 أقلام ثقافية

القصيدة والصياد

عندما سئلتُ: كيف اصطاد القصيدة من مكمن اختفائها العصي العجيب؟ طفقت أقول: الشاعر صياد في تزاحم عشرات بل مئات، بل آلاف الصيادين، فإذا أراد ان يصيب ضالته في جمعهم الهستيري المتزايد، فما عليه سوى التفكر بطريقة المفاجأة للوصول الى حمامة تقف على غصن بعيد، البعض يحاول أن يصطادها بقتلها ويظن انه هو الاصطياد الحسن، والبعض يريد اصطيادها حية كي تزيد درجة براعته وتتفوق، والبعض يريد مطاردتها في شتى المشارب والوديان، والحاذق من يتراجع عن كل هؤلاء المهووسين بخدعة صيدها ويختلي مفكرا، فيتحول الى ساحر شعري يتمتع بنفس مواصفات الكائنات الشعرية، فيستطيع ان يصطاد ضالته بكل طواعية ومن غير منافس يعول على رمي الحجارة من بعيد.

ثم اقول: الشاعر خياط إعجازي يصنع لك من الخيوط المتناثرة قميصا ما، يأخذ مباشرة شكل ولون القصيدة التي تود ان ترتديها قميصا جميلا، وهذا هو عسير المخاض، والقصيدة بتشبيه آخر: كلعبة كرة القدم قد تفوز فيها،او تخسر، او تتعادل، مرة تنفعك الدربة، ومرة تخذلك، فلا يعول في القصيدة كثيرا على شيء اسمه الدربة، وإنما تلعب الصدفتان الذكية والغبية دورا أكثر خطورة في الشعر من الدربة فلا بد لك من ان توفق ببحر لايلطم بموجه وجه القصيدة، فيغرقها، ومطلع باسم في وجه القصيدة، وقافية تغازل المعاني الشاردة، وحركة اعر ابية تشاغل المعاني الواردة، ومعجم نحتي باطني شعري، يكفيك للبوح بقصيدة، وموقف شعري يكفي لك إثارة إعمال القصيدة، والعاب أخرى بعضها ناري، والبعض الآخر ثلجي، وبعضها محوري، والآخر مداري، وآخر بهلواني، وآخر معمول بطريقة سحرة فرعون، وآخر من سحر عصا موسى، لذلك لاتستغرب ان يطيش سهم الرائد هنا، ويصيب سهم المتطاول هناك، الشعر حركة مدارية عجيبة بين خياط يريد ان يلبسك بطعم روحه قميصا من عقدة خيوط مستحيلة الترتيب،وبين خوض مبارات كرة القدم، قد يتسبب فيها مارادونا الاسطورة بخسارة فريقه وإخراجه من البطولة جميعها .. والقصيدة بهذا الاستدراك غلب فيها المزيف والدخيل على النادر والأصيل  ولا تجد للجمهور او الإعلام موقفا واضحا وحاسما لنصرة القصيدة المغيبة النادرة، لذلك عندما نحصي شهيرات المجد الشعري، لانجدها سوى شهيرات قليلات، وقد لعب المؤثر الآخر الطارئ السلبي دورا في إذكاء روح المؤامرة التي تجعل الأعلام يتجه نحو الصرخة الكاذبة، فيركز عليها كثيرا، ويترك الصرخات الحقيقية المدوية ؛ لأنها قريبة منه (ولأنها من حمام الحي الذي لايطرب).

إن صيد القصيدة لايحتاج الى بندقية قاتلة، وإنما يحتاج إلى زهرة تصنع الحياة، وتدحض الأكذوبة، لاسيما ونحن نعيش عصرا غزت فيه أكذوبة السياسة، مصداقية النزيف الشعر ي والصيد في عالم الشعر، يختلف عن أي صيد آخر، فهو يبحث عن الفرائد والخرائد والجواهر والماس والعقيق وو.. الخ من حيث شحتها في عالم النفاذ، وهو مفتون بانتظار حسناء البحر التي ستظهر، ولكن لايعلم متى ذلك ليقتنصها.

صيد القصيدة ياعزيزي ليس بالأمر الهين ؛لأن الصياد وأداته تقف في جانب، متهيئا للانقضاض على شبح وهمي يضلل شيئا حقيقيا متحركا حركة السمكة في الماء العكر، ففي كل عشرة محاولات متكررة او أكثر قد يصيب سمكة !

 الصيد في عالم الشعر يشبه مطاردة صياد،لغزال عنيد متناهي السرعة تعجز الأسود عن ملاحقته في بر تملؤه جميع الوحوش المتربصة ببعضها، فالزحاف وحش، والوعورة والغريب وحش متربص، ونفور القافية وحش متربص، والنظم بلا معنى وحش متربص، والناقد الأعمى وحش متربص، وفقدان العذوبة الشعرية وحش متربص، وفقدان البهلوانية الشعرية الساحرة التي تميز الشاعر عن غيره وحش متربص والحداثة الكاذبة وحش متربص، وموضة الطلاسم الشعرية الفارغة وحش متربص، وتربص أنصاف النقاد بخلط الأوراق بين ماهو مبتكر جديد من معنى، ومطروق قديم ومحاولة سلب حق المبتكر الجديد وتنزيه الصنم القديم إيمانا بالصنمية التي تربوا عليها وتوارثوها منذ القدم وهو ما اسميه (بالعبودية النقدية) او (عبودية الرأي)

وفي عالم اليوم، قد يوجد لدينا شعراء ماهرون في صيد القصائد لكننا نجهلهم او نتجاهلهم، لأن أسواقنا مثلا مهمتها تسويق الحمار الشعري، او البقر الشعري،، او البعير الشعري، او السنجاب الشعري، او الجرذ الشعري، او الطاووس الشعري، او الضب الشعري، او الكنغر الشعري، او اليربوع الشعري، فأنت من كل هؤلاء تسمع قصائد، وبإلقاء متكلف يخلط عليك الأصوات، فتظن ان أمامك المتنبي، او ابو تمام،او الفرزدق، او ابوفراس، وما هي الا زوبعة حتى تدرك انك وكذا عدد من الجالسين مخدوعون، بمهرجان اسمه كذا، ولكن حقيقته سدى!

وأسواقنا الدعائية لاحاجة لها بتسويق وشراء المها الشعري، او الغزال الشعري، مايحدث فعلا وهو من عجائب عصرنا، ان دالتنا الصنمية تتباهى بالأنصاف والزائفين، ولا تستطيع ان تتقبل العمالقة، لأنها لم تعتد على إحجام العمالقة في عالم الوصف الحقيقي، بل ان عالمها الحقيقي ليس فيه مقعد مألوف لعملاق قادم، إنما هي اعتادت أنصاف المقاعد وأنصاف القاعدين !

وهناك صيد من نوع آخر: هو أن القصيدة هي التي تصيد الشاعر، وهو ماينتج عنه أجمل وأعذب أنواع الشعر، ولو حولت هذا المقال الى كتاب لصنفت ونظرت، وأعطيت من الشواهد مايغني عن كل خاطرة لبس، لكنني لستُ في صدد عمل الكتاب!

اقول من شعري:

خلف القصيدة يركض الصيادُ *** فإذا أتاها، فالسرابُ معادُ!

بقلم: رحيم الشاهر- عضو اتحاد أدباء العراق

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الشاعر رحيم الشاهر الذي أراد أن يعرف الشعر أقول : لله در المعري في قوله:
من التاس مَن قوله لؤلؤ
يسابقه اللقط إذ يُلفظُ
وبعضُهمُ قوله كالحصَى
يُقالُ فيُلغَى ولا يُحفظُ
وأن معك في ما صيد الحمام فيكون أحينا بالبندقية وتارة بالشباك ولكن صيده باللطف يكون باللين الذي يجعل أسراب احمام تحط على كتفيك وتنقر الحب من كفيك فتصطادها برفق بعدما تطمئن إليك، على شرط أن تقبلها وتطلقها لتعود إليك طيعة راضية مرضية أما من يعاملها معاملة القط المخاتل فلن تقترب منه إذا أفلتت منه في المرة الأولى، لقد أكلت من كفي الحمائم في باريس وفي البندقية عاصمة الجندول وقد جاءني فيهما الشعر كما تهافتت علي أسراب الحمام

نورالدين صمود
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3971 المصادف: 2017-07-20 04:35:15