 أقلام ثقافية

الاقتراب من الذات ..

asmaa baraaإن سر معرفة الذات لا يكون إلا بالاقتراب منها وفهم طلاسمها وفك رموزها، والغوص في معانيها دون خدش معالمها، لكن ترى لم يهاب الإنسان الانفراد؟ لم يفضل اسوأ صحبة على الاصغاء الى نبض الكينونة؟! لم لا يجرؤ على اقتراف الصمت الدامس دونما انزعاج ودونما ضجر؟ ليقترب مما سماه البروفيسور "وليد فتيحي" نفخة الرحمان التي فيه . إنه العمق الذي يقاس به كل شيء .في رحاب الذات تطهر كل الافكار اللقيطة، وتستأصل كل شائبة سادية لتتعلم كيف تقف ولو واجفا أمام كل سلطة للخضوع، سواء كانت شهوة أو قوة أو سلاحا. في رحاب الكينونة تنتصر الروح، وينتقم الحب من الكراهية الخرساء، وتنتفض الشاعرية المكتظة لتبحر في عوالم الحرية الصادقة . ما أتعس القلوب التي لا تحسن الإصغاء لذواتها بشغف، التي لا تطيق العزلة فتبحث لها عن بدائل ساذجة وواقع بائس تلطم فيه راقصة أكدارها وويلاتها العظام، تتأوه ساخرة من واقع زائف لم تقوَ على مجابهته، فتستعين بكؤوس الثمل والمغامرات الجنسية، تبيع الذات من أجل لذة لحظية، و كل هذه الخطى تبعدها عن ذاتها أكثر وأكثر، لتغوص في متاهات التنميق الكاذب والبسمة المؤلمة الممزوجة بالتيه، فقدان من نوع آخر، أضحت العبثية حلا نموذجيا يتخذه كل من جبن أمام ذاته، وكل من لم تحقق له ولادة جديدة في الأفكار والمشاعر والانفعالات والقيم، وهنا تحضرني قولة لعالم النفس الألماني "ايريك فروم": « إن مهمة الإنسان الكبرى أن يلد ذاته»، فولادة الذات لا يمكن أن تتحقق إلا بوعي صادق ونفس طيبة ورغبة في العزلة مع الذات لا في العزلة عنها، فهنا يكون ما سماه "فروم" بالانفصال والذي غالبا ما يأتي كحلول جزئية وما هو إلا سراب واهم يزيد من أسر الذات في البكائيات والهزائم الذاتية، هو تسكين لألم دفين لم تستجوبه الأعماق لفرط حساسية ولهزالة شجاعة الإنسان، فيتخذ العربدة واللذة الجنسية ضمادا لمعاناته، والأضواء الخافتة حضنا يرنو اليه في صمت، ومع كل تجربة من هذا النوع، يشعر الفرد بانفصام أشد وأكثر كما قال " فروم" (مع تجربة العربدة ينساقون الى الركون اليه مع زيادة تكراره).

ما أجمل إذن الوقفة مع النفس، مؤلمة ولكن صادقة، فيها تقترب من الذات لتستوعب احتياجاتها وتربت على كتف الروح المنهكة بلطف دونما عنف ودونما قسوة ودون أن تغرقها في شدائد التجارب الخاطئة واللذات الآنية القاتلة دون أن تدمر ذاتا عظيمة أوشكت أن تنجبها التجارب والمواقف الحياتية. ما أجمل أن تعطي لذاتك معنى ولحياتك معنى ولكل جزء وهنيهة من حياتك معنى..

 

أسماء بارة - المغرب

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

جميل اسمومة بارك الله فيك و وفقك لما هو افضل و احسن ❤❤

This comment was minimized by the moderator on the site

مزيدا من العطاء للأخت أسماء بارة

This comment was minimized by the moderator on the site

جمييل أتمنى لك المزيد من التوفيق

This comment was minimized by the moderator on the site

مقالة جيدة أستاذة أسماء أتمنى لك المزيد من التألق.

This comment was minimized by the moderator on the site

دوما رائعة أسماء واصلي البحث عن الذات عن الحرية عن الحياة موفقة

This comment was minimized by the moderator on the site

في الصميم استاذة اسماء ... كلماتك تحكي عن ظاهرة شملت جل المجتمعات وخاصة المجتمع المغربي ... معادلة تساوي مواجهة x بالفرار الى مجموعة متعددة من y

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4035 المصادف: 2017-09-22 13:07:40