المثقف - أقلام ثقافية

كن فارغا" لتود هنري.. والتهافت على اصدار الكتب

لا نعلم سبب تهافت الكتاب الجدد او الاجيال الجديدة على اصدار الكتب بوقت مبكر من تجاربهم الكتابية. هناك من يصدر ثلاثة او اربعة كتب باعوام قليلة، كأنه في سباق مع نفسه وربما غيره من الكتاب قبل ان تتوضح تجربته الادبية او الشعرية والقصصية والسردية او النثرية، فنجد اكداسا من الكتب سواء في المهرجانات والمناسبات الادبية او في معارض الكتب وما اكثرها بعدد بلداننا العربية. وتصدر بتمويل شخصي من الكاتب في اكثر الاحيان، ما ادى الى انتشار دور نشر عبارة عن مكاتب تجارية تبتلع كل ما يدفعه الكاتب لطباعة كتابه بأعداد لا تتجاوز 300 نسخة، اضافة الى ما يمكنها ان تبيعه من نسخ قليلة سواء في المكتبات او معارض الكتب.

الاستسهال والاندفاع باصدار الكتب لا يمكن فصله عن التطورات التقنية في سرعة الطباعة والنشر والتوزيع بوسائل متعددة بعضها فورية كالكتاب الالكتروني او الرقمي وبعضها الاخر الورقي وهو ما نعنيه؛ فقد الكثير مما كان يثيره اصدار كتاب ورقي من نقاشات وكتابات سواء نقدية او تقييمية او عروض صحفية او وجهات نظر نقدية، وتتناوله الصحف والمجلات خاصة اذا كان يحمل افكارا جديدة او ذات محتوى ابداعي جديد او مبتكر، ويظل بعضها متداولا لسنين طويلة، تتناسب مع الجهد الذي بذله الكاتب في تأليفه، واكثر الكتب التي لا تحمل جديدا تهمل او تنسى بعد وقت قصير من اصدارها ولا تترك اي اثر سواء كان ثقافيا او ابداعيا في الوسط الثقافي والادبي.

واحدة من دواعي الكتابة، كما هو معروف، نيل الشهرة، ولكن من الصعب تحقيق ذلك او الوصول الى الشهرة من خلال اصدار كتب رديئة، او لا تحمل قيمة ادبية او اكاديمية او ابداعية الخ.. واذا لم تكن الشهرة واحدة من بين اسباب عديدة لدواعي الكتابة مما يصبو اليها المؤلف، فان هناك حتما شيئا ما يريد ان يوصله المؤلف الى القارئ، مما يدعو الى التريث ومراجعة ما كتب مرات للتأكد من ان ما يود ان يوصله المؤلف الى القارئ قد تحقق في مؤلفه، اضافة الى ان اصدار الكتب لا يحقق الشهرة كما كان يحدث في السابق، لاننا نعيش في عصر يمكن ان نطلق عليه عصر التخصص ونادرا ما يطالع فيه الفرد كتبا خارج اختصاصه، الا اذا كانت على درجة من التفرد والابداع وذات قيمة ادبية ومعرفية مميزة.

وفي عصرنا عصر الاتصالات الفورية بجميع تقنياته الجذابة والمدهشة اصبحت النوعية تطغى على الكمية بشكل واضح، ودائما ما يركن الاصدار الرديء شكلا ومضمونا الى النسيان والاهمال. كما ان العبرة ليست بعدد الاصدارات او عدد المؤلفات بقدر نوعيتها وقدرتها للوصول الى القارئ والاستحواذ على اهتمامه بحيث تضيف له اشياء جديدة او تفتح امامه عوالم غير مطروقة سابقا، اضافة الى زيادة معلوماته سواء العامة او الخاصة، ومثل هذا الاصدار او المؤلف لا شك سيكون ناجحا ومطلوب سواء على صعيد القراءة او التسويق والانتشار.

في السابق كانت جميع الكتب التي تصدر حديثا تلاقي انتشارا في بلد صدور الكتاب وباقي البلاد العربية سلبا وايجابا ويلقى عليها الضوء في الجرائد والمجلات والوسائل الاعلامية الاخرى مسموعة ومرئية بشكل واسع، وبعضها ذات القيمة العالية والرفيعة يصدر عنها العديد من الكتب التحليلية والنقدية لزيادة الفائدة واستخراج الفوائد الثقافية والمعرفية للإصدار او المؤلف. بينما تصدر في وقتنا الحالي عشرات الكتب او مئات الكتب شهريا ونكاد لا نسمع بها او نتعرف عليها وعلى محتواها، ولا تثير اي نوع من انواع الحراك النقدي او الأدبي إلا ما ندر.

التقنيات الحديثة في الطباعة، جعلت اصدار الكتب عملية غير معقدة وسهلة وبتكاليف قليلة، اضافة الى سرعة انجاز اصدار الكتب بانواع راقية من الورق وألوان تزيد عن الوان الطيف الشمسي بكل مشتقاته ليكون له جاذبية خاصة، لكن ذلك لا يعني اهمال المحتوى او رداءته لأننا نطمح ان يكون محتوى الكتاب بجميع الفروع المعرفية والثقافية بنفس المستوى الراقي للطباعة وتقنياتها الحديثة والمتفردة، ليكون مثالا على رقي الثقافة والفكر وآفاقهما المعرفية التي لا يحدها حدود سواء على المستوى الابداعي او التجديد في المضامين وانتاج الافكار الجديدة، احد الروافد الاساسية لتطور المجتمعات ورقيها.

وهذه التطورات التقنية تفرض علينا انماطا جديدة من التفكير، لانها ثورة بحد ذاتها على اساليب العمل القديمة بالخصوص التطورات الهائلة بفنون الطباعة وثورة الاتصالات التي اختزلت الزمن بين المرسل والمتلقي الى ثوان قليلة بعد ان كانت تستغرق اياما واسابيع, ولا شك ان هذه التطورات تفرض علينا نمطا اخر من التفكير يستجيب لمتطلبات هذه التطورات او البقاء على طرق وانماط التفكير القديمة التي لا تلائم عصرنا بجميع المجالات، وحين نفحص الكثير من الاصدارات والمؤلفات الجديدة: نجد محتوياتها تنتمي لانماط تفكير لا تمت لعصرنا بصلة او في أحسن الأحوال تنتمي لعصر اخر تاريخي غير عصر التقنيات وعالم الاتصالات المعاصر. فيبدو التناقض ظاهرا بين التقنية العالية للطباعة ومحتوى الكتاب او المؤلف الذي يجتر مواضيع غير ذات اهمية في عصرنا ومدى التطور الذي وصلت اليه الاداب والعلوم والثقافة بجميع فروعها المعرفية والاكاديمية. حتى اصبح من النادر استعمال الورق والأقلام سواء في المعاهد والجامعات او مدارس اعداد النشء او المبتدئين. وكمثال على تغير اساليب ونمط التفكير الذي احدثته التقنيات الجديدة طريقة كتابة وإرسال رسالة ماضيا والآن.

سهولة اصدار كتاب لا تعني مطلقا اهمال المحتوى او اهميته للقارئ او مدى التجديد والفائدة من قراءته، والسهولة باصدار الكتب والمؤلفات لا تقتصر على الاصدارات الورقية، فقد افرز عصرنا نمطا اخر من الاصدارات ونعني به الاصدار الرقمي او ما تسمى الكتب الالكترونية، وإصدارها لا يستغرق اكثر من الوقت الذي يتطلبه تسطيرها على الآلة الحاسبة. ولأنه اخيرا القارئ في عصرنا يبحث عن الجديد في الاصدارات ومدى الفائدة والمتعة من اقتناء الكتب او المؤلفات في جميع فروعها الأدبية والعلمية والتاريخية.

صدر للمؤلف الامريكي تود هنري العام 2013: "مت فارغ"، استلهم تود فكرة كتابه اثناء حضوره اجتماع عمل، عندما سأل مدير امريكي الحضور قائلا: ما هي اغنى ارض في العالم، فأجابه احدهم قائلا:

بلاد الخليج الغنية بالنفط.

وأضاف اخر: مناجم الالماس في افريقيا.

فعقب المدير على هذه الاجابات قائلا: بل هي المقبرة. نعم، انها المقبرة أغنى أرض في العالم، لان ملايين البشر رحلوا وهم يحملون الكثير من الافكار القيمة التي لم تخرج الى العلن.

ولكننا نريد ان نخالف المدير الامريكي ملهم المؤلف تود هنري الذي انتج كتابه المدهش فائق الاهمية والممتع: "مت فارغا" ذو الفائدة العظيمة، ونعتبر الكتب والمؤلفات اغنى أرض في العالم، لأنها الاكبر وعلى ظاهر الارض والاغنى بالأفكار على مر التاريخ، واذا اضفنا اليها المدونات بجميع اللغات سنحصل على مستودعات هائلة للأفكار والإبداعات والابتكارات. وهذه المدونات تأتلف مع دعوة تود هنري التي جاءت بصيغة الامر: "مت فارغا" لان المدونات قادرة على حفظ افكار جميع البشر قبل توديعهم الحياة، ورقادهم في القبور. بينما تبقى افكارهم مبثوثة في المدونات الرقمية ومواقع التواصل وبعضها في الكتب والمؤلفات.

 

قيس العذاري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4240 المصادف: 2018-04-15 12:50:16