 أقلام ثقافية

نزار قباني.. الشاعر المغنى والمقروء

هذا الرجل.. نزار قباني، اجتمعت في شعره أكثر من صفة حسنة: ففي شعره المرأة الحسنة، والقصيدة الحسنة، والثورة المدوية، والناقد الاجتماعي المتلبس، فتراه لذلك ملك السنة المطربين، وإيقاعات الملحنين، وقلوب النساء، ومجد الشعراء، واحترام السلاطين والامراء.

نزار قباني.. استلم قصيدة الحداثة من جيلها الأول المتمثل بالسياب ونازك الملائكة وغيرهم  ممن يعذرونني، وهي مازالت غرة، فرباها على كفيه وصنع منها حسناء للغرام، وشهرزاد الوئام، أقول هو نقل قصيدة الحداثة من شكلها الخام، فأجرى عليها عمليات التصفية والتكرير القبانية لتظهر بحلة جديدة، وترتقي صرحا أبهى!، فهو لم يرض ان يزاولها كما هي وكما وصلته، وإنما استعان بالله تعالى، وبأدواته ثانيا، فأخرج لنا قصيدة أخرى بغصن آخر يعود إلى ذات الفرع.

نزار قباني شاعر الجمهور والصفحات، والدواوين، والصحف والمجلات، والرفوف والمجلدات، وهو كذلك شاعر قلوب النساء، وعقول الرجال، وأحلام الطامحين، وسيوف الثوريين.

نزار قباني.. يعزف على الوتر الحساس، فترة أكثر من خمسين عاما من تاريخ هذه الأمة الجريحة، فطرح بقصائده الثورية جرأة الشاعر وصراحته، وأراد بذلك أن يعلم السلطان: ان الشعراء هم كذلك سلاطين وأمراء فلابد ان يوضعوا في كفة من ذهب، لاان يهملوا، أو يطاردوا، او يسجنوا، او يرحلوا، لمجرد انهم قالوا رأيهم بسيف الشعر، وجرأة النقد، فما قيمة الشعر، ان لم ينتقد ويصلح ويوقظ كقوله:(مااجبن الشعر ان لم يركب الغضبا)

نزار قباني مليك القصيدة الغيداء، ووتر الأغنية الصادحة بهديل الورقاء، عزف الجرح العربي مرا ت ومرات، فأوصله حد البكاء، وربما اللطم، فهو عاصر حروب العرب مع اسرائيل، وبكت كلماته لهزيمة حزيران، وظل شعره يجيش الما وحسرة، لما أصاب ويصيب الأمة من هزائم وجراحات ونكبات، كما ان شعره غاص في أعماق المجتمع، فقدم لنا ورقة النقد الاجتماعي، لما يسود في المجتمع من عادات وخزعبلات وأوهام .

اما شعره النقدي اللاذع لسياسات العرب، كقوله: (انعي لكم نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة)، وكقوله: (بالناي والمزمار، لايحدث انتصار)، فهو موجه بطريقة الإصلاح لاطريقة التهديم، وهو اشبه بمقص العمليات الجراحية المستخدم لإزالة الاورام والقروح، وهو لايدل على قلب هجائي اسود، وإنما يدل على قلب ابوي كقلب (يعقوب ع)، وحزن كحزن يعقوب على يوسف ع، وكذلك حزنه على ولده الآخرين، فالشاعر دوما يوصل رسائلنا، لكنه لايتجنى علينا أكثر من ذلك، فما يقوله الشاعر عنا هو فينا، فلم يكن الشاعر منافقا ليخفي مارأته عيناه فينا من الم وعبث ظاهرين في عدسته، فعلينا ان نحسن الظن والنظر في عدسة الشاعر، فما فيها علينا أوضح مما في غيرها لنا .

نزار قباني شاعر فلسطين وشقيق القدس، لذلك يقول: (الى فلسطين طريق واحد يمر من فوهة بندقية) ..

ولديه كذلك خروقات شعرية، البعض يضعها في سلة الكفر سأتعرض لها لاحقا إن شاء الله تعالى، ولو عاش نزار حتى عصرنا التكفيري الإجرامي هذا، لكفر بنا وبعاهاتنا وظل كذلك من الصباح وحتى المساء!

ولكي أكون منصفا مع شاعري، فيما هو له، وما هو عليه، اجد انه يؤاخذ بأمرين: لولاهما لكان شاعر الملاك الأول: هما التكرار لغاية في نفسه لاغاية في نفس قارئه وتحديدا في قصائد التفعيلة لديه كقوله من قصيدة بلقيس: (شكرا لكم شكرا لكم) وكقوله من قصيدة إلى امرأة لامبالية: (في طبعك التمثيل- في طبعك التمثيل)، والأمر الآخر المؤاخذ عليه عندي: انه لم يكن أنيقا في اختيار عناوين قصائده البهية، وهذا لايقدح بشاعرية فذة عنوانها نزار قباني..

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4016 المصادف: 2017-09-03 01:45:50