 أقلام ثقافية

صناعة الحياة!!

sadiq alsamaraiالحياة صناعة كأي صناعة أخرى، وتحتاج لإيمان بها وقدرات إبتكارية لبنائها وتنميتها وتطويرها، والوصول بها إلى ذروتها التفاعلية والإبداعية اللازمة لتسويقها، وتحقيق تنافسية عالية على التوافق معها والإنطلاق بها ومنها.

والشعوب التي تريد الحياة تستجيب لإرادتها وتنطلق فيها بقدرات لا محدودة، ولا فرق ما بين شعوب الدنيا إلا بهذا التفاعل القائم ما بينها والحياة، فبعضها لا يريد الحياة والبعض الآخر يريدها، وفي الحالتين يتم توظيف المعتقدات والرؤى والتصورات والموروثات لإنجاز مشاريع قتل الحياة أو صناعتها وإحيائها.

وفي المجتمعات العربية يتحقق سلوك كراهية الحياة وإحتقارها والعدوان عليها وتسفيهها، ويقوم المتاجرون بالدين بتوظيف ما يحلو لهم من الآيات والأقوال والخطب والأشعار وغيرها، لتعميق سلوك كراهية الحياة وتحبيب الموت والخراب والضياع والدمار.

أي أن العملية بجوهرها عبارة عن تسويق أفكار وتطلعات وتأكيدها في الواقع اليومي للبشر، مما يدفع بهم إلى سلوكيات متراكمة ومعززة للحالة التي يريدونها.

وهكذا تجد العالم العربي متخوم بثقافات الموت والدعوات المتواصلة للقفز إلى ميادينه، والعمل الجاد على التكريه بالحياة وتوفير الأسباب والمسوغات لتأكيد ذلك، ويقوم المعممون بإصدار الفتاوى وإلقاء الخطب الموتية، القاضية بضرورة وأهمية وقيمة الموت والتمتع بحياة ما بعده، التي هي أبهى وأبقى من الحياة في الدنيا، بمعنى أن ما يُشاع هو ثقافة الآخرة المتصورة والمتخيلة، والتي يُراد للبشر أن يتقافز إليها بالجملة، ومنعه من ممارسة الحياة وصناعتها والتعبير عما فيه من طاقات وقدرات فيها.

وهذه الثقافات السلبية المدمرة تساهم بقوة في تأسيس الواقع الأليم الذي يعيشه الناس في المجتمعات العربية، وعلى ضوئه تتشكل الأحزاب والفئات والمجاميع الفاتكة بالدنيا والحياة.

ولا يمكن لمجتمع بشري أن يمارس الحياة الحرة السعيدة، وهو مبتلى بثقافات موتية حارقة تثير فيه مشاعر العدوانية والكراهية والبغضاء، والإنتقامية من معاني وجوده وما يدور حوله من منطلقات حياة.

وعليه فأن المجتمعات العربية لكي تكون قوية وذات قيمة تفاعلية معاصرة، عليها أن تنتبه إلى ما يسود من ثقافات سوداوية موتية تحبب الموت وتكرّه بالحياة، ولا بد من إشاعة ثقافة الحياة والبناء والجد والإجتهاد والقدرة على التقدم والرقاء، بدلا من ثقافات اليأس والقنوط والخراب وإستلطاف الضراء والنفور من السراء.

إنها ثقافة ما فينا تؤسس لما حولنا من الوقائع والشواهد والتفاعلات، فهل سنغير ما فينا لكي يتغير العالم من حولنا؟

وهل سنتعلم مهارات صناعة الحياة يا عرب؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4183 المصادف: 2018-02-17 01:12:47