 أقلام ثقافية

صوت أمي غاب عني!!

كان صوتها يتدفق عبر دروب وأسلاك الوجود النائية، فيلامس شغاف فؤادي، ويزعزع أركان روحي، ويُطلق براعم صيرورتي في تيه الرحيل، والإمتداد على بساط الأيام فوق أريكة المجهول، وأنا أقود عربة كياني إلى حيث لا تعلم عندما أطلقتني للريح،  في يوم تعسرت فيه رحلتي وتفاقمت آلامها وتأوهت تستغيث بالنار من النار، التي أوقدت فيها إرادة الصيرورة ولذة الشعور بالإمتداد في تربة الأمل وقلب الطموح. 

كان صوتها يمدني بطاقات الإنسياب الكبرى في تيارات التحدي والإرتقاء والتفوق، والتماهي بأنوار العلياء والتفاني بالجد والإقدام والعطاء، والإنتقال من بحر إلى بحر ومن قارة إلى قارة، كأنني إمتلكت شيئا من قدرات الخِضر الذي كانت تحدثني عن خطواته وحضوره في ذات الوقت بمكانين، وكـأنه يؤكد نظرية الكم ويعبّر عن أن الوجود محض طاقة ذات أشكال يمكنها التواجد في موضعين بآن واحد.

كان صوتها الواثق الهادئ الجميل المعبّأ بقوة الحياة والإيمان والأمل، والصدق والمحبة والرحمة والعزة والكبرياء، والتحدي والتمسك بالقيم والمعايير والأخلاق السامية، التي تفوح من  وجهها الناصع وشكلها الزاهي الجميل، المشحون بالرأفة والحب والشوق والحنان والإمتنان، والصفاء ورقة القلب وفيض المودة وأريج الأماني، وعطر الصلاة وصدى الابتهال والتحبب إلى الله، وهي تشدو بلسان قلبها وحنجرة روحها أسمى آيات الإصرار واليقين بأن الغد سيكون أفضل، وأن غيمة الحاضر لا تدوم، وأن الإرادة الكبرى ستحقق قانونها وتفرض معاييرها، فتخضع لها جميع الموجودات وتهتدي بهديها فتعود إلى رشدها وتستنير بأنوار الرحمة والألفة والأخوة السمحاء.   

كان صوتها يتدفق من ينابيع أعماقها، ويجري كتيار الخير الذي يريد أن يكسو الأرض باللون الأخضر، ويشيّد جنات غناء تأنس فيها الأطيار وتغرد، ويفرح الإنسان ويشكر ربه كل مخلوق، يتطعم بلذيذ النعمة وحسن المقام والرفعة والقوة والبهاء.

وما أن يلامس صوتها مسامعي حتى تضطرب خلجان أعماقي، وتفيض ينابيع كينونتي وتتدفق مياه أفكاري، فأستكين لهذا الفيض السماوي الذي يُغرق فضائي ويذيبني في جسد الضوء، ويمنحني عسلا لذيذا للأنوار القدسية، التي تنبعث من شجرة درية في حدقة السماء.

كان صوتها أطياف ساحرة تتهادى في وجداني وتخلّق معالم أيامي، وترسم خارطة تألقي وإنتمائي إلى جذوري وتفاعلي مع تراب إبتدائي، ويحدد مواقع خطواتي فوق صدر التنامي،  ويأخذني إلى أفلاك الرجاء البعيد، فيستخلص من روحي طاقات اليراع وإرهاصات إرتقاءٍ في أحضان الصعوبات، فأجد العسر يسرا، وأن الشمس تشرق أبدا في صباحات وطاني.

كان صوتها إكليل غار من التوحد بذاتي الكبرى، وتاج عرفان بالقدرة على أن أكون في فم بركان السفر، وفي محطات المواجهة الملتهبة ما بين حمم التشظي والتداعي، والولادة الأفضل من رماد القارات الصاخبة في طرقات الصعود إلى قمم الغايات، والمضي في حلبة الصراع التي لا تعرف  غير سيوف القوة وبنادق السطوة وأبابيل الطمع والحرمان.

وهو يحصنني من داء اليأس ويعالجني من أمراض الخيبات، ويمدني بطاقة التواصل والتفاعل المتجدد مع مفردات الأيام،  فتنطلق قدرات أعماقي، وتلمع كل جوهرة مدفونة في رماد عجزي، فأغلي ويتصاعد بخار كينونتي ويتردد صدى أزيز فوراني في أروقة روحي، فأستشعر قيمة وجودي وأعرف دوري وأقرأ رسالتي بإمعان.

كان صوتها ينبوع أماني وشدو سماءٍ ترتله بنياط قلبها، فأصغي لألحان إرادتها ومواويل كبريائها، وأنصت بخشوع لآيات المطلق وهي ترتلها بأعذب لسان وأجمل لحن، فأكون في حضرتها، مثل نقطة ضوء تذوب في شعاع الأبد، وتنتشر في أصقاع الفضاء وتتجاوز الحدود، وتنتصر على قدرات الجذب، وتتحرر من جميع القيود وتنتمي إلى كون الذات العلوية.

كان صوتها يمنحني طاقات حياة، ووثيقة بقاء ونماء في صحراء المجهول، التي طلقها مطر الإنسانية وحَجبت عنها النور زوابع الرمال الهابة من براكين الغضب الثائرة، من شدة العطش وإنفجار الظلم وإنسحاق الضمير، وغياب أسباب التآخي وحسن الصدق والإنتماء إلى جوهر الأنوار.

 كان صوتها نعمة عظيمة  أغدقها الله على روحي، أستحم به وأتخلص من أوذان النفس، وأستعين به على نفسي من أمارة السوء التي فيها، وأديم به ينبوع خشوعي وأوقد أنوار وجودي،  فهو شراعي الذي يدير دفة مركبي ويحدد إتجاه خطواتي رغم الأمواج المتلاطمة والصراعات المحتدمة، وعواصف الرياح التي تريد النيل من شجرة روحي المثمرة.

فصوتها يجعل أغصاني تتمايل وأثماري تتراقص حالمة بفم ترضيه لتمده بطاقة إبداع وأمل.

كان صوتها يرويني ويغسل قلبي ويعصره وينقيه، فأكون أنقى وأصفى وأجمل كلما تدفق صوتها في أعماقي.

وهكذا فأن صوتها البعيد الذي يخترق البحار والمحيطات ويتقطر من أفئدة أمواج التقارب والتفاعل الأعظم، لهو أعذب شراب أحتسيه بكأس الأنوار القدسية فأتخلق به وأحلق في علياء الأضواء،  وهو في يقين فؤادي، وينبوع حياتي وبهجة أكواني ونور عقلي، ومِرجل أفكاري ومداد ديمومتي وصيرورة روحي، وإندماج كوني بذات عرشٍ منير في فضاء المنتهى ومطلق الوعي ونبع اليقين.

كان صوتها الرؤوف الرحيم البعيد القريب، يبعث في أرجاء وجودي حرارة الحياة، ويبث إرادة التحدي والإيمان بالنجاح .

وبصوتها أكون، لأنه طاقتي وطعام روحي وسلافة مشاعري، ورحيق إنفعالاتي وعنوان أفعالي، وموئل ذاتي ومشروع أحلامها رغم عوائق الأزمان، لكنها صنعتني، فكنت صوتها الذي يعبّر عن صوتها، لأنه مولود من رحم إصرارها على الحياة.

فهل عندي أعظم من صوت الصدق والمحبة والرأفة والوفاء ونقاء الأشواق وطهر الحنين.

إنه صوتها الذي اسمعه بقلبي وروحي رغم طول المسافات، ذلك الصوت الذي أوجدني في لحظة تجلي.

قد خشعت لصوتها، فاعذروني ودعوني أصلي في محرابه صلاة ناسك يسبّح ببر الوالدين وأرتل آيات أمي التي لا تلدني مرتين، وقد فقدتها منذ عامين!!                                   

وفى ذهبتْ فأثكلني الغيابُ

 وعَنْ وَجَعٍ يُحَدّثني الترابُ

هيَ الدنيا تشاغلنا بأمْرٍ

وأمْرُ مَصيرنا كُتِبَ الكِتابُ!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3851 المصادف: 2017-03-22 03:51:34