خلق الله سبحانه وتعالى الناس أجناسا وألونا وعقائد مختلفة فجعلهم شعوبا وقبائل لكي يتعارفوا قال سبحانه: (إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولقد جعل سبحانه وتعالى التقوى ميزانا للتكريم الإلهي، وأنها المقياس الأهم في تحقيق وحدة الغاية عند بني البشر على اختلافهم، كما انها من أسباب حسن المعيشة وازدهارها حين قال سبحانه: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء) .

إن التقوى من أهم الآليات التي تضمن سعادة الدارين، وتضمحل معها أسباب التمايز بمختلف أنواعه وأصنافه، غير أن مشيئة المولى سبحانه لم تقتض هداية الناس أجمعين قال جل شأنه: (فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) .

من هنا فقد أناط سبحانه  بالإنسان  مهمة اختيار الطريق المُنجّي من غيره، وأعطاه مساحة فكرية واسعة في ذلك، قال سبحانه: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا)، وقال جل وعلى: (وهديناه النجدين)، فكان من الطبيعي أن يختلف الناس مع أنهم خُلقوا أمة واحدة كما أكد ذلك سبحانه بقوله:

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)، وهو ما يكشف عن حقيقة أن الناس وُلدوا متفقين على الفطرة، بالتالي فالإختلاف إنما هو من جهة الإنسان، وكانت مهمة الأنبياء هو قطع دابر الاختلاف، الذي نما شيئا فشيئا حتى أصبح جزءا من تكوينه بسبب خروجه عن هدي السماء ومخالفته الأنبياء.

بالتالي فالقرآن بصدد تقرير أن الإختلاف في واقعه إختلاف عقائدي، الأمر الذي ترتب عليه فيما بعد وبتدخل مباشر من الإنسان نفسه، نزاع على حساب الدين واللون والجنس والإنتماء، ولطالما كان من نتائجه الوخيمة تلك الصور القاتمة من القتل والتهجير والإلغاء والإقصاء التي مُنى منها الوجود البشري منذ أن وقعت أول جريمة اقترفها قابيل بحق أخيه هابيل، والى يومنا هذا.

وكيفما يكن الأمر فقد أصبح الإختلاف بين الناس  منذ القدم  سمة بارزة، وقلما تجد مجتمعا، يخلو منه ؛لذا فقد سعى الشرع الحنيف الى حفظ الجنس البشري من خلال خلق وتفعيل الآليات، التي تحقق التوازن الإنساني داخل المجتمع المسلم، وتحول دون تفاقم خطورة الإختلاف ووصوله الى حدود النزاع والإقتتال، عبْر تقريره لمبدأ التعايش السلمي  بين مختلف المكونات التي تدين بأديان وتوجهات عقائدية مختلفة  الذي يضمن أسباب التقارب، بل والتوادد والتحابب، كما يحفظ حقوق الجميع من غير غمْط أو تجاوز.

والواقع إن المجتمع الإسلامي  في تقدير الباحث  أحوج من غيره الى تطبيق مبدأ التعايش السلمي للأسباب الآتية:

أولا: أنه ضم في تركيبته الإجتماعية  منذ الأيام الأولى لوضع الأسس الأولى للدولة الإسلامية على يد النبي (صلى الله عليه وآله)  أبناء الأديان الأخرى من النصارى واليهود وغيرهم من الذين كانوا يقطنون البلاد الإسلامية قبل مجيء الإسلام.

ثانيا: نسْخ الإسلام لما سواه من الأديان، وتصريح الخطاب السماوي بأنه المُلزم بالإتباع دون غيره من الأديان السماوية الأخرى، حيث قال سبحانه: (إن الدين عند الله الإسلام)، وقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)  هذا في قبال آيات أخرى تؤكد على حرية اتخاذ الإنسان أي دين، كالآيات المتقدمة، وكقوله تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، ومقتضى الجمع بين معاني تلك الآيات يفضي الى العمل بمبدأ التعايش السلمي، إذا كان الوسط الإسلامي يضم في كنفه غير المسلمين.

ثالثا: أن من أهم نتائج تفعيل مبدأ التعايش السلمي هو كف أذى غير المسلمين، وتجنب بعض دواعي عدم الإستقرار، المتمثلة بالمؤامرات التي يحوكها أعداء الإسلام، مستغلين الفجوة العقائدية بين المسلمين وغيرهم.

إن مبدأ التعايش يمثل نظرية اجتماعية تعكس الجانب الإنساني للخطاب الديني من جهة، وتكشف، عن البعد الأخلاقي للمنظور الإسلامي، الذي يبيّن عالمية الدين الإسلامي، وأنه شرْع ينفتح على جميع المكونات الإنسانية، بما هي إنسانية بغض النظر عن الإنتماء الديني أو الميل العقائدي من جهة أخرى.

ويمكن القول إن ديمومة الوجود الإنساني وقوامه في أمرين: هما الجانب الإقتصادي والجانب الإجتماعي.

أما الجانب الأول فقد تكلف الباري سبحانه بتغطيته، حين وزّع الثروات بأنواعها في باطن الأرض وظاهرها، وأعطى للإنسان الآليات العقلية والبدنية القادرة على استخدام تلكم الثروات، وتوظيفها والإستفادة منها.

أما بخصوص الجانب الثاني فإن المولى سبحانه أنزل الشرائع وبعث الأنبياء (عليهم السلام) لتنظيمه، ثم أنه دفع الإنسان وأهمه لتأسيس بعض النظم التي من شأنها حفظ النظام الإجتماعي، ويقع مبدأ التعايش السلمي على رأس لائحة النظم التي يُراد منها حفْظ النظام والنوع البشري من آفة النزاع، التي لا تقل خطرا عن آفة الفقر التي قد تدفع الإنسان ليقتل أخيه الإنسان من أجل الحصول على فرصة البقاء.

خلاصة القول إن مبدأ التعايش السلمي يمثّل إحدى الأدوات التي اعتمدها الدين الإسلامي ليس للتقارب مع الآخر فحسب، بل الى دعوته لاعتناق الشرع الحنيف، لما ينطوي عليه هذا المبدأ من نزعة إنسانية تستحق الإحترام والتبجيل.

 

م.م.  ابتهاج عباس احمد

 

معراج احمد الندويالقصة وسيلة من أهم الوسائل التوجيهية في حياة الإنسان، والنفس الإنسانية تلعب دورا كبيرا في يقظة الفكرية والعقلية، وتحتل المركز الأول في الأساليب الفكرية المؤثرة في عقل الإنسان. تصور القصة الحياة نفسها في جميع دقائقها ولحظاتها وتجعلنا نحيا التجربة النفسية الواحدة في نطاق أوسع وأفق أرحب إذ تطرق أبواب تفكيرنا ومشاعرنا وتسمو بخيالنا وتأملاتنا.

القصة هي حكاية تقوم على الأحداث والصراع والعقدة والحل والشخوص والزمان والمكان بهدف الإمتاع والتسلية والتعليم وتوسيع المدارك، وتعتبر القصة وسيلةً مهمةً من وسائل التعلم والتعليم وإيصال المعلومات والسلوكيات والقيم المرغوب بها، فهي عبارة عن منظومة مركبة من شخصيات وأحداث وحبكة وحلول تجذب انتباه المستمعين.

تمثل القصة خبرات وتجارب ومشاعر وأحداث الإنسان التي مرّ بها في حياته سواء الواقعية منها أو تلك التي من إبداع التخيل الانساني. تمتاز القصة بأنها تصور جوانب عديدة من الحياة. فهي تعرض الأشخاص وتصورهم بحركاتهم وأفكارهم واتجاهاتهم وأخلاقهم. حينما يتابع القارئ أحداث قصة ما ويولي اهتماماً خاصاً بالأشخاص والأحداث التي تدور بينهم، فإنه يتوصل إلى تحليل نفسي لكل شخصية من الأشخاص فيعرف ما تفكر فيه هذه الشخصية.

التربية النفسية هي تثقيف الأشخاص الذين يعانون من حالة صحية عقلية. وفي أغلب الأحيان يتضمن التدريب التربوي النفسي الأشخاص الذين يعانون من الفصام والاكتئاب واضطرابات القلق وأمراض الذهان واضطريبات الشخصية. التربية عبارة عن مجموعة من العمليّات التي يتم من خلالها نقل المعلومات والمعارف والخبرات المكتسبة من شخصٍ لآخر ومن جيل إلى جيل من أجل المحافظة على بقائه، وتخضع هذه العمليّة إلى التطوّر والنمو والتغيّر تبعاً لتغيّر الظروف، ثم تنقسم التربية إلى التربية الجسديّة والدينيّة والنفسيّة والتربية الاجتماعيّة. وللتربية دور كبير في بناء شخصيّة الفرد وتكوينها بشكلٍ كاملٍ من جميع الجهات الشخصيّة والجسديّة والنفسيّة وتحقيق التوازن بين جميع هذه الصفات.

إن العقل البشري مبرمج ليستقبل أنماطا متتابعة لأحداث القصص ويخزنها في الذاكرة طويلة المدى، وعليه فإن العقل معالج فعّال للقصص الحقيقية والخيالية، إذ تعتبر القصص طريقة مثالية لتعزيز القيم وتطوير الشخصية، لأنها هي أدوات تعليمية ممتازة لمعالجة عواطفهم الجياشة ومشاعرهم. والقصة تربي على الاعتداد بالنفس والجرأة والشجاعة والصدق وحب الخير للآخرين والانضباط عند الغضب.

تتضمن القصص الكثير من الأمثلة والحكمة والمواعظ، ولها أنواع كثيرة حسب الموضوع أو الغاية كالدينية والخوارق والإنتقاد الاجتماعي وقصص الحيوانات والقصص الفكاهية وهناك ما هي خاصة بالاطفال وأخرى للكبار، إلا أن العديد منها يعبر عن قضايا واقعية تتمثل في الفقر والعدل والحرية. إن القصة تعبر عامة عن فلسفة بسيطة لا تعقيد فيها وتكون بمثابة فهم الانسان فهما أولياً في أثناء بحثه عن التأقلم مع الواقع ورغبته في تحقيق الراحة والاستقرار. كذلك تتميز بقدرتها على التأثير والتزود بخبرات وتجارب وثقافات تمس وجدان الفرد وتمنحه الاحساس بالانتماء للجماعة والانسجام معها، وكذلك تمنح القصة الاحساس بالأمان والشعور بأن سلوكياتهم متفقة مع المفاهيم السائدة.

لاشك في أن القصة من الفنون القديمة التي استخدمت على مر العصور لأغراض كثيرة ، وكان لها وقعها الكبير على المستمع بحيث صارت تشكل جزءاً مهماً من الثقافة لكل مجتمع وكل أمة، وذلك لأنها تحكي عن واقع أو عن طريقة تفكير حتى في مسألة الخيال والتخيل، فإنها تعكس نوعا من الثقافة التي يعيشها أي مجتمع. وإذا كان هذا حال القصة فإنها تكون وسيلة كبيرة في تثقيف أي مجتمع أو أي شخص بالأفكار.

ولا تزال القصة وعلى مر الزمن عنصر جذبٍ واهتمامٍ كبير للصغار والكبار على حد سواء، ومادة قيّمة لنقل الأفكار والقيم وتسلية للنفوس مع تحقيق الأهداف المبتغاة، وهي تخاطب اللاشعور في الإنسان وتحاكي وجدانه من حيث يشعر بذلك أم لا يشعر فإنها تخزن في عقله الأفكار. فالقصة وسيلة من الوسائل التربية النفسية سواء أكان قيما دينية أم وأخلاقية أم توجيهات سلوكيات أم اجتماعية.

ولا تزال القصة هي فارس الميدان الأول في وسائل التربية والتوجيه، ولها دور رئيسي في قدرتها على التأثير والتزويد بخبرات وتجارب وثقافات تمس وجدان الفرد وتمنحه الاحساس بالانتماء للجماعة والانسجام معها. هكذا تساهم القصة في مساندة الإنسان في التعلم وإكتساب القيم الاخلاقي.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

 

عبد الله الفيفيجاء في كتاب "ما تلحن فيه العامَّة"، المنسوب إلى (الكسائي، -189هـ)(1): "وتقول: وَدِدْتُ أَنِّي في منزلي، بكسر الدَّال الأُولى.  قال بعض الأعراب:

أُحِبُّ بُنَيَّتي ووَدِدْتُ أَنِّي ... حَفَرْتُ لها بِرابِيَةٍ قُبَيْرا!"

وعلَّق محقِّق الكتاب في الحاشية، لمزيد فائدة!:

"...قبله مقطوعةٌ لشاعرٍ آخَر، نصُّها:

أُحِبُّ بُنَيَّتي ووَدِدْتُ أَنِّي ... دَفَنْتُ بُنَيَّتي في جَوْفِ لَحْدِ

فإِمَّا أَنْ أُزَوِّجَها غَنِيًّا ...... فأَبْقَى عِنْدَهُ [مِنْ شِبْهِ] عَبْدِ

وإِمَّا أَنْ أُزَوِّجَها فَقِيْرًا .... فتَبْقَى عِنْدَهُ والهَمُّ عِنْدِي

وإِمَّا أَنْ أُزَوِّجَها سَفِيْهًا ... فيَلْعَنَ والدِيْ ويَسُبَّ جَدِّي

سَأَلْتُ اللهَ يَأْخُذُها قَريبًا ... ولَوْ كانتْ أَعَزَّ النَّاسِ عِنْدِي!"

يُساق هذا، في كتب اللغة العربيَّة، توقِّيًا للحن العامَّة.  ولكن ماذا عن لحن الخاصَّة؟ لحن الثقافة، والدِّين، والقِيَم، والإنسانيَّة؟! لا اكتراث بذلك كلِّه! بل إنك لو تتبَّعت نشر هذا الغثاء، لوجدت أنه يُتداوَل بوصفه شِعرًا ظريفًا، فضلًا عن أنه شاهدٌ لغويٌّ مهمٌّ، لولاه ما وجد اللغويُّون شاهدًا على كسر دال "ودِدتُ" الأُولى! إنه- في حقيقة الأمر- شاهدٌ على ثقافة وأد البنات، قبل أيِّ شيءٍ آخَر. وإذا كان هذا لدَى مثل ذلك الأعرابي المنسوبة إليه الأبيات- إنْ صحَّ أنه أعرابيٌّ، ولعلَّه من أهل الجاهليَّة- فلقد امتدَّ الأمر إلى ما بعد الإسلام، وعاش إلى ذُروة الحضارة الإسلاميَّة، في العصر العبَّاسي، متردِّدًا على ألسنة كبار الشعراء إذ ذاك، مثل (البحتري)، و(أبي العلاء المعرِّي)، وغيرهما.(2)

أمرٌ طَبَعيٌّ أن تكون في الذَّكَر نزعةٌ ذكوريَّة، وفي الأنثَى نزعةٌ أُنوثيَّة، تلك سُنَّة الله في كونه.  بل رُبَّ امرأةٍ بدتْ أكثر ذكوريَّة من رجل!  وإنَّما المعيب أن تتحوَّل النزعتان إلى عنصريَّةٍ وظُلمٍ للطَّرَف الآخَر.

-2-

إن المرأة وحقوقها سماءٌ رفيعةٌ جِدًّا، لا يُتوقَّع الاكتراث ببرقها ورعدها، ما دامت الأرض ما انفكَّت دون ذلك بكثير.  على أن الخطاب النسويَّ في عالمنا العربي يبدو بدوره خائضًا في ضربٍ ممَّا كان يُنعَت بالتعبير الشعبي: "حكي الحريم"! أي حديث النساء، الذي لا يخرج من هموم المرأة الخاصَّة إلى غيرها.  موادُّ صحفيَّة، وموادُّ تُسمَّى أدبيَّة، لا تخرج عن هذه العقليَّة، وإنْ تقمَّصت لغةً تُظهِر الثقافة. مئات الكاتبات لا همَّ لهنَّ إلَّا البكاء على المرأة، وقضاياها، ومظلوميَّاتها من الرجل، في مقالاتهن، ورواياتهن، وقصصهن، وشِعرهن. بل منهنَّ مَن لا بضاعة لديها غير هذه أصلًا؛ لأنها لم تكتب قط وفي جعبتها غير هذه الموضوعات، لا معرفيًّا، ولا أدبيًّا. ولنا أن نتخيَّل لو أن الرجال في المقابل انكبُّوا على الحديث عن الذكورة في أعمالهم، وتفرَّغوا للشكوَى من النساء وكيدهنَّ العظيم، أيُّ مجتمعٍ إنسانيٍّ مريضٍ سنكون، وأيُّ خطابٍ مشوَّهٍ سنُنتِج؟! حينما تُردِّد المرأة (النسويَّة) نقمتها على (الذكوريَّة) وقيمها، فهي- غالبًا- إنَّما تتبنَّى فكرًا متطرِّفًا مضادًّا، من حيث إن القضيَّة هنا هي قضيَّة فكرٍ وتربيةٍ اجتماعيَّة، لا قضيَّة جِنسٍ ونوع. والذَّكَر نفسه هو ضحيَّة ذلك الفِكر وتلك التربية، كالمرأة تمامًا. بل إن الذَّكَر ضحيَّة فِكر المرأة وتربيتها قبل أيِّ ثقافةٍ أخرى! أ وليست المرأة أُمَّ المجتمع، من ذَكَرٍ وأنثى؟! 

وفي بعض مجتمعاتنا العربيَّة المعاصرة، والمتخلِّفة قيميًّا، فإن رجلًا، إذا أراد أن يَشْتُم آخَر، قال له: "يا ابن المَرَة/ المرأة!" أوهناك من ليس بابن امرأة؟! إنَّما هو الازدراء المريض للمرأة! وعلى المرأة، إذن، أن تتساءل عن فكرة (الأُموميَّة) التربويَّة، التي تُنتِج تلك العقول والنفوس، لا أن تعلِّق آثامها- دائمًا- على فكرة (الذكوريَّة).

-3-

قد يقول قائل: أعطوا النساء حقوقهنَّ، ينتهي الخطاب النِّسوي، فما هو سِوَى تعبيرٍ عن هضم حقوق المرأة! بَيْدَ أن هذه الحُجَّة غير صحيحةٍ، في كلِّ الأحوال. بدليل أن الحركة النِّسويَّة feminism، (أو نظريَّة المساواة بين الجنسَين)، هي حركة عالميَّة، في الغرب قبل الشرق، وما كوادرها العربيَّة والإسلاميَّة إلَّا أصداء، كأصداء أُخرى هنا لأصوات هناك.  ونظريَّة المساواة بين الذَّكَر والأنثى هي، بمفهومها السطحيِّ الرائج، مضادَّةٌ لفكرة "الاختلاف"، والاختلاف مكوِّنٌ بنيويٌّ، طبيعيًّا وحضاريًّا.  وهذا سلوكٌ من التفكير ظلَّ يعطي المبرِّر للعقليَّة الذُّكوريَّة، في المقابل.  ففي الثقافة العربيَّة، مثلًا، نجد خطابًا يرى العقل ذُكوريًّا.  يومئ إليه قول الشاعر (أبي تمَّام)(3):

تَصْدَا بِها الأَفهامُ بَعدَ صِقالِها ... وتَرُدُّ ذُكرانَ العُقولِ إِناثا

كما يقول (أبو الطيِّب المتنبِّي)(4)، في هجاء (كافور الإخشيدي):

لَقَد كُنتُ أَحسِبُ قَبلَ الخَصِيِّ ... أَنَّ الرُؤوسَ مَقَرُّ النُّهَى

فَلَمَّا نَظَرتُ إِلى عَقلِهِ ... رَأَيتُ النُّهَى كُلَّها في الخُصَى

وما أشبه الليلة بالبارحة!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

........................................

(1) (1982)، تحقيق: رمضان عبدالتوَّاب (القاهرة: مكتبة الخانجي، الرياض: دار الرفاعي)، 106.

(2) انظر كتابي: (2006)، نقد القِيَم: مقارباتٌ تخطيطيَّة لمنهاجٍ عِلْميٍّ جديد، (بيروت: الانتشار العربي)، 93- 95.

(3) (1987)، ديوان أبي تمَّام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عزام (القاهرة: دار المعارف)، 1: 322/ 36.

(4) (د.ت)، شرح ديوان المتنبِّي، وضعه: عبد الرحمن البرقوقي (بيروت: دار الكتاب العربي)، 1: 166.

 

ابراهيم مشارةفيما مضى كان الكاتب يقرأ مئة كتاب ليكتب فقرة، أما اليوم فبعضهم يقرأ فقرة ليكتب مئة كتاب.

**                                                          

يبدو أن الأدب بشعره ونثره لم يعد سوى "ماركة"  في عصر السرعة  وحمى الربح  مثل الجينز والهمبورجر وعطور إيف سان لوران وإلا ما هذه الكثرة للجوائز الشهرية والنصف سنوية  والسنوية ولكثرة التتويج ثم نسيان كثير من  هذه الأعمال المتوجة؟ في حين لا تنسى  سارة،ولا الأيام ولا الثلاثية ولا طواحين بيروت....

**                                                            

هل صار بعض المتأدبين اليوم مثل المغنيين أولئك الذين يعوضون فقر الحنجرة بالآلات العصرية والضحالة الثقافية الفنية بصور زوجاتهم أو معجباتهم أو أعياد ميلادهم أو كلابهم ..، البحث عن الشهرة بأي ثمن ولو على حساب القضايا المصيرية ،السعي إلى الجوائز، الأحقاد والوشايات والنمائم والمكائد  هل صارت دنيا الأدب مثل حمام للنساء؟

**                                                         

كثيرات من النساء مبدعات في الشعر والنثر وبعض  منهن أيضا لا حظ لهن ولذا يستعضن عن الإبداع الحقيقي بوضع صورهن الجميلة  وفي وضعيات غريبة نوعا ما على أغلفة الدواوين والروايات لذا لا تجد ما يثيرك  غير الغلاف.

**                                                        

كثيرون يرفضون القصيدة العمودية وكثيرون يرفضون الأدب القديم :الشعر تمدح والنثر تكلف وأسجاع مجرد أقول يلوكونها دون دراسة جادة للأدب القديم ،من حقك أن ترفض بعد أن تدرس لكن أن ترفض دون أن تدرس تلك هي الحماقة من يفعل ذلك كمن يبني عمارة قد تكون شاهقة لكنها مبنية  على الفراغ  تنهار أمام رعشة رقيقة للنسيم.

**                                                        

الكتابة مغامرة  في حقل ألغام أولها التكفير وثانيها التعهير وثالثها التخوين، إن انتقدت المتدينين أو شكلا للتفكير الديني فأنت ملحد ،وإن كتبت عن التحرش فأنت متعهر وإن انتقدت النظام فأنت خائن للوطن.

**                                                         

الكتابة قضاء وقدر مثل الحب والموت.                                                                                   

**                                                          

في وطن ينزف فسادا وطغيانا وانحلالا يحس الكاتب أن الغزل مفردا مثلا خيانة للقضية  لذا لا يمكن المرور إلى المرأة إلا عبر انكسارات الوطن وأعظم قصائد الخيبات السياسية مقدماتها خيبات عاطفية .

**                                                        

قد يصبح الواحد كاتبا مشهورا لكن الأهم أن يحافظ على نفس المركز وعلى عدد القراء  هذا يتوقف على الموهبة أولا والرصيد  ثانيا والصبر ثالثا  والإخلاص رابعا وما تبقى لا يهم.

**                                                       

السقوط في عالم الثقافة كالانهيار في سوق البورصة والمضاربات ، بعض القضايا الوطنية والقومية تسقطك وبالضربة القاضية، مكاسب وإغراءات النظام ، التطبيع، فلسطين ،العراق ....

**                                                       

دعائم الكتابة هكذا: الموهبة والرصيد  والصبر والإخلاص وعدم الطمع مما في يد الدنيا .

إذا صح منك الود فالكل هين** وكل الذي فوق التراب تراب

 

ابراهيم مشارة

 

صالح الرزوقبقلم: جوشوا بودويل

ترجمة: صالح الرزوق

في أيار عام 1967 قامت دار بلاك سبارو في لوس أنجليس بإدارة جون مارتن بطباعة أول كتبها على نطاق تجاري: وهو مجموعة شعرية لـ “رون لوينسون” بعنوان (الآخر). وقد مضى نصف قرن على ذلك المنعطف الهام والذي يتصف بالطموح والإصرار. وسريعا ما تدفقت أعمال استثنائية لشالز بوكوفسكي الذي أصبح كاتبا معروفا على نطاق دولي، وتبعه ظهور أعمال أسست شهرة لكتابها مثل: بول بولز وجون فانتي. وركزت الدار على الشعر الطليعي للشباب المتمردين في ويست كوست، وعلى الموجة المعروفة باسم “نهضة سان فرانسيسكو”، و“أدباء جامعة بلاك ماونتن” (الجبل الأسود). وقبل عام من صدور “الآخر”، باع مارتن ما لديه من أعمال الطبعة الأولى لـ د هـ لورنس بمبلغ 50.000 دولار لتوفير النقود اللازمة لبداية نشاطه. وفي ربيع 1966 أطلق منشورات بلاك سبارو بإمكانيات بسيطة جدا: أربعة منشورات بلا صور (أوراق كبيرة مطبوعة على وجه واحد)، وكل منها بثلاثين نسخة.

 وحملت المنشورات 4 قصائد  لبوكوفسكي - وهي “قصة حقيقية”، “الخروج لاستلام الرسالة”، “تقبيل اليرقات قبل النوم”، و“البنات”. وقد شجعه مارتن بذلك على المشاركة في الدخول بمتاهة بلاك سبارو. وبين نشر هذه المنشورات في ربيع 1966 ونشر “الآخر” في ربيع 1967، أطلقت بلاك سبارو تسعة أعمال جديدة، وكانت بمجموعها  نشرات أو كتيبات صغيرة بعدد قليل من النسخ (1). بعضها نتيجة عمل يدوي قامت به زوجة مارتن باربارا، والتي ستصبح في النهاية المصممة الأساسية لدار النشر، وستضع أسس جماليات بصرية متميزة ستلتزم بها بلاك سبارو لعقود متوالية.  وخلال العام الأول، غمر مارتن السرور لأن الكاتب الذي ينشره أثبت أن لديه إمكانيات للتواصل مع جماهير عريضة. وهكذا وضع خطة للكتاب الذين سوف ينشر لهم- وعزم على نشر مجموعات شعرية كاملة بعدد أكبر من النسخ. ولتحقيق خطته، احتاج مارتن لمطبعة يمكنها أن ترتفع إلى مستوى توقعاته العالية بالجودة وبالإمكانيات. وبدعوة من بوب هولي - وهو طالب سابق كان في جامعة بلاك ماونتن وانتقل إلى كاليفورنيا، وتحول إلى تاجر كتب، وشارك في تأسيس منشورات أويز - سافر مارتن من لوس أنجليس إلى سان فرانسيسكو ليقابل مدير مطبعة غراهام ماكنتوش. وحالف مارتن الحظ وغادر ماكنتوش ومعه مخطوطة “الآخر” التي وضعها لوينسون. وكان هذا التعاون الأول بين مارتن وماكنتوش علامة فارقة منذ البداية وستتطور إلى علاقة طويلة وهامة في مسيرة منشورات بلاك سبارو.

كان غراهام ماكنتوش يظهر في مطبعة دار النشر وسيجارة تتدلى من بين شفتيه، مع شيء أقوى من القهوة في فنجان قهوته. وكان زملاؤه العاملون بالنشر يسمونه “الناشر السفاح”. ولكن في نهاية الخمسينات أصبح لماكنتوش سمعة في سان فرانسيسكو وأوكلاند، وكان معروفا بموهبته الفطرية كمصمم طباعة وناشر. ومنذ 1962 وحتى 1972 أسس منشورات وايت رابيت، وهي دار نشرت عددا من الشعراء مثل روبرت دانكان وجاك سبايسر، وكذلك المجموعة الثانية لريشارد بروتيغان وهي “المسافر من الجليل” الصادرة عام 1958(2). ونقل ماكنتوش مهارته العملية لسول وليليان من خلال منشورات بلانتين الأسطورية، وكذلك خلال عدة سنوات من الشراكة مع منشورات نويل يونغ في كابرا. وبعد تصميم وطباعة “الآخر” استمرت شراكة مارتن/ ماكنتوش بالتعمق. وفي بواكير السبعينات، تشارك الاثنان على تأسيس مطبعة، وطبع ماكنتوش أغلفة وعناوين بلاك سبارو بخط أسود (و كذلك بعض الصفحات الداخلية) حتى تقاعد الرجلان عام 2002. وتوفي ماكنتوش في 2015 عن عمر يبلغ 80 عاما.

وعندما قبل مارتن مخطوطة “الآخر”  كان صوت رون لوينسون هو الأشهر في حركة نهضة سان فرانسيسكو. ومجموعته الأولى “البطيخ الأحمر” الصادرة عام 1959 كانت قد صدرت عن دار طوطم أميري بركة وتصدرتها مقدمة بقلم ألان غنسبيرغ. كان لوينسون صديقا مقربا من ريشارد بروتيغان، واشترك الاثنان بسكنى شقة في عام 1963 ، وتعاونا بتحرير ونشر عدد يتيم من مجلة “تبدل”. وسيهدي بروتيغان لاحقا “صيد سمكة التروتة في أمريكا” لزميله بالسابق بالسكنى. وبصدور “الآخر” في أيار 1967 (3)، كان لوينسون قد نشر كتيبا رقيقا آخر جاء بعد “البطيخ الأحمر” وضمه دونالد ألين لكتابه المؤثر “الشعر الأمريكي الجديد 1945 - 1960” الصادر عن منشورات غروف عام 1960.

“الآخر” - والعنوان مقتبس من مقولة سارتر  “الآخرون هم الجحيم” - ظهر بطبعة تجارية دون توقيع وبـ 500 نسخة، وست وعشرين نسخة مغلفة بأغلفة ورق مقوى، ومرقمة من A  إلى Z، موقعة بيد لوينسون. كانت المجموعة رقيقة - 63 صفحة - وبغلافها اللماع والمطبوعة بلونين (أحمر وأسود)، لم يكن من السهل التعرف على أنها من إصدارات بلاك سبارو. وكان لـ “الآخر” ميزة نادرا ما تراها في كتب بلاك سبارو: وهي كلمات  الغلاف الأخير، وكانت لروبيرت كريلي ووليام كارلوس وليامز.  وعلى الغلاف الأمامي للـ “الآخر”صفة نادرة أيضا هي: العصفور الأسود الصغير المرسوم بريشة باربارا مارتن، وكان يظهر أحيانا على صفحة الغلاف ولكن غالبا تجده على الغلاف الأخير للكتاب، وفوق اسم الناشر. كانت “الآخر” هي الإصدار الثاني الذي حملت كلمات  تعريف من الناشر. ويلاحظ  أنصار بلاك سبارو المعاصرون  كيف كان العصفور يبدو مستديرا عام 1967. وكانت نسخة العصفور المطبوعة على “الآخر”  هي المستخدمة منذ 1967 حتى أعيد تصميمها عام 1969و ظهرت لأول مرة على  “لو تكلمنا” لبوكوفسكي، وهو كتيب رقيق بخياطة يدوية وكان هو الإصدار السنوي الخاص بالعام الجديد والمقدم هدية لأصدقاء دار النشر. وفي بواكير 1972، أعيد تصميم صورة العصفور لمرة ثالثة وأخيرة، وظهر لأول مرة على مجموعة “العصفور الساخر يتمنى لي الحظ الطيب” لبوكوفسكي. 

منذ البداية، أصبح  من المعروف وبسرعة أن بلاك سبارو تهتم بالتعريف بالكتاب وليس نشر الكتب فقط. وقد أتبعت الدار كتاب “الآخر” للوينسون بـ ” الخطوة” له أيضا وذلك عام 1968. وأظهرت المجموعة حركة أساسية باتجاه جماليات بصرية ستتبناها الدار في المستقبل. فقد اهتمت بالغلاف، وبالورق الأصفر السميك وحروف الطباعة الحمر الناصعة. و اهتم بالتصميم والطباعة ماكنتوش في سان فرانسيسكو. ونشرت مجموعة “الخطوة” بورق لف   875-750 وبـ 125 نسخة مغلفة بورق مقوى.

في عام 1972 تابع بلاك سبارو نشر لوينسون وأصدر له “الأوراق” بطبعة من ورق اللف 1226- 1000 وبـ 200 غلاف سميك، و26 غلاف يدوي من ورق مقوى ومرقمة وموقعة من المؤلف. ولكن تلك الطبعة الرقيقة التي بلغ عدد صفحاتها 27 صفحة كانت أنيقة وناعمة بكل المقاييس. أصبحت قصائد”الأوراق”  جزءا من مجموعة لوينسون الكاملة والتي بلغ حجمها 145 صفحة وصدرت لاحقا بعنوان “رقصات المعزى”.  وبنمو منشورات بلاك سبارو على نطاق تجاري أصبحت تصدر بعدد أكبر من الصفحات. وتابع ماكنتوش تطوير مطبعته ورفدها بأعمال لاحقة للوينسون.  وأصدر “رقصات المعزى” عام 1976 بطبعة من ورق لف 1725 - 1500، و200 غلاف سميك، و26 غلاف يدوي من ورق مقوى، وكانت مرقمة وموقعة من المؤلف. وحملت المجموعة كل علامات بلاك سبارو التي أصبحت معروفة عند القراء: الأناقة، الحروف الطباعية على الغلاف والورق الأبيض  ذي الأطراف الثقيلة واللون الأخضر، وصفحة العنوان الملونة، مع غلاف أخير يخلو من أي كتابة. وكانت “رقصة المعزى” للوينسون آخر منشوراته في بلاك سبارو (4). لكنه لاحقا نشر روايتين: حقول مغناطيسية (نوبف،1983)، وأين تبدأ كل السلالم (منشورات أتلانتيك مانثلي، 1987). وانشغل  بالتدريس في جامعة كالفورنيا - بيركلي منذ 1970 حتى 2004، ثم توفي عام 2014.

وبعد نشر “الآخر” للوينسون بنسختها التجارية الأولى في أيار 1967،بدأ بلاك سبارو بتطورات ملحوظة وأساسية. بالإضافة لنشر مجموعات لروبرت كريلي ودينيس ليفيرتوف، أطلق اأول طبعة تجارية لكتاب سيصبحون غزيري الانتاج مثل روبرت كيلي ودايان واكوسكي. وفي نيسان 1968 نشر بلاك سبارو أول مجموعة كاملة لبوكوفسكي وهي: في شارع الرعب وطريق العذاب. في تلك الفترة القصيرة التي لا تبلغ سنة كاملة، نشر بلاك سبارو عشرين كتابا وكتيبا. وحقق مارتن هذا النجاح مع أنه كان يعمل في مكتب أعمال تنفيذية من 7.30 صباحا وحتى 6 مساء، ثم بعد العشاء، يتابع عمله في مكاتب بلاك سبارو حتى 2 من صباح اليوم التالي. وكان يهتم طوال يوم السبت والأحد بالنشر. وأثمر هذا البرنامج الحافل: في الفترة الممتدة بين أول أربع إصدارات لبوكوفسكي من نيسان 1966 وحتى نيسان 1976  عن إصدار بلاك سبارو 234 مادة  والتأسيس  لسمعة طيبة بمقاييس إنتاج عالية المستوى حازت على ثقة القراء. وأصدر مارتن “منشورا” خاصا بكتبه المبكرة، وهو عبارة عن إعلان من ورقة واحدة مطبوعة بعدة ألوان على ورق ممتاز، ويتضمن قصيدة كاملة من مجموعة ستصدر لاحقا.

وقد قال مارتن عام 1981 في وصف التوزيع المباشر لـ “نشرة” بلاك سبارو:”هكذا فعلتها. فعلتها بإنتاج مادة كانت جذابة وتبعها كتاب، وهذا الكتاب عندما وصل للقراء، لم يخيب آمالهم” (5).

في عام 2002 تقاعد جون مارتن بعد ست وثلاثين عاما من رعاية بلاك سبارو. وهو الآن في عامه السابع والثمانين، ولا يزال على قيد الحياة في سانتا روزا، كاليفورنيا. وهو ثالث مكان أدار منه مطبعته (بعد لوس أنجليس وسانتا باربارا). وقبيل التقاعد، باع مارتن إلى إيكو بوكس حقوق نشر تسعة وأربعين كتابا من إصدارات بلاك سبارو، وهي من مؤلفات بول بولز، وبوكوفسكي، وجون فانتي (وأيضا خمس مجلدات غير منشورة لبوكوفسكي).

أما بقية مصنفات بلاك سبارو فهي مستمرة باسم كتب بلاك سبارو، وترعاها دار نشر مكانها بوسطن ويديرها دافيد ر. غودين. وأعادت الدار نشر كلاسيكيات بلاك سبارو مثل مؤلفات لوسيا بيرلين وإيلين مايلز، وأصدرت مجموعات جديدة لكتاب من بلاك سبارو مثل واندا كولمان وروبرت كيلي.  وأعاد عدد من العناوين الجديدة في بلاك سباو  تعريف القراء بكتاب مغمورين مثل دانييل فوشس، والذي أصدر “الغرب الذهبي” مع مقدمة لجون أبدايك، ثم روايات بروكلين مع مقدمة لجوناثان ليثيم. وتابعت الدار اكتشاف وترويج المواهب الجديدة. وفي الشهور القليلة الماضية، نشرت خامس روايات الكاتب دونالد بريكينريدج المقيم في بروكلين. وهي “وثم”. وكذلك أصدرت أول روايات الكاتبة راشيل ناجيلبيرغ من ويست كوست بعنوان “الجدار الخامس”.

بعد مرور نصف قرن على “الآخر” لرون لوينسون، تواصل بلاك سبارو أسلوبها المعروف بالنشر الذي يرتكز على تحدي المصاعب وتحريض الأفكار. وكما قال جون مارتن نفسه ذات مرة: “هذا ما يفتح شهيتي فعلا للنشر - أن أكون قادرا على تبديل اتجاه التفكير والرأي العام. وأن أضع غير المنظور والعابر في مجال النظر. وهذا هو ما نعمل عليه”.

 

.....................

هوامش:

1- مجموعة برنارد فرويست “لا أعني أن لا ترى” وهي كتيب من 12 صفحة بطول 4.5 بوصة وعرض 3.5 بوصة. وظهرت بطبعة من 75 نسخة. وكانت أول بوادر مسيرة “سبارو” للنشر.

2- بعد عام من تصميم وطباعة “الآخر” أصدر ماكنتوش عمل ريشارد بروتينغان الشهير “من فضلك ازرع هذا الكتاب”، وهو مغلف يحتوي على أكياس فيها ثماني أنواع من البذور، وكل منها تحمل قصيدة مطبوعة على الغلاف الأمامي.

3- كان لوينسون عام 1967 شاعرا مشغولا. وفي أيار وفي وقت نشر “الآخر” أطلقت منشورات وحيد القرن التي يديرها ألان برليانت وجيفري سورينسون الكتيب 3 للوينسون وهو بشكل رسالة من 8 صفحات بعنوان: “دراما الباحة الخلفية مع ماما” وذلك بطبعة من 400 نسخة بمناسبة أمسية أقامها الشاعر في مكتبة وحيد القرن في سانتا باربارا. وفي تلك السنة نفسها، أصدرت منشورات كرانيوم في سان فرانسيسكو منشورات مصورة لقصيدة لوينسون “التفاخر”، وهي ترنيمة عن التبول في الهواء الطلق.

4- بالإضافة إلى مجموعة لوينسون الأساسية، أصدرت بلاك سبارو كتيبات صغيرة ولكنها أنيقة لنفس الشاعر وهي:

الكذب معا، تدوير الرأس وتعديل الوزن، منطقة الإنتاج وأماكن غيرها، تحريك - قصيدة ربيعية/ تموز 1967. 5 صفحات، 125 نسخة موقعة بخياطة يدوية وعلى ورق لف.

البحر من حولنا / آب 68. 8 صفحات، 250 نسخة موقعة بخياطة يدوية على ورق لف، 50 نسخة موقعة ومغلفة بورق على ورق مقوى مع كعب من القماش.

مسرحية وقصيدتان/ كانون الأول 1968. 21 صفحة، 226 نسخة بخياطة يدوية على ورق لف، 100 نسخة موقعة مع توقيعات المشاركين الثلاث، بمن فيهم لوينسون وروبرت كيلي ودايان واكوسكي، وهذا الكتيب صدر بمناسبة عيد الميلاد هدية من الناشر لأصدقاء المطبعة.

ثماني حكايات خرافية/ تشرين الثاني 1975. 16 صفحة. 1220 نسخة غير موقعة ومغلفة بكعب مقوى.

وهذا هو العدد #38 من سبارو، مجلة شهرية تقدم تجربة كاتب بمفرده، وتطبعها دار بلاك سبارو، وكانت تصدر منذ تشرين الأول 1972 حتى أيلول 1978. صدر منها 72 عددا، وبدأت بالسهوب لروبرت كيلي، وانتهت بـ سنأخذهم لشارلز بوكوفسكي.

5- من “البداية من الصفر: لقاءات مع ناشرين أمريكيين معروفين” لروبرت دانا (مطبوعات جامعة آيوا، 1986). وهو مجموعة من ثماني لقاءات وفيها قراءة مسهبة تفيد كل من يهتم بالناشر المستقبل الذي ظهر بعيد الحرب العالمية 2 في أمريكا.

 

31 أيار 2017

..................

جوشوا بودويل JOSHUA BODWELL المدير التنفيذي لدار ماين رايتير والناشرون المتحدون. يكتب القصة والمقالة.

 

مواقف تمثلت في شاعر، أو شاعر تجمعت فيه مواقف. ذلك الرجل الذي صنع نفسه بنفسه ـ كما يقول الأنكليز. والذي أجاد الصنعة خير الأجادة. تقرأ سيرته فيغلب عليك شعور أنك تتصفح في سفر لامع بتليد المحن وطريف الحيرة. وتفلب فيك أحاسيس تشعرك أمام بنيان شاعرعراقي شامخ الهوية، تخيرت أسسه من لبنات الابداع الشعري الصحيح، وأتخذت قواعده بيئة ترسم من قوائم المعرفة والمواقف الشاخصة الصحيحة. فهو شاعرنا الكبير سعدي يوسف، صاحب المؤلفات الشعرية الشهيرة، والمجلدات المتنوعة الضخمة، والترجمات الذائعة الصيت، وبحسبك تعلم أنه صاحب صوت التمرد المميز، وتفهم الالتزام الإنساني الكبير، وتفهم أي فخر أكسبه العراق. 

عاش الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف في مرحلة تتحدث عن الاستقلال والتحرر من الملكية والديكتاتورية، وعن الاحتلال الأمريكي، وما بعد الاحتلال. لكنه اختار اصطفاءه الاقتراب عن زمانه العراقي، وعن زمن الشعر والمحنة. سعى إلى تحطيم القشور والوجوه وتجارب الشعارات من تجربة الشاهد الفاعل، من أجل استمرار الخوض بتجربة شاعر المعنى والموقف المفسر عن زمانه. أعلن صراحة أنه ضد الأحتلال وضد الديمقراطية الامريكية على جعل  العراق ولاية تابعه للمحتل، وعلى المقولات  الممارسة بتعبيرهم عنه، كما أنه ضد المفكرين والأدباء والفنانين الذين ينطلقون من أقتباس التحرر والديمقراطية والاستشهاد بها تحت ظل الاحتلال، ومن حل نقلهم في "جيوب سراويلهم". وشاعرا فضل شكل الكتابة المقطعية الشعرية أحيانا، والأعتراف بموقفه الضد والصريح بمواجهة كل من جاء أو تعاون مع المحتل، وملهما الشعر الحكمة المقرؤة، وصوت خطاب الإنسان المتماسك، وقلق حكمة الشاعر المختزلة، وشجاعة العراقي الملتزم، على الخطاب المتراصف زورا وزيفا كما هو معروف. مفهمته الحكمة تقتحم شر الأبواق الرخيصة والمؤسسات المأجورة، وحملات الشر المنظمة، تحمل بمفهمته الشعرية ما يعني ذلك، والاخلاص عنده معرفة الأيمان بالإنسان وتحرره، ولا معرفة لديه غير الكلمة، سلاح الشعر وفرح المحبة، عبر الحواس جسدها، بل مثلت كل تجربة من تجارب المنفى العميقة، يصوغها بعبارات الإنسان، العراق، والتحرر.. تجربة حفرت جموح موقفه عبارات دمه، معسولة بمفهمته نخيل العراق وأهل أشواقه المختلفة العنيدة.

الكتابة شغف حضور الشي لصالح موقفه الوطني إنسانية شاعر نحو الأمم، ومن جاز معرفته بالمتمرد الدائم والأخير، شغف حضوره الوطني صريح وواضح، لا احد يتجاهله ولا نسيانه.  أخت به صنعته يبنيها ويبينها، إنها الكلمة، الكتابة التي تهلم فيه زمانه عن الزمان، تعبر عن أنتظار الكائن في المخاض، وهي دون شك، كذلك لا تأتي عبر منظومة غفلات فكرية ـ كما لفقها البعض ـ، أو موازية انفعال عابر، بل ضمنها ترحيل اتصال وانقطاع الكلمات في يومياته، حمية شعرية سعدي يوسف المتماسكة، الكتابة الصافية أستجابة لتلظي كائنيته، وأعتزاليته البصرية تثمره.

الشاعر العراقي..أعتزالي الكبرياء في إنسانيته، تقترب ولا تستبعد، تتداخل ولا تهرب خارج وجودنا الزماني، حضورا عن الزمن، تتداخله المحنة التي تتحدث عن الإنسان الآلم والإرادة الحرة، فكيف مصافحة كلماته، ومعانقته الأبدية في حضن ضمير الإنسان؟ إنه ليس أنطوائي، تغمره رقة عذوبة الصفاء و صلابة الموقف ـ الإنسان الصريح، ووضوح فكر ما يهدف حين يروم الشفاء، عنيد كنخلة، حداثته عين شمس العراق الصافية. سعدي يوسف.. متصوف دنيوي متخلص من صنعة الشعارات ورتوش الماورائية والخرافة. فإذا النشوة آعتلته عنده للعراق حضور كلي في إنسانيته الكونية، نشوة الحضور الكلي يسقها وجد لموضوع. العراق عنده قصيدة؛ صفاءها بهي، حرية لا يشوبها خواء، طوق ثمار نخلة طيبة العمر. وحين يكون هذا الحلم هو المحنة والملحمة، عنده الكلمة لكل شيء، عن العراق كل شيء، فلا درب لاستعادة النشوة الفردوسية الأولى لميلاده البصرة، العشبة العراقية البابلية، تموز، ... و صوته الحزين من خلاصته صنعه عالم حسن وجمال مع الفقراء والكادحين في منفاه. إنه الشاعر العراقي الشامخ، هو الإنسان ـ الموقف أولا، والشاعرـ المركب بمواقفه ثانيا، والحذق الجريء في صوت الشعوب، والحكيم البارز بموقفه الابدبية والابداعية،  والنائي من الخوض خواء متاهات الأزمنة الحالية. أنه الأعتزالي بكبرياء التواضع و الدؤوب بكلمة المحبة.

 

 إشبيليا الجبوري

 

عاطف الدرابسةحين أخرجُ من الخريفِ، وأضعُ حرفي في أوَّلِ الشِّتاءِ، أُحسُّ بأنَّ ما أكتبُه يتيمٌ، يُشبِهني ويُشبِهُ آلافَ النَّاسِ .

أوَّلُ الشِّتاءِ، أزرعُ حروفي في قلوبِكم، تأتيكُم صادقةً ؛ لأنَّ قلبي ينبضُ بصدقٍ وبساطةٍ، وحين أتحدَّثُ عن الحبِّ الذي أحملُه لكم، ولهذا العالمِ، فإنَّ هذا الحبَّ يأتيكُم صادقاً بريئاً، فهو مرتبطٌ على نحوٍ ما بحالةِ اليُتمِ تلك .

في أوَّلِ الشِّتاءِ، تبدو لي المواقدُ امرأةً، مرَّةً تُشبِه أُمِّي، ومرَّةً تُشبِه حبيبتي، وبيني وبين النَّارِ علاقةُ دفءٍ وبرودةٍ في آنٍ .

حين أُواجهُ موقدَ النَّارِ، أُحسُّ بيُتمِي أكثر، وأحسُّ بجسدِي الغائبِ عنِّي منذُ زمنٍ أكثر، فتُحاصرني الأسرارُ، حصارَ العدوِّ، وأشعرُ بأنَّها تحاولُ أن تفلِتَ من صدري، ومن عقلي، لتضعَ نفسَها في قلبِ النَّارِ، وحين يغمرني اللَّيلُ، ويرسمُ صورتَه في أعماقي، يظهرُ على وجهي بشكلٍ مختلفٍ، وكأنَّه يستعيدُ شكلَه القديمَ، حين كان مأوىً لأحلامِ العُشَّاقِ، وقُبَلِ العذارى، ومكرِ السِّياسيِّينَ .

أشعرُ أنِّي بحاجةٍ إلى مصباحٍ لا يُشبه المصابيحَ، يُضيء بشُعلةٍ من أنفاسي، أو بشُعلةٍ من جمرِ روحي، أو بشُعلةٍ من أغصانِ حرفي، حين صارت هذه الأغصانُ حطباً .

وبيني وبين مصباحِ أوَّلِ الشِّتاءِ، علاقةٌ ترتبطُ بقانونِ الجاذبيَّةِ، فحين يرتعشُ جسدي، أو يرتجفُ قلبي، أرى شُعلةَ النَّارِ بين زُجاجِ المصباحِ ترتجفُ، وترتعشُ، كأنَّها تشعرُ بالبردِ مثلي .

حين أدخلُ في أوَّلِ الشِّتاءِ، أشعرُ بعقلي يتخلَّى عنِّي، أو يخذلُني، كلَّما حاولتُ أن أفكَّ غموضَ حالةٍ، أو أُفسِّرَ رمزاً بقصيدةٍ، أو بلوحةٍ، أو بقصةٍ قصيرةٍ، تتوقَّفُ أجهزةُ عقلي عن العملِ تماماً، كأنَّ هذا العقلَ عتيقٌ في العمرِ، لا تُجيدُ أجهزتُه فهمَ ما جرى، وما يجري، ويبدو أنَّه مصابٌ بالجمودِ، يرفضُ أن يعملَ خارجَ اللُّغةِ، أو خارجَ الدِّينِ، أو خارجَ التَّاريخِ، كأنَّه مولعٌ بالقيودِ، ربَّما أنَّه متأثِّرٌ بحكمِ البيئةِ، أو التَّكوينِ بالعقلِ العربيِّ، فهذا العقلُ لديه موقفٌ من التَّغييرِ، أو من التَّجديدِ، أو من الفلسفةِ، أو من المنطقِ، أحاولُ أن أجدَ مُسوِّغاً لذلك، فتقودُني الأسبابُ إلى السُّلطةِ وتجليَّاتِها، فكلُّ العقولِ السُّلطويَّةِ، هي عقولٌ ثابتةٌ، راسخةً رسوخَ جبالِ الشَّراة، أو رسوخَ صخورِ وادي رمٍّ.

كلَّما دخلتُ في أوَّلِ الشِّتاءِ، أُصابُ بحالةِ انفصامٍ، فينقسمُ عقلي نصفينِ : عقلاً بدئيَّاً خالصاً، يستبطنُ وحشيَّةً فيها غُلوٌّ، وهمجيَّةٌ فيها فوضى، ويذهبُ إلى أقصى حالاتِ التَّطرفِ، وعقلاً مثاليَّاً، يتكلَّفُ الفكرةَ، والمعرفةَ، والتَّجددَ، والانعتاقَ، ولكنَّه سرعانَ ما ينحسرُ كانحسارِ اليقينِ، أو الإيمانِ في النَّفسِ، فيعودُ إلى شكلهِ الأوَّلِ: عقلاً متوحشاً همجيَّاً، لا يُفرِّقُ بين الرَّقصِ على إيقاعِ الماءِ، والرَّقصِ مع الدِّماءِ، حين يُؤمِنُ أنَّ الدَّمَ طريقٌ وحيدٌ للحياةِ .

 

د.عاطف الدرابسة

 

"قمة الاحترام لنفسك، ان تبتعد عن صغار العقول"..جورج برناردشو

الاحترام: قيمة عليا وصفة من الصفات الانسانية التي ترقى بصاحبها، وهو على نوعين، احترام مادي ويشمل احترام الانسان لكل مايملك، جسده، ماله، عائلته، واحترام معنوي ويشمل خصوصيته، كرامته، اختياراته، قراراته، وهكذا..

يعتمد احترام الاخرين على احترام الشخص لنفسه، وذلك بدوره يعتمد على تربية الانسان وبيئته الاولى وكم الصفات التي تعلمها من ابويه على مدى سني نشاته وترعره، وماتعلمه وتربى عليه من قيم الفضيلة، والسلوكيات اليومية ابتداءا من القاء التحية، فن الاصغاء، احترام الكبير، احترام الجار، احترام المائدة، احترام الوقت، احترام الموعد، احترام الطقوس والمناسبات، احترام الفقير، احترام الانسان كأنسان، احترام الصديق، احترام البيئة والمجتمع الذي نشا فيه، احترام الوطن، وهكذاتنشا مع الانسان قيمه الانسانية الرفيعة والراقية التي تجعله محترما بين الناس، ويكون الاحترام هو القيمة العليا للمفاضلة.

فلايفرض الانسان احترامه على الاخرين مالم يحترم نفسه اولا، لذا فان اولى خطوات الاحترام تبدأ بالنفس، فاذا مااحترم الانسان نفسه واجتهد بتثقيفها وتهذيبها فانه يكون قد وضع الخطوط العريضة والمحددة لبناء شخصيته التي ستفرض احترامها على الاخرين من باب "الادب"، فليس من المعقول ان يكون الانسان غير محترما، يعاني من اضطرابات سلوكية وانحرافات اخلاقية واجتماعية لاحصرلها، كالغرور، التهكم، العنجهية، الكذب، الخيانة الاستغلال، النصب، استخدام الالفاظ النابية ورفع الصوت-خصوصا في مجال العمل-وفي ذات الوقت يطلب الاحترام من الاخرين، وان حصل عليه فهذا "خوفا"وليس احتراما، ولذافان الابتعاد عن صغار العقول او المصابون "بجنون العظمة"يكون هو الاحترام بذاته.

ان الانسان المحترم يتحلى بدماثة الخلق، الهدوء، الحكمة، الصبر والاناة، الحلم، التواضع، الترفع عن التفاهات وذلك مايجعله محترما بين الناس وتلك اخلاق الانبياء "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك"..ال عمران.158.، تلك اخلاق رسولنا الكريم محمد (ص) واخلاق المسيح (ع) الذي كان يدعوا للمسيئين اليه بالهداية..

ان الانسان وهو يعيش في اي مجتمع تحكمه قبل كل شئ انسانيته، بغض النظر عن اللون والدين والمعتقد، يحكمه التراب الذي ولد منه وسيعود اليه يوما، واحترامه لبني جنسه قائما على ذلك، مقرا ببنوته لادم، "فكلنا لادم وادم من تراب"، وتصرف الانسان وسلوكه يعتمد على ذلك، فلايجوز ان نقف استعدادا للغني ونحتقر الفقير، ونسبح بحمد القوي على حساب الضعيف، ونتودد للقريب ونزدري البعيد، او نعامل الانسان حسب دينه اومعتقده او لونه او عرقه، فكل الناس سواسية كاسنان المشط، يقول رسولنا الكريم "ليس منا من لم يحترم صغيرنا ويوقر كبيرنا".

وعليه فالانسان يجب ان يكون قدوة لنفسه وللاخرين فمثلا يدخل الزوج الى البيت ساخطا، غاضبا، يزجر وينهر مستخدما سيلا من الالفاظ النابية ليظهر بمظهر القوة وليجعل زوجته تهابه-كما يظن-فتقابله اما بالصمت او بالتغاضي، او ربما بابتسامة تدل على تربيتها الصالحة وفي هذه الحالة تكون هي من فرضت احترامها وليس العكس، كذلك الحال بالنسبة للابناء، فالتربية والاحترام لاتعني باي شكل من الاشكال استخدام العنف للوصول الى المبتغى، بل على العكس ستكون النتيجة عكسية ويكون التمرد هو المحصلة النهائية، او يدخل المعلم الى الصف بمزاج عصبي يتوعد ويهدد، متجهم الوجه –وهو القدوة-لتلاميذه ويريد بذلك ان ينزع الاحترام انتزاعا، وان حصل عليه فذلك من باب الخوف وليس من باب الهيبة والاحترام، وهكذافعلى المرء ان يحترم مشاعر الاخرين وظروفهم قبل ان يطلب نصيبه من الاحترام، فالعلاقة متبادلة، فلايطلق لنفسه العنان ليحترم من يشاء ويحتقر من يشاء في اي وقت يشاء حسب مزاجه او حسبما تقتضيه المصلحة، لان الاحترام يكتسب لاينتزع انتزاعا.

ان احترام الاخر مبدا من مبادئ التسامح والتعايش بين الناس لانه يقود للاحترام المتبادل واشاعة السلام في مجتمع تسوده المحبة والالفة لاالترهيب والتخويف وازدراء الاخر، يقول توماس مور"ارقى انواع الاحترام احترام مشاعر الاخرين"...

 

مريم لطفي

 

محمد الدعميفي سياق تأليفي، الجاري الآن، لكتابي الجديد الموسوم The Harem in the Colonizers’ Eyes، أي: “الحريم” في أعين المستعمر، اعتمدت افتراضية أساس، مفادها هو أن تشويه المرأة المسلمة وحرف صورة وجودها الاجتماعي في الثقافة الغربية إنما يضرب بجذوره عميقا في تربة العصر الوسيط أي على سنوات الاستقبال الغربي المبكر لظهور دين الإسلام. علما أن هذه هي ذات المرحلة التي شهدت حملة التشويه الشعواء الأساس التي استعرت على أيدي الكتاب الاكليريكيين في أوروبا، جزءا من موجة دعائية لمقاومة بدايات الفتوحات الإسلامية التي اقتطعت حوالي خمس ما كان يسمى بــ”العالم المسيحي” خلال بضعة عقود فقط.

وإذا ما كانت كتابات هؤلاء الكتاب مرآةً للجهل “بالدين الجديد”، كما كانوا يسمون الإسلام، بل وحتى بالعرب، فإن على المؤرخ وناقد الاستشراق (من أمثالي) أن يتكئ يرتكن واثقا إلى أن أولى النقاط التي استهدف المؤلفون الأوروبيون أعلاه مهاجمتها إنما كانت تركز على أوضاع المرأة في الإسلام، وذلك انطلاقا من الاعتقاد الخاطئ بأن إجازة “تعدد الزوجات” إنما هو شكل من أشكال الاستهانة والإقلال من شأن المرأة، على سبيل خدمة نزوات الرجال وشهواتهم.

وقد تواصل هذا النوع من التشويه والحرف والليّ لقرون متتابعة، درجة استعارة اللغات الأوروبية لفظ “الحريم” Hareem أو Harem العربي في هذه اللغات وثقافاتها الشائعة كي يتم “أثقالها” على نحو عدائي، فيما بعد، أي إثقالها بكل ما من شأنه المزيد من الليّ والتشويه نزولا حتى عصر ترجمة حكايات (ألف ليلة وليلة)، الأكثر شهرة هناك بعنوان (الليالي العربية) The Arabian Nights، حيث تعد هذه الحكايات نقطة مفصلية في حملة تشويه الإسلام والإساءة في تصوير أحوال النسوة في مجتمعات هذا الدين الحنيف. بل، وقد عدت الحكاية التأطيرية الأساس (أي حكاية شهرزاد وشهريار) التي تنشطر إلى حكايات أصغر على نحو عنقودي، نقول عدت كحكاية تؤكد وتوثق فكرة استغلال المرأة وعدم الاهتمام بمصيرها، ناهيك عن صورة “المرأة المسلمة” (الداهية) القادرة على المناورة للنجاة بحياتها من نزوات ونزق سيدها الدموي، شهريار، ذلك الرجل المزاجي الذي يعاني من شكل من أشكال “العصاب” المرضي، حسب منظوراتنا الحديثة اليوم.

لقد استحالت قصص ومغامرات حكايات (الليالي) إلى شيء أشبه ما يكون بالأدب الفلكلوري الطريف الذي لا يخلو من “الإباحية” الممتعة بالنسبة لفئة كبيرة من شبيبة تلك العصور في أوروبا، بل وحتى من كبار أدبائها، خصوصا وأن تصوير المرأة المسلمة أضحى أقرب إلى تصوير المرأة التي يستعصي تلبية رغباتها، تجسيد زيادة على قدرتها الفائقة على الإفلات الزئبقي (في الحكايات) من رقابة الأب أو الأخ أو حتى الابن الأسمر القاسي الذي غالبا ما يحاول فرض سلطته عليها. وهكذا لعبت الحال أعلاه دورا كبيرا للإيحاء للقارئ الغربي عامة بأن “الحريم” قادرات على الحيلة والمناورة وعلى استغفال هؤلاء الذين يشتغلونها ويضغطون عليها، حتى ليشعر المرء بأن العقل الذكوري الغربي قد عمد إلى “شيطنة المرأة” المسلمة البغدادية والبصرية والقاهرية والأصفهانية على سبيل توظيفها للمزيد من “الإثارة” والجذب في الثقافة الغربية!

 

أ.د. محمد الدعمي

 

رشيدة الركيكتبدو الحياة في صورة تشكيلية صاخبة مثيرة بألوان صارخة غير مفهومة، تتطلب منا سرعة فائقة لدرجة لم يعد لنا مع أنفسنا لحظات لقراءة الأحداث وتأملها لمعرفة الأحاسيس وتحديدها أو حتى التعبير عنها، لتصبح حياة متجاهلة لمصدر إنسانيتنا.

 لن نختلف نحن كبشر أن عالم الأحاسيس اليوم يعرف تصحرا لا مثيل له، لقد جفت وديان التعاطف والتفهم لتغيب مشاهد التآزر الإنساني . قد يمضي البعض باحثا عنها في عالم النبات وحتى الحيوانات جاعلا بينه وبينها ألفة ومحبة يجد فيها صدقا ووفاء خاليا من أي مصلحة، يرمي بنفسه في أحضان بريئة تتصرف على سجيتها وقد تضحي بنفسها لدرجة الهلاك من أجل صاحبها.

لن ننكر أننا نعيش شؤم الحضارة وتبدو ملامح القلق والخوف لدرجة الهلع في جل لحظات حياتنا، يختنق الإنسان بشكل يصعب معه استنشاق أوكسجين الحياة إلا بشق الأنفس، بشكل يضمن حياة كائن غير هذا الكائن الذي نريد. قد نتوه في دروب الحياة ودهاليزها دون معرفة عما نبحث وفي أي اتجاه نسير.

 إنه التطور بسرعة خاطفة لم نستطيع معه أن نجد أنفسنا فيه، وقد نضيع إذا لم نحاول تنمية أنفسنا كذوات لها حاجيات نفسية واجتماعية وروحية و تربوية تشكل جوهر كائن تبريري غير أنه زئبقي..

 قد يتذمر الإنسان بعد توالي الأزمات و الإحباطات فينكمش منعزلا، يهجو الزمن ومن فيه ساخطا على القدر والظروف، متلذذا بالشكوى لاعنا الظلام معلنا نهاية العالم بعد انتشار السواد.

قد يعيش المرء وساوس تراوده، فيدخله الشك في نفسه وقدراته لتنتقل العدوى مشككا في كل من يحيط به من علاقات وتفاعلات اجتماعية بما فيها من قيم إنسانية سامية، قد يخشى غدر الأشرار و نار حقدهم وكرهم ويحتاط من لسعة حسدهم، وربما يحتاط لتأمين نفسه فيبادر ليكون الظالم بذل الضحية مستشعرا قوته.

الأمر هنا لا يتعلق فقط بالمجتمع الخارجي بل حتى علاقاتنا الحميمية القريبة، ولعل هذا ما جعل فرويد يقول: الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، إنه منطق القوة حتى في أبعادها الرمزية.

وكأن لا شيء يستحق أن نعيش من أجله غير أنفسنا، أبناء قتلوا آباءهم أو تسببوا في قهرهم مثلما قد نجد آباء تخلوا عن أبنائهم وهم في أيامهم الأولى، وبكل قسوة يوضع في حاوية الزبالة وهو لا يزال يصرخ معلنا عن حقه في الحياة لعله يجد حسا إنسانيا ينقذه من غدر أقرب الناس إليه، إما خوفا من الفضيحة أو إملاقا أو حتى وإن كان خوفا من الخوف نفسه باعتباره المجهول المخيف والمنتظر.

أسر اليوم تعيش أزمة تناقض صارخ في المشاعر والقيم، فهو تارة حب لدرجة الكره، أو قوة لدرجة الضعف، أو حتى هو ثلج لدرجة الإحراق...

مشاهد يومية تؤرق الإنسانية وتجعلها تعيش قلقا وجوديا بعدما ضاعت منا الكثير من القيم النبيلة، تجعل الزوجة غير آمنة وهي في حضن زوجها، وتجعل العلاقات الإنسانية مبنية على المال والمصلحة، ليصبح الخطأ مباح والصواب مشكوك فيه حسب سياق الظروف والشخصيات.

كل شيء نسبي مؤقت ينتهي بانتهاء المنفعة، كل الكائن أداة لغرض معين وإلا فما جدوى وجوده، فلا يوجد أي شيء أبدي قار لذلك تاهت منا وعنا القيم...

حتى العلاقات الأخوية بدورها اهتزت ولم يعد الحب في الله بين الأصدقاء والأهل، الكل لغاية ما، هكذا اهتزت العلاقات الإجتماعية والتي كانت مصدر أمان للأفراد. فسادت النزعة الفردانية ووصلت إلى أقصاها لتصبح كل الأفراد فريسة للأمراض النفسية.

قد نتذمر أو نشتكي دون أية محاولة لتغيير وضع ميئوس منه، قد نحترق بأي طاقة سلبية يزداد لهيبها بأفكار نحس من خلالها بسوء حظ يراودنا غير أننا لم ولن نبرح أماكننا...

تمضي السنين فنكبر سنا ويكبر معنا حقدنا على الظروف والحظ وتشيخ معها ملامح إنسان يائس بائس يمتطي أمواجا تسوقه حيث هي، فمرة في الأعلى متزحلقا متباهيا بقدراته ومهاراته، ومرات عديدة تغمره في قعرها ليشرب ماءها المالح غرقا...

وتمر السنين وتفعل فعلها فينا إلى أن يبدو كل واحد منا شاحب الوجه ذابل العينان تتراقصان وسط هيكل عظمي قد يحمل ملامح إنسان.

ها قد هوى قهرا ومقهورا في أحلام ضاعت مع غدر الزمن، لم يعد كلامه الداخلي إلا ضجيجا من الكلمات المنطوقة والمسموعة، حاملة لدلالات استعصى على محلل نفسي متخصص فهمها، هو وحده من يستطيع فك شفرتها الخاصة، غير أنه غير مدرك لحقيقتها.

لقد صار صعبا على الإنسان لدرجة المستحيل في ظل التغيرات الإجتماعية أن يحافظ على توازنه النفسي مع قلة الأطباء والعيادات النفسية، فزاد الطين بلة النظرة المجتمعية للمرضى النفسيين كمختلين عقليا أو مجانين لا مكان لهم في مجتمعنا العربي أو حتى ممسوسين بالجن أو سحر أو عين أو...

الشيء الذي جعلنا نطرح سؤالا جوهريا: هل نحن شعب لا يعترف بأعطابه النفسية؟ هل نحتاج لتغليف أمراضنا بثقافة المجتمع حتى نسلم من اتهاماته؟

وضع أدى إلى انتشار الضبابية بخصوص العلاج الطبي العلمي والشعبي الغيبي ليتخبط المجتمع في خزعبلات ينشرها أصحاب المصالح والانتهازيين الذين يتاجرون بألم الناس وأعطابهم في لحظات ضعفهم.

يقال أن المجتمعات العربية شعوب لا تعترف بأعطابها النفسية وتتلبس غطاء دينيا لتزور الفقيه أو الراقي أو الأضرحة والدخول في مجموعة من الطقوس الغريبة من حضرة وجذبة وإقامة الليلة باعتبار المريض ضحية من ضحايا المس أو العين أو السحر...

وتنتهي كل جلسة بصرخات بشكل ملفت للنظر وبعدها إغماءات من شدة الهيجان الروحي.

مرضى في مجتمع يعترف بجميع الأمراض إلا النفسية منها، وكأن المخ ليس عضوا كباقي الأعضاء يمكنه أن يصاب بعلة ما أو حتى عطب.

يتخبط المجتمع في جلسات رقية -يقال عنها شرعية - مع رقاة لا تنظمهم أية هيئة، ويسقط الضحايا الواحد تلوى الآخر. معاناة مزدوجة من جهة مع المرض ومن جهة ثانية مع قسوة الإستغلال من طرف فئة من المشعوذين الذين يصطادون في الماء العكر ليشخصوا كمعالجين بوسائل غير محددة ولا واضحة، لتصبح الهيستيريا من فعل الحسد، والوسواس القهري من فعل الشيطان، بينما الإكتئاب من فعل العين.

يقال أن الفقيه أنطق جنيا وسمعه الحاضرون متكلما على لسان المريض، ولكن بصوت آخر كدليل على أنه يسكن جسده ويتحكم فيه ويجعله ينطق الغيب. والغريب حتى و إن بح صوت المختصين بتقديم تفسيرهم العلمي يبقى العقل الجمعي والموروث الفكري يعيد إنتاج نماذج مجتمعية لضمان استمراره...

وتستمر الحكاية بطلها الحقيقي هو هذا الموروث الفكري، أما المتغير هو المرضى النفسيين كل مرة ضحية ترديه أرضا، ليقصدوا مطوعين للجن أو حتى فقيها اشتهر بعلاج التلبس وإزالة أثر السحر وغيره وإن تطلب الأمر أموالا طائلة فالمسألة تتعلق بانتصار عالم الإنس على الجن وبإيمان كبيرا بالشفاء.

هكذا يختلط المقدس بالمدنس فتتقوى سلطة الفقيه في مجتمعنا كلما ربطنا الأمراض النفسية بالغيبيات لتبدو مبهمة مما يجعل المريض يتعلق بأية قشة، ومن تم يصبح مهيئا بشكل كامل لتقبل الأوهام على أنها حقائق ثم التشبث بقدرة ميت يحتاج منا الدعاء له، ليزوره مضطربا مؤمنا بقدرته على إيجاد حلول حياتية اجتماعية ونفسية أو حتى اقتصادية، فلن نتعجب إذن من زيارات الأضرحة والتمسح بجدرانها.

هو تصور للعلاج لا يحتاج إلا النية كما يقال أي الإستسلام الكامل والكلي.

 فكيف لإنسان محدود التفكير أن يستوعب وجهة نظر المختصين حين يتكلم سيكولوجيا أن قدرة الإنسان على الهروب من مواقف معينة بالتحلل من شخصيته الأصلية أو وعيه الحاضر، واكتساب وعي آخر يناسب الظروف الجديدة دون قصد أو إرادة مسبقة.

كيف للعقل البسيط أن يفهم أن هناك ظاهرة نفسية تسمي بظاهرة الإيحاء و القابلية للإيحاء التى تختلف درجتها من شخص لآخر يمكنها أن تكون تفسيرا تجعل المريض ينفذ أوامر الفقيه دون وعي أو إدراك منه...

يبدو أن هناك شرخا واضحا بين العالم الغيبي والطبي، لينتصر الأول في مجتمع لا يفصل بين العالمين أو يفهم الدين بمنظور شعبي ممارساتي وليس في أسسه الصحيحة والواضحة.

لسنا بصدد زعزعة أو التشكيك في معتقدات الناس ولكن المسألة أقوى وأعمق، وهو بث الوعي المجتمعي والدفع به في اتجاه الحقائق من منظور ديني أو علمي بشكل أوضح، يقي التصور الديني من المشعوذين، و يحفظ معقولية العلم المتميزة باليقين، ونزع الإختلاف بين العالم الغيبي والعلمي من شأنه يحمي المرضى النفسيين من مزالق كثيرة.

يبدو أننا كعرب لا نواجه شؤم الحضارة وقلقها فقط .هو صراع مزدوج يضاف إليه محاولة إحداث قطيعة بين العالم الغيبي و الطبي، والمسألة ليست بالأمر السهل والسريع، بل تحتاج لمدة ولمجابهة هذه العقلية والدعوة لاستعمال العقل وآلياته متخلصا من أية قيود من شأنها أن تشل قدراته، وتجره إلى محنة يضيع فيها الإنسان غير مستفيد من نتائج العلوم الحديثة وبالذات العلوم الإنسانية.

 

 بقلم رشيدة الركيك

 

ياسمين البطاطتحدثت في المقال السابق عما يسمى "وطن"، واليوم أسرد لكم  جزءا من هذا الوطن الذي بنيته لنفسي.

إنه كالمعطف الذي ما زال يحتضنني في كل مرة يرقد فيها قلبي على أرصفة الشتاء الباردة في ظلام ليل دامس وتحت أنوار الشوارع الصفراء، يأتيني وأنا وسط الفوضى التي تغزوني دائما أوقات النهار؛ يحتضنني بدفء ثم يطمئنني بأنّ كلّ شيء لن يكون على ما يرام دائما لكنه سيمضي، يزورني حتى في الأحلام، أتخيّله ريحا تهب من أمامي ثمّ تمدني بالهواء الذي لم تستنشقه رئتاي منذ زمن بعيد، منذ آخر مرة قرأته، إنه الشعر، الشعر الذي خذل توقعاتي المتفائلة دائما ولكنّه لم يخذلني بملامسه الناعمة وهو يمسح على قلبي وقلب كلّ هاو له. هذا المقال مميز جدّا بالنسبة لي، صحيح أنّ كلّ مقال أكتبه يكون نابعا من طفرة كبيرة في المشاعر، أو تفكير كثير في أمر ما، أو حتى بلا أية أسباب مقنعة تدفعني لكتابته، ربما أجد بأنّ الدافع الوحيد هو ظمئي لمعرفة أيّ شيء يدلّني على إجابة، روحي التي تأبى دائما تلقي الأحاديث بكلّ أريحية، فتبقى في فضول دائم حتى يركد هذا العقل قليلا من زخم الأفكار التي تهطل فجأة عليه من كلمة ربما.

أريد أن أوضّح، وأنا أتناول موضوعا تشكّل في القلب، مكمن الشعور، وليس في العقل، ثمّ أنضجه الفكر المتحرر من قيود الأنا، المنطلق في رحاب الكلّ، أنني لا أضع هدفا يحتّم عليّ الانسياق في إطار محدّد، حين أشرع في الكتابة، أي في ترجمة الشعور الداخليّ إلى كلمات ومفاهيم.

كنت وما زلت أعتقد أن موضوع الشعر سيكون أكبر مني بكثير، محيطات أبحر فيها الكثير من العلماء، وأنا هنا بقاربي الصغير، أحاول التجديف أكثر وأكثر، لأصل إلى السرّ الذي يكمن بين كلّ هذه المياه، لماذا تتحرك بهذا الجمال؟ وكيف لها أن تنساب برقة بين ثنايا أرواحنا لنولد من جديد بعد كلّ نصّ نقرأه؟ ثم نتساءل عن الشعر ونجد الإجابة فيه تماما، إنه السؤال الذي يجيب نفسه.

الشاعر الذي لا أعتقد أن روحه فقط هي التي أخرجت كلّ هذه الكلمات المليئة بالمشاعر، الذي تحدث نيابة عن آلاف النفوس التي كبّلت حناجرها يوما، بدر شاكر السياب، أدونيس، نزار قباني، نازك الملائكة، مظفر النواب، أمل دنقل، صلاح عبدالصبور وغيرهم الكثيرين ممن تحدثوا عن شعوبهم وعن كوامن أنفسهم في أحلك الليالي، كانوا في وجه المقاومة دائما، ولو دققنا قليلا في حياة كلّ واحد من هؤلاء، سنجد أنهم أصحاب تجربة عميقة وفهم جيد للحداثة التي طرأت على الشعر، ذوي تجربة؛ عندما توالت الهزائم على العرب والتي ما زالت مستمرة حتى اليوم، هذا التيار الشعريّ العربيّ استوعب الحداثة الشعرية إلى أبعد الحدود.

إنّ فكرة حاجة الإنسان إلى التعبير عما يعتمل في داخله تحتم عليه فهم ما يدور حوله وفي داخله من مشاعر وأحاسيس، فيحاول فهم واقعه بالطريقة التي يراها المناسبة وحين يجد هذه الصورة التي يراها أمامه بكلّ وضوح؛ يبدأ برسمها، ينقلها لأخيه الإنسان عن طريق الأداة التي لا يمكنه الاستغناء عنها، الأداة التي في حالة الشاعر؛ تكون الشعر، فينقل لنا هذه المشاهد المليئة بكلّ الحواسّ. وقرأت أيضا ذات مرة، أن هناك إنسان شاعر، وهناك شاعر شاعر، أي الشاعر الذي ولد هكذا، بقلبه الذي يضاعف الشعور دائما، وبكلماته التي تحوّل النحاس إلى ذهب، تماما كالخيميائيّ الذي قصده باولو كويلو.

يقول توفيق الحكيم: "إنّ الفنّ صخرة صلبة، على الفنان أن يفجر منها الماء الزلّال، وليس الفنّ نهرا جاريا يغرف منه كلّ عابر سبيل بلا مجهود." كذلك الشاعر، الشاعر الذي يحوّل العواطف الداخلية إلى حالة من الواقع الذي نعيشه حين نقرأ النصّ الخاصّ به، نصّه الذي يجعل السماء تمطر فنشعر بوقع القطرات المبللة، نصّه الذي يلون الكون بكلّ ألوان الحياة أو يجرّده حتى من الصّبغة، قصائد تربت علينا بشطر وتصنع الجرح بشطر آخر، فلا نعرف أهل تشافينا؟ أم أننا هلكنا مرة أخرى في البحر ذاته؟ ولذا أقول دائما، أننا بقراءة الشعر نتشافى، ولا أبالغ أبدا عندما أخبركم أنني وفي الكثير من المواقف خلال يومي أشعر بالضيق، إحساس لا يمكنني وصفه تماما، إنه حالة من الحاجة الماسة إلى كلمات تشبهني، أو نغم أستمع لأوتاره لأشعر بالراحة بعده، وفي هذه اللحظة تماما، أذهب لأقرأ أيّ ديوان أضعه بين يدي، وخلال القراءة؛ أسمح لروحي أن تطير لتتجرد من جميع ما كبّلها.

ولأتحدث هنا بصيغة المفرد، فإنني حقا بحاجة إلى الشعر، وفي أغلب الأحيان تكون هذه الحاجة بلا تفسير حقيقيّ سوى أنني أتخيلني ظمأة جدّا لا تروي عطشي إلا القصيدة. إننا متعطشون حقّا لقراءة الشعر لعلاقته الفريدة بنا نحن العالم، ولكنّ؛ ما هي علاقة الشعر بالعالم؟ هل يمكن للشعر أن يغير العالم كما غير فيّ الكثير؟ أم أن قراءة الشعر تقتصر على مجموعة معينة تتذوق هذا الجنس الأدبيّ فقط؟ هل الشعر للجميع؟ وهل يمكن أن يكون للجميع؟

عندما سأل أحدهم عميد الأدب سامويل جونسن "ما الشعر؟" أجاب: من الأسهل كثيرا أن نتحدث عما هو ليس بشعر، فنحن جيمعا نعرف ما المقصود بالضوء؛ ولكن ليس من السهل أن نقول ما هو.

فالشعر إذن استجابة انفعالية تعكس إحساس الشاعر القويّ وتأثره العميق بالعالم الذي يحيط به. ويعبّر الشعر عن نظرة فلسفية للحياة تقوم على المحلاظة الدقيقة، شأنه في ذلك شأن العلم، إلا أنه يختلف عن الأخير في كونه يقارن بين ظواهر قد تبدو من الناحية العقلية متباينة أو غير منطقية. وتفسير ذلك كما يقْرر أفلاطون يكمن في "أن مقدرة الشاعر على تأليف شعر في شيء ما غير مقدرة المرء على شرح نفس الشيء شرحا عقليّا وأنّ الشعر ليس هدفه الشروح العملية.. فلو لم يكن الأمر كذلك لما تيسر للسياب أن يصف عيني حبيبته بأنهما "غابتا نخيل ساعة السحر" ولما استطاع المتنبي أن يصف الأعمى والأصمّ ممن يتذوقون شعره بالقدرة على النظر والسمع كما في بيته المشهور:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي*وأسمعت كلماتي من به صمم

ومن بعض الخصائص الملحوظة عند قراءتي للشعر هو أنّ الشعر حوار درامي داخلي فالموقف الفلسفيّ للشاعر يتحول فيه الحسيّ إلى مجرد والمجرد إلى حسيّ ويمتزج فيه الواقع باللاواقع وتمتد طاقته التعبيرية إلى ما وراء حدود الذات لتشمل النفس البشرية في زمان ومكان، ومن أمثلة على ذلك قصيدة الزائر الأخير للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد التي تضمن حوارا مخضبا بمشاعر القلق والرهبة من لقاء لا مناصّ له يجمعه مع زائر وهميّ وهو الموت يأتي ليأخذ كتابه من يده والمقصود بالكتاب هو الحياة.

و من دون أن تقلق أولادي

أطرق عليّ الباب

أكون في مكتبتي في معظم الأحيان

أجلس كأيّ زائر

و سوف لا أسأل

لا ماذا ولا من أين

و حينما تبصرني مغرورق العينين

خذ من يدي الكتاب

أعده لو تسمح دون ضجة للرفّ حيث كان

و عندما تخرج لا توقظ ببيتي أحدا

لأنّ من أفجع ما تبصره العيون

وجوه أولادي حين يعلمون

و قد يتجسد وجود الشاعر في قصيدته من خلال وقفة تأملية أو مشهد حواري يكون هو طرفا فيه ويعكس من خلاله نظرته أو موقفه من أمر ما. من أمثلة ذلك: المقطع التالي من قصيدة السياب "في غابة الظلام" من ديوانه "إقبال" التي يعبر فيها عن يأسه من الحياة ورغبته في الخلاص منها:

أليس يكفي أيها الإله

أنّ الفناء غاية الحياة

فتصبغ الحياة بالقتام؟

سفينة كبيرة تطفو على المياه؟

هات الردى، أريد أن أنام

بين قبور أهلي المبعثرة

وراء ليل المقبرة

رصاصة الرحمة يا إله

الشعر يتجاوز التفسير العقلانيّ للأمور وهذا من أجمل ما في الشعر فإنّ أجوده وأعمقه أثرا في نفوسنا هو ذلك الذي يستفزنا بتجاوزه لحدود التفسير العقلانيّ للأمور، كقول كامل الشناوي مثلا: "و تطلّ من رأسي الظنون تلومني وتشدّ أذني..." أو قول البحتري: "أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا*من الحسن حتى كاد أن يتكلّما" فيدفعنا قول الشاعر في مثل هذه المواقف للنظر إلى المسلمات من زوايا أخرى لم تخطر على بالنا من قبل.

أنصح كلّ من يهتمّ بماهية الشعر وعلاقته العميقة بالنفس البشرية أن يقرأ البحث في مفهوم الشعر ولغته للدكتور عبدالصاحب مهدي علي

الحديث عن الشعر لا ينتهي والأسئلة تجاه كلّ ما يحويه هي من تجعله حيّا إلى يومنا هذا، لذا أنا مطمئنة جدّا بأنّ الشعر لن يختفي أبدا، ما دامت أيدينا تهوى الكتابة، وأرواحنا هائمة في القصائد. وكما يقول ناصر قنديل في وداع جمهوره "سلام القدس عليكم جميعا".

 

ياسمين البطاط

 

شاكر فريد حسنشاعر وطني وطبقي ملتزم منحاز للوطن والجماهير والمستقبل، قادم من كفر كنا، قانا الجليل. ظهر على الساحة الأدبية الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي، ونشر قصائده في صحف ومجلات الحزب الشيوعي، وفي مجلة "الآداب" التي كانت تصدر في الناصرة، ومؤسسها الكاتب المرحوم عفيف صلاح سالم.

وبسبب نشاطه السياسي ومواقفه الوطنية والسياسية والفكرية، غمد عواودة في السجن، وخرج منه وقد صهرته المعاناة، التي صورها وجسدها في نصوص شعرية صادقة وعفوية، بعيدة عن التكلف.

صدر ديوانه الأول " قصائد فلسطينية " العام 1979، تبعه ديوانه الثاني "أصحاب الأخدود" العام 1980 عن دار "الأسوار" العكية، فديوانه الثالث "الدخول في مجال الشمس " العام 1983، وكنت كتبت عنه مقالة نقدية نشرت في مجلة " الغد " المحتجبة، التي كان يصدرها اتحاد الشبيبة الشيوعية، في عددها الصادر في تموز العام 1983، ثم انقطع عن النشر والنشاط السياسي لأسباب صحية.

تنوعت موضوعات عبد الرحمن عواودة وأغراضه الشعرية، وشغلته القضايا الوطنية والطبقية، ومأساة شعبه وهمومه وجراحاته، فغنى للوطن والتراب والأرض والعمال في أول أيار، وصور الآلام الفلسطينية، وكتب لبيروت الصمود، وعن مجزرة صبرا وشاتيلا.

وجاءت قصائده متأججة بالمشاعر الوطنية الصادقة، والتزامها السياسي الوطني الواضح، وزخمها العاطفي والوجداني الإنساني، واتسمت برهافة وصدق الاحساس، ورقة الألفاظ، ودقة الوصف والتعبير والتصوير، وشدة الايحاء، وعمق المعاني، ووضوح الصورة، وجلاء الرؤية والرؤيا، وابراز المكان الفلسطيني، وتوظيفه في خدمة غرض قصيدته.

عبد الرحمن عواودة شاعر مشحون بالغضب، يعانق الجرح، ويسكنه الألم، مكافح بالكلمة والقصيدة، ومبشر بالفجر والأمل وأمواج الحرية، شكلت تجربة الاعتقال مداميك انطلاقته الشعرية من خلف قضبان وأسوار السجن، وحوّل بكلماته ظلام السجن إلى نور ونار، وحازت الأرض والهم الوطني والإنساني والوجع الفلسطيني على فضاءات شعره، فكان دائم التسجيل والتوثيق الدائم، والتصوير الصادق لقضايا الوطن، مستنهضًا الشعب للكفاح والذود عن الهوية والمسائل الوطنية والطبقية، ونجده في قصائده ناطقًا باسم الفقراء والجياع والمسحوقين والشهداء والجرحى والأسرى.

ومن شعره هذه الأبيات التي تظهر هويته الطبقية، حيث يقول :

أنا عامل أنا كادح أنا ثائر

          عرقي يسيل لكي يذود سواعدي

أنا ساعد، عرق القيود جميعها

         أنا  شعلة  تزهو   بها    أعيادي 

أنا ثورة جبّارةٌ عملاقةٌ

         وانا    الحياة   وساعةُ   الميلادِ

يا ثورة الغضب الجموح تفجّري

         في داخلي، في منجلي في زادي

ثم يقول:

أنا قادم يومًا إليكِ محرّرًا

         تلك الأسود ذخائري وعنادي

هذا دمي ملًا السماء مزغردًا

            فتعسّفي يا طغمة  الأسياد ِ

غَنّ رفيقي، إنَّ رايتنا عَلَت

            وابشِرُ بفجرٍ دافقِ يا شادِ

وفي قصيدة أخرى يقول عواودة بكل الجرأة والتحدي والوضوح:

وانا حيفا ويافا إني

        صاحب الحقل وهذا بيدري

لو ارقتم لي دمي في طلقةٍ

       وجعلتم من دِمائي منزري

 سوف تبقى ضَفّتي لي والذُرى

        والثّرى الحاني وظلّ الشّجرِ

ولقصيدة عبد الرحمن عواودة طعم خاص ولون مميز، يجمع بين الصفاء والالتزام، نحس فيها بكل مرارة الواقع، والجرح الفلسطيني النازف، وبالقيمة الحقيقية للوطن، لا من حيث الكلمات فحسب، بل من حيث فلسطينيتها ومضامينها الوطنية والطبقية ذات الأبعاد والدلالات العميقة.

وتحية حب لعبد الرحمن عواودة شاعرًا جميلًا لم يأخذ حقه من الاهتمام النقدي، وله الحياة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

عبد الله الفيفيسألَني سائلٌ: ماذا قدَّمت الجوائز العربيَّة المهاجرة للشؤون العربيَّة المحليَّة؟

فأجبتُ: مع تحفُّظي على كلمة "مهاجرة"، فإنني، إنْ قلتُ: إنها لم تقدِّم شيئًا، كان في ذلك ظلمٌ مبين، وإنْ قلتُ: إنها قدَّمت ما نأمله، كانت في قولي محاباة.

مثلًا، كثيرٌ ممَّن فازوا بما يُسمَّى "جوائز سُعوديَّة مهاجرة" هم مواطنون سُعوديُّون، وبعض أعمالهم هو في الشأن المحلِّي. إلَّا أن التقصير الثقافيَّ قاسمٌ مشتركٌ بين مختلف المؤسَّسات، حكوميَّةً وأهليَّةً وخاصَّة، داخليَّةً وخارجيَّة. وأرباب تلك الجوائز هم من رجال الأعمال، أو من الأغنياء، الذين سخَّروا بعض مالهم في مجالاتٍ معرفيَّةٍ وثقافيَّةٍ وإنسانيَّة، وهو أمرٌ يُشكَرون عليه. غير أنَّنا ما نزال نتطلَّع إلى استثماراتٍ ثقافيَّةٍ وغير ثقافيَّة، منهم ومن سِواهم. على أنْ تكون هناك تسهيلاتٌ نظاميَّةٌ لمن يريد أن يُسهِم بجِديَّة وعِلميَّة في هذا الميدان.

ولعلَّ من الأَولى- ونحن نسأل: ماذا قدَّم المهاجِر للشأن المحلِّي- أن نسأل: ماذا قدَّم غير المهاجِر للشأن المحلِّي؟

ماذا قدَّمت البنوك؟

ماذا قدَّم القطاع الخاصُّ عمومًا للتنمية، وفي لُباب التنمية: التنمية الثقافيَّة؟

ما يزال الطموح أكبر من المنجَز، لا من خلال منح جوائز فحسب، ولكن أيضًا في مشاريع استثماريَّة حيويَّة؛ يُسدِّد بها هؤلاء بعض الدَّين للوطن.

-2-

وحينما يكون السؤال عن: دور المؤسَّسات الحكوميَّة وغير الحكوميَّة في دعم مسيرة الجوائز الأدبيَّة؟

فإنَّني، كما أسلفتُ، لستُ أنظر إلى الجوائز، أدبيَّةً أو غير أدبيَّة، إلَّا في ظِلِّ نسيجٍ ثقافيٍّ مهلهَل، غالبًا، وغير مخطَّطٍ له. وفي رأيي، أن منح الجوائز قد بات من أسهل ما يمكن؛ فمن اليسير أن يُعلَن عن جائزة، وتُرشَّح بضعة أعمال، تُفاضِل بينها لجنةٌ ما، وتوزَّع الجوائز.

فما الذي جنته الثقافة من ذلك؟

أما كان أجدَى لو أُنفِق مبلغ الجائزة على نشاطٍ ثقافي، أو عُقِد به مؤتمرٌ عِلمي، أو طُبِع كتابٌ قَيِّمٌ أو تُرجِم؟

والأدهى أن لا تَحْكُم الجائزةَ معاييرُ موضوعيَّةٌ دقيقة، وحينئذٍ تغدو الجائزة وسيلة ترويجٍ لأعمال رديئة، أو دون المستوى، لتُسهِم في ترسيخ درجةٍ متواضعةٍ من العطاء، أو نشر توجُّهٍ تقليديٍّ أو فكريٍّ معيَّن، ربما كان ضرره أرجح من نفعه.

إن الجوائز، كما نَرَى، ليست كلَّ شيءٍ في معايير الثقافة والجودة، وإنَّما الأصل فيها أنها تتويجٌ لفعلٍ ثقافيٍّ بارز. وبالرغم من ذلك فقد بتنا نسمع اليوم عن الجوائز، هنا وهناك، أكثر من وقوفنا على أفعال ثقافيَّة جديرة بالإجلال حقًّا؛ وذلك لوفرة الأموال، وتواضع الجِدِّ في الأفعال.

ولهذا فإن دور المؤسَّسات الحكوميَّة والخاصَّة في دعم مسيرة الجوائز أمرٌ جدير بالتقدير، إنْ جاء في إطار دعم مسيرة الثقافة، أمَّا التكثُّر من منح الجوائز، وربما بغير معايير عِلميَّة، فقد يكون مجرد هدرٍ للمال العامِّ والخاص، وهروبًا من إنتاجٍ جادٍّ ينهض بحياتنا الثقافيَّة.

نحن نعلم أن ثقافة الجوائز ثقافةٌ عربيَّةٌ عريقة. كان يسيل لها لُعاب الشُّعراء، منذ العصر الجاهلي؛ فأفسدت الشِّعر بالتكسُّب، وأفسدت الثقافة بالكذب والمَلَقِ والنفاق.  ونعلم أن هذه الثقافة ليست بسِوَى غُصْنٍ من دوحة الكَرَم الحاتميِّ لدَى أجواد العربِ، بما كانوا يخلعونه على قاصدي بلاطاتهم من الخِلَع والعطايا، في مقايضاتٍ ماديًّةٍ ومعنوية، بين المانح والممنوح، أو قل: بين المادح والممدوح.  ولهذا فإنه- بالنظر إلى أن معظم الجوائز العربيَّة اليوم تدور في فَلَك التقدير أو التشجيع أو التكريم- قد آن الأوان للالتفات إلى أن تنشأ جوائزُ عِلميَّةٌ صِرفة، بما تعنيه الكلمة من معنى، بحيث تصبح الجائزة بمثابة شهادةِ استحقاقٍ عِلميٍّ للفائز بها.

-3-

أمَّا لو سألتني: إلى من يُعزَى الشأن في تنظيم الجوائز الأدبيَّة والعِلميَّة، ووضع آليَّات الفوز بها، النزيهة والمنصفة عِلميًّا؟  فإن أنسب جهةٍ يمكن أن تُوكَل إليها هذه المهمَّة هي الجامعات.  لأن الجامعات هي القادرة على وضع آلياتٍ متجردةٍ في منح الجوائز. لا أعني أن تقوم على الجائزة جامعةٌ بالضرورة، ولكن أن تكون الجامعة، بوصفها الجهة العِلميَّة المختصَّة، هي مُعِدَّة معايير التقييم، المشرفة على تطبيقها، بطريقةٍ أو بأخرى. وأن تكون التخصُّصات العِلميَّة ممثَّلةً بصورةٍ رئيسة في هيئة الجائزة التي يُراد لها أن تكون عِلميَّة، ويُرجَى أن تُؤتي ثمارها الثقافيَّة الناضجة، إسهامًا في الدفع قُدُمًا بالحياة المعرفيَّة.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

حسن حجازيبقلم: شميرام شامون (زوجة الشاعر)

ترجمة: حسن حجازي

في الوقت الذي تعتبر هذه القصيدة من أجمل قصائد زوجي "إبراهيم يلدا "، لما فيها من شاعرية المعنى وقوة اللغة ولما لهذه القصيدة من وقع تاريخي على حياتي وكأنها أكثر من قصيدة .

كنت في العشرينات من عمري بعد أن أكملت الدراسة الجامعية، وككل الفتيات كنت أحلم بمستقبل زاهر، كنت بسيطة المظهر ومتواضعة .. لكن أحلامي كانت كبيرة كنت أجدها صعبة المنال في تلك الفترة .. وفيما يخص شريك حياتي كنت أتمناه آشوريا ذا ثقافة واسعة ومطلعا سياسيا على ما يجري على الصعيدين الوطني والعالمي، والأهم في كل هذا أن يكون واثقا من نفسه، جميل الأخلاق ووسيم الشكل وأن يحبني أكثر مما أحبه .. كنت أعرف في قرارة نفسي أمنية كهذه ربما تكون تعجيزية ؛إلا أني كنت اأحلم بها ...

في ذلك الوقت كنا: أنا وإبراهيم من بين الأعضاء في النادي الثقافي الأشوري في بغداد، وكانت علاقتي به لا تزيد على المناقشات في الأدب والشعر والسياسة..ولم تتطور أكثر من ذلك.. ولكن !

في إحدى الأمسيات الشعرية التي أقامها النادي سنة 1971 لا زلت أتذكره حين اعتلى المنصة ليلقي قصيدته "الموت والميلاد"، لا زلت أتذكر شعوري في تلك الأمسية، وكم تمنيت في قرارة نفسي أن يكون هو الشخص الذي أبحث عنه، تمنيته أن يكون شريك حياتي لأقضي ما تبقى من عمري معه .. وكم تمنيت في حينها أن يبادلني نفس الشعور إلا أني قلت مع نفسي أن شاباً وسيما ومثقفا مثله بإمكانه أن يغري أجمل الفتيات؛ ولا أعتقد سأكون أنا البسيطة والمتواضعة مؤهلة للفوز به .

وبعد انتهاء الأمسية الشعرية تجمع المهنئون والمعجبون وأنا منهم حول إبراهيم ليعبروا له عن مشاعرهم تجاه القصيدة ... بعد الحديث وتقديم التهاني له، سمعت أحدهم يناديني باسمي المصغر " شام " تفاجأت من يكون هذا الذي يعرف اسمي المصغر والمحصور بأفراد عائلتي وحدها ... وإذ به يسألني عن رأيي بالقصيدة، قلت له بارتباك شديد خشية من أن يكشف مشاعري نحوه فقلت :

- قصيدة ممتازة ...

ثم قال : وماذا بعد .. لأني يهمني جدا رأيك كونك أنت التي كنت معي في المركب الصغير المشار إليه في القصيدة ...

صمت والفرح يملأ قلبي ولا أدري ماذا أقول من خجلي !

 

 

وفي مساء يوم ـــ/6/2014 وبعد مضى 42 سنة على زواجنا وكأننا في احتفال تجديد ذكرياتنا ومسيرة حبنا التي بدأت مع قصيدة "الموت والميلاد" بليلة شتائية هادئة جميلة نستمع فيها الى موسيقى تركية، وكنت في حينها مقبلة على عملية جراحية، وإذ بـ "أوراهم" يقول لي ولأول مرة "بعد العملية عليك ترك العمل وحيث يستطيع الأولاد الاعتماد على أنفسهم ولهم عوائلهم وحياتهم حان الوقت لنفكر بأنفسنا .. لقد تعبتِ من مزاولة العمل لفترة طويلة، ها قد حان الوقت للراحة.

ذهبت إلى فراشي لأتأمل قوله .. وفي الصباح وحيث كان إبراهيم بكامل قواه ولم يشكُ من شيئ وهو يسألني إن كنت بحاجة لشئ ما.. وحين أراد الخروج لفت انتباهي مشيته الثقيلة ؛سألته وإذ به يقول إنه يحس بضعف في ساقيه سألته إن كانت هناك آلام أخرى وإذ به يحدق بصمت، ولأني كنت أعمل في شعبة الإنعاش في إحدى المشافي تلمست حالته وعلى الفور نقلته إلى المشفى للعلاج وها هو بفضل الله يتعافى ...وبعد مرور سنة على مرضه وكثرة انشغالاتي برعايته إلا أني كنت دائمة التفكير بأعماله الأدبية كونه لا يستطيع مزاولة كتاباته ... اتصلت ببعض الأدباء الأشوريين لإنشاء رابطة أو جمعية أو اتحاد الأدباء ... إلا أني لم أفلح... بكيت في يوم ما بسبب خوفي من أن تضيع أعمال زوجي التي صرف من أجلها عمرا طويلا وهي مرمية على الرف ولأني صديقة عمره لا بد لي أن أحرك ساكنا، كانت أولى محاولاتي الاتصال بالرابطة الشعرية ـ مقرها لبنان ـ طالبا منهم نشر قصائده بلغتها فكان الرد مرحبا بالفكرة مقترحا علي الشاعر "صلاح حسنين" وله كل الشكر والتقدير ترجمتها الى العربية كون زوار ومشاركي المنتدى ممن يجيدون ويكتبون العربية ..

فأرسلت لهم قصيدة "الموت والميلاد" وهي مترجمة إلى العربية، ونشرت وكنت أحس بأني قد ملكت الدنيا لأني خطوت الخطوة الأولى من أجل إسعاد زوجي ورفيق الدرب ففكرت بايجاد من يكون متضلعا باللغتين السريانية والعربية الا اني كنت اجد نفسي في نفق مظلم فمن اين لي ان اجد من يسعفني للحفاظ على هذه القصائد من خلال ترجمتها لاكثر من لغة ... كنت حائرة وإذا بالزميل الشاعر بولس شليطا يقول لي بان الاديب نزار حنا الديراني يسأل عن الشاعر إبراهيم يلدا فاتصلت به وإذ يفاجئني بانه ترجم قصيدة للشاعر اوراهم يلدا وهو يأمل لمراجعتها من قبله قبل نشرها في كتاب انطلوجيا الشعر السرياني هو لم يكن يعلم بصحة زوجي ... احسست في حينه انها هبة من الله نزلت علي وبعد الحديث بينت له ما اصبوا اليه ولم اجد من يقدم لي هذه الخدمة وإذ به يتطوع لترجمة مجموعته الشعرية الموت والميلاد لتسديد جزء مما قدمه الشاعر اوراهم يلدا لأمته وشعبه ولغته ... ففرحت لاني احسست باننا لازلنا بخير فهناك من يستعد وبلا مقابل ان يعيد لاوراهم جزء مما قدمه ...

فأنا باسمي وباسم زوجي إبراهيم نقدم شكرنا وتقديرنا لكل من مد يده لتصافح قلم وقلب إبراهيم ؛وكل من يقدم ما بوسعه من أجل تراثنا ومن بينه أعمال اوراهم وهي اليوم ملك ودين برقبة شعبه، ومن حق الآخرين أيضا أن يتمتعوا ويرتشفوا من حب وتطلعات "اوراهم" من أجل الإنسان أينما كان على أمل أن نجد من يقوم بنشرها وترجمتها إلى اللغات الأخرى وهي سلاحنا لجعل الآخرين يحسون وجودنا وإلا سيكون مصيرنا الزوال ..

واليوم وبعد مرور 44 سنة على زواجنا وما زلنا كما كنا في حينه، متلهفين بالشعر والشأن القومي ولدينا ثلاثة أبناء وسبعة أحفاد وما زالت جذوة المحبة مشتعلة بيننا ولم تخفت وكأننا التقينا للتو واللحظة في 1971 .

أمريكا ـ شيكاغو - شباط /2017

..................

قصيدة : الموت والميلاد

شعر: إبراهيم يلدا إبراهيم

ظلام دامس يلف المعمورة

 صمت وهدوء

حبيبان متوشحان بالرعب

في وسط البحر

 الشاب وحبيبته

جالسان على تخت

لقارب الموت

أحدهما يتكئ على الآخر

كلاهما يرنمان معا

 مرثية الحزن

بأمل صغيرمعلق بشعرة

يتأملان اليابسة

ويقبلان الفجر.

**

هكذا بدأ الشاب المحب

يوقد السراج القديم للقلب

وبدأ يقول :

اتكئي حبيبتي

رغم أن جسدك يابس وذابل

استديري نحوي

رغم أن عينيك تواقتان للنوم

بعيدتان عن النور

يابستان مثل نهر الصيف الحار

وجسدك الجميل

يلف شجرة الخريف

**

اسمعيني أيتها الحبيبة

في قلبي المحروق

مكان يستوعب

شمعة صغيرة دائمة الاشتعال

سترشدنا إلى الطريق

وتدفئ جسدينا

اسمعيني أيتها الحبيبة

دعيني أقص عليك

قصص كتب التاريخ ...

**

هكذا بدأ الشاب المحب

يقول :

كانت هناك حمامة

نعم كانت هناك حمامة

تلك التي طارت

 لتأتي بالبشرى

أضحت صادقة ورحيمة

وعادت إلى عشها

كل ينتظر منها خبرا

وحيث الجميع ينتظرون

 خبر الخلاص

نوح وزوجته

**

وكل الحيوانات والنباتات

وكل زاحف داجن

وكل طير جائع

إن كان أليفا أو

من طيور البراري

جميعهم نادوا وغنوا

أغنية الميلاد :

لنا الحرية ...ولنا الخلاص

**

مد الشاب رأسه

وهمس في أذن حبيبته

ونفخ فيها روحا ؛وبدأ يقول :

النهار لا يمكنه أن يغيب للأبد

نعم أيتها الحبيبة الصغيرة

سنصل اليابسة

ونحيا وحدنا

لزمن قصبر

إلى أن تشرق الشمس

إلى أن تنبع الروح

في الأرض التي نزرعها

إلى أن نرفع الحائط

ونبني البيت

إلى أن نبدأ من جديد

ونتأمل في الغد الآتي

الغد الذي يأتي ببشرى الروح

البشرى الثانية

المجبولة بالحب

الممزوجة بعاطفة الصدر الدافئ

لتريح أعماقناوتُفرِح قلبنا

تجعله يتشجع .. وهي قائلة :

أنا هي الحرية

أنا هي الخلاص

أغمض الشاب عينيه، وأعاد فتحهما

ليهمس في أذن حبيبته

وبصوت خافت ليقول :

دعي السنين يا حبيبتي

دعي السنين العابرة

تدفن أجدادنا

لأننا لا زلنا نحيا

رغم ما عُلقت في رقابنا من الأحمال

فسراجنا بدأ يخفت

وظهرنا يحدودب

وجروحنا لم تزل عميقة عميقة

إلا أننا سنحل قيود أرجلنا

لنتوجه صوب أخوتنا

ونسلم على المحبين

ونشد يدناعلى يد كل شاب

ونقول لهم : سنبني !

ونقول لهم : سنهدم

ولكن لا بد لنا

أن نبني

شيئا واحدا نرجوه لأبائنا

ونردده قائلين :

الراحة الأبدية لكم

لأرواحكم ولأجسادكم

دعونا بسلام

ونحن ننشد أنشودة الموتى

اذهبوا بسلام

الرب معكم

الرب معكم

الرب معكم

***

 

......................

* (يقول الشاعر الانكليزي ت اس اليوت في مطلع إحدى قصائده (في بدايتي تكمن نهايتي) أما أنا فأقول:

/في نهايتي تكمن بدايتي / لآني ما لم انتهِ فلن ابدأ، فكل نهاية تحمل بين طياتها بذرة البداية ومن القديم تنبع الحداثة، وكل موت يعطي مكانا للميلاد.. ميلاد روحٍ جديدة، فالحياة هي موت وميلاد)

 

 

احمد الشيخاويللمغربية نعيمة زايد

عن جامعة المبدعين المغاربة، صدر حديثا للشاعرة المغربية نعيمة زايد، مجموعة شعرية تحت وسوم "بحيرة الصمت" وهي تشغل حيّزا يفوق المائة صفحة، من القطع المتوسط، تتخلّله عشرات القصائد المراوحة بين خطابات تتضارب وتتفاوت، يوقعها الحسّ الرومانسي تارة، والوطني والوجودي الإنساني، تارة أخرى.

منجز تحاول من خلاله الشاعرة أن تُلفت انتباهنا إلى حقيقة جوهرية، تكمن في بلاغة الصمت، بما يعطي تبريرا، ربما، لمنظومة مفاهيمية، قد يفصح عنها التحام حياة الكائن، بجنس تعبيري أزلي يكنّى الشعر، ومن تم، درء انشغالات البحث عن غائيته، باعتباره أرقى من ذلك بكثير، والأجدر أن تُعاش لحظاته كتابة وتذوقا، وتُتنفس زواياه على نحو ينعش واقع الانطفاء والانكسار والعزلة.

الأكيد أننا نكتب وكأننا لا نكتب، ومثل هذه المجموعة، وإن تعثرت دوالها بمناخ الخرق التركيبي، تظل تحيل على عوالم تدبجها إيقاعات الولادة الثانية التي يجود بها الشعر، دونما قيود ولا شروط، سوى لأنه نصّب ذاته سلطانا على القلوب، منذ القدم، وما على الأجيال سوى الابتكار في معانيه، وانتهاك الآفاق المدبّجة بفخاخ البحث في ماهيته، قصد ما ورائيات ألوانه، هنالك أغور ما تكون المقامرات، في ضمنيات هذا النوع الزئبقي المتفلّت، لاكتمال محطات التنعم بمناحي إدهاشه، ومرجانيته المانحة قيما وجمالا ومثالية للذات والحياة والكون.

 نقتبس لها الآتي:

[ نلهو

بحصان من ورق

نشرب

جرحنا ونثمل

ينخمد فينا الشارع

وذراعك تلاعب حلمة الريح

لأبلغ الحلم

هيه

بقعر المرآة أراك](1).

مجموعة تريد لنا الانصراف إلى خبايا البياض، وما يمكن أن تثمره كتابة البياض، ما بحيث ما تفتأ الذات الشاعرة، تجذب إلى عوالم يخفيها ويتستّر عيها الصمت في سكونية رهيبة، كأنما تبرّر عجز الأدب عموما عن احتواء جرح العصر، بما يهب للحالة رؤى إنسانية أكثر موسوعية وشمولية.

تجربة تدلف إلى قطوف هذه المشهدية الساكنة، والمثرثرة بأبعاد المحو وسلطته وجبروته.

وحده المتلقي هنا، تقع على عاتقه مسؤولية تلوين ما وراء هذه البحيرة الساكنة أو الصامتة، ما دامت القراءة تتعدد، وتتمرد على القطبية والدوغمائية وأنانيات التأويل.

يترك له دور إكمال الرّسالة المتغزلة بأوجاع الوجود والأنثوي وجراحات الهوية والانتماء.

مثلما نطالع لها، أيضا، قولها وهي تتقمصّ لغة صامتة، لا تنزّ بغير ما يستفاد من لوحات البياض، تقول أو بالأحرى تهمس، بما تلتقطه عين الأنثى:

[أيا وطنا بضراوة اللغة أرسم قامته

كرخام أبيض لا تراوح المكان

يأتيك الفراش مندسا بعين أنثى

وأنت كقيامة تمسك عنق السماء لتتجلى غيما

اقترب قليلا لتمطر

فليس من في الختم

كمن لم يبارح بالخطو

فاللغة محض بيان

ونحن دون المعنى غياب](2).

بهذا الأسلوب الكريستالي الناصع، تقدّم، ما ينكّه العملية التواصلية ويجعلها مشرعة على فوقية مغزى البياض، تسقط من نكهة البرزخية، على الحالة الإنسانية المتشظية، وتغمز بدوال روح الشعرية المنتصرة للإنسانية والأنثوي والحياة.

إنه وبتأمل عتبة المجموعة، نهتدي إلى ضمنية هذا الربط بين الماء والصمت، وهذا يولّد تشويقا يحفّز النفس الإيجابية، ويترعها أملا وتفاؤلا بفجر يذيل راهنا مطفأ الأرجاء.

نقرأ لها قولها كذلك :

[مفعمة الخطو

أيا امرأة بدرجة وطن

هادني غبارها

عارية أنت

إلا من إعصار رؤيا وعهدة

يا أنت يا أنا

أغرق أصابعي بالظل

وأذكي شهوة التجلي

كي تمور بصهيلها الأحلام

وكأني اليوم بميلاد أقيم

كما لو أني وجه الفتنة الأبهى

حين تؤبن احتضارات مساء ولى

كما لو أن الوجود أقنعة تتبادل

مكتظة بضحك الأطفال

تشرع أبواب الرغبات الصغيرة](3).

منجز يكون التعاطي معه على هذا الأساس، بما تعرّيه هذه المائيات على تنوّع دوالها وعمق ارتباطها ببياض الإبداع، والأقوى في ذلك، ما يشير إلى ترجيح السياق الحياتي في المعادلة ككل.

لذا وانطلاقا من هذه الخلفية، خلفية مزج المفتوح على آفاق التأويل وصفحات الإلهام، بميكانيزم المائيات المثوّرة لجملة من الأغراض الثقافية والعاطفية، تكون شاعرتنا نفضت عن بصمتها هذه، تعتيمات القول الشعري، ورمت بالكرة لصالح المتلقي المنتج، بمعزل عن السلبية التواصلية وبرودة خرائطيتها، محرّضة على مقولة موت المؤلف، كما مغرية بزخم التقاطعات المعرفية والجمالية التي تطفو على الكتابة الغامضة المقبولة، كي تعوّضها بفلسفة ممتدة ومستمدة لنَفس البساطة والاستيعاب، من تصاعدية تفكّك أسرار كهذه تركيبية، يمليها طقس كتابي ما، تستسلم من خلاله الذات، لمعطيات مباغتات البياض وعمق مراميه.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

.......................

هامش:

(1) مقتطف من نص "بحيرة الصمت" صفحة4.

(2) مقتطف من نص "بيان" صفحة 13/14.

(3) مقتطف من نص "حين تدقّ دفوفها الريح" صفحة79.

 

نيرمين ماجد البورنوأحيانا يصور لنا البعض أنهم أجمل أشخاص مروا في حياتنا بأجمل مبادئ وشخصية وتعامل وأخلاق، ويكون حالك حال أفلاطون ومدينته الفاضلة ثم تكتشف أن الصورة "فوتوشوب"، كذلك هم البشر اذا اقتربت لعدَسة الكامِيرا فلَن تظهر صورتهم كاملة فِي الصورَة، ولكن إذا ابتعدت عن العدسة ستري حقيقتهم وأعينهم كاملة، وفي بعض الأحيان نتصور ولا نرغب في رؤيتهم على حقيقتهم، وهناك من يدعون المثالية في صورهم وهم يفتقدون عموما للمنطق، وهناك من فشلوا في إثبات شخصياتهم وسلوكياتهم الواقعية فلجأوا الى العالم الافتراضي لإثباتها وذلك يرجع لأسباب نفسية أو عيب وأسباب عديدة أخرى، وهناك من ابتليت بهم المثالية المزيفة يسرقون ويدعون القيم ويجيدون فن التمثيل ويعتقدون أنهم أذكي الناس ولكن في الغالب تكون آفاقهم ضيقة ونظرتهم عميقة للحياة وهم يفتقرون إلى الإنسانية، فحديثهم شيء وحقيقتهم شيء أخر ويتسترون بستار رداء الدين وتارة تحت رداء الأخلاق حتى وصل الأمر لتشوية الناس المثالية الحقيقية فصار الشخص المثالي في نظر البعض منافق كذاب وصولي.

والأدهى من ذلك عندما يعتقد الإنسان المزيف انه لا يمكن للأخرين من اكتشافه على حقيقته ومازال يمارس أخلاقه المزيفة ونسى أن قناعه قد يسقط وأن جوهره الثمين قد تحول الى رماد بل أحقر من ذلك، والكثير من أصحاب الأقنعة المزيفة، ما هم إلا مرضى مزدوجي الشخصية حيث ان شخصيتهم لا ثبات لها فتارة تراه انسان كامل وتارة تراه انسان رخيص بلا قيم، لذا يجب الحذر عندما نتعامل مع تلك الوجوه التي لا طابع لها ولا لون ولا ضمير، تتلون وتتغير كلما تغير هندامها، ولكن الغريب بالموضوع لماذا التخفي بتلك الأقنعة؟ وما هي الدوافع التي جعلتهم يلبسون الأقنعة الملونة والمراوغة ؟وهل أصبح الناس يخشون الصدق؟ وما الذي تغير الزمن أم الإنسان؟ وهل أصبحت الاقنعة تقليعة قد تؤول الى الانتهاء كفقاعة الصابون؟ أم اضحت وباء ينتشر بلا قيود تردعه ولا مضادات انسانية تخمده؟ وهل من السهل على الناس أن يظهروا في كل موقف بشكل مختلف، وأن يتلونوا تلوّن الحرباء بحسب ما تفتضيه المواقف؟

أصبحت ظاهرة الأقنعة المزيفة ظاهرة ملموسة في عالم التكنولوجيا التي تخفي فيها البشر خلف أقنعة زائفة، وأكاد أجزم بأننا أصبحنا نعيش عصر الأقنعة بامتياز، لذا لا يغرك المظهر والهندام فلا تكن ضحية لإنسان مزدوج الشخصية، لان الاقنعة تتساقط كل يوم وتتساقط عندما تنتهي المصالح ولكنهم لا يعلمون ان الدنيا دوارة فالوجوه تتقابل من جديد ربما في ظروف مختلفة، عندها فقط لن يكون هناك وقت لارتداء أقنعة جديدة، فتبدو الأقنعة بالسلم الذي يصعد به الانسان صوبه لتحقيق أهدافه ولكنه يدوس على انسانيته وفي بعض الاحيان يدوس على قيمه ومبادئه كما يدوس على درجات السلم لكي يصعد ويصل لغايته، ويظهر ذلك جلياً في النصب الإلكتروني وأخذ أموال الناس دون وجه حق والتلاعب بمشاعر الناس ولبس الأقنعة العاطفية والنفسية والاجتماعية، والبعض من الأشخاص يتلونون ويبرعون في المثالية والصدق والوجه المشرق، إلا أنهم في الحقيقة هم كاذبون من الدرجة الأولى ومحتالون في تصرفاتهم، والعجيب بالأمر عندما تشاهد أفلام ومشاهير الأوسكار يمثلون أدوراهم لساعات طوال بينما هؤلاء لديهم القدرة على التمثيل بأدوار شيطانية وتلفزيونية أو مسرحية لمدة طويلة قد تتراوح سنين !

تجمعنا الحياة بأناس ووجوه كثيرة طيبة نتعلق بهم ونثق بصداقتهم وقد يداهمنا النكد والهم ونعود لهم ونخبرهم بما يجول في صدورنا ايمانا منا بنقاء قلوبهم وصفائها المتجلي في ملامح وجوههم وأنهم يظهرون رائعون ومتكاملين في الاخلاق، وبمجرد أن نفترق عنهم قليلا يسقط قناع الصداقة والأخوة الكاذبة ليظهر الوجه الحقيقي ولكنه أي وجه ؟ وعندما نقترب منهم يبدلون أقنعتهم فنكتشفهم، تتعدد أقنعتهم وتتباين ألوانها بعدد يفوق ألوان الطيف السبعة المشهورة، لحظتها نبكي على غبائنا وعلى الثقة العمياء الممنوحة من قلوبنا بصدقٍ وإخلاص وتفاني و حب، يأتي الخريف فتتساقط الأوراق المزيفة عن الأشجار، ثم تعود لنا الأوراق مرة أخرى وبشكلٍ آخر، فكل شيء وله وقته نتحقق به من الصديق ومن العدو، وعندما تتساقط الأقنعة الزائفة وتتعرى الوجوه الكاذبة تصعقنا الحقيقة وتُصدم المشاعر الجميلة وتترك في قلوبنا جرحا تنزف من شدة الألم، لكن المواقف والأحداث التي يمر بها المرء تكشف له المعادن وتعري النفوس وتكشف الزيف، ويكتشف حينها من هو الصديق ومن هو المنافق، فشكرا لك أيتها المواقف والصور فبقدر ما آلمتنا وأدميت قلوبنا بقدر ما أرحتنا وكشفت وجوه تسترت وراء اقنعة مظلمة مطاطية بقناع الإنسانية، نحتاج أحياناً لتلك (القشة الأخيرة) كي تقصم ظهر تلك العلاقات التي أنهكتنا نفسياً وعاطفياً ومادياً وصحياً وأثقلت أعمارنا بالكثير، فليس هناك أناس يتغيرون بل هناك أقنعه تســقط، فلا يخدعنك البريق فالناس كالمعادن منهم الغالي ومنهم الرخيص وفيهم من يبهرك بلمعانه ولكنه في الحقيقة لا يساوي شيء، وقّفوا عن الحب من النظرة الأولى، وآمِنوا بالحب من الموقف الأول“ وحدها المواقف تبني حُباً لا يُهزَم " فليس كل ما يلمع من بعيد ذهبًا.

 

د. نيرمين ماجد البورنو

 

عبد الحسين صالح الطائيأبدع الدكتور حسن البياتي بترجمة كتاب (أساطير القرم)، الصادر عن دار القرم للطباعة والنشر سنة 1961، من اللغة الروسية إلى اللغة العربية. وقد تبنت دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع، الشارقة – بغداد، طباعة الترجمة بعنوان: حكايات أسطورية من شبه جزيرة القرم، بعد تصميم الغلاف بحلية جميلة في شهر سبتمبر 2019.

اهتم علم الأساطير في عرض الأحداث الفلكلورية التي تخص بعض الثقافات لتفسير بعض المظاهر التي تتعلق بالطبيعة والإنسان، عَرف كتاب الموسوعة الفلسفية الأساطير بأنها، مجموعة حكايات تولدت في المراحل الأولى للتاريخ، ولم تكن صورها الخيالية إلا محاولات لتعميم وشرح الظواهر المختلفة للطبيعة والمجتمع. وتتشكل أغلب الأساطير من وحي الخيال، وكلها تتغلب على قوى الطبيعة وتجعلها ثانوية، وتعطي تفسيراً لكثير من ظواهر الطبيعة، ولأشخاص يمتلكون قوى خارقة، وهي من الأساليب الأدبية التي لا تخلو من الحكمة، والدروس الحياتية، وفيها متعة كبيرة للمتلقي.

تضمن الكتاب ترجمة أربعٍ وثلاثين حكاية اسطورية من شبه جزيرة القرم، التي تمتاز بموقعها الجميل في شمال البحر الأسود، وبطبيعتها المشمسة الخلابة ومناظرها الرائعة، ومكانتها التاريخية. الحكايات كلها مجهولة المؤلف، عدا واحدة للأديب الروسي مكسيم غوركي، حكايات نابعة من الموروث الشعبي، تم سردها شفاهاً وتناقلتها الأجيال، اتسمت معظم الحكايات بطابع التشويق، والإسلوب البسيط الذي يحافظ على القيم الجمالية، ولا تخلو بعض الحكايات من المبالغة المستحبة لدور أبطالها، ومدى تفاعلهم مع القوى الخارقة، بعض الحكايات أبطالها من السحرة والساحرات، وأحداثها مستمدة من ظواهر ومشاهد مادية ملموسة كالجبال والصخور والبحار، وبعضها من صنع البشر كالمدن والقرى والقلاع وغيرها.

تشيرأغلب الحكايات إلى البطولة المميزة للشعب، الذي يؤدي دوره النضالي البطولي ضد الغزاة والمحتلين، بإخلاص متفانٍ يجسد حقيقة حب الوطن، والتصدي لقوى الشر. استوقفتني الملحمة الجميلة لحكاية (المهد المخبأ في جبل باصمان)، التي بينت مدى تعلق الشعب الجبلي بإرثهم المقدس، المهد الذهبي، شعبٌ ينبض في مهجته حب الوطن، رفع راية المهد الذهبي كهوية وطنية، بقولهم: (إن أبناء شعبنا لا يخافون أحداً، وأحرى بهم أن يسقطوا جميعاً عن بكرة أبيهم في ساحة المعركة من أن يبيعوا كرامتهم)، ملحمة صمود للشعب الجبلي ضد الغزاة الساحليين، صورة تتكرر في أكثر المراحل الزمنية، عند الشعوب التي تعتز بأرضها وهويتها، ترفع الرايات الوطنية كرمز للهوية وتعبيراً عن مدى التعلق بحب الوطن، وهذا ما نشاهده اليوم في أكثر البلدان التي تنتفض ضد السلطات الجائرة، بأنها تتمسك برفع الراية الوطنية الرمز المُعبر عن وحدة الشعب ضد الظلم والطغيان.

وتجلت وحدة الشعب ضد الجشع الآدمي في حكاية (الحصن الطويل)، التي بينت عمق الطاقة العظيمة الكامنة في كيان الشعب ضد جشع التاجر (رمز السلطة الجائرة)، حكاية تروي مدى قوة الشعب في استرجاع حقوقه المنهوبة، ومدى خوف السلطة من نقمة الشعب، ودور السائح الروسي في التعاضد مع السكان في التصدي للتاجر اللئيم. وهناك اسطورة (الجبل ذو الهدهدين – اوبوك)، التي عكست حالة، تعيشها الكثير من المجتمعات، لطبيعة الصراع بين مواطن الخير ونقيضه، امرأتان جاءتا من بلاد سكانها بخلاء وحسودون، ورمت بهما الأقدار في قرية أهلها بسطاء، بعدما غرقت سفينتهم قرب ساحل الجزيرة، تم الترحيب بهما بكل سخاء، ولكنهما تجبرتا وشكلتا حاشية تنشر الرعب بين سكان القرية، وتستحوذ على كل مقدرات الناس الكرماء، إلى أن أطل على القرية حكيم قادم من بلاد المشرق، تصدى للمرأتين، وأنقذ سكان القرية ومكنهم من الوقوف بوجه الشر، وبشكل اسطوري خارق أوعز الحكيم باختفاء المرأتين، وتحويلهما إلى طيرين (هدهدين)، وسرعان ما ارتفعت من قاع البحر صخرتان كبيرتان تشبهان السفن، في المكان الذي غرقت فيه السفينة، هاتان الصخرتان – السفينتان تذكران الناس بالأحداث المؤلمة التي واجهها سكان تلك القرية.

وحكاية (نافورة الدموع)، تتحدث عن سلطة الحكام المتعطشين للدماء، وكيف يحافظون على عروشهم بكل الأساليب الوحشية، الخان هو الذي استعاض بالسلطة والمجد عن كل شيء: عن الحب، والبشاشة، وحتى الثروة، وقد شاع بين الناس بأن الخان لا قلب له. وتدور الأيام، وفي ذات يوم جاءوا له بجارية سبية جميلة، أحس وهو في خريف العمر بأن قلبه بدأ ينبض بالحياة، وعمل المستحيل بأن يجعلها تميل إليه، ولكنه لم يستطع. لم تعش طويلاً تلك الصبية، عندها أدرك الخان كيف يعاني القلب البشري عندما تلمّ المصيبة بحامله، فأصبحت حياته شاقة، فاستدعى فناناً ايرانياً ماهراً، وطلب منه أن يصنع له من الحجر عملاً يحمل الحزن على مر العصور، طلب منه أن ينحت الحجر بحيث يبكي مثلما يبكي فؤاده. فحفر الفنان على لوحٍ من الرخام بتلة زهرة واحدة، ثم أخرى... وفي وسط الزهرة نقش عيناً بشرية، تسقط منها على صدر الحجر دمعة رجالية ثقيلة دون أن تتوقف على مدى السنين والأزمان. لوحة جميلة تحمل الحب والشجن، نافورة تبكي، تبكي في الليل والنهار تجسد المشاعر الإنسانية بكل صورها، تحمل البهجة والكآبة، الحب والكراهية، تمثل حياة وموت الفتاة الجارية، ومعاناة الخان صاحب القلب الحجري الذي أحب تلك الفتاة.

تجلى حضور العنصر النسائي بشكلٍ بارز في أغلب الحكايات الإسطورية، ففي حكاية (كيكييا – بطلة خيرسونيس)، تجسد كيكييا ملحمة بطولية بعد أن وضعت مصالح شعبها ووطنها فوق كل شيء، فهي التي قررت بأن تدمر الأعداء، بمن فيهم زوجها، الذي اتضحت خيانته لشعبها. وبذلك سمح رؤساء المدينة لبطلتهم (كيكييا)، بأن تختار وهي على قيد الحياة، مكاناً لدفن جنازتها داخل المدينة، وميزوه بتمثال نصفي - على هيأة صدر امرأة – من النحاس الموشى بالذهب، المنقوش بعبارة ناطقة بمأثرتها البطولية الجريئة.  أما حكاية (أوكسانا)، فهي تمثل صلابة الفتاة الفاتنة التي وقعت أسيرة مربوطة اليدين، لدى قطيع من قبائل القرم الرحل الذين انقضوا على قريتها الآمنة، وتم بيعها وتوصيلها إلى مدينة غريبة، لم يتمكن أحد من لمسها، ولم يذهبوا بها إلى الخان، حيث كانوا ينتظرون أن تضعف عزيمتها، كانت ثمة قوة داخلية هائلة تسندها، ولم تفقد الأمل بأن ينقذها حبيبها، الذي تمكن من الوصول إليها متنكراً، فأنقذها بمعجزة بطولية كبيرة، بعدها تمكنا من الهرب بعيداً عن حاشية الخان. وبالمقابل يحدثنا التاريخ عن مصير الكثير من الفتيات الجميلات اللاتي ينتهي بهن الأمر حريماً في قصور خانات التتر أو سلاطين الأتراك، على أيدي قراصنة تجارة الرقيق، لا سيما خلال فترة الحروب التي كانت تدور بين جيوش الدولة العثمانية وروسيا القيصرية.

في الحقيقة، الأساطير لها نكهة جميلة، ولا يمكن تغطيتها بالكامل في هذه المقالة القصيرة، ولابد من الإشارة بأن المترجم قد أضاف ثروة إبداعية للمكتبة العربية، ومقدمتهُ التوضيحية متكاملة غطت الأبعاد الأساسية لمجموعة الأساطير، فهو من المتشبعين بجمال طبيعة جزيرة القرم التي زارها لأكثر من عشر مرات، ولهذا نجده متألقاً في ترجمته التي حافظ بها على الاسلوب المتبع في النص الأصلي للأساطير، وقد أغنى الترجمة بهوامش توضيحية كثيرة مفيدة جداً للمتلقي، استوحاها من بعض المصادر، أهمها الطبعة الروسية. وتمكن البياتي من إضافة لمسة جمالية في اسطورة (الخالدون الثلاثة عشر)، حينما نظم شعراً لإغنية بكائية وردت باللغة الأوكرايينية على لسان إحدى السبايا، بعد تحويلها إلى اللغة الروسية.

 

د. عبدالحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

 

 

1213 برهان المفتيتحت عنوان مجموعته القصصية (كذلك)، الصادرة حديثاً عن دار(نصوص)، يعلن القاص برهان المفتي أنها "قصص قصيرة تحاول الهروب" ..

من ماذا تهرب والى أين؟ وبما أنّ الكلمة هي الإنسان، فعن أي إنسان يحاول الهروب تتحدث قصص المفتي الفنطازية حد الواقعية المبكية بمرارة؟

إنه الإنسان الذي يهوي الى حفرة النهاية، كما في قصة (مدينة الزجاج) التي تتعثر فيها الخطوات ويسقط أصحابها، بناءً على مشيئة (المميز) الذي يبث الرعب في نفوس سكان المدينة، بعد أن يهددهم بضرب أرضهم الزجاجية بقوة إذا لم يسمعوه، وهذا أضطرهم الى الصمت حتى سقطوا في حفرة النهاية .

إنه الإنسان ذو القدم الكبيرة التي تأخذ بانتعال الكلاب بناءً على أوامر كبير القوم، حتى صار كلبا بقدمين ضخمتين، كما في قصة (ربما تعرفونهم)، وعنوان القصة يوجه القارئ الى مايقصده القاص .

إنه الإنسان الذي يخدع من حواليه كي يصور لهم السماء مضيئة بهلال ونجوم هي في حقيقة الامر كرات زجاجية يسرقها من الأطفال، لتنتهي قصة (خدعة) بمفارقة متمثلة بخوف الناس من الظلام، الامر الذي يدفعهم ليطلبوا من المخادع نجوماً، كي يعلقوها في لياليهم السود، في تلك المدينة التي تشتهر بوجود عصابات سرقة الكرات الزجاجية وبكاء الأطفال !

إنه الإنسان الحي الميت، كما في قصة (موت فجائي)، الذي يزرع طبول الحرب كما في قصة (الطبل) ـ والقاص هنا يستخدم مفردة (زرع) بدلا عن (صنع) متعمدا، مثلما تعمد إقران المدفع بالتربية وليس بالصنع او الاستخدام (انتشرت تربية المدافع في مدينتنا) في قصة (المدفع) الذي يطلق بارودا مصنوعا من عظام قتلى الحرب .

إنه الإنسان الذي يعجز عن الإمساك بزمنه كما في قصة (ضياع)، الذي لاظل له ولاذكرى ولاهوية كما في قصة (الدفان)، الذي يخضع لآخر يعد الاول في سلب الناس حرياتهم وخياراتهم بعد دهر كان فيه الزمن والمكان مفتوحين، حيث لافاصل بين الناس ولابين السماء والأرض، ولاسيادة في الأرض كما في قصة (البدايات) ..

هكذا هي قصص المفتي الـ (27) تدور حول أحجار انتظار وتدوير موت وخداع وجشع وضياع ووهم وسلب إرادات وحريات من اجل إخضاع الكل لفرد واحد، بل تبلغ ذروة الخداع حين تُصنع من دموع الأمهات غيوما تصدر رعوداً هي أصوات أبناء ذهبوا الى الحرب بلارجعة، كما في قصة (النداء) .

لاتحتوي المجموعة قصة تحمل عنوانها (كذلك) ما يعني أن هذا العنوان دلالي يؤشر مايريد القاص إيصاله لنا، وهو ماقمت بإيجازه في سؤال وجواب في نهاية هذه القراءة كما سترون .

في المجموعة يخبرنا الراوي بكل شيء، لايترك النهايات مفتوحة كي نتخيلها او يتخيلها كلَ وجع فينا كما يشاء .. الوجع في قصص المفتي هو إنسان تتقاذف الحياة قطعه التي تتناثر كشظايا حلم هو كابوس حلو أكثر مما هو حلم او طموح !

أليس هذا هو إنساننا المكبل، السائر بعينين مغمضتين، الحبيس في قبضة القدر، الغارق في الصمت والقهر والخذلان ؟!

نعم إنه كذلك، حتى يقرر إنهاء العبودية بصرخة مدوية تعلن عن فجر إنساني جديد .

 

أسماء محمد مصطفى

 

محمد عبد الكريم يوسفيشمل جيل آخر موديل الأطفال الذين ولدوا بين عامي 1995 و2010  وهذا يعني أن الجيل الذي سبقهم بدأ يحضر نفسه لدخول سوق العمل. لقد ركزت وسائل الإعلام كثيرا على جيل الألفية في السنوات القليلة الماضية  لكن حان الوقت لتوجيه الانتباه إلى الجيل الذي سيشاركنا بناء المستقبل. وعلينا نحون الجيل الأكبر سنا أن نتفهم جيل آخر موديل وكيف يفكر وكيف يمكن أن نتعاون مع هذا الجيل لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من فائدة في مجالات علمية متعددة . سنتطرق في هذا المقال إلى جيل آخر موديل وكيف يفكر وما هي طموحاته وآفاق تفكيره ويمكن أن نلخصها بما يلي: 

جيل يسعى  نحو الأمن والآمان:

كان شباب هذا الجيل أطفالا في فترة الركود الاقتصادي العالمي الكبير وهذا يعني أنهم لم يشاهدوا والديهم يحققون مكاسب مالية كبيرة وقد زرع والديهم فكرة النضال لتحقيق المكاسب المالية .

وينظر جيل الألفية إلى أنه أكثر مثالية وأكثر تحفيزا بالرواتب من هذا الجيل وهو شيء لا يعرفه جيل آخر موديل الذي يسعى نحو تحقيق الأمن والأمان المالي . جيل آخر موديل جيل برغماتي يسعى لإحداث الاختلاف في حياته وبالتالي ضمان الاستمتاع بحياة آمنه ماديا خارج أوقات العمل .

يعتبر أعضاء فريق جيل آخر موديل أكثر قبولا للإغراءات والوعود المتعلقة بالوظيفة والترقية الوظيفية .

جيل يميل نحو التنافس:

يقال أن جيل الألفية أكثر ميلا للعمل في الفرق  والتعاونيات والعمل الجماعي . ويمكن أن يعمل في بيئة ترى التضمين والعمل المبطن أولوية لتحقيق الأهداف والغايات أما جيل آخر موديل فيميل نحو التنافس والعمل المنفرد والبروز وإظهار المزايا الشخصية أكر من المزايا الجماعية . يدرك أيضا جيل آخر موديل الحاجة لتنمية مهاراته بشكل مستمر للحفاظ على التواصل مع المحيط ومع ما يجري حولهم وربما تعلموا من آبائهم بأن تنمية مهاراتهم الشخصية هو نواة العمل الجاد وأنهم لن يحصلوا على نجاحهم من دون تعب. يعمل جيل آخر موديل بجد ويتوقع أن يتلقى المكافأة على الأعمال التي قدمها .

جيل يرغب بالاستقلال:

يريد جيل آخر موديل  الاستقلال  المعزز بالقدرة التنافسية . ويفضلون العمل بمفردهم حتى لو كان العمل مضن ، كما يفضل هؤلاء العمل في مساحة مكتبية مستقلة  بدلا من الصالات المفتوحة في بعض الشركات . عندما يتاح المجال لأفراد جيل آخر موديل للعمل بمفردهم يبدعون ويتميزون في إدارة مشاريعهم الخاصة  حتى تتألق مهاراتهم وقدراتهم . ولا يفضلون الاعتماد على الغير في إنجاز أعمالهم الخاصة .

يتضح الاستقلال في صفات جيل آخر موديل في اختيار فروعهم في التعليم العالي ويتفوقون على نظرائهم السابقين في جيل الألفية ويحاولون الانتقال بسرعة إلى صف القوى العاملة كما يتجنبون الديون ويجربون الخيارات الكثيرة للوصول إلى الأسعار المعقولة . على أرباب الشركات أن لا يتجاهلوا موظفا ينتمي لهذا الجيل فقد تكون أوراق اعتماده هي ما يبحثون عنه بالذات خاصة وأنهم يمتلكون مهارات استثنائية .

جيل متعدد المهام:

يختلف هذا الجيل عن جيل الألفية في لكثير من الأشياء إذ أن جيل الألفية قد يتعد من التنقل بين الحواسب ومعالجات النصوص والبريد الالكتروني والانترنت . وإذا كنت تعاني من هذه المشكلة مع موظفيك فما عليك إلا انتظار أفراد جيل آخر موديل الذين يتقنون كل مهارات التواصل ويعتادون على التحديث والتطوير عبر عشرات بل مئات التطبيقات الحاسوبية على المحمول أو الهواتف الذكية . يستطيع أعضاء آخر موديل التنقل بين البرامج المختلفة والتجهيزات الحاسوبية بمرونة وسهولة منقطعة النظير . يستطيع هذا الجيل تحمل ساعات العمل الشاق الطويلة وإذا راقبتهم أثناء العمل ستجد أن أفراد هذا الجيل ينظر كل ربع ساعة إلى هاتفهم المحمول ولا تستغرب هذا السلوك لأنهم يحدثون أنفسهم لمدة ثواني معدودات  قبل العودة إلى مهامهم المحددة . قد يعمل هؤلاء الأشخاص حول مهمة مكلفين بها في الحافلة  أو المترو أو أثناء الذهاب والإياب من وإلى المنزل  وقد يعملون في نفس الموضوع أثناء مشاهدة التلفاز وقد تغير هذه التصرفات مكان العمل في السنوات القليلة القادمة. 

جيل يهتم بالمقاولات والمال ورجال الأعمال:

يميل جيل آخر موديل إلى التجارة والمقاولات والمال وينجح بالأعمال التجارية بنسبة 55 % أكثر من جيل الألفية  . يرغب هذا الجيل في بدء الأعمال التجارية في وقت مبكر وهذا ينسجم مع رغبتهم بالاستقلال والنجاح المالي وهذا يبرر دوافعهم الكبيرة للعمل بجد بهدف تحقيق أحلامهم . يمكن لأفراد هذا الجيل التكيف مع اقتصاد المعرفة من أوسع أبوابه ويمكن أن يكونوا موظفين رائعين ويستطيعون أن يؤسسوا أعمالا تجارية مستقلة في المستقبل .

جيل يرغب بالتواصل وجها لوجه:

يفضل أفراد جيل الألفية التواصل عبر البريد الإلكتروني أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة ولكن تشير الإحصائيات إلى أن 53% من أفراد جيل آخر موديل يفضلون التواصل وجها لوجه ويفضلون مناقشة قضاياهم العالقة  أو القضايا الشخصية وجاهيا أكثر من البريد الالكتروني . ويعزى ذلك إلى أن جيل الألفية نشأ معتمدا على التكنولوجيا ووسائل التواصل والبريد الالكتروني والسكايب وسنابشات للتواصل بالكلمة المكتوبة والصوت والصورة أما جيل آخر موديل فإنه يفضل المناقشة وجها لوجه في الاجتماعات الشخصية والعامة ويعتقد أن هذا هو السبيل للتطور المهني . 

جيل أفراده مواطنون رقميون  بكل ما تحمل الكلمة من معنى:

لقد وصف الآباء والأجداد جيل الألفية بأنهم مواطنون رقميون لكن جيل الألفية نشأ في الواقع في عالم كان لا يزال مليئا بخطوط الهاتف الأرضية ذات الأقراص وذات الأرقام والشاشات والساعات والمواعيد والانترنت السلكي واعتادوا على التطور والتقدم مع مرور الوقت ويرتبكون مع بعض التطبيقات الهاتفية والحاسوبية الجديدة والتي تعد من أبسط تقنيات جيل آخر موديل . من ناحية أخرى يعيش هذا الجيل الأخير في عالم يعج بالهواتف الذكية وخدمة الواي فاي المجانية لأطول فترة ممكنة  ويستخدم90 % من جيل آخر موديل البصمة الرقمية إما في اليد أو الوجه أو العينين أو قصة الشعر أو إيماءة الرأس . ويتنقل أفراد هذا الجيل بين المنصات والتقنيات والبرامج الحاسوبية والهواتف الذكية بأيسر السبل وعلاقتهم بالتكنولوجيا فطرية وغريزية أكثر من أي جيل سبقهم .

جيل يريد أن تلبى طلباته:

يتوقع أفراد جيل آخر موديل بأن مكان العمل الذي يعمل يجب أن يحقق جميع متطلباته واحتياجاته مهما كانت . وهو بهذه النزعة يتوافق مع جيل الألفية من حيث توقعاته من موقع العمل . عندما تدخل إلى مكاتب أفراد جيل الألفية تجد أنهم يضعون لمستهم الشخصية في المكاتب ومواقع العمل  إذ أن لهم سماتهم الشخصية الخاصة . 

تشير الدراسات التي تختص بعلم النفس والسلوك إلى أن أفراد هذا الجيل يمكن الاعتماد عليهم في نواحي عديدة خاصة في عصر الانفجار المعرفي والتواصل والاتصالات واقتصاد المعرفة والانتباه.

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.........................

المراجع

Gen  Z , Tom Elmore , 2019  

 

شاكر فريد حسنأهدتني مشكورة الصديقة الكاتبة المعروفة شوقيه عروق منصور، ابنة الناصرة المقيمة في طيرة بني صعب، وزوجة المحلل السياسي والباحث في التاريخ الأستاذ تميم منصور، مجموعتها القصصية الجديدة "مأذون من الليكود"، الصادرة حديثًا عن دار الوسط اليوم وشوقيات للإعلام والنشر برام اللـه – الطيرة، وصمم غلافها الفنان "بَشَّار جَمَال".

وكتبت لي شوقيه في الإهداء: "إلى صديق العمر شاكر فريد حسن، صديق السنوات والبدايات، وما زالت الطريق طويلة لكن مضيئة بحبر الأحرار مع احترامي وتقديري".

وهذا هو الكتاب الرابع عشر في سلسلة اصدارات متنوعة للكاتبة في سياقات مختلفة في الشعر والقصة والمقالة السياسية،  ومنذ أن صدرت مجموعتها القصصية الأولى "امرأة بلا أيام" في اواخر السبعينات عن مؤسسة "المجتمع" لصاحبها الشاعر الراحل ميشيل حداد لم تتوقف عن الكتابة والعطاء، وهي غزيرة النتاج، وجريئة في الطرح ونقد الواقع.

ومجموعة شوقيه " مأذون من الليكود " جاءت في حجم متوسط على مدى 96 صفحة، واشتملت على 15 قصة قصيرة، تميزت بالجدة والحدة والجرأة، واستمدتها من الواقع السياسي والاجتماعي المعاش، وتعري الزيف السائد في كل مجالات الحياة، استهلتها بقصة " المرأة الرجل " واختتمتها بقصة " رائحة الحقيقة النائمة ".

وشوقيه كما عرفناها دائمًا تركز على موضوعات وقضايا ومسائل سياسية واجتماعية مشوقة، تحيكها وتطرزها بأسلوب قصصي نقدي جريء وتهكمي ساخر في أحيان أخرى، خالٍ من التعقيد، بلغة ابداعية واضحة أنيقة ورشيقة، معتمدة السرد والتصوير والوصف والحوار والمجاز للحفر في التجربة الانسانية.

وترتبط القصص بالمحكي الذاتي، وتستلهم تجربتها الثرية في الحياة، وتعطي اهمية للقارئ وإشراكه في الأحداث لجذبه والتأثير فيه، وجعله يتفاعل مع الحدث ومجرياته.

وسواء أكانت قصص المجموعة ذات ابعاد نفسية، او ذات ابعاد اجتماعية وسياسية، فإن شخصياتها تتمظهر عبر محورين، محور الصراع، ومحور الرغبة، على الرغم من أنه لا يمكن الفصل بينهما، وهذه الشخصيات تعيش ازمات ذاتية انسانية أو اجتماعية بفعل الواقع السياسي ، وتعاني رغبات مكبوتة يتولد عنها توتر تعيشه الشخصية مع ذاتها أو مع الآخر. وهذا التوتر يظهر بشكل صراع داخلي خفي، وإما جلي واضح يبرز في العلاقات التي تربط الشخصية بالآخر.

وتتنوع البيئة المكانية الحاوية للأحداث المرورية بين الحاضر والماضي، وتتوزع على القرية والمدينة والحي والشارع والبيت والغربة وحتى الفضاء الالكتروني والعالم الافتراضي، في حين يمتد الزمان عليها بظلاله من الغابر الجميل إلى عصرنا الحالي المعاش بكل وسائله الحديثة.

شوقيه عروق منصور في هذه المجموعة القصصية تثبت من جديد حضورها ومكانتها في المشهد السردي القصصي، وريادتها في كتابة النص القصصي بتقنياته الحديثة، وتجعل من السرد أسلوبًا لاختراق العالم بكل صدق وشجاعة موقف وسديد رأي، بمعول الفضول ومصباح الفضيلة والقيم الانسانية الجمالية، وتتابع دربها بهدوء ورؤية معوله على ما تتبعه من كتابة متعددة ومختلفة الأغراض والمواضيع والقضايا والمسالك والمعارج والمدارج، وبحذر شديد من الوقوع في منزلقات التأثر والتكبر والعجرفة والغرور والنرجسية الوبائية، لكنها تتجرأ على الخوض في تجربة التأليف والكتابة السياسية والسردية غير خائفة وهيابة من الدخول والتغلغل في ادغال اللغة والخروج سالمة غانمة، تنسج حبكتها القصصية ونصها السردي على انقاض ما عبرته واجتازته من تجارب قصصية وحياتية معاشه، ومن طريق وحدود لم تكن ابدًا سالكة وسهلة العبور والمرور.

تحية خالصة من القلب للصديقة القاصة المبدعة شوقيه عروق منصور، وشكري وامتناني على النسخة من الكتاب، وتمنياتي لها بدوام العطاء والابداع ومزيدًا من التألق.

 

بقلم : شاكر فريد حسن