 أقلام ثقافية

تشيخوف بين الطب والادب

diaa nafie2كيف اختار تشيخوف (1860 – 1904) الدراسة في كلية الطب بعد انهاء المدرسة؟ وهل خطط في شبابه كي يصبح طبيبا؟ ولماذا لم يمارس هذه المهنة الانسانية لاحقا بعد ان تخرّج واصبح طبيبا ؟ وهل انعكست مهنته هذه على مسيرة نشاطه الابداعي في مجال الادب؟ هذه الاسئلة كانت ولا زالت تدور في الاوساط الادبية الروسية والعالمية حول تشيخوف، الذي يعد الان واحدا من الادباء الروس الكبار، و من ادباء العالم البارزين ايضا .

كتب تشيخوف سيرة حياته بشكل وجيز، وأشار هناك، الى انه (لا يتذكر!) لماذا اختار دراسة الطب عندما أنهى المدرسة، ولكنه أضاف – (انه لم يندم على ذلك) . وقد تناول الباحثون في ادب تشيخوف هذه الاشارات الوجيزة بالدراسة و التحليل، وتحدثوا عن اسباب اختياره لمهنة الطب، وربطوها بوضعه الصعب في مدينة تاغنروغ، اذ بقي فيها تشيخوف وحيدا كي ينهي المدرسة، بعد ان سافرت العائلة الى موسكو بسبب افلاس والده، وقد عانى تشيخوف كثيرا في تلك الفترة طبعا من جراء ذلك، وربما كان هذا الوضع هو الذي دفعه الى اختيار مهنة الطب والالتحاق في كلية الطب بمرحلة الصبا تلك، اذ ان مهنة الطبيب تضمن العيش الكريم اقتصاديا، اضافة الى احترام الآخرين لهذه المهنة المهمة والضرورية لحياة الناس، ولكن تشيخوف – على ما يبدو - لم يرغب بكتابة هذه التفاصيل الصغيرة والشخصية جدا في سيرة حياته الوجيزة تلك، ولهذا اختصر كل ذلك بجملة (لا يتذكر)، اذ كيف يمكن للانسان ان (لا يتذكر) تلك الفترة التي يقرر فيها اختيار مهنة المستقبل؟، ولكن الجملة الثانية هي المهمة والحاسمة في هذه السيرة الذاتية الوجيزة، اي – (انه لم يندم على ذلك) . لقد كان تشيخوف يفخر بمهنته تلك، وكتب بعد تخرجه لوحة علّقها على باب سكنه، وهي – الدكتور أ.ب. تشيخوف، وبدأ يمارس مهنته طبيبا، وأجاب على رسالة سوفورين، الذي نصحه ان يترك مهنة الطب ويتفرغ للادب قائلا – (انت تنصحني الا اركض وراء ارنبين، والا افكر باشتغالي في الطب، ولا أعرف لماذا يجب عليّ الا اركض وراء ارنبين بالمعنى الحرفي للكلمة، اذا كان الركض ممكنا ....؟ فانا راض عن نفسي عندما اعي، باني امتلك عملين وليس عملا واحدا. مهنة الطب زوجتي ..، اما الادآب فعشيقتي، وعندما تضجر من واحدة، تذهب للمبيت عند الاخرى .....)، وعلى الرغم من ان رسالة تشيخوف ذات طابع مرح وساخر جدا وتحمل روح الشباب، الا انها من جانب آخر تعبّر فعلا عن موقفه آنذاك . لقد بدأ تشيخوف بنشر قصصه القصيرة عندما كان طالبا في الكلية الطبية، ونجح فعلا - و بشكل باهر - في المجالين الطبي والادبي معا، ولم يفكر بالتفرغ في مجال واحد، اذ كان في قمة شبابه آنذاك، وكان على قناعة تامة انه يستطيع ان يؤدي في آن واحد (عملين وليس عملا واحدا) كما كتب في رسالته تلك، ولكن استمرار النجاحات الكبيرة في المجال الادبي أخذ يطغي على عمله في الطب تدريجيا، وقد حاول توحيد المهنتين، عندما قرر السفر الى جزيرة سخالين والتعرف على الحالة الصحية والاجتماعية للسجناء وسكان تلك الجزيرة النائية، وأصدر بعد السفرة كتابه الشهير بعنوان – (جزيرة سخالين)، والذي تميّز عن كل كتبه السابقة واللاحقة –، والذي تضّمن احصائيات علمية فريدة مستندة على الاف الاستمارات عن الوضع الصحي والاجتماعي للسكان هناك وضعها تشيخوف نفسه، وكتب عن هذه السفرة يقول – (ان العلوم الطبية لا يمكن ان تؤنبني باني خنتها)، واعتبر تشيخوف كتابه هذا بمثابة اطروحة دكتوراه في الطب، وان هذه الاطروحة تؤهله حتى للعمل تدريسيا في الكلية الطبية، الا ان المجلس العلمي للكلية رفض طلبه هذا، ويقول أحد الباحثين الروس، ان رفض المجلس العلمي لكلية الطب قد خدم الادب الروسي خدمة عظيمة، لانها أجبرت تشيخوف على تكريس كل جهده للعمل الابداعي والى الابد، وهوعلى حق فعلا . لقد ابتدأ تشيخوف في بداية تسعينات القرن التاسع عشر الاقتراب من فكرة التفرغ للعمل الادبي وترك مهنة الطب، لانه اصبح في عداد الادباء الروس الكبار، وابتدأت نتاجاته توفر له ضرورات الحياة الطبيعية، ونجد في احدى رسائله عام 1892 الجملة الاتية – (...ان مهنة الطب تعرقل مهنة الكتابة ..)، وقد كتب تشيخوف هذه الجملة عندما انتشرت الكوليرا في روسيا، وكان مضطرا ان يعمل ويسافر الى مناطق مختلفة، وترك تشيخوف اخيرا مهنة الطب عندما سافر للعيش في يالطا بسبب مرضه، ولكنه استمر بمتابعة كل ما هو جديد فيها.

كتب تشيخوف مرّة يقول – (.. ان العلوم الطبية كانت تمتلك تاثيرا جديا على نشاطي الادبي، انها وسّعت مجال ملاحظاتي ..ومنحتني القيمة الحقيقية التي يمكن ان يفهمها الطبيب فقط، وبفضل ذلك نجحت في عدم الوقوع بالاخطاء..). وقال احد الاكاديميين مؤكدا ما ذكره تشيخوف في جملته تلك – (تشيخوف يصوّر مرض وموت ابطاله بدقة علمية) .

الطبيب تشيخوف فقط كان يمكن ان يكتب قصصا دقيقة ورائعة مثل - (ردهة رقم 6) و (رجل في علبة) و (الراهب الاسود) وغيرها من النتاجات الابداعية التي لا زالت حيوية لحد الان.

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4221 المصادف: 2018-03-27 03:22:24