 أقلام ثقافية

الحقيقة هناك فتأمّل لتراك

madona askar"المسيح ولد فمجّدوه، المسيح أتى من السّموات فاِستقبلوه. المسيح على الأرض فاَرتفعوا"

بين بيت لحم والإنسانيّة مسافة خلاص تتباعد كلّما اقترب الإنسان من مجده الزّائف واهتمّ بالبحث عن كلّ شيء إلّا عن ذاته وحقيقة وجوده. كثيرون اجتهدوا ويجتهدون في البحث عن الحقيقة، إلّا أنّهم يلتقون بها كلّ لحظة ويرفضونها. فمن العسير قبولها والولوج في سرّها لأنّها تعرّي كيانهم وتكشف نفاقهم تجاه أنفسهم وتجاه العالم. الحقيقة الحاضرة في بيت لحم، في مذود صغير يضاهي السّماء، أعلنت منذ البدء ثورة عشق لا ينتهي على عالم خلقه الإنسان ليتحدّى الله. من أراد أن يعاين الخلاص ويتنفّس الحبّ والسّلام، لا بدّ من أن يمرّ ببيت لحم، ويتأمّل ذلك المذود الصّغير ليدرك أنّ الكون بأسره لن يبلغ حرّيّته إلّا إذا هام بأحضان الطّفل الإلهيّ.

لقد عرفت الإنسانيّة العلوم على اختلافها، واتّقد المنطق البشريّ واختبر إنسانيّته الظّاهرة، وأمعن في استخدام جميع الوسائل لينمو ويتطوّر. لكنّه لم يلج عمق نفسه الشّديدة التّعقيد ليدرك حرّيّته الحقيقيّة، ويجتهد في الخروج من الإنسانيّة بالقوّة إلى الإنسانيّة بالفعل. حارب الله واخترع إلهاً خاصّاً به، بل نصّب نفسه إلهاً وعبد ذاته واستعبد الآخر. اضطهد الجمال والحبّ وسجن نفسه في نفسهِ حتّى تعفّنت إنسانيّته وتلاشت. وكلّما تقدّم المنطق البشريّ وتطوّر تراجعت إنسانيّته واستباحت الحرّيّة وأغرقت العالم في مزيد من المآسي والأحزان. وما برح الإنسان يتّهم الله حتّى انفصل عنه وهرب من أمام وجهه ممعناً في العبوديّة والذّلّ.

من كان ينتظر انبلاج الحقيقة من مذود فقير في بيت لحم، ومن كان يترقّب أنّ المحبّة تتجسّد شخصاُ لتمنح الإنسانيّة ذاتها وتفجّر العشق السّماويّ في الكون؟ من كان ليعلم أنّ ملء الزّمان لحظة جنون عشقيّ إلهيّ، ينحدر فيها الإله من ذرى الأعالي السّماويّة لينتشل الإنسان من بؤسه وشقائه وإلهه المزيّف؟ لم ينتظر أحد هذا الغمر العشقيّ، ولم يتوقّع أحد أنّ مبدع السّماء والأرض سيعلن حقيقته في مكان حقير فقير. وإن رُفض هذا المنطق الإلهيّ فلأنّ الإنسان يبحث دوماً عمّا يعزّز كبرياءه ويرضي مصالحه ويحجب بشاعته. وفي خضمّ مسيرته الإنسانيّة نسب الإنسان لله كلّ الصّفات ومنحه ملامح لا تمتّ له بصلة. وعرفت كلّ الحضارات إلهاً لا يشبه الألوهة بشيء. انتقت له صفات بحسب المنطق الإنسانيّ، وألغت العنصر الأساسيّ للحياة ألا وهو الحبّ. فالحبّ فعل إلهيّ لا إنسانيّ، وإلّا لما شاهدنا كلّ هذا الحقد والكراهية من حولنا. وأمّا في بيت لحم، فمُظهر النّور، طفل صغير مضطجع في مذود.

لعلّك أيّها الباحث عن الحقيقة، لم تمرّ ببيت لحم لتعلم من أنت، وما هي حقيقة وجودك. ولعلّك لا تقوى على استيعاب حبّ الله الفائق التّصوّر. لعلّك غارق في تمجيد إلهك الوهميّ فتنهش العبوديّة نفسك، ويستحوذ الحقد عليها، فتتآكل من داخلك محافظاً على ظاهرك المغلّف بالبهجة، فتصبح أشبه بالقبور المكلّسة، ظاهرها ناصع البياض وأمّا جوفها فمتعفّن.

الحقيقة هناك، في بيت لحم، حيث المسيح يأتي كلّ حين ليفكّ أغلالك، ويحرّر كيانك من مشروع إنسانيّتك لتستحيل إنساناً. والحقيقة هنا، في قلبك، حيث المسيح حاضر ليحوّل أحشاءك إلى سماء يسكنها الله. فتعلم أنّ الإنسان المخلوق على صورة الله يحمل في داخله قلباً يستوعب الله.

 

مادونا عسكر/ لبنان

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4131 المصادف: 2017-12-26 23:04:07