 أقلام ثقافية

مسائل متصلة: المضامين النظرية قيمتها بتحويلها إلى منفعة عملية

akeel alabodالمسالة الثانية: تعلم العمل بالعلم

في السابق قبل منتصف السبعينات، كنت وبعض الأصدقاء تستهوينا لغة العناوين، نتبجح بمصطلحات نقرأها في الكتب، نطلق ألسنتنا، لعلنا نشعر بكبرياء ما يحتوينا؛

الديماغوجية، والبرجوازية، والبروليتارية، والراديكالية، والديمقراطية، وهكذا من هذا النوع، كلمات ما زلت أتذكرها.

آنذاك، المهم بالنسبة لنا هو ان نتعلم فن النقاش مع الاخرين من خلال استعمالنا لهكذا نمط من المصطلحات، ظنا منا ان مزاولة هكذا نوع من الكلام، والحوارات، يرفع الواحد منا الى مكانة يُنظَرُ من خلالها اليه على انه مثقف من الدرجة الاولى.

واستمرت الحكاية معنا على هذا المنوال، حتى نهاية السبعينيات، إبان فترة الجامعة، يوم كنّا نجلس في مقاهي الشتاء، تلك التي كانت تجمع ثلة من المثقفين في بغداد، كما في مدينتي الجنوبية، وهم مجموعة من السياسيين، والفنانين، والأدباء، تجمعنا حواراتهم، تصرفاتهم، ما يجعلنا نسعى لتقليدهم بكل التفاصيل؛ جلوسهم، كيفية مسكهم السيجارة،  تناولهم لإستكانة الشاي، قراءة الصحف، الملابس التي يرتدونها، بل وحتى النظارات.

ولكن وبعد حين، اتضح لي اننا كنّا نضيع وقتنا هباء منثورا، باعتبار اننا لم نتعلم مِن ذلك إلا لغة المظاهر المجردة، إذ لم يتسن لنا ان نستنطق علم الاقتصاد من مفردات السياسة، اوبالعكس، ولم نتعلم من السياسة إلا ذائقة الكلام.

رغم اننا تعلمنا من المسرح بعض الشئ، لتنقية المشاعر، ذلك يوم تعبأت مسامعنا بمقولة، "أعطني خبزا ومسرحا، اعطيك شعبا مثقفا"، ومن الشعراء ما قاله معروف الرصافي ذات يوم، "علم ودستور ومجلس امة، كل عن المعنى الصحيح محرف"، إضافة الى معنى الإرادة والشجاعة، والدفاع عن الوطن- رواية بوريس بوليفوي، الذي تحدث عن الطيار الكسي ميرسيف في قصة انسان حقيقي، وحصان غولساري- رواية جنكيز أيتماتوف، وبعض الأفلام الملتزمة؛ فاتن حمامة- اريد حلاً، وخالد الصديق- بس يا بحر.

ومثلها مشاهد وعروض المسرح- بغداد الازل بين الجد والهزل- قاسم محمد، حيث ما انفكت الى يومنا هذا قائمة بكبريائها في محطة موزونة من محطات ذاكرة، اثارها لم تستهلك، تلك المشاهد التي غايتها الاسمى البحث في حرية الانسان، وكرامة الاوطان.

وبين هذا وذاك، إدركت وبالتجربة الحية، أن الحياة تشبه تصميم بناء هندسي متكامل، هذا البناء يحتاج الى دقة في اختيار المساحات، والمعادلات، وفقا الى معايير، وسياقات لا يمكن تجاوُزها، أوالتفريط بها.

نعم الحياة إشكالية رياضية متكافئة للمجتمعات، والأديان، والاقتصاد، والفلسفة؛ هي ميزان لا يمكن تجاوز معاييره، والتاريخ سر من اسرار انثروبولوجيا العقل العملي، والنظري، وطبيعة المجتمع له علاقة بحركة هذا العقل.

 فالحالة الاجتماعية مثلا، تشبه عناصر الكيمياء في تفاعلاتها- اختيار الزوجة المناسبة، والبحث عن شروط العلاقة الزوجية الصحيحة مثلا، وما يترتب على ذلك، يحتاج الى معايير خاصة، ووقت كاف، أملاً في تحقيق الصحيح، وتلافيا للنتائج، والمسارات الخاطئة.

وهذا يعني انك تحتاج الى إتقان التجربة، وممارستها وتطبيقها بالصبر، والملاحظة السلوكية، ومشاركة أصحاب الخبرة في تجاربهم، وارائهم، ذلك لتفعيل المكونات، اوالعناصر القابلة للتفاعل، بناء على ما تفرضه لغة الوعي الاخلاقي قبل كل شئ، ما يؤهلك لتحقيق نجاحك في الحياة.

ومثل ذلك طريقة التخطيط لأهدافك العلمية، والعملية، حيث انك تحتاج الى العمل بالاختصاص الذي يجْتذبكَ لأن تكون ناجحا ومُبدعا فيه؛

علما ان مفردتي النجاح، والابداع  يتطلبان مساحة واسعة لاستخدام القدرة النافعة  'طاقة المعرفة' ومنها وسيلة تعلم واتباع السبل المناسبة، لخدمة المجتمع، وتحقيق ما يحتاج اليه الناس، فالغرض ليس المظاهر الزائفة، والمباهاة.

وبكلمات اخرى، انك عندما تدرس الطب مثلا، عليك ان تتعلم المهنة بصورة متقنة، فليس الغاية ان يقال عنك انك تخرجت من الطب، إنما هي معالجة المرضى ومساعدتهم فيما بعد، فالدراسة وسيلة لتعلم المهنة، والنجاح في ممارستها، هو الهدف الاسمى، والأنبل.

ومثلها، عندما تقرأ كتابا عن الاقتصاد، والمجتمع، والسياسة عليك ان تفهم غايتك الاسمى، قبل اختيار العنوان؛ فليس المهم ان تـُعرّف بكسر الراء، الناس بأنواع الكتب التي تقرأ، بل المهم ان تسأل نفسك ماذا ستقدم من خلال قراءتك لهذه الموضوعات، وما هي إنجازاتك المقبلة، هل أنك وضعت حلولاً لمعالجة الفقر في مجتمعك؟   

فالحياة ليس بالعناوين، والنقاشات الفارغة، والبهرجة والتفاخر، انما بتحقيق المنفعة من خلال استثمار الوقت، وخدمة من يحيط بك من العامة، من خلال ما تمتلكه من مواهب، أوأي اداة من الأدوات التي تساعدك في انجاز ما تسعى اليه بشكل صحيح ومتقن، فإن كنت خياطا ماهرا، سيكون انفع، من ان تَكُون مديرا، أووزيرا، بِلَا كفاءة، إومؤهلات. . 

المسألة الثالثة ستأتي إن شاء اللَّه.

 

عقيل العبود/ ساندياكو

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4160 المصادف: 2018-01-25 00:38:30