 أقلام ثقافية

ذاكرة هجرتها الألوان

تحت هذا العنوان صدرت في الأسابيع الماضية للكاتبة والشاعرة والمفكرة فضيلة ملهاق عن موفم للنشر رواية بالغة الأهمية من حيث التحليل والعمق وبعد النظر. ونحن نريد أن نعطي فكرة للقارئ عن الرواية . ولا نبالغ إذا قولنا أن الكاتبة  تسرد بصورة عميقة جدا مشكلات الإنسان الجزائري من جوانب متعددة ونجحت في بناء روايتها الضخمة " أكثر من 400 صفحة " ، إذ خاضت في أدق تفاصيل معايشة الإنسان وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات بين الرجل والمرأة باختلاف مسلماتها وطفراتها بذكاء ودهاء فني " صورت الرواية بكل أمانة وموضوعية الصراع الاجتماعي بين الزوج والزوجة " . واليكم مقطعا عن ذلك " عاد لبيته متأخرا . تجنب النظر إليها ، لكن تلك النظرة الخاطفة التي استرقها بمجرد أن دخل غرفته أوصلت له أنها قد أمضت وقتا طويلا في البكاء ... وقد طالت تلك الليلة عن المعتاد . لم يستطيع النوم أن يتحايل على أجفانه الى غاية آخر الليل . استدرجه استسلامها للنوم بإغراء غير متوقع . عاد إليها الشعور بالطمأنينة الى جانبه ..." وقد نجحت الى حد كبير في رصد محنة الجزائر في فترة تسعينات هذا القرن . إضافة الى ذلك ترصد المؤلفة لوحة عن التسامح والعفوية عند الإنسان الجزائري . وبمأن المؤلفة معروفة بكونها شاعرة الغزل الرقيق فقد غاصت في هذا الموضوع بطريقة مميزة في هذه الرواية " أيهما يستغرق الآخر ، الحب أم الحرب ؟ " ، الحب هو هندسة فريدة للأحلام " ، الحب يأخذ لون كسوته ، وكسوته على سعادة الآخر. الحقيقة الواضحة تماما في الرواية هي : العناصر الخيالية فيها تتراجع وتنكمش أمام المنطق – مما اعطى للرواية بعدا واقعيا يضفي عليها كثيرا من المصداقية خاصة فيما يتعلق بسرد الأحداث التي عرفتها  الجزائر خلال سنوات العشرية الحمراء  . ربما لا يكون من المبالغ فيه القول إن قراءة هذه الرواية تعد ضرورية لكل من يرغب في التعرف على بعض الحكم والأقوال الجديدة التي أبدعتها المؤلفة " وهي صالح لكل مكان وزمان " ، إذ بدأت كل محور ببعض الجمل اعتبرها أنا شخصيا حكم منها  " حياة البشر مجرد موكب جنائزي يشيعون فيه بعضهم بعض ! " الموت هو انسلاخ ذاكرة عن ذاكرة"

، الآتي في يد من يهتم بملاء كتفه لا لمن ينشغل بتفسير فراغاتها " ، الضرر المحتمل أهون من الضرر المؤكد"، " أكبر هزائم التاريخ تصنعها القلوب . فهو يعجز عن مواكبة زمانها ومكانها " . ولا عجب أن نجد في كل محور حكم وأقوال مذهلة . في الرواية نجد أيضا أن المؤلفة استخدمت لغة قريب من اللغة الأكاديمية سواء المفردات أو في التراكيب " تمكنها من اللغة " لهذا تبدو للوهلة الأولى رواية صعبة ومكثفة ومجهدة وليس من السهل معرفة خلفيتها، وهذا يعني أن الرواية موجهة الى طبقة معينة . المهم أنها شيدت هذه الرواية داخل إطار تاريخي محدد بحقبة تاريخية معينة " تعد الرواية التاريخية أكثر أنواع الرواية رقيا في الوقت الحالي" . على كل حال فإن كل رواية لها طابع تاريخي بالمعنى الواسع . تتكون الرواية من عدة  فصول متتابعة ومتكاملة . الفصل الأول: في هذا الفصل تتذكر الكاتبة جملة من الأحداث تلخصا في عبارة " كم جثة يحمل الإنسان الى قبره؟ ! .. وكم قبرا لدفن جثته؟!" . وفي احد الفصول  : تسرد لنا مشكلات الإنسان العاصمي في الشوارع " ... أكثر من ساعة وربع ولم يتوقف أي تاكسي ! هناك من حصل على الرخصة ليستمتع بالدوران كنحلة عمياء ! ... توقف بجانبها شخص وقال : إن رغبت أوصلك ..." . وأكثر ما لافت انتباهي في الرواية تلك الفصول التي تسرد فيها المبدعة جوانب هامة متعلقة بتاريخ الجزائر المستقلة، وذلك من خلال تطرقها إلى "العشرية السوداء" أو "الحمراء" التي ضيعت فيها البلاد سنوات طويلة قضتها في الحرب على الإرهاب والتطرف - إثر وقف الجيش للعملية الديمقراطية . وأنا أقراء في السطور الأخيرة من الرواية قلت في نفسي هذه المفكرة تستحق التحية ردا على إبداعاتها . وهنا أقول أن التحية لها هي أن يحفل الإعلام والنقاد والمهتمين بالشأن الثقافي والرواية على وجه الخصوص بروايتها بعيدا عن الصراع الدائر بين الكتاب والمثقفين ، الواقع أنني لا أرى اليوم – مع الأسف الشديد – من يعي ويهتم بالمبدع الجزائري – إلا من رحم ربي . وأتساءل بحرقة وقلق ، متى تستيقظَ هذه الأمة من سُباتِها.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3998 المصادف: 2017-08-16 13:37:47