 أقلام ثقافية

دان براون تحت مجهرنا بأقل الكلمات عدداً

haytheam nafilwaliأعتبره من زمرة الشباب، بل الحقيقة أقرب من ذلك، فهو أخي في البرج ويكبرني بسنة واحدة فقط!

سمعت عنه في غربتي، ثم وجدت كتبه في رحلتي الأخيرة لمصر، وكالعادة، قرأت ما اقتنيت من رواياته الواحدة تلو الأخرى تباعاً وخرجت بهذه النتيجة المذهلة:

يقال، الرمح لا يختبئ في شوال؛ وأعمال صاحبنا لا أستطيع إدراجها ضمن لائحات الروايات العالمية للآداب التي نعرفها، خاصمنا صديقنا أم لم يخاصمنا، هذا رأينا.

نفس النتيجة، ذات الغرض، الطريق لا يختلف، الخطة هي لم تتغير وسكته لم تنحرف.. هذا ما أحب تسجيله بعد أن اطلعت على أعماله الكتابية رغم الضجة والأرباح، ورغم الترجمة وعلامات النجاح.

لعبة، شد، حبكة بوليسية، وأهداف كثيرة غير مرئية من الوهلة الأولى لكنها تبقى جميعها بعيدة كل البعد عن الأدب الروائي الإنساني العالمي الخالد الذي نعرفه، ذاك الذي نتوخاه منه ومازلنا ننتظره!..

الدقة التي يكتب فيها ليست دقة قلم، بل دقة كومبيوتر مبرمج ضمن حسابات آلية معدة من قبل لا أحساس بشري فيها، مجردة من المشاعر، تلك التي لا يمكن للفن أن يكون إلا بتواجدها وبحضورها، ما نفع الأدب لو تخلى عن الوصف الآدمي؟، من التعبير عن حالات الغضب، أو الحب، أو الفرح، أو الحزن؟ ماذا تبقى منه؟ وصف الإحساس لب عمل الكاتب المتميز المبدع، وما سواه عمل عادي لا يسعى إلا للربح والشهرة على حساب القيمة الحقيقية للأشياء. وفي رأيي لن يكون خالداً، لأنه عمره قصير بحكم التغير، بحكم السرعة، بحكم العلم والتقنية، عكس ما ورد في الأعمال التي سنذكرها بسبب إنسانيتها، تحكمها وتأثيرها في حياة الفرد بشكل مباشر دون تزويق خادع مؤقت قابل للزوال في أي لحظة تطور والعالم دائم الحركة، سريع التطور كما لا يخفى. 

لم نعثر على خلجات الإنسان- بطل رواياته - وهو يتحرك ضمن نطاق وسياق معد مسبقاً بشكل آلي كما قلنا بحرص وحذر دون أن تشم رائحة المكان الذي يتحرك فيه، لن تجد أي انفعالات حقيقية، دقيقة، إنسانية، طبيعية تؤثر فيك وأنت تقرأ رواياته، كل شيء فيها إلا الإحساس، والفن لا يقوم إلا على وجود الأخير، رضي علينا بروان هنا أم لا، هذا قولنا بعد قراءة دقيقة، عميقة لكل حرف سجله. وأبعد ما توصل إليه في الوصف، ما كرره لمئات المرات: تسارع نبض قلبه!، ما هذا بحق الله؟، ثم أراد أن يوهم القارئ بأن البطلة رجل في الوهلة الأولى فقال عنها- كان – ثم بعد صفحة كاملة من الأحداث رجع في قوله فكتب- لم يكن يعلم بأنها سيدة، فقد كانت..!! كيف يعني؟ العلم عند سبحانه. 

نتقدم قليلاً لنصل إلى مسألة الهدف، أو الخدمة من وراء العمل الذي يقدمه بروان للبشر:

لن تجد ثقباً واحداً في نصوصه، ولا حتى مسامة في نسيجها خارج نطاق كونها المرسوم بدقة، حيكت بشطارة شيطانية مذهلة، لكنها تبقى في عرفنا، شطارة بائع يروج لبضاعة صنعت في وقتها، سوقها اليوم وليس الغد، كان بروان يفهم في الربح والخسارة جيداً كمقاول بناء ناجح لا يفكر في البناء بقدر الدولار.. مسكين شاعرنا الجميل بيرم التونسي عندما ترك جامعته نتيجة الفقر ليفتتح دكاناً للبقاله يسترزق منه وهناك يبدع!، ويذكرني هذا برائد المسرح العربي توفيق الحكيم عندما كان يدرس في فرنسا ويتخلى عن الموزة المعتاد شراءها مره في الأسبوع ليوفر بطاقة دخوله المسرح، لله في أمره شؤون!..

اعتماد بروان المغامرة والسرد السريع المتواصل المحبوك بشكل أكاديمي ينقصه الإبداع الحسي الوصفي المتعارف عليه في تكوين أي نسيج درامي روائي، خاصة وهو لم ينجز لنا كبشر ما كنا نوده رغم ترجمة أعماله إلى أربعين لغة وحقق إيرادات مالية يصعب على الشيطان عدها أو حصرها، وكل ما خرج به هو التالي:

القديم أفضل من الجديد، وهو الذي طور بعد اعتماده. النشوء الأول كان في العهود القديمة. كما حاول أن يقول بأن الدين لا يقبل بالعلم، ولا يسمح بأن يأخذ دوره في التوعية والإرشاد، بل حارب الدين العلم وفند أعماله، ثم يعرج إلى مسألة الجماعة الماسونية التي أصدع بها رؤوسنا المتصدعة أصلاً من كثرة المنظمات والأحزاب والحركات الموجودة في العالم وبدأ يشرح لنا أموراً شائقة عنها كنجمة دواود ورمزها، ختم الدولار الأمريكي وعلاقته بالماسونية وبالنجمة اليهودية، لسنا بحاجة لذلك كبشر نود الحياة بكرامة وحرية على الأرض. ترى، ما الذي قاله جديداً؟ تحدث عن تقنيات متطورة جداً، نعم، سنعرفها غداً، عن أسرار الفاتيكان وأٌقبيتها، عن رموز غاليلو وجماعته، عن الحروب الداخلية بين الأنصار والمعادين للماسونية، عن دور المخابرات الأمريكية، وهكذا، يلف ويدور بنا في مصانع لا تغني فقير ولا تشبع جائع.. هل هذا هو الأدب الإنساني الروائي الذي ينتظره البشر؟!    

لا أعرف لماذا، وأنا أتابع أعماله وجدت نفسي أتذكر بقوة مكتشف "كوكل" الذي حقق خلال 12 سنة إيرادات وصلت إلى 54 مليار دولار أمريكي، و مخترع " الكوكا كولا " وصانع" الهمبرجر " كل تلك الصناعات التي جلبت وحلبت لصاحبها ما لم يحلم به، ودرت عليه ثروة تساوي اقتصاد بلدان كثيرة نامية مجتمعة!!

لم نر في كتاباته ما حدثنا عنه في إحياء التراث وغضب الإنسان تجاه التقاليد والأعراف في رائعة نيكوس كازانتزاكيس" المسيح يصلب من جديد "،  ولم نجد ثورة الإنسان ضد الفقر في رواية جون شتاينبك" عناقيد الغضب " ولم نعثر على تصادم الإنسان مع ذاته، بين الكفر والإلحاد وعلاقتهما بالإيمان الواعي في ثلاثية دوستويفسكي" الأخوة كارمازوف " التي قال عنها مؤلفها- أستطيع الحياة بعد كتابتها عشرين عاماً أخرى!، لم نجد قوة ماركيز الذهنية في" مائة عام من العزلة " تلك التي تحاكي الإنسان وقدره.. والقائمة تطول لمثل هذه الأعمال الروائية الخالدة التي تصلح وتعيش لكل العصور الإنسانية..

ترى من حقنا أن نسأل، هل براون ماسوني؟ ما علاقته بتلك الحركة؟ هل تم تمويله من خلال أعضاء بارزين في تلك الحركة وجعلت منه أحد أهم مئه شخصية في العالم أثرت على الأخير؟ ما حجم التعاون بينهم؟ لماذا أراد دائماً أن يوضح للقارئ بأن الماسونية خلاقة تستوجب إتباعها؟، والارتقاء في سلم الماسونية يتطلب مالاً كثيراً كالترشيح للرئاسة الأمريكية، إلا يوجد رابط بين ما ينتجه وتلك الدعاية وذلك الترويج؟، لماذا لم يجب على سؤال كونه مسيحياً؟ أجاب ثلاثة أجوبة ولم يجب على السؤال!! لماذا يرغب الناس بما تحويه الماسونية من أسرار عظيمة تفيد البشرية لو كشف النقاب عنها؟ هو طبعاً لم يكشف شيئاً، كالعادة، عندما لا يعرف الجواب يهرب منه؟ يرميه للقدر، يفجره قبل نضوجه!!

 

بقلم: هيثم نافل والي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3930 المصادف: 2017-06-09 13:22:42