 أقلام ثقافية

الظاهرة الثقافية تأثير القوالب المجتمعية في المشهد الثقافي

mohanad salahتمخض التاريخ الحديث للآداب والعلوم والفنون عن بزوغ تجارب مغايرة ومختلفة . شقت طريقها داخل المجتمعات، وغيرت خارطة القراءة والتلقي (النمطية) بأدوات وأساليب جديدة. كسرت كل الأنساق الثابتة وأجبرت الساحة الثقافية على الإنزياح نحو مناطق جديدة لطالما كان هاجس الخوف من الإقتراب منها هو الغالب على معاصريها . وذلك لإتجاه أغلب الكتاب والمفكرين نحو (أسطرة) الموروث وعدم الحياد عنه. مما خلق عمليات لا نهاية لها من الإجترار، والإلتفاف الدائم حول بؤرة الثقافات (الكلاسيكية)، وإندفاع الكثير من ممثلي المشهد الثقافي نحو إتخاذ موقف المدافع عن هذا التراث، ومهاجمة أي تكوين إجتهادي وإبداعي يتعارض مع القواعد والمناهج التي يحاولون من خلال إحاطتها بهالة من (القدسية) . منع أي تعدي على خطوطها أو حتى الإقتراب من البحث في تكوينها الفكري . فكيف يكون الحال مع (نتاج جديد) لا يستمد سماته من الجذور، أو إنه يمثل التأسيس لـ (ثورة أو إنقلاب) على كل ما هو معتاد ؟؟ .. إنها (الظاهرة) التي أعادت تشكيل ملامح المشاريع الثقافية، وزرعت بذور تكوينها في مساحات لم يكن في الحسبان إنها ستكون صالحة ذات يوم لهكذا حرث في خاصرة التلقي . فبالقدر الذي يكون فيه مؤلما بكل ما يحمله من حراك داخل دوائر الركود والثبات التي أنتجت الكثير من التقرحات في مناطق متعددة داخل العقل الجمعي للجمهور . لكنه أنتج صراعا مفرطا مع القوانين الوضعية لكسر رتابتها وإستبدالها بمناطق (متحررة) . توفر للجميع القدرة على توسيع قائمة الخيارات بعد أن كانت محدودة ومقيدة . إلا إن عصر

(الظواهر) بدأ بالتلاشي تدريجيا رغم التقدم والتطور الذي عصف بالمجتمعات نهاية القرن الماضي وبداية القرن الجديد . وهذا يتعلق بالعديد من المؤثرات التي حكمت على الوسط الثقافي بالتراجع بدل التقدم . كالحروب والتأثير الآيديولوجي للفكر السياسي المتطرف، وعدم إجتهاد المثقفين للنزوح نحو مناطق إبداعية جديدة، وتهربهم من مسؤولية الإقتراب من الجمهور وردم ثغرات عدم الثقة معه، هذا بالإضافة إلى لجوء هذا الجمهور إلى مراحل من السبات والإكتفاء بالوجبات الفكرية السريعة التي تقدمها التقنيات الحديثة، وهي في غالبها مستوردة ولا تمثل الإجتهادات الإبداعية التي نطمح لها .. المشكلة الأكبر بأننا في الغالب لا نعي أهمية (الأنثروبولوجيا الثقافية) التي تهدف إلى فهم الظاهرة الثقافية وتحديد عناصرها . كما تهدف إلى دراسة عمليات التغيير والتمازج الثقافي، وتحديد الخصائص المتشابهة بين الثقافات، وتفسّر بالتالي المراحل التطوّرية لثقافة معيّنة في مجتمع ما .‏ ولهذا استطاع علماء الأنثروبولوجيا الثقافية أن ينجحوا في دراساتهم التي أجروها على حياة الإنسان، سواء ما اعتمد منها على التراث المكتوب للإنسان القديم وتحليل آثارها، أو ما كان منها يتعلّق بالإنسان المعاصر ضمن إطاره الاجتماعي المعاش .‏ وهذا يدخل – إلى حدّ بعيد - فيما يسمّى (علم اجتماع الثقافة) والذي يعني (تحليل طبيعة العلاقة بين الموجود من أنماط النتاج الفكري، ومعطيات البنية الاجتماعية) .. ليس المهمّ من وجهة النظر التحليلية إثبات العلاقة بين النتاج الفكري والواقع الاجتماعي، بقدر ما هو تحليل لأشكال هذه العلاقة في مرحلة معيّنة لمجتمع معيّن . ويعد هذا التحليل مصدرا أساسيا في المناقشات المتعلّقة بالروابط الموجودة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، والتي أفضت إلى تأكيد فكرة التبادل الديالكتيكي القائم بينهما . وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ اجتماعية الأدب والفن، ساهمت مساهمة متطوّرة في تحليل أشكال العلاقة بين النتاج الفكري، ومعطيات البنية الاجتماعية .‏. إن تحديد الكيفية التي يحوّل بها نتاج فكري، كالقصّ أو المسرح مثلاً، معطيات الواقع، لا يكفي، بل لا بد من إبراز الوظيفة الاجتماعية / السياسية لهذا النتاج، ولا سيما أن المنتجين ينتمون إلى فئات من المثقفين يؤدون أدوارا قد يعونها أو لا يعونها لصالح أصناف أو طبقات اجتماعية معينة. وهذه الوظيفة ليست مظهرا ثانويا أو تكميليا، بل هي بعد من أبعاد العلاقة بين الثقافة والمجتمع، ولا يمكن تفسير أي حدث فكري من دونها. وهي في الوقت ذاته، توجد حلا لما يسمى ” استقلالية ” القيم الفكرية والجمالية، وذلك من خلال اكتشاف وظيفة استمرارية هذه القيم، أو بعثها في ظروف تاريخية محددة .‏ إن دراسة الوسط الثقافي، تكشف عن الآلية السيكولوجية التي توجه سلوك الفرد، وتصرف النزعة العدوانية في مجالات تنفيس مهذّب .. من الممكن تحديد مجموعة متناسقة من أنماط السلوك الإنساني، والتي يمكن اعتمادها في دراسة السلوك الفردي، لدى أفراد مجتمع معين، حيث أن جوهر الثقافة هو في حقيقة الأمر، ليس إلا تفاعل الأفراد في المجتمع بعضهم مع بعض، وما ينجم عن هذا التفاعل من علاقات ومشاعر وطرائق حياتية مشتركة هو النتاج الذي يطرح كظاهرة تكسر كل الحواجز النمطية . إلا إن التأثيرات الإجتماعية بما فيها من (عادات وتقاليد وأعراف) أثرت كثيرا في إستنزاف خلق ظواهر أو حتى إستيعابها من قبل الجمهور . وهو ما جعلنا نعود الى المربع الأول ما قبل (النتاج الظاهراتي) .. الأزمة في حقيقتها تكمن بأننا إستسلمنا للواقع الذي نعيشه والإكتفاء بتراجعنا يوما بعد آخر عن خط التماس مع الثقافات العالمية وظواهرها، وأصبحنا نحارب أي تجربة جديدة ونتهمها بـ (الغربنة) أو (الجنون) ، وأصبح أكبر هموم المسؤولين عن الثقافة هي مصالحهم الشخصية وكيفية التسلق على أمجاد الماضي لتحقيق الرغبات الذاتية .. نحن بحاجة جادة لدولة تمتلك من الوعي ما يؤهلها لتبني المشروع الثقافي بعيدا عن الفئوية والمصالح السياسية . ومؤسسات ثقافية تمتلك القدرة على ترميم ما تبقى من النتاج الثقافي للنهوض بواقع مغاير جديد، وإلا فإننا نسير نحو الفراغ بدرايتنا ...

 

مهند صلاح

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3863 المصادف: 2017-04-03 03:18:34