 أقلام ثقافية

الكتاب.. الكتاب!

سهام جباركانت قراءة الكتب في مجتمعنا تثير الريبة أحياناً بل كثيراً، ان لم تكن ريبة سياسية ففي الأقل ثمة أوصاف اجتماعية جاهزة من نوع أن القارئ معقد أو مجنون وأن الكتب ستجنّنه ذات يوم.. وصولاً الى أننا صرنا نشهد اليوم من ينادي، وهم للغرابة ممن يتعاطى الكتابة والنشر، الى نبذ التزوّد المكثّف من الكتب، كأن القراءة تضرّ في أيما درجةٍ من درجاتها أو مستوى من مستوياتها..

كانت احداهن ممن تعمل في مكتبة ما ببغداد طبعاً، خلال الثمانينيات، تحذّرُني وهي تجدني أحاول استعارة كتب في السياسة أو في فلسفاتها من تلك المكتبة، من أن أكون موضع شكّ عند من سيكتشف استعاراتي لهذه الكتب، كان تحذيرها مربكاً قدر ما يبدو ناصحاً ففيه يستشعر المرء درجةً من التهديد والتخويف زمن القمع تدفع به الى الهرب..

كان شارع السراي مليئاً بمحلات الكتب مثلما هو مليء بمحلات القرطاسية، وكنتُ أشتري أيام المتوسطة والثانوية كل اسبوع أو أقل أو أكثر كتباً بالدراهم التي جمّعتُها ذلك الاسبوع، وأعود بالصيد الثمين الى البيت سعيدةً مستبشرة، الى جانب ذلك كانت مكتبة المدرسة آنذاك زاخرة بالكتب المهمة قديمةً وجديدة، وكانت الطالبة التي أوكل اليها عبء الاحتفاظ بمفتاح المكتبة غير متفرغة لفتحها واعطائي الوقت الكافي لاختيار الكتاب واستعارته.. ثمّ أني استطعتُ لاحقاً أن تتوفر لي فرص التفرغ للعمل بتلك المكتبة العظيمة فضلاً عن الفوز بجائزة أفضل قارئة فيها بالمدرسة بالصف الثالث المتوسط، كانت الجائزة التي حصلتُ عليها رواية (الفرسان الثلاثة) بناءً على اختيارٍ مني حين استُشرتُ في ذلك.

ولا أنسى ما كنتُ أراه في الحلم آنذاك من أني أسكنُ تلك المكتبة وأعيشُ فيها..

كنتُ أدوّن بعض ملخّصات وانطباعات عن الكتب التي قرأتُ وأفكاري حولها في كرّاس جميل كنتُ مهتمةً باكماله في مراحل أخرى من العمر بكراريس مماثلة الا أن زميلة دراسةٍ طلبت استعارته مني وجاءتني في يوم آخر لتقول أنه ضاع وأنها لا تجده..

كنتُ في مرحلة الجامعة وما بعدها أحاول الحصول على الكتب المهمة التي كنا نتداولها سريعاً مع الزملاء، كانوا يقولون أنهم جنود يريدون اللحاق قبل انتهاء اجازاتهم والتحاقهم بالجبهات أو هربهم منها، وأنتِ لماذا تستعجلين القراءة؟ كنت أجيب أني أيضاً أحاول اللحاق بالذي يمكنني اللحاق به في وطأة الزمن وايقاع الحياة التي هي حرب ومصائر ينوء المرء بها، لقد كنتُ أشعر بأني جندي هاربٌ أنا أيضاً وثمة انضباط يلاحقني..

في مظاهرةٍ زُججتُ فيها خلال أيام دراستي أسقطتُ كتباً على الأرض من التعب فتسارع شباب ببدلاتٍ وبملابس طلبة وغيرهم نحوي يفتشون كتبي وكراساتي عما يظنون أني أحاول اسقاطه لأحدٍ ما..

كانوا مخيفين، وارتحتُ وهم يتصفّحون أوراقي أنهم لم يجدوا كتاباتي التي أندّدُ بها عادةً بما أراه..

كان الكتاب وأنا أحمله أحياناً للقراءة في أماكن الانتظار أو عند الجلوس بالباص أمراً لا يتعدّى أن يكون في نظر الآخرين كتاب دراسة، فإن رمق أحدهم عنوان كتاب حشر نفسه في كلام ليس له طائل، أو غمز بعين الخبث أو انتقد، أذكر أني حملتُ مرةً كتاباً لنوال السعداوي فاضطررتُ لاحقاً لتغليفه تخلّصاً من المجتمع اللائم، ومرةً خضتُ نقاشاً من دون رغبة مني مع راكب أوصل اليّ تفضيله العلم على الادب، ولا أنسى وأنا أذهب الى مناقشتي للدكتوراه في التسعينيات بسيارة أجرة اضطراري للردّ على السائق الذي ردّد وهو يوصلني أن الشهادة لا قيمة لها الآن في زمن الحصار وأن البحث عن شيء آخر أجدى وأحسن رزقاً، أجبتُه وأنا أحاول مسح أثر الازعاج والتدخّل السمج والتطفّل عني قبل وصولي ودخولي معترك المناقشة، أني أدرس من أجل العلم لا من أجل الشهادة..

الكتابُ سبّةٌ أو مثار سخرية عند بعض من عرفتُ في زحام العمل، الكتاب جريمة عند من يفتش في مدخل كليةٍ، درّستُ فيها لاحقاً، الداخلات والخارجات، الكتاب ادّعاء وتفاخر عند من يزايد على القارئ،

الكتاب مظهر وجاهة عند من يزيّن بيته بالمجلّدات، وعند من يعلن بفخر كلّ حين عدد الكتب التي قرأها أو يشيع أنه قرأها..

وهو وجاهةٌ عند من يأخذون الكتاب ولا يرجعونه أو يسرقونه من معارض الكتاب، مستأثرين بالكتاب في هوس أو مرضٍ نفسي يسمّيه علم النفس (الببلومانيا) وهو نوع من وسواس قهري له تبعاته وأعراضه.. ربما هناك هوس التأليف أيضاً من دون جدارة.. هناك كتّاب مشهورون بذلك، بعضهم يأخذ من مصادر أخرى ويطلق عناوين رنّانة جاذبة بشدة للقراء من دون أن يسدّ حقاً القضية التي أشارت اليها تلك العناوين، وهناك مترجمون أيضاً يترجمون ما هو مترجم أصلاً لا أدري لذلك سبباً سوى السرقة والادّعاء..

أحد الشعراء يمجّد اسمَه الآن من لا يعرفه حقاً، قرأ مرةً كتاباً فملأ الدنيا ضجيجاً بالذي قرأه من عبارات وأقوال..

الكتاب سلعة عند من يتصيّد أثماناً مبتزٌا سواه ولقد نشطتْ في استنساخه وترويجه أيام التسعينيات تجارةٌ وسلب حق واستغلال..

الكتاب تهمة إذ دُفن تحت الأرض وفي الأفران وما شابه ذلك خوف الرقيب ولحق به الامحاء والتلف..

الكتاب عبء حين تريد أسرةٌ أن تتخلّص من مكتبة فقيد أو راحل أو مهاجر..

الكتاب كتاب رمل بورخيسي أو هو مستودع أسرار وخفايا لا حل لشفراتها..

الكتاب صديقٌ قديم صار مهدوراً دمُه زمن الأجهزة الحديثة والوسائل الالكترونية!

الكتاب ندّدتْ به النبوءات أنه سيصير غباراً وأن لا مكان له في عالم المستقبل الغريب المجهول..

الكتاب المحفوظ والمهدور..

الكتاب.. الكتاب!

 

د. سهام جبار

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

أُخَيّتي الشاعرة المبدعة سهام جبّار
ودّاً ودّا

ليستْ هذه بمقالةٍ , هذا نصٌّ جميل جميل .
الشاعرة الحقيقية كسهام جبار بإسلوبها الرصين ترفع المقالة الى مصاف النثر الفني .
دمتِ في صحة ٍ وإبداع أخيتي المبدعة .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

مذ اثرت دهشتي - اختي الكريمة - بمجموعتك الأولى (الشاعرة) وحتى الآن وانا اتواصل مع نصوصك الاكثر ادهاشا . تحية تقدير واحترام دائمين سيدتي الفاضلة.

د. سعد الصالحي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4280 المصادف: 2018-05-25 11:46:39