المثقف - أقلام ثقافية

القراءة المنتقاة.. تلك الداءُ الجميل اللذيذ المذاق

jawad gloomفي الثالث والعشرين من ابريل / نيسان من كلّ عام تحتفل منظمة اليونسكو بيوم الكتاب الذي أقرّته الامم المتحدة منذ سنة / 1995 والمفرح انها اتخذت العام الماضي من بيت جدّنا المتنبي شعارا لها :

أعزّ مكانٍ في الدنى سرجُ سابحٍ ----- وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ

دعوني اسبق هذه المناسبة واكتب فسحة نثرية للقراء الاعزاء لتذكيرهم بأهمية القراءة المنتخبة المنتقاة لتوسيع افاق العقل وإنمائه وتوسيع مداركه؛ فهو الغنى والثراء رغم فقرنا وشحّة جيوبنا، وكم اشعر بالأسى والنكوص حين أطّلع على بيانات ومؤشرات القراءة عندنا والتي بدأت بالانحسار والعزوف عن الكتاب في محيط مجتمعنا الذي تهيمن فيه الان الخرافة والجهل والإذعان للتخلف ودعاته ممن يسمون انفسهم علماء الدين وهم اجهل الجهلاء .

فليس كل مانقرأه من كتب وأسفار هو سلاحٌ ماضٍ ضد الجهل لا بل تكون بعضها ترسيخا له .

القراءة المنتخبة المنتقاة هي العقار الفعّال الذي يطيح بالغباء ويستفزّ العقل ويُظهر لمعانه بعد ان يزيل صدأ ماتراكم في اذهاننا من عالقٍ سيء .

القراءة غير المنتخبة واعتماد المناهج الرثّة والكتب الصفر الغثّة الخالية من العقلانية والتنوير والتي عفا عليها الزمن وضعفت جدارتها لاتعدو كونها سيفا خشبيّا لايقتل عدوا، انها استعمار للعقل واحتلال بغيض للذهن وقيود للأيدي والعضل الذي يريد ان يبني ويعمّر .

من يفتح كتابا ثريّا في علومه كمن يفتح نافذة في مكان خانق او ثغرة في حائط سجنٍ مقفل، والقراءة السليمة سفَـرٌ في أزمنة وأمكنة بعيدة وتوغلّ مدروس في أرواح البشر الراحلين والماكثين معنا .

القراءة السليمة رحلة مع المعرفة وسياحة للعقل ولقاء بينك وبين العباقرة والعظماء والأدباء والعلماء وحينما تحوز كتابا رصينا كأنك تقطع تذكرة بطائرة لتكتشف شيئا لم تره قبلا وكثيرا ماتتوقف في محطات العقل الانساني لتهنأ وتستريح بضع ساعات لتتزود بالوقود الفكري وتواصل سفرك الى هدفك .

القراءة المنتخبة انتقاء السلاح العصري الفعّال الضامن لتحقيق النصر مهما كان عدوك قويا، هو الجرأة والإقدام في مواجهة الخوف وحب الحياة وتجميلها بما يضفي عليها العقل والعضل من سمات تسرّ الأنظار وأصوات كالموسيقى العذبة لتؤنس الأسماع وتسعد العيون بكلماتها وهي تقرض الجهل وتبيد خرقه البالية وتحيلها مزقا مزقا لترمى اخيرا في حاوية مزابل الفكر الضار غير السوي .

لا يخفى عليكم أحبّاءنا القرّاء اذا ابتُلِي احدٌ بداء عضال – عافاكم الله – فإنّ جلّ حياته تكون نكدا وغصّة وحزنا وفقرا وقلقا دائما حتى يشفى فتنفرج أساريره وتعود الفرحة والبسمة الى محيّاه، لكنّ هناك مرض وداءٌ رافق حياتي وكنت سعيدا بهِ ومؤنساً لي ولا اريده ان يفارقني الاّ لفترات قصيرة عند الأكل أو الاستحمام مثلا او الخروج لأنجاز شيءٍ ما عند اقتضاء الحاجة .

فمنذ ان شببتُ وترعرت وبدأت نوافذ عقلي ترفع ستارها على مايحيط بي كان اولّ ما انشددتُ اليه هو الكتاب ولاشيء غيره حتى صرتُ أسيره وكثيرا ما نادمني في ليالي القرّ والصرّ وأنست به صديقا صدوقا لايجزع عندما أتركه لسبب من الأسباب ويهلل ترحابا بي ويفتح قلبه سعةً وتحنانا حتى صار دائي ودوائي .

ولأني ولدت وكبرت في مدينة خالية تماما من كل وسائل المتعة فلا دار للسينما ولا مسرح ولا فعاليات فنية ولا قاعة تعرض فيها لوحات ورسومات في غاليري او صالة عرض ولا حتى ممارسة اللعب البريء كالشطرنج او النرد او الدومينو فكان لزاما عليّ ان أمسك جليس الخير هذا؛ مادامت كل المتع الاخرى غير متاحة لنا .

هذا يعني اني مصاب بداء يسمونه "الببلومانيا" وهو في ابسط تعريف له التعلقّ بالكتب تعلقا مفرطاً قد يصل الى حدّ الهوس والهيام حتى اني بكيت وكدت انهي حياتي انتحارا حينما بعتُ مكتبتي ووليت هاربا من سطوة الدكتاتورية الصدامية لكني ابقيت بعضا منها من نفائس الكتب التي يصعب التفريط بها في حقيبة السفر وانا ارحل بعيدا عن وطني اذ اعتدت ان احمل أسفاري مع أسفاري وأتحمّل عبء ثقلها وهي عندي اخفّ من جناح فراشة وكم كنت سعيدا الان حينما عوّضت عن حمل الكتب الورقية بأخذ حاسوبي معي وفي مكامنه مكتبة كاملة وألقمته بآلاف الكتب المفضّلة لديّ، يرافقني أينما رحلت وحيثما أزفت مثلما كان يفعل الصاحب بن عباد، الشاعر والوزير وجوّاب الآفاق الأكثر وعيا حين كان يأمر رجاله بتخصيص اكثر من خمسة جِمال محمولة كتبا لتصحبه في رحلاته الطويلة لولا ان ظفر بكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني فكان وحده المؤنس الرفيق ولم يعد يأخذ بقية مختارات كتبه معه ويرهق صحبه وحاشيته أثناء السفر

فما أجمل صحبة الكتاب وما ألذّ الشوق اليه ولو كان سقاما طويل الأمد خاصة في زمن عزّ فيه الصحب والأصدقاء وتناءى الأقرباء وشحّ الأوفياء وتدانى بيننا الغرباء .

فليكن الكتاب الثريّ صديقكم الدائم وأشيعوه تداوله واقرأوا كي ترتقوا بأيّ كيفية كانت سواء كان ورقيا ام إلكترونيا مادامت تصبّ كلها في تغذية العقل وترتيب السلوك الإنساني نحو الأفضل والأكثر تميّزا

 

جواد غلوم

 

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي الجليل جواد غلوم
ودّاً ودّا

أظنك تتحدث عن جيلك وجيلي تحديداً وذلك لأن الكتاب الورقي كان مصدر المعرفة الوحيد
أمّا الآن فإنَّ انعطافاً حادّاً راح يترك بصماته على القارىء وما عاد الكتاب الورقي
ولا الصحف الورقية في الصدارة وأصبحت الشابكة العنكبوتية هي الكل بالكل مع ان
الكتاب الورقي لا يزال مطلوباً ولكنّ القراءة في طريقها الى ان تتغيّر لأسباب قاهرة
وقد بدأت تأخذ المختصرات طريقها الى الشابكة فما عاد المثقف الشاب قادراً على اقتناء
كتاب قصة الحضارة لول ديوارانت مثلاً وهذا الكتاب تُرجم الى العربية بمجلدات كبيرة
وما عاد الوقت يسمح بقراءة متنوعة إلاّ نادراً ولكنْ مقارنةً بما قبل الشابكة العنكبوتية
فإن ما يطالعه الشخص العادي الآن قد تضاعف مرات عديدة فقبل عصر الهواتف الحديثة
والقنوات الفضائية كان الشخص العادي لا يقرأ في العام سوى خمسة صفحات في السنة
في أحسن الأحوال وهناك من لا يقرأ البتّة أما الآن فإن معدّل ما يطالعه الشخص العادي
يزيد على خمسة كتب في العام وذلك لأن الهويتف النقّال بما فيه من برامج يمنح
مستخدمه إطلالة على مختصرات في مجالات شتى , بعضها يصل الى صاحب الهاتف
دون سعي منه فالناس في عصر المعلوماتية يحصلون على المعلومة عَرَضاً دون سعي منهم
الى التحصيل , وهكذا نجد البعض يلجأ الى استشارة السيد غوغل بحثاً عن معلومة
هو بحاجة اليها وهذه مطالعة من نوع عصري ,
إنها فعل يتكرر طوال اليوم والأسبوع وليلاً ونهارا ومن هنا فإن القراءة
قد زادت كثيراً , القراءة إذنْ تغيّرت ولكنها منتقاة ايضاً إلاّ ان القراءة على أيامنا كانت
حبّاً للثقافة ذاتها أمّا الآن فإن القراءة ضرورة استدعتها حاجة ٌ محدّة وهذا هو الفرق
بين جيلين وعصرين وهذا طبعاً لا يُلغي الأستثناء فهناك من هو مجبوب على حب القراءة
وهناك من لا يقترب من الكتاب بعد تخرّجه من جامعته أو معهده .
كنا نشتري بعض الكتب وكنا نذهب الى المكتبة العامة , الآن مكتبات وكتب لا حصر لها
رهن الإشارة تناديك من شاشة الحاسوب .
أتفهّم عشقك للكتاب , ولكنَّ الزمن تغيّر وتغيّر الناس وتغيّر الكتاب ذاته .
يبدو لي أن القراءة المعمّقة لا تجتذب إلاّ نسبةً صغيرة جداً من الناس و هؤلاء هم
( المثقفون ) أمّا عامّة الناس فهم في شغل شاغل وهم معذورون في ذلك .
دمت في صحة وإبداع استاذي الكبير

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر العزيز على قلبي جمال
تحايا بحجم المحبة التي تربطني بك
اجل ماقلته صحيح تماما وها انت تذكرني بما قاله امبرتكو ايكو بان الكتاب الورقي لم يعد يقرأ
واصبحت الجريدة اليومية لاتستخدم الا لتنظيف الزجاج واحيانا فرشها كسفرة طعام والمعلومات الان تأتي اليك
طواعية عبر الهاتف او الانترنيت
وقبل ايام كنت ببيروت واتذكر شارع الحمرا بمقاهيه يعج بالقراء قبلا وكلٌ يمسك جريدته والان شاهدته بلا قراء وبلا جرائد
هكذا هي الحياة الان ولكن نبقى ندعو للقراءة ولو كانت الكترونية او رقمية عبر الهاتف
دمت صديقا ذا طراز رفيع اعتز به

This comment was minimized by the moderator on the site

هذه الأجيال لا تقرأ
والفضل للمواقع
احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

اجل سيدتي الاديبة الراقية فاطمة الزهراء
سبق وان كتبت كثيرا بهذا الشأن واخرها مقال / اقرأوا لترتقوا -- وكأنني انفخ في قربة مخرومة
تحياتي ست فاطمة -- تقبلي مواساتي لك ولشعبي في الجزائر الذي احبه وسبق ان استقررت في ربوعه
امدا غير قصير بكارثة الطائرة التي راح ضحيتها ما يقارب الثلاثمئة بريء

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4240 المصادف: 2018-04-15 13:09:51