 أقلام ثقافية

في الغزل: عذبُ الشعرِ في أكذبِ الكلام

zayd alshahid2ظلَّ الغزلُ تأرخةً لحقبةٍ زمنية من حياةِ الإنسان وجغرافيةَ بوحٍ تضمُّ تضاريسَ الروحِ لمشاعرَ هي في ذروةِ عنفوانِها وهيجانها؛ وسط حيويةٍ غير معهودة ونشاط لا حدَّ له .. مشاعرٌ تتهيكلُ مفرداتٍ تحفّز المخيلةَ فتنتج صوراً؛ بعضها يدنو من العقلانية في التعبير وبعض آخر يذهب إلى حدودِ التطرّف الداني من اللاعقلانية .. ولحسن حظ  الإنسان انه ابتكر لغةً يعبّر بأدواتها عن تلك المشاعر . يطوِّعُها وانْ تبُدي خجلاً وتُظهِر خِفراً من تجاوزها عن المألوف . يدفعها إلى المتلقّي الذي يقف عند صخرةِ التسلّم ويتحرك إلى صومعةِ التحليل والتأويل  جلوساً عند دكّة تشكل النتائج والمدلولات ... والغزل رسالةُ تعبيرٍ بين مُرسلٍ يبوح ومستلمٍ يتلقّى . يقفُ عندها القارىءُ، بعدما خرَجَ من أسار السرية إلى حومةِ العلن . فتتناقلها الألسن؛ وتغدو نصّاً من عِداد القراءة الأدبية أو التحليل النفسي . قراءة تذهب إلى اكتشاف مزاج المرسل لحظة بث الرسالة (سواء على مسامع المستلم، أو نقلت على أصابع المتلقي كوسيط ظلِّي للرسالة، وهو الذي سيكشف سرَّها) . فحين يكون رائقَ المزاج تجيء رسالتُه عبِقةً بالضوء والبهاء والإشراق، تاركةً ظلّها يشيع بالبهجةِ في فضاءِ المتلقي . فيعكس هذا الأخير تحليله (إن كان أديباً) بمفردات انفتاح النص على عالمٍ جمالي تتبارى مفرداتُه على خميلةِ بوحِ مرسلٍ آثر أن يعبر بتأثير المُهيمِن الذي حفّزه للتعبير .. وإنْ دخل النص ميدان التحليل النفسي جاء التأويلُ من بابِ الدافعِ المحفِّز على إطلاق التعبير وخلق الصورة، أي اختفاء النكوص في المواجهةِ وتواري ردّ الفعل السلبي ... والحريري يعكس في تصويره لحدثٍ (مشاهدة) حصل معه أو تخيله (كذبٌ منمَّقٌ)، وهو في لحظةِ انشراح، غزلاً يتبارى الوصف في إظهارِ حُسن المُشاهَد، فيبدو الموصوفُ في حالةٍ من الجمال الذي يدفعنا لدخولِ دائرة البهاء . نشاركه النظرَ ونتبارى لحصد المتعة . فالذي وصفها توقَّفت عنده . ولأنه وقع في دائرةِ السحر فانَّ الكلامَ ينطقُ بلا مواربةٍ، واللسان يمتلك شجاعةَ السؤال :

سألتها حين زارت نَضْوَ برقعها الـ    ـقاني وإيداع سمعي أطيب الخبرِ

فزحزحَت شَفَقاً غشّى سَنا قمرٍ         وساقطت لؤلؤاً من خاتمٍ عَطِرِ

هذا الذي طلب منها كشفَ برقعِها الأحمر المُكنّى بالشفق مثلما كنّى بالقمر عن وجهها، ثم باللؤلؤ عن كلامِها وبالخاتم عن فمِها المدوَّر تبارت عنده الكلماتُ وتلاطمت المُسمَّياتُ الباعثة عن الوهج والنور والبهاء، وكان العطرُ يتدفق من بين الشفتين ليترجم عذوبةَ الأعماق لديها، ويفشي - لنا نحن الذين تلقّينا وصفه عذباً - أنَّ اكذبَ الشعرِ أعذبُه / أخيلُهُ . إذ أغدقَ عليها كلَّ توصيفات الجمال مُستدعياً اللؤلؤ والقمر والسنا والعطر والطيب .. وهو لا يقل عن ابن النبيه في توصيفه العذب القادم من ربوع الكذب / الخيال .

سُودٌ سوالفُه  لُعْسٌ مراشِفُه     نُعْسٌ نواظرُهُ  خُرسٌ أساورُهُ

فذؤابات الشَّعر/ السوالف هابطة تتخايل بسوادِها، والمراشف تشوبها دكنةٌ يستحسنُها العرب آنذاك ويعدّونها صفةً جماليةً لا تتَّصف بها إلا القلّة من ذوات الشفاه الممتلئة .. وهو لا يقف عند حدودِ هذا التوصيف ليغدق على العينين صفةَ النعاس، أي ذبول الأجفان دلالةَ الغنج الذي لا يُضاهيه غنجٌ ودلالٌ ما بعده دلال . ولأنَّ الغنجَ في أبهى مشهدِه لحظة نقل الخطى بوئيد التحرك فإنَّ الأساورَ التي تملأ ساعدي الموصوف لا اصطدام لها ولا رنين؛ فقط الخَرَس الذي شذَّ فيه الشاعر فحسبه من صفاتِ الجمال . لم يحبِّذ الرنين ولا هو ارتضى الخشخشةَ؛ ذلك أنَّ  العذوبةَ يتطلبُها كذبٌ من بابِ المخالفة في الرأي، قفزاً على المُتَّبع والمراد، استخداماً للمبالغة التي تحفِّز المتلقي القارىء على تناول الصورة المبالَغ بها . فقساوةُ القلبِ في واحدةٍ من توصيفاتِ المبالغة تقاربُ قساوةَ الحجرِ إن لم نقل أنّها تساويها في نظرِ شاعرٍ أراد في موقفٍ من مواقفِ عرضِ الحال، في معرضِ الحرمان، وتقديم لومِه المُداف في عسلِ المُعاناة أن يقول حتى في أضخمِ حالاتِ المبالغة وأبعدها، وأنْ يترجم لوعةً هي من باب الهجاء الداخلي لحبيبٍ لا يبدو أنه رشق حبيبه المدنَّف بمطرِ ابتسامةٍ أو بمفردةِ حييَّةٍ .

أمرُّ بالحجرِ القاسي فألثمُهُ     لانّ قلبَك قاسٍ يشبهُ الحَجرَا

إنِّ الشاعرَ وهو يفضي بلواعجِه ويصوِّر حالاتِ دواخله في فنتازيا يشيع التطرف ويتجلّى الكذبُ العذبُ لا يبغي كسبَ ودّ المتلقي إنَّما يتمنّى لو يصل تصويرُه وبوحُه لمن أشار عليه، وتوجّه له . ولعلَّ الشعرَ هو أسرعُ الرسائلَ التي يُراد منها الوصول للمرسل إليه لاسيما والزمن الذي كان فيه الغزل روحياً خالصاً، غارقٌ في العاطفةِ، وسائرٌ في مدياتِ الإفضاء . لا توجد فيه وسيلةُ وصلٍ إلا المسامع التي تنقله، والأفواه التي تبثه . وكلما كان شعراً كذوباً - تأججَ في الخيال وهاجت عنده المخيلة - سرى انتقالُه سيرَ النارِ في الهشيم والرعدِ في الفضاء، واستحال منشوراً تتطلع لوصولِه الذائقاتُ وتنتظر قدومَه أصابعُ الشوقِ كي تترجمها صوراً، وتستعذبها كلمات.

تجســــــــــــيد

يتبارى نهرُ الروحِ لرسمِ أيقونةِ الذكرى .

يقتني قَمراً، ويستقبلُ نسماتٍ .

يتوسَّلُ ببستانٍ كي تكتملَ اللوحةُ .

اللوحةُ تنطقُ مُعلقةً .. يتناثر بين تموجات ألوانِها شعراءٌ

يتبارون .. يتأوَّهون .

وتفوهُ الظلالُ بحكاياتٍ أبطالُها عُشّاقٌ مرّوا من هنا .

غافلتها الكلماتُ، فعاجلتها بالصورِ .

ناهضتها الطيورُ، فاندلقت أصباغُ الرسامِ .

كانَ هناك ألمٌ .. كانَ هناك جزعٌ .. وكانت هناك سرياليةٌ،

وشاعرٌ كانَ هناك ....

يرسمُ، ويبكي !!

 

زيد الشهيد- العراق

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

اطلعت على هذه المقالة الظريفة.
كان يعجبني غزل عنترة بعبلة و لا سيما حين يشبه ثغرها المتبسم بنصال السيوف المحاربة و هي تلمع تحت ضياء الشمس.
و كانت تفتنني سيرته و هو ينازل السليك بن اسللبكة و عروة بن الورد و سوى هؤلاء. و نحن نعلم أنها سيرة مختلقة لأنه لا يوجد إجماع لحينه على وفاته و أسبابها و هل بسبب طبيعي أم في معركة خسرها بعد أن تقدم به العمر.
الحب.
شيء لا يمكن أن ينتهي ما دام الإنسان يمتلك ذرة من إنسانيته. لكن الغزل ليس ضرورة بل هو طريقة لتعبير. فقط.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4067 المصادف: 2017-10-24 13:17:47