 أقلام ثقافية

من مفكرة شهيد

noor mohamadyousifكنت أفكر دائماً وأسأل نفسي كيف سأموت وماذا سيحدث بعد أن أموت؟. كنت دائما أحتار كيف سأجد إجابة لسؤالي .. لكنّي دائماً ما كنت أتمنى أن يكون لموتي قيمة .

لقد فقدت العديد من إخوتي بالسّلاح... في أثناء المعركة مع الإرهابيين...وكنت دائماً ما أشعر بالحزن على رحيلهم...وكنت رفيقاً لهم في لحظاتهم الأخيرة ..ولم أشعر أبداً بأن أحداً منهم عانى أو ناح أو بكى ...

كنت أتحدّث معهم في لحظاتهم الأخيرة ...لم نفكّر أبداً إلا في الانتصار على الإرهاب ... جعلني الرحيل الهادئ لرفاقي اعتبر الموت قضية بسيطة ...وشعرت أن لموتهم  قيمة ... وأنهم لم يرحلوا هكذا ...

هذا المساء يا أمي لدينا معركة ضارية مع الإرهابيين ...

ربما لن أعود ...وربما أعود كالمرّات السابقة ... ربما أعانق أخاً لي في السلاح  وأتحدث معه في لحظات حياته الأخيرة كالعادة ...

هذا المساء يا أمي الغالية مختلف عن باقي الأيام ...

انتصارات هادئة ...مع القليل من النسمات الباردة ...والهواء المنعش ...

تذكرت لحظتنا الأولى ... وطفولتي الجميلة بقربك ...وإبريق الشاي ... والكعك المدوّر ...

تذكرت كيف كنا نحمّص الفول السوداني على الموقد ...

كنا نتحدث ونتسلّى ...

أشعر يا أمي أن هذا المساء مختلف ...

اشتبكنا مع الإرهابيين والمعركة أصبحت أكثر ضراوة ... سقط العديد من رفاقي ... وحملت بعضهم على ظهري ... وأكملت القتال ...

لا أعرف كيف أصف المشاعر التي تنتابني للحظة ...

شعرت يا أمي أن شيئاً ما رطب ينتشر تحت ملابسي ...

لم أشعر بشيء ... توقعت أن يكون عرقاً ناتجاً عن التعب الزائد هذه الليلة ...

كان هناك الكثير من الغبار والأصوات حولي ...

وبعد لحظة ... شعرت بأن السائل الذي يسيل ببطء تحت ملابسي أصبح أدفأ من المعتاد ... وأكثر لزوجة من العرق ...

لمست ملابسي العسكرية ... كانت منقوعة بسائل أحمر رطب ...

وبدا لي يا أمي أنني لن أعانق أحداً من رفاقي هذا المساء ...

وحتى هذه اللحظة لم أشعر بألم ...

شعرت أن شيئاً ما دافئ اخترق جسدي مرة من جهة اليمين وأخرى من اليسار...وأن مقدار السائل الأحمر الذي يسيل ببطء يزداد أكثر ... لا يمكنني أن أميّز الأشياء أكثر من ذلك ...

شعرت يا أمي بأنني فقدت السيطرة على جسدي ...

حاولت أن أستمر بالضغط على زند البندقيّة ... لكنّها لم تستجب لي ... وأصابعي لم تعد قادرة على القبض عليها ...

شعرت يا أمي العزيزة بأني كنت أطير إلى عالم مجهول ...لم أدرك ما هو...لم أشعر بالألم ... حلّقت مثل ريشة ناعمة ...وتحركت كالفراشات ...

في تلك اللحظة، عدت إلى الوعي بين رفاقي في المستشفى وطلبت قلماً وقطعة ورق لأكتب لك عليها ما شعرت في تلك اللحظات ... سألتهم عمّا حدث وصاحوا جميعاً " الحمد لله أنك عدت ... أطال الله بعمرك أيها الشقي " .. كان هناك عشرة رصاصات فقط في صدرك ... ذهلنا كثيراً ذلك المساء... شعرت بالتعب وقررت أن أنام يا أمي تماماً مثلما نمت في حضنك عندما كنت طفلاً صغيراً ...

أحبّك كثيراً ...كما أحببتك كثيراً ... سنلتقي يا عزيزتي ...

وداعاً .......

بعد مرور ثلاثة أيام من كتابة هذه الرسالة،عاد صديقي علي إلى حضن أمه التي عانقته بزغردات باكية من شدّة الفرح ...

الرحمة والخلود لأرواح شهدائنا الأبرار . 

 

بقلم: محمد عبد الكريم يوسف، مجلة نيو ثنكر

ترجمة: نور محمد يوسف

قسم اللغة الانكليزية في جامعة تشرين .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3989 المصادف: 2017-08-07 03:34:07