 أقلام ثقافية

التلفزيون في ذاكرتي

jawad abdulkadom2رأيت جهاز التلفزيون لأول مرة في حياتي في مقهى محمد عباس الأرعش (أبو باسم) في مدينة المسيب سنة 1960م، وكنت يومها في العام السادس من عمري حين مررت من أمام المقهى الواقع في شارع زين العابدين المتفرع من سوق المدينة، فرأيت ازدحاما شديدا، إذ امتلأت المقهى بالرواد جلوسا ووقوفا، وسمعت أصواتهم العالية وصفيرهم، وعلى البعد في نهاية المقهى لمحت جهازا يشبه الصندوق وضع فوق دولاب عال، ولم تتضح لعيني الصورة الظاهرة على شاشته لبعد المسافة و(الغواش) و(النمش) عليها .

ومنذ تلك المشاهدة صرت حريصا في أغلب الأيام على الذهاب إلى المقهى قبيل المساء بقليل لمشاهدة أفلام كارتون وما يعقبها من برامج تخص الأطفال، وأذكر من تلك البرامج برنامجا فكاهيا شهيرا اسمه (القرقوز) للفنانين الرائدين طارق الربيعي وأنور حيران، وكان يعجبني فيه التغييرت الطريفة التي يجريانها على كلمات الأغاني المعروفة يومذاك من قبيل أغنية (آه يعيني اشظامتلي)، فصارت (آه يبطني اشظامتلي .. يم الكبة إشـﮝد أكلتي .. ويم أبو الباﭽـة إشـﮝد ثردتي) !! وأغنية (توبة من العشـﮛ توبه)، فصارت (توبه من اللبن توبه .. بعد ما أشرب روبه) !! ولم يكن يسمح لي بالتأخر أكثر من ساعة أو ساعة ونصف في المقهى، ثم العودة سريعا إلى البيت، ولم أكسر هذه القاعدة سوى مرة واحدة، وعوقبت بإغلاق باب البيت وعدم فتحه لي مما اضطرني لقضاء تلك الليلة عند الجيران !!

وكنت أذهب إلى المقهى أيضا صباح كل يوم جمعة لمشاهدة ما يقدم من برامج، وتبدأ عادة كما في المساء بتلاوة من القرآن الكريم ومجموعة من أفلام كارتون، ويعقبها ركن الأطفال، وبرامج أخرى قبل أن تختتم بفلم الصباح، وكنت كبقية الأطفال الآخرين أتمناه من أفلام الكاوبوي !! كان أمتع أفلام الكارتون لنا ميكي ماوس، وأفلام أخرى تظهر الكنغر كأقوى الحيوانات وخاصة في الملاكمة !! وفي منتصف الستينيات ظهرت شخصية القطة فليكس الكارتونية وهي تحمل بيدها حقيبة سحرية صغيرة فيها كل ما تحتاجه في الطوارئ .

ولما كبرت قليلا كنت أذهب بصحبة خالي إلى مقهى رسمي في الشارع الرئيس في المدينة حينذاك أو ما يسمى بشارع بغداد، وهذا المقهى أوسع مكانا وأكثر نظافة وتنظيما، ويقدم في الصيف أقداح الشربت المحلى بالإضافة إلى الشاي والحامض لمرتاديه حسب رغباتهم، وفي هذا المقهى كان عليّ التأخر مع خالي إلى نهاية فلم السهرة، وكان ذلك يسرني أحيانا ويزعجني في أحيان أخر حين لا يكون الفلم مما يعجبني، وكنت أضجر من وجود الأغاني في الأفلام !! ولا أحب رؤية المشاهد العاطفية جدا فيها !!

في أحدى السنين كنت وأصدقاء وزملاء في المدرسة نتزاحم على احتلال المقاعد الأمامية في مقهى رسمي لرؤية الفرقة الفنية لمدرستنا مدرسة الثورة الابتدائية للبنين وهي تقدم إحدى فعالياتها الفنية بصورة مباشرة ونقل حي على الهواء من محطة تلفزيون بغداد، وقد ارتدى المشاركون ملابس الكشافة، وتولى العزف على الآلات الموسيقية المعلمون حاتم عسكوري وحسين علوان وسلمان وناس، ومعهم المشرف على تقديم هذه الفعالية الفنان الرائد روحي الخماش، وكان أبرز أعضاء الفرقة في هذه الفعالية زميلنا سمير علي حميد (أكمل دراسة الدكتوراه في الأدب الانكليزي وغادر في منتصف التسعينيات إلى ألمانيا حيث استقر فيها وانقطعت أخباره عني)، وكان له صوت عذب يطرب السامعين فضلا عن أناقته وذكائه وأخلاقه العالية .

كانت هناك مسلسلات جميلة موزعة على أيام الأسبوع كلها، وكنت حريصا على مشاهدتها، منها : صديقتي فليكا، والفارس المقنع، ووليم تيل، وشارلك هولمز، وغيرها ؛ كما كانت هناك برامج أتابعها على صغر سني ويتابعها بشكل أفضل من هم أكبر سنا مني، مثل : ركن الهواة لكمال عاكف، وأبناء الريف لمجموعة مطربي الريف، والندوة الثقافية لسالم الآلوسي، والعلم للجميع لكامل الدباغ، وصندوق السعادة لمقدمه الفكه فخري الزبيدي، وهو برنامج مسابقات وجوائز، والرياضة في الأسبوع لمؤيد البدري، وكان يقدم يوم الثلاثاء، وتكتظ المقاهي بالشباب بشكل غير اعتيادي لمتابعته ؛ كما كانت هناك تمثيليات رائعة تقدمها فرقة 14 تموز وغيرها، ولا أنسى تمثيلية (تحت موس الحلاق) أو كما نسميها (حجي راضي) لسليم البصري وحمودي الحارثي ؛ وحظي الفنان خليل الرفاعي (أبو فارس) على شعبية كبيرة في أدائه التمثيلي وظرافته، وأذكر له تمثيلية فكاهية بعنوان (زعتر) رأيتها في شهر رمضان سنة 1962م، ولم يتكرر عرضها بعد .

حدث تطور كبير بالنسبة لعلاقتي بالتلفزيون وبقية أطفال الدربونة التي يقع بيتنا فيها أواخر سنة 1962م حين أشترت أحدى العوائل (بيت عريف عبود أبو رعد) جهاز تلفزيون جديد، فتداعى أغلب أطفال الدربونة من أصدقاء أبنائهم للحضور في بيتهم ومشاهدة ما يعرضه، وبشكل يكاد يكون شبه يومي من دون أن تضجر هذه الأسرة من وجود هذا العدد غير القليل من الأطفال وصخبهم !! والغريب في الأمر أن هناك عوائل ميسورة في الدربونة رفض كبارها شراء أجهزة التلفزيون وإدخالها إلى بيوتهم، وعدّوا ذلك من (الحرام) !!

حددت أوقات البث التلفزيوني بالفترة المسائية من كل يوم، وتضاف لها الفترة الصباحية أيام الجمع والعطل الرسمية، كما يفتتح البث لنقل المباريات الدولية التي تقام في بغداد، وعادة ما تكون عصرا، ولعل أمتع تلك المباريات كانت بطولة كأس العرب التي أقيمت في مطلع نيسان سنة 1966م على ملعب الكشافة، وانتهت بفوز العراق بهدفين سجلهما اللاعب كوركيس إسماعيل في مرمى حامي الهدف السوري فارس السلطجي، وقدم الفنان فاضل رشيد في فترة الاستراحة بين شوطي المباريات مربعا بغداديا غنائيا جميلا مع فرقته بالملابس الشعبية، وكان مطلعه (يا رياضي وين رايح للعب).

في تلك الأيام كانت تصل مكتبة الرافدين وهي أقدم مكتبة تجارية في المسيب مجلة شهرية تعنى بالإذاعة والتلفزيون، وتحمل اسمهما، إذ كان عنوانها (الإذاعة والتلفزيون)، وفيها كتابات فنية قصيرة، ومنهاج عام لما سيقدم منهما يوميا منهما شهر صدورها، وكان البعض يحرص على شرائها لمعرفة ما يقدم من الإذاعة والتلفزيون من خلال ما تنشره، وكنت ألاحظ أحيانا عدم التطابق !!

تلك هي شهادتي عن بدايات رؤيتي لجهاز التلفزيون، وما بقي في ذاكرتي من صور لما قدمت فيه من برامج متنوعة وأفلام واردة من جهات متعددة معظمها من مصر وأمريكا والهند، وكان التلفزيون – كما تحدث الناس - اختراعا عجيبا، وهو من أهم وسائل الترفيه للأسر والأفراد والأطفال على وجه خاص، والشغل الشاغل للكثيرين منهم في ذلك الزمن الذي صرنا نسميه (جميلا) على الرغم من عدم خلوه من بعض المكدرات .. ذلك الزمن الذي كلما استعدت أحداثه نبض قلبي قائلا:

أعيدوا لنا الأمس السعيدا ... لأنشد في محبته القصيدا !!

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4049 المصادف: 2017-10-06 12:22:58