 أقلام ثقافية

رسالة وداع من شخص عبقريّ

noor mohamadyousifلو ان الإله أمهلني ثانية واحدة، وتركني اعيش بعض الوقت، فسأقدّم أفضل ما عندي. وبالتأكيد لن أفصح عمّا يجول في خاطري، وسأكون رزيناً أكثر في كل ما أقول .

سأثمّن الأشياء ليس بما تساوي من قيمة، بل بما تعبّر عنه . سأنام لوقت قصير جداً، وأحلم أكثر، لأني على يقين بأن كل دقيقة نغمض بها أعيننا نخسر ستين ثانية من النور . سأمشي بينما يقف الآخرون، وسأستيقظ عندما ينامون .

إن وهبني الله جزءاً بسيطاً من الوقت لأعيش، سأرتدي ثيابي بأسلوب بسيط . وسأتخذ لنفسي مكاناً أمام الشمس تاركاً جسدي وروحي عارية لرحمتها . أود أن أخاطب كل البشر لأخبرهم كم كانوا مخطئين عندما اعتقدوا أنهم يتوقفون عن الوقوع في الحب عندما يكبرون بالعمر، جاهلين حقيقة أنهم يكبرون بالعمر عندما يتوقفون عن الوقوع في الحب .

سأهب الأطفال أجنحة، و سأتركهم يتعلمون بأنفسهم كيف يطيرون . أود أن أقول للناس المسنين أن الموت لا يأتي فقط بسبب التقدم بالعمر بل بسبب الإهمال .

لقد تعلمت الكثير معكم جميعاً، تعلمت أن كل شخص يريد أن يعيش على قمة جبل، جاهلاً أن السعادة الحقيقية يمكن الحصول عليها من خلال الرحلة التي قمنا بها والطريقة المعتمدة للوصول إلى قمة التل . تعلمت أنه حين يمسك الوليد بيده الصغيرة إصبع والده، كأنه يقول لقد خدعتني طيلة حياتي . وقد تعلمت أن الإنسان له الحق والواجب كي ينظر إلى الإنسان الآخر، ليس فقط عندما يحتاج إلى مساعدة لينهض عن الأرض .

عبّر دائماً عمّا تشعر به، ولا تبوح بما تفكّر . إن علمت أن اليوم هو المرة الأخيرة التي سأراك فيها نائماً، سأحضنك بكل ما أوتيت من قوّة، وسأصلي لله لكي يجعلني الملاك الحارس لروحك. وإن علمت أن هذه اللحظات هي اللحظات الأخيرة لأراك فيها، سأقول لك " أحبّك " . دائماً يوجد غد، والحياة دائما تعطينا فرصة لنصوّب بها الأشياء، وفي حال كنت على خطأ، واليوم هو آخر ما تبقى من عمري، أرغب أن أخبرك عن حبّي الكبير وأني لن أنساك أبداً . الغد ليس مضموناً لأي أحد كباراً أو صغاراً . يمكن أن يكون اليوم الفرصة الأخيرة لترى من تحب، وهذا السبب كاف لتتجنب الانتظار، خذ زمام المبادرة اليوم فقد لا يكون هناك غد . أنا متأكد كم ستتأسف إن ضيعت اليوم هذه الفرصة لتقدم ابتسامة، أوعناق، أو قبلة، أو كنت منشغلاً جداً عن تحقيق أمانيهم الأخيرة .

ابقِ أحبابك بقربك، دع كلماتك تذوب بأذنيهم، أخبرهم وجها لوجه كم أنت تحبّهم وتحتاجهم .  أحببهم وعاملهم بحبّ وإحسان، خذ وقتك لتخبرهم " أنا آسف "، " اغفروا لي "، " أرجوكم "، " شكراً لكم "، وكل كلمات التحبب التي تعرفها .

ما من أحد يعرف نواياك . اطلب من الله أن يهبك الحكمة والقوّة لتعبّر عنها . أظهر لأصدقائك وأحبابك كم هم مهمّين بالنسبة لك .

أرسل هذه الرسالة لمن تحب . وإذا لم تقم بذلك اليوم ... يوم غد سيكون كالأمس، وإن لم تقم بذلك مطلقاً، ما من مشكلة، هذه اللحظة مناسبة لتقوم بذلك.

صديقكم

غابرييل غارسيا ماركيز .

 

تأليف : غابرييل غارسيا ماركيز

ترجمة : نور محمد يوسف

................

غابرييل غارسيا ماركيز كاتب شهير من كولومبيا. حاز على جائزة نوبل للسلام في الأدب، وهو بدون شك شخص عبقري ونابغة . وقد تقاعد من الحياة العامة لأسباب صحيّة . وكان مصابا بنوع من السرطان في مراحله النهائية . وقد أرسل رسالة وداع لجميع أصدقائه ونُشرت عبر الانترنت . يُوصى بقراءتها لأنها مؤثرة لتدرك كيف أن أحد أفضل وأبرع الكتاب يعبّر عن نفسه ببالغ الحزن والأسى .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3983 المصادف: 2017-08-01 13:10:00