 أقلام ثقافية

بعض ما قيل عن الحبّ في موروثنا الأدبي

jawad gloomمسالك الحبّ ليست دائما مفروشة بالعشب ومحاطة بالظلال وهدأة المشاوير وتقافز الوشوشات والتغزل بين الألسن والاسماع، تتناقلها العيون والآذان وتلوّح بإيحاءاتها الى الاحاسيس كي تنتشي فرحا وسعادة، هناك مسالك اخرى مفزعة وتثير الرعب بحيث تجعلك ترتجف خوفا وتثير الهلع والفزع والخوف المفرط  وكأنك تمشي في غابة غير محروسة ولا تعرف متى تكون أضحية منذورة لعذاباته وبلواه، وقد تكون اكثر دموية وفزعا من مسالك الكراهية التي اعتدنا ان نعيشها سنوات مابعد الاحتلال الاميركي لبلادي، وقتذاك كنا نخاف المرور في الحيّ القريب منا وفي شوارع كنا نسميها شوارع الموت ودروب اللاعودة وما نقوله في لهجتنا العاميّة بأنها " درب الصدّ ما ردّ " .

وما دمنا نعيش أهوال وتراجيديا الدم الآن وصنوف القتل والتدمير النفسي، فليكن حديثنا عن الموات بدافع العشق المفرط وغرائب المحبّ وطيشه وهلعهِ وأصناف الجريمة التي يرتكبها العاشق مما لا تخطر على البال بسبب ظواهرها التي قد لا تصدق، وهذه فسحة عاجلة نجول فيها عمّا قرأناه من كتب التراث العربي عن دموية الحب وجنونه وغرائبيته وصلف العاشق وقسوته اللامتناهية التي قد تفوق ما يعمله الارهابيّ من صنيع بشع بحق عدوّه الان ؛ مع الفرق ان الحبيب المهووس الى حدّ التقديس للحبيبة يصرّ على فناء حبيبته بأبشع طريقة من طرائق الموت وهنا يتساوى الكره الاعمى والحبّ الاعمى معاً وكأنهما عملة واحدة وشفرَتي مقصٍّ تعملان سويةً على تمزيق وخرق فستان المحبة .

ولكن قبل أن أسرد حكايا التراث عن إجرام الحب وجنونه، إذ صدمني قبل فترة قصيرة خبرٌ مهول جدا تصل البشاعة به الى حد لايصدق ابدا، ولا أخفي ان هذا الحدَث الإجرامي القذر حثَّـني على كتابة هذا المقال ؛ فقد عرفتُ حبيبين تعلّقا ببعضهما منذ بضعة عقود وكان حبهما من العمق والإيغال في النفس بحيث يستحيل ان يفتر وتحلّ وثاقه اية أزمة او مشكلة ما مهما تعقّدت وتفاقمت وكنت أظنهما يفوقان عشاق بني عذرة في الهيام والصبابة .

هذان العاشقان افترقا فجأة وانفصم حبل التوادّ والتعلّق وحلّت الكراهية بينهما الى حدّ المقت مما حدا بالعاشق ان يرتكب جريمة غادرة يصعب ان يمارسها إنسان سويّ ملأ قلبه العشقُ سابقا وأبدله بالكره لاحقا فتحيّن الفرصة المناسبة اثناء خروج حبيبته الاولى من دوامها وقام برشّ وجهها بحامض الكبريتيد المركزّ او مانسميه " التيزاب " او " ماء النار " .

ولكم ان تتصوروا مدى التشويه والبشاعة التي رسخت في ذلك الوجه الذي كان مبهراً مشرقا وهّاجا بالطلعة الجميلة وما سبب لهذه الانثى من عمىً أخفى ضوء رؤيتها في عينها اليمنى وآثار تشوهات اخرى في عينها اليسرى لكنها اي اليسرى لم تفقد بصرها كلياً .

ولنعد الى مصائب وحكايا التراث ؛ فكثيرةٌ هي الروايات التي وردتنا من التراث الادبي العربي عمّا يسببه الحب من جنون يصل احيانا الى الجرم والإصرار على ارتكابهِ دون اية حالة ندم حينما يصل الى ذروته وقد يؤدي الى الهلاك ليس على الحبيب وحده بل ينسحب هذا الهلاك على الحبيبة المسكينة عند اشتداد الغيرة وتمنِّي الاستحواذ على مَن نحب مادمنا على قيد الحياة ولا نكتفي بهذا بل نريد ان يرافقنا المحبّ الى العالم الاخر .

فما يقال عن الحب وجنونه وإجرامه الهائل ليس ضرباً من الوهم والخيال والميتافيزيقيا ؛ وكم من الحقائق العجيبة التي لاتكاد  تصدق أصابت العاشقين اذ تحفل قصص التراث بالغزير من الحكايات المؤلمة ودعوني أذكر بعضا منها نزرا يسيراً من بطون كتبٍ حفلتْ من قصص الحبّ كثيرا .

روى أبو حيّان التّوحيديّ في كتابه « البصائر والذّخائر »، قال : إنّ شخصاً اسمُه " عبد العزيز بن دُلف " دعا بجاريةٍ له كان يرى الدنيا وجمالها وروعتها بعينيها، يهيم بها حبّا الى حدّ الهوس والخبل، لو فارقها هنيهة واحدة، وفي لحظة جنون عجيب اختلط معه الهيام والتعلّق ؛ قام بضرب عنقها وقتلَها إصراراً عامداً . فقيل له : لمَ فعلتَ ذلك؟ فقال : مَخافةَ أن أموتَ في حبّها، فتبقى هي بعدي تحت غيري .

ويعلِّق التّوحيديّ، قائلاً : هذا نمَطٌ من الجنون قلما يصل اليه عاشق في أمم وشعوب الارض كلها .

اما ديك الجن الحمصي فقصته المعروفة المتداولة تتناقلها ألسن الناس يحار فيها العقل والجنون معا، هذا الشاعر أحبّ جارية اسمها " ورد " من نصارى حمص وجمالها يخرق كل التقوى والمهابة والاتزان لدى الرجال ولو كانوا عُبّاداً ضالعين في الزهد والتصوّف والورع حتى قيل انها سمّيت " وردا " لان جسدها يفوح برائحة أنثوية ولا أشهى منها شميما عذبا، وكان حبّه طاغيا عليه كليّاً  ومن شدة غِيرته عليها قتلها شرّ قتلة بحيث قام بحزّ عنقها بالسيف مثلما يفعل الداعشيون اليوم، ومع ان قتلها كان بوشاية كما يدّعي المؤرخون لكني استبعد هذه الحال ؛ ففي الحب صنفٌ عجيب وغريب ومهلك يجعلك تفقد عقلك تماما وهذا هو سبب شيوع حالات الانتحار وقتل النفس عن عمد نتيجة فشل في الحب او فقدان الحبيب او الحبيبة في ظرف ما وتكاد تكون هذه الظاهرة في قتل النفس عند كل شعوب العالم التي تضيق الخناق على الحب .

يقول ديك الجن في معشوقته " ورد بنت الناعمة " وهو يراها نازفة ميتة أمامه ودموعهُ تهطل مدراراً :

يا طلعة طلـع الحِـمـام عليهـا ---- وجنى لها ثمر الـردى بيديْــهـا

روّيتُ من دمها الثرى ولطالمـا -- روّى الهوى شفتيّ من شفتيها

قد حزّ سيفي في مجال خناقها --- ومدامعي تجري علـى خدّيهـا

فـوحقّ نعليها وما وطأ الثرى ---- شيءٌ أعـزّ علـيّ مـن نعْـليهـا

ما كان قتْـليهــا جناية عاشــقٍ ---- لكنْ أغار من  النسيم عليــهـا

أبداً ضننتُ على العيون بحسنها -- وأنِفتُ من نظر الحسود إليها

وكثيرا ما كان مثل هذا الحب العجيب يتجاوز الخبل وشرود الذهن بأشواط فقد قرأت مرةً ان " قيسا بن الملوّح " رأى كلبَ محبوبته ليلى سارحاً أمامه فأسرع وراءه يتبعه لعله يدلّه على مكان تواجد مَن جنّنتهُ حبّاً، اذ كثيرا ماكانت النسوة والأقوام المتنقلة تصحب كلبها معها على عادة بعض الاوربيين اليوم، ومرّ بالصدفة وهو يتبع الكلب على جماعة من المسلمين يصلّون صلاة الجماعة في العراء دون ان يراهم بسبب انشغال عقله وحواسه بحبيبته وعاد من نفس الطريق دون ان يظفر بليلاه  فناداه احد المصلين اثناء عودته خائباً وعاتبهُ لماذا لم ينضمّ اليهم للصلاة؟ !

أجاب ابن الملوّح صادقا : والله ما رأيتكم أمام ناظريّ .

 لكن المصلّين لم يصدقوه فأنكروا كلامه وعابوا تبريره فكيف لم يرهم وهم حشد كبير ! .

وردّ عليهم غاضباً : لو كنتم تحبون الله كما أحب ليلى لما رأيتموني عابراً، وانتم كنتم بين يدي الله ورأيتموني، وأنا كنت بين يدي كلب ليلى ولم أركم فكيف بي اذا تجسّدت ليلى أمامي !!

هكذا هو الحبّ الحقيقي حين يُعمي البصر ويغلق البصيرة وقد يُحدث إجراما ويعبث بالعقل أيّما عبث فأين نحن مما قرأنا وسمعنا من لواعجه وبلواه الآن .

حقا لم يكذب المثل الفرنسي الشائع الذي يقول " إذا أردت ان تعرف مستوى رقيّ شعبٍ ما فَـتَـحَـرَّ عن وضع المرأة واكشفْ عن جوانبِ حياتها بما في ذلك شكلَها الخارجي أيضا " .

 

جواد غلوم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزيز الأستاذ الفاضل دكتور جواد
تحمل كل ظاهرة ، مفردة...إلخ نقيضها - كما لها نظيرها ، أو نظائرها- . ولا نسميها ، أو نصفها إلا بالمقارنة مع ما يناقضها. فالجمال هو نقيض حاشاكم القبح خَلقا ، أو خُلُقا وهو إنما جميل لطغيان صفة الجمال عليه أو فيه لا لأنه مطلقُ جميلِ ، أو جميل على الإطلاق : لا إطلاق على الإطلاق. لا شك في أإن الحب هو نقيض الكره. إلا أنَّ الحب نفسه يحمل الكره. والدليل هو ما أورده حضرتكم من أمثلة موثقة من الواقع المعاش. كل ذلك بسببِ من التقوقع في الأنا - الأنانية - أضيق دوائر الإنتماء. ولو أذاب الإنسان مشاعره وأحاسيه في ( دائرة ) الإنسانية والرحمة ، والذي يحدث بعد ، أو مع رُقي الوعي . لوصل إلى درجة الإنصهار والذوبان في المطلق حيث قتل الأنا ، وعطاء لا
يحده إلا المطلق نفسه في حدود العقل الواعي الذي اللاجم للشهوات.
أرجو المعذرة وقبول مداخلتي المتواضعة . مَن بإمكانه مناقشة هذا الثر من الحقائق والمعلومات ، وهل لمثلي أن يصف ما كتبتم بالثر - أيَ ، من أنا لأقوِم ما تفضلتم بكتابته-
إنَّما كانت مداخلة لتلميذ ناشئ سواء في العلم ، أو في الحياة.

الباحث في الزوايا عن أريج الياسمين
This comment was minimized by the moderator on the site

عذرا ك في حدود العقل الواعي اللمُلجِم للشهوات.

الباحث في الزوايا عن أريج الياسمين
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز ودعني اسميك الباحث مع اني افضل التصريح بالاسم ولا يروقني التلميح
طابت اوقاتك وشكرا على مداخلتك الراقية والتي لا انكر انها أغنت الموضوع
نعم طغيان الانا والنرجسية المفرطة قد تكون سببا لكل ماذكرنا ولا اظنك تلميذا ناشئا وانت
الحاذق فكرا
اخيرا احب ان أنوه اني لست دكتورا ولا يسعدني او يسحرني هذا اللقب خاصة في هذا الزمن
المنفلت المعايير
تقبل وافر شكري مرة اخرى

جواد غلوم
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الأدبب الرهيف
شكرا على ردكم على مداخلتي المرتجلة . لو كنت أقدر لأكتفيت بالتمتع بالقراءة فحسب. "احب ان أنوه اني لست دكتورا ولا يسعدني او يسحرني هذا اللقب...." : حسناً أيها المتواضع الكريم : أشطب ما لا يسعدكم أو ما لا يسحركم... . لم اتقن في حياتي فن المخاطبة ، فكيف بأتكيت المجاملة . كما والله لا أُحسن التفاهم مع أهلي . فأنا أعجم. لذا انزويت في غرفتي؟! . وليس لي إلا صفحتكم هذه وسيلة للإتصال. فلا تؤاخذوني على سقطات قلمي ؟.

عبد الوهاب
This comment was minimized by the moderator on the site

عذرا ثانية وثالثة
أنا نفسي تعلمت في السنوات الأخيرة ألاّ أسمع إلا ما أود سماعه ، وأن لا أقرأ ما لا يَحسن في عينيِّ ، أو لا أستسيغه مما هو مكتوب لأقِيَّ نفسي جلطات مُحتَمَلة. ولله الحمد أتغذى روحياً مما أقرأه في هذه الصفحة إضافة إلى زيادة معلوماتي.
أنا ناشئ لأنَّه ليس بإمكاني كتابة شطر بيت شعرِ، أو مقالةِ أدبية رغم قراءاتي ، ومنذ الطفولة. وفي الحياة حاشاكم (كالأطرش بالزفة) .

عبد الوهاب
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الملهم والأريب القريب إلى قلوب قُرّائه وعُشّاقه . طبت وطاب اللّقاء بك . يقول المثل الشّهير " ومن الحب ما قتل " . نقرأ لك و نستمتع بما نقرأ .ونعيش في ثنايا الكلمات والحروف وعمق معانيها. لا حرمنا الله عز وجودك وجزيل عطائك.

مصباح(فوزي) رشيد
This comment was minimized by the moderator on the site

هذا ثناء كبير منك يا صديقي مصباح
عسى ان أوفق وأرضي القراء الاعزاء وانت في طليعتهم
طابت ايامك هناء دائما

جواد غلوم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4048 المصادف: 2017-10-05 01:59:55