المثقف - أقلام ثقافية

الروائيون الجزائريون المعاصرون ورحلة البحث عن العالمية

khadat jleedلا بد أن أعترف منذ البداية بأني لست ناقدا أدبيا لا في تكويني الجامعي الأكاديمي ولا في رغبتي الذاتية في امتلاك المبضع النقدي الأدبي لتناول الأعمال الإبداعية بالنقد والتمحيص والمساءلة وهذا حتى لا أتهم بالكاتب الفاشل لأن بعض المبدعين عندنا وخاصة عندما توجه لهم الانتقادات من قبل النقاد سواء في الداخل أو في الخارج يختبئون جميعا وراء العبارة المشهورة وهي أن الناقد في جوهره كاتب فاشل طلق الإبداع الأدبي بعد يأس وحمل فأسه مع سبق الإصرار والترصد لهدم تلك العمارات والمباني الجميلة التي شيدها هؤلاء الأدباء في مختلف الأجناس الأدبية مع إيماني العميق أن النقد ضروري كعملية معرفية إبداعية وتفاعلية في تطوير الأدب بصفة عامة وفتح مغاليق العمل الأدبي للكاتب تجعله ينتبه إلى أجزاء عمارته الهندسية التي اعتمدها في بناء هذا الصرح الإبداعي لأن المبدع ينتج معرفة بالحياة أما الناقد فينتج معرفة بالنص وكلاهما ضروري للأخر، ولكن ما يشفع لي وأنا أتناول هذا الموضوع أني مثقف وقارئ اقرأ كل شيء ومحب للأدب بكل أجناسه المحلي والعالمي أتذوقه وأتفاعل معه واستطعت بذلك أن أمتلك تجربة خاصة تسمح لي أن أتقدم برأي وملاحظات ورؤية حول الموضوع .

لقد اعتبر الكثير من النقاد أن الرواية هي ديوان العرب في القرن الواحد والعشرين لأنها الجنس الأدبي الوحيد الذي يستطيع أن يستوعب تناقضات الواقع وضبابيته ورماديته والجنس الأدبي الوحيد الذي يجد فيه الكاتب مساحة للقول والتعبير معتمدا على تجربته وقدراته الإبداعية ورؤيته للإنسان والعالم والوجود.

اعتقد أن الكاتب أي كاتب لابد أن ينتبه إلى ثلاثة أسئلة أساسية قبل المغامرة الإبداعية وهي: ماذا اكتب، ولمن أكتب، وماهي الطريقة التي أكتب بها؟ وتبقى الأجوبة على هذه الأسئلة مختلفة من كاتب لأخر باختلاف التجربة والانتماء الإيديولوجي والوضع الطبقي والاجتماعي ولكنها ضرورية في نظري حتى يكون الكاتب على وعي عندما يكون بصدد الكتابة، لأن الكاتب عندما ينتهي عن كتابة النص يصبح هذا النص ملكا للقارئ وهنا تكمن المشكلة.

إن الكتاب أحرار في اختيار المدرسة الأدبية التي يتبعونها سواء على الطريقة الرومانتكية أو الرمزية أو الاشتراكية الواقعية أو المدرسة الإسلامية وغيرها من المذاهب والمدارس ولكني أعتقد أن الشرط الأساسي في نجاح العمل الإبداعي هو قدرة الكاتب على تصوير الواقع بطريقته الخاصة والذي يجعل القارئ يتفاعل معه، أي أن الكاتب لابد أن يعبر عن خبز الواقع وشحمه ولحمه ودمه وعن الظرف التاريخي الذي ينتمي إليه. لقد لاحظت أن الكثير من الكتاب يفسرون ظاهرة العزوف عن القراءة بان الرواية الجديدة لازالت في وطننا العربي لم تنتج قارئا جديدا، ولكن الحقيقة هي أن القارئ عندما يتصفح الرواية يشعر أنها غريبة عنه لا تتحدث عن همومه ولا عن مشاكله ولا عن واقعه وأحيانا تستفز قيمه الدينية والحضارية.

لقد اطلعت على حوار لأحد الروائيين الجزائريين يتهم فيه الرواية الجزائرية بأنها منكفئة على نفسها مستغرقة في  تيمة الهوية وهي بالتالي من هذه الناحية غارقة في المحلية لم تجد لها طريقا إلى العالمية ولعله بذلك يشير إلى الجيل الأول من الرواد، ومن جهة أخرى يفتخر يعتد بنفسه باعتباره كاتب عالمي لأنه يكتب عن الإنسان في هافانا والصين وأمريكا وكل دول العالم، لذلك فهو يعتقد انه قد تحرر من المحلية ودخل أبواب العالمية رغم أن رواياته ليس لها صدى في الجزائر إلا في بعض الدوائر الفرانكفونية الضيقة من باب التعاطف الإيديولوجي ليس إلا. وربما تبعه روائيون جزائريون آخرون ولا أريد هنا ذكر الأسماء فهم يتحدثون في رواياتهم عن شخوص وواقع وأفكار لا نجد لها أثرا في المجتمع الجزائري ومنهم من يتناول القضايا المقدسة للدين بنوع من الاستفزاز وإثارة ردود الأفعال من باب خالف تعرف لاستجداء عطف الغرب واحتضانه لهم ويصورون أنفسهم بأنهم أصحاب رأي وفكر جديد لتسلط عليهم الأضواء معتقدين بأنهم يقدمون صكوك الغفران والولاء ليتوجوا بالجوائز الأدبية ويحققون بالتالي الشهرة والعالمية.

إن الأدب هو مرآة الحياة، ولكن ليس الحياة في سكونها ورتابتها فالأدب ليس استنساخا للواقع كما هو ولكن الحياة وما تحمله  من أمل وتدفق صادق للمشاعر والأحاسيس والانفعالات والتواقان الدائم نحو غد أفضل ومشرق بعيدا عن التقريرية أو التصوير الفوتوغرافي للواقع، ان الكاتب هو نتاج ظرفه التاريخي وواقعه الاجتماعي يفرض عليه أسئلة يجيب عليها بطريقته الخاصة فالقارئ يجب أن يجد نفسه في الروايات التي يقراها تعبر عن همومه وأحزانه وعن آماله وخيباته وتفكك عقده النفسية الدفينة التي لا يستطيع أن يعبر عنها آو يتحدث عنها وهكذا يكون التفاعل بين الكاتب والقارئ وتاريخ الأدب يشهد على ذلك فكل الكتاب العظماء وخاصة الذين نالوا جائزة نوبل كتبوا عن واقعهم وعن بيئتهم المحلية مثل تولستوي في الحرب والسلم ونجيب محفوظ في الثلاثية وغابريال غارسيا ماركيز في مائة عام من العزلة وغوركي في الأم ومن الروائيين العرب المتميزين الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال وايميل حبيبي في المتشائل وأخيرا وليس آخرا الروائي العربي السوري حنامينة الذي كتب رواية المصابيح الزرق والشراع والعاصفة وهي تصور الحياة الاجتماعية السورية في بعدها التراجيدي بعد الحرب العالمية الثانية، ثم كتب بعد ذلك الروايات الأخرى التي حققت نجاحا داخل الوطن العربي وخارجه مثل رواية المستنقع والياطر والشمس في يوم غائم وبقايا صور وغيرها، هذه الروايات حققت تفاعلا ونجاحا كبيرا في سوريا والوطن العربي وتقبلها القراء بحب وشغف لأنها   تتكلم عنهم بطريقة أو بأخرى لم يجدوها غريبة عنهم لذلك احتضنوها ودافعوا عنها بل وتقمصوا شخوصها بكل فخر واعتزاز وعندما سئل حنامينة في الواقعية الاشتراكية في الأدب أجابهم بأنها نقشت على ظهره قبل أن يقرأها في الكتب فأبطاله دائما صامدون غير مستسلمين مكافحون غير منسحبين فلا فرح بدون نضال ولا تغيير بدون صمود وصبر ومواجهة أو كما قال على لسان أحد أبطاله إن الحياة كفاح في البر والبحر

وفي الأخير بودي أن أستشهد ببعض الأبيات الشعرية للشاعر الهندي طاغور المتوج بجائزة نوبل للآداب الذي يصور في هذه الأبيات رحلته الطويلة في البحث عن الكونية والعالمية والتي وجدها في النهاية أمام عتبة بابه

يقول طاغور:

طوال أعوام عديدة

و بثمن باهظ

جبت مختلف البلدان

و رحلت لمشاهدة المحيطات

و لكن لم أفطن

إلى قطرة الندى المتألقة

فوق سنبلة القمح

أمام عتبة بابي

رحم الله مالك حداد والطاهر وطار ومولود فرعون وعبد الحميد بن هدوقة ومحمد ديب الذين كنا نقرأ في رواياتهم صورة الإنسان الجزائري المناضل في البحر والبر وشكرا للشاعر الهندي الكبير طاغور الذي علمنا أن العالم يبدأ أمام عتبة بيوتنا.

 

الدكتور قادة جليد - أستاذ جامعي وباحث أكاديمي الجزائر

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

روائي آخر حاز العالمية بالفنتازيا لا الواقعية؛ اُنموذج رواية “الجَّسد THE BODY” ترجَمة خالد الجّبيلي للكاتب الانجليزي مِن أصل باكستاني“ حنيف قريشي HANIF KURAISHI” (وُلِدَ في لندن في 5 كانون الأوَّل 1954م)، التحق بجامعة لندن لدراسة الفلسفة، واضطر لإعالة نفسه بكتابة النصوص الإيروتيكية باسم مُستعار (انطونيا فرينش)، عام 1976 باكورته المسرحية بعُنوان (تبليل الحرارة)، عام 1980 (الأُم الوطن) التي فازت بجائزة تلفزيون Thames المسرحية. قطعته الرّائعة (خطٌّ فاصل) حول مشاكل المُهاجرين بلندن منحته شهرة واسعة عام 1981م تلتها في العام نفسه مسرحيته (ضواحي) كلتاهما عُرضتا علي خشبة المسرح الملكي، عام 1984 دخل “قريشي” دُنيا الفنّ السّابع  بترشيح أوَّل سيناريو كتبه (مغسلتي الجَّميلة) لجائزة الأوسكار لأحسن سيناريو عام 1985، عام 1990 عاد” قريشي” للظُّهور بروايته شِبه السّيرة الذاتية (بوذا الضّواحي) كشاب آسيوي يبحث عن هُويته في ضواحي لندن التي تمتلئ بالمُهاجرين من الكومنولث البريطاني، الرّواية فازت بجائزة “Whitebread” للرّواية الأُولي، تحوَّلت إلي مُسلسل تلفزي عُرض علي شاشة (BBC) عام 1993. عام 1991م جرب “قريشي” الإخراج بفيلمه (لندن تقتلني) كتب السّيناريو وركز فيه علي حياة الشّارع، وعصابات المُخدرات في لندن، عام 1995 صدرت روايته الثانية (الألبوم الأسود) حول حياة شاب باكستاني الأصل يقع في الانتماء إلي أصدقائه المُسلمين وحُبه لصديقته البيضاء، مجموعته القصَصية الأُولي صدرت عام 1997 بعُنوان (الحُبُّ في زمن الحُزن)، اُقتبست منها قصة (إبني المُتشدد) لإخراجها في فيلم عام 1998. في العام نفسه صدرت روايته الثالثة (حميمية)، التي ظهرت علي شاشة السّينما بذات العُنوان وفازت بجائزة الدُّب الذهبي عن مِهرجان برلين السّينمي، عام 1999 عرض مسرحيته (نامي معي)، صدرت عام 2000 مجموعته القصَصيَّة الثانية (مُنتصف اللَّيل كُلّ اليوم)، عام 2001 صدرت روايته الرّابعة (هديَّة جابرييل). في روايته الجَّسَد، جَسَّدَ سَعيّ الإنسان إلى الخلود والتمتع بالحياة والشَّباب. البطل آدم: عجوز سبعيني العُمر، كاتب شهير يكتب للسّينما والمسرح له قَصَص وروايات. مات: رجل عجوز آخر يُلاحِق “آدم” طمعاً بجسده. رالف: شاب قابلَ “آدم” في حفلٍ وفوجئ أنه رجل عجوز، وأقنعه بتبديل جَسده ليكونَ شابَّاً. باتريسيا: انسلخ مِن عُمرها نصف قرن تدير مَحِلاً للعلاج باليوجا، تقع في غرام “آدم” وتلاحقه. أليسيا: فتاة في العشرينات مِن عُمرها طيّبة تعيش ببراءَةٍ، تكتب الشِّعر، تغرم بـ“آدم” لكنه يتهرب مِنها ويلتقي باتريسيا في فنتازيا استعارته جسداً شاباً وتعرّفه على شُبّان آخرين!.

This comment was minimized by the moderator on the site

لم أقرا المقالة حرفا بحرف و لكن سأفعل بعد قليل، قفزت من فوق السطور لارى اين تقف الرواية في الجزائر الآن، لا بد ان الكاتب اصاب كبد الحقيقة دون امثلة منعز للإحراج، فجيل محمد ديب جيل مؤسس، و جاء بعده مرزاق بقطاش و الاعرج واسيني و الزاوي امين، وحتى لو ان الشخصيات علئمة في فضلء و مونولوجات نفسية، و احلام مستغانمي خير من يخلص لهذا الاسلوب، يوجد اثر تفاعلي مختل يستحق التقدير و التنويه،
اننا لا تزال توجد الماعات كلاسيكية ناجحة كما في البيت الاندلسي لواسيني،
الرواية في الجزاؤر مثل شقيقاتها في المغرب العربي و مصر و مشرق الامة،
تكبو و تنعض و تبحث عن شخصيتها،
شكرا،

This comment was minimized by the moderator on the site

بعد ان قرات المقالة الشيقة اود ان اشكر حسن ظن الباحث بكاتبنا السوري حنا مينة،
هو ايضا في معضلة انسانية و هي هويته المرتبكة، فمينة من اسكندرون و هاجر الى سوريا و اختار ان يقيم فيها بعد استيلاء فرنسا و تركيا على اللواء،
روايات حنا مثل هويته و شخصيته، واقعية اشتراكية و لكنها مؤمنة و تبحث عن الخلاص من خلال الفداء و التبشير، لذلك ان ابطاله مؤمنون بالايديولوجيا و بمصدر المعرفة الشاملة و هو الله، و تجد ذلك في استعماله لمز الصليب و القربان المقدس في الثلج ياتي من النافذة،
انا اهم اعماله فهي بقايا صور ثم شرف قاطع طريق و روايته الحزينة المهجرية يمامة زرقاء في السحب،
اعاقد ان مينة من الكتاب الذين ظلمتهم حظوظهم، فهو من ارض متنازع عليها و من ايديولوجيا تطلق صفرة الرحيل ايذانا بضرورة التجديد،

This comment was minimized by the moderator on the site

أعتفد أنه لاتوجد حدود فاصلة بين المثالية والواقعية فحتى الرواية المتخياة تها أساس من الواقع بمافي ذلك الرواية الذهنية الفلسفية
الدكتور قادة جليد

This comment was minimized by the moderator on the site

أشكر الاستاذ صالح الرزوق على ملاحظاته القيمة وأعتقد أن جيل الرواد في الرواية العربية كان لهم ايمان حقيقي بما يكتبون ولا فرق عندهم بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي اما الجيل الجديد ولااعمم مع احترامنا لبعض القامات الادبية فهم يكتبون بدوافع انانية محضة ويتصارعون على دوائر الاضواء الاعلامية والجوائز الادبية والدوائر المنظمة لها مما يجعلهم يكتبون تحت الطلب أما الاستاذ حنا مينة فانا اعتبره على المستوى الشخصي احسن روائي عربي ويستحق عن جدارة جائزة نوبل للاداب

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4014 المصادف: 2017-09-01 00:35:54