 أقلام ثقافية

آهاات حواء

... حوّاء سيدة نصف انهت العقد الرابح من عمرها إلّا أنّها تبدو شديدة الذكاء حادّة الدّهاء... جلست بالقرب من منزلها الصغير وصوّبت نظرها حول الغدير تُحدّقُ بعينيها الزرقاوين إلى الآفاق البعيدة وكأنها تريد أن تستخلص من وراء هذا الوجود جوهر الحياة وتفاصيلها منذ أمدٍ بعيد وكيف انتشرت الأُمم والخلائق في رحاب هذا الكون الجليل...

انحنيتُ حول هذه السيدة وتأمّلتُ فيها مليّا وإذا بها لغز مبهم في هذا العالم المترامي الأطراف... وبادرتُها رغبة في الاطّلاع عما يكنّه فؤادها المهموم ثم همستُ في أُذنيها وكأنّي أريد أن أوقف هذا الزورق المتمرّد الذي خاض بأعماق الوجود فذهِلت وراحت تغور بأعماقه وحيدة نائية.

هكذا اقتربتُ من السيّدة حوّاء وبادرتُها قائلة ً: "ما أجمل الحياة يا أُختاه... أرى الرّخاء قد أسدل عواطفهُ فعمّتنا بهجة ٌ... انظري الى الدنيا وقد أصبح فيها كلّ شيء ممكنا... ألا تريّنَ هذا التقدّم والازدهار الذي جعل منها أجمل كوكب في الوُجود... أرأيتِ هذه الاجهزة التي جعلت لنا من أبعد الآفاق مخطوطة تتناولُها أيدينا في أقلّ من دقيقة أو ثانية... فهذا جهاز فاكس وذاك كمبيوتر وناهيك عن تلك الرحلات الناقلة المُسمّاة بالأنترنات وهي سيّدة أجهزة العصر والحداثة... فهي تُغنيك عن الموسوعة والكتاب وتفصل لك أعسر الأمور في أدقّ اللّحظات... انظري يا حوّاء ما أسعد حظّنا في الحياة وما أجمل هذه الدنيا التي باتت بأغوارها وبحارها ومحيطاتها وسُهولها وجبالها وجميع قياساتها وأبعادها وما تحملُه من أثقال ومخلوقات وأسرار هذه الأثقال والمخلوقات... انظري كيف غدى كلّ هذا ينحصرُ بين جوانب هذا الجهاز الصغير... وكيف تسنّى لنا تصفّح هذه الحياة بجميع ما فيها منذ أمدٍ بعيد... هلمّي معي يا أختاه فليس بقاؤكِ على طرف هذا الوادي بالأمر الهيّن فإنّ وجودك هنا يُعبّرُ عن قصص الغابرين والأسلاف... أما الآن فيحقّ لكِ الجلوس على الكرسيّ لتضعي اناملكِ على أزرار صغيرة فتخرج أمامك مذاهب العلوم والفنون والتاريخ والآداب والفلسفة والطّبّ والرياضيات على جميع موازينها وأبعادها... هيّا غادري هذا المكان الخالي وهذه المروج الخضراء وهلمّي الى حياة أفضل... لنقطع هذا الجسر العسير وندخل مهرجان الدنيا من باب فسيح..." هكذا كنتُ أقضي معها الساعات يوما بعد يوم رغبة ً في فكّ العقيدة التي رسخت بأفكارها ولمّت بمشاعرها... وكنتُ اجتهدُ قـُصارى جهدي علّني أٌفلحُ استقلاليّة صديقتي الغالية والابتعاد بها عن هذا السكون الحادّ والوحدة القاطعة والمملّة... إلّا أنها اجمعت ما في وسعها من مقدرة ثمّ أومأت لي بالجلوس والإصغاء اليها وبادرتني قائلة ً: "أما راعك هذا الزمان ونحن نودّع أوفى صديق وأعزّ رفيق... إنّ ما أشرتِ إليه منذ سُويعات قد ملأ قلبي حزنا وجعل الأسف يتسلّل الى جوارحي فبتُّ أرى ما تصفينه من حضارة وازدهار كأنما هو حميم بركان فاض ليمحق كلّ جميل ورائع من ذخائر وكنوز علميّة كان قد ذخرها لنا الأوّلون من أمجاد العرب والفرس وغيرهم... أتدري ونحن نستقبل هذا التيار الجارف لمعنويّات جدّ عالية فملأ فراغ حياتنا بوجوده... وحلّ ليملأ بيوتنا ويستولي على قلوبنا وعقولنا وتسبّب في رحيل الرفيق الأمين والصديق الوفيّ... أتدري من هو...؟ إنه الكتاب... الصديق الذي لا يخون ولا يعرف الخيانة والغدر أبدًا...

_تمت_                 

 

نصيرة بحورة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3902 المصادف: 2017-05-12 05:59:17