 أقلام ثقافية

"معضلتي" مع الكتابة!

لماذا ولمن تكتب؟! سؤالٌ يطرحه بين الحينٍ والآخر، بعض الأصدقاء عليّ، دونَ أنْ ينتظروا إجابة مني.. إشفاقاً منهم! ويزيدون على ذلك، لماذا تُسرفُ في هدرِ الوقت بكتابة

لـ" للنخبة "؟ فالناس/غالبيتهم لاتقرأ، وإنْ قرأوا، لايفقهونَ المجازَ في نصوصك، فهذا زمن السرعة!!

أعرف أنَّ البعضَ من الأصدقاء يكنُّ ليَ الوِدَّ، لكنه مُتخمٌ باليأسِ من صلاحِ مجتمعٍ مأزومٍ، يسوده جهلٌ أحلكُ من العتمة!! مجتمعٌ يعجُّ بالرياء والكذبِ والفساد بكل أنواعه وأشكاله... مجتمعٌ فقدَ كلَّ "مرجعياته"، إستُبيحت فيه جميعُ المُحرّمات، تُرِكَ نهباً للغرائزِ البدائية ..! حتى صارَ الصمتُ فيه سيداً للسلامة والنجاة ... فغَدَت البلادُ مرتعاً لتجّار الرذيلةِ والذممِ والشعارات الفارغة، التي لم تُشبِع حتى نفسها فراحت تقتاتُ على كِلسِ الحيطان!

أعاني من السؤال، وليس من الكتابة! ذلك أنَّ الكتابةَ إرتواءٌ وشِفاءٌ، كبَخّاخِ الربو، الذي أستنشقه كلما إحتقنت القَصَبات وضاقَ النَفَسٌ! إنه سؤالُ الوجعِ والقلَقِ، يحاصرني في مجالس الأصدقاء . لكنني سأمضي بقلمي وقرطاسي أستثير كلَّ قارئ قلِقِ مستفّزٍ من عجزٍ لامُسَوِّغَ لعدمِ مجابهته ...

ــ أكتبُ لكلِّ مَن خذلته "القيادات"، ولكلِّ مَنْ رفعَ على أكتافِ أحلامه زعيماً طار بأجنحة الكذب والخديعة والذلِّ، مُحصَّنا ضد المُسائلةِ والأستفسار، وحتى العتاب!

ــ أكتبُ لكلِّ مَنْ يعرفُ الوجَعَ ويشخّصُ الداءَ، لكنه لايُحرّكُ ساكناً، حفاظاً على سلامةِ اللحظةِ في "قبوه"، كي لا يُرمى بتهمةِ " النشوز!" و"العقوق"!!

ــ أكتُبُ لنبدأَ مسيرةَ تطهيرِ حقولنا، سمّموها بالكراهية والحقد، وإعداد بيادرنا، التي إمتلأت بالصراصير وتجّار الموت و"التخدير" والمخدرات والهذيان.

ــ أكتب عنّا ولنا نحن المؤمنين ببزوغِ الفجرِ، مهماَ إستطال سوادُ الليل،

لي صديقٌ مؤمنٌ أحترمه لأنه لم يضع لنفسه هدفَ "هدايتي!"، حاول طمأَنتي " أنَّ الله معنا!" ولابُدَّ أنّا منتصرون ... لكنه أطرقَ مُلفّعاً بالصمت لمّا سألته [إذا كانَ الله معنا حقّاً، فمنْ مع هؤلاء، الذين يلهجون بذكره صباحَ مساء وما إنفكّوا يجلسون على صدورنا ويقبضون على خوانيقنا، ينهبون البلاد والعباد، ولا من رادعٍ أخلاقي أو دينيٍّ

أو من أي نوعٍ كان ؟!]

معضلتي مع الكتابة!

(2)

تَرَجّلْ ..!

فالنسيانُ دابّـةٌ حَـرونْ،

تَرَجّلْ! فمـا أَنتَ بالأوَّلِ ولا الأخيـر ..!

كانَ / النسيانُ / بَغـلاً! لَـه عليكَ فضلٌ ... وفَّـرَ لَكَ، بعـدَ عقـودٍ، فرصَةَ الإطلال على ذاكرتِكَ والإستمتاعِ بأعادةِ صيـاغَةِ، وتشكيلِ، وتَلوينِ، ومُساءَلَةِ، وإستكشافِ ما مَررَتَ بـه – دونَ حُـزنٍ أو نَـدَمٍ – من أجلِ الفَـوزِ بمعرفِـةٍ تَمتَـدُّ لجِـذورِ الأشياءِ ... لإستنباطِ "الثابِتِ" و"الكامِنِ" تحتَ قِشرَةِ اليوميِّ، بهَدَفِ جَلْوِهِ من غُبـارِ العابِرِ ...

فَقَـدْ أَورَقتِ المُفرداتُ والمعانِـي .. تَعَتَّقَتِ المَشاعِرُ، رَحُبَتِ الظِـلالُ وغــدا النَـصُّ

قانِـيَ الحُمـرةِ .. يَستَفِزُّ / يَتَحَرَّشُ بـ " ثَـورِ" الكتابَـةِ المجيـدِ! عَـلَّ الذِكـرى تُضـيءُ دَربَ المعنـى فـي غَبَشِ الكلمـاتِ، وفِـي غَسَقِ العُمـرِ .. فالحَنينُ لَمّـا يَزَلْ صغيراً، مـا شِبَّ عنْ "غِمـده " بَعـدُ! يُمسِكُ بنياطِ النسيان، يكـادُ يُقطّعهـا .. ..

تَرَجَّلْ، وإبحثْ عن لُغَةٌ، تَرفِسُ لحظةَ الخطابةِ والشعار، تكونُ واحَـةً للتأمُّلِ ..

................................

عقُـودٌ مرَّتْ سِراعاً .. تَغَيَّرَتْ أشياءٌ وأَشياء، لكنَّ ذلكَ الحبل أمسى متيناً ... ستُضيفه إلى ما تعلّمتـه في مجـرى العيش : .." شيئان تزدادُ قيمتهما، يغـدوانِ أَطعَمَ، إنْ تَعَتَّقَا ... النبيذ والجبنة " وستُضيفُ لهما، من عندكَ، ذلك الحبلُ، الـذي يشدُّكَ إلى مَنْبَتِك الأوّل، الذي لَـمْ تَخْتَره!!

عَلَّمَكَ " الجَبَلُ "، وقبلَـه المُعْتَقَلُ، مـا دونـه كل شيء، إنه فِقـهَ الحُـريَّـةِ ..!

تـَعَلّمتَ كيفَ تَصنَع حبـلاً سِريّاً " ليسَ من مَسَدْ!" معَ أَرضِ البِدايـاتِ، أرضِ الحروفِ الأولـى، والحبِّ الأوَّلِ، والرعشَةِ الأولى ... والـ"كَفِّ" الأولـى، التي تلَقّيْتَهـا على وَجهِكَ ... تُحِسُّها بعدَ أكثر من خَمسين عاماً، فَتَمُـدَّ يَدَكَ – لا شُعوريَّـاً –

تَحُكّ مكـانَ الصفعَـةِ، كأنهــا حَدَثَتْ تَـوَّاً .. وما زالَ أَثَرُهـا حـارّاً ..!

على حَجـرِ النِسيانِ، سَتَصقِلُ الذِكـرى وتَشحَذُ شَفيرَهـا، حيثُ مُمكنة تَغدو الكتابَـةُ

عمّـا تَخَمَّرَ في جُنُبـاتِ اللاوعيِ .. ولَمْ يَتَغَيَّرْ بِفِعلِ عادِيـاتِ الزمـانِ ... فأضحَى ملجأً يُبَدِّدُ مرارةَ الحيـاةِ .. ويَصيـرُ حُلمـاً، تَغـدو الحيـاةُ منْ أجلـهِ مُبَرَّرَةً . فالعَيشُ يقتَضَي بقـاءَ الحُلُمِ .. فأِنْ تَحَقَّق " أَخْفَقَ "!

مفتوحـاً، طرِيَّـاً ظلَّ جُرحُ الذكـرى .. في عـالَمٍ ظَنينِ السعادة، كريم الشقاء ..!

................................

خيـاراتٌ وجوديَّـةٌ كثيرةٌ، أَهملتَهـا، كـي تُرضِــعِ ذاكـرتكَ البَصَريَّـةِ والحسيَّةِ ..

حتى راحَتْ تُحضِـرُ لكَ روائـحَ وعطـورٍ، يَقْشَعِرُّ لهـا زَغَبُ " العِجْمَةِ "، وَتُقَدِّمُ

لَكَ أَطباقَـاً من المباهِـجِ الصغيـرَةِ، من قَبيلِ ..

" أَنَّ حُـبَّ الوطَـنِ لا يحتَـــاجُ إلــى "وسـيطٍ "أو "سمسارٍ"، أَيَّـاً كانَ! تماماً كمـا العلاقـةَ بالرب، لا تحتـاجُ إلـى وسيطٍ! "

ما زالَت الحَيرةُ تَنهَشُكَ، إنْ بالحُبِّ فاضَ قلبُكَ، فهـو أَصغرُ من قلبِ لاعبِ كُرةٍ،

لكنَّه أكبَرُ، قَطعـاً، من قلبِ مُستبِدٍّ! خِلافَاً لآخريـن إستوطنَ العاقول قُلوبهـم ..

تروحُ تُغمِضُ عينيكَ فتستخرجُ وطناً آخـرَ، غيرَ هـذا الخراب ..

ستظلُّ حارِسَ الشرَرِ في الأحلام .. فقد تنسىِ الشرارةُ نفسها، وتَتقـادم فتنتهي إلى ومضَةٍ خجـولةٍ .. لذلكَ ستسرقُ، من بابٍ موارَبٍ لَفحَةَ النُجيمـاتِ، من مستورِ

سَهرَتهـا، فَلَرُبّمـا شاءَتْ مساءاتُ المنافي أنْ تَتَدفَّـأ بالذكـرى فقط .. حَدَّ التمادي ..!

................................

* أَنكونُ فَقَدنـا الأوطانَ لأنَّ القطيـعَ تاه عنّـا، فلَمْ نَعُـدْ نُصـابُ بالحنينِ إلى جحيمهـا .. ؟!

أَلذلكَ صَبرَتْ علينـا المنافـي ولم تأبه، عندما يفيضُ بنا الحنين فـي برونـز الصمت .. بشُرُفاتٍ هَجَرَهـا الحَمَـامُ وأَخَـذَ هَديلَـه معـه ... فنَظلَّ نرنو لنجـوم

ليلٍ عتيـق ؟!

ماذا جَنَيتَ حينَ أضرَمتَ المـاءَ في الصمتِ، والصمتَ في الكلام ؟!

ماذا جَنيتَ تبحثُ، مثلَ قردٍ، على صفحة المـاء عن شخصٍ آخرَ سواك ؟!

لمـاذا تسألُ الرياحَ عن أُمِّهـا والموجَ عن أبيه ؟!

* عَتَبي على مَنْ وَرَّطَني بالمفردةِ ونَسِيَ أنْ يُوصيهـا كي تَرفِقَ بِـيَ!

كانَ أبي يقولُ لِي، وكنتُ صغيراً لايفقه المعنى سوى الحِفظ، آفَـةُ الفيلِ عاجُـه،

وآفَـةُ البئرِ دَلـوُه .. وآفَـةُ الشِعرِ النَظمُ والجَرَسُ ..!

بأزميلٍ من صوتِ حَنجرَتِه العريضةِ حَفَرَ في صخرَةِ ذاكرتي الفَتِيَّةِ، بيتاً من الشِعرِ، قاله مُنبِّهـاً إيايَ يومَ حمَلتُ صينيةَ الشاي إلى غرفةِ الضيوف وشَرَعتُ

أُقدِّم الكؤوسَ، دونَ دِرايَةٍ، إبتداءاً من أَقربِ شخصٍ إلى الباب يساراً .. قالَ:

"مَنَعتِ الكاسْ عنَّـا أُمَّ عَمرٍ ....... وكانَ الكاسْ مَجـراهُ اليَمينَا "!

يومها إحمرَّ وجهي خجلاً، وما نسيت البيتَ!

 

......................................

نَـمْ قَريرَ العينِ ..! فَصغيرُكَ صـارَ شيخاً هَرِماً... لكنه لَمْ يُشفَ من ظَمَئه .. ولَمْ يُغـادر بُستانَ الحَرْفِ، ما فتِىءَ يصطادُ شُهُبَ المعنى وظلالَهـا ..

لَمَّـا يَزَلْ على تِلكَ الدرب، التي سَلَكها، أَبونـا الأوَّل مسكوناً بشَغَفِ إنبلاجِ المعنى .. لَمْ يُرهِبه التابـو، ولا الوعيـد، ولا حتى الخروجُ من الجنّـة ..!!

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4288 المصادف: 2018-06-02 05:01:55