 أقلام ثقافية

صباحات ومساءات غابرة

jawadkadom gloomبعد ان كبر نسلُنا وغادرَونا، تشتتوا في الأقاصي البعيدة والقريبة  ووفَدَتْ رفيقة عمري الى خالقها واختارت الحياة الابدية ملاذا ومأوى وتركتني بعد اربعة عقود صداقة ووفاء وامتزاج روحي ولحمة ووئام  لم تعكّره هنيهات الخصومات الصغيرة ولحظات الغضب العابرة ولذعات اللسان والملاسنة ودقائق الزعل  التي سرعان ما كانت تخبو بمعين المودة وتدفق ينابيع الصفو والمؤانسة والحب العارم بيننا .

هذه الايام  صرت أصحو في الصباح وحدي والصمت يلتفّ بي بسكون لم أعهده قبلا اذ لا ربكة اطفال ولا صحوة شريكة الحياة وهي تنشغل في ترتيب بيتها وقرقعة الصحون في المطبخ ولا طلة الصباح بابتسامتها المعهودة وهي ترمي جريدتي المفضلة على منضدتي القريبة من السرير وتردد ساخرةً : الا تشبع من الاخبار، تعال لتتناول افطارك .

أتساءل بحسرة شديدة وتكاد الجهشة تتراءى على وجهي كلما تذكرت حياتي الاولى مع جلجلة الاولاد ودوران امرأتي في البيت وحركاتها الضاجة؛ اين ولّى ذلك الضجيج الطفولي وهرَج الفتيان وصخبهم الصباحي خاصةً ؛ وكلٌ يبحث عن ضالّته ؛ فذاك يفتقد حقيبته والآخر يبحث عن حذائه تحت السرير ويجده اخيرا تحت الدرج وسط زعيق الام وهي تسارع لتنظيم هندام أولادها وتكمل معهم ما مطلوب من كراسات وكتب منهجية في جدول الدروس اليومي والاسبوعي وصوت الاطفال وهم يتنادون لأخذ سندويتشاتهم على عجلٍ يصاحبه حراك صاخب .

هنا أدعو الذاكرة ان تستعيد نشاطي الاول حينما انهض باكراً وأجمع أولادي ليشاركوني إعداد طعام الإفطار قبيل الذهاب الى مدارسهم  وقد كنت اعتمد على أربع خطوات لابد من انجازها في تهيئة مائدة الفطور التي اعتبرها أهم من وجبتي الغداء والعشاء كطريقة مثلى في التغذية السليمة وهم يضحكون خفية عني لشدة التزامي بقواعدها .

كنت انتقي ماعندي من فواكه لتكون مادة اساسية واختار من ألوانها وأشكالها بما يشابه شكل الحلوى طعاما مستساغا للطفل لتفتح شهيته معاندا مطالب سيدتي في ترك الاولاد وشأنهم ليأكلوا ما يشاؤون للحاق بمدارسهم، ولا أنسى ان أضع بعض الخضار مثل الجزر والطماطم والخيار بحيث تنسجم هذه الأشكال في اللون والترتيب " فالعين تأكل قبل الحلق احيانا "  ليرى الاولاد طبقا جميلا زاهيا ملوّنا مما يعزز شهيتهم .

لم أكن أعطيهم الحليب وأجهد في منعهم من شربه الاّ بعد ان يتناولوا طبق الفاكهة وشيئا من الخضار الموضوعة في الصحن، لئلا تمتلئ بطونهم ويعزفوا عن تناول الفواكه والخضر فهذا ما اعتدت عليه من خلال ثقافتي الصحية المتواضعة باعتبارها عادة خاطئة وكنت أسعى ان أشرك بنِيِّ في إعداد أطباق الفطور ومساعدتي في إحضار الطعام من البرّاد وغسله وتقشير البيض او كسره في الإناء ريثما يتم قليه حيث تعمل أنامل الأطفال معي في التحضير وترتيب المائدة الصغيرة من قبلهم ليشعر الطفل انه هو من ساهم في صنع وتهيئة المائدة ؛ فالأطفال يحبون ان يأكلوا طعاما يكون من صنع أيديهم أو شاركوا في إعداده مع أبويهم .

ولا انسى حزمي الشديد يوم كنت امنع اطفالي من اخذ الصحون جانباً ليأكلوا امام شاشة التلفزيون اثناء العشاء او الغداء فقد توجست خيفة ان الطفل يأخذ منحيين عند الاكل حينما يرى فيلما من افلام الكارتون مثلا ؛ فأما ان تقلّ شهيته وهو منشغل بمتابعة الشاشة بحيث ينسى الأكل ويتفاعل مع الفيلم ومايراه على الشاشة او يزداد نهمه مع متابعة ما يرى مما قد تسبب له السمنة المفرطة مستقبلا .

امام هذا السكون الذي اعيشه الان بين قراءة الكتاب مع ماتتخلله من اتعاب بسبب العيون الواهنة، ألجأ بين الفينة والاخرى  الى مشاهدة بعض الافلام المنتقاة والتجوال في غاليريهات اللوحات الفنية مما يقدمه الانترنيت لنا والاستماع الى مايقوله المفكرون في محاضراتهم ومن ثم التجوال السريع بين الصحف والمجلات والمواقع الاخبارية للاطلاع على مايدور في هذا العالم من عجائب وغرائب ومن سكينة ومن صخب اختلي بنفسي في ساعات الليل المتأخرة لأكتب مايجول في نفسي دون ان يقحم خلوتي احد افراد اسرتي لأقوم بطرده خارجا حتى أكمل ما بيدي كما كان يحصل في السابق حين كان البيت مليئاً بالحركة .

الان لم أعد اسمع وقع اقدام أمّ العيال وهي تأذنني بالدخول الى مكمني حاملةً فنجان القهوة او ابريق الشاي الاخضر الذي اعتدته شرابا ساخنا اثناء القراءة والكتابة وحدي .

كما اختفى إلحاح صغيري وهو يرجوني ان اشرح له قصيدة مطلوب منه حفظها على ظهر قلب كما يقال أو إعراب جملة عصيّة عليه في دروس النحو والقواعد وزجره من قبلي طالبا تأجيل مطلبه حتى انهي ما بيدي من موضوع . فما عليَّ في هذه العزلة سوى ان اقدّم دعواتٍ لمن عشت معهم محباً ومراعيا اهتماماتهم ومنفذا لطلباتهم كي أستعيدهم ذهنياً ليلتمّوا حولي ويلتئم شملنا ولابأس ان يكرروا صخبهم معي حتى لو وصل الامر الى الهرج والمرَج والزعيق وتعطيلي عن هوايتي العتيدة في القراءة والكتابة .

بتّ في عزلتي ووحدتي أردد بيت الشاعر عمرو بن معدي كرب الشهير :

ذهبَ الذين أحبهمْ ---- وبقيتُ مثل السيف فردا

وأترنّم بما تجود به دواخلي من مقاطع شعرية على غرار هذا البيت سلوىً وعزاءً وتأسِّياً مثل غرّيد حبيس في قفص ليس له من رفقة الاّ ان يغني وينشد لعله يخفف من لواعج الوحدة :

قد كنتُ سيّـد أسرتي ---- متآلِـفاً جَـذباً وشــدّا

أرخي وأحْـزم مرةً --- وأكون للأولاد عَـبـدا

أبكي واضحك جُنّةً -- فأرى الدّنا هزلاً وجدّا

بين اغترابٍ او رحيلٍ – هكذا المشوارُ أبدى

من لي بجالب أسرتي-- كي انتشي حبّا وودّا

لستُ الإلهَ بمعجزٍ --- لو كنت أقْـدر أنْ أردّا

والعيشُ لا طعمٌ لهُ -- فالسيفُ قد يشتاقُ غِمدا

 

جواد غلوم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي العزيز الشاعر الفذ جواد غلوم
ودّاً ودّا
لا أدري لماذا تنشر قطعة أدبية ثمينة في قسم المقالات ؟ ! وليس ما قرأته بمقال
بل هو النثر الفني بعينه وبروحه فالسرد القصصي موجود والشعر موجود
والحرارة والوجدان وغير هذا أيضا.
لم أقرأ مقالة حتى لو حسبها كاتبها كذلك بل هي قطعة أدبية نفيسة .
دمت في صحة وأمان وإبداع وأطال الله بعمرك استاذي وأبعدك عن كل مكروه .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي وشاعري الاعزّ جمال
سعدت اوقاتك
لايهم اينما تنشر وحيثما تكون فسعادتي انك تتابع ما اكتب وهذا مبعث سروري ان يقرأها شاعر حاذق
مثلك -- تمنياتي لك بالمزيد من الهناء والرقي في الشعر والترجمة

جواد غلوم
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الشاعر المتألق جواد غلوم...الف فكرة وفكرة يلهمها نصك هذا...غريب كيف يضيق البيت بنا بوجود الاحبة وازدحام الطلبات...وكيف يكون شاسعا مضيِّعا في مجرة الوحدة والصمت...((أمرأتي...سيدتي...أم العيال))....نعم الحق انها البيت...لايضيق ولايشسع ...على مقاس الروح...في اللحظة التي تتبيغ الوحدة فيها بشرايينك...لاتنس انك في قلوب كثيره...قلوب محبيك ومُعجٓبيك...لك الحب والاعجاب الدائم

احمد فاضل فرهود
This comment was minimized by the moderator on the site

اديبنا الرائق احمد فاضل فرهود
سلاما واعتزازا
مما يعزز تشبثي بالحياة انتم احبتي واصدقائي بقربكم من شغاف القلب
تلويحة محبة لك ايها الغالي

جواد غلوم
This comment was minimized by the moderator on the site

سلامي لك استاذي الفاضل جواد غلوم الشاعر والمربي الكبير
كثيرا منا ما يتوق الى الوحدة بعد ثقل السنين التي حملناها على اكتافنا دون ارادتنا ونأنس اليها بعدما نفقد الاحبة ورفقاء الدرب وعالم تمزق فيه النسيج الاجتماعي الذي كان يظم في ثناياه الحب والمودة والعطف والحنين وعندما نفقد الجليس او الرفيق الصالح تصبح الوحدة خير جليس وخير رفيق وجميعنا يعلم ان الوحدة مصير كل الارواح
ولكن مع عطائك الثر المتواصل مع محبيك تتبدد وحدتك وتكون اكثر عطائا وانجازا اطال الله في عمرك وامنك ووقاك

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا العزيز ابا سجاد
طابت ايامك
شكرا لكرم دعائك لي فانا اعرف كيف اطوّع وحدتي واستثمرها في القراءة والكتابة ومتابعة مايجري بهذا العالم الغريب الاطوار
لكني لااخفي شحذ ذاكرتي وحنينها الى من احبّ من النسل واولاد النسل وصديقة العمر الراحلة
وافر محبتي ايها الصديق الغالي

جواد غلوم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3992 المصادف: 2017-08-10 13:40:04