 أقلام ثقافية

أثر

كنتُ  أصادف في ممرّ البناء الذي أقطن فيه حديثًا صبية ذات بشرة داكنة، ولأني لست من الأشخاص المرحين الذين يوزوعون ابتسامات وتحيّات أثناء مرورهم بالناس، فلم يحدث أن بادرتها بالسلام، ولم تفعل هي كذلك.

وكنت قد قرأت منذ أيام، عن هول الظلم الذي تعرض له أبناء هذا العرق، في رواية ( كوخ العم توم)، هذه الرواية التي كانت من أهم  دوافع ثورة العبيد، ولمّا كان وصفها شديدة الدقة والواقعية، فقد مسّت القلوب، وأثارت الضمائر،والهمم آنذاك، وفعلت بي ما فعلت.

نعم، عانينا نحن العرب ولا زلنا أسوء الظروف، لكني استصغرت كل مآسينا أمام أن يكون المرأ عبدًا، يُباع ويُشترى، كيف للنفس البشرية أن تطيق هذه الفداحة بالاذلال! وأنّى لقلوب المعذبين الصبر واحتسابه عند الله!

في اليوم الذي فرغت به من الكتاب، صادفتُ الفتاة نفسها، رحت أحضنها بعينيّ، وألقي عليها التحيّة بحميميّة وحدي كنت أعرف سببها، حتى لكأنها استغربت تلك الحفاوة، كنت أحاول الاعتذار من إنسان لإنسان، طين لطين بعيدًا عن رداءات الأرواح الملونة بالبياض والسواد.

مما لا شك فيه أن حقبة العبودية التي تناولتها الكاتبة هارييت ستاو في روايتها تلك(كوخ العم توم) قد ولّت، وأنّ الزنوج اليوم حصلوا على الكثير من حقوقهم، حتى أنّ منهم من نال مناصب عالية، ووصلوا لرئاسة البلاد، وذلك خير، لكن تُرى هل ولّت معها، كل النزعات المعادية للإنسانية بشكلٍ أو بآخر، أم أنها الجينات الوراثية أكملت طريقها، وتابعت جريانها بدماء الأخيار والأشرار على حدّ سواء.

في الرواية جاء على لسان واحد من الشخصيات الإقطاعية، بما معناه أن هذه هي طبيعة تشكيل الأمم، وأنه لا بد من جماهير تحتشد صاغرة أمام سلطة قوية تستثمر كل جهد وتبتلع كل موردٍ من هذه الحشود حتى لو تمثّل بأبنائهم ونسائهم وأجسادهم، وتستنزفها عن آخرها، مادة وروحًا، لتكتمل اللوحة.

إن هذه النظرية لأبعد مايكون عن العدالة والإنسانية، والحقيقةُ الأَمَرُّ والأفدح أنّ لهذه الشخصية المستقاة من واقع المجتمع الأمريكي، منذ زمن منصرم، أحفادٌ وأشباه وأشباح، يحرّكهم الفكر ذاته، مع اختلاف الزمن والوسائل، والجماهير.

فلم يعد اختلاف العرق واللون وحده هو المحرك الأساسي للضغينة والتجبّر، بل أخذ الأمر مع تقدم الزمن منحًا أكثر أنانية وتغطرسًا، حتى صار الفقر والجهل، والحاجة، وليل البشرة في بوتقة الاستبداد ذاتها.

ولن أعزو كل هذا البؤس الذي نحن عليه اليوم، لأولي الظلم في أميركا و أخوتها فحسب، لأنه ما من سوط يجترئ على الضرب بلا ظهور تنحني لتُضرَب، ومامن ظهور تنحني، إلا بعد وباء الاستسلام، وخديعة القويّ والأقوى، والإصغاء لأبواق داخلية تنهش كل غضب وتبثُّ سُّم الرعب في النفوس، وتسكب في الآذان والقلوب ضرورة الإذعان، مُزينة الخضوع، زارعة دروب الغضب بشوك المستحيل.

 إنها نفوسنا إذًا، أفزعتها أشباح التغيير، ورضت لنفسها دور الضحية، حتى أننا ما ننفتئ في كل محفل نذكر شيئًا من أمرين، إما هزائم وانكسارات و مآتم ندبٍ على الضحايا، أو انتصارات خُلّبيةٍ خادعة، لا ترِكات لنا منها، سوى نشوة موسمية كاذبة، لا تغري أبناءنا بالحشد لها من جديد.

غير أنّ الطرق إذا ما أردنا تعبّدت، والسماء اتسعت، وصار لنا بلاد نكون فيها سُيّدًا لا عبيد، ولكن الخطوة الأولى هو الاعتراف بعبوديتنا، و من ثم رفضها، والتخلص منها.

لقد أثارت روايةٌ حربًا كاملة، خلّصت حق مئات الآلاف، وأعادت لهم حياتهم، وشلّت أيادي الجناة، وزجرتهم، ونشأ من بعدهم طغاة جدد، ومُستسلمين جدد، ينتظرون أحد الأمرين كلمةً تشدق بعدها العيون وتبوح الأفواه، أو وجعًا مهول، لا يجوز بعده الصمت، وإني لآمل كل الأمل، أن تجد أمتنا درب خلاصها في الخيار الأول، ويكون الخلاصُ من رحم كتابٍ، لا مقصلة.

 

 علا نادر البطاط

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

رائعة علوش من ابداع الى ابداع👍

Tamam
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4069 المصادف: 2017-10-26 03:06:57