 أقلام ثقافية

انتقالات المكان.. من الهامش الى القلب

amar hamidالصباح، ذلك الوقت الذي يحتل المساحة الأكبر من أنشطة الناس اليومية حين تسعى الى غاياتها، أجدني في الباص الصغير جالساً أجول عبر الأمكنة، والنظر ينتقل من رأس الى آخر بين رؤوس الركَّاب ثم يقفز الى ذهني  مطلع قصيدة الطلاسم لأيليا ابي ماضي :

جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ

ولقد أبصرت قُدّامي طريقا فمشيتُ

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيتُ

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست ادري ...

توحي لي هذه الأبيات ان بعض أفكاري لا تمت بِصِلَةٍ لمن يحيطني، ويبدو ان هذه الأمر كذلك يدور في رأس كل واحد من الجالسين في الباص بشكلٍ او بآخر ... هذا ما خطر لي!

هناك السيدتان المتشحتان بسواد عبائتيهما الغارقتان في حديثهما المُبهم بينما الرجل العجوز يحاول مركزاً عبر أطار نظارته العتيق ان يَعُدَّ نقوده المهترئة ممسكاً بها جيداً بسبب اهتزاز السيارة اثناء سيرها.

كان صوت دعاء الصباح الآتي من المذياع واطئاً كأنما ينثُر نوعاً من المخدر ليداعب آذان الركّاب فقط حيث لايبدو انهم مصغين لمعانيه مختلطا مع هدير المحرك والسيارات المارة والجو العام ...

والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل ....

وعلَّقت بأطرافِ حبالك أنامل ولائي ...

.....

يبدو ان اللامبالاة في الأصغاء الى الكلمات هي نفسها على المكان المتغير، هل يبالي أحد بأنتقالات المكان وفضاءاته؟ أعني مايحتويه من جمال وقباحة؟!

الكثبان المتربة التي أحتضنت الآف قناني الماء والأكياس البلاستيكية والسياج الحديدي المتآكل الذي أُحدِثت فيه ثغرات هنا وهناك من قبل المارَّة وكان من المُفترض ان يكون سياجا لحديقة عامة اندثرت منذ زمن بعيد، تتغير صورة المكان مع استمرار الأنتقالة ... أشجار صفصاف يتيمة نصف ميتة يعلوها الغبار هنا وهناك ... أكشاك ومحلات أُقيمت على عُجالة من صفائح الألمنيوم لمصلحي السيارات بأنواعها، ديك يبحث بين كومة من الأزبال!

هذا هو عنوان ومعنى المكان الموجود على أطراف المدينة الكبيرة او ما يسمى (الهامش) الواسع الكبير، الى ان يأخذ الشارع بفقدان لونه الكالح المغبر مع الأنتقالة وتزداد قتامة لونه الأسود تدريجياً وتقوم الأرصفة بتعديل هندامها واستقامتها وتبدأ الألوان وحدود الملامح بالظهور ويتراجع اللون الترابي المهيمن على الهامش.

تكثر الأشجار والأعشاب والطيور والأبنية المنمقة والتصاميم الحديثة، حدائق مزينة بالأزهار والنافورات،زحام من الناس والسيارات، هذا هو المركز، قلب المدينة المُنكفئ على نفسه وعنوان الحداثةِ والنظام النسبي بالمقارنة مع الهامش المُعدَم والعَبَثي، هل صمتت المرأتان أم رفع العجوز عينيهِ عن أوراقهِ المُمزقةِ وتوقف عن عدِّها؟

هل هو التعوُّد على الأمر؟ أم هو فقدان التفاعل مع المكان وتحولاته؟،والنتيجة هي عدم التأثر بالجماليات وكأن القُبحَ والجمال سيّان لا يحرِّكا في الوجدان شيئاً؟ لماذا يقتل الفقر المتصل بالقبح أحاسيسنا بالجمال؟ اسئلة واسئلة دارت وتشابكت علامات استفهامها، وأخيرا فالمكان كله ... من الهامش الى القلب كان يغلي بحرارة فصل الصيف اللاهب والهواء الذي يلفح الوجوه، ترجلت من الباص الصغيرأفكر في فيفالدي* وأتخيل ماهو نوع الصيف الذي عاشه ... ليؤلف مقطوعته الموسيقية الجميلة التي اعطاها أسم هذا الفصل.

 

الصباح، ذلك الوقت الذي يحتل المساحة الأكبر من أنشطة الناس اليومية حين تسعى الى غاياتها، أجدني في الباص الصغير جالساً أجول عبر الأمكنة، والنظر ينتقل من رأس الى آخر بين رؤوس الركَّاب ثم يقفز الى ذهني  مطلع قصيدة الطلاسم لأيليا ابي ماضي :

جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ

ولقد أبصرت قُدّامي طريقا فمشيتُ

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيتُ

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست ادري ...

توحي لي هذه الأبيات ان بعض أفكاري لا تمت بِصِلَةٍ لمن يحيطني، ويبدو ان هذه الأمر كذلك يدور في رأس كل واحد من الجالسين في الباص بشكلٍ او بآخر ... هذا ما خطر لي!

هناك السيدتان المتشحتان بسواد عبائتيهما الغارقتان في حديثهما المُبهم بينما الرجل العجوز يحاول مركزاً عبر أطار نظارته العتيق ان يَعُدَّ نقوده المهترئة ممسكاً بها جيداً بسبب اهتزاز السيارة اثناء سيرها.

كان صوت دعاء الصباح الآتي من المذياع واطئاً كأنما ينثُر نوعاً من المخدر ليداعب آذان الركّاب فقط حيث لايبدو انهم مصغين لمعانيه مختلطا مع هدير المحرك والسيارات المارة والجو العام ...

والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل ....

وعلَّقت بأطرافِ حبالك أنامل ولائي ...

.....

يبدو ان اللامبالاة في الأصغاء الى الكلمات هي نفسها على المكان المتغير، هل يبالي أحد بأنتقالات المكان وفضاءاته؟ أعني مايحتويه من جمال وقباحة؟!

الكثبان المتربة التي أحتضنت الآف قناني الماء والأكياس البلاستيكية والسياج الحديدي المتآكل الذي أُحدِثت فيه ثغرات هنا وهناك من قبل المارَّة وكان من المُفترض ان يكون سياجا لحديقة عامة اندثرت منذ زمن بعيد، تتغير صورة المكان مع استمرار الأنتقالة ... أشجار صفصاف يتيمة نصف ميتة يعلوها الغبار هنا وهناك ... أكشاك ومحلات أُقيمت على عُجالة من صفائح الألمنيوم لمصلحي السيارات بأنواعها، ديك يبحث بين كومة من الأزبال!

هذا هو عنوان ومعنى المكان الموجود على أطراف المدينة الكبيرة او ما يسمى (الهامش) الواسع الكبير، الى ان يأخذ الشارع بفقدان لونه الكالح المغبر مع الأنتقالة وتزداد قتامة لونه الأسود تدريجياً وتقوم الأرصفة بتعديل هندامها واستقامتها وتبدأ الألوان وحدود الملامح بالظهور ويتراجع اللون الترابي المهيمن على الهامش.

تكثر الأشجار والأعشاب والطيور والأبنية المنمقة والتصاميم الحديثة، حدائق مزينة بالأزهار والنافورات،زحام من الناس والسيارات، هذا هو المركز، قلب المدينة المُنكفئ على نفسه وعنوان الحداثةِ والنظام النسبي بالمقارنة مع الهامش المُعدَم والعَبَثي، هل صمتت المرأتان أم رفع العجوز عينيهِ عن أوراقهِ المُمزقةِ وتوقف عن عدِّها؟

هل هو التعوُّد على الأمر؟ أم هو فقدان التفاعل مع المكان وتحولاته؟،والنتيجة هي عدم التأثر بالجماليات وكأن القُبحَ والجمال سيّان لا يحرِّكا في الوجدان شيئاً؟ لماذا يقتل الفقر المتصل بالقبح أحاسيسنا بالجمال؟ اسئلة واسئلة دارت وتشابكت علامات استفهامها، وأخيرا فالمكان كله ... من الهامش الى القلب كان يغلي بحرارة فصل الصيف اللاهب والهواء الذي يلفح الوجوه، ترجلت من الباص الصغيرأفكر في فيفالدي* وأتخيل ماهو نوع الصيف الذي عاشه ... ليؤلف مقطوعته الموسيقية الجميلة التي اعطاها أسم هذا الفصل.

 

عمار حميد مهدي

.................

* فيفالدي: موسيقي أيطالي كلاسيكي عاش مابين القرنين الخامس والسادس عشر.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4188 المصادف: 2018-02-21 23:22:05