 أقلام ثقافية

الإعجام والشكل في الحروف

faroq mawasiسئلت عن بدايات الكتابة وهل صحيح أنها كانت بدون نقط ولا شكل؟

أجيب:

أشرح أولاً معنى الحرف المُعْجَم:

هو الحرف الذي عليه نقط مثل: ت ن ج خ...إلخ

معنى الفعل (أعجم) أزال الإبهام، فهذه الهمزة في وزن (أفعل) تفيد معنى السلب،  فالنقط تزيل إبهام الحرف، فنميز بين ر  ز ، س ش، ص ض..إلخ

ومن الفعل كان الاسم (المُعجَم)- أي الكتاب الذي نبحث فيه عن معاني الكلمات*، فقد أزال المؤلف إبهام الكلمات وذكر اختلاف معانيها.

الحرف المهمل ليس عليه نقط ر د م هـ...إلخ

..

كان العرب غالبًا ما يكتبون الحروف بلا إعجام ولا شكل اعتمادًا منهم على معرفة المكتوب إليهم باللغة المتعارفة، والشائع لديهم.

(أقول "غالبًا" لأن هناك بعض الآراء ترى أن من العرب مَن كانوا يضعون النقط لتمييز الحروف المتشابهة، على الطريقة السُّريانية، ولم يكن ذلك شائعًا).

..

لما اختلف اللسان باختلاط  العرب بالعجَم، وظهر اللحْن والتحريف في الألسنة وفي تلاوة القرآن الكريم وضع أبو الأسود الدُّؤَلي (وهو واضع أسس النحو) بطلب من زياد بن أبيه- أمير العراق (سنة 67 هـ) علاماتٍ في المصاحف بصبغ مختلف، فجعل الفتحة نقطة فوق الحرف،

الكسرة نقطة أسفل الحرف،

الضمة نقطة من الجهة اليسرى،

وكانت نون التنوين تكتب فاستبدلها بنقطتين تبعًا لحركة الحرف.

قاوم العرب أولاً هذا التجديد على تدوين القرآن الكريم، غير أن الضرورات أباحت المحظورات.

...

ثم وضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعْمُر بأمر الحجّاج نقط الإعجام بمداد آخر، حتى لا يختلط بنقط أستاذهما أبي الأسود، وكان ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان.

رأى الخليل بن أحمد صعوبة الأمر، فقد كثر اختلاط النقط في الكتابة أيامه، وذلك بسبب عدم التمييز بين نقطة الحرف أو نقطة الشكل، وخاصة إذا انعدم وجود مداد مختلف ساعة الكتابة.

..

قام الخليل با أحمد الفراهيدي (وهو واضع علم العّروض، ومؤلف معجم "العَين") بإبدال الشكل  الذي أقرّه أبو الأسود، حيث أراد التخلص من نظام النقط في الشكل.

فالضمة وضع  لها واوًا صغيرة = ـ ُ  ، ووضع للتنوين اثنتين= ـ ُ ُ = ـ ٌ

والفتحة وضع لها خطًا صغيرًا فوق الحرف=   ـ َ (لم يضع ألفًا عمودية فوقها، فقد خصصها للألف القصيرة في نحو: طٰــه)، وجعل للتنوين اثنتين= ـ ً.

وضع للكسرة خطًا صغيرًا تحتها=      ـ ِ (لم يضع صورة الياء كاملة، فقد أزال رأسها وجعلها مهملة)، وجعل للتنوين اثنتين= ـ ٍ .

..

وضع رأس الخاء (حـ) بدون نقطة، وذلك لأن الخاء رمز لكلمة (تخفيف)، فهو لم يأخذ التاء – أول الكلمة، لأنها تشبه الفتحة، فلجأ إلى الحرف الثاني.

نلاحظ رأس الخاء في شكل القرآن، فانظر!

ومن شكل الخاء أخذنا نستعمل الدائرة الصغيرة=    ـ ْ .

..

وضع رأس الشين للدلالة على كلمة (تشديد)، فهو لم يختر التاء أول الكلمة- كما وضحت مع الكلمة السابقة-  فلجأ إلى الحرف الثاني مهملاً،  وهو سـ = ـ ّ.

..

وضع رأس العين على همزة القطع، فأخذ من كلمة (قطعـ)= عـ = أ الحرف الثالث، ولم يأخذ الأول ولا الثاني بسبب إمكانية الالتباس بين الحركات.

..

وضع رأس صاد للدلالة على كلمة (وصل)، فأخذ الحرف الثاني، لأن الأول وهو الواو جعلناه قصيرًا للضمة= صـ  = ٱ   .

..

وضع إشارة المدة= آ من كلمة مدّ، فلم يختر الميم بسبب الالتباس مع حركة الضمة، واختار صورة الخط بعدها مع الدال، وقد كانت تكتب بشكل متموج= آ.

...

* المعجم يسميه الكثيرون القاموس، واللفظة يونانية تعني البحر، وقد سمى الفَيروزآبادي (1414 م)  كتابه (القاموس) للتدليل على كثرة ما فيه من العلم، فهو كالبحر، فشاعت الكلمة لكل معجم في تطور لغوي من المعنى الخاص إلى العام.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الجليل الاستاذ البروفيسور فاروق مواسي

حيّاك الله ورعاك

كل مقالاتكَ فيها الكثير من الفوائد اللغوية وهي ركائز مُعتمدة يُمكن الرجوع اليها
في اثبات ما هو صحيح من المشكل ، لكن في مقالتك هذه وقفتُ على عبارة تقول فيها
[ وضع أبو الاسـود الدؤلي بطلب من زياد ابن ابيه ] والذي أعرفه والشائع تأريخيًّا
أن أبا الاسود جاء الامام علي يشكو اختلاف الناس بالقراءة القرانية فأشار عليه باعجام
الحروف فأي الروايات هي الارجح .

احترامي وتقديري لك

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

تحيتي وشكري لك على تعليقك!

القصة مع علي كرمه الله هي عن بداية النحو :
مات أبانا وخلف بنون...إلخ

وليست مع النقط للشكل.
حتى في هذه الرواية عن زياد هناك من قال من المستشرقين إن العرب عرفوا النقط عن طريق السريانية.
اسلم واغنم!

ب. فاروق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4007 المصادف: 2017-08-25 13:01:15