زهير الخويلدي"حزمت أمري على هجر الأحباب من الإناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور"1[1]

يعود الفضل للعلماء الذين انحدروا من تاريخنا الحضاري في اكتشاف صورة العالم كما نعيشها اليوم بعدما ابتكروا أدب الرحلة وفن السفر وعلم الملاحة وتعلقوا بتجارب الهجرة والسياحة والتنقل بين البلدان وضربوا الأرض وركبوا البحر وجالوا في الآفاق واشتهر منهم في هذا المجال كل من ابن حوقل وابن جبير الأندلسي والمسعودي والشريف الإدريسي وياقوت الحموي والحسن الوزان أو ليون الإفريقي والمقدسي وحسان المراكشي وابن رسته وأحمد ابن فضلان وزيارته بلاد الروس والترك والصقالبة.

بيد أن ابن بطوطة وابن ماجد هم الأشهر والأهم في هذا الميدان وذلك لما أفادوه من رحلاتهم من أخبار واكتشافات ولامتلاكهم رؤية تاريخية وإحاطة بالجغرافيا السياسية والذوق الفني والتحليل الثقافي المقارن.

لقد انطلق محمد ابن عبد الله ابن بطوطة المولود سنة 1304 والمتوفي سنة 1377 والمنحدر من قبيلة لواتة في رحلته الاستكشافية للعالم من مسقط رأسه بطنجة من بلاد المغرب وزار الجزائر وتونس ومصر والسودان والحبشة والشام والحجاز واليمن والعراق وفارس وبلاد ماوراء النهرين والهند والصين وجاوة وبلاد الترك والروم وغرب إفريقيا ووسطها وجاب الصحراء الكبرى والجبال العالية والسواحل البحرية وبلغ آسيا الوسطى وجنوب آسيا وشرق إفريقيا والصومال وأرض الأندلس وشواطئ المحيط الأطلسي.

لقد بلغت المسارات التي انخرط فيها أمير الرحالين مسافات طويلة واستغرقت عقودا بأسرها وتطلبت بذل تضحيات جسيمة من الناحية المادية والاجتماعية ولكنها كانت رحلة غنية ومثمرة ومفيدة إلى أبعد الحدود.

لقد كان ابن بطوطة يتقن العديد من اللغات إلى جانب العربية والأمازيغية والتركية والفارسية وبرع في الشعر والأدب والرواية وترك لنا كتابه الشهير "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" الذي صور فيها معظم البلدان التي زارها ووصف ما رأى من عادات وتقاليد وذكر الكثير من الأحداث والأفراد ونال به شهرة أول رحالة منفرد قبل بداية النقل البخاري وتمت ترجمة بعض فصوله إلى اللغة الألمانية.

لقد دوّن أهمية التصنيع في تقدم الدول وتسهيل استعمال النقود الورقية للعمليات التجارية وتوقف عند الوجبات الغذائية والنبتات والتوابل المستعملة في المطبخ وفي الطب واهتم بالحيوانات الأهلية والملابس وانتبه إلى جمالية صور الصين العظيم وتعجب من تجاوب الشعوب الأسيوية في جزر ماليزيا وأندونيسيا والفلبين وبلاد التتار والأتراك مع ثقافته وحلم بعد عبوره الصحراء بجلب كنوز الذهب من أدغال إفريقيا.

لقد تعرض أثناء رحلاته للكثير من المخاطر والأهوال وعاش وضعيات قصوى تغلب عليها بالاستعانة بالصبر والتسلح بالإرادة وبالتقرب من الملوك والسلاطين والأمراء وساهم في توطيد السلم بين الدول وإبرام اتفاقيات صلح وتوقيع معاهدات في التبادل التجاري وقام بالتعريف بثقافته وآدابه وقيمها الكونية.

لقد بلغ القاضي الرحالة ابن بطوطة مراده من الدنيا ومراميه من الحياة بالسياحة في الأرض ومقابلة معظم شعوب الكون والتعرف على عاداتهم وتقاليدهم والالتقاء بهم في أماكن تواجدهم والتواصل  مع حكامهم. لقد انتهى به المطاف إلى تفقد البحر المتوسط وزيارة جزره من الشرق إلى الغرب مبينا أهميته في العالم. فهل يمكن استئناف هذه النزعة الاستطلاعية التي اتصفت بها الشعوب الحرة وإيقاظ روح المغامرة في الفضاء من سباتها؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

......................

المصدر:

محمد ابن عبد الله ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، دار إحياء العلوم، بيروت، 1987، 799صفحة.

 

محمد سيف المفتيقال عن نفسه: في كل عصر يوجد ناس من كل العصور وأنا لا أريد أن أكون نسخة من التكرار الأبدي، أريد أن أكون وحيد نفسي وعصري وحياتي ولعنتي ورضائي وموتي وبعثي وتشبثي بما أنا وما لست أنا وما لست بعد إياه بالذي كان ولم يكن...

الخبز الحافي رواية السيد محمد شكري المغربي الامازيغي تناولت كل ما يخدش الحياء العربي الغيور كما قيل عنها. أنتقده كثير من النقاد وهاجمه كثير من المثقفين لأنه أخذنا معه صغارا وكبارا الى مواقع الرذيلة، الى سنوات طفولته التي لم يقضي ليلة فيها إلا سكرانا أو راقدا بجوار غانية أو بتفريغ رغباته الجنسية في لعبته الجنسية التي صنعها من الطبيعة. حدثنا شكري في روايته عن الحفاة الحالمين بنعل والباحثين عن فتات الخبز في زمن المجاعة. كان الروائي صريحا فيما يتعلمه أطفال الشوارع في العالم السفلي، الموجود تقريبا في معظم المدن الكبيرة. 

يتحدث كذلك الراوي عن واقعة قتل والده لأخيه ودفنه في قبر مندثر منسي في زاوية المقبرة البعيدة، حادثة لم تثني والده عن الاستمرار في شرب الخمور والتمتع بالـ "كيف" مع الأصدقاء، معتمدا على دخل ابنه القاصر الذي جعله يعمل كحمار. ويحدثنا عن فوضى المشاعر المختلجة في داخله عندما كان يسمع كيف كان ابوه يأخذ حقه الشرعي من أمه في نفس الغرفة التي يسكنون فيها جميعا، لم يكن يعلم أكثر من أن القبلات والحركات تنفخ بطن أمه لتلد بعد تسعة أشهر بائسا أو بائسة جديدة. طرح قضية عنف الرجل وأمراض الحرب النفسية بواقعية بسيطة.

حدثنا بجرأة لم نعتد عليها في عالمنا العربي عن كيفية استغلاله وهو طفل قاصر لم يبلغ الـ 18 من قبل رجل كبير السن مترهل البطن مقابل ثمن بخس، وكيف قام هو باستغلال صبي آخر ناكرا فعلته أمام اهله.

وجه للكاتب كثير من النقد وبطريقة أو بأخرى كان يدور هذا النقد حول كيف يمكن له في هذه السن المبكرة أن يتحدث عن المواخير وشراء لذة سريعة بهذه الطريقة، ونقد موجه الى طبيعة عمله الشرعي وغير الشرعي، من التهريب الى السرقة الخ الخ. اعتبر النقاد ما قدمه محمد شكري خدشا للذوق العربي وتشويها للذائقة العربية.

 الغريب في هذه الرواية أن الروائي محمد شكري حرم من فرصة تعلم اللغة حتى بلغ العشرين، وكتب روايته سنة 1972 ولم تنشر بالعربية إلا بعد أن ترجمت الى 38 لغة. أيا ترى هل بول بولز الذي ترجمها الى الإنجليزية سنة 1973 لم يخشى من تدمير الذائقة الامريكية والاوربية، على كل حال لم تنشر بالعربية إلا بعد عشرة أعوام من نشرها.

السؤال الذي يطرح نفسه. هل هي رواية اباحية؟

من وجهة نظري هذه الرواية هي مرآة المجتمع العربي، وكل من لا يتحمل النظر الى صورته في هذه المرآة هو أجبن من يلاقي واقعه. علينا أن نطرح على أنفسنا سؤالا مهما. هل ما طرحه الروائي في سيرته الذاتية قدح وتشويه من خيال أم حقيقة؟

الجواب بالأجماع (قصة واقعية) ولنفترض جدلا أن الخبز الحافي قصة خيالية، لكن هناك آلاف الحالات يعيشون مثل هذه الظروف.

لهذا السبب ارى أن النقد الموجهة لهذه الرواية ولشخص محمد شكري ابن الريف المغربي، الذي هرب منه مع عائلته باحثين عن قطعة خبز يابسة بدل أكل الحيوانات النافقة هو تهرب من الواقع. شعوبنا لا تتحدث عن العنف على انه ظاهرة يجب الوقوف عندها وتسمى بمسميات مختلفة، توجيه، تهذيب أو تربية، شعوبنا أجبن من أن تواجه واقعها المعقد، ولا تجرأ على تسميه الأسماء بمسمياتها لأنها في هذه الحالة تتطلب مواجهة وعمل جديد قد يتعارض مع اعتادت عليه شعوبنا لقرون وقرون. ذنب محمد رشدي أنه بدلا من قوله إن الشوارع كانت تعج ببائعات الهوى قال إنه كانت تعج بالـ "قحاب"، وقد اتفق مع البعض أنه كان بإمكانه نقل الحقيقة بكلمات أرق، لكنها رغم كل شيء لن تغير من صورة الواقع شيئا.

الناقد الأدبي ورجل الدين والمثقف هو الجهة التي ينظر اليها المجتمع على أنها الجهة التصحيحية للمسارات والنزعات الخاطئة في المجتمع، فاذا قاموا هم بنقد هذه الرواية وتجميل الواقع بالكلمات فنحن أمام معضلة التصحيح، هل سنستمر بتسمية االسرطان بـ

 " ذاك المرض".

أنا منحاز لـ الروائي محمد شكري.

لكوني روائي وكاتب ولي رواية ابين فيها كثير من جوانب حياة اللاجئين بطريقة واضحة أو ممكن تسميتها فاضحة فإنني اتعاطف مع المرحوم محمد شكري، لأن العالم العربي لم يدرك حتى هذا اليوم. أننا ككتاب عندما نتعرى أمام الجمهور فأننا نمنحه فرصة تعلم التشريح واكتشاف اعضائنا ورغباتنا الإنسانية، شذوذا كانت أم طبيعية. ففي المحصلة النهاية هي رغبات إنسانية، رغم أنني لست مع الكتابة الإباحية إلا أنني أرى أن الخبز الحافي هي مرآة علينا الوقوف أمامها..

تقول السيدة linda Noor رئيسة منظمة Minotenk  النرويجية في محاضرتها الأخيرة في أوسلو والتي تناولت الصحة الجنسية، (لجوء الناس الى الجنس قد يكون هروب من واقع يعج بالمعاناة، فمن المهم أن يدركوا معنى الصحة الجنسية) هذا هو ما جعل الروائي يستجدي هلاكه بين أحضان المومسات. فكيف لو عاش الانسان في ظروف حرب، فقر، خوف وجوع دفعة واحدة كما يحدث اليوم في كثير من بلداننا. انتشار الدعارة في مجتمعاتنا العربية دليل على واقع مرير يعاني منه المواطن من أنظمة حكم الأقلية والعائلة، وعدم العدالة في توزيع الفرص والأنظمة الفاسدة البعيدة عن الديمقراطية والقائمة طويلة.

مرت على بلداننا عدة أزمات وحروب والأنظمة مستمرة بالتصحيح والتحسين بالكلام، تحسين الواقع بالكلمات يبقي الحيالة على ما هي عليه. دولنا بحاجة لتغيير فعلي وعدم تحميل المواطن البسيط جرم القيادات الاستبدادية.

وكما ختم محمد رشدي روايته عند زيارته قبر أخيه طالبا من صديقه قراءة القرآن على روحه.

" أثناء قراءته كنت أنثر الزهور والريحان على بعض القبور وعلى الأرض غير المقبرة بعد. كان مدفونا هناك. ربما تحت قدمي أو تحت قدمي عبد المالك أوفي مكان ما. فجأة فكرت. لكن لماذا هذه القراءة على قبر أخي المجهول؟ إنه لم يذنب. لم يعش سوى مرضه ثم قتله أبي. تذكرت قول الشيخ الذي دفنه: (أخوك الآن مع الملائكة).

أخي صار ملاكا وأنا؟ سأكون شيطانا، هذا لا ريب فيه. الصغار إذا ماتوا يصيرون ملائكة والكبار شياطين.

لقد فاتني أن أكون ملاكاً" 

بما لا يقبل الشك فإن كلمات محمد رشدي قد خدشت الحياء العربي فهاجمت مجتمعاتنا كلمات الرواية ونسيت الطفل الذي نشأ في الشارع ومعاناته، ومعاناة الكثير من أمثاله حتى هذا اليوم في بلداننا، أن الواقع يخدش جبين الإنسانية وهو دليل دامغ على مجتمعاتنا المريضة لا تملك إحساسا إنسانيا بمستوى مأساتنا. ناموا ولا تستيقظوا.. هنيئا نوم النعامات.

 

محمد سيف المفتي

 

نايف عبوشظلت الموصل على الدوام حاضرة في اذهان من عاشوا تفاصيل بيئتها الثرية، تحضرا، ورقيا، وحسا مرهفا.. فتغنوا بأمجادها.

ولعل لتموضعها المكاني على ضفاف دجلة الخالد، قبالة ربوة البوسيف بالتواءاتها المتهدجة، في توأمية عجيبة مع شطآن النهر الساحرة، وطقسها الخلاب، ذي الرببعين، أثرا بالغا، في تثوير إبداعات، وشحن مشاعر ابنائها من الشعراء والأدباء، بإرهاصات الرقة، والإبداع، وانثيالات فيوضات انتمائهم للمكان، والبيئة، والإنسان معا.

على أن غابات الغرب، وأحراش الطرفا، وأسراب النوارس، ربما شكلت هي الأخرى بامتدادها الطبيعي على ضفتي النهر الازلي، المنساب من جوانح الموصل حتى اطراف ديرة جنوب الموصل، بتماثل يرتقي الى درجة التطابق، آصرة تواصل مكاني وجداني، فكانت بتلك الشواخص الساحرة، مصدر إيحاء غني لمشاعر الشعراء الجياشة، التي تفاعلت مع عناصر هذا الفضاء المفتوح، بتناسل صور جميلة، من الغزل العذري بتلك الميساء الممشوقة.

والشاعر المبدع.. احمد علي السالم.. ابوكوثر..كعنصر حي من عناصر كائنات تلك البيئة، ببعدها الريفي من أطراف جنوب الموصل، المتعاشق عضويا مع بعدها الحضري، قد تفاعل ابداعيا مع مشهد حركة ذلك الحال، ما جعل عشقه للموصل الحدباء ايقونة حب أزلي، استقرت في صلب عملية التشكل الشعري لتجلياته الوجدانية، التي تجسدت في نظم قصيدته الرائعة (سينية الحدباء)، لتعكس اندماجه، وتماهيه العاطفي، مع كائنات بيئته الموحية له، ريفا، ومدينة، وتوازيه الروحي مع مجسمات المكان، التي تفوح بصدق انتماء الشاعر لموصله الحبيبة، عندما يقول:

وفي عيوني ترى الحدباء شاخصـة  ام الرمــاح وعهــدي ناسـها ناســي

حورية الجيد في سـيمائها حــــدب   كأنـــها مــلك يـرنــو لـجــلاســــي

غفت على النهر واهتزت جوانبها   بالورد والكرم والصفصاف والاس

ام الربيعين مــا ابهــى مــرابعــها   ومــــا ارق هـــواها والـهوى قاسي

ويبدو انه عندما اراد استحضار الماضي كنوع من الحنين الى مرموزاته الموصلية، يوم كان يسكنها للدراسة، فذلك لأنه لا يريد لماضيه أن يغادر عالم حاضره، لاسيما وان ماضيه الجميل قد سكن الذاكرة، واستطاب الإقامة الدائمة في دهاليزها العميقة، فاستحال عليه الإفلات منها، حتى مع حقيقة يقينه بأن الماضي بهيئته التي يحن اليها لن يعود، فهو مثل ماء نهر دجلتها المنساب مع مجراه الازلي، لا يرجع اليها بعد ان غادر الى اطرافها باتجاه المصب، الى حيث لا رجعة، بعد ان تزاحمت خيالاته بالخواطر الموجعة :

وهمت واحتشد الماضي بـذاكرتــي   وزاحمـتني خيالاتـي وأحـداسـي

وعاد بي خاطري والقلب يوجعنـي   الى عهود الصبا والراح والكاس

ولا جرم ان استغراق الشاعر احمد علي السالم، في الماضي بهذه الارتجاعية التلقائية، يضمر رغبته الصريحة لتعويض حاضره المقفر بانزياحه المكاني بمرور الزمن عن فضاء لوحة المدينة الجميلة، والتشبث بالماضي كحلم وردي يتطلع اليه، حتى ولو جاء بصيغة استذكار عاطفي، مع يقينه بصعوبة الوصول اليه. لكن حبه للموصل الحدباء يظل متلبسا ذاته الوجدانية، حيث نتلمس ذلك بوضوح في قوله :

يميل قلبي لها والروح تعشقها   ممشوقة القد مثل الغصن مياس

اميرة كالزلال العذب صافية    كأنـها درة في كــف غطـــاس

انها إلفة عجيبة بين الشاعر احمد علي السالم، ومحبوبته الموصل الحدباء، التي يميل اليها دوما قلبه، وتعشقها ابدا روحه، فلا ينفك يتغنى ببهائها في مجالس الدواوين، وفي المقابسات الشعرية التي تجري عادة في المناسبات العامة في ربوع ديرته جنوب الموصل. ولعلها ظاهرة اجتماعية ثقافية، تستحق التأمل، وتسليط الضوء عليها من قبل المهتمين بالأدب، والثقافة، والتراث، من الباحثين، والأكاديميين، والكتاب، وغيرهم .

 

نايف عبوش

 

ضياء نافعلا يمكن ان يكون عنوان مقالتنا صحيحا اذا قلنا - (بونين في العراق)، فهو ليس مثل غوركي او تشيخوف او بوشكين او دستويفسكي او تولستوي او تورغينيف...الخ اسماء الادباء الروس الكبار والمشاهير عندنا، والذين بدأت شهرتهم بالتدريج منذ الثلث الاول للقرن العشرين فصاعدا، لكن بونين مع ذلك دخل الى العراق بشكل متأخر مقارنة بتلك الاسماء، وانه دخل دون (تأشيرة دخول، او فيزا كما نقول)، لأنه كان من المغضوب عليهم في الاتحاد السوفيتي بعد رفضه لثورة اكتوبر، ثم هجرته من روسيا السوفيتية، ثم (ثالثة الاثافي!) وهي حصوله على جائزة نوبل للآداب في الثلاثينات، ولكنه – مع هذا - فقد حصل على (الاقامة !) القانونية في بلدنا رغم هذا الدخول غير القانوني والمتأخر، ويمكن الان ان نقول انه موجود بيننا في العراق - بشكل او بآخر - مثل بقية الادباء الروس الكبار، الذين ذكرناهم اعلاه، رغم انه لم يصل بعد الى شهرتهم وشعبيتهم الواسعة.

 بونين في العراق يرتبط قبل كل شئ باسم د. جودت هوشيار، والذي يمثّل ظاهرة فريدة وجميلة جدا في تاريخ الادب الروسي في العراق، اذ انه جاء الى الادب الروسي من اختصاص بعيد جدا عن الادب، وهو الهندسة والكهرباء، فقد تخرّج في معهد الطاقة (جامعة الطاقة الان) في موسكو، حيث كان معنا ضمن الطلبة العراقيين الاوائل في الاتحاد السوفيتي بداية الستينات، وحصل على شهادة الدكتوراه في اختصاصه ذاك، وعاد الى العراق وعمل بشكل ناجح هناك في مجال اختصاصه، ولكن جودت كان عاشقا كبيرا للادب الروسي، وقد تفاعل مع هذا الادب بحكم دراسته الطويلة في روسيا واتقانه للغة الروسية بشكل معمق وممتاز، والعشق يمنح للعاشق قوة جبّارة وخارقة كما هو معروف، ويستطيع العاشق بها ان يحقق المعجزات، وهذا ما حدث فعلا، وهكذا برز د. جودت هوشيار في مجال الترجمة عن اللغة الروسية، وأصدرت له وزارة الاعلام العراقية كتابا مترجما عن الروسية في بداية السبعينات عنوانه – (دراسات معاصرة)، وفيه اشارات عميقة الى بونين، ثم نشر قصصا مترجمة لبونين في الدوريات العراقية، وانتبه الى ترجماته استاذ جيلنا د. علي جواد الطاهر، الذي كان يرصد ما يجري آنذاك في مجال الادب بعيونه النقدية الذكية، وطرح استفسارا حول بونين، اذ لم يكن لا بونين ولا هوشيار من الاسماء المعروفة آنذاك للطاهر، ويفخر د. جودت بكل هذه التفاصيل حول بدايات مسيرته الترجمية حول بونين، والذي تبين انه (اي جودت هوشيار) كان من المعجبين جدا بادبه ومن المطلعين بعمق على ابداعه. وأذكر جيدا، ان صديقي المرحوم د. احسان فؤاد (الشاعر الكردي الرقيق وخريج جامعة موسكو والمثقف العميق)، الذي كان مديرا عاما لمديرية الثقافة الكردية في وزارة الاعلام (و التي أصدرت بالذات ذلك الكتاب آنذاك) كان معجبا جدا بموهبة جودت الترجمية والادبية عموما، وقد حدّثني مرة عن ذلك . واستمر د. جودت بتقديم بونين لنا لحد الان في نشاطه الادبي المتنوع، اذ لانزال نقرأ نصوصا لبونين بترجمته ودراسات عميقة وجميلة عن مكانته في مسيرة الادب الروسي، وكم اتمنى ان ارى يوما كتابا خاصا يضم تلك الكتابات البونينية (ان صحّ التعبير)، خصوصا وان جودت هوشيار اصبح اليوم نجما من نجوم الباحثين العراقيين في مجال الادب الروسي والعالمي ايضا، وذلك عندما (تحرر!) من اختصاصه الهندسي الكهربائي وتفرّغ كليّا لعشقه الادبي ...

ولابد من التوقف هنا عند اسم آخر هو - حسين علي خضير الشويلي، التدريسي الان في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد، الذي أصدر اول ديوان لبونين في العراق، وربما في عالمنا العربي ايضا حسب علمي المتواضع حول شعر بونين بالعربية . الشويلي كان طالبا في قسمنا، وقد طلب منيّ – بحكم العلاقة بين الطالب واستاذه – ان اكتب مقدمة لديوانه ذاك، وقد كتبت تلك المقدمة بكل سرور وحب ، وصدر الديوان فعلا بترجمته الحلوة تلك ومقدمتي (انظرمقالتنا بعنوان – مترجم جديد في قبيلتنا). وأصدر الشويلي كتابا آخر في بغداد يضم مختارات من الشعر الروسي، وهناك ايضا بعض قصائد لبونين . يقول البعض، ان الشويلي كان جريئا جدا حين أقدم في اول عمل ترجمي له على هذه الخطوة، وانه كان يجب عليه ان يتمرّن اكثر في مجال الترجمة قبل ذلك، ولكن البعض الآخر يقول، ان اي عمل ابداعي يتطلب الشجاعة والاقدام، وان عمله هو محاولة جريئة تحمل روح الشباب وحماسه، وانه اجتهاد ابداعي جميل، ومثل كل اجتهاد، قد يخطئ وقد يصيب، ولكنه عمل جيد ومفيد في كلا الحالتين.

ويجب الاشارة حتما الى اسم عبد الله حبه عند الكلام عن بونين الذي يدق باب العراق، فهو الذي ترجم كتابه الشهير (الدروب الظليلة)، رغم ان الكتاب صدر في موسكو ضمن منشورات دار رادوغا المعروفة عام1987 (انظر مقالتنا بعنوان – عبد الله حبه والادب الروسي) . ان عبد الله حبه عراقي اصيل يعيش في موسكو منذ ستينيات القرن العشرين ولحد الان نتيجة ظروفه الحياتية الخاصة (اي حوالي ستين سنة !)، ولكن نشاطه الابداعي يمكن ان نسجله لوطنه الام - العراق ايضا، وليس عبثا، ان دار المدى العراقية قد اعادت اصدار هذا الكتاب في العراق قبل فترة قصيرة...

بونين يدق باب العراق، فلنفتح له الابواب على مصراعيها، واهلا وسهلا ومرحبا بالمبدعين الروس وغير الروس من امثاله في البلاد التي تحتضن اور وبابل ونينوى وبغداد والكوفة وسرّ من رأى...         

 

أ.د. ضياء نافع

 

نجيب طلالأخْـتـاه ويا أخـتـاه،.. يا رابطة الـدم بيننا... يا أختـاه، يا أصغر إخوتي، ماكنتُ أتخيل أن يـرِّن ذاك الملعُـون؛ حاملا نعْـيكِ، نعْي أوْ وفاة أو حـتف ٌ أوموتٌ ....سيان، أمام نهاية مفاجئة غير مفهومة؛ نهاية أعادتْ بسرعة برق لافِـت؛ شريط حياتك بيننا وخارجها ..وأتساءل بحُـرقة الوداع .ما كنت أتوقع أن تسقط ورقـَتكِ في عِـز القوة والحيوية؛ رغم متاعب الحياة وهمـوم أبنائك الثلاث ومتطلباتهم، ثلاثة أبناء من الصعب تربيتهم في زمن تكلفته باهضة؛ وارتخاء زوج مُهمل في أداء عمله، عمل يَـدر نقودا محترمة؛ من ألبسة تقليدية بين يديه شهْـدا؛ لكنَ لعْـنة الكيف والمخدرات نخرت قِـواه؛ وأمسى كسولا وكسولا...ولا مباليا ...لا مباليا بأسرته وحاجياتها؛ لكن روحك المعنوية؛ وتربيتك الأصيلة؛ ما فـرطتِ فيه ولا في أبنائك؛ بقيتِ مكافحة؛ مناضلة، من أجل لقمة عيش بالكاد .لم تتشكِ يوما من الخصاصة ولا من الجـِراح؛ لنا ولغيرنا؛ رافعة رأسك بشموخ أمام الجيران وأمام بعض أفـراد عائلتك التي كانت ترحَـل إليك لقضاء عطل الصيف شمالا، مؤمنة بأن الشكوى مذلة ومنقصة؛ لذا كنتِ تحاولين قـَدر الجهد طرد اليأس والحاجة؛ تخـْفين دموع طعنات غدر الزمان بك؛ مُتشمرة على سواعدكِ بتقديم خدمات الدعم التعليمي لأبناء الحي وما جاوره؛ ولقد كانوا خير سند في دعمك روحيا وماديا؛ مقابل هـذا حاولتِ العودة لموهبتك في طرز وحياكة المنادل والأغطية لمن يرغب في ذلك . لكي تكوني سعيدة، وتحقيق معْـنى لذاك الاسم المدون في الوثائق الرسمية – [سعـيدة ]- وما كنت ِسعـيدة حقا في دنياك، تِلك أسماء خَـداعة: مـزيفة . أسماء لا تفي بمعناها ودلالتها تطبيقا وتفعيلا في أرض واقع مادي ملموس، واقع معـاش وعَـصي عن الفهم.

إذ تبقى هي تلك أسماء للتمييز بين هذا وذاك لحظة النداء؛ ومن يختارها يوم الذبيحة / العقيقة: يُخادع نفـسه؟ وهل تلك الأسماء التي نحملها، تنطبق عليها (سورة النـجم 23): إن هي إلا أسْمَاءٌ سميتموها أَنتـمْ وَآبَاؤُكم مَّا أَنزَل اللَّه بِهَا مِن سُلطان إِن يَتبـعُونَ إِلا الظـنَّ وَمَا تَهْوَى الأنفُـس..؟ لأن الاسم يبدو إثــما لحامله؛ كأننا أوثان ملعونة، وأصنام تتحرك في فـَلـَك يعاكس طموحات الإنسان ورغباته، كيف لاسْـم {سعيدة} قـيْد حياتها يُصرَّف عمليا؟ وما عَـرفتْ صاحبته ُالسعْـدَ ولا الفـَرح؟ يومَ ولدتْ في زمن النكسة / الهزيمة العربية بشهرين توفي والِـدنا؛ وما حققتِ الصبابة في عِـناقِـه والاحتماء في حضنه والنظر في وجْهه الصلب بروح الجندية التي غرستها فيه الثكنات (الفرنسية) عشتِ وعِـشنا اليتـم؟ رغم كفاح الوالدة وتكالب عائلتها علينا؛ ومحاولتها مرات ومرات بيع أثاثنا المُـلمع والمفضوض، وما كانتْ تملكه من أساِورَ من ذهب خـالص، لكي نعـيش ونتعلم، وإرضاء تكالب إخوتها الذين هم أخوالك وخالتك، تلك الشرذِمة ما ساعـدونا ولا أسعـدونا يوما . بل ظلوا في منزلنا الذي اشتراه والدنا .ذاك المنزل المتواضع؛ الذي لم يراه يوما ولم ينم فيه ساعة؟ تلك الشرذمة،، كانتْ تنتظرما ستجود به القيادة العليا للجندية الفرنسية؛ من تحصيل معاش والدنا . إنَّه الطمع ُ، حول غـنيمة التقاعد ذاك الذي كانت والدتنا رغم صغر سنها تتقاتل هنا وهناك من أجل الحصول عليه وإبقاء الأجر الشهري مـن بلدٍ لا يعْـرف إلا الصرامة والضبط الإداري. هـنا فبوح الصدمة أعاد بي للطفولة ومجرياتها والسؤال المؤرق الذي كنتُ أردده مرات ومرات: أي منطق يمنطق كينونتنا هل نحْـن هنا أم هناك؟ لأننا نعيش في بلـَد ونعـيش ونتربى بأموال بلد آخـر إنها لمفارقة (؟) 

تذكرين يا أختاه وإن كنتِ الآن تفترشين الـترى؛ وتتلحفين بلـَـحْـد ولـُحود مرتبة على جسدك الذي فقد الحركة؛ أنك يوميا – تقريبا- كنت تبكين؛ ولا ندري لماذا؟ لأن حضن الجَـدة كان يأويك بقـوة؛لأنه كان شاعرا لما البكاء بدون سبب في نـظرنا؟ لـكنْ اكتشفنا السبب بعْـد وفاة جَـدتك وأنت في المتوسط؛ بأن زملاء قسمك الأول والثاني؛ كانوا ينادونك باليتيمة، آه ثم آه... اليُـتـْم معْـيَرة وسـُبَّة يا تربة الإسلام ...،،

حاولتِ الاجتهاد وفـُزت بالثانوية العامة؛ وانخرطت في شعبة التاريخ القديم؟ رفضتُ هاته الشعبة لإيماني ما فائدة معرفة رموس ورُمولوس مؤسسو روما وديكتاتورية سولا....؟ والحاجة تنادي؛ والفقر ينشر جناحيه علينا بدون هوادة؟ تلك الشعبة: لمن شبع بطنه؛ كنت لا أنافقكِ يا أختاه .تلك شعْـبة الترف والمترفين لمن يريد معرفة كيف نمت ظاهرة العبيد الأجنبي واستفحال الإقطاع،، لأننا في الأصل لسنا مجتمعا معرفيا؛ بقدرما نحن مجتمع خبزي؟ هكذا تأسست الدول العربية من عهد الخيمة إلى العمارة، فكنت عنيدة لقرارك؛ فـَسقطت في المحظور؛ ولم تستطيعي إتمام دراستك لجفاء مادة التاريخ الروماني والبطليمي.

ففكرتِ الهجرة لإحدى دول الخليج؛ دون علمي، لكن افتضح الأمر حينما لم تتوصلي بجواز سفرك في الإبان؛ يوم كان الجواز لا يأخذه إلا الراسخون في المواطنة (؟) فالتجأت والدتي إليَّ؛ للبحث عن مصيره؟ فوجَـدناه في مديرية الأمن مركونا يحتاج لبحث خاص؟؟ والمسؤول كان صديقا قريبا من حَـارتِنا وقتئذ . فـقام بالواجب يومه الجمعة؛ وكان سفـَـركِ غـدا (السبت) ولا أدري لماذا هاته المواربة؟ لكي لا أعارض، ما كنت سأعارض؛ لأنني كنت مدركا أن العودة لامحالة. وكذلك كان: لم تمض ثلاث سنوات فهربتِ من أصحابِ العقال والإيمان السنوي، مما رأيت ِ بأم عينيك من استبداد واستعباد أناسها للمهاجرين ( العرب) رغم أنك كنتِ في كـنـَفِ أميرة ترعَيْ أبناءها . فبعد الهروب بشهور، ارتميت في حضن الزواج غفـلة ً لتهاجِـر مدينتك نحو الشمال؛ وأنتِ صغيرة السن والتجاربِ؛ لأن أطرافا وشرذمة قوم تحالفوا بناء على: زُيِّنَ للناس حُبُّ الشهوات من النساء وَالْبَنِينَ والقناطير مِنَ الذَّهَـبِ وَالْفـضَّةِ ( ال عمران 14) لكي يتم زواجكِ لماذا؟ لا ندري؛ لأنني لم أكن مساهما في الحضور؛ لأن تلك الشرذمة رفضت حضور زوجتي ما الأسباب؟ لأنها زوجتي، وكفى، ونسيتْ وأغفلـت ْ والدتنا- رحمة الله عليها-:وَزَيَّنَ لـهُمُ الشَّيْطَان أعمالهم فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل فَهُمْ لا يَهتدونَ (النمل 24) فوافقتْ وباركتْ زواجكِ ...ليبدأ مسلسل المآسي والفاقة والحاجة؛ لكي لا تكوني سعيدة ولن ولم تعرفِ ما معنى سعـيدة كمفهوم مُفعل في كينونتكِ؟ إنه اسم بدون دلالة . عجبي فالاسم الوحيد ذو دلالة - الموت- إنَّـه زَوالُ الحياةِ عَن كـلِّ كَائِن حَيّ .هل هي سنةُ الحياة أم لعْـبة قـَدرية لكي لا نفرح بالحياة؟ إذ الغريب في ليلة عيد الفطر؛ بدل أن تفرحي بمتـم الصيام؛ ولجتِ سكرات الموت؛ متقلبة بين الموت الأحمر والأسود، وإن كان في نظر الآخرين أنكِ أصبت بالمَوْت الزُّؤام؛ باعـتباره زَوَالُ الحَيَاةِ فجـأَةً؟ أي سرعة تلك؛ وأنتِ أصبتِ بجلطة دماغية في الأغلب إشعار بزَوَال الْحَيَاةِ قَتْلاً (أحمر)، الْمَوْتُ وخَنْقا (أسود) ثلاثة أيام من الغيبوبة مرفوقة بصِراع الذات لذاتها وصَرع بين الدماغ والجسَد، لتكون النهاية؟ والذي يستعصى عن الفهم والإدراك؛ مهما طال البوح؛ جدتكِ ماتتْ بجلطة، والدتنا توفيتْ بجلطة، ربما والدنا بدوره توفي بجلطة ونحْـن لا ندري لأننا كـُنا صغارا لا نفهم ما معنى الموت أنذاك ....

 

نـجيب طــلال - تــطوان

 

 

جودت هوشياركان جي دي موباسان (1850- 1893) موظفا مدنيا متواضعا في وزارة البحرية حتى عام 1880، حين كتب رواية قصيرة (نوفيلا) تحت عنوان " كرة الشحم " للمجموعة القصصية المشتركة، التي كان يعدها أميل زولا عن الحرب الفرنسية – البروسية . نشرت النوفيلا ضمن المجموعة التي شارك فيها ايضا زولا نفسه، وعدد من كتّاب المذهب الطبيعي، وصدرت تحت عنوان " أمسيات ميدان " في عام 1880 .

تدور احداث القصة خلال الحرب الفرنسية – البروسية، حينما قرر عشرة افراد من علية القوم بينهم راهبتان وسيدة سمينة مغادرة مدينة الرون المحتلة خوفا من الحرب، والسفر الى ميناء هافر – الذي كان ما يزال تحت سيطرة القوات الفرنسية - في عربة ركاب يجرها ستة خيول، نظرا لسؤ الطقس، بدلا من أربعة خيول في الظروف المناخية العادية. وفي حالة اقتراب القوات البروسية من الميناء فانهم كانوا يعتزمون الرحيل بالباخرة الى انجلترا ..

كان اسم السيدة السمينة  اليزابيث رووسيه، وهي من بنات الهوى، الملقبة ( بول دو سويف) أو كرة الشحم، بسبب جسمها الممتليء المثير للنظر، وكانت جميلة وضاءة، ذات بشرة بيضاء ووجه أشبه بتفاحة حمراء .

كان الطقس عاصفا، والثلج لا يكف عن السقوط،عندما تحركت العربة من روان قبيل الفجر على أمل أن تصل هافرمع حلول المساء. وما كاد هؤلاء القوم يتعرفون على حقيقة السيدة السمينة حتى نأوا بأنفسهم عنها، وباعدوا بينهم وبينها .

ولكن الحال ازداد  سوءا ساعة بعد ساعة . وأخذ الثلج المتساقط يعلو شيئا فشيئا. كانت العربة المثقلة تخبط فوق سطح أبيض متصل ممتد على مد البصر. واخذت العربة تشق طريقها بصعوبة بالغة، وتعثرت في مواضع عديدة فأنهضوها.

لم يدر بخلد أحد من هؤلاء القوم، ان الركب سيتأخر كثيراً . ولهذا لم يجلبوا معهم أي طعام . ولكن السفر طال، وامضهم الجوع . وتبين لهم ان " كرة الشحم " كانت بعيدة النظر، وهي الوحيدة التي أحضرت معها غذاءً شهياً، فنسوا زرايتهم بها واقبلوا كراما على ما عرضته عليهم من الطعام .واستمرت الرحلة. وعند وصولهم الى مدينة توتسن، قرروا أخذ قسط من الراحة والمبيت في نزل على الطريق . وتبين لهم أن القوات البروسية، قد احتلت النزل واتخذته مركزا للقيادة . وبعد قضاء ليلة واحدة للأستراحة . فوجيء الركاب  في الصباح بقرار قائد الحامية بمنعهم من السفر . حيث أخبرهم صاحب النزل أن القائد البروسي أمره بعدم ربط الخيول بعربتهم حتى تقضي بول دي سويف ليلة معه في غرفته، لكنها رفضت الإنصياع لأمره في غضب ثائر. وكانت قد ذرفت الكثير من الدموع في روان على الشباب الفرنسي الذين سحقتهم آلة الحرب الدموية.

ولكن رفاق السفر حرصا على حياتهم وحريتهم ضرعوا اليها بشتى الحجج حتى استسلمت آخر الأمر . وفي الصباح التالي استأنف الركاب رحلتهم وعادوا من جديد الى النأي بأنفسهم عن بول دي سويف زراية بها، رغم أنها أقدمت على التضحية الكبرى من أجلهم .

فهم في هذه المرة قد أحضروا غذاءهم، ولكنها نسيت أن تفعل ذلك بسبب ما كان تشعر به من اذلال واضطراب، ففتحوا حقائبهم وأقبلوا على الطعام نهمين، ولم يعرضوا عليها كسرة من زادهم، فثارت عبراتها وتلألأت في مآقيها الدموع، فغمغموا ورعا وتقى (انها دموع العار)

تتجلى في هذه القصة اسلوب موباسان الحي النابض والذي نراه في جميع نتاجاته اللاحقة : جمل قصيرة رشيقة، وتكثيف بليغ، وتحليل عميق للنفس البشرية وتصوير دقيق للنفاق الاجتماعي وغباء البشر .

اثارت " كرة الشحم ".إنتباه الأوساط الثقافية، ووصفها غوستاف فلوبير بانها تحفة أدبية، ودفعت بموباسان الى الصف الأول بين كتّاب فرنسا .وهذه حالة نادرة في تأريخ الأدب العالمي . وأدى به نجاحه العظيم الى هجر وظيفته الروتينية المملة في وزارة البحرية ، والاتجاه بكليته للأدب رواية وقصة . حيث تهافتت دور النشر والمجلات الأدبية على نشر نتاجاته الجديدة لقاء مبالغ مالية سخية، وأصبحت صالونات المجتمع المخملي الباريسي تعد حضوره فيها من دواعي الشرف، مما أثار حفيظة وحسد زملائه الكتّاب .

وخلال عقد واحد ونيف من الزمان (1880-1891) خلف موباسان نهراً غزيرا من الأعمال الأدبية الرائعة، التي تشكل بمجموعها 29 مجلداً، تتكون من ست روايات وستة عشر مجموعة قصصية تضم حوالي 300 قصة، ومن ديوان شعر، وثلاثة كتب رحلات، وعشرات المقالات الأدبية عن ابداع فلوبير وتورغينيف وغيرهما . وقال أندريه موروا إن روايات وقصص موباسان توالت الواحدة بعد الأخرى، وولدت كما التفاح على الشجرة .

موباسان بهر الناس بالكشف عن غباء البشر وخداعهم، وبهجومه اللاذع على كل صور النفاق الاجتماعي وعلى رجال الدين المتاجرين بالطوبائيات لاغراض ومآرب شخصية

وابتداء من عام 1887 – اخذت اعماله الابداعية تتسم  بنظرة تشاؤمية للحياة بسبب الواقع الفرنسي الذي سماه ب( العهد الذهبي للأوغاد والتافهين ) . ورغم ان مجده الأدبي قد اتاح له ان ينعم بالمال الوفير، وامتلاك أربعة قصور ويخت فاخر، الا ان نمط الحياة الجامح الذي عاشه سرعان ما قوض صحته، وادى الى اصابته بمرض الزهري الذي لم يكن له اي علاج في ذلك الوقت. ولقد قاوم المرض بكل قواه،واعتزل الناس على ظهر يخته الخاص وقام برحلات بحرية الى كل من كورسيكا وانجلترا وايطاليا والجزائر وتونس

في رواياته " بيير وجان " ( 1888 )، و" قوي كالموت " ( 1889)، و" قلوبنا "، ( 1890) ومجموعاته القصصية " النسر" (1887)، و" من اليد اليسرى " ( 1889)، و" جمال عديم الفائدة " ( 1890) ثمة احساس الانسان بالعجز، وتوحده المأساوي في عالم لا يرحم، وتفاهته امام الموت.

. وفي السنوات الاخيرة من حياته عاش حياة وحدة واكتئاب وهذا المزاج يبدو جليا في قصته القصيرة "هورلا " . ورغم تفاقم المرض عليه فانه واصل الكتابة وعانى أول الأمر من القلق والارق والصداع الشنيع،، وأصبح العمل الأدبي أكثر صعوبة بمضي الزمن، وظلت روايته " انجيليوس " غير مكتملة . ثم بدأ بصره يضعف شيئا فشيئا واصبح على حافة العمى . وفي ديسمبر 1891 حاول الانتحار بقطع حنجرته ونزف الكثير من الدماء ولكن تم انقاذه في آخر لحظة ووضعه في مصحة للامراض النفسية في باريس. وعلى النقيض مما أُشيعَ عنه، لم يصب موباسان بالهوس والجنون، وأن فترة بقائه في أحد المصحات النفسية لم تكن لسببٍ نفساني، وإنما بسبب الارق الحاد الدائم والامٍ جسديةٍ مبرحة  حيث توفى في يوليو 1993  وأوصى أن يكتب على شاهد قبره العبارة التالية : " كنت متعطشا لكل شيء، ولكني لم أجد متعة في أي شيء.

قال موباسان ذات يوم لصديقه ( دماريا دي هيريديا )  مازحا : " لقد اقتحمت الادب كالشهاب، وسأغادره كالصاعقة ". حقا اخترق موباسان سماء الأدب كالشهاب واحترق بسرعة .

القصة القصيرة في ابداع موباسان

تجلت موهبة موباسان الأدبية ومهارته الفنية في قصصه القصيرة، التي تركزت فيها السمات المميزة لأسلوبه المتفرد . وهي التي أهلته لاحتلال مكانة مرموقة في الأدب الفرنسي.

خلق موباسان نمطاً جديداً من القصة القصيرة لم يكن معروفاً في الأدب الفرنسي وفي الأدب الأوروبي عموما .فقد كانت القصة القصيرة في عصر النهضة تغلب عليها الكوميديا، وتعتمد حبكة مسلية، مليئة بالاحداث الميلودرامية المتلاحقة دون أي محاولة للتعبير عن العوالم الداخلية للشخصيات، وما يعتمل داخلها من افكار ومشاعر واحاسيس .

أخذ موباسان يقدم للقاريء لأول مرة قطعة من الحياة مع التوغل الى عوالم الشخصيات ووصف مشاعر الانسان التي لا تظهر للسطح في الحياة اليومية . وهذا ما اصطلح على تسميته " النص المبطن " أي تضمين النص بمعنى داخلي إضافي يضاف الى النص في ذهن القاريء الذكي .

في فصص موباسان اناس من جميع طبقات وفئات المجتمع الفرنسي ( الارستقراطيون، القساوسة، وعمال المصانع والمزارع، والبحارة، وكبار السن، والاطفال ) . والقاريء يحس وكأنه يرى الزوايا المظلمة والمشبوهة في الواقع اليومي، وما يحدث في الحانات الصاخبة وفي غرف قصور العاصمة الفرنسية .

تأثر العديد من كبار الكتاب في العالم بعالم موباسان واسلوبه الجذاب، من ابرزهم ( أو.هنري، وسومرست موم، واسحاق بابل ). وكان موباسان محل اعجاب فريدريش نيتشة، وليف تولستوي وايفان تورغينيف، وانطون تشيخوف، وايفان بونين .

قال تشيخوف ذات مرة لايفان بونين عام 1897 في يالطا :" نحن مدينون لموباسان في شرعنة جنس القصة القصيرة .فقد عانيتُ كثيرا لانني اكتب القصة القصيرة، لأن النقّاد عندنا يقيمون العمل الأدبي حسب الطول.ولولا موباسان لكانت القصة القصيرة لا تعد ادباً ".

كما أتى تشيخوف على ذكر موباسان في العديد من أعماله الأدبية، وأثنى على مهارته الفنية قائلاً : " أنه أفضل كاتب فرنسي الى جانب فلوبير , موباسان كفنان كلمة، وضع متطلبات ضخمة للفن القصصي، بحيث باتت الكتابة على النمط القديم مستحيلة " .

أما بابل فقد كان منذ خطواته الأولى في عالم الادب، مسحورا بقصص موباسان . وكان يقول ان مدينته ( اوديسا) المشمسة،عروسة البحر الأسود، هي مرسيليا الروسية، وانها لا بد أن تنجب في يوم من الأيام ( موباسانها ) الروسي . وقصة " جي دي موباسان (1932) هي واحدة من أجمل وأشهر قصص إسحاق بابل .

موباسان في روسيا

كانت الطبقة الأرستقراطية الروسية في العهد القيصري تتحدث اللغة الفرنسية في حياتها اليومية، وتتابع  كل ما هو جديد في الحياة الفنية والثقافية الفرنسية . فتاة الرون - رغم مهنتها الرذيلة - أثارت اعجاب المثقفين الروس .

لعب ايفان تورغينيف – الذي كان شبه مقيم في باريس، وتربطه علاقات صداقة وثيقة مع العديد من ابرز الكتاب الفرنسيين، بينهم غوستاف فلوبير واميل زولا - دورا ملحوظاً في تعريف الوسط الادبي الروسي باعمال موباسان، فقد كان حلقة الوصل بين الادبين الروسي والفرنسي . وكان تورغينيف قد تعرف على موباسان في مجلس غوستاف فلوبير، واطلع على مؤلفاته اولا بأول، وثمن عاليا موهبته المميزة . وتوقع له مستقبلا ادبيا باهراً، وقال انه ياتي في المرتبة الثانية بعد تولستوي من حيث الموهبة، وعن طريقه اطلع موباسان على اعمال ليف تولستوي ومنها روايتي "الحرب والسلام " و"آنّا كارينينا " . وقصة " موت ايفان ايليتش " . وكان موباسان بدوره يعد تورغينيف احد اساتذته في الأدب . وقد أهدى اليه مجموعته القصصية " منزل تيليه "

كانت روايات وقصص موباسان تترجم الى اللغة الروسية بعد فترة وجيزة من نشرها في فرنسا . فعلى سبيل المثال لا الحصر . نشرت رواية موباسان الأولى " الحياة " في فرنسا عام 1883 وظهرت مترجمة الى الروسية في السنة ذاتها، وكذلك رواياته الخمس الأخرى " الصديق اللطيف " ( 1885) و" مونت أريول " (1886)، "بيير وجان " (1887- 1888)  و" قوي كالموت " ( 1889 )، و" قلوبنا" ( 1890) . كما كانت الصحف والمجلات الروسية تتسابق الى ترجمة ونشر أعمال موباسان ويقبل عليها الجمهور القاريء الروسي اقبالا، لا يجده كاتب فرنسي آخر .

موباسان وتولستوي

كان تورغينيف يزور وطنه بين حين وآخر، وعندما عاد من باريس عام 1981 زار ليف تولستوي في ضيعته المعروفة بإسم (ياسنيا بوليانا). وكالعادة تحدثا طويلاً عن أبرز الأحداث الأدبية في باريس وموسكو . وكان تورغينيف قد جلب معه نسخاّ من مجموعة قصص موباسان " منزل تيليه " الصادرة في باريس حديثا.

عندما زرتُ منزل (الآن متحف) تولستوي  في (ياسنايا بوليانا) أثار انتباهي مكتبته الشخصية، حيث وجدت فيها مؤلفات أشهر الفلاسفة والكتّاب الروس والأجانب، بينها النسخ الفرنسية الأصيلة لمؤلفات موباسان، وكذلك ما ترجم منها الى اللغة الروسية . فقد كان تولستوي حريصا على متابعة الحركة الأدبية الفرنسية، وقراءة أعمال غوستاف فلوبير وأميل زولا، وأناتول فرانس، وجي دي موباسان باللغة الفرنسية فور صدورها في باريس

ثمة قصة لموباسان عنوانها " في الميناء " وهي قصة رائعة . وقد بلغ اعجاب تولستوي بهذه القصة مبلغا حمله على ترجمتها الى اللغة الروسية بتصرف، واطلق عليها اسم " فرانسوازا " ونشرها ضمن كتابه " دائرة القراءة ". كما أشاد تولستوي برواية موباسان الأولى المسماة " الحياة " حيث أعاد قراءتها عدة مرات، وقال عنها أنها رواية ممتازة، وربما أفضل رواية فرنسية بعد رواية " البؤساء " لفيكتور هيجو .

كتب ليف تولستوي دراسة مطولة عن جوهر الفن عموما وعن أعمال موباسان خصوصاً  - والتي تحتفظ بكل قيمتها حتى اليوم  – كمقدمة للترجمة الروسية لمؤلفات جي دي موباسان، التي صدر الجزء الأول منها في موسكو عام 1894 وكانت للدراسة صدى ايجابي واسع في روسيا والدول الأوروبية وخاصة في فرنسا والمانيا.

جاءت الدراسة خلال تلك الفترة الساخنة، التي كان فيها تولستوي يعيد النظر في دور الفن في حياة الفرد والمجتمع . وشكلت لاحقاً اساساً لأطروحته  الشهيرة "ما الفن " .

وكما أشار (بوبوف) سكرتير تولستوي في رسالة الى  احد النقاد ، مؤرخة في 4 مارس 1994  ان موباسان كان مجرد ذريعة  للكاتب العظيم  لبسط آرائه في الفن عموماً .

وكتب تولستوي يقول: "

ربما لم يكن ثمة كاتب آخر آمن بهذا الاخلاص، ان كل النعم، ومعنى الحياة تكمن في المرأة والحب . لقد وصف موباسان بقوة مشاعره المتأججة المرأة، وحب المرأة من كافة الجوانب . وربما لا يوجد في تأريخ الأدب كاتب آخر وصف بهذا الوضوح، وهذه الدقة كافة النواحي الفظيعة للظاهرة ذاتها التي لاحت له كأسمى الظواهر . وكلما أوغل موباسان في هذه الظاهرة، تجلت له على نحو أوضح، وتعرّت من قشورها، ولم تبق منها سوى نتائجها ".

وصف موباسان في رواياته وقصصه الماركيزات، والعاملات، والبنات النحبفات، والممتلئات، والسيدات الناضجات، والأمهات ذوات الخبرة، الشقراوات منهن والسمراوات . وأغرم بالجمال الأنثوي، حيث تشكل منحنيات الجسد، وملامح الوجه ثيمة رئيسية في أعماله   .

ولا شك ان تولستوي كان قاسيا في حكمه على معظم روايات موباسان، الذي كان طوال حياته الإبداعية يحاول تحليل عيوب الطبيعة البشرية . واتخذ في هذا التحليل موقف المدقق الموضوعي وليس موقف الواعظ . وهو موقف يتناقض مع كل تقاليد الأدب الروسي للقرن التاسع عشر، مما يفسّر احكام  تولستوي الأخلاقية الصارمة حول عدد من روايات موباسان .

ولكن الرواية لا تشكل سوى جزءاً يسيرا من نتاجات موباسان، فقد كتب الى جانب ذلك – عددا كبيرا من القصص القصيرة، التي نالت اعجاب تولستوي وثمنها عاليا .

ان الفن شيء والأخلاق شيء آخر . وكان موباسان يقول:" هل تطلبون مني موقفاً أخلاقياً؟ ليس لدي هذه الحشمة الأدبية . وما هي هذه الحشمة؟ . امنحوا الكاتب حرية التفكير والابداع وفقا لميوله، وسماته الروحية والنفسية، التي تميز درجة استثارته الوجدانية، ويتجلى ذلك في سلوكه وموقفه تجاه الواقع المحيط به ".

 

د. جودت هوشيار

 

نايف عبوشالشاعر أبو يعرب، كتب الشعر منذ نعومة اظفاره،وذلك لموهبته، وتمكنه، وبلاغته، وتراكم تجربته. وقد طرق كل أجناس الشعر المعروفة، من الغزل، إلى الرثاء، إلى المديح، إلى الحكمة، إلى غيرها، وباقتدار واضح .

ويلاحظ المتابع لنظمه، أن قريضه في المدح،والرثاء، هو نتاج بيئة ريفية النكهة، والتقاليد، حيث يسود أعرافها الفخر، والاعتزاز بمكارم القوم ،ومن ثم فإن قريضه يأتي في صميم ممارسة جنس المدح في الشعر العربي الأصيل، في ابراز المناقب الرفيعة، والمعاني النبيلة، التي يتسم بها الأفاضل من الناس، من الذين يخصهم الشاعر أبو يعرب في قصيده بالثناء، في حين يأتي الرثاء في نظمه، تأسيا، وأسفا على غياب أصحاب تلك المكارم، أو ميل الأيام بهم .

وبذلك فإن الشاعر أبو يعرب، بجدلية الثناء، والرثاء، وهو يحاكي بنظمه، اسلوبية شعرية عربية متجذرة بالأصالة،إنما يساهم ومن خلال اسلوب الاطراء شعرا، في ترسيخ نهج القيم، ويعزز التقاليد النبيلة في المجتمع، ويشجع على تنميتها، وإشاعتها بين الناس،ويحفز الأجيال للمسارعة على فعل الفضيلة، كلما أمكن ذلك.

ومن هنا يمكن القول إن اسلوب المدح، والثناء،و التأسي، والرثاء في قصيده، والذي احتل مساحة واسعة من نظمه، يأتي جريا على عادة فطاحل الشعراء،وذلك بالتركيز على صيغة الإطراء،والتأسي، لدواعي الاشادة بالمعاني الإنسانية، والمناقبية الفاضلة، باعتبارها معاني إنسانية، وقيما اجتماعية راقية، تستحق التنويه، والإشادة،والتوثيق، ابتداء، وبقصد التأسي والتواصل مع تلك المعاني ثانياً . ففي قصيدته (تسح دمعا) في رثاء صاحبيه خيرالله، وجمال الشعلان، نجده يقول:

فأنت إذا الزمان أصاب قوماً       بضائقة بسطت لهم يداكا

وخير الله كان بنا حفيا               وكان بهذه الدنيا ملاكا

ومن هذا المنطلق، يلاحظ أن أسلوب الرثاء المقترن بالمدح في نظمه، يستهدف رفع شأن قيم الفضيلة، والسمو بها إلى أرفع مكانة، بقصد تعميق معاني الشهامة، وترسيخ قيم الانتخاء، والتكافل، بين أبناء المجتمع، وتشجيع الجمهور على ممارستها، حيث يقول في مدح صاحبيه قحطان وعماد الشعلان:

دعوت الله ان يرعى عمادا         وقحطانا فهم أهل لذاكا

فدم ذخراً وحصنا ياعماد            تجير المستجير إذا دعاكا

سلام الله ما طلعت نجوم            فشعري رغم صدقه ما وفاكا

ولذلك، فلا عجب أن نجد قصائده في جدلية ترابط الرثاء والثناء ،تلقى قبولاً واسعا بين الجمهور، وتحظى بالتداول، والإستشهاد بها، في توكيد تلك المعاني، والقيم .

 

نايف عبوش

 

شاكر فريد حسنمعرفتي بالصديق القديم الشاعر الغنائي موسى محمد حلف، تعود إلى اواخر السبعينات من القرن الماضي، من خلال ما كان يكتبه وينشره من قصائد وجدانية ذات طابع غنائي، في الملحق الأدبي والثقافي لصحيفة " الأنباء " المحتجبة، ثم في مجلة "الشرق" المحتجبة أيضًا، ثم من خلال الرسائل التي كنا قد تبادلناها في تلك الحقبة الزمنية، وبعدها تعرفت عليه شخصيًا من خلال زيارتي له في بيته بقريته الصغيرة الهادئة النائية عرب الحليف القريبة والمتاخمة لبسمة طبعون، حيث الطبيعة الخضراء الجميلة الساحرة الموحية والملهمة للشعر، وقد قضينا ليلة ماتعة لم تبرح خيالي وذاكرتي حتى الآن، ولكن هموم الحياة وانشغالاتها والتزاماتها حالت دون مواصلة اللقاءات .

وكنت أجريت مع موسى لقاءً حول موهبته وتجربته ومسيرته الشعرية نشرت آنذاك في صحيفة " الأنباء " .

وفي العام 1980 صدرت باكورة أعماله الشعرية بعنوان "رحلتي غربة .. ودموع"، وكان قد اهداني نسخة منها. وهي صادرة عن منشورات مكتب " المجتمع " لمؤسسه وصاحبه طيب الذكر المرحوم الصديق الشاعر ميشيل حداد (أبو الاديب)، ثم صدر ديوانه الثاني الموسوم " بطاقات البدء والنهاية " في العام 1992 . وكان الصديق الشاعر والكاتب عامر جنداوي قد كتب متابعة نقدية عنه في مجلة " الشرق " لصاحبها الأديب د. محمود عباسي .

موسى محمد حلف عانق نور الحياة في الخامس من نيسان العام 1959 في عرب الحلف، أنهى دراسته الثانوية بالكلية الأرثوذكسية بحيفا، والأكاديمية بدار المعلمين العرب في حيفا، ثم اشتغل معلمًا فمفتشًا للغة العربية بلواء الشمال، وحصل في العام 2017 على لقب المفتش المتميز من قبل وزارة التربية والتعليم .

ومنذ صغره شغف موسى بالمطالعة وقراءة الكتب، عشق الحرف والكلمة ولغة الضاد، وكان ميالًا للشعر وكتابته، امتلك موهبة حقة، وكانت البذرة صالحة، لكنه اختفى وغاب عن ساحة الأدب والإبداع، ولا ادري اذا كان ما زال يكتب، أم ان هاجس الشعر قد تركه، فمنذ فترة طويلة لم اقرأ له .

عرف موسى كصاحب الكلمات الملحنة المغناة، منها أغنية " الموج الأزرق " التي لحنها الفنان طه ياسين وأداها المطرب خليل أبو نقولا، وأغنية " ناطرك على العين سهران " للكرملي سمير أبو فارس، وهي ايضًا من الحان طه ياسين، وسواها .

نشر موسى قصائده وأشعاره في عدد من الصحف والمجلات والدوريات الأدبية والمحلية، وكانت على مستوى راقٍ . وهو شاعر تموزي رومانسي حالم، وصوت رهيف شفيف، اتصف بالرقة والطلاوة وشفافية الروح، وصدق الحرف، وأناقة الكلمة، وجمال التعابير وسبك الكلمات وصياغتها . تنوعت مواضيعه واغراضه وموتيفاته، وقد تغنى بالحب والطبيعة والجمال، تغزل بالمرأة، وناجى الحبيبة، وخاطب أمه واهداها ديوانه الأول، وحاكى الوطن والطبيعة، وتحدث عن الحزن والسفر والترحال، وتألق في الغزل والوصف، واكثر من البوح الرهيف، واستخدام ضميري المتكلم والمخاطب (أنا) معتدًا ومعتزًا بنفسه، لدرجة أنه استهل ديوانه الشعري الثاني بالعزة والأنفة والشموخ، قائلًا :

أنا المدّ في عاصفات البحار

وموج سيرغي وصرح أشم

وقارب حب .. اذا ما المحار

تغنى فاثلج صدر الخضم .

وموسى في قصائده يكثر من توظيف واستخدام التعابير الرومانسية، ذات الدلات والايحاءات المختلفة، كالزهر وحبات الندى والقمر والشمس والنجوم والبحر والسماء والمطر والخمائل والنرجس والغسق والغدير والحرير والعطر والنورس والاقحوان والجلنار والغار والجداول واللؤلو وغيرها الكثير .

ومن قصائده الأولى اخترت هذا النموذج .. فيقول :

ويكبر حبي ليصبح مطرَا

وجئتك أحمل فوق جبيني

غارًا وحبًا

وأشفي جراح الشيوخ

وشوق اليتامى ..

وامسح كل سهاد العذارى

ليكبر حبي ويصبح تبرًا

ويصبح أهلي ...

فأرجع كل ليالي العتابا

ومن نافل القول أن قصائد ونصوص موسى حلف بمنتهى الجمال والروعة، فيها احساس مرهف، وخيال رومانسي مجنح، وبعد انساني، وروح وجدانية عميقة، وحسن اختيار للمفردة المعبرة العذبة المموسقة الأخاذة المدوزنة، وتأتي منسابة، متناغمة، متجانسة، بعيدة عن التكلف، سهلة ممتنعة وعفوية جدًا .

وكان الشاعر الناقد ا. د . فاروق مواسي قد تناول بالعرض والتحليل والنقد قصيدته "أنفاس الظباء"، نشرها في كتابه "قصيدة وشاعر" . وهي قصيدة غزلية وجدانية جميلة، وكما يقول عنها " فيها أنفاس الشعر الصافي ورقة العاشق اللهفان، وتدل على حالة وجد يعبر عنها بصدق شعوري بعيد عن التكلف أو تركيب العبارات، أنه يتلاحم مع طبيعة بلاده، ويضفرها نجمًا لعينين أخاذتين، هي خلاصة الانتماء ومعنى الوفاء . وكل ذلك تأتي له في بحر " الرمل .. المشبع بالغنائية والشفافية، وخاصة إذا اندفعت فيه ألفاظ رقيقة وتكرارات مترددة بعذوبة، هذا التكرار الذي تساوق في القصيدة من معنى إلى معنى، لكنه المعنى الواحد في الصور المركبة " .

ولنسمعه يقول في هذه القصيدة الرائعة :

عندما يرسم طل الفجر

عينيك قصيدة...

ويغني لحنَهُ...

جدول في ناظريك

وشراع ينطوي...

في قاربي...

أسلب النجم..وأهديه

لعينيك وشاحا..

.

حين أرض.. أنت فيها

ترتوي غيثا دقيقا

وندى..

يكبر الزيتون فيها

ويصير النرجس الفتان...

نارًا تتلظى..

في قلوب العاشقين

.

عندما ينقش عصفور

على خد الورود الحالمة..

حلما حرا.. وشوقا غردا

وحبال النور فيها..

يكتوي ثلج السفوح الناعسة

أجمع الورد لنهديك غلاله.

.

كلما زينك الصمت جمالاً

وخيالاً جامحا..

يصبح الصمت صلاة

وطقوسًا.. نزرع الدفء

على سمر الشفاه التائهة

.

عندما في السفح ينمو

"زعتر"

وتوشح..

نفسها الوديان بالعطر

الذي

ملأ السفح بأنفاس الظباء..

أكتب الشمس لعينيك

نشيدًا

كي يصير الصبح أحلى..

كي يصير الغيث رقراقـًا

جميلا..

كي يذيب النجم في عينيك

للكون قصيده..

وفي الاجمال، موسى حلف شاعر غنائي ايقاعي حساس، وصوت شعري دافئ عذب خلّاب في سمفونية الشعر الرومانسي، سرقته مهنة التفتيش، غاب عن الأنظار، لم ينتشر ويشتهر، وبقي في دائرة الظل، فخسره الشعر والابداع الصافي، فله أجمل واطيب الامنيات، مع محبتي وشوقي وتقديري، ونأمل أن نقرأ له نصوصًا جديدة .

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعكلاهما، غوركي وماياكوفسكي، يرتبطان في الوعي الاجتماعي العام لدى القراء والمتابعين للادب الروسي بتاريخ روسيا السوفيتية  وايديولوجية  ثورة اكتوبر 1917 بعد انتصارها  وبشكل واضح وساطع، وكلاهما سوفيتيان (حتى نخاع العظام) كما يقولون ويعدّان – بشكل او بآخر -  لسان حال تلك الثورة وافكارها في مسيرة الادب الروسي وتاريخه، رغم ان غوركي ولد عام 1868، وماياكوفسكي ولد عام 1893، ورغم ان غوركي توفي عام 1936، وانتحر ماياكوفسكي عام 1930 . ومع  كل هذه الوقائع  والحقائق الثابتة، فان علاقة غوركي وماياكوفسكي واقعيا كانت متوترة، لدرجة، ان هناك مصدر روسي يتناول هذه العلاقة بينهما جاء بعنوان مثير وغريب وطريف، وهو– (علاقة جيدة لماياكوفسكي بالخيول وسيئة بغوركي)، وهو عنوان ساخر طبعا، الا انه حقيقي فعلا، اذ انه يعبّر بشكل واضح عن واقع تلك العلاقة، وقد تم ايجاز هذه العلاقة المتوترة  ايضا  في عنوان بحث آخر حول ذلك الموضوع، وهو – (غوركي وماياكوفسكي – صداقة عاصفة وقصيرة)، ونود في هذه المقالة القاء الضوء على هذه العلاقة بين اديبين كبيرين في تاريخ الادب الروسي، خصوصا واننا لم نجد انعكاسا لهذا الموضوع في مصادرنا العربية بتاتا، رغم التعاطف الكبير للقراء العرب تجاه هذين الاسمين، ورغم المصادر العربية الكثيرة حولهما .

ابتدأ غوركي طريقه الابداعي في نهاية القرن التاسع عشر، واصبح اسما كبيرا ولامعا في مسيرة الادب الروسي آنذاك، وارتبط بصداقات مع الادباء الروس الكبار البارزين في ذلك الوقت مثل تولستوي وتشيخوف وغيرهم، وكان يراسلهم ويلتقي بهم ويكتب عنهم، وكانت له علاقات ونشاطات ومواقف سياسية مع الحركة الاشتراكية الروسية وقادتها، بما فيهم لينين نفسه، اما ماياكوفسكي، فقد ابتدأ نشاطه الابداعي بعد غوركي (بحكم سنين العمر طبعا، فالفرق بينهما ربع قرن)، وعندما بدأ نجم ماياكوفسكي بالسطوع في دنيا الادب الروسي في بدايات القرن العشرين، كان غوركي الاسم الاكبر والاكثر شهرة وسطوعا في ذلك الادب والفكر خصوصا بعد رحيل تشيخوف وتولستوي، وبالتالي، فقد اصبح غوركي  وكأنه الاب والراعي والوصي على الادباء الشباب . وبالفعل، بدأ غوركي يكتب عن هؤلاء الادباء الجدد، ويراسلهم ويراسلوه، ويقدمهم للصحف والمجلات الادبية ودور النشر...الخ، اي بدأ يؤدي فعلا دور الوصي الامين لرعايتهم واسنادهم، ولكن ماياكوفسكي  كان منذ بداياته متمردا على كل التقاليد السائدة في الثقافة الروسية، واراد ان يخط لنفسه طريقه الخاص به واسلوبه في الادب والفن التشكيلي وحتى في المسرح والسينما . يتحدث بعض الباحثين في تاريخ الادب الروسي عن هذه النقطة بتفصيل، ويرون، ان غوركي بدأ يشعر، ان ماياكوفسكي ربما سيشغل موقعا متقدما وبارزا في مسيرة الادب الروسي، وانه بالتالي يمكن ان ينافسه في صدارة هذا الادب، بل ان بعض الباحثين أشاروا بشكل مباشر الى ان غوركي بدأ (يغار!) من ماياكوفسكي، وهذه كلها آراء ذاتية طبعا، ولا يمكن الاتفاق معها او حتى اخذها  بنظر الاعتبار دون دراسة شاملة ودقيقة ومتأنية ونظرة تحليلية موضوعية وعميقة لها .

بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917، ترك غوركي روسيا السوفيتية  ثم عاد اليها، اما ماياكوفسكي فقد بقي في روسيا طوال الوقت، وظهرت على السطح الخلافات بينهما في العشرينات، بما فيها الاقاويل والثرثرة والاشاعات هنا وهناك (و لا نريد التوقف عندها لأنها لا تستحق ذلك)، وقد كتب ماياكوفسكي قصيدة عام 1926 بعنوان – (رسالة من الكاتب فلاديمير فلاديميروفيتش ماياكوفسكي الى الكاتب مكسيم مكسيموفيتش غوركي)، حيث اراد ماياكوفسكي ان يقول في عنوان القصيدة، انه كاتب وغوركي كاتب ايضا، اي انهما متكافئان، وهذا اولا، واراد ثانيا ان يعلن على الملأ انهما متخاصمان، بل وتبتدأ القصيدة هكذا بالضبط –

اليكسي مكسيموفيتش

كما أذكر،

حدث بيننا

شئ ما-

مثل عراك

او خصام

القصيدة طويلة، ومكتوبة باسلوب ماياكوفسكي المباشر والعنيف والمتطرف، ويمكن ان نسميها حسب المفاهيم العربية انها قصيدة هجاء، حيث يسخر ماياكوفسكي من غوركي،ولم يكن مسموحا التكلم عنها في الفترة السوفيتية طبعا، وعندما كنّا طلبة في الجامعات السوفيتية لم نسمع حتى بها . غوركي لم يكتب شيئا مضادا للقصيدة او لماياكوفسكي، الا انه ذكر رأي الآخرين في مقالة عنه، وقال فيها، ان ماياكوفسكي (لم يقدّم لنا شيئا جديدا)، وهو رأي سلبي حول ماياكوفسكي طبعا، رغم انه طرحه باسم الآخرين.

موضوعة غوركي وماياكوفسكي لازالت مطروحة امام الباحثين ونقاد الادب في روسيا، وهي تحتاج الى دراسة  موضوعية معمقة تستند الى نصوص مكتوبة قبل كل شئ من قبلهما، ثم الاطلاع على ما كتبه اناس كانوا يحيطون بهما آنذاك حول ذلك الخلاف، وتحتاج طبعا الى تحديد بدايات هذا الخلاف واسبابه، ونأمل ان تسمح الظروف للعودة الى هذا الموضوع لاحقا .

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد صالح الجبوريالصحافة تنقلني إلى مذكرات صحفي لبناني قرأتها في مجلة (هنالندن) التي تصدرها الإذاعة البريطانية القسم العربي، الصحفي إسمه (جوفر حداد)، يقول في مذكراته انا من عائلة ميسورة الحال، أرسلني والدي إلى مصر للدراسة، وكانت رغبتهُ أن أكون طبيا أو محامياً وهي من المهن المعروفة في ذلك الزمان، لكني خالفت رغبتهِ، وتقدمت إلى الصحافة، وعندما عَلِمَ والدي غضب على تصرفي، لكن محبتي له منعته من معاقبتي، وكنت كلما أشعر بأزمة مالية، ابعث له برسالة من رسائل (الخنساء) التي تجعله يحن علّي ويرسل لي (ضعف المبلغ) المطلوب، ويقول لقد خسرت مستقبلك، وأنا أعلم أن الصحفي لن يكون في ذلك الزمان(مليون دير)، وإنما يكون (مديون دير)، عدت إلى لبنات، والفقر يطاردني في كل مكان، معتمداً على مساعدات والدي الذي يُذكرني انها لن تدوم لي، وأصبحت عدواً لنفسي في الحصول على ألمال، بعد انتهاء الحرب اللبنانية كان الناس يتوسطون بي للحصول على تعويضات مالية،لان الوزير صديقي لن اقدم طلباً للحصول على تعويضات لأصلاح بيتي (المدمر)، كان هدفي في الحياة الحصول على مال قليل يسد رمقي، وليس أن أكون تاجراً أو وزيراً، الصحفي الحقيقي يعيش حياة بسيطة تهمه المباديء، وإعلاء كلمة الحق، يرافقه الفقر الذي هو من أعز أصدقائه، و الديون إلى جانبه حتى مماته، تبقى النزاهة و المصداقية والمبدئية أهم صفات الصحفي الناجح، الف مبارك للصحفيين في عيدهم، و لسان حالهم يقول بأي حال عدت ياعيد، وفق الله الجميع لخدمة العباد والبلاد.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

 

يندهش البعض حتى وانا في أصعب الظروف اعشق الكتابة

وما الفائدة التي ستعود علي من كتاباتي فالقلم هو الصديق الوحيد لي

والكتابة هي همسات بين قلبي و عقلي، هي الأنين بينهما الذي يعجز اللسان عن نطقه، هي الصوت الجريء الذي تتحدث به نفسي من خجلها

هي أصوات ننطقها عبر اقلامنا وكتاباتنا من أعماق قلوبنا وبراءة احاسيسنا

بعض من الكلمات قد تبكيني ليس وجعا

بل لأنها تلامس أشياء نبتت بقلبي وتفرعت

ومعها يصبح الكتمان هو الحل الوحيد عندما لا أجد من يفهمني

وفي كل مرة لا أجد ردا مناسبا أو مقنعا يقلل حماسي تدريجيا نحو الكتابة وأجدني أبتعد عنها شيئا فشيئا، لم أجد من الكلمات ما يصف بدقة ما أكنه للكتابة بشكل صحيح

حسنا سأحاول أن أنتقي الكلمات بعناية هنا لعلي أعثر على الاجابة المرضية لهم

أكتب لأنني وحيدة بعض الشيء فتشعرني الكتابة بأنس يرسم هالة من الهدوء من حولي، أكتب لأنني خذلت أناسا كثر ظننت أنهم باقون الى الأبد لأبحث عنهم فجأة فلا أراهم حولي، أكتب لأنني يوما لم أجد أحدهم تصله مشاعري كما هي مهما حاولت أن أصف له بشكل دقيق، أكتب لأصف لأحدهم كم أنا أحبه ، وأن العالم بكل تناقضاته ومساوئه وصراعاته لا يشكل فارقا بالنسبة لي، أكتب للبحث عن السلام، عن هدفي السامي في الحياة، أكتب لأشعر بالامتنان والسعادة حين أقابل أحدهم صدفة ويخبرني بأنه يقرأ لي وينتظرني دائما وغيرها من الأسباب التي لم أنته منها بعد.

فهي متنفسي الوحيد.

 

بقلم ذكرى البياتي

 

محمد صالح الجبوريالخامس عشر من حزيران من كل عام يحتفل الصحفيون في العراق في عيدهم، وهو يوم صدور اول صحيفة عراقية هي (صحيفة الزوراء)عام ١٨٦٩م، ولعبت الصحافة العراقية دوراً بارزاً في الحراك السياسي الذي تشهده البلاد، وتنقل الاخبار السياسية، ونشاطات البرلمان وتوثف الأحداث التي  تمر بها البلاد، والأخبار الاقتصادية و الاجتماعية والادبية، وتنشر الثقافة، وكان الناس منذ الصباح الباكر يقرأون الصحف في المقاهي التي هي منتدياتهم، وصدرت إعداد كبيرة من الصحف منها الحرية اليقضة الجماهير، الزمان، الأوقات العراقية، الثورة، الثغر، طريق الشعب، القادسية، فتى العراق،النهار، الأخبار،المدى الحدباء، المفيد، نينوى، المشرق وغيرها، وساهمت الصحافة في نشر الافكار والاراء، وطرح الرأي والرأي الأخر، وكانت هناك صحف تملكها أحزاب المعارضة، وصدر قانون المطبوعات، وقوانين إصدار الصحف، وقانون نقابة الصحفيين العراقيين، وقدمت الصحافة مئات الشهداء رحمهم الله من الأسرة الصحفية، والجرحى شافاهم الله، اليوم الصحافة الورقية مهددة بالخطر، بسبب انتشار وسائل التواصل الإجتماعي والصحافة الالكترونية التي سيطرت على المشهد الإعلامي، وعزوف الناس عن القراءة، وغياب الدعم المادي للصحافة الورقية، الصحفيون بحاجة إلى دعم مادي ومعنوي والاهتمام بحقوقهم،نبارك للصحفيين العراقيين في عيدهم، و في مقدهم الاستاذ مؤيد اللامي نقيب الصحفيين العراقيين، والرحمة لشهداء الصحافة، والشفاء للجرحى منهم،وتبقى (صاحبة الجلالة)، المهنة الأقرب إلى قلوبنا رغم المتاعب والمصاعب التي نعيشها، ونعمل من أجل الكلمةالحرة والحرية، ولنا الفخر  بما قدمته الصحافة العراقية في مسيرتها المهنية... تحياتي للجميع.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

15/6/2019

محسن الاكرمينمرات عديدة تركب غمامة صيف متموجة بتقطع الظل وتوجه دفة حياتي نحو تفكير الثقب الأسود، مرات عديدة ممكن أن أجد نفسي مشدود الرؤية في لوحات طبيعية تعتمر ألوان ظلام ترميد العيون.  هي الحياة التي علمتني أن تعريف الفرح ما هو إلا فترة وجيزة المقاس بين فواجع الأحزان، هي التجارب الصادمة التي ممكن أن نحيى من خلال رمادها ثانية مثل طائر الفنيق.

أصدق لحظات المكاشفة العارية حين أفكر بالسؤال عن أوجه الفرح الزائف والحامل لألوان وصوت حفيف أوراق خريف، حين أقف بعلامة ترقيم استفهام أمام وجه ثوب الحقيقة النقب والأخرق، حين أكتشف أن سر الفرح ممكن أن يشيخ كبرا ويذبل بين أيدينا ونحن شهود.

في كل ليالي الصمت المتتالية بالدفع والتزاحم، تحضر باقة الأجوبة العالقة بالتقطع من ذلك الثقب الأسود الذي لا ينفتح إلا بسر تعويذات آتية من كلمات شبح الصمت، تحضر تلك الوجوه التي عشقناها حبا و ألفنا وجودها أمام مرأى العيون، تحضر تلك الأماني الحالمة، يحضر العطر الطبيعي وتغمض العيون تأملا، تحضر رؤية من هو ممكن الوجود بابتسامة ثغر شفاه الحياة، تحضر الذكريات التي تؤدي الشعور الداخلي والإحساس وهي تلتحف ضمير الأنا الأعلى و مفارقة موت العلاقات الإنسانية وبداية حياة الانزواء.

كنت أعلم أنني أكره الصمت لزوما باعتباره استبدادا تحكميا، ويمارس علي خنق أفكار الأنا الولود، كنت أكره فراغ الأمكنة من الشغب الضاحك والتي يخيل لي أنها ممكن أن تحتلها الأشباح الآتية من الحياة السفلية، كنت أكره فراغ القلب من الحب لأنه كان يضيق اتساعا ولا يوزع طاقة الحياة نحو عقل التفكير.

حين يتم استحضار كل الأجوبة الممكنة والموقوفة التنفيذ من زمن الماضي بالفرز والإفتحاص، وجدتها حقيقة أنها تهرب من رؤية عيوني ومن لمسة أصابعي السمحة. وجدتها أنها تتستر وراء آهات، ثم آهات مميتة وليست مفرحة بالبتة، وجدتها لا تعرف معنى حقيقة الصدق و الوفاء ولما حتى أحلام رؤية ساطعة.

ضمن متغيرات صمت الليل الساكن بهدوء تمدد أطراف الحياة، أحس بظل خطواتها مرات عديدة تهرب من ملمج عيوني، أحس بأنها دائمة الحضور بقلبي وتستبيح حضور تفكيري. من محاسن صمت تفكيري أريج عطرها الوافد من لمسات خطواتها بامتداد دقات أرض مرتجة. من مساوئ صمت التفكير أن كلماتي باتت تأتيني من بذاءة هجاء الحطيئة و نقد الفرزدق اللاذع. من مساوئ صمت التفكير أن مفردات الفرح باتت تسقط مثل أوراق شجرة غير نافضة.

ما أصعب خوض تجربة كشف المستور عن ثقب تلك الذاكرة السوداء، ما أسلم التفكير في استعمال السؤال في رحم ولود لا صمت فيها، هي التجارب التي علمتنا أن من السؤال تبدأ الحياة. 

 

ذ. محسن الأكرمين.

 

صالح الطائيتعامل العمامة مع الشعر عموما يبدو محدودا ومقتصرا على أغراض معينة محدودة، منها ما له مساس بالعمل التعليمي الحوزوي مثل شعر الأرجوزة التعليمية التي تسهل الحفظ، وشعر المناسبات وهو شعر يقترن عادة بمناسبة دينية أو وطنية وشعر الرثاء، وأرخنة بعض الحوادث والمناسبات شعرا، أي كتابة تاريخ مناسبة ما شعرا وفق حساب الجمل. وبالتالي بدا شعر العمامة بعيدا عن كل نواحي وأغراض الشعر الأخرى.

فضلا عن ذلك تنظر الحوزة العلمية إلى الشعرـ وهذه حقيقة قد تزعج البعض، فلا يرضون عنها ـ نظرة دونية أو في الأقل تعطيه هامشا صغيرا من اهتماماتها، يبدو أصغر كثيرا مما يستحقه، ربما لأن أغراض الشعر ولاسيما الغزل والخمريات النصية وليست الاستهلالية تتعارض مع خط الحوزة الديني.

وفق تلك الرؤى يبدو مستعصيا على العمامة أن تكون شاعرة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وقد أفردت هذه الحالة المتناقضة، حالة الشاعر والعمامة ثلاثة اتجاهات متناقضة تخص ثلاثة رموز شعرية لازال التاريخ يشهد ببراعتهم وحنكتهم وإجادتهم فن الشعر وهم: الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، والعلامة الكبير محمد سعيد ألحبوبي، والدكتور الشاعر الكبير مصطفى جمال الدين. فهؤلاء الرموز الشوامخ كانوا جميعهم قد بدأوا حياتهم بالدراسات الدينية الحوزوية، وكانوا ثلاثتهم قد لبسوا العمامة في مراحل متقدمة من أعمارهم، تعود إلى مرحلة الطفولة تحديدا.

والمعروف أن لبس العمامة، وتحمل تبعات تقاليدها في مرحلة الطفولة، مرحلة بدايات تكون الوعي، فضلا عن أجواء المجتمع ألنجفي المغلق والمتشبع بالعلوم الدينية وبحوثها، ثم العيش مع رجال جل همهم معرفة المسائل الفقهية وحلولها، مع انشغال الجميع بهم مشترك واحد بعيدا كل البعد عن كل الهموم الهامشية الأخرى، يترك أثرا واضحا على بناء وتكون شخصية ذلك الطفل. فضلا عن أن أجواء الحوزة العلمية وتلك الجدية والصرامة التي تسيطر عليها، تبدو وكأنها تضع قيودا ثقيلة على مجرد سماع بيت من الشعر، بله نظمه وتقفيته والتغني فيه، هذا في وقت كانت شياطين الشعر تتقافز في داخل هؤلاء الرجال الثلاثة وتثير في نفوسهم صراعا فوضويا عارما معربدا يبغي التحرر والتمرد والتخلص من قيود البيئة والملبس والموروث والمحيط، والحفاظ على هيبة وقدسية وصرامة العمامة، أي الجمع بين النقيضين!.

في هذه المرحلة عاش كل واحد من الرجال الثلاثة صراعا فكريا صعبا وشرسا وضعهم في نهاية المطاف أمام أحد خيارين: إما أن يبعدوا صنعة الشعر عن بالهم ويتفرغوا إلى دراسة الفقه والعلوم الدينية وحدها، لأنهم يعلمون أن العمر مهما امتد لا يغطي حقول المعارف الفقهية، بما لا يسمح بالانشغال بأي موضوع آخر سواه لمن يريد أن يختط خطه. وإما السير خلف دلال القوافي وسحرها وغنجها، وترك دراسة الفقه لمن لا يشغله الشغف بالشعر. الجميل في هذا الموضوع أن كل واحد منهم حسم هذا الصراع بطريقته الخاصة، وهو  حسم كان يحتاج إلى كثير من الشجاعة والجرأة، حيث:

خلع الجواهري عمامته ساعة أدرك أنها تعيق انطلاقته الشعرية، وتُحدُ من أفق طيرانه في دنيا القوافي.

وقبالته بادر محمد سعيد ألحبوبي إلى خلع هوس الشعر من باله، والابتعاد عن دنيا القوافي والاحتفاظ بالعمامة، يوم وجد أن الشعر يبعده عن دنيا العلوم الدينية التي يرى في نفسه ميلا إليها.

أما السيد مصطفى جمال الدين فقد عاش تجربة تحد أخرى، حيث أحتفظ بالشعر وبالعمامة كلاهما، يوم وجد في نفسه قدرة على الموازنة بين مطالب العمامة واستحقاقاتها وبين مطالب الشعر وأجوائه، بحيث يتقاسمان الحياة والعيش في حياته وعيشه، فلا يتعدى الشعر حدوده ليسلب العمامة حقها، ولا تأخذ العمامة من الشعر حقا يقيد إبداعه ويحد من حراكه.

ومن خلال هذه الموازنة الفريدة أصبح مصطفى جمال الدين فقيها شاعرا، وشاعرا فقيها، يجمع بين العمامة والشعر، ولهذا قال: "هذه صحائف شاعر يقدس الشعر ويقدس الشرع"، فكانت عمامته عمامة شاعرة كما هي عمامة فقيهة مجددة، وهذا الأمر من النوادر التي قل حدوثها في المجتمع الحوزوي عبر التاريخ، رغم أن أغلب الحوزويين كانوا يجيدون نظم القوافي ويحسنون صنعة الشعر.

رحم الله الجواهري والحبوبي وجمال الدين فقد أغنوا ذاكرتنا بجمال كثير، واعطوا مثالا تاريخيا على أن للإنسان قدرة التحكم بالاتجاهات وفق رؤى الروح وما تعشق، فالجمال قد يكون في العمامة أو في القصيدة أو فيهما كليهما.

 

صالح الطائي

 

959 ناثينالتخطف السيارات من جانبه مسرعة، ومن فوقه تهدر الطائرات مدمدمة، وهو يمسك بعناد كمانه المكسر محاولاً عزف لحن كلاسيكي جاد هو بالكاد مسموع في مدينة لوس أنجلس الصاخبة تلك. يمر به (ستيف لوبيز) الصحفي العامل في أهم جريدة في الولاية، الـ(لوس أنجلس تايمز)، والذي يبحث عن موضوع  يكتب عنه مقالاً، فالإقبال على النسخة الورقية للصحيفة في انحدار دائم والعاملون باتوا مهددين بالإقالة تباعاً وهو غير مستبعد من ذلك. يمر به سريعاً بعض الشيء لكن منظر (ناثنيال)، هو وكمانه، يجذب النظر. يبادله بعض الكلمات فيكتب عنه مقالة تلاقي نجاحاً منقطع النظير من القراء وتفاعلاتهم.

يتفاجئ ستيف بنجاح المقالة فيرجع يبحث عن ناثنيال ويجد أنه ضليع بنظريات الموسيقى وتاريخها فيصغي له، لكن كلام ناثنيال غير مترابط في بعض الأحيان. من الواضح أنه مريض نفسي. يحدثه عن مدرسة (جوليارد) للموسيقى في نيويورك، تلك التي درس فيها. تتكرر اللقاءات ويتورط ستيف بناثنيال ويحاول أن يلملم أطراف قصته. يكتب مقالات متتابعة عنه ليجمع قصة كل تلك المقالات في كتاب.

إن الأسلوب اللغوي للكتاب أمريكي حقاً، فالقصة غير منمقة، وخامة حتى في أسلوبها. الجمل قصيرة ومباشرة  وهو يستخدم صيغة المضارع حتى وهو يتكلم عن الماضي وذلك يعطي إحساساً واقعياً يجعلك تعيش الحدث معه وقت القراءة وكأن ما حصل يحصل الآن. أليست أمريكا من الدول الحديثة نسبياً والمركزة على الحاضر؟ وتلك الجمل القصيرة السريعة الوقع الخالية من التزويق ألا تشبه وصفات الهامبرغر والأكل السريع؟ يصرح كاتبها بانه حتى في عمله الخير لناثينال المشرد هو يحاول الحصول على فائدة مادية فكل ذلك جعل مقالاته تلاقي استحسان القراء وبالتالي نجاح الجريدة وحفاظه على عمله. نعم إنها قصة من أمريكا المادية!

لكن ذلك الميل بالتركيز على الحاضر وتسطيح التاريخ، سيعمقها ناثنيال بتاريخه الخاص، وتلك النزعة البرغماتية المقيتة ستحيلها تلك الصداقة الفريدة بين ستيف وناثنيال الى عواطف ودموع، وتلك البرودة المادية ستتسامى عن نفسها بتلك الألحان التي يعزفها ناثنيال ليهبها تلك الروح التي فقدتها وذلك الدفئ.

صدر الكتاب بعنوان (العازف المنفرد The Soloist) عام ٢٠٠٨، وسرعان ما ترجم للبرتغالية وللألمانية وللإسبانية وللپولونية، وفي عام ٢٠١٠ للتركية وللغة الليتوانية. تحول إلى فلم وهو ربما الشيء الذي ساهم في إنتشاره أكثر، رغم الإختلاف الواضح بين سيناريو الفلم وبين نص الكتاب نفسه، إلا أن الفلم نقل الرسالة العامة للكتاب بلا تفاصيل، وأضيف على السيناريو تفاصيل سينمائية أمريكية لتسرع من إيقاعه.

أما الكتاب نفسه فهو بمثابة درس في الصحافة وفي الطب النفسي، وفي الموسيقى كذلك. فسيأخذنا الكاتب معه في يومياته في الصحفية الشهيرة التي يعمل بها، وسنعيش معه تلك الأزمة التي تعاني منها الصحافة الورقية في كل العالم على ما يبدو. وسنحير مع تفاصيل الكتاب في إيجاد حل لتسول ناثنيال المريض بالفصام والذي يرفض مراجعة الطبيب النفسي، فكيف سيكون الحل؟

يعلم ستيف أنه لن يستطيع إلى شفاء ناثنيال سبيلا، لكن ذلك لا يعني أن يقف مكتوف اليدين. عليه أولاً أن يفهم هذا المرض. سيأخذنا معه في محاولاته لتبسيط فهم مرض معقد مثل مرض الفصام. أعراضه، والأدوية التي ينبغي إستخدامها، وطرق التعامل مع المريض. بعد كل ذلك، وحين يتأكد من أن الأمل في الشفاء ضعيف، يبدأ بالإنتقال شيئا فيشئاً لمناقشة مواضيع (الطب النفسي الإجتماعي)، وهو ذلك التخصص المعني بالحلول الإجتماعية للمرض النفسي، وهو لا يقدم كل تلك المعلومات بشكل نظري، وانما يذكر تفاصيل ذلك من خلال قصة ناثنيال، إنه يجعلنا نعيش مع ناثنيال مأزق الطب النفسي، فردياً وإجتماعياً.

حين يلجئ ستيف لـ(ستيلا مارش)، وهي أم لمريض نفسي وناشطة إجتماعية من أجل تنوير الناس بشأن المرض النفسي، يحكي لها عن صعوبة ما يواجهه مع ناثنيال طالباً نصحهها، تجيبه بأن ناثنيال لم يكن له صديق من قبل. ربما كان ستيف يبحث عن نصيحة أكثر وضوحاً من تلك. إلا أنه وبعد صفحات كثيرة من الكتاب، وحيرة وتقلب في القرارات، يرجع ويسمع نفس الكلمة من طبيب نفسي ينصحه بأن يرافق ناثنيال ويقول له (كن صديقه).

يدرك ستيف أن عليه أن يكون واقعياً في مسعاه، وحذراً. لا يمنعه ذلك من الخروج في الشارع ليلاً والمبيت مع ناثنيال المشرد على الرصيف. يكتب لنا من هناك عن يوميات الأحياء الفقيرة لمدينة لوس أنجلس حيث محاربي حرب فيتنام السابقين ومدمني الكحول وممارسي الدعارة، ومحاولات البلدية والشرطة وعمال الصحة أداء واجبهم في تقديم المساعدة، وهي مهمة صعبة تكتنفها الكثير من الإخفاقات، والقليل من النجاحات، ويبقى ستيف واقعياً، وغير مجاملاً، ليكسب عداء البعض، خصوصاً من المسؤولين، وحب الكثيرين، من الناس العاديين خصوصاً.

وبين أزمة الصحافة وتسول ناثنيال وتخبّطه أحياناً في جمل غير مفهومة، وتلك الدروس عن تاريخ الموسيقى ونظرياتها التي يتفهوه بها لستيف، بين كل تلك الأمور تنشأ صداقة فريدة، فيتعرف كل منهما على عائلة الآخر. كان ستيف دائماً ما يحكي لناثنيال عن المقالات التي يكتبها وعن تعليقات القراء، ويعطيه نسخاً منها ويحكي له عن نيته في أن يكتب كتاب عن قصتهما. يوافق ناثنيال على كل ذلك ويصيران شريكين في هذا الكتاب، كتابهما، كتاب كل من يهمه أمر الصحافة والمرض النفسي والموسيقى، لكن أيضاً من يريد أن يحاول فهم  معنى من معاني الصداقة العميقة في عصرنا المسطح السريع هذا.

 

سامي عادل البدري

 

احمد الشيخاوييستأنف الشاعر المصري احمد مصطفى سعيد مغامرته الإبداعية، مع الحرص على تطوير تقنيات الكتابة وعدم السقوط في الديدن الاستنساخي للتجربة، كأنما يعيش حيوات موازية، تمده بكامل هذه الطاقة والقدرة على التكيف مع عزلته الرمزية، بالطبع، كمبدع، يكابد من التحديات والأوجاع والاختلال الهوياتي، الشيء الكثير.

عزلة طوعية يؤسس لها طور ما بعد تعطيل الذاكرة، مثلما تشي بذلك عتبة المجموعة، ومن ثم غدو الوطن مجرّد ذكرى.

حياة بعدية بمنظومة أسئلتها الشائكة، وجملة محاكمات الأجيال لذات توسمت في الشعر ومعتنقيه، نبوءة وخلاصا، ليس تجود بهما رهانا أخرى، غير هذه العزلة التي تشذب القصائد وترعاها بصدق وحس انتماء وإنسانية فياضة، لحين إشراقة الغد وترسّل مواويله، ليس ليقال للشعر غائية، وإنما لتحفظ صفحات تقديس العزلة حين يكون الشعر هو الوهم المتاح، قد يفيد الهروب أو تفادي المواجهة والاصطدامات، كونها لن تخلد بالنهاية سوى هشاشة ومخملية وملائكية الكائن، قاتلا ومقتولا، بانيا وهدّاما، منتصرا ومنهزما، غائبا وحاضرا.

وأنا أقلّب فصول هذه المسودة المزمع إصدارها قريبا، اهتديت إلى بضع من خطوط او خيوط مرجانية، تغمز بما يفيد تشبع شعر احمد مصطفى بروح الانعزالية، بحيث نقتبس له المقطع التالي، الأشبه بدندنة منفلتة من ذات مكابرة، يُخجلها تبرير فشلها للأجيال، يقول :

 [لا تحقدي علي صغيرتي

فلست بنبي

لتفشي لي الأيام بسرها

وما أخفاه عني غدي

وما كنت للغيب بقارئ

خانتني فراستي

فاتبعت زخرف الحلم

معصوب القلب ](1).

موقف نفي النبوءة هذا، مقابل التشبث بعوالم العزلة التي قد تصنع الفارق، وتضغط باتجاهات إنسانية متماهية مع طقوسيات الوهم التي يُغدق بها واقع إدمان الشعر.

هي التبعية للحلم الذي تقف عند الأزمنة، وتقاس الأعمار لديه بتكعيبية الوجع وتركيبية المعاناة.

هذا الحلم الذي يذيل الأوهام الإبداعية إجمالا، على نحو تنرسم له ملامح أنصاف الكائن الأخرى والمفقودة، جراء جور الانتماء العالمي عليه، وسيادة منطق "الهيمنة للأقوى"، بما يتيح لإيديولوجية الاصطدام الحضاري تفريخا معمقا لكامل هذه الهستيريا والجنون المنذر بانقراض النسل والأنواع.

ننتقل إلى هذه الومضة، لنستجلي ما وراء باب عزلة شاعرنا، ومابعد حرائق الشعر الذي يوبّخ الوطن ويلعن عقوقه كما يعاتب الحبيبة بصفتها شريكة في مثل هذه المجزرة الوجودية البغي والباغية.

[الدخانُ الأزرقُ

أولُ مَنْ يصافحُنا

ما إنْ يفتح لنا صديقُنا

بابَ عزلتِهِ

ونتعثرُ في أعقابِ السجائرِ

فمذ هجرتهُ البهجة حبيبته

طلقَ صخب الحياةِ

وارتضى

بطيفِها

واجترار الهمساتِ

وسبّ العجز العوزَ

والوطنَ العاقَ

للطيبينَ

خاوي الوفاضِ](2).

كأنما ذنب الطيّبين، أسراب الشعراء، تحديدا، هذا النشوز الذي يميّزهم عن بقية جنسهم العادي جدا، ما جعلهم بشكل أو بآخر يُصعقون بكهذا عقوقا، يؤجج صعلكتهم وثورتهم النبيلة على عالم يخلو من حماقاتهم وأوهامهم ، ويؤازر النظرية الأفلاطونية ومعها أيقونة المفاهيم الإيديولوجية الحاقدة على الشعر والمشككة في وظائفه النفسية والجمالية والروحية.

نقرأ له أيضا:

[أما زال قلبها رابطاً على العشق

أم البعاد كسر الأصفاد

ومنتظر

أول طارق

ليقول له لبيك

أيا رسول العشاق

هل أخبرتها

مذ خطونا في درب المحبة

لم نخن للرياحينِ عهداً

ولم نجرحْ بهجر

خدود الورد

أخبرها

اسمها

على اللسان ورد

وفي الغد

سترمي على مهدك النجوم

دثاراً من الوجد أبيض

وطرحة

علاها الفل](3).

تلكم عزلة اختارها شاعرنا وارتضها، للفكاك من تداعيات عالم بدّل ثقافة الانتماء، رابطا إياها بعولة متوحّشة جنت كثيرا على إنسانية الكائن، كما جرّدته من فلسفته الروحية، وأججت جوانب الشيطنة والشرور في كينونته، ليقبع الشعر وحده الحامل لمشاتل البراءة، المحمول على روح انكسار سدنته.

شعر العزلة، أو هذه الكوة إذا تُجترح في المحرّم الأفلاطوني والإيديولوجي، لتم تنفّس معاني الوجود عبرها، والحلم بغد إنساني مشرق، وإن كذبا على الذات المختنقة بتوجهها الواقعي المغلّف بذبول مشاهده وجفاف فصوله.

 

احمد الشيخاوي

....................

هامش:

(1) من نص "آسف صغيرتي" صفحة 23.

(2) من نص "متتاليات الوجع " صفحة 39.

(3) من نص " حديث مرسل بطعم العشق صفحة115.

*شاعر وناقد مغربي

 

بكر السباتينالتقيتها صدفة قبل يومين في مؤسسة الضمان الاجتماعي.. كأنها من بنات المدن الساحلية (يافا، عكا، بيروت) من حيث حركاتها ولهجتها ولباسها وتنورتها وبنطالها الضيق الممزق وفق الموضة الشبابية، وشعرها المنسدل على كتفيها فبدت متصابية كنجمات السينما بما لا يليق بعمرها أو مكانتها بين الناس.. فقلت في نفسي وكأنني أخاطب هذه المغبونة البلهاء:

جمال البدوية يا سيدة المجتمع!! ليس بلباسها العصري وحديثها المتمدن المتأنق إلى حد المبالغة ولبس الأقنعة الزائفة والكذب على النفس وتسويق شخصيتها الزائفة إلى الآخرين ومن ثم أنخراطها في العمل الاجتماعي وهي مقنعة بالزيف والرياء؛ بل هي أجمل وأكثر بهاءً بأصالتها ونقاء سريرتها حتى لو كانت ترتدي اللباس البدوي التراثي الجميل، وهي تسوق قطعان الماشية وتغني شعراً نبطياً أصيلا في قلب المدينة ثم تحيّي صاحبتها بلهجة بدوية أصيلة مشبعة الأحرف "كيف حالك يا خيتي".. بطبيعتها الفطرية الممتلئة بالحكمة والرشاد .. أنا أقول بأن الرقي لا يعني التجرد من الأصل بل هو سلوك وأخلاق.. فما قولكم!(عجبي)

***

سيدتي أكملي عيدك مع الأولاد

الأرواح الهائمة لا توصد أمامها النوافذ سيدتي صبيحة هذا العيد.. لأنها تستيقظ فينا مع تكبيرات العيد وضوء الشمس.. وتذوب كفطعة السكر في ابتسامات المحتفين بطقوس العيد من العائدين من الصلاة حتى وأنت تتلمظين قهوة الذاكرة أثناء التكبيرات التي تغمر بيوت الحي.. تنتظرين من طواهم الغياب فلا تجدين إلا ترانيم العيد وأنفاس من فقدناهم تغمرنا بأريج ألبخور ألفواح، وهي ترسم البهجة في وجوه أطفالك ألمتوسدين ملابس الجديدة المصفطة تحت المخدات، ورغم ذلك تستطعمين مرارة الهيل وقُبَلَ الأهل وعيدية الأب أو الأخ الكبير وهي تطوى في قبضة يدك النابضة بالمحبة والرضى.. وتظلين في اشتياق للتلاقي مع الأحبة والخلان.. ثم يأخذك ألحنين إلى بيت العائلة الكبير.. تتوضئين بالدعاء.. تلثمين أياديهم الطاهرة تعانقين قاماتهم التي تطول السحاب ثم تتسللين إلى قلبيهما وتنامين حتى امتلاء البيت الكبير بضجيج الأسرة بمن فيهم الأحفاد، وقبل مغيب الشمس تعرجين إلى الحديقة وتقطفين ضمة من الورود بتأني وكأنك تطرزين قصتك مع الحبيب الغائب الموجود وقد أمست كل تفاصيلها في جعبة الأقدار، نعم.. رحل أبو الأولاد عن هذه الدنيا الفانية.. أوشكت دمعة على السقوط.. لكنها خجلت من طيف الحبيب الذي كفكفها حتى انحجبت داخل حدقة العين وقد حيرها الوجد وأرخى رموشها الحنين .. ها أنت تستجمعين طاقة الحياة والفرح.. تتسللين وحيدة وفي يدك ضمة الورد التي أضفتي إليها بعض الزهور الملونة، إلى المقبرة المجاورة؛ لقراءة الفاتحة على أرواح من غادروا مشهد العيد من جديد.. تخاطبين طيف الحبيب :"إلى الفردوس يا غالي..!" وقلبك يتصفح وجوه الثكالى من حولك في المقبرة التي تعج بالزوار قبل أن يداهمها الظلام .. تقولين لهن وقد توشحن السواد : كل عام وأنتن بخير .. ثم ترحلين لاستكمال فرحة العيد مع الأولاد.. ألا يذكرك صغيرهم بالمرحوم!! نعم.. ها أنت تبتسمين..

كل عام وأنتم بخير أصدقائي

***

كل الشكر للأستاذ محمد المشايخ على الهدية القيمة التي قدمها لي بالأمس في مقر رابطة الكتاب الأردنيين.. وهي عبارة عن نسخة من كتابه الذي صدر حديثا بعنوان «معجم القاصين والروائيين الأردنيين» للناقد محمد المشايخ، مشتملا على مقدمة كتبها أ.مفلح العدوان رئيس مختبر السرديات الأردني، وعلى تراجم لـ525 قاصا وروائيا أردنيا، ظهروا منذ تأسيس الإمارة عام 1921وحتى العام 2019، (من ضمنها سيرتي الأدبية مشكوراً ).

ويذكر أن المشايخ (أمين سر رابطة الكتاب الأردنيين سابقا) كان أصدر عددا من الكتب المتخصصة بتراجم أدباء الأردن، ومنها(دليل الكاتب الأردني)، و(كـُتـّاب من الأردن)، و(الأدب والأدباء والكتاب المعاصرون في الأردن)، كما أصدر عددا من الكتب الخاصة بتراجم أدباء المدن والمحافظات الأردنية ومنها: (أنطولوجيا عمان الأدبية)، و(أنطولوجيا الزرقاء الإبداعية)، و(من أدباء مادبا وكتابها)،

وجاء في مقدمة الأديب مفلح العدوان: يشكل هذا المعجم إضافة نوعية أخرى إلى ما قدمه محمد المشايخ في سياق توثيق المنجز السردي، ذلك أنه على مدار عقود السنوات الأخيرة، تراكم في الأردن منجز لافت من ناحية النوع والكم في كتابة ونشر القصة القصيرة والرواية، مما انتج مدونة سردية مهمة ولافتة على الصعيد المحلي، ولاقت حضورا وقبولا في الفضاء العربي، ولذا كان لا بد من توثيقها وتدوينها، والإشارة إلى هؤلاء الكتاب السرديين بتقديم سيرهم الذاتية، ومنتجاتهم الإبداعية، لتكون في متناول الجمهور من المتابعين من قراء وكتاب ونقاد وإعلاميين ودارسين).

كل الشكر والتقدير للناقد الأستاذ محمد المشايخ على هذا الجهد التوثيقي المهم في المسيرة السردية للأدب الأردني منذ منتصف القرن الماضي إلى يومنا هذا، إذ يضاف هذا المنجز إلى سجله الثقافي الحافل بالعطاء وخاصة أن المشايخ يتمتع بشخصية توافقية في المشهد الثقافي الأردني وذات حضور خاص من حيث الحيوية والقبول. فإلى مريد من العطاء .

***

أخرج الشقي نصلَ الفريةِ

من غمد قصيدة ليس قائلها..

وأعمل في حنجرة السنونو تقطيعاً

كي يعزفَ على أوتاره الصوتية..

فتلوى الطائر ألماً

على اغتيال اللحن

وموت المغني..

إلى أن باتت بقاياه

طعاماً للديدان في اليباب..

***

في قصيدتها أدناه الشاعرة مريم الصيفي تتألق كدأبها دائماً..فهي شاعرة تمتلك أدواتها وتعزف جيداً على المعنى الذي يتماهى مع الموسيقى الجوانية.. والقصيدة التالية المنشورة على صفحتها من أجمل ما قرأت عن تمازج وجدان الشاعر مع روح القصيدة من خلال هذا الإنثيال للصور المدهشة المغموسة بالروحانية الدافئة.. أتخيل الشاعرة كأم رؤوم تغمر ابنها بنظرات الحبور وهي تستكشف نضوجه الروحي لتوقظ طاقاته في الحكمة والحب ..

تقول الشاعرة مريم الصيفي:

"هذا التصوفُ في المِحْراب يدنيني

من همسةِ الحرفِ يسري في شراييني

فأستضيءُ بنورٍ خافتٍ بسمتْ

ثمارُهُ وتراءتْ في بساتيني

لأنتقي ما اشتهتْ روحي وأقطفها

قصيدةً نبعُها دفقُ التلاحينِ"

فيومضُ الحرفُ زهوًا في ارتجافِ يدي

من فرحةٍ أورقتْ في زرعِ تكويني"

كل عام وأشعرتنا بخير

7 يوليه 2019

 

بقلم بكر السباتين

 

 

 

ضياء نافعاكتب هذه السطور في اليوم السادس من حزيران / يونيو عام 2019، والذي تحتفل فيه روسيا بميلاد بوشكين، والذي وحّدت معه يوم اللغة الروسية ايضا، لأن بوشكين واللغة الروسية الادبية المعاصرة صنوان . ولد بوشكين في هذا اليوم قبل 220 سنة، وعندما ذهبت اليوم لشراء الصحف الروسية كالعادة، شاهدت صور بوشكين على الصفحات الاولى وهي معلقة على واجهات الاكشاك . ها هي صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) وعليها بورتريت بوشكين بشعره المجعّد، او (المكعكل!) كما نقول بلهجتنا العراقية الحلوة، والمانشيت الكبير فوق تلك اللوحة الجميلة هو – (نطير مع بوشكين)، وهي جملة غريبة جدا وغير مفهومة للقارئ بتاتا، ولكن الجملة الاصغر تحتها توضحها، اذ نقرأ ما يأتي – (الان مطار شيرميتوفو الموسكوفي يحمل اسم الكلاسيكي الروسي)، اي ان روسيا قررت في عيد ميلاد بوشكين ان تطلق اسمه على واحد من اكبر مطارات العاصمة الروسية، وهكذا تتوضح جملة المانشيت، اذ ستقلع مئات الطائرات الان من (مطار بوشكين) وستهبط مئات الطائرات في (مطار بوشكين) ...، وذلك بعد ان وقّع الرئيس الروسي الامر الاداري الخاص باطلاق تلك التسمية نتيجة لفوز اسم بوشكين في مسابقة (الاسماء العظيمة لروسيا) في التصويت الشعبي الواسع حول تلك الاسماء التي كانت مرشحة لتسمية ذلك المطار الدولي الكبير، وارتباطا بهذه الذكرى يفتتح تمثال لبوشكين في المطار وهو يقف بحجمه الطبيعي يلقي القصائد ويمسك بيده كتابا مفتوحا، والتمثال من ابداع النحات الروسي المعاصر بورغانوف، والذي سبق له ان عمل التمثال الشهير لبوشكين وزوجته في موسكو، وكذلك تمثال بوشكين في واشنطن . يتضمن هذا العدد من صحيفة (ليتراتورنايا غازيتا) ايضا مقالتين تشغل كل واحدة منهما صفحة كاملة، الاولى بعنوان – (الشاعر)، وهي مقاطع من مقالة منشورة في نفس تلك الصحيفة عام 1937، اي عندما احتفلت روسيا السوفيتية بالذكرى المئوية لميلاد بوشكين، وتستعرض المقالة بعض نتاجات بوشكين باسلوب شاعري رقراق، وتقول مثلا عن الحكايات الشعبية له – (... انها حلمه عن مستقبل الانسانية، حيث البحر يجب ان يكون أزرقا، والاسماك والطيور يجب ان يكونوا من ذهب، وخدود الفتيات يجب ان تكون متوردة ....) . اما المقالة الثانية فقد كتبها باحث من القوقاز حول ملحمة شعرية عن حوادث وشخوص من تلك المناطق الجبلية بدأ بوشكين بكتابتها عام 1829، ولكنه لم يكملها، ووجدوها ضمن مسوداته الكثيرة، والتي يقول عنها هذا الباحث، انها ذات اهمية رغم ان بوشكين لم يكملها، لانها لازالت تمتلك ارتباطها بواقع القوقاز لحد الان، ولا مجال هنا للتوسع في الكلام عن ذلك اكثر.

اما صحيفة (ليتيراتورنايا راسيّا) فقد نشرت على صفحتها الاولى ايضا لوحة جميلة لبوشكين على خلفية منظر للريف الروسي النموذجي بسعته واشجاره وانهاره، وتحت تلك اللوحة مانشيت كبير يقول – (لقد حكى لروسيا عن روسيا)، وهذا هوعنوان مقالة تشغل حوالي صفحة ونصف من العدد المذكور في تلك الصحيفة، وتتناول موقف بوشكين الفكري العميق من قضية كانت ولازالت ملتهبة – ان جاز التعبير – في روسيا، وتكمن في تحديد موقع روسيا في العالم ومسيرتها اللاحقة، وهل هي اوربية بحتة، ويجب عليها الالتحاق بالركب الاوربي، ام انها تمتلك خصائصها القومية المحددة، والتي تقتضي التركيز على تلك الخصائص وتطوير مسيرتها الخاصة بها، وهي مسألة شطرت الفكر الروسي على مدى اكثر من قرنين من الزمان بين مؤيد للنزعة الاوربية الغربية وآخر يؤيد النزعة السلافية، والمقالة تؤكد طبعا، ان بوشكين كان أقرب (واؤكد على كلمة أقرب هذه) الى افكار النزعة السلافية الخاصة بروسيا، لان بوشكين كان يعبّر عن الروح الروسيّة حسب بيت الشعر البوشكيني الشهير،و الذي ذهب مثلا –

 الروح الروسية هناك..

 وعبق الروسيا هناك..

ختاما لهذه الملاحظات السريعة عن احتفالات روسيا بميلاد بوشكين، اود ان اشير- ليس الا - الى البرامج الحافلة والمتنوعة في قنوات التلفزيون الروسية العديدة حول بوشكين من علاقته الصعبة والمعقدة مع السلطة (بما فيهم القيصر الروسي وزوجته)، والى عشقه للنساء من حوله ومغامراته معهنّ، والتي انعكست طبعا في قصائده، والى مبارزته مع دانتيس ومقتله، والى احفاده واحفادهم، والى قصائده المغناة، والى طبعات مؤلفاته المختلفة، والى ترجمات نتاجاته، والى آراء الناس البسطاء حول شعره، والى الافلام السينمائية التي انتجتها روسيا، المقتبسة من نتاجاته الادبية، والى والى والى ....

بوشكين في روسيا اكثر من شاعر، انه ظاهرة فذّة في تاريخ الفكر والادب الروسي، وقد تحوّل اسمه الى رمز خالد من رموز روسيا، وبوشكين هو الذي يوحّد الروس جميعا، بغض النظر عن اختلافاتهم وتناقضاتهم ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

كاظم شمهودللشاعر والكاتب الفلسطيني سعيد العلمي

مع كل التقدم الذي احرزه الانسان اليوم من مظاهر الحرية والانطلاق نحوا مختلف الاتجاهات من علمية وفلسفية وادبية وفنية وتشعبها , لازال الصراع قائما في الآراء والافكار والتشتت وضياع العديد من الحقوق والقيم التي اوجدها الانسان ودافع عنها منذ زمن الاغريق مرورا بعصر الاحياء وثورة جان جاك روسو وعقده الاجتماعي والثورة الفرنسية والثورة العربية الاصلاحية وغيرها . وقد يكون من اكثر الناس دفاعا وتضحية عن المظطهدين والمحرومين والمسلوبين هم اصحاب الاقلام النيره والكريمة من الادباء والشعراء واصحاب الفرش العذبة الغنائه الشريفة الذين اوصلوا مجتمعاتهم في سيرها التصاعدي الى الرقي والتطور .. هؤلاء بمبادئهم وآرائهم الانسانية النبيله يعبرون تعبيرا حيا لما يهدف اليه كثير من الاحرار والمناضلين الذين يدافعون عن حقوق البشر ورفض الهيمنة الاجنبية والتحكم بمقدرات الشعوب وحقها في العيش والتعايش بسلام وامان بارضها ووطنها بحرية وكرامة ..

ومن هؤلاء الاحرار والمناضلين الذين شهدت لهم الساحة الاسبانية والفلسطينية حركة دؤبة غير مسبوقة هو الكاتب والروائي والشاعر الفلسطيني سعيد العلمي الذي يعتبر من ابرز المثقفين العرب في اسبانيا ... وسعيد العلمي تتمثل فيه القضية الفلسطينية بعينها ومأساتها وهو ليث كاسر في دفاعه عنها مهما كانت الظروف .

سعيد العلمي

بدا العلمي مشواره في الادب والقصة والشعر منذ منتصف الستينات ونشر في الصحف والمجلات الكويتية مثل – الطليعة – والرسالة – والنهضة وصدرت مجموعته القصصية الاولى – المؤتمر – في مدريد عام 1992 . عمل في مدريد مراسل لعدد من وسائل الاعلام العربية مثل صحيفة - القبس – والمستقبل – وشبكة تلفزيون ABC كما عمل صحفيا في الاذاعة الاسبانية ومراسلا لوكالة الانباء الكويتية وبعض القنوات التلفزيونية العربية الاخرى . وكان هو اول من اصدر صحيفة عربية في اسبانيا اسمها – النوارس – ثم اصدر مجموعة قصصية اخرى اسمها – مريم – عام 1995 وثلاثة كتب شعرية اخرى هي – سنابل الندى 2008– سنابل الحياة 2007 – سنابل الشرار 2009 – وغيرها , يضاف الى ذلك اشتراكه في التجمعات والمؤتمرات والنشاطات الثقافية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في كل المحافل الدولية داخل وخارج اسبانيا ...

التقيته عام 1977 عندما حطيت لتوي في اسبانيا واجرى معي لقاءا للاذاعة الاسبانية التي تبث في العربي في مدريد يومذاك , ومنذ ذلك الحين نشأت بيننا علاقة اخوية صادقة حميمة تجمعنا هموم الغربة وطموحات المستقبل , وكان سعيد دائما يقوم بتغطية نشاطاتنا الفنية , وآخر ما قام به معي هو لقاء تلفزيوني للحديث عن تاريخ طليطلة العربي وكان معي مدير المركز الثقافي المصري اسمه على ما اضن عبد الكريم وبث اللقاء على قناة العالم الايرانية..

يعتبر سعيد من شعراء وادباء الثورة الذين يؤمنون بتحرير فلسطين وعودة اهلها الذين شردوا من ديارهم وارضهم منذ عام 1948 اي التحرير الكامل للوطن والارض المغتصبة والمقدسة وعلى هذا الخط يوجد هناك عشرات الادباء والشعراء والمفكرين منهم عز الدين الناصرة ومريد البرغوثي واحمد دحبور ومعين بسيسو الذي كان يردد اشعاره دائما ياسر عرفات :

انا ان سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح

واحمل سلاحي لا يخفك دمي يسيل من السلاح .

وهناك نوع آخر من الشعراء والادباء الفلسطينيين وهم اصحاب الاديولوجيات اليسارية والذين يعترفون بدولة اسرائيل وباقامة دولة فلسطينية في حدود 1967 مثل الشاعر محمود درويش الذي كانت له صديقة اسرائيلية مجندة اسمها ريتا، وفي هذا الصدد يقول: (بين ريتا وعيوني بندقية) وغيره من الشعرا اليساريين مثل سميع القاسم وتوفيق زياد و..

و تعتبر قصص واشعار سعيد العلمي نابعة من موضوع الوطن والغربة ومنتزعة من واقع الحياة ومرارتها التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني ونكبته وتشرده منذ عام 1948 وقد اطر سعيد شعره وقصصه باطار عاطفي مقاوم ثوري ونلمس ذلك في عدد كبير من قصائده الشعرية مثل :

احبابنا في الغربة السوداء .. طال المقام بمجلس ولقاء

لم ننس يوما قدسنا وجوارها .. والقلب تاق لوجهها الوضاء

جرزيمنا وجليلنا وقطاعنا .. واديم تربتها من الآباء

..........................

اليوم ما بقيت لنا احلام .. عاث البغات بقدسنا واقاموا

اليوم امة احمد قد عريت .. حتى تبدت عورة وسقام

والمسلمون كما النعاج تخاذلوا .. عن مسجد اقصى ثراه حرام

والله لو عاث العدو بمكة .. لوجمتمو ذلا كما الانعام

 ......................

طليطلة الجدود الاعظمينا .. اتيتك صادحا حبا دفينا

فانت لدرة الامصار غربا .. وانت منارة للاكرمينا

باندلس لاربع آسرات .. بنات العرب يرفعنا الجبينا

بحمراء وقرطبة وحمصا .. ثلاثتهن عندك ينحنينا

***

د. كاظم شمهود

 

سوف عبيدأنا من جيل فتح وعيه على الأسئلة الكبرى في الثّقافة والأدب وفي الشعر خاصّة مثل سؤال بأيّ لغة نكتب؟ أَبِالعربية، الفصحى أم بالعامية أم بالفرنسيّة ففي المرحلة الّتي عقبت سنة 1967 اِعترى الثّقافة في تونس وفي أغلب البلدان العربية وحتّى في الشّرق الأقصى وأوروبا وأمريكا حيرة حادّة اِستطاعت أن ترُجَّ كثيرا من الثّوابت بسبب التّأثير المباشر والحادّ للأزمات الّتي وقعت وقتذاك: فمِن حرب

جوان 1967 إلى حرب فيتنام ومن أصداء الثّورة الثقافيّة في الصّين إلى أحداث ماي 1968 في فرنسا، وإلى حركات التحرّر العارمة في أمريكا وإفريقيا تلك الّتي كانت كالسّيل العارم أو كالنّار تشبّ في اليابس من الأغصان وفي ما تهاوى من الجذوع واِنشرخ من الأغصان وفي ما تناثر من الأوراق

*

كان من الممكن أن أنخرط في سياق السائد من الشعر الّذي كان يتراوح بين معاني الغزل والمديح والعنتريّات وبين معاني الرثاء والبكاء وجلد الذات،  وكان من الممكن أن أباشر الكتابة بالعامّية مُتمثّلا مقولة أنّها أقرب إلى الجماهير وأسهل في التّداول والاِنتشار، بل كان بوسعي أن أنخرط حتى في الكتابة باللّغة الفرنسية باِعتبار أنّها اللّغة الثانية في تونس والّتي يمكن بها أن أتواصل مع مدى أوسع في العالم.

ولقد بدأتُ فعلا في الكتابة بتلك اللّغة ولكنّني اِكتشفت أنّ في العملية

اِنسلاخًا واِنبتاتا فتراجعت ولم أنخرط في الكتابة بالعامّية التونسيّة عند تلك المرحلة وذلك لسببين اثنين أوّلهما

أنّني علمت أنّها كانت ضمن سياق الدعوة إلى القضاء على الهويّة الوطنيّة ذات الأبعاد العربية، وثانيهما عدم اِمتلاكي لمفردات قاموسها الكبير وبالتالي عدم قدرتي على الإحاطة بها والتّعبير عمّا كان يخالج نفسي من المعاني الغزيرة والعميقة بتلك اللغة

 ورغم ذلك فإنّي أعتقد أن الأدب العامّي بما يشمله من أمثال وحِكم وأزجال وأغان وحكايات وخرافات ونوادر إنّما هو إثراء للأدب العربيّ بل هو رافد مهمّ من روافد تجديده وتنوّعه. وقد لاحظت أنّه عندما تصبح الدعوة إلى ترك الفصحى وإبدالها بالدّارجة كتابة وتداولا فإنّ الأمر عندئذ ينقلب إلى قضايا تتعلّق بمكوّنات الشخصيّة الوطنيّة الّتي  أعتبر أنّ اللغة العربيّة هي اللّبنة الأساسية في بنائها وتماسكها وأنا لست مستعدا للمساهمة في هذا المشروع الخطير على الكيان الوطني الذي تمتدّ جذوره الثقافية والحضارية عميقا في التاريخ إلى ما قبل القيروان وقرطاج...

في قصيدتي ـ الجازية ـ  راوحت فيها بين مستويات عديدة من اللّغة ، فرسمتُ صورة للجازية وجعلت من سيرتها مشاهد ولوحات ومواقف فيها الكثير من تقنيات الفنون الأخرى بالإضافة إلى فنّيات السّرد وغيره من ضروب الكتابة والشّعر بمختلف أنواعه

*

إن مرجعيّة الشّاعر الحديث اليوم ما عادت تقتصر كما كانت على الشّعر القديم المبثوث في المتون والمختارات والمصنّفات من الدواوين تلك الّتي يقتصر الإبداع الحقيقيّ فيها على بعض القصائد فحسب، بل صارت تلك المرجعيّة تستند

أيضا إلى عديد النّصوص الأخرى في الآداب القديمة والمعاصرة تلك الّتي اِطّلعنا عليها فاِكتشفنا فيها آفاقا وأنماطا أخرى من الإبداع فحاولنا أن نقتبس من تلك المعالم الإنسانيّة إلى شعرنا الحديث من دون نسخ أو نقل مباشر فالآداب تتلاقح وتتمازج وتتحاكى وتتطوّر ليس بفعل التّرجمة والاِطّلاع فقط وإنّما بسبب العوامل الاِجتماعيّة والحضاريّة أيضا. فالجيل الّذي كتب قصائده على نمط التّفعيلة ـ الشّعر الحرّ ـ وخرج على نمطيّة البحور والقوافي عند منتصف القرن العشرين قد عبّر بذلك عن خروجه على نسق المجتمع العربيّ القائم على التّقاليد والقيم تلك الّتي تزحزحت بسبب التطوّر الكبير في حياتها الّذي ِاستطاع أن يؤثّر في كلّ شيء فيها من تخطيط المدينة ومعمارها، إلى فضاء البيت ومختلف العلاقات بين ذويه، ومن أدوات الكتابة والقراءة، إلى أدوات الفلاحة والطبخ، ومن الأثاث واللّباس، إلى الأفكار والإحساس...

إنّ قصيدة جيل النصف الثاني من القرن العشرين عبّرت عن ذلك التغيير والشّرخ الكبير الّذي تمرّ به المجتمعات العربيّة بفعل دوافعه الاِجتماعيّة والتاريخيةّ العديدة.

*

أمّا الجيل الموالي الّذي تشكّل وعيُه في سنوات الثّلث الأخير من القرن العشرين فقد عاش فترة الِانهيار والانكسار والدّمار على المستوى المحلّي والقومي والعالمي وعلى مستوى الإديولوجيات والأحزاب السياسية خاصة فأراد أن يبني وأن يؤسّس على غير ما وجد لعلّه يجد الخلاص فرأيناه يَنشُد الجديد والغريب أحيانا ليس في

الشّعر والآداب فحسب وإنّما في شتّى الفنون وقد اِستند على شرعية التّجديد والبحث والتجريب تلك الّتي ترنو إلى إنجاز إبداع يمثّل هواجسها ويعبّر عن همومها وأحلامها فذلك هو الأمل والمبتغى، فحسب كلّ جيل أن يثبت بصماته

*

 لقد قلت مرّة إنّ المحاولة في التّجديد أفضل من النّجاح في التّقليد وإنّ إيماني بهذه المقولة كان نتيجة المناخ الثّقافي الّذي كان سائدا سنة 1970 تلك السنة الّتي بدأت فيها النّشر بصفة جديّة. من قصائدي الأولى الّتي صوّرت فيها ذلك البحث وذلك الهاجس الجميل في تجاوز السّائد قصيدة ـ الحذاء ـ

جاء الرّبيع

سيشتري حذاء

جاء الصّيف

سيشتري حذاء

جاء الخريف

سيشتري حذاء

اِنقضى الشّتاء

فتعلّم المشي حافيا

*

وإلى اليوم ـ أوائل سنة 2000 ـ و بعد مرور أكثر من ثلث قرن على هذه القصيدة مازلت أحاول وأبحث.

 ومن تلك القصائد أيضا قصيدة المحطّة الّتي عبّرت فيها عن حيرتي المتأجّجة بين الأطروحات الّتي كانت قائمة وقتذاك والّتي كانت تتجاذبني مرّة نحو اليسار ومرّة نحو اليمين فجعلت من المحطّة مشهدا يصوّر تلك المرحلة فقلت

في قصيدة ـ المحطة ـ

وقف المسافر وسط الميدان

يسأل عن العنوان :

ـ إلى اليمين... ثمّ رويدا رويدا

إلى اليسار

- شكرا.

ـ إلى اليسار... ثمّ رُويدا رُويدا

إلى اليمين

- شكرا.

أخذ المسافر حقيبته

و مضى إلى الأمام...!

*

هكذا صوّرتُ التّناقض الّذي عاشته الذهنيّات في تلك السّنوات المتأجّجة بالأسئلة وقد كانت الحركات الفكريّة والسياسيّة قائمة على قدم وساق سواء في الجامعة أو في الشارع والمجتمع أو في الأحداث العربيّة والعالميّة حيث كنت متابعا لها و قارئا نهما لمختلف أطروحاتها وأدبيّاتها وكنت أرفض فيها الاِنضباط والتسلّط إِذْ  رأيت أنّ التنوّع والاِختلاف ثراء في المعرفة وزاد لملء الوطاب وغِنًى للفكر والفنّ وفُسحة للرّوح فلقد كنت أحبّ أبا ذر الغفاري وشيغيفارا معًا وكنت معجبا بغاندي وحنّبعل كِليْهما

أنا لست منظّرا في الفكر والإديولوجيا ولا محترفا في السياسة ولكنّني وجدت أنّ التاريخ الإنسانيّ أكبر وأشمل من كلّ النّظريّات، و بالتّالي فإن الشّعر عندي لا يحدّه معنى ولا شكل  وهو أوسعُ من التفعيلات والبحور وأشمل من البلاغة والبيان وما اللغة إلا تعبيرة من تعبيراته العديدة والمتنوعة وقد تضيق به أحيانا...

 ثمّة قصائد عندي ما مسكتُها بحرف ولا أسكنتها ورقةً فلا عجب أن كتبتُ في السّنوات الأخيرة بعض الأشعار العموديّة ربّما بسبب الحنين إلى الماضي أو بحثا عن طرافة القديم في خضمّ الجديد لِمَ لا ؟؟ ذلك أنّ الشّعر عندي :لا يُحدّ بشكل ولا يُعدّ بنوع ولا يقتصر على موضوع بل القصيدة يكتبها قارئها وسامعها أيضا...!؟

 

سُوف عبيد

جانفي 2000