الخاصة بحيث لا يتابع الحاضرون بعضهم باِهتمام وتمعّن وإنما لا يكاد ينتهي أحدهم من قراءة نصّه في دقائق معدودات حتى ينصرف مغادرا القاعة على عجل فلا حوار ولا نقد ولا تبادل آراء ولا تواصل بين التجارب .

ـ 4 ـ

هذه بعض الملاحظات التي رأيت إبداءها حرصا على أن تمضي الحركة الأدبية في تونس نحو الأحسن وأن لا تراوح مكانها أو ترجع القهقرى فما على كل من يهمه الأمر ـ من مندوبيات ثقافية ودور ثقافة وجمعيات وفضاءات شعرية وأدبية ومهرجانات وأندية وصالونات وغيرها ـ إلا أن يراجعوا مسيرتهم ضمن النقد الذاتي مع العمل على تلافي تلك النقائص التي أشرنا إليها واِستزادة وتطوير الإيجابيات التي نوّهنا بها .

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون !

 

سُوف عبيد

 

 

علجية عيش(في رد الأديب الطاهر يحياوي على الروائي أمين الزاوي)

أثار انتباهي مقال كتبه الأديب الطاهر يحياوي عن "أدب الطابو" في تعقيبه على تصريحات الروائي أمين الزاوي حول "القارئ باللغة العربية يخوّف أكثـر من الشرطة والأئمة"، حيث اعتبرها الطاهر يحياوي إهانة للغة العربية، وكأن الإثنان في مدّ وجزر فكري، حيث وقف كل واحد منهما ندًّا للأخر، ونحن هنا نجد أنفسنا أمام قضية حساسة جدا وهي حرية الرأي والتعبير، وانتقاد الآخر بطريقة أو بأخرى، وهذه أمور تتعلق بأدب الكتابة قبل كل شيئ، فنحن لسنا ضد النقد البنّاء، أو نريد أن ننتقد كاتبا أو مفكرا أو روائيا من أجل الوقوف "ضد أو مع"، أو التقليل من قيمته، ويمكن القول أن الأمر لا يعدوا أن يكون سوى صراع النخب وكل واحد منهز يدافع عن وجهة نظره وإيديولوجيته، فالنقد الذي لا يأتي بأفكار، أو لا يقدم حلولا، لا فائدة منه، والأزمة هي أزمة مثقف وأزمة أفكار

والحقيقة أن الأديب الطاهر يحياوي لم يخرج عن الخطوط الحمراء وهو يعبر عن وجهة نظره كمثقف عروبي، يخاطب مثقفا متفرنسا، فقد وصف الروائي أمين الزاوي بالكاتب، الأديب، العصامي الحراكي، الذكي والمناور في نفس الوقت، يعرف كيف يحتل موقعه بين الأسماء العربية أولا وغيرها ثانيا كما جاء على لسانه هو، لدرجة أنه يراه اسما يشق الصخر ليرتفع في الفضاء العربي والدولي، إلا أنه لا يتفق معه في الكثير من القضايا، خاصة ما تعلق بقضية اللغة العربية التي هي لغة القرآن، وبلا شك لا يمكن الاثنان أن يلتقيان في نقطة واحدة، لاختلاف توجهاتهما الفكرية، وما نفهمه من المقال أن الأديب الطاهر يحياوي من الرافضين للكتابة عن أدب الطابو، ولا يحب الخوض في هذا النوع من الفنون الأدبية ، لست ادري، ربما هذا النوع من الكتابة هي دعوة إلى الإباحية والتحرر المطلق، وهي جوانب لا ترقى إلى مستوى الأديب أو الكاتب، خاصة إذا كان صاحب قضية، ولعل الأديب الطاهر يحياوي أراد القول أن أدب الطابو "عَوْرَةٌ" لا يمكن كشفها، وقد قرأنا عن شعراء الغزل وما جاءوا به في قصائدهم عن العشق والغرام، ويكيف أن نقف على كتاب طوق الحمامة لإبن حزم الأندلسي.

و يمكن القول أن المقال هو عبارة عن رسالة نصح للدكتور أمين الزاوي ، حتى لا يقع في هذا المطب وهو يحرك قلمه ويترفع حتى يرتفع به كما ارتفع به رصيده الأدبي والحراكي، كون الكاتب الكبيـر أفق عظيم فوق النظريات والتيارات الأدبية، بل إن رواد الكتابة الإبداعية العظيمة هم الذين يؤسسون للنقاد أدبا يستخرجون منه النظريات والتيارات الأدبية والمقولات والأسماء والمسميات والمصطلحات!، هكذا قال الأديب الطاهر يحياوي الذي تحول فجأة إلى ناقدٍ ، وهو يخاطبه قائلا: يسعد صباحك يا أمين الزاوي.. إن الكاتب العظيم أفق عظيم لا تسعه نظرية ولا تيار، كما هي رسالة عتاب بأن الكاتب الحركي عادة ما ينشد الحق والعدالة، يدافع عن الجمال والجلال والحق والعدالة وينصر الإنسان حيثما كان هذا الإنسان، فقلم المثقف سواء كان كاتبا ، أديبا ، مفكرا، ناقدا وجب أن يكون في خدمة المضطهدين والمعذبين والمظلومين في فلسطين ليحارب ظلم الصهيونيين واليهود، وما أحوج أوطان العروبة وهي تندك دارا فدارا لقلم المثقف وبالدرجة الأولى أمين الزاوي الذي تكن له النخبة في الجزائر كل الإحترام.

إن أدب الطابو من وجهة نظر الأديب الطاهر يحياوي يقوم على ثلاثية المقدس والسياسة والجنس، وهو حسبه تيار أكلته الأيام، يقول الطاهر يحياوي مخاطبا الزاوي: إن ما يحدث اليوم في أوطاننا تجاوز كل الحدود فلسنا في حاجة اليوم إلى طابو السياسة ودول العالم الثالث من حولنا وحكوماتها بدون جدران وأسقف فأي سر سياسي يحتويه العراء؟ وأي مقدس وأنت ترى ما يحدث للمقدسين من أنبياء وأطهار وصالحين وشرفاء؟!، أما الجنس فحدث ولا حرج فقد أصبح مثل الماء والهواء والغذاء؟!، ولا نريد أن نخوض في كنه هذا التيار ومصادره ونواياه وأهدافه وإني لا أنصب نفسي متهما أحدا أو مدافعا عن أحد غير، أنه إذا كان من رأيك أن تكتب ما تشاء فما عليك إلا أن تقبل بأن يكتب هؤلاء كما شاءوا وهذا منطق الموقف المطلق. ثم يضيف: وأنت يا دكتور ممن يقيمون للمصطلح اصطلاحه، وإلا فبأي حق أن تكتب في أدب الطابو كما يحلو لك وتجعل من نفسك ومن كتابتك (طابو) وترفض أن يكتب الناس عنك أو عن غيرك، ونفهم من رسالة الأديب الطاهر يحياوي أن الكتابة في أدب الطابو تخضع إلى شروط وقواعد يلتزم بها الكاتب، بحيث لا يمكنه الخروج عن المعقول والمنطق، لدرجة أنه يستوجب عليه أن يستشير الآخر في السماح له فيما يريد أن يكتب، وهذا يعتبر عند البعض تعدي على الحريات، أو تقييد الآخر في فكره وماذا يكتب؟.

يقول الأديب الطاهر يحياوي: إن قضية الكتابة ضد المقدس والكتابة دفاعا عن المقدس ليست قضية جديدة في الفكر وفي الثقافة وفي الإبداع وليست قضية مقتصرة على أمة من أمم العالم من أقصاه إلى أقصاه قديما وحديثا، وهذا هو الفكر وهذه هي جدلية العطاء والإبداع القائمة على الرأي والرأي الآخر وعلى الأخذ والعطاء، ولم يحدث في تاريخ الإنسانية أن طلع دكتور دكتاتور يقول للناس أنا أكتب كما أشاء وأنتم لن أسمح لكم بأن تكتبوا عني أو عن أدبي هذه هي الدكتاتورية الفكرية وهذا هو التخلف الخطيـر الذي نربأ بالدكتور المحتـرم أمين الزاوي الذي نريده كبيرا، لكن للأسف يريد لنفسه أن يكون صغيرا، الغريب ان الأديب الطاهر يحياوي قد تجرد هنا من ثوب الناقد، ولبس برنوس الصداقة، واستبدل القلم بحمامة السلام، عندما خاطبه خطاب الصديق لصديقه، حيث قال: "حتى أنت يا صديقي فعلتها وانضممت إلى المجهزين على العربية وهي قعيدة كسيحة، وطريدة جريحة"، وأضاف أن هذا التصريح يتضمن أن القارئ بالعربية إرهابي، وهذا ما يلتقي مع التهمة الفرنكفونية للغة العربية بأنها –بما معناه- لغة تنتج الإرهاب والإرهابيين.

و قد عرج الأديب الطاهر يحياوي إلى الجرائم التي ارتكبتها الدول المستعمرة للشعوب، وفي مقدمتها فرنسا وإسرائيل، وألمانيا النازية وثورة الشيوعيين الذين أرادوا أن يطبقوا الماركسية بالقوة، لكن ولا أحد ربط بين اللغة والجرائم التي وقعت، حيث اعتبر التطرف سلوك إنساني قديم لدى كل شعوب المعمورة، تغذيه أسباب سياسية اجتماعية وتربوية، ويأتي ردا لفعل، لقد كان الإرهاب (لازمة) في معادلة ترتيب العالم وهاهم أولئك يرتبون العالم في سوريا وفي العراق وفي اليمن وفي ليبيا وفي تونس وفي (الربيع العربي كله)،

بدليل أن اللغة العربية لم تكن لغة تنتج (الإرهاب) في زمن الزعيم الجزائري الخالد هواري بومدين، وفي العراق سيد العرب عندما كان على رأسه الشهيد العظيم صدام حسين، كما لم تكن لغة إرهاب في ليبيا وفي مصر .

 

قراءة وتعليق علجية عيش

 

 

خالد الحليطفولته في الجزائر نضحت إبداعاً روائياً: سنوات طفولته الثلاث عشرة التي عاشها في الجزائر، ظلت تعيش في وجدان وذاكرة الروائي الفرنسي جان نويل بانكرازي، الذي ولد عام 1949 في مدينة سطيف الجزائرية الصغيرة، وهي المدينة التي شهدت قبل أربع سنوات من ولادته مجازر مروعة راح ضحيها بين 20 ألفًا و30 ألف شهيد جزائري.

هذا الروائي صدرت له وهو في التاسعة والستين من العمر، وبعد مغادرته الجزائر بـ 56 سنة، رواية جديدة عـن دار غاليـمار في باريس خلال شـهر كانون الثاني "ينايـر" المنصرم، حملت عنوان "أردت أن أعبـر لهـم عـن حبـي"، عاد فيها إلى الكتابة عن ذكريات طفولته في الجزائر، وهي عودة لم تكن متوقعة بالنسبة لكثيرين، لا سيما وإنه كان قد أصدر من قبل روايتين عن هذه الذكريات، هما "السيدة أرنول" و"الجبل"، وقد شاءت الصدف أن تصدر خلال هذا العام أيضا ترجمة لهاتين الروايتين، أنجزها الكاتب والمترجم المغربي سعيد كرامي، وقام بمراجعتها الدكتور منتجب صقر الأستاذ في قسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب في جامعة دمشق، وذلك في كتاب مشترك ضمن سلسلة "إبداعات عالمية" من منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.

يؤكد بانكرازي الذي غادر الجزائر بعد استقلالها عام 1962 إن روايته الأخيرة "أردت أن أعبـر لهـم عـن حبـي"، هـي صـدى لشـهادة دفينـة في أعماقـه عـن حبـه للشـعب الجزائـري، وانها ربما ستكون روايته الأخيـرة عن الجزائر. ويقـول : "أنـا تعبـت مـن الذاكـرة، والحنيـن، وأشـباح الماضي. أنـا تعبـت مـن التذكـر، والعـودة إلى الدوافـع نفسـها، والمشـاعر ذاتهـا، والوجـوه عينهـا، والمناظـر الطبيعيـة كلهـا. أنـا مشـبع بما عشـته وواجهتـه، وجابهتـه. لـدي الآن رغبـة واحـدة فقـط وهـي: النسـيان".

وبالعودة إلى روايته الأولى عن الجزائر "السيدة أرنول" التي حصلت على جائزة موريس جونوفوا وجائزة ألبير كامو، نجد أنها عكست على نحو شفاف وجميل، صورا عن علاقة جميلة ونبيلة ربطت بين طفل رقيق المشاعر، وسيدة فرنسية رصينة تدعــى الســيدة أرنــول، وهي تتمتع بخيال خصب، وتنبض دواخلها بعاطفة حميمة إزاء الشـعب الجزائـري المحتـل. وإذ يأخذ الطفل دور السارد، نجده يعتبر هذه المرأة القوية وكأنها أم حقيقية له، مع انشغال أمه في متطلبات عملها كمدرّسة، وكون علاقتها بأبيه متـازمة ومتوترة في الغالب.

هذه السيدة كانت تعاني من إهمال زوجها، وتعيش منعزلة، لكونها لم تعمل على التخفيف مــن لكنتهــا المميــزة التي تعكس بوضوح انتماءها إلى منطقــة الألـزاس، ولم يكن لديها صديق غير هذا الطفل، الذي كانت تلتقيه مساءً في فناء الدار التي تضم شققا تسكنها عوائل فرنسية، ليمضيا وقتا ممتعاً في الحديث بصفاء، وكان هذا الطفل هو الوحيد الذي لم يدنها عندما اتخذت موقفاً شجاعاً من العنف المتبادل بـين الجيـش الفرنـسي والجزائريـين معبرة عن تضامنها مع المسلمين.

وكان الطفل بالمقابل، يحس بفقدانه الدائم للانسجام مع ما حوله، ويكن تقديرا خاصا للسيدة أرنول، التي كثيرا ما كان يتحدث عنها في سياق الرواية بروح الود والاعتزاز ، ومن ذلك كيف إنها مدت يدها بعد وقوع أحد الانفجارات لتقـف إلى جـواره مخففة عنـه هول الأمر، وكيف انها أنقذت حياته مرة أخرى معرضة نفسها للاصابة بطلـق نـاري طائـش، وكيف كانت أثناء لقاءاتهما تشـد يـده كمـا لـو كان ابنـا حقيقيا لها وهما يسيـران تحـت ســعف النخيــل.

أما روايته الثانية عن الجزائر التي حملت عنوان "الجبل" وحصلت على جائزة فرانسوا مورياك من الأكاديمية الفرنسية وجائزة مارسيل بانيول، وجائزة البحر الأبيض المتوسط، فانه قد سفح فيها ذاكرتـه الجريحـة التـي ظلت تعيش داخله لمدة طويلـة، وكان أبطالهـا سـتة أطفـال أصدقـاء قتلـوا في الجبـل أثنـاء الحـرب الجزائريـة، وكان صديق سابع لهم قد تخلف عن مرافقتهم، فبقي هذا الأمر معذبا ومؤرقا له بحدة.

تستهل هذه الروايـة سردهـا مـن لحظـة مـا، بعـد ظهيـرة يـوم حزيراني هـادئ، توقفـت فيه الهجمـات قليـلا. كان الأطفال يلعبون مـع بعضهم في سـاحة مطحنـة القرية، وشاءت الصدف أن يعرض عليهم سائق الشاحنة، أن يصطحبهـم إلى الجبل، فصعــدوا إلى خلفيـتها، مسرورين مبتهجين بعرضه، حيث كان الجبل وجهـة محظــورة عليهم، وكانوا يعتقدون أنه "ملــيء بوديــان مــن الجعــران والكنـوز المدفونـة والمحاربيـن". اكتفــى الطفل الطفل السابع الذي رفض اقتـراح الســائق، وبمشــاهدة رفاقــه الســتة يرحلــون وهــم يجلسـون في خلفيـة الشـاحنة. ظل وحيـدا وسـط ساحة الطاحونـة. بقي ينتظــر حتــى المســاء، وهبـت حينهـا ريـاح بـاردة وجليديـة مـن جبـل أوراس، الذي عثـروا بين صخـوره السـوداء عـلى الأطفـال السـتة مقتولـين.

بقي هذا الطفل الذي أخذ دور السارد، تحت وطأة شــعور ثقيل بالذنــب والنــدم لأنــه تــرك رفاقـه في ذلـك اليـوم يمضـون إلى حتفهـم وبقي هو حياً، وظل يرافقه إحساس بالحـزن العميق والفشــل والعــار لكونــه الناجــي الوحيــد مــن تلــك المأســاة.

و في الختام يمكن أن نشير، إلى أن الروائي بانكرازي يحمل وسام الفارس الفرنسي للاستحقاق الوطني للفنون والآداب، وهو يعمل منذ عام 1985 كناقد أدبي في صحيفة لوموند – الكتب"، كما انه أصبح منذ عام 1999 عضوا في لجنة تحكيم جائزة رونودو الأدبية. وكان بين الجوائز التي حصل عليها الجائزة الكبرى للرواية التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية عن روايته "كل شيء يمر بسرعة" عام 2003، وجائزة ميديسيس عن روايته "أحياء الشتاء" عام 1990.

 

خالد الحلّي - ملبورن

 

 

عندما كانت امي تبدي ارآؤها في صديقاتي مرة بالرضا عن احداهن ومرة بالاستياء من الاخرى، كان من الطبيعي هذا الامر يضايقني الى حد ما، لاني كنت ارى نفسي وخياراتي على صواب دائما.. واذكر شيء عن صديقة لي في مرحلة الابتدائية كانت ايضا تأتي للبيت لنلعب معا ونخرج لشراء الحلوى، امي كالعادة كانت تعترض على رفقتها لكني كنت احبها كثيرا مع انني ارى بعض تصرفاتها غير صحيحة ولا تعجبني؛ مثلا انها كانت دائما ماتعرض عليَّ ان نشتري الحلوى باللون الاحمر كي نلون شفاهنا و كنت لا استسيغ هذا الامر مطلقا، ولو كانت امي تعلم انها تعرض عليه مثل هذه الامور لاجبرتني على قطع علاقتي بها تماما، وبمرور الايام وبوصولي مرحلة المتوسطة والاعدادية وجدت نفسي ابتعد عنها تدريجيا وفي مرحلة الجامعة وجدتها تختلف عني جذريا ولا يطيب لي رفقتها بأي شكل من الاشكال. فلو كانت امي قد فرضت عليّ الانقطاع عنها في صغري لتوقعت انها ظلمتني واعتبرتها مخطئة جدا وقد تتسبب لي بشيء يؤثر في شخصيتي وسلوكي مع الاخرين ومعها هي شخصيا، لاني كنت اعتقد انها تنزعج منها بلا سبب ولم اكن اعلم ان الاباء والامهات يعرفون ابنائهم ويحددون الاخطار المحيطة بهم بسهولة.. والسبب ببساطة لانهم اكثر تجربة بالحياة واكثر خبرة، ومهما كان الابناء اذكياء او يمتلكون وعي ودراية سيدركون بمرور الزمن ان اراء الاهل غالبا صحيحة وصائبة لانهم يحاولون ابعاد ابنائهم عن المخاطر او ابعاد المخاطر عنهم..لكن الامر يتطلب بعض الحكمة في التعامل مع الابناء فيما يخص خياراتهم سواء في الماضي او الحاضر وحتى مع كل هذا التطور الكبير يبقى الفرق بين جيل الاباء والابناء هو من الثوابت التي تستوجب الحذر عند محاولة التدخل في صداقاتهم والافضل هو تقديم النصح والتقرب اكثر لهم وترك مساحة لخوض تجارب تساعدهم على تجاوز الاسوء في المستقبل.

 

هناء عبد الكريم

 

 

سلس نجيب ياسينالقلق او العزلة بمفهومهما العام او الخاص لهم طرق وتقنيات للقضاء عليهم وتفاديهم اوعلى الاقل نسيانهم لفترات واذا قرر الانسان ان يفعل ذلك فسيجد امامه عديد من الانشطة الاجتماعية او النفسية وسواء اكانت فردية او جماعية حسب الحالة المزاجية للشخص فقصدها والبحث عنها لعملها امر جد مهم فاذا كنت ممن يهوون الرياضة يكون لزاما عليك ان تجد تلك القاعة او المكان الذي تفرغ فيه ظغوطاتك وشحوناتك السلبية فيه وان كنت من هواة ومحبي العلم او الفكر والثقافة وجب ايضا اللانظام للاندية والجمعيات والاماكن المخصصة للامر لاجل مشاركة الجماعة والاخرين فيما تحب وتحبون فلحمل الاثقال مثلا مع من يهوون كمال الاجسام بداخل القاعة دور وفعالة ذو تاثير خفي للتخلص من القلق والضجر والعزلة او الانطواء مما يضيفه من بهجة وسرور وثقة بالنفس الامر ايضا ينطبق على من يحبون العلم والثقافة والشعر والمسرح وغيرها من الانشطة فمن شان صعودك لقراءة خاطرتك الشعرية عن سيدنا محمد صلى الله عليه من على المنصة امام اقرانك وزملائك والجمهور والمختصين والمحبيين اثر ايجابي كبيرة في وعلى نفسية الانسان

اما ان ارفق الامر بالتداول على المسجد وصلاة الجماعة والنوافل وغيرها كما هو لازم او كما امرنا ديننا الحنيف فان القلق او العزلة او الاكتئاب او جفاف الحياة لن يجدو منفدا اليك فجنة صدرك ستكون معادية لذلك وفقنا الله واياكم لحسن ذكره وعبادته

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

 

سلس نجيب ياسينللنجاح والناجحين علاقة وثيقة بطريقة تفكيرهم بحيث انها تختلف اختلافا ليس من حيث شذودها عن الواقع والاخرين ولكن بالعكس فهي معايشة للواقع متحدية لمتطلباته متجددة معه اضافة لهذا فهي تنظر نظرة مختلفة للحاضر وخاصة المستقبل. ولنشرح اكثر لابد ان نقول ان صاحب التفكير الاستراتيجي هو ذلك الشخص الذي يضع احتمالات متعددة لما قد يحدث مما يجعله يبتكر بدائل مميزة ومبدعة يتفادى بها السقوط بشتى انواعه .بل والمضي قدما

ولاو ضح لك اكثر ما اعني وبمثال بسيط مر شخص مع صديقه بسيارة على اطراف المدينة ومد نظره باطرافها عند خروجهم منها قائلا لصاحبه : اتنظر لتلك التلة اجاب الاخر نعم انها مجرد منطقة خالية فاجابه الاخر ستغدو بعد مدة حيا جميلا مزدهرا ممتدا ومربوطا بالمدينة وبعدها بدا بالبحث عن صاحبها ليشتريها او جزءا منها

يتميز التفكير الاستراتيجي ايضا بالصبر وطول النفس وبعد النظر والشمول فترى صاحبه هادئا يبحث عن الاهداف بدلا من الاخطاء والثغور بدلا من الاماكن المغلقة حيث يحاول صاحبه استغلال الفرص بعد نصب كمائن لها ونسيانها والاستمرار بنصب كمائن اخرى دون ملل متاكدا من سقوط الفريسة في اي لحظة محظرا السلة للثانية

التفكير الاستراتيجي ضرورة للشخص الذي يريد ويبغي النجاح ولذا ينبغي لصاحبه استعمال ذكائه ومزجه مع بعض من الصبر والتخطيط والعمل وجمع المعلومات لاصطياد الفرص في وقتها ومكا نها المناسبين

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

 

ابراهيم مشارةنثرت الأبجدية على صعيد الروح، فعرفتها كما عرف أبو البرية أنثاه في عرفات،وطوفتها بالقلب من ألفها إلى يائها، تطامن الألف بقامته المشمخرة حارس الأبجدية واختال اللام وقد قوس عجزه يراقب بقية الحروف وراءه والعين عربدت في أقصى الحلق وهي تشرف على القلب وتتحسس نبضه والياء يمن ويسر والدال نزفت دما إنها قربان الأبجدية في يوم العيد.

العيد عج وثج والحج رحلة إيمانية على صهوة الشوق إلى بلاد الأفراح وتجسيد حي لواقعة الموت والبعث والحساب وملتقى عالمي للأصفر والأحمر والأسود والأبيض والغني والفقير والصحيح والعليل شهق واحد ونبض واحد ومصير واحد على أرض واحدة في يوم واحد.

من يذهب إلى هناك يأخذ معه شفرته لينحر إسماعيله وما إسماعيله إلا الحب الأرضي الذي شابته الغرائز البشرية ليسمو إلى حب سماوي وقد تخلص من تلك الشوائب ،من قتامة الطين إلى وهج النور الأزلي.

-أنت يا إبراهيم تحبني، طيب ضح بابنك ،فلذة كبدك حتى يكون حبك لفلذة كبدك إسماعسل قربانا لحبك لرب إسماعيل.هات الدم مهرا ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر.

وأنت يا أيها الإنسان ضح بغرائزك وأهوائك النفسية ومصالحك الدنيوية ،لقد تكرمت عليك فقبلت منك الأضحية بدل التضحية بنفسك برهانا لحبي كما قبلت من إبراهيم ذلك الذبح العظيم.لقد عدت جديدا كيوم ولدتك أمك فلا تفسد في الأرض بعد إصلاحها ولا تستبدل ذلك الحب النوراني بحب آخر بل اجعله تبعا له.،وتذكر إذا نسيت لما هممت بذبح غرائزك قبلت منك الفداء كما قبلت من إبراهيم وعاهدتني فكن وفيا.

طف مع المجموع حول قطب الرحى ،حول سرة الوجود وهيولى المعنى واذكر إذا نسيت أنك واحد من المجموع فمهما علا شأنك فأنت إنسان أخو الإنسان مسخر لخدمة الإنسان بذاك وثقنا العهد وصافحت يمينك يميني في ذلك الركن.

وأنت أيتها الأبجدية طوفي حول كعبة القلب واشربي زمزم الروح وانتشي في عرفات الفكر وتصببي عرقا من ألق المعنى ووهج الحب وجمر التدبرفليس لك معنى أيتها الأبجدية مالم تكوني في خدمة الحق ونصرة المظلوم والتطامن إلى الجمال وتيسير حياة الناس رخاء وازدهارا.

أيتها الأبجدية لو كنت جسدا لكانت الحاء والباء سرتك فمن السرة يغتذي الجنين ليصير كائنا عجيبا مستطيعا بنفسه بعد أن كان مستطيعا بغيره ومن حاء الأبجدية وبائها سرة المعنى كله :لا تنجح في عمل مالم تعشقه ولا تستطعم كفاحا مالم تحب الحياة ولا تضحي في سبيل امرأة مالم تكن كيانك وتوأم روحك وفوق ذلك حبك للنور الأزلي هو الذي يدفع بك إلى مجاهدة النفس ومغالبة مشاق العبادة أملا في رؤية ذلك النور الازلي حتى لا تكون محجوبا عنه لتحرز الحسنى وزيادة.

فليس ذلك القربان الذي تقدمه صبيحة العيد إلا نفسك وحين تنحرها رمزيا تنحر غرائزك وتجدد ميثاق الحب وتصلح ما أفسدته الأيام أو ما أفسدته أنت في خاطر الأيام حبك الصغير الذي شابته الغرائز نماؤه وزكاته ذلك الدم – دم القربان لا دمك أنت- ودم الذبح العظيم لا دم إسماعيل.

هبة سماوية وكرم علوي للإنسان أن يكون القربان بديلا عن الانسان وما ذاك القربان إلا مهر تقدمه الروح منتشية كل عام وهي تخطب جمال ليلى :

أمــــــــن برق بالأبيرق لاحا

أم في ربى نجد أرى مصباحا؟

أم تلك ليلى العامرية أسفرت

فصيرت المساء صباحا؟

وحسن سلمى:

سلام على سلمى ومن حل بالحمى

وحـــــــق لمثلي رقة أن يسلــــــما

سروا وظلام الليل أرخى سدولــــه

فقلت له صبا غريبا متيـــــــــــــما

ذاك هو الحسن الإلهي والجمال الأزلي .

حتى يغدو ذلك الحب في نهاية العمر غالبا على كل حب حين يذوى الجسد وتنطفأ الشهوات ترف الروح وتتفتق أكمامها ويشف نورها وتنطلق حمائمها تمهيدا لمعانقة الحب الازلي في عالم لا يعرف زمانا ولا مكانا إلا فيوضات الأنوار.

هو ذاك الحب الذي عنته الشاعرة:

أحبك حبين حب الهوى

وحبا لأنك اهل لذاكا

وأشتاق شوقين شوق النوى

وشوق لقرب الخطى من حماكا

تشف الروح وتشرق فيها معاني الوجود الأزلية وتستعد للاندغام في الروح الكبرى والجمال السرمدي كالفراش يحوم حول ضوء المصباح بجاذبية العشق وناموس الحب.

فأي شيء أهديكم في العيد يا صحابي؟

وردة حمراء بلون دم الأضاحي نبتت في حقل الحب وسقيت بماء العشق شذاها من شذا الروح وأكمامها من أفلاذ النفس الصادقة المخلصة.

يا الله باركنا بالحب وأدم علينا آلاءه واجعل حبك خاتمة الحب وسرته والرحم التي يولد منها كل حب وقطب رحاه وسدرة منتهاه.

يا أيتها الأفراح حفي بالأرواح وارتسمي بسمات على شفاه الأطفال والمرضى والمحرومين وكل إنسان.

عيدك مبارك وكل عام والأفراح تحف بأرواحكم في ملكوت الحب.

 

محمد صالح الجبوريالعرب اهتموا بذكر الديار والأطلال والاحبة في اشعارهم، وحكاياتهم، فهي أماكن الطفولة والصبا والذكريات الجميلة، لها مكانة في القلوب، تثير الشوق والحزن والبكاء، وخاصة عندما يغادرها الانسان مجبرا، وهذا الشاعر يقول :-

يا دار مية بالعلياء فالسند

اقوت وطال عليها سالف الابد

واخر يذكرنا بالاحبة الذين سكنوا الديار وكانت منازلهم في الماضي

قفا نيك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

الديار التي نشتاق إليها ليست القصور المنيفة المطلة على البحر، التي تتوفر فيها وسائل الراحة الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي والانترنت، وجنات من أعناب وتين وتخيل وزيتون، وحدائق بأنواع الورود، وسيارات فارهة، الديار مبنية من الطين، لكن لها نكهة وطعم خاص، تحمل طيبة اهلها وكرمهم وصفاء النفس،

وذكروا الحبيب بخطاب جميل، محبة الحبيب مقترنة بحب الديار، فقال شاعرهم:-

يا دار عبلة بالجواء تكلمي

وعمي صباحا يا دار عبلة وأسلمي

الشوق إلى الحبيب والديار بصورته الجميلة والمشاعر اللطيفة، والاحساس المرهف، في قول الشاعر:-

أمر الديار على الديار ديار ليلى

وأقبل ذا الجدار و ذا الجدار ا

وما حب الجدار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا

ويبقى العربي يحن إلى الحبيب والديار(حنين الناقة)، وتبقى الديار عزيزة على اهلها، ومن الصعب أن يتركها الانسان الا لظروف قاهرة، ويقول الشاعر:-

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها

لكن أخلاق الرجال تضيق

المحبة والشوق في القلب، والإنسان تعلم على الحب منذ نعومة أظفاره، محبا للخير، والكرم والشجاعة، ومساعدة الناس، والعيش بأمان وسلام، ما اجمل لغة التسامح والعفو والمحبة، والتواضع.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

 

محمد عبد الكريم يوسفهل جربت يوما أن تعيش بلا أمل؟

هل خطر ببالك أن تعيش يوما بلا طموح أو رؤية أو رسالة؟

هل جربت يوما طعم المرارة واليأس؟

هل خطر ببالك يوما في لحظة يأس أن تطفئ النجوم حزنا على حبيب؟

ربما كان الرحيل الأول لأبينا أدم وأمنا حواء واصطدامهما بصخور هذه الأرض هو أول ألم يعانيه الزوج المقهور ثم يأتي شظف العيش و قسوة الحياة ومرارة الأيام ليكمل حكاية الأمل والألم التي يعيشها الإنسان منذ الخروج الأول في سفر الحياة الأبدية وتجرع لحظات التعب وطعم العلقم وألم الجراح . ثم تبدو الحياة وكأنها رحلة العبث تنبع من عدم لتنتهي إلى عدم ويظن المرء في هذه الرحلة أنه وحيد .

يخطر ببالك أن الحياة رحلة ألم لا ينتهي أو أن القدر لا يريد لها أن تنتهي . وتنسى أن أجمل لحظات العمر هي التي رافقها ألم وأنك لا يمكن أن تزيل الألم من حياة الناس إلا بعد أن تمر برحلة تتألم فيها كثيرا ثم تتعافى وتشفى من رحلة الشقاء الأبدية .

وحده الأمل ... والألم هو من يعيننا ويساعدننا في التغلب على الشقاء . وحده الأمل ...والألم من ساعد المجنون في حبه لليلى . وحده الأمل ...والألم من ساعد الأنبياء على السير قدما في رسالاتهم .وحده الأمل ...والألم من ساعد المكتشفين والمخترعين والمستكشفين للتغلب على الصعاب ومغالبة الضنى والعذاب والشقاء والتجارب والاحتمالات .

يحكى أنه في الأساطير الإغريقية حكاية بندورا التي تعيش مع زوجها في جنان الأرض بلا همّ ولا خوف . وفي يوم من الأيام أراد زيوس أن ينتقم منها فبعث إليها بصندوق من الخشب المطعم الثمين واشترط عليها ألا تفتحه إلا بإذنه .

وحيث أن الإنسان عدو ما يجهل بدأت بندورا رحلة التساؤل عما يحتويه الصندوق وصعب عليها أن تصبر قليلا . حاولت أن تفتحه أكثر من مرة لكنها لم تستطع وزاد فضولها أنها سمعت من داخله أنين أصوات غريبة . وفي لحظة من لحظات الفضول الجارف ألقت الصندوق على الأرض فانكسر وانطلقت في أجواء الغرفة خفافيش مجنونة هوت على بندورا وأوسعتها عضا بمخالبها الحادة . يعضها الأول صائحا " أنا المرض " ويعضها الثاني مناديا " أنا الفقر " ويهاجمها الثالث باعقا " وأنا الجوع " والرابع قائلا " وأنا النفاق " والخامس مناديا " وأنا القحط" والسادس هازجا " وأنا الذل " وكأنها في حفلة هرج ومرج . حاولت بندورا أن تغلق الصندوق لكنها لم تستطع وفي النهاية أغلقته فقط على الروح الطيبة الوحيدة المسكينة الساكنة بهدوء داخله " الأمل " . ثم سكنت بندورا طريحة الفراش على السرير تتألم وتلملم جراحها الكثيرة في حين انطلقت الخفافيش في الفضاء الواسع توزع البغضاء والنميمة والحقد والنفاق والقحط والجوع والمرض والفقر على الناس . وحين عاد الزوج مساء إلى المنزل فتح الصندوق مرة ثانية ليعلم ما حدث لزوجته الحزينة فانطلقت منه الفراشة المسكينة ترفرف فوق بندورا تلثم جراحها وتداويها وكانت " فراشة الأمل " .

ومنذ ذلك اليوم ترفرف فراشة الأمل فوقنا، ترافقنا في حياتنا وتأسو الجراح .

ويحكي أن فتاة مريضة ﺳﺄﻟﺖ ﺃﺧﺘﻬﺎ : ﻛﻢ ﻭﺭﻗﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ ؟ ﻓﺄﺟﺎﺑﺖ ﺍﻷﺧﺖ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﺑﻌﻴﻦ ﻣﻠﺆﻫﺎ ﺍﻟﺪﻣﻊ: ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺗﺴﺄﻟﻴﻦ ﻳﺎ ﻋﺰﻳﺰﺗﻲ؟ ﺃﺟﺎﺑﺖ ﺍﻟﻄﻔﻠﺔ ﺍﻟﻤﺮﻳﻀﺔ: ﻷﻧﻲ ﺃﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﺃﻳﺎﻣﻲ ﺳﺘﻨﺘﻬﻲ ﻣﻊ سقوط ﺃﺧﺮ ﻭﺭﻗﺔ . ﺭﺩﺕ ﺍﻷﺧﺖ ﻭﻫﻲ ﺗﺒﺘﺴﻢ: ﺇﺫﻥ ﺳﻨﺴﺘﻤﺘﻊ ﺑﺤﻴﺎﺗﻨﺎ ﻭﻧﻔﻌﻞ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻧﺮﻳﺪ .

ﻣﺮﺕ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﻭﺍﻟﻄﻔﻠﺔ ﺍﻟﻤﺮﻳﻀﺔ ﺗﺴﺘﻤﺘﻊ ﺑﺤﻴﺎﺗﻬﺎ ﻣﻊ ﺃﺧﺘﻬﺎ، ﺗﻠﻬﻮ ﻭﺗﻠﻌﺐ

ﻭﺗﻌﻴﺶ ﺃﺟﻤﻞ ﻃﻔﻮﻟﺔ ... ﺗﺴﺎﻗﻄﺖ ﺍﻷﻭﺭﺍﻕ ﺗﺒﺎﻋﺎً ﻭﺑﻘﻴﺖ ﻭﺭﻗﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺮﻳﻀﺔ ﺗﺮﺍﻗﺐ ﻣﻦ ﻧﺎﻓﺬﺗﻬﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﻇﻨﺎً ﻣﻨﻬﺎ ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﺘﺴﻘﻂ

ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﺳﺘﻨﺘﻬﻲ ﺣﻴﺎﺗﻬﺎ ﺑﺴﺒﺐ ﻣﺮﺿﻬﺎ .

مر ﺍﻟﺨﺮﻳﻒ ﻭﺑﻌﺪﻩ ﺍﻟﺸﺘﺎﺀ ﻭﻣﺮﺕ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﻟﻢ ﺗﺴﻘﻂ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﻭﺍﻟﻔﺘﺎﺓ ﺳﻌﻴﺪﺓ ﻣﻊ ﺃﺧﺘﻬﺎ

ﻭﻗﺪ ﺑﺪﺃﺕ ﺗﺴﺘﻌﻴﺪ ﻋﺎﻓﻴﺘﻬﺎ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ﺣﺘﻰ ﺷﻔﻴﺖ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻣﻦ ﻣﺮﺿﻬﺎ .

ﺍﺳﺘﻄﺎﻋﺖ ﺃﺧﻴﺮﺍً ﺃﻥ ﺗﻤﺸﻲ مشية طبيعية، ﻓﻜﺎﻥ ﺃﻭﻝ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﺘﻪ ﺃﻧﻬﺎ ﺫﻫﺒﺖ ﻟﺘﺮﻯ ﻣﻌﺠﺰﺓ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﺗﺴﻘﻂ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ، ﻓﻮﺟﺪﺗﻬﺎ ﻭﺭﻗﺔ ﺷﺠﻴﺮﺓ ﺑﻼﺳﺘﻴﻜﻴﺔ ﻣﺜﺒﺘﺔ ﺟﻴﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ، ﻓﻌﺎﺩﺕ ﺇﻟﻰ ﺃﺧﺘﻬﺎ ﻣﺒﺘﺴﻤﺔ ﺑﻌﺪﻣﺎ أدركت ﻣﺎ ﻓﻌﻠﺘﻪ أختها ﻷﺟﻠﻬﺎ ..

والكتب والقصص التاريخية حافلة بالقصص عن الأمل وأهميته في حياتنا رغم أنه دائما مجبول بالألم . هناك جمل تستوقفنا دائما في الروايات والقصص لأنها تختصر الحزن الإنساني بكلمات صغيرة وهنا سأورد بعضا منها :

" هنا يكمن سري. إنه بسيط جدا. إنه هذا القلب الصغير الذي يستطيع أن يرى أشياء لا تراها العين ." (قصة الأمير الصغير).

" يمكن أن نجد السعادة والأمل في الأوقات المدلهمة إذا تذكرنا أن نشعل النور ." (قصة هاري بوتر وحجر الفيلسوف) .

" عدني أن تتذكر دائما: أنك أكثر شجاعة مما تعتقد، وأنك أقوى مما تبدو عليه، وأنك أذكى مما تظن نفسك ." من حوار كريستوفر روبن مع بو . فيجيبه (بو) قائلا: " لا أشعر أنني أشبه بو اليوم." فيعلق بيغلت (الخنزير الصغير) قائلا : " هناك هناك...وأنا لن أحضر لك الشاي والعسل حتى تصبح قويا ." (قصة ويني الدبدوب)

" داخلنا يوجد الأمل . داخلنا يعيش الخوف . داخلنا تسكن المغامرة . هناك في داخلنا شيء متوحش ." (قصة أين تسكن الأشياء البرية)

" لا تفعل أنصاف الأشياء. افعل الأشياء كاملة إذا كنت تريد أن تنجح . كن شجاعا مسكونا بالأمل . وتأكد بأن كل ما تفعله كامل وخارق للمألوف." (قصة ماتيلدا)

" شاركت سمكة قوس قزح الماء حراشفها اليمينية واليسارية . وكلما أعطت أكثر شعرت بالسعادة الغامرة أكثر . وعندما امتلأ الماء الذي يغمرها بالحراشف اللامعة، شعرت سمكة قوس قزح وكأنها في بيتها وبين أهلها ." (قصة سمكة قوس قزح)

" لا يمكن أن يبدو صاحب الأفكار الطيبة قبيحا . قد تمتلك أنفا كبيرا وفما مجعدا وذقنا طويلة وأسنان متلاصقة نافرة ومقززة إلا أن الأفكار الطيبة تخفي كل العيوب وتشع من الوجه مثل نور الشمس بحيث يبدو صاحبها جميلا ." (قصة التغريدات)

" في اللحظة التي تشك فيها أنك غير قادر على الطيران ستتوقف عن القدرة على الطيران ." (قصة بيتر بان)

والآمال تختلف طولا وعرضا من شخص لآخر وتختلف ألوانها وزخارفها . هناك من يتعلق بالنجوم وهناك من يمخر عباب المحيط وهناك من يؤسس لفكر يتبعه مئات الملايين وهناك من يحرق السفن خلفه وهناك من يحارب قوى الإرهاب حتى لو اجتمعت عليه مئة وأربعون دولة مثل بلدي الحبيب سورية والآمال ألوان قد تكون كاسحة وقد تكون كسيحة وقد تكون وقحة وقد تكون كلها تحدٍ .

والأمل يمنحنا القوة لنستمر رغم امتزاجه بالألم في كثير من الأحيان . الأمل الايجابي الخصب الخصيب هو ما يستحق أن نذبح له قلوبنا ....قلبي وقلبك...لأننا محكومون بالأمل والألم ....

ألستم معي في ذلك ؟

 

شاكر فريد حسنلا شيء يشبهني

منفاك قلبي و سر اشتعال

أنا من يدفع فاتورة ضعفي

و هذه الدموع التي تمنحك السعادة

تمطرني وابلًا من سجيل

ليبعثرني ذاك التمرد

فلِمَ تقرُّ أنَّ السنابل حبلَى

بألف ألف اشتهاء ؟؟؟

2

لا شيء يشبهني

رُبَّما أرتعّش قبل انكساري

رُبّما سأدرك مساحة الفّراغ

ذات وقت أتقمَّص دور ليلى

المنهكة من التشظي....

عامان و السنبلات تلتحف الأخضرَ

أليس هروبك محض إرادة

ألا ترى اختيارك قتلي تموسقه

نبضك غائب تلك قناعة أبدية

أم تجبَّر ... يا وجه الرحيل

.....3

لا شيء يشبهني

القصيدة الثرثارة موبوءة بالعطش

و تزمجر تطلق أبواق الريح

منتصف الليل بعد هروب القمر

و تنذر بفجر لا لونَ له

و كم من حرف

على السطر يرثيَ!!

في جوفها المشتعل لهبًا ؟

4

لا شيء يشبهني

وردة صفراء عابثة

تجهض ألف بسمة

ترفع حدود الخوف . تستفتي الريح

أيتها القصيدة الحبلى

في نطف الأنا

وشم الكبرياء . باهت اللون

فمنذ بضع ألم

وأنتِ لستِ أنا !

5

لا شيء يشبهني

تحول .. انصهار .. تشتت

في ساحات الصمت اغتراب

فجأة رحلَ

و تُهتُ بعدها حتى نهاية الطريق

لم يقل شيئاً و القلب حزين

و شفتي تشكو سِرَّ القُبلة الأولى

لم أكن أصغي ؟؟ لصوت الريح

مضَّمخة أنا بعطر الفراق

بدتْ خرساء شّهقتي

لم أعد شهرزاد و مات شهريار.

راقني هذا النص الشعري الأخير للشاعرة السورية ليلى الصيني، ابنة حمص التي تكتب روحها ونبض قلبها ومشاعرها في قصيدتها. فقد غرست مخالب أنوثتها في عنق أنفاسه، ونقشت عشقها على صفحاتها، وغرقت في بحور آهاته، وشهقة الآه بين زفراته احتلت أنفاسها حد الثمالة، وتسلل همسه الى قلبها، فباغتها شهريار الذي انصهرت فيه حد الذوبان ، لكنه يموت وتبقى شهرزاد وقلبها يقطر حزنًا، وشفتيها تشكو سر. القبلة الأولى.

في هذا النص الذي اختمر على نار هادئة، يتجلى ابداع ليلى الصيني في الالهام والبوح الشفيف والرقة ومعانقة الحرف والتلاعب بالالفاظ، فضلًا عن الايحاءات والكثافة وجمال الصياغة والايقاع الموسيقي والطرح العفوي والاسلوب الهادىء واللغة العذبة الماتعة والصور الشعرية المميزة.

فنصوص ليلى مبعثها خلجات النفس الحرى والروح الرهيفة والوجدان الرقراق، وهي تفوح بالشذا والعطر، وتأسرنا بعاطفتها الجياشة واحساسها المرهف وعشقها النقي .

وككل قصائدها نستشف العاطفة القوية، فهي انسانة مرهفة الحس، عاشقة ومحبة ومتلهفة للتوحد مع الرجل.

ليلى الصيني تمتطي صهوة الشعر النثري بجدارة، مستخدمة الالفاظ والتراكيب الموحية، وتبدو من خلال قصيدتها " شهرزاد" جياشة المشاعر، رقيقة العواطف، مرهفة الاحساس، وفية لحبها وللقيم والأفكار التي تؤمن بها.

ومجمل القول أن قصيدة " شهرزاد " لليلى الصيني تلامس الشغاف وتمنح النشوة والمتعة والدفءالشعري، وهي ذات بعد جمالي وفني، وفيها من النثر والحداثة ما يثري الفكر ويصنع الدهشة لدى المتلقي.

انها شاعرة حالمة تؤمن بالكلمة قبل أن تبوح وتصرح بها.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

مادونا عسكر"فَإن رُمتَ الحُضورَ اليومَ لا تُغفِلهُ يا حَافِظ

متَى ما تلقَ من تَهوَى دَع الدُّنيَا وأهمِلْهَا" (حافظ الشّيرازي)

في هذين البيتين للشّيرازي تجسيد لمعنى اللّقاء بالحضور والاستغناء به عن كلّ شيء في سبيل بلوغ تمامه. كما أنّ هذين البيتين يحملان في عمقهما اختباراً عشقيّاً عبّر عنه الشّيرازي بالحضور واللّقاء والتّخلّي عن الدّنيا والاتّحاد بالحبّ. فالحضور أوّل شرط من شروط الاتّحاد بالمحبوب

من يفهم حقيقة العشق الإلهيّ ويعي أنّ الله حبّ فلا بدّ من أن يدرك معنى الاتّحاد بالله. وإن لم يخلص بنا هذا العشق إلى الاتّحاد بشخص الله، فذاك يعني أنّ بيننا وبينه هوّة كبيرة، وأنّ هذا العشق أقرب إلى الوهم. فالحب حالة تفترض التّفاعل بين شخصين، وتنمو هذه العلاقة تدريجيّاً حتّى تبلغ ذروتها بالاتّحاد الكيانيّ. وإذا رفضنا مبدأ الاتّحاد بالله فنحن ننزع عن الله جوهر الحبّ، لأنّ الله الحبّ يمنح ذاته للإنسان فيكون الحبّ فعلاً إلهيّاً. وبين الفعل الإلهيّ، إن جاز التّعبير، وردّ الفعل الإنسانيّ لقاء حميم يختبره العاشق دون سواه، ويصعب التّعبير عنه تماماً لأنّه علاقة إلهيّة إنسانيّة تفوق قدرة العقل على الاستيعاب. إنّ بقاء مفهوم الحبّ الإلهيّ عند حدود تطبيق الشّرائع والالتزام بفروض الصّلاة والواجبات الطّقسيّة يندرج في إطار العاطفة أو الخوف. فقد يطبّق الإنسان الشّريعة خوفاً أو حبّاً لكنّ هذا الحبّ يبقى على مسافة بين العلو والعمق. وأمّا الحبّ الإلهيّ والصّلة الحقيقيّة الحميمة بين الله والإنسان الّتي تؤدّي إلى الاتّحاد فهي أمر آخر. العاطفة تحمل الكثير من التّناقضات وقد تتبدّل وتتغيّر وقد تخضع لتمرّد العقل، وقد تصطدم بمفاهيم جديدة تسيطر على تفكيرها أو واقع يبدّلها فتنكر الله وتستبعده. أمّا الحبّ فهو لحظة الجنون بالله، أي أنّ الإنسان يتخلّى عن ذاته كلّيّاً ليلقاها في الله. وهذا التّخلّي تجرّد عميق يحتاج إلى جهاد روحيّ وفكري واختبار شخصيّ يبلغ بالإنسان إلى هذه الحقيقة الّتي إذا ما دخلها يستحيل عليه الرّجوع. والحقيقة هي أنّ الله الحبّ لا يحبّ وإنّما ينسكب بكلّيّته في الإنسان والعاشق لله يسكن بكلّ كيانه في الله، ولكن ليس بقوّته الشّخصيّة وإنّما بالنّعمة الإلهيّة. فالله هو الّذي هيّأ الإنسان لهذا الحبّ. والعاشق لله هو من سمح للحقّ أن يأتي إليه لأنّه يعلم ضمناً أنّه لا يمكنه الذّهاب إليه أو بمعنى أصحّ لا يعرف السّبيل. وهذا الاتّحاد ليس مجازيّاً وإنّما حقيقيّ، لكنّه اتّحاد سرّيّ / Mystère لأنّ العاشق وحده معنيّ به. لكنّه بالمقابل ينعكس النّور من خلاله على العالم.

أن تحبّ الله يعني أن تحيا تفاصيل الله، أن تنغمس في حالة العشق بالنّعمة حتّى لا تعود ترى إلّاه. أن تتجرّد وتخلع إنسانك العتيق لتلبس الإنسان الجديد. فالإنسان الجديد أي الإنسان كما خلقه الله على صورته ومثاله استنار بالحبّ الإلهيّ ويمارس الفضائل الإلهيّة (الإيمان والمحبّة والرّجاء) وبالتّالي ممارسة هذه الفضائل يقود إلى الاتّحاد بالله. يقول القدّيس باسيليوس الكبير:"إن النّفس الّتي كبحت دوافعها الطّبيعيّة عن طريق النّسك الشّخصيّ وبمساهمة الرّوح القدس تتأهّل – بحسب حكم الله العادل – للبهاء الموهوب للقدّيسين". الحبّ فعل خلق والله بالحبّ يخلقنا كلّ حين إذا ما ارتبطنا به بالحبّ.

ولا يمكن للعاشق أن يصل إلى مرحلة الاتّحاد الكامل إذا لم يمرّ بحالة الحبّ المجرّد عن أيّ مصلحة سوى مصلحة الحبّ ذاته، كما عبّرت عنه رابعة العدويّة في قولها:

أحبّك حبّين حبّ الـهـوى

وحبّاً لأنّك أهـل لـذاكـا

فأمّا الّذي هو حبّ الـهوى

فشغلي بذكرك عـمّن سواكـا

وأمّا الّذي أنت أهـل لـه

فكشفك لي الحجب حتّى أراكا

فكشف الحجاب، بعد الحضور واللّقاء مرحلة ضروريّة قبل الوصول إلى الاتّحاد. إنّ هذا الكشف الّذي أظهره الفعل (أراك). والرّؤية هنا حقيقة لا مجاز استناداً إلى عبارة (كشفك لي الحجب). ما يعني أنّ الله كشف عن ذاته وتجلّى لها. وإلّا كيف تستخدم رابعة فعل (أراك) وكيف رأت؟ إنّ الرّؤية محصورة هنا بالقلب الّذي انفتح على الله السّاكن فيه حقّاً فرآه.

وحين يقول القدّيس بولس (حياتي هي المسيح) أمات ذاته بالفعل ولبس المسيح أي صار الاثنان واحداً بمعنى معنى. إنّه الكمال العشقيّ، والعاشق الكامل هو العارف. ولا يراد بالعارف الانشغال الفكريّ، وإنّما الكمال الّذي يتحقّق بتنقية الذّات. وفي ذات السّياق يقول جلال الدّين الرّومي:

"ممتلئ بك، جلداً، دماً، وعظاماً، وعقلاً وروحاً، لا مكان لنقص رجاء، أو للرجاء، ليس بهذا الوجود إلاك."، إنّ ما شعر به جلال الدّين الرّومي لهو اللّحظة البارقة الّتي تسبق الاتّحاد الكامل بالله، فامتلاء الشّخص بالمحبوب هو استعداد كامل لاستقباله كجزء في كينونته الرّوحيّة والعقليّة والمادّيّة. إنّه نتيجة الفعل وردّة الفعل، نتيجة العشق بين الله والإنسان. حين ينسكب الله فيكَ حتّى تمتلئ منه وتسكن إليه بكلّك، أنت في حالة مهيأ فيها للاتّحاد معه.

لن يصل العاشقون إلى الاتّحاد دون المرور بكلّ تلك المقامات والمجاهدات، ولكن إن وصلوا إلى هذه الحالة الّتي هي من أجلّ المنح الإلهيّة للعاشق ساعتئذ لا شيء يمكن أن يكون غيرها. فالاتّحاد بالله ليس انتهاكاً أو تعدّياً على الذّات الإلهيّة، ويجب أن لا نخاف من ذلك، فهو ممكن من أي شخص جاهد وصابر للوصول إلى هذه المرتبة العليا، فلماذا نخاف هذا الاتّحاد؟ ولماذا نرفضه؟ أخوفاً؟ أم تواضعاً؟ أم تكبّراً؟ إن كان خوفاً فالخوف لا يستوي مع الحبّ. وإن كان تواضعاً فالتّواضع هو التّخلّي عن الذّات لتلقاها في الله. ولعلّه تكبّراً على النّعمة الإلهيّة الّتي هيّأتك منذ البدء للحبّ.

إنّ سبب وجودنا وغايته واحد، ألا وهو اللّقاء بالله والتّعرّف عليه والعيش معه والانغماس به في علاقة عشقيّة حميمة حتّى نخلص إليه. إنّه حقّاً سرّ الاتّحاد بالله الّذي يفوق كلّ عقل وكلّ تصوّر. ولو كان العقل يدركه بقدرته فكأنّنا نخضع الله لقدراتنا المحدودة الضّعيفة. حاشا. "ونحن قد عرفنا وصدّقنا المحبّة الّتي لله فينا. الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة، يثبت في الله والله فيه." (1يوحنّا 16:4)

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

سلس نجيب ياسينتراهم يبتسمون ومن داخلهم لا يقلقون ثقتهم بنفسهم كبيرة يحتار الاخرون من اين ياتون بها يسلمون بمبدا كل شيئ سياتي مع الوقت يؤمنون بان تحقيق الاهداف الكبيرة ليس سوى مسالة استمرار وبحث. يجيدون الاستثمار في القليل ليخلقو منه الكثير امالهم كبيرة ولامتناهية تضحياتهم تبدو متهورة ولكنها مدروسة يرون الحلول وسط ظلام الصعوبات يبحثون دائما عن التحديات ويتطلعون لاكمال خططهم المرسومة. التعلم شعارهم والتقدم هدفهم والتحقيق غايتهم اما الاتزام فهو تلقائي في حياتهم يتعبون ولا يملون يسقطون ثم ينهضون يواصلون دائما يساعدون الناس وينصحون لا ينتظرون جميلا او هدايا من احد فمجدهم هو صناعة ذاتهم على الله يتوكلون وبربهم يؤمنون وعلى صلاتهم يحافظون والى ربهم يتضرعون وعلى اسمه يبدؤون وينطلقون انهم الناجحون

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

كريم مرزة الاسديسجالات شعرية ما بيني وبين الشاعر والأديب العراقي القدير أ. م . حسين عوفي ابو ليث مدير (واحة التجديد الأدبية):

أ - قد بادرني مرّة على صفحة تواصلي الفيسبوكية، وكنت منشغلاً بالردِّ على أديبة حسناء، بهذه الأبيات والكلمات:

" أربعةُ أبيات، نظمتها فخراً واستحقاقاً،لأخي وأستاذي العالِم الفذ، د. كريم مرزة الأسدي، مع محبتي

حسين عوفي أبو ليث :

زَيّنتَ بِالدُرِّ النَفِيسِ صَحائِفا ***فَسَطعنَ في غضِّ النُحورِ وصائِفَا

دِيوانُ فِكرِكَ تَمَّ فــي نُعمائِـــهِ ***حَقلاً، فَأبلجَ بالأواـــنِسِ صائِفـا

بِرشيقِ ذوقِكَ قَد جَلوتَ زَبَرجَداً ***لولا حذاقَتُكَ الزَبَرجَدُ ما صَفــا

مَنَّ المَليكُ عَليكمُ خمرَ النُهى**** فَأسِلتَهُ شَهداً على شــفةِ الصَفـا

مع محبتي أستاذي الفذ وفخر الأدب الرصين."

فرددت عليه مرتجلاً من البحر (الكامل) نفسه:

إنّي من البلد النّجافِ، وما جفا *** قسماً بما خلّفتُ خلفي من الوفا

ضيّعتُ نفسي بين نفحةِ ماجــــدٍ **** وجمالِ وجـــهٍ للأديبةِ مـا خفى

وتهافتتْ زمـرٌ تعلّـــقُ عشــــقها*** والقلبُ يرنو للقصيدِ، وقـــد هفا

صبراً جميلاً يا بن عوفٍ حجّني * ** إنَّ الكريمَ لكلِّ ذنبٍ قــــد عفا

كريم مرزة الأسدي

ب - وسبق لشاعرنا حسين عوفي قد عارض مقرظاً قصيدتي - البحر البسيط - (عيدٌ بماذا تمنّي النفس يا عيدُ) قائلاً:

قل للقريضِ اذا ماجفّ خاضبهُ ******فمِنْ يَراعِ كريمٍ فيه تجديدُ

أسالَ تِبرَ حروفٍ من لواعجهِ ***نهراً وفي إثرِهِ الركبُ الصناديدُ

صناجة الشعرِ هذا قول نابغةٍ ****في كل معنى زهت منكَ العناقيدُ

ياابن الغريِّ ويافخراً لهُ حدبت ****جحافِلُ الشعرُ والتبيانُ مشهودُ

- مطلع قصيدتي، وهي من البحر البسيط :

يَا عِيْدُ مَاذَا تُمّنّي النّفْسَ يَا عِيْـدُ؟! ***وَقــَـدْ تَوالَتْ لِمَغْناكَ الْمَقـَالِيْدُ

مَا بَيْنَ غُرْبَةِ عَزٍّ سِمْتُ خَافِقَتِي ***مِنْ أيْنَ لِي لَمّة ٌ بَسـْمَاتُهَا الْغِيْدُ؟!

غَطّـّتْ جِفُونَكَ - يَارِيْـمَ الْفَلَا - رَشَقٌ** قَدْ كَحّلَتْ وَرْدَهَا يَاقُوْتُهَا السّوْدُ

شَعْشْعْ رَعَاكَ الّذِي سَوّاكَ لَاعِبَة ً *** تَرْمي بِوَعْدٍ وَلَا تـَأتِي الْمَوَاعِيْدُ

ج - و أنا كتبت على صفحة تواصله : إلى صديقي الشاعر والأديب الأستاذ حسين أبو ليث ارتجالاً، وكان قد غاب عن صفحتي، فعارضت قصيدة له عينية على القافية والبحر نفسهما !!

لقد هـــام العراق بكم يراعا*** وقــــد أوجبت حقّاً لن يضاعا

وما لي لا أرى نجمــــاً منـــيراً *** وكان لدربنا وهجاً مشاعا

د - تنشرت (واحة التجديد الأدبية)، ومديرها الشاعر والأديب العراقيأ. م. حسين عوفي أبو ليث، و بقلم رئيسة تحرير الواحة الشاعرة والأديبة العراقية الأستاذة فادية الجبوري منشورا مما جاء فيه :

" ...من أمثلة أشعار الإخوانيات اليوم بين عملاقيّ الأدب الرصين فارسيّ القريض الشاعر ملك القوافي حسين أبو ليث أهداها للشاعر الباحث كريم مرزه الأسدي :"

الآن أستاذة فادية الجبوري تنقل منشور الشاعر الأديب أ. م . حسين عوفي أبو ليث (مدير واحة التجديد الأدبية):

" من شِعرِ الإخوانيات، نظمت بعض الأبيات،إهداءً، علها تليق بأستاذي وأخي وفخر الأدب العربي، الدكتور الشاعر والباحث كريم مرزة الأسدي.

بقلم:حسين عوفي أبو ليث

ياأيّها الصَرحُ المهيب :

القصيدة:

1 - مِنْ أيِّ عذبٍ إذْ يروحُ ويغتدي؟ *** بينَ القلوبِ نَقاءُ نَهرِكِ سَيّدي

2 - وبِأيِّ سِلكٍ إذ نظمـــتَ قلائداً***تُغري النــواظِرَ فـي بريقِ العسجدِ

3 - عَلّمتنا، أنّ الحــــروفَ جحافِلٌ **تنهــــالُ سِجّيلاً بِرأسِ المعتــدي

4 - وغَداةَ تطلقُ في الربوعِ حمائماً**صدحت بِنغمةِ ذاكَ معزفِكَ النّدي

5 - إيــهٍ كريمُ،ويا لِمثلِكَ إذْ غـــدا**ضـوءَ السراجِ على جناحِ الفـــرقدِ

6 - أغـــدقتَ واحـــتنا بِشــلّالِ النّدى***خُلُقـــاً بِكُلِّ مُشعشِــعٍ ومُــورِّدِ

7 - وحرصتَ أنّ الضادَ تسمو للمدى****بِيَراعَـــةِ الأفــذاذِ كُــلّ توقُّــدِ

8 - يا أيّها الصرحُ المهـيبُ تحـــيّةً *** مِنْ مُدنِفٍ حَمَلَ الودادَ على اليَـدِ

حسين عوفي ابوليث

واحة التجديد الأدبية

..................... إلخ

ردي :

- قصيدة شاعرنا وأديبنا الكبيرشعراً وتواضعاً وخلقاً أ. م . حسين عوفي من البحر الكامل، وأنا أسترسل الإضافة للإفاضة - وأنا أدوّن كتابي الخامس الجديد، تحت الطبع، وهو الكتاب الثالث والعشرون لكاتب هذه السطور -، أرتجل هذه الأبيات معارضاً، ولو أنها لا تفي ولا تكفي :

1 - من عذبِ روحك أرتوي يا سيدي ** أنت البهاءُ، وقامةَ الشّعرِ النّدي

2 - قلّدتني نظمـــاً تمـــاهى للعـــلا *** والمجــد، قد متّعْتنــي بالسؤددِ

3 - أخرستني بجحافلٍ من أحــرفٍ**** تنهــال فرقــاناً كنـــور الفرقـــدِ

4- يا بن الأكــارمِ، يا أبا ليثِ الّذي **** رضعَ الشـهامةَ من عراقٍ أمجِدِ

5 - كم كنتُ أهــذي باللقا أملاً بــهِ **** "عجلانَ، ذا زادٍ، وغيـــرَ مزودِ"

6 - وإذا بهِ ذاك البعـــــاد وغربتي **** والعمرُ يمضي للحضيضِ الأوهــد

7 - " لا مرحباً بغدٍ، ولا أهلاً بـــهِ ****إنّ كانَ تَفريـــقُ الأحبّة ِ فــي غَــدِ"

8 - وختام قولي (يا حسينٌ) إنّني **** أفديك َ روحي و(الشهادة ) في يدي

 

كريم مرزة الأسدي

 

نايف عبوشلعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث، لدى الجيل الجديد، وتلاشي الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية المتوارثة ، ولاسيما بعد اضمحلال مجالس السمر في الدواوين، ورحيل العمالقة، من الرواة، والنسابة، والمدونين، والباحثين، الذين كانوا أدوات تناول، وتداول حي للتراث.

ولعل انفتاح الشعوب على التمدن والعصرنة، وهبوب رياح التغيير عليها بلا قيود، في ظل تحديات العولمة، كعامل موضوعي مضاف، بما يمتلكه، من قدرات فنية، ووسائل إعلامية هائلة، في ظل ثورة الاتصال والمعلوماتية، بفضائها المفتوح في كل الاتجاهات بلا نهايات، هو الآخر عامل مؤثر،ويعمل بشكل سلبي على اضمحلال حيوية التراث،وخفوت وهجه. وذلك ما بات يشكل هواجس تحديات داهمة، تهدد التراث بالكنس، والإفناء، عاجلا أم آجلا.

لذلك فان الأمر بات يتطلب من كل المعنيين بأمر التراث، من الكتاب، والأدباء،والشعراء، والرواة، وأعمدة القوم، تشجيع التواصل مع التراث،بكل مكوناته الإيجابية، والحرص على توثيق تاريخ، وتراث كل ديرة، وفي إطار تواصل استلهامي حي مع الماضي،في نفس الوقت الذي نتعايش فيه مع الإيجابي من معطيات العصرنة،وبالشكل الذي يحقق توأمة متوازنة إذا صح التعبير، وبالشكل الذي يمكن أن يبدد القلق الماثل أمامنا، على مصير التراث.

ولعلنا باعتماد مثل تلك التوافقية المتوازنة، نتمكن من الحفاظ ،على ما يمكننا الحفاظ عليه، من بقايا تراثنا الديني، والثقافي، والاجتماعي، والشعبي ،المهدد بالاندثار، والانقراض السريع. وبعكسه فإن القطيعة مع التراث، بتفاعلها مع عوادي الزمن، ستأتي على كل ملامحه، وما يترتب على ذلك من استلاب للأصالة، ومس بنقاء الهوية، وضياع ملامحها .

 

نايف عبوش

 

عقيل العبودكنت متكئا عند ثنايا كرسي مريح، بينما فكرة طارئة قفزت في فضاء هذا المحيط الهائل من العقل ذلك مثل سمكة تعوم عند أطراف سطح آمتداد مائي كثيف. أما كيفَ، فذلك تابع لمعادلة رياضية تقول ان (1+1=3، 4، أو ربما 5) وليس 2، رغم انه في بعض الحالات، قد يكون (2)هذه المعادلة لم أكن اقرأها في كتاب، ولكن فقط ربما كنتيجة لذلك التراكم من المعارف والأفكار التي تعلمتها اوسمعتها طوال هذه الفترة من حياتي، كما يعير عنها educational experience، والفكرة بحسب القانون العلمي والعملي غير معقولة، ولكن هي في حقيقتها العملية معقولة. طبعا هنا ضروري الإشارة الى ان هنالك قضية لها علاقة بموضوع ما يسمى بالواقع العملي لتلك المسالة، اوتلك. المهم انه لإثبات صحة ما تقدم، قولي، اوسؤالي ان علاقة الزوج مع زوجته هل هي في الحساب علاقة ضرب، ناقص، زائد، أم تقسيم؟ طبعا سيكون الاختيار زائد من حيث التواصل كمضمون وقانون اجتماعي تم تشريعه لبناء المجتمعات، وبعكسه الطلاق وهو في الحساب علاقة ناقص. المهم بعد ان بانت أصل العملية، أود الإشارة الى انه قضية الإنجاب هي التي تحكم علاقة الطرف الاول بالثاني، هذا الإنجاب هو قانون بايولوجي واجتماعي. حيث انه بحكم العلاقة الزوجية للقرينين ينتج ولد واحد، اوربما توأم وهكذا،

ومن الضروري الإشارة الى انه 1+1=2 هو عملية فورية في درس الحساب فقط، حيث نقول قلم+ قلم يساوي قلمان، اما في علم الإجتماع البايولوجي، socio-biology فالمسألة تختلف.

المعنى اننا لم نأخذ موضوع الوقت في الحساب، رغم ان عملية الجمع تأخذ وقتا قصيرا، لكنها نتيجتها في ما يتعلق بالتفاعل الكيمياوي والبايولوجي تختلف تماما.

إذن قضية واحد زائد واحد ليست بالضرورة ان تكون عملية حسابية، هي انما بايولوجية اوكيميائية، او جيولوجوجية، أوحسية، الخ ذلك بحسب العلوم التي تعلمناها.

أما صناعة الوقت، فمعناه الإبحار مع عالم التفاعل الحسي والعقلي معا لإنجاب مضامين حسية عقلية إنسانية متشعبة خلال فترة وجيزة من الزمن، ولذلك الكومبيوتر اختزل الزمن الحسابي أمامنا كما نراه اليوم، حيث انه بسرعة موجزة، ترانا آلاف الأفكار نقرأها ونتعلمها، ولكن بشرط عدم التفريط بالزمن الذي نمتلكه ككائنات حسية وعقلية وبايولوجية، لذلك ورد في الآية الكريمة في القران "يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه"، والكدح المقصود به العمل الفكري، والبدني، والحسي، وغير ذلك.

 

عقيل العبود/ساندياكو

 

ماذا لو تماسكنا لحظة فقد عزيز واعتبرنا أنّ الفقد حالة طبيعية كباقي حالات الحياة العابرة والتي نتأقلم بمرور الوقت معها، وبدل أن تتلبسنا حالة مضنيّة من الحزن ساحبة أرواحنا نحو متاهات من الألم حولنا تلك الطّاقة المهدرة إلى نافذة نطلّ منها على ذواتنا المكسورة بعين الرّحمة.

أن نحاول فهم حالة عصيّة على الشّرح للمحيطين بنا وأن نتقبل الفقدان كنهاية قاسية لا يعني أن نتجاوز الحزن كردّ فعل طبيعي ضد حالة عنيفة من الأسى لكن أن نتعلم فلسفة جديدة في الحزن وأن نستدعي لذلك أدوات غير تقليدية كنوع من محاربة رتابة التّوحّد في الألم، مالذي كنّا سنجنيه فكريًا وروحياً لو نبكي دون مساءلة أنفسنا وإعادة ترتيب دواخلنا أو أنْ نختار العزلة دون أن نمنحنا للحظات صافية من التّأمل أو أن نذوب كشمعة بسبب الألم المهدور دون أن ندرك غاياته بوعيّ، ماذا لو قررنا أن نتخلص من هذه العادات السّلبية واستبدلناها بعادات أقل قسوة تدفعنا لتعرف علينا من جديد كأن نرقص بدل البكاء مثلما فعل زوربا حين مات إبنه في لحظة مفعمة بالدهشة تتزاوج فيها انكسارات الروح مع انحناءات الجسد، أو اقبلنا على ذاكرتنا نتصفّحها بينهمٍ شديد كما يفعل عاشق الكتب مع كتبه ومع كل تصفّح لها نتصالح مع ما كنّاه وبدل أن نهر ب من تلك التّفاصيل التي صنعت يومًا سعادتنا تعايشنا معها، ماذا لو دخلنا في نوبة ضحك هسترية كمضاد للبشاعة، ومقاومة سليمة لعدوّ تستهويه الأنّفس الضّعيفة

يتشّبه الفقد بحالة مؤلمة من الإنسلاخ إذ نغادر ذاتًا كانت تسكننا كنا نضّبط مواعيد الحياة على إيقاع حركاتها وأنفاسها ثم دون سابق إنذار تخلف عالمنا فارغا منها، هذه اللّحظة المفصلية تدّفعنا للوقوع في حالة موجعة من الفراغ كموت بطيء تستسلم فيه أرواحنا لألم مجهول غير مفهوم، صحيح أنّ حالة الحزن هي حالة معقدة كتفاعل كيميائي صعبٌ على التّفكيك تتداخل فيه مشاعر غريبة ومتناقضة، وصحيح أن اللّحظات الأولى التي نتلقى فيها نبأ فقدان أحد أحبتنا تشبه الذّبح الذي يجعل الشّاه تتخبط دون أن تتمكن من تخليص نفسها أو كمن يحاول المشي حافياً على طريق كله أشواك دون أن يتمكن من تجفيف دمّه لكن العقل المدّرك يعي أنّ لا مجال للهرب نحو حلول تُطيل أمد الوجع دون الإستفادة من تلك اللّحظات بالغة الألم، يبدو الأمر شيزوفرنياً لكن يمكننا أن نرى الأمور من زاوية أخرى تجعلها أكثر بساطة رغم عمقها فمادمنا مجبرين على المشي في طريق محفوفة بالوجع لم لا نكون نداً لأحزاننا وجنوداً شجعاناً في معركتنا ضد النّسيان كأن نقبل على هذا التّغير الطّارئ في حياتنا كما يقبل العابد على إلهه، ثمة تكمن اللّذّة، لذّة الوعيّ بالذات والأشياء.

دموع الوعيّ أو ردّات فعل

لم تكن تجارب البشر نحو نسيان آلامهم وأوجاعهم إلّا رحلة مجهدة وفارقة في مسيراتهم الحياتية لكنها ضرورة للاستمرار بالوهج ذاته أو ربّما أكثر،في هذه الرّحلة يصبح الحزن على من خسرناهم مهما كان شكل الخسارة أو أي نوع أخر من الألم الروحي هو ملح الحياة، ولأن الدّموع شكل من أشكال التّعبير عن الإنكسار الذي تعيشه النفس المتألمة فأول ما تلجأ إليه لتنفيس عن وجعها هو البكاء كحالة بافلوفية عادية وأمام هذا ا المنعكس الشّرطي علينا أن نتساءل إن كنّنا نعي

أي حاجة توفرها لنا الدموع فثمّة دموع تمنح النفس راحة وأخرى تمنح النفس معرفة بأغوارها فيتحول البكاء من عملية تنفيس إلى

لحظة ينطلق فيها العقل بالتفكير العميق متجاوزا مسكنات البكاء الاولى، في هده اللّحظة سنتعلم أن تعامل مع البكاء على أنه خلاصنا النفسي صلاة تطهرنا من الأعماق وتسديد للذنوب الروح، فالدموع هي المطر الذي يغسل ذواتنا المتعبة بالخدلان والخيبات والخيانات والانكسارات وقلة الحيلة ... ومع كل عملية تنظيف لجراحنا تنار ظلمة قلوبنا على راي جبران خليل جبران.

نحن نبكي في لحظات مماثلة لأننا ندرك ما يبكينا ولكن قد تواصل أرواحنا البكاء دون سبب واضح، وقد نشك للحظة أننا متعبين فقط وأن كل ما يحيط بنا يتألم لسبب واحد ولأن الدموع هذه الحالة المتعلقة بمزاج القلب والتي لازال الإنسان ضعيف أمام قوتها، هي انعكاس خفي ينبعث من أعماقنا كلما بكينا أصبحنا أكثر حقيقة وأكثر شفافية ومعرفة بمواضع جراحنا لأ ن الإنسان يمكن أن يخفي حزنه حين يبتسم وهذه حالة مضللّة لكنه لا يمكن أن يكون سعيداً وهو يبكي حزناً حتى لو ادعى ذلك، في تلك اللحظة التي تبدأ أمطار قلوبنا بالهطول دون سبب مفهوم يبدأ تشكيل الوعي والإقتراب من النّفس دون حجاب لحظة الوعيّ هذه هي لحظة المعرفة المقدسة التي تمكننا من فهم ما يحدث داخلنا على حقيقته لهذا أجدني أميل لإميل سيوران حين أعتبر أنّ البكاء دون سبب واضح هو لحظة فهم كل شيء هذه اللحظة المقدسة من معرفة الذات تدفّعنا

أن نتعرف على الحياة بمنظور آخر ونقترب للإنسان ولأنفسنا بشكل أفضل ذاك أن المعاناة والألم ليستا في الحقيقة الّا طريقنا نحو معرفة الحياة وطريقنا نحو النّضج

حسب نيتشه إذ أنه ينفي نضْجاً دون ألم ومعاناة بل أنّه يعتقد أنّ سعادتنا تجاور ألما.

تقبل المحنة والتصالح مع فكرة أن نحب ألمنا مهما اختلفت أسبابه هو عمق الوعي بالذات، فالذات الواعية تفهم أن الأشياء تعرف بنقيضها بل أن متعتها مرتبطة ارتباطاً قوياً بنقيضها هذه المتلازمة بين الألم والمتعة هي من تجعلنا ننظر لأنفسنا بعين الرضى ذلك أن لا متعة في الحياة دون ألم على راي نيتشه ومن أراد كمية من المتعة عليه أن يتقبل أيضا كمية من الألم تقبلنا للألم يعني أن نقبل على الحياة وأسرارها.

الحزن ولادة قيصرية..

في رحلة الإنتصار على الحزن نحن نأمل أن نخلق من جديد متخلصين من أعباء آلام الماضي

نحن إذن أمام عملية قتل ذاتٍ منهزمة لنخلق أخرى منتصرة تقبل على الحياة بمفاهيم جديدة واعية ولأنّ الحياة ترتكز على مبدأ الاضمحلال فنحن بكلّ ما نعيشه لا نشذّ عن هذه القاعدة يبدأ ألمنا كبيراً ثم يتناقص ونحن نشيعه لمثواه الأخير نكون قد ولدنا من جديد وسندفع ورءانا تلك الأوجاع كذكرى بعيدة والتي لم تكن في الحقيقة إلّا آلام مخاض لولادة جديدة.

 

سماعلي كريمة الجزائر

 

 

سلس نجيب ياسينفي المقال سنسعى لتبسيط مفهوم البرمجة اللغوية العصبية وكذا التطرق لبعض الشروح والامثلة التي تساعد الانسان لفهم الامر طالما انه متعلق بحياته اليومية والشخصية بشكل عام وخاص وبداية وجب التنبيه ان العقل الباطن والواعي او الشعور والاشعور هما عاملان مهمان في العملية ضف الى ذلك قوة العقل والتمييز والادراك والفهم ولنبسط الامر اكثر لا باس ان نرفق الشرح بمثال: فالانسان مثلا اثناء عمله يقول لك لم اعد استطيع اكمال العمل يلزمني كاس قهوة رغم انه تناولها في الصباح الا انه اقنع عقله الباطن انها منشطة ومساعدة على اكمال العمل ومن دونها لا يستطيع ولكن قبل ذلك تم الامر على مستوى العقل والتفكير حيث انه ادرك ان تنا ولها مريح منشط مساعد على العمل وولابد له من فنجان اخر ابان العمل وهنا بالتكرار والادراك والمعلومة ما على العقل الباطن الا ان يسلم ويصدق الامر سواء اكان صحيحا او خطا وهذا فقط على سبيل المثال طالما ان القهوة لها تاثيرات منشطة ولربما اعتماد عضوي ولذلك ممكن ان تفهم وتغير المثال باخر . لن اتركك هكذا ساوضح اكثر في الثانوية وفي اول الحصص عند استاذ الرياضيات سال زميل صديقه لماذا لا تشوش هل انت خائف من الاستاذ اجاب الاخر بلا فقط اريد ان اتظاهر باني تلميذ مجتهد طيب ولا اشوش ريثما تمر بعض الحصص واعود للتشويش لكي لا يتبادر ابدا في ذهن الاستاذ اني ان صاحب المشاغب

فالتلميذ اراد ان يبرمج عقل الاستاذ على ا نه طيب ومنظبط حيث ان ملف ذلك التلميذ في العقل الباطن للاستاذ سيعدو غير متقبل مثلا انه هو صاحب المقلب او التشويش ومن هنا اجابه زميله الاخر انا ايضا سوف اقوم بالواجبات المنزلية التي يعطيها لنا لفترة ثم اترك الامر لكي لا يتبادر في ذهنه ابدا اني اتركها ولما اقول له نسيت فقط التمرين في المنزل في الكراس الاخر. سيصدقني مباشرة وهي العملية هكذا لا اكثر ولااقل فالحرص على الامر وراقب برنامجك اللغوي العصبي لاته مع مرور الوقت سيتحول الى حقائق او مسلمات تعيش بها في حياتك ولذا فان الادراك والسؤال والتعلم وتجديد المكتسبات والبحث عن الحقائق وتحدي الذات امر مهم في تحررك من الرواسب الخاطئة

 

بقلم الكاتب: سلس نجيب ياسين

 

 

محمد عبد الكريم يوسفربما كانت تسمية الأورويلية تنطبق على كل شيء مؤرق ونكدي في هذه الحياة فعندما تطلق التسمية على شخص ما فإنك بالتأكيد لا تمتدحه بل توجه النقد اللاذع لأنك تصفه بالظلم والاستبداد والمراقبة والقمع رغم أن جورج أورويل كاتب عبقري في منتهى اللطف والأدب . لقد أتت رواية 1984 التي كتبها الرجل لترسم خطوطا عريضة لدولة المستقبل وكأنه نبوءة مكتوبة بين جنبات كتاب جميل . على سبيل المثال لا الحصر، شاهد طيار في الايطالية للطيران في يوم من الأيام طائرة من دون طيار تحلق في الجو قرب مطار جي كي أف وغيرها كثيرا من النبوءات المستقبلية التي تحققت في المستقبل القريب وخلال فترة لا تتجاوز العشرين عاما . رواية 1984 مليئة بالكوابيس والتجسس وكميرات المراقبة على مدار الساعة ويبدو أن الرواية دليل عمل للسياسيين والمخترعين ورواد التكنولوجيا العالية .

ومن بين كوابيس جورج أورويل المستقبلية والتي تحقق معظمها يمكن أن نذكر:

المراقبة بالكميرات في كل مكان :

في عام 2003 زرت مدينة لاهاي في زيارة قصيرة استمرت عشرة أيام عمل وكنت ضيفا في إحدى الفنادق القريبة من محكمة العدل الدولية وكانت صدمتي على أشدها لرؤية كميرات المراقبة في كل مكان وأكثر ما أدهشني وجود كميرات المراقبة في السويت الذي أقيم فيه وعلى الجدار لافتة أنيقة تقول :" لسلامتك وسلامة الفندق المكان مراقب بالكميرات". هنا لا وجود للخصوصية بحجة السلامة . في رواية 1984 يبدأ جورج أورويل بهذا الكابوس وبدءا من نهاية التسعينات وحتى الآن ازدهرت صناعة الكميرات والكميرات الرقمية والمدمجة والمخفية وحاليا ينتشر الغبار الذكي الذي يعتدي على أقصى درجات الخصوصية وصارت كميرات المراقبة بأشكالها المختلفة جزءا طبيعيا من حياتنا في المنازل والبنوك والمكاتب والشوارع والزوايا وأمام البنايات والمحلات وربما كانت مدينة لندن رمزا للمراقبة الدائمة على مدار الساعة في كل مكان . تتحجج الحكومات والمؤسسات العامة والخاصة بأنها تركب الكميرات في كل مكان تحسبا لشيء ما قد يحدث. في زمن جورج أوريل كانت الحديث عن كميرات المراقبة نوعا من قصص الخيال العلمي ومصدر الفكاهة والمتعة. أما اليوم وفي أقل من عشرين عاما صارت حقيقة دامغة بل ويتفنن صناع الكميرات والمراقبة بأساليب مبتكرة لمراقبة كل شيء عن بعد وعلى مدار الساعة .

اعادة كتابة التاريخ وفق ما يحلو للحكومات :

تقترح رواية 1984 وجود وزارة للحقيقة تعيد كتابة التاريخ وفق ما يحلو للحلفاء خلف المحيط وهذا ينطبق على العالم اليوم . فتاريخنا مليء بالقصص العبثية الكاذبة حيث تؤلف وسائل الاعلام الغربية والأمريكية القصص والأكاذيب والتلفيق والمغالطات المنطقية لتشويه صورة أعداء الغرب والدول الأخرى التي لا تسير في ركاب الولايات المتحدة الأمريكية وربما كانت الحرب على سورية خير دليل على الأسطول المخيف من وسائل الاعلام المتنوعة والمتخصصة في صناعة الأخبار وتصدير الموت لهذا البلد الصغير المسالم بهدف تدميره وتدمير قيم شعبه، وعلينا أن نقارن توجهات الإعلام الأمريكي نحو كوريا الشمالية قبل وبعد اللقاء بين الرئيس الأمريكي والرئيس الكوري الشمالي ويستمر الاعلام الغربي في تطوير أساليبه في اعادة كتابة التاريخ بدءا من رحلة كريستوفر كولمبوس المعروفة . لم تكن فكرة وزارة الحقيقة إلا تورية صادقة لوزارات الكذب التي انتشرت في العالم خلال الخمسين سنة التي تلت كتابة رواية 1984.

التفكير المزدوج :

وصفت رواية 1984 التفكير المزدوج على أصوله ووصفت الحالة البشرية الحكومية والفردية التي تجري في هذا الكون . فالكيل بمكيالين من سمات العصر القادم والقراءة بين السطور أهم بكثير من الوضوح في المعنى وصرنا ندرّس أولادنا طرائق استنباط المعاني التي لا يتجرأ الكاتب على قولها علنا خوفا من المقصلة أو مقص الرقيب . وقد تنبأت الرواية أن يصير التفكير المزدوج جزءا من الحياة المستقبلية القادمة وجزءا من الحياة السياسية في كل البلدان وكيف يصير تفسير القوانين والتشريعات مناقضا لنصوصها إذ ستصدر قوانين تمس الحياة العامة وستفرغها التعليمات التنفيذية من مضمونها ويمكن أن نؤكد أنه خلال السنوات العشرين الماضية ساهمت اتفاقية السماء النظيفة في زيادة التلوث الكوني وسمحت المبادرة الدولية للحفاظ على الغابات في تدمير الغابات وزيادة القطع المقونن أما القوانين التي تحافظ على الحياة البرية في الكثير من دول العالم فقد سمحت بتدمير الحياة البرية كما ساهمت الاتفاقيات الدولية لحماية التراث الثقافي العالمي في تدمير العديد من المواقع الأثرية وسهلت عمليات السطو والسرقة والتدمير بدءا من تمثال بوذا في أفغانستان وانتهاء بالأثار في سورية حيث قامت المجموعات الإرهابية ومشغلوها بتدمير كل المواقع الأثرية التي تمكنوا من الوصول إليها .

الشاشات العملاقة والمشاهدة عن بعد:

يمكن أن نذكر أن الشاشات العملاقة والمشاهدة عن بعد والتجسس بالأقمار الصناعية والتصوير الجوي والاعتداء على الخصوصية أحدى العناصر المزعجة والكوابيس المقلقة في رواية 1984 لأن الأخ الأكبر يراقب كل شيء وكل شخص من خلف المحيط عبر الأقمار الصناعية . يقوم الأخ الأكبر بالتجسس على الثروات الباطنية والذهب الموجود لدى الأخرين من دون علمهم ويتجسس على مكالماتهم وبريدهم الالكتروني وحاليا يشجع الحوكمة الإلكترونية ليصبح كل شيء في متناول يده . وتنتشر حاليا الكميرات عبر الشبكة والغبار الذكي في كل مكان يريده الأخ الأكبر بحيث يستطيع أن يعلم كل ما يجري حوله على مدار الساعة وأنت لا حول لك ولا قوة .

الخرق الفاضح والمستمر للخصوصية

بكل تأكيد ليس هذا العنوان مزحة . فأنت وأنا في متناول أجهزة مكتب التحقيقيات الفيدرالي تتجسس على المكالمات الهاتفية وتسجلها وتأخذ نسخا من الايميلات والفاكسات على مدار الساعة وتراقب الأرض والشوارع وتحركات الجيوش وتستقرئ المستقبل من دون اعتبار للحرمات أو الخصوصية وهي تتجسس بنوع من العمل المحترف على الأعداء والأصدقاء ومن دون المعرفة أو الأذن من الآخرين .

هذه مجموعة بسيطة من الكوابيس التي أتت بها رواية 1984 والحكاية مستمرة في سباق محموم نحو التكنولوجيا والتكنولوجيا العالية ونحن أشبه ما نكون بالفراشة التي تنبهر بنور الشمعة لتسرع وتنتحر فيه .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

فراس تاجيكثيرة هي الاسماء التي مرت بذاكرة سريع وتجنّى القدر ببعثرتها في ذاكرته المهشمة، لكنه نسي احداثاً ذات اهمية قصوى تتعلق بمصير اناس وذكريات تدخل من باب الاهتمام الجمعي لمدينة شهيرة كالبصرة، وأحياء لها طابعها الخاص الذي يشكل انعطافات عادة يؤكدها التاريخ وينظر لها رؤية المسجل الدقيق . فمثلاً عندما يسمع باسم الداكير تتبارى صور بيوتات الحي وواجهاته الجميلة بالطابوق العسلي اللون، وأبوابها الساجية اللميعة وشناشيلها الخشبية بتلك النوافذ المقطعة طولياً بالاسياخ المعدنية مثلما يتذكر وجوه جميلات كن يرفلن على اديم شوارعه وأزقته وقد تباهين بسمرة مليحة جعلت صديقة الملاية تترنم بـ يا صياد السمج صد لي بنية " .

فمن الاسماء التي رسخت في حفريات رأس سريع ولم تدركها معاول التهشيم في مملكة دماغه كان فاروق السامر الذي يعده من اصدقائه القدامى وله معه لقاءات لابد للأدب من عدم تجاهلها . اهمها ذلك الاعتراف من السامر بأنه سيكون كاتباً له شأن كبير في مسيرة الادب، وان ما يكتبه ناتج عن موهبة عظمى سيأتيها الحظ يوماً ليجعلها تنعم بالشهرة وترتقي إلى مصافي الابداع المميز .

مرَّ على صورة قصي الخفاجي، وقال : هذا سميي في العذاب . اراد ان يقول " أنا وقصي اكلنا من صحن الابداع معا وذقنا مرارة الاعتقال ما جعله كاتباً شهيراً يكتب عن الفقراء والمهمشين في عطفات البصرة وازقتها المعتمة بالظلال والخثرة الزنخة، وجعلني ممن يتعلقون بالمكان فيكتب عن رائحته ومنابته وانفاس من عاشوا ورحلوا او غيبوا رغما عنهم فخلفوا طموحاتهم وأمانيهم معلقة في الفراغ ... أراد أن يقول هذا لكنه نسي لماذا حدث لهما ما حدث، ومن تجنى في احداث ذلك ؟

أما عن محمد خضير فيذكر أن اول قصة كتبها وكان فرحاً بإتمامها فنشرها في صحيفة عربية وقد كتب بعد العنوان: "إلى معلمي الاول" وفاءً منه لأنه احب خضير حبا جما وأكل من مائدة ثرائه أكلا لمَّا .. وكان الرجل يشد على يده ويقول له :" طالما انطلقت عليك مواصلة الجري، فمن صمم وصل ."

ويذكر سريع انه طرق يوماً على باب محمود البريكان فاستقبله الرجل استقبال الكرماء ؛ لكن سريع وجده حزيناً . ولمّا استفسر عن سبب حزنه أعلمه انه سيقتل بعد ايام، وان حزنه ليس لأنه سيموت إنما لانَّ القاتل سيسرق كل ما كتبه فلا يخرجه على ملأ القراء ليسقيهم عسل شعره، وأنَّ القاتل سيحرق بعودِ ثقابٍ وفوّهةِ حقد يشبه حقدَ حاكم متجبِّرٍ في معاقبة معارضٍ يقف له بالمرصاد تراثاً احتفظ به ليكون ارثا للعالمين .

ولولا احتفاظ صديق طفولته باسم القطران بها لكانت من عداد النسيان واحدى خطايا الجلطة التي ضربت دماغه ورمته يشعر بصداعٍ قاهرٍ كلَّما ركَّزَ في أمرِ حدثٍ يريد استعادته فيصيبه الشده ... ثم يسقط في بئر الاحباط، فيغرق بأمواه الفشل .

 

فراس تاجي- البصرة

 

لم أكن أعلم انني في يوم ما سأكتب شعراً تملأ كلماتُه نفسي، بعد أن كنت أقف كلّ يوم خميس في ساحة المدرسة وانا في الصّف الخامس الابتدائي مع مجموعة رافعي العلم، بعدها اقرأ ما احفظ من شعر او قصيدة، ولم تكن غير:

(إذا الشّعبُ يوماً أراد الحياة .. فلابد أن يستجيب القدر) كانت هذه القصيدة ضمن ما مطلوب حفظه من المنهج الدراسي . لم اعرف الشّابي، ولا اين تقع تونس حينها على خارطة الوطن العربي؛ أمّا اليوم فلديّ من الأصدقاء هناك ما لا أقدرُ على إحصائه .

كان الشّعرُ عصياً عليًّ حفظه؛ فمع حبي للجواهري كنت أعاني جداً من حفظ ما مطلوب مني وانا اخوض غمار دراستي املاً في إنهاء الثانوية بسلامة بعيداً عن إعادةِ سنةٍ جديدة، ومجال تخصصي في الفرع العلميّ وليس أدبياً !

حتى أشعاري لم استطع حفظها بعد أن كتبتها؛ والى يومنا هذا، ومع كل هذه المعاناة أجدني احياناً احفظ الشعر منذ الوهلة الاولى لقراءته، ما سرُّ هذا التباين؟ لا اعرف .

منذ صغري حفظت لقباني اشعاراً كثيرة، وللسّياب، والمتنبي . اتعجّبُ كيف تدخل تلك الكلمات بلا استئذان الى عقلي، وتحفظها ذاكرتي، وتكمن هناك بلا قطيعة، لكني نسيت كلّ ما حفظتهُ أثناء دراستي، ولم يبقَ الاّ ما كان خارج المنهج احياناً كثيرة .

ذات مرة طَلبَ استاذنا ممتحناً؛ ان نكتب سبعةَ أبياتٍ مما نحفظ لابي الطيب المتنبي؛ كنت احفظ من المقرّر سبعة ابيات بالتّمام، والكمال؛ لكني احفظ من ذاكرتي اكثر؛ فكتبت أثنين وعشرين بيتاً، لماذا فعلت ذلك؟ قد يكون السبب هو إثارة إعجاب استاذي الذي لم يتوانَ بمنحي أعلى درجة نهاية العام الدراسي، فكانت أول درجة امتيازٍ لي، ولعله هو المطلوب حينها .

كانت اشعارُ الثّورة، والحب تتملّكني، ولا حدودَ لها؛ الثورة على الواقع، وعلى الوجدان، وحتى على الاحلام . لم احفظ لنازك، ولا للبياتي حتى هذه اللحظة شيئاً، لكني معهما أجدُ نفسي أعانق خيالاتي، واهيم مع نسائم الحياة . حفظتُ انشودةَ المطر للسيّاب لاني أحبه، وأحبّها، وما زلت الى الآن أتصورُ نفسي ذلك العاشق الذي ينظرُ للأعلى أملاً بإشارةٍ، أو ابتسامةٍ رقيقة من محبوبته، او أتعلّقُ بقطعةٍ صغيرة من الورق فيها مكتوبٌ : أحبك، أو أعشقك، أو انت حبيبي الذي لا انساه .

حفظت بيتين للجواهري :

حييّتُ سفْحكِ عن بعدٍ فحييني ..

يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ ..

حييتُ سفحكِ ظمآناً الوذ به ..

لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطّينِ

لكني اقف مبهوراً جامداً امام ما كَتب؛ كانّي جالس بينه، وبين المتنبي مستمعاً لحوارٍ قلّما اعرف تفسيرَ معانيه؛ لكني أذوب في سحره، وبيانه .

أسماءٌ كثيرة؛ كنجومِ السّماء، أو شُهبٍ تتساقط كل حين امام ناظري، والمدهشُ انّ أولَ كتابَ شعرٍ قرأته كان للشّاعر بابلو نيرودا الذي ذكّرني قوله بعد مقتل صديقه رئيس تشيلي سلفادور الليندي برصاص عسكرِ الانقلاب البينوشيتي حين هجم على بيته العسكر يفتشون عن السلاح لانه صديق الرئيس، ولمّا سئل عن السلاح قال : شعري هو سلاحي .. بقيت هذه الكلمات عالقة في ذهني؛ حقاً هو سلاحٌ جميلٌ وخطير .

ومع هذا لم أكنْ أعرف نيرودا، ولا الليندي الا بعد موت الشاعر وهو يقول كلماتَه الاخيرة :

إن تلك الشخصية (سلفادور الليندي) المجيدة، الميتة، كانت تمضي وهي مخرّقة برصاص رشّاشات عساكر تشيلي؛ الذين خانوا تشيلي مرة اخرى. لكنّي لم احفظ من شعره سوى صورة البطولة، والثورة، والحرية؛ مع أنّي لم أكن يسارياً، أو يمينياً، وطالما قرأتُ في نهاري الأدبَ الروسيّ، وفي ليلي أتهجّدُ بدعاءٍ الى الآن أردّدهُ :

(اللهمّ إنّا نرغبُ اليكَ في دولةٍ كريمةٍ تخلّصنا فيها من الظّالمين) .

حتى في محراب صلواتي أتذكّرُ الشعرَ الشهيد؛ المضمّخة دماؤه بلونها الأحمر، وانا لا احبُّ كل ثوبٍ أحمر، ٱلاّ راياتِ الشّهادة، وبطولةَ الأبطال، وعلم بلادي والصّرخات الحمراء المدويّة ضدَ العنف،والاستغلال، واستعبادِ البشرِ أينما كانوا .

أمّا محمّد مفتاح الفيتوري، شاعر الحرية السوداني، فما تزال الى الآن اصداءُ كلماتِه التي رسخَت، وتعمّقت تناغيني : الملايينُ افاقت من كراها .. ما تراها .. ملأ الافقَ صداها ....

ومحمود درويش وهو يوقّعُ وثيقته الشخصيّة : أنا عربي .. ورقمُ بطاقتي خمسون ألف .. اطفالي ثمانية ..وتاسعهم سيأتي بعد صيف .

هذه الصور المتّقدة لم تعلق بالذّاكرة فقط، لكنها ترسخت في اللا شعور، او ما يسمّى العقلُ الباطن، ومتى ما أحتجتُ اليها فإنها تقفزُ أمامي كدليلٍ للسّائحين لا يفارقُ الجماعةَ خوفاً من الضّياع، لذلك ربما حفِظَتْها الذاكرةُ بلا تعبِ الحفظ .

كذلك لم يكن لعبد المحسن الكاظمي، او محمد مهدي البصير؛ عملاقا الشعر والفصاحة نصيبٌ من الحفظ، وهما لم يفارقا دراستنا اينما كنّا . وإن كان الشعر حجازياً، او يمنياً؛ لكنّ بناءه، وكمالَ عذوبته، وجمالَ سحره، وبيانه إستقرّ عراقياً بدون منازع الى الحين باعتراف الجميع؛ لذلك لم يكن غريباً عندما تطفو كلُّ الأشعار وتسبحُ في عقلي، وروحي، وذاكرتي لشعراء عراقيين، وكأنهم بالفطرة ولدوا هكذا، وجُبلوا بالشّعر، وقد تكون هذه الحقيقة . حتى كتّاب الشعر العاميّ (الشّعبي) لا يجاريهم أحدٌ فيما يكتبون، وكأنهم ينفثون سحرَهم الأخّاذ بين الكلمات؛ ليصنعوا مجدَها وعُلاها، والاسماءُ لا تُحصى .

مما أعشقه من الشّعر كلمات الغزل، وكتبْتُ ما أحسبه اجمل غزليّاتي حين اشتعلت حربُ الثمان سنوات؛ فكانت ملآذي ألآمن وانا اكتبُ بعيداً عن كلّ شيء، لئلا تقعَ إحدى القصائدَ بيد العيون الماكرة آنذاك، وأقبعُ بعدها خلف أبوابٍ من حديدٍ لا يُعرفُ لونه، فكان الغزل هو حارسي الأمين الذي فارقني الآن بعد أن ذهبَ في إجازة طويلةٍ، ربما بلا رجعة، لان الورد يعشق الماء، وأنا الآن بين ظلالٍ من لهبٍ لا يلحفُني وحدي، بل هناك ملايين مثلي تبحث عن ظِلٍّ آمن غيره، ولم تجد !

لم اكن أعلم انّ للشعر طقوساً، ومواسمَ كغيره من الكتابة الاّ بعد سنواتٍ من البعد والقطيعة، لكنها ما كانت طلاقاً خلعيّاً مؤبداً؛ إنما كان طلاقاً رجعيّاً؛ عِدّتُه جيلٌ كامل؛ فلو تزوجَتْ إحدى قصائدي وقتئذ لأنجبتْ الآن أطفالاً وأراهم تلاميذَ مدرسة.

مارستُ طقوسي من جديد بهدوءٍ مع الوانٍ تهبها لي الطبيعة تارةً، وأحياناً يهبها ظلمُ الانسان لأخيه الانسان، وارسم بها لوحاتي ساعةَ يحينُ اللقاء، أو يدقّ ناقوسُ الأرواحِ العطشى للحروف.

لم تعُد الجميلاتُ ما اطمح اليه من وصفهنَّ؛ فالجمال ليس ابداً وجهُ امراةٍ، او جسدٌ يترقرق بين القلب، والعينين . فالشعرُ له شهوة خاصّة مفضوحة، وليس لها حياء، ولا تخشى أقسى العقوبات، أمّا شهواتي فقد انحرفت صوبَ الورود، وصباها، وندى الصّباح، وأريجَ زينته، وكلَّ اوراقِ الأشجار، وما تحملُ من ألوان .

بسمةُ طفلٍ صغيرٍ، او جذائلُ طفلة جميلة تدهشُ خلجاتي لصفائها، ونقائها، أو ترجعني لذكرياتٍ لم أرَ مثلها في حياتي حين كنتُ صغيراً، وحياتي اليوم كقطارٍ يكادُ يخرجُ عن محلِ سيره، ويهوي في مكانٍ سحيقٍ لا يعرفُ قراراً، او زمناً للرحيل رغمَ الاستعدادِ والتأهّب .

أسئلةٌ شتّى تراودني كثيراً : مَنْ منّا أوصل رسالتَه بما تحملُ من جُملٍ تخلو من تعقيد؟ مَن مازال الى الآن يلهثُ خلف سرابٍ من ضوءٍ متشتت؟ من انتصفَ من نفسه قبل ان يقولَ وداعاً؟

اكملتُ كلَّ عباراتِ رسالتي الاّ سطرين قربَ الهامش، كي أذيّلُها بتوقيعٍ استنبطه مع آخر كلمةٍ، حتى لا يتكرّرُ بينَ يديَّ مرةً ثانية، فقد يضيع القلم، او لا تقوى أصابعي على إمساكِه، لأنّ الأمور غالباً ما تخرجُ من بين أيدينا ونحن ننظرُ بدهشةٍ ولا نعرفُ ماذا نفعل، أمّا أنتم أصدقائي فلا أعرفُ ماذا تضمِرون، او ماذا ستكون رسائلُكُم، ولعلّي مِن هوسِ الشّعرِ، وذكرياته أوجّه أسئلتي مُجبِراً من لا يسعى لإجابةٍ أبداً، او لا يحبّذ سماعَها منّي، او من غيري، أن يعود الى نفسه ..

 

سعد الساعدي .. شاعر واعلامي عراقي